Indexed OCR Text

Pages 381-400

أب ولو علاء سموا بذلك لأنهم يحيطون به، يقال: عصب الرجل، وقال الكرماني: المراد العصبة بعد
أصحاب الفروض، قال: ويؤخذ حكم أصحاب الفروض من ذكر العصبة بالطريق الأولى، ويشير إلى
ذلك قوله ((من كان)) فإنه يتناول أنواع المنتسبين إليه، بالنفس أو بالغير.
فقه الحديث
تتناول هذه الأحاديث الفرائض والعصبات -والإرث عند اختلاف الدين- والكلالة -وقضاء
الديون- وما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام.
أما الفرائض والعصبات ففيها يقول النووى: أجمع المسلمون على أن ما بقى بعد الفروض فهو
للعصبات، يقدم الأقرب فالأقرب، فلا يرث عاصب بعيد، مع وجود قريب، فإذا خلف بنتا وأخا وعما،
فللبنت النصف فرضا، والباقى للأخ، ولا شىء للعم. قال أصحابنا: والعصبة ثلاثة أقسام: عصبة
بنفسه، كالابن وابنه، والأخ وابنه، والعم وابنه، وعم الأب والجد وابنهما، ونحوهم، وقد يكون الأب
والجد عصبه، وقد يكون لهما فرض، فمتى كان للميت ابن أوابن ابن، لم يرث الأب إلا السدس فرضا،
ومتى لم يكن ولد، ولا ولد ابن، ورث بالتعصيب فقط، ومتى كانت بنت، أو بنت ابن، أوبنتان، أوبنتا
ابن، أخذ البنات فرضهن، وللأب من الباقى السدس فرضا، والباقى بالتعصيب. هذا أحد الأقسام، وهو
العصبة بنفسه.
القسم الثانى العصبة بغيره، وهو البنات بالبنين، وبنات الابن ببنى الابن، والأخوات بالإخوة.
والثالث العصبة مع غيره، وهو الأخوات للأبوين، أو لأب، مع البنات، أو بنات الابن، فإذا خلف
بنتا وأختا لأبوين، أو لأب، فللبنت النصف فرضا، والباقى للأخت تعصيبا، وإن خلف بنتا وبنت ابن
وأختا لأبوين، أو أختا لأب، فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقى للأخت، وإن خلف بنتين،
وينتى ابن، وأختا لأبوين، أو لأب، فللبنتين الثلثان، والباقى للأخت، ولاشىء لبنتى الابن، لأنه لم يبق
شىء من فرض جنس البنات، وهو الثلثان.
قال أصحابنا: وحيث أطلق العصبة، فالمراد به العصبة بنفسه، وهو كل ذكر يدلى بنفسه
بالقرابة، ليس بينه وبين الميت أنثى، ومتى انفرد العصبة أخذ جميع المال، ومتى كان مع أصحاب
فروض مستغرقة، فلا شىء له، وإن لم يستغرقوا كان له الباقى بعد فروضهم. (أقول: استثنى من ذلك
ما عرف بالمسألة الحجرية، فالفروض فيها مستغرقة، ومع ذلك ورث العصبة، كما فى زوج وأم وأخوة
لأم وأخ شقيق، فللزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوة لأم الثلث، ويشاركهم فيه الأخ الشقيق) كذا
عند الجمهور، وكان على وأبى وأبو موسى لا يشركون الإخوة، ولو كانوا أشقاء مع الإخوة لأم، لأنهم
عصبة، وقد استغرقت الفرائض المال، وبذلك قال جمع من الكوفيين، وأقرب العصبات البنون، ثم
بنوهم وإن سفلوا، ثم الأب، ثم الجد إن لم يكن أخ، والأخ إن لم يكن جد، فإن كان جد وأخ ففيها
خلاف مشهور، ثم بنو الإخوة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا.
٣٨١

ومن أدلى بأبوين يقدم على من يدلى بأب، فيقدم أخ لأبوين على أخ لأب ويقدم عم لأبوين على عم
لأب. وكذا الباقى، ويقدم الأخ من الأب على ابن الأخ من الأبوين، ويقدم ابن أخ لأب على عم لأبوين،
ويقدم عم لأب على ابن عم لأبوين. وكذا الباقى.
ولو خلف بنتا، وأختا لأبوين، وأخا لأب، فمذهبنا ومذهب الجمهور أن للبنت النصف، والباقى
للأخت، ولا شىء للأخ، وقال ابن عباس-رضى الله عنها-للبنت النصف، والباقى للأخ، دون الأخت.اهـ
ولم يوافق ابن عباس على ذلك أحد، إلا أهل الظاهر.
وأما الإرث مع اختلاف الدين فيقول النووى: أجمع المسلمون على أن الكافر لا يرث المسلم، وأما
المسلم فلا يرث الكافر أيضا عند جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وذهبت طائفة
إلى توريث المسلم من الكافر، وهو مذهب معاذ بن جبل، ومعاوية، وسعيد بن المسيب، ومسروق،
وغيرهم، وروى أيضا عن أبى الدرداء والشعبى والزهرى والنخعى نحوه، على خلاف بينهم فى ذلك،
واحتجوا بحديث ((الإسلام يعلو، ولا يعلى عليه)). وبحديث ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) أخرجه أبو داود
وصححه الحاكم، وقالوا: نرث أهل الكتاب ولا يرثونا، كما نتزوج منهم، ولا يتزوجون منا وحجة
الجمهور هذا الحديث الصحيح الصريح-روايتنا الأولى-ولا حجة فى حديث ((الإسلام يعلو، ولا يعلى
عليه)) ولا حديث ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) لأن الحديث الثانى متعقب بالانقطاع، وقيل: باطل وأما
الحديث الأول فلأن المراد به فضل الإسلام على غيره، ولم يتعرض أى من الحديثين للميراث، فلا
يُترك نص صحيح صريح بمثل هذا. ولعل هذه الطائفة لم يبلغها هذا الحديث.
ثم قال النووى: وأما المرتد فلا يرث المسلم بالإجماع، وأما المسلم فلا يرث المرتد عند الشافعى
ومالك، بل يكون ما له فيئا للمسلمين، وقال أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعى وإسحاق: يرثه ورثته من
المسلمين، وروى ذلك عن على وابن مسعود وجماعة من السلف، لكن قال الثورى وأبو حنيفة: ما كسبه
فى ردته فهو للمسلمين، وقال الآخرون: الجميع لورثته من المسلمين.
وأما توريث الكفار بعضهم من بعض، كاليهودى من النصرانى وعكسه، والمجوسى منهما، وهما
منه، فقال به الشافعى وأبو حنيفة وآخرون، ومنعه مالك. قال الشافعى: لكن لا يرث حربى من ذمى،
ولا ذمى من حربى، والله أعلم.
وأما الكلالة فقد تناولتها آية الشتاء، فى أوائل سورة النساء، وآية الصيف فى آخرها. فالآية
الأولى آية المواريث ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ الْنَتَیْن
فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النَّصْفُ وَلأَتَوَنَّهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهَ
وَلَدٌ فَإِن لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَّدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلْأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِي
بهَا أَوَّدَيْنِ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيَضَةٌ مِنِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمَاه
وَلَكُمْ نِصْفٌ مَا تَرَكَ أَرْوَاجُكُمْ إِن لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهَنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبَعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدٍ وَصِئٍَّ
يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُُّغَّ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَمْ يَكِّنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اللُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ
٣٨٢

مِن بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنِ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةٌ أَوْامْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُواَ أَكْثَرَ مِنَّ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثَّلُثِ، مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْدَيْنِ غَيْرَ
مُضَارٌ وَصِيَّةً مِن اَللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾
فهذه الآيات تناولت الكلالة فى حالة ما إذا لم يترك الميت ولدا ولا والدا، وترك إخوة
لأم، فقد كان ابن مسعود يقرأ ((وله أخ أو أخت من أم)) وكذلك قرأ سعد بن أبى وقاص،
فيما أخرجه البيهقى بسند صحيح، ومن الشتاء إلى الصيف أخذ الصحابة يستفتون رسول
الله :﴿ عن الكلالة بخصوص الإخوة والأخوات الشقيقات أو لأب، كما حدث من جابر ظه
رواياتنا الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة، فنزلت فى الصيف آية الكلالة ﴿يَسْتَفْتُونَكَ
قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمُ فِي الْكَلالَةِ إِن امْرُؤُ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرْتُهَا
إِن لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِن كَانُّتًا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُُّثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوا إِخْوَةٌ رِجَالاً وَنِسَاءً
فَلِلذَّكْرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَّيَّيَّنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦].
ولا بد من تقدير ((من أم)) فى الأخ والأخت فى الآية الأولى، لأن فرض السدس لا يكون للأخ إلا إذا
كان من أم، أما الشقيق أو لأب فهو عصبة، وأما الشقيقة فلها النصف فرضا، فتقييد الأخوة فى الآية
الأولى بكونهم من أم، وتقييد الأخوة فى الآية الثانية بكونهم من الأبوين أو لأب، ويلحق بالولد فى الآية
الثانية الوالد، فيكون المعنى إن امرؤ هلك ليس له ولد ولا والد، لأنه لوكان له والد لحجب الإخوة، إلا
عند الشيعة، فإنهم يورثون الإخوة مع الأب، قال القاضى عياض: وذكر بعض العلماء الإجماع على أن
الكلالة من لا ولد له ولا والد.اهـ
لكن العلماء اختلفوا فى المراد بالولد فى الآية الثانية هل يشمل البنت؟ وهل ينزل الجد
منزلة الأب، فلا ترث معه الإخوة؟ وقد سبق الخلاف فيمن ترك أختا وبنتا وأخا، ومذهب
ابن عباس فيها. واللَّه أعلم.
وأما قضاء ولى الأمر ديون المتوفى فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا جاءته جنازة سأل قبل أن
يصلى عليها: هل عليه دين؟ فإن قالوا: لا. صلى عليه، وإن قالوا: نعم. سأل: هل ترك مالا زائدا على
مؤنة تجهيزه يسد دينه؟ فإن قالوا: نعم. صلى عليه، وإن قالوا: لا. وتكفل أحد الصحابة بدينه صلى
عليه، فقد روى البخارى أنه صلى الله عليه وسلم ((سأل هل عليه دين؟، فقيل له: نعم. فقال: هل ترك
شيئا؟ قالوا: لا. قال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول اللَّه وعلىَّ دينه. فصلى
عليه)» فجعل رسول اللَّه﴿ إذا لقى أبا قتادة يقول: ما صنعت الديناران - مقدار الدين الذى تكفل
به-؟ حتى كان آخر ذلك أن قال: قضيتهما يا رسول اللَّه. قال: الآن بَرَّدْتَ عليه جلده.
قال العلماء: كان صلى الله عليه وسلم يترك الصلاة على من عليه دين، ليحرض الناس على قضاء
الديون فى حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاة النبي ®، وليحذر بذلك من الاستدانة
إلا لضرورة، واختلفوا: هل كانت صلاته على من عليه دين محرمة عليه؟ أو جائزة؟ قال النووي:
الصواب الجزم بجوازها. اهـ
٣٨٣

وظاهر الحديث أنه لم يكن يؤدى عن المدين دينه لضيق اليد، فلما فتح الله له الفتوح ضمن
الديون وقضاها، ولكن الحقيقة أنه صلى الله عليه وسلم لما تحقق الهدف من عدم صلاته، واهتم
الناس بالديون، وفهموا آثارها السيئة وصادف ذلك ما فتحه الله من فتوح ضمن الديون، وهل كان
يقضيها من مال مصالح المسلمين؟ أم كان يقضيها من خالص ماله؟ وهل كان القضاء واجبا عليه؟
أم لا؟ وهل يلزم القائم بأمر المسلمين أن يفعل ذلك بمن مات وعليه دين؟ فإن لم يفعل فالإثم عليه؟
أو لا؟ أقوال للعلماء.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- من أحاديث جابر، الرواية الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة يؤخذ فضيلة عيادة المريض.
٢- واستحباب المشى فيها، إذ فيه زيادة الأجر والثواب.
٣- وفى صب ماء الوضوء التبرك بآثار الصالحين وفضل طعامهم وشرابهم ونحوهما، وفضل مؤاكلتهم
ومشاربتهم ونحو ذلك. قاله النووى.
٤- ظهور آثار بركة النبى {9%.
٥- استدل به الشافعية وغيرهم على طهارة الماء المستعمل فى الوضوء والغسل، ردا على أبى يوسف،
القائل بنجاسته، وهى رواية عن أبى حنيفة.
قال النووى: وفى الاستدلال بهذا الحديث نظر، لأنه يحتمل أنه صب من الماء الباقى فى الإناء،
ولكن قد يقال: إن البركة العظمى فيما لاقى أعضاءه فى الوضوء، صلى اللّه عليه وسلم.
٦- وجواز وصية المريض، وإن كان عقله يذهب فى بعض أوقاته، بشرط أن تقع الوصية فى حال
إفاقته، وحضور عقله.
٧- وبسكوت النبى {18، وعدم رده على جابر استدل من لا يجوز الاجتهاد فى الأحكام للنبى { *.
والجمهور على جوازه، ويتأولون هذا الحديث وشبهه على أنه لم يظهرله بالاجتهاد شىء، فلهذا لم
يرد عليه شيئا، رجاء أن ينزل الوحى.
٨- استنبط منه البخارى مشروعية عيادة المغمى عليه، ولا يقال: إن عيادته لا فائدة منها، لكونه لا
يعلم بعائده، وقيل إن حديث جابر ليس فيه التصريح بأنهما علما أنه مغمى عليه قبل عيادته،
فلعل الإغماء وافق حضور حضورهما، بل الظاهر من السياق وقوع ذلك حال مجئيهما، وقبل
دخولهما عليه، فلا دلالة فيه على زيارة المغمى عليه، وأجيب بأن مجرد علم المريض بعائده بعد
الإفاقة يسر خاطره، على أن مشروعية عيادة المريض لا تتوقف على المريض وحده، بل فيها وراء
ذلك جبر لخاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد، ووضع يده على المريض، والمسح على
جسده، إلى غير ذلك.
٩- ومن الرواية التاسعة من قول عمر: ((وإنى إن أعش ... إلخ)) جواز تأخير القضاء فى قضية لم يظهر
٣٨٤

الحكم فيها ظهوراً بينا، فيؤخر الحكم حتى يتم الاجتهاد فيها، ويستوفى نظرها، ويتقرر الحكم، ثم .
يقضى به ويشيعه بين الناس. قال النووي: ولعل النبى 8# إنما أغلظ له لخوفه من اتكاله، واتكال
غيره على ما نص عليه صريحا، وتركهم الاستنباط من النصوص، وقد قال الله تعالى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَةُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فالاعتناء بالاستنباط
من آكد الواجبات المطلوبة، لأن النصوص الصريحة لا تفى إلّ باليسيرمن المسائل الحادثة، فإذا
أهمل الاستنباط فات القضاء فى معظم الأحكام النازلة، أو فى بعضها. والله أعلم.
١٠- استدل بعضهم بحديث البراء -روايتنا العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة على أن آية الكلالة
فى آخر النساء آخرآية نزلت من القرآن، وأخرج البخارى عن ابن عباس -رضى الله عنهما- أن
آخرآية نزلت على النبى # آية الربا، وجاء عنه من وجه آخر ((آخرآية نزلت على النبى ﴾
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] يقولون: إن النبى {® مكث بعدها تسع ليال.
وجمع بعضهم بأن الآيتين نزلتا جميعا، فيصدق أن كلا منهما آخر بالنسبة لما عداهما، ويحتمل
أن تكون الآخرية فى آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث مثلا، بخلاف آية البقرة، ويحتمل
عكسه. والله أعلم.
١١- ومن الرواية الثالثة عشرة، من قوله ((صلوا على صاحبكم)) الأمر بصلاة الجنازة، وهى فرض كفاية.
١٢- واستدل بعضهم بروايتنا الأولى، بقوله ((لا يرث الكافر المسلم» على جواز تخصيص عموم القرآن
بخبر الآحاد، لأن قوله تعالى ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ عام فى الأولاد، فخص منه الولد الكافر،
فلا يرث من المسلم، بالحديث المذكور، وأجيب بأن المنع حصل بالإجماع، وخبر الواحد إذا
حصل الإجماع على وفقه كان التخصيص بالإجماع، لا بخبر الواحد فقط.
والله أعلم
٣٨٥

كتاب الهبات
٤٢٩- باب الرجوع فى الصدقة والهبة.
٤٣٠- باب تفضيل بعض الأولاد على بعض فى الهبة.
٤٣١ - باب العمرى ، والرقبی.
٣٨٧

(٤٢٩) باب الرجوع فى الصدقة والهبة
٣٦٦٤ - ١ عَنْ عُمَّرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﴾(١) قَالَ: حَمَّلْتُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَأَضَاعَةُ صَاحِبُهُ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ِ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ «لا تَبْتَعْهُ
وَلا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَّتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».
٣٦٦٥ - - وفي رواية عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَزَادَ «لا تَبْتَعْهُ وَإِنْ أَعْطّاكُهُ بِدِرْهَمٍ».
٣٦٢٦ - -٣ٍ عَنْ عُمَرَ﴾(٢): أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ وَقَدْ
أَضَاعَةُ وَكَانَ قَلِيلَ الْمَالِ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَّهُ فَأَتَّى رَسُولَ اللَّهِوَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ «لا
تَشْرِهِ وَإِنْ أُعْطِيئَهُ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ مَثَلَ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثّلِ الْكَلْبِ يَعُودُ فِي ◌َيْئِهِ».
٣٦٦٧- ٣ٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا(٣): أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمّلَ عَلَى فَرَسٍ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَوَادَ أَنْ يَبْتَعَهُ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِفَ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ «لا تَبْتَعْهُ وَلا
تَعُدْ فِي صَدَقْتِكَ».
٣٦٦٨- ٣٢ٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٤): أَنَّ عُمَرَ حَمّلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ ثُمَّ رَآهَا تُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْعَرِيَهَا، فَسَأَلَ النَّبِيِّ :﴿، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ «لا
تَعُدْ فِي صَدَقْتِكَ یَا عُمَرُ».
٣٦٦٩-° عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٥) أَنَّ النَّبِيِّ: ﴿ قَالَ «مَثَلُ الْذِي يَرْجِعُ فِي
صَّدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ فَيَأْكُلُهُ)».
(١) حَدْثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةٌ بْنِ قَغْنَبٍ حَدََّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زِيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ:
- وحّدَّقَيِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ خَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَّ مَهْدِيٌّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ
(٢) حَدَِّي أُمْيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ حَدْقَا يَزِيدُ (يَعْنِي أَبْنَ زُرَيْعٍ) حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِهِ عَنْ
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
- وحَدَّثَاهِ ابْنُ أَبِي عُمّرَ حَدََّا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنٍ أَسْلَمَ بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ وَرَوْحٍ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ.
(٣) حَدَّثََّا يَحْتِى بْنُ يَخْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَائِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَّرٌ
- وحَّدَّثَنَاه ◌ُتْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ رُمْحِ جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَّعْدٍ ح وِحَدَّثَّا الْمُقَدَّمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى قَالا حَدَّثْنًا يَحْيّى
وَهُوَ الْقَطَّلُ حِ وَحَدََّا ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حِ وَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّقْنَا أَبُو أُسَامَةٌ كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ كِلاَّهُمَا
عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﴿ُ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ مَالِكٍ.
(٤) حَدَّثََّا ابْنُ أَبِي غَمَرَ وَعَبْدُ بْنَ حُمَّيْدٍ وَاللَّفَظُ لِعَبْدٍ قَالَ أَخْرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرّ
(٥) حَدَّقَتِي إِْرَاهِيمُ بِنُ مُوسَى الرَّازِيُّ وَإِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ قَالا أَخْبُوَنَا عِيسَىَ بْنُ يُونُسَ حَدَّثْنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنٍ
٣٨٩

٣٦٧٠- ٣- عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٦) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ «إِنَّمَا
مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَّثْلِ الْكَلْبِ يَقِيُ ثُمَّ يَأْكُلُ قَيْئَهُ)».
٣٦٧١ - ٧ عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمًا (٧) عَنِ النّبِيِّ ◌ِ ◌َ أَنَّهُ قَالَ «الْعَائِدُ فِي هِيَتِهِ
كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ».
٣٦٧٢ - ٨- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا (٨) عَنْ رَسُولِ اللّهِ﴿ قَالَ «الْعَائِدُ فِي هِيَتِهِ
كَالْكَلْبٍ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».
المعنى العام
أهدى تميم الدارى لرسول اللّه:# فرسا عريقا نفيسا، فأعطاه رسول اللّهم # لعمر به وكان يقال
له الورد، ولم يكن أمام عمر وضع يضع فيه هدية رسول اللّه# أفضل وأكرم من ساحة الجهاد، وعنده
من الخيل ما علمه وتعود عليه، فقدمه لأحد المجاهدين بأنفسهم، الفقراء الذين لا يجدون حمولة
تحملهم إلى الميدان، الذين قال الله فيهم ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَّحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ
عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِن الدَّمْعِ حَرْنًا﴾ [التوبة: ٩٢] قدمه عمر لأحد هؤلاء الأبطال الذين
تحتاجهم المعارك الإسلامية، ليرفعوا راية الإسلام عالية، وخرج به الفقير، وجاهد فى اللَّه حق
جهاده، وعاد من الغزو، فلم يجد ما ينفق به على علف الفرس ومؤنته، وضعف الفرس يوما بعد يوم عند
الرجل، فرأى الرجل أن يبيعه لمن يعرف قدره، ويعتنى به ويرعاه، ثم هو ينتفع بثمنه فى ضرورات
حياته، ورآه عمر يباع فى السوق، ومنظره لايدل على حقيقته وقيمته، وتأكد أنه سيباع برخص، ففكر
أن يشتريه، ليعيد إليه صحته ونشاطه وحيويته، وربما يحمل عليه رجلا آخر فى سبيل الله. لكن كيف
يمتلك صدقة بعد أن أخرجها وقبضها صاحبها؟ شك فى الحكم الشرعى لما فكر فيه، فسأل رسول الله
عَلِيّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
= - وَحَدَّثَنَاهَ أَبُو كُرَيْبٍ مُخَّمَّدُ بْنُ الْغَلَاءِ أَخْبُرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ الْأَوْرَاعِيِّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ يَذْكُرُ بِهَذَا
الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
- وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدْقًَّا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدْثًَّا حَرْبٌ خَدََّا يَحْتَى (وَهُوَّ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ) حَدَِّي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
عَمْرِو أَنْ مُحَمَّدَ ابْنَ فَاطِمَةٌ بِنْتٍ وَسُولِ اللَّهِف﴿ حَدَّقَهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
(٦) وَحَدَّثَتِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ وَأَحْمّذٌ بْنُ عِيسَى قَالاَ حَدَّقَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِيَ عَمْرٌو (وَهُوَّ ابْنُ الْحَارِثِ) عَنْ يُكْيْرِ أَنَّهُ
سَمِعَ سّعِيدَ بْنَ الْمُسَيْبِ يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ
(٧) وِحَدََّا مُحَمَّدُ بْنُّ الْمُثَنِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالا حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّقْنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدٍ بْنٍ
الْمُسْيَّبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
- وحَدْثَّه مَّحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى حَدْقَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(٨) وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ أَخْيَرَنَا الْمَخْزُوَمِيُّ حَدَّقْنَا وُهَيْبٌ حَدَّقَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ طَّاوُسٍ عَنْ أَبِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
٣٩٠

/ *. فقال له: لاتشتره. لاتشتره ولو أعطاكه بدرهم، إنك إن اشتريت أشبهت العائد فى صدقته، والعائد
فى صدقته كالكلب، يقىء، ثم يعود إلى قيئه فيأكله، ونفر عمر له من الفعل ومن شبهه، وبعد عن
شرائه، وفى ذلك من أدب التشريع ما يرفع الحياء عن المتصدق عليه إذا أراد أن يبيع الصدقة التى
أعطيت له، وكان فى ذلك من أدب التشريع ما يمنع المتصدق من أن يمد عينه إلى ما تصدق به، وما
يعظم نفسه عن التفكير فيما أخرج فى وجوه الخير.
المباحث العربية
(حملت على فرس عتيق فى سبيل الله) أى تصدقت به، ووهبته لمن يقاتل عليه فى سبيل
الله، وأصله حملت مجاهدا على فرس لى، وكانت الخيل والإبل من أهم عدة الجهاد، وكانت وسيلة
السفر، والعتيق الكريم الفائق من كل شىء، والمراد هنا فرس نفيس جواد، يقال عتق بفتح التاء يعتق
بكسرها، فهو عاتق وعتيق، أى بلغ نهايته ومداه، وعتق بضم التاء يعتق بضمها أيضا فهو عتيق، وهى
عتيق، أى قدم وكرم. وهل كان هذا الحمل على سبيل الهدية والهبة؟ أو على سبيل الصدقة؟ احتمالان،
والفرق بينهما أن الصدقة لا تكون إلا لمستحقها، أما الهبة فتكون لمستحق الزكاة، ولغير مستحق
الزكاة، والصدقة لا يقصد لها مقابل إلا من اللّه، أما الهبة فقد تكون بمقابل دنيوى من الموهوب له،
والفرس يطلق على الذكر والأنثى.
(فأضاعه صاحبه) أى أهمله، وقصر فى إطعامه وعلفه والعناية بأمره، والضائع الجائع،
والمفقود، وفى الرواية الثانية ((وكان قليل المال)) وقيل لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته، وقيل:
استعمله فيما لا يليق به، والأول أصح.
(فظننت أنه بائعه برخص) أى بثمن بخس رخيص، وهذا الظن بعد أن وجده يبيعه، ففى
الرواية الثالثة ((فوجده يباع)) وفى الرواية الرابعة ((ثم رآها تباع)).
(فسألت رسول اللَّه :﴿ عن ذلك) أى عن حكم شرائه بعد هبته، وكأنه وقع فى نفسه من ذلك
شىء، فسأل عن الحكم، وكان ما توقع، وفى الرواية الثانية ((فأراد أن يشتريه، فأتى رسول اللَّه ◌ُل﴾.
فذكر ذلك له)) وفى الرواية الثالثة ((فأراد أن يبتاعه، فسأل رسول اللّه ﴿ عن ذلك)).
(فقال: لا تبتعه، ولا تعد فى صدقتك) جعل شراءه عودا فى الصدقة للتنفير، فهو يشبه العود
من حيث رجوع المتصدق به إلى المتصدق، ولو بطريق ما، وفى الرواية الثانية ((لا تشتره، وإن أعطيته
بدرهم» مبالغة فى رخصه، الحامل له على الشراء. وقال الحافظ ابن حجر: سمى شراءه برخص عودا
فى الصدقة لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع للمشترى فى مثل ذلك، فأطلق على القدر الذى
يسامح به رجوعا، أو سماه عودا فى الصدقة من حيث إن الغرض كان ثواب الآخرة، والشراء جعله
للدنيا، وبخاصة إذا كان برخص.
٣٩١

(فإن العائد فى صدقته كالكلب يعود فى قيئه) فى الرواية الثانية ((فإن مثل
العائد فى صدقته كمثل الكلب، يعود فى قيئه)) وفى الرواية الخامسة ((مثل الذى يرجع فى
صدقته كمثل الكلب، يقىء ثم يعود فى قيئه، فيأكله)) وفى الرواية السادسة ((مثل الذى
يتصدق بصدقة، ثم يعود فى صدقته، كمثل الكلب، يقىء، ثم يأكل قيأه)) وفى هذا التشبيه
تنفير من وجوه. تشبيه العائد بالكلب، وهو أخس وأقذر الحيوان، وتشبيه ما يعاد بالقىء،
وهو مستقذر، وتشبيه العود بأكل القىء، وهو شديد القذارة والاستقباح.
فقه الحديث
اختلف العلماء فى حكم الرجوع فى الهبة والصدقة بطريق الشراء ونحوه، فقال ابن بطال: جعل
رسول اللَّه:﴿ الرجوع فى الهبة كالرجوع فى القىء، وهو حرام، فكذا الرجوع فى الهبة.اهـ
وقد روى البخارى ((ليس لنا مثل السوء، الذى يعود فى هبته كالكلب يرجع فى قيئه)) فهذا المثل
ظاهر فى تحريم الرجوع فى الهبة والصدقة بعد إقباضها. كذلك جاء فى حديث ((لا يحل لواهب أن
يرجع فى هبته».
قال النووى: هذا الحديث ظاهر فى تحريم الرجوع فى الهبة والصدقة بعد إقباضهما، وهو محمول
على هبة الأجنبى، أما إذا وهب لولده وإن سفل، فله الرجوع فيه، كما صرح به فى حديث النعمان بن
بشير، ولا رجوع فى هبة الإخوة والأعمام وغيرهم من ذوى الأرحام، هذا مذهب الشافعى، وبه قال مالك
والأوزاعى، وقال أبو حنيفة وآخرون: يرجع كل واهب، إلا الولد، وكل ذى رحم محرم.اهـ
ويجيب الحنفية عن هذا الحديث بأن الراجع فى القىء هو الكلب، لا الرجل، والكلب غير متعبد،
بتحليل ولا بتحريم، فلا يثبت منع الواهب من الرجوع، فالرسول # ينزه أمته من أمثال الكلب، لا أنه
أبطل أن يكون لهم الرجوع فى هباتهم، وأما حديث ((لا يحل لواهب أن يرجع فى هبته)» فإنه لا
يستلزم التحريم، وهو كقوله ((لا تحل الصدقة لغنى)) فنفى الحل لا يستلزم الحرمة.
كما يستدلون بحديث ((الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها)) رواه ابن ماجه والدارقطنى، وحديث
((من وهب هبة فهو أحق بهبته ما لم يثب منها)) رواه الطبرانى.
ويحملون هذا الحديث ونحوه على كراهة التنزيه. والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- استدل بالحديث بعضهم على جواز بيع الموقوف، إذا بلغ غاية لا يتصور الانتفاع به فيما وقف له،
وهذا الاستدلال مبنى على أن عمر حبس هذا الفرس ووقفه على الجهاد، وهذا يفتقر إلى دليل،
والظاهر أن حمل الفرس كان حمل تمليك، لا حمل تحبيس.
واستثنى العلماء من عموم عدم الرجوع فى الهبة صورا. قال الطبرى: يخص من عموم هذا
٣٩٢

الحديث من وهب بشرط الثواب، ومن كان والدا والموهوب له ولده، والهبة التى لم تقبض، والتى
ردها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار باستثناء كل ذلك، وأما ما عدا ذلك، كالغنى يثيب
الفقير، ونحو من يصل رحمه، فلا رجوع لهؤلاء، قال: ومما لا رجوع فيه مطلقا الصدقة، يراد بها
ثواب الآخرة.
٢- وأخذ بعضهم من قول عمر: حملت على فرس عتيق فى سبيل الله جواز إذاعة عمل البر، وتعقب
بأن كتمان عمل البرأفضل، لكن عمر تعارض عنده المصلحتان، الكتمان، وتبليغ الحكم
الشرعى، فرجح الثانى، فعمل به، وتعقب بأنه كان يمكنه أن يقول: حمل رجل على فرس مثلا، ولا
يقول: حملت، فيجمع بين المصلحتين، قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن محل رجحان
الكتمان إنما هو قبل الفعل وعنده، وأما بعد وقوعه فلعل الذى أُعطِيه أذاع ذلك، فانتقى الكتمان،
ويضاف إليه أن فى إضافته ذلك إلى نفسه تأكيداً لصحة الحكم المذكور، لأن الذى تقع له القصة
أجدر بضبطها ممن ليس عنده إلا وقوعها بحضوره، فلما أمن ما يخشى من الإعلان بالقصة، صرح
بإضافة الحكم إلى نفسه، ويحتمل أن يكون محل ترجيح الكتمان لمن يخشى على نفسه من
الإعلان، العجب والرياء، أما من أمن من ذلك كعمر فلا.اهـ
وفى هذا القول نظر، فإن كتمان عمل البر مطلوب قبل فعله، وعند فعله، وبعد فعله، واحتمال أن
الذى أعطيه أذاع ذلك لا يبنى عليه حتى ولو تأكد أنه أذاع، ولو أن تأكيد الصحة والضبط يفتح
الباب للإعلان لأعلن كل من فعل برا، وأما أن الأمن من الرياء يبيح الإعلان فغير مسلم، لأن
الكتمان من حكمته عدم جرح مشاعر المعطى، وخاصة فى مثل هذه الواقعة التى أساء فيها بائع
الفرس بإضاعته.
والظاهر أن عمر ه رأى فى القصة هضما لنفسه، وخطأ كاد يقع فيه، وقصدا لا يقصده أهل
المروءات، وقريا من الوقوع فى زلة شبهها رسول اللّه* بفعل أحقر الحيوانات، فذكر القصة
على أنه كاد يسىء لا على أنه فعل برا ومعروفا، كما يقول المتصدق: تصدقت ومننت بصدقتى،
فليس مقصوده إعلان البر، بل مقصوده إعلان الخطأ، والله أعلم.
٣- وفى الحديث فضل الحمل فى سبيل الله، والإعانة على الغزو بكل شيء . .
٤- وأن الحمل فى سبيل اللَّه يعطى المحمول حق بيعه، والانتفاع به، والانتفاع بثمنه.
٥- وفيه ما كان عليه عمره من جهاد بالمال، ويقظة وحيطة من الوقوع فى الأخطاء الشرعية.
٦- وفيه جواز استخدام الألفاظ المستقذرة عند إرادة التنفير، ليرتدع من تسول له نفسه الوقوع فى
الزلل، أو الاستهانة بالحكم الشرعى.
واللَّه أعلم
٣٩٣

(٤٣٠) باب تفضيل بعض الأولاد على بعض فى الهبة
٣٦٧٣- ١°- عَنِ الَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ﴾(٩): أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ إِنِّي
تَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلامًا كَانَ لِي. فَقّالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «أَكُلِّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِفْلَ هَذَا؟» فَقَالَ:
لا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَلِ «فَارْ جِعْهُ».
٣٦٧٤- ١٣٢ عَنِ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ﴾(١٠) قَالَ: أَتَى بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِل ◌َ فَقَالَ: إِنِّي
. تَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلامًا. فَقَالَ «أَكُلِّ بَنِيكَ تَحَلْتَ؟» قَالَ: لا. قَالَ «فَارْدُدْهُ».
٣٦٧٥ - ١١ وفي رواية(١١) «أَكُلَّ بَنِيكَ». وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ «أَكُلَّ وَلَدِكَ»
وَرِوَايَّةُ اللَّيْثِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النِّعْمَانِ وَحُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ بَثِيرًا جَاءَ بِالنَّعْمَانِ».
٣٦٧٢ - -١٣ عَنْ النّفْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ﴾(١٢) قَالَ: وَقَدْ أَعْطَاهُ أَبُوهُ غُلامًا. فَقَالَ لَسهُ
النّبِيُّ ◌َ﴿ّ «هَا هَذَا الْغُلامُ؟» قَالَ: أَغْطِّيهِ أَبِيٍ. قَالَ «فَكُلّ إِخْوَتِهِ أَغْطَيْتَهُ كَمَا أَعْطَيْتَ
هَذَا؟» قَالَ: لا. قَالَ «فَرُدَّهُ».
٣٦٧٧ - -١٣ٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﴾(١٣) قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهٍ. فَقَالَتْ أُمِّي
عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أَرْضَى حَتّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللّهِ:﴿ِ. فَالْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِي٤ِّ/َ لِيُشْهِدَةُ
عَلَى صَدَقَتِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِعَ لَ «أَفْعَلْتَّ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ)» قَالَ: لا. قَالَ «الْقُوا اللَّهَ
وَاعْدِلُوا فِي أَوْلادِكُمْ)» فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ ◌ِلْكَ الصَّدَقَّةَ.
(٩) حَدَّقَا يَحْتَى بْنُ يَحتَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَّيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ
◌ُحدِّقَائِهِ عَنِ النَّعْمَانِ بْنِ تَشِيرِ
(١٠) وحَدَّنَا يَحَّى بْنُ يَخْتَىَ أَخْبُرِّنَا إِنْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَّيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٍ بْنِ الَّعْمَانِ عَنِ الْنُعْمَانِ
ابْنِ بَشِيرِ
(١١) وَخَذْقْنَا أَبُوِ بَكْرِ بْنُ أَبِي هِيَةً وَ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمّرَ عَنِ ابْنِ عُنَيْئَةً حَ وَحَدََّا أَيْبَةُ وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ
ح وحَدَّقَبِي حَرْقَلَةُ بْنَّ يَخْتِيٍ أَخْبََّنَا ابْنُ وَهَّبٍ قَالَ أَخْبُرّنِي يُونُسُ حَ وَخَذْقَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنٌّ حُمَيْدٍ قَمالا أَخْبُرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ أَمَّا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ فِي حَدِيثِهِمَّا
(١٢) حَدَّثَنَا قُتَنِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَّا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ بْنٍ عُرْوَةً عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدََّا النَّعْمَانُ بْنَ بَشِيرٍ
(١٣) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةٌ حَدَّثَنَا عَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ عَنْ خُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النَّعْمَّانِ بْنّ بَشِيرٍ حِ وحَدْقَنَا يَحْتِى بْنُ
يَحْتِى وَاللَّفْظُ لَّهُ أَخْيَّرَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النَّعْمَانِ بْنٍ تَشِيرٍ
.٣٩٤

٣٦٧٨ - ٤ ١ِ عَنْ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَ﴾(١٤): أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ
مِنْ مَالِهِ لابِيِهَا، فَالْتَوَى بِهَا سَنَّةٌ ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَقَالَتْ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ عَلَى
مَا وَهَبْتَ لائِنِي فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلامٌ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِلَ: فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ
أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أَشْهِدَكَ عَلَى الْذِي وَهَبْتُ لابِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِ «يّا
بَشِيرُ أَلَّكَ وَلَدْ سِوَى هَذَا؟» قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ «أَكُلّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ: لا. قَالَ «فَلا .
تُشْهِدِي إِذًا فَإِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوٍْ».
٣٦٧٩- °ٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ﴾(١٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ قَالَ «أَلَكَ بُنُونَ سِوَاهُ؟»
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ «فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ: لا. قَالَ «فَلا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ».
٣٦٨٠ - -١٣٦ عَنِ النُّعْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ عَ﴾(١٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِفَ قَالَ لِأَبِيهِ «لا
تُشهِدِي عَلَى جَوْرٍ».
٣٦٨١- ١٧ عَنِ الَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﴾(١٧) قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانِ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي. فَقّالَ «أَكُلِّ بَنِيكَ قَدْ
نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النَّعْمَانُ؟» قَالَ: لا. قَالَ «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» ثُمَّ قَالَ «أَيَسُرُّكَ أَنْ
يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءٌ؟» قَالَ: بَلَى. قَالَ «فَلا إِذّا».
٣٦٨٢ - -ثُ عَنِ النَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَ﴾(١٨) قَالَ: تَحَلَّيِي أَبِي نُخْلا ثُمْ أَتَى بِي إِلَى رَسُولٍ
اللَّهِ مَّ لِيُشْهِدَهُ. فَقّالَ «أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ هَذَا؟» قَالَ: لا. قَالَ «أَلَيْسَ تُرِيدُ مِنْهُمُ الْبِرَّ مِثْلَ
مَا تُرِيدُ مِنْ ذَا؟» قَالَ: بَلَى. قَالَ «فَإِنِّي لا أَشْهَدُ» قَالَ ابْنُ عَوْنِ: فَحَدِّثْتُ بِهِ مُحَمَّدًا. فَقَالَ
إِنْمَا تَحَدَّقْنَا أَنَّهُ قَالَ «قَارِبُوا بَيْنَ أَوْلا دِكُمْ».
(١٤) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ أَبِي خَيَّانَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النَّعْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ ح وحَدَّقْنَا مُحَمْدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَيَّرِ وَاللَّفْظُ لَّهُ حَدْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشَرِ حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانِ الَّيْبِيُّ عَنِ الشَّغْبِيِّ حَدَّقَتِي النَّعْمَانُ بْنُّ بَشِيرٍ
(١٥) حَدَّهَا ابْنَ ثُمَيْرٍ حَدََّتِي أَبِي حَدْقَهَا إِسْمَعِيلُ عَنِ الشّعْبِيِّ عَنِ النَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ
(١٦) حَدْقَا إِسْحَقُّ بَّنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَاصِمِ الأَخْوّلِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْنَعْمَانِ بْنٍ تَثِيرٍ
(١٧) حَدَّثَنَا مُجَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وَعَبَّدُ الأَعْلَى حَ وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَيَغْقُِوبُ الدَّوْرَقِيُّ جَمِيعًا عَنِ ابْنٍ
عُلَيَّةَ وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِيَ هِنْدٍ عَنِ الْشَعْبِيِّ عَنِ الْنَعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ
(١٨) حَدَّقْنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْقَلِيُّ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ حَدَّقْنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الشَّغْبِيِّ عَنِ الْنَعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ
٣٩٥

٣٦٨٣ -_ ٩ ١ عَنْ جَابِرٍ﴾(١٩) قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ: انْحَلِ ابْنِي غُلامَكَ وَأَشْهِدْ لِي
رَسُولَ اللَّهِفَ﴿ فَأَتَّى رَسُولَ اللَّهِعَلِ: فَقَالَ: إِنَّ ابْنَةَ فُلانٍ سَأَتِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلامِي وَقَالَتْ
أَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللّهِعَ لِ: فَقَالَ «آَلَهُ إِخْوَةٌ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ «أَفَكُلُهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مّا
أَعْطَيْتَهُ؟» قَالَ: لا. قَالَ «فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا وَإِنِّي لا أَشْهَدُ إِلا عَلَى حَقِّ».
المعنى العام
المال والحرص عليه من أهم أسباب الشقاء الإنسانى فى هذه الحياة، يورث الشقاق بين الإخوة
وذوى الأرحام ويزرع عقوق الأبناء للآباء، من أجل هذا اهتم الإسلام بتصرف الآباء فى مالهم مع
الأبناء. لقد وُضعت القواعد والقيود والفرائض فى الميراث، ورضى المسلمون بحكم اللَّه فيه، ولم يعد
أداة للنزاع، أو سببا للفرقة والبغضاء. فماذا عن تصرفات الآباء فى حياتهم؟ هل يسوون بين أولادهم؟
أو يتبعون النوازع النفسية، وزيادة حبهم لبعض الأولاد فوق حب البعض، لا نقاش فى درجات الحب
القلبى، ولا عقوبة على ميل الآباء للبعض فوق البعض، فذلك مما لا يملكه البشر، إنما النقاش فى عدم
المساواة بين الأولاد فى العطاء المادى، وقد تتعدد أمهات الأولاد، فتكون لإحداهن حظوة ودلال على
الأب تحاول من خلاله تمييز أولادها عن أولاد ضرائرها فى مال أبيهم، وها هى عمرة بنت رواحة
تطلب من زوجها بشير بن سعد أن يمنح ابنهامنه النعمان منحة يختص بها دون إخوته من
ضرائرها، ويماطل زوجها فى الإجابة، وتلح فى الطلب، وتمضى سَنّة وبعض أخرى، وعَمرة تلح، وبشير
يراوغ ويماطل، حتى هددته بالتوقف عن تربية النعمان ورعايته إذا لم يمنحه عبدا يملكه، أو حديقة
هى أعز أمواله، ولم يجد بشير بدا من إجابتها، فوهب للنعمان عبدا غلاما، أو حديقة، أو الأمرين،
وخافت عمرة من تراجع بشير أمام ضغط الأبناء الآخرين وأمهاتهم، فطلبت منه أن يشهد على هذه
المنحة رسول اللَّه ﴿، توثيقا وتمكينا وتبركا، وذهب بشير إلى رسول اللّه # يصحب معه ابنه،
يحمله فى بعض الطريق لصغره، ويمشى معه فى بعضه، حتى وصلا إلى رسول الله -. فقال بشير: يا
رسول اللَّه، إن النعمان هذا ابنى من عمرة بنت رواحة وإنها طلبت منى أن أمنحه عطية، فوهبته
غلاما هو أحب مالى إلى، فقالت لى أمه: لا يرضينى إلا أن تشهد رسول اللّه على هذه الهبة.
فاشهد يا رسول الله أننى منحت ابنى النعمان هذا الغلام. قال رسول اللّه : ألك ولد سواه؟ قال:
نعم قال له: أأعطيت أولادك الآخرين مثل ما أعطيت النعمان؟ قال: لا قال: هل تحب من الجميع أن
يبروك بأحسن درجات البر؟ قال: نعم. قال: سوبينهم اتقوا اللَّه واعدلوا بين أولادكم، سووا بين
أولادكم فى الهبة كما تحبون أن يسووا لكم فى البر، رُد-يا بشير-هذه العطية، وإلا فأشهد عليها غيرى،
فليس يصلح هذا، وإنى لا أشهد على جور، ولا أشهد إلا على حق، فرجع بشير إلى بيته، وأعلن إلى عمرة
(١٩) حَدََّا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدْقَنَا أَبُو الزَُّيْرِ عَنْ جَابِرٍ
٣٩٦

أنه استرد عطيته، بناء على أمر رسول اللَّه :﴿، وسلمت ◌ُمرة بحكم اللَّه، وهى تقول فى نفسها؛ ليتنى
رضيت بالهدية دون إشهاد، وليتنى لم أطمع، وقد علمت أن الطمع يذهب بما جمع ..
المباحث العربية
(عن النعمان بن بشير) ((بشير)) بن سعد بن ثعلبة بن الجلاس-بضم الجيم وتخفيف اللام-
الخزرجى، صحابى مشهور، من أهل بدر، وشهد غيرها، مات فى خلافة أبى بكر سنة ثلاث عشرة،
ويقال: أنه أول من بایع أبا بكر من الأنصار.
(إن أباه أتى به رسول اللّه) وفى الرواية الخامسة ((فأخذ أبى بيدى، وأنا يومئذ غلام،
فأتى رسول اللَّه ◌ِ﴿)) وفى الرواية الثامنة ((انطلق بى أبى يحملنى إلى رسول اللَّه ﴿)) ويجمع بين
الروايتين بأنه أخذه بيده، فمشى معه بعض الطريق، وحمله فى بعضها، لصغر سنه، أوعبر عن
استتباعه إياه بالحمل.
(فقال: إنى نحلت ابنى هذا غلاما كان لى) ((نحلت)) بفتح الحاء وسكون اللام، يقال:
نحل ينحل، من باب ذهب يذهب، والنحلة بكسر النون وسكون الحاء العطية بغير عوض، وهى
المرادة بالصدقة فى قوله فى الرواية الرابعة ((تصدق علىّ أبى ببعض ماله)) وفى الرواية الثالثة ((فقال
له النبى : ما هذا الغلام؟ قال: أعطانيه أبى)) فكأنهما أخذا الغلام معهما، وكأن رسول اللَّه # سأل
عنه، وأجيب من النعمان، ثم حكى بشير قصته.
وواضح من هذا أن النحلة كانت غلاما، لكن وقع عند ابن حبان والطبرانى عن النعمان بن بشير
أنه خطب بالكوفة فقال: إن والدى بشير بن سعد أتى النبي #، فقال: إن عمرة بنت رواحة نفست
بغلام، وإنى سميته النعمان، وإنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هولى، وأنها
قالت: أشهد على ذلك رسول اللَّه ◌َ﴿)) وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ((لا أشهد على جور)) وجمع ابن
حبان بين الروايتين بالحمل على وقعتين، إحداهما عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة،
والأخرى بعد أن كبر النعمان، وكانت العطية عبدا. قال الحافظ ابن حجر: وهو جمع لا بأس به، إلا
أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير مع جلالته الحكم فى المسألة، حتى يعود إلى النبى 98.
فيستشهده على العطية الثانية، بعد أن قال له فى الأولى ((لا أشهد على جور)) وجوزابن حبان أن
يكون بشير ظن نسخ الحكم، وقال غيره: يحتمل أن يكون بشير حمل الأمر الأول على كراهة التنزيه، أو
ظن أنه لا يلزم من الامتناع فى الحديقة الامتناع فى العبد، لأن ثمن الحديقة فى الأغلب أكثر من
ثمن العبد.
قال الحافظ ابن حجر: ثم ظهرلى وجه آخر من الجمع، يسلم من هذا الخدش، ولا يحتاج إلى
جواب، وهو أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يهب له شيئا، يخصه به، وهبه الحديقة المذكورة،
تطييبا لخاطرها، ثم بدا له فارتجعها، لأنه لم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة فى ذلك، فماطلها
٣٩٧

سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاما، ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت
أن يرتجعه أيضا فقالت له: أشهد على ذلك رسول اللَّه *، تريد بذلك تثبيت العطية وأن تأمن من
رجوعها فيها، ويكون مجيئه إلى النبى - للإشهاد، مرة واحدة، وهى الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض
الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة، ويقص بعضها أخرى، فسمع
كل ما رواه، فاقتصر عليه.اهـ
وهو جمع حسن، وإن كان يقوم على احتمال الهبة والرجوع فيها، ثم الهبة مرة أخرى، وهذا يحتاج
إلى معتمد، ثم إن رواية ابن حبان والطبرانى فيها الحديقة، وفيها إتيان النبى { وقوله ((لا أشهد
على جور)) ورواية العبد فى الصحيحين فيها الإتيان إلى النبى ®، وقوله ((لا أشهد على جور)» فبقى
الإشكال، وعندى احتمال قد يرفع الإشكال، وهو أن يكون بشيرقد نحل ابنه حديقة وغلاما معا،
ويكون الذهاب إلى رسول اللّه # مرة واحدة، وأنه قال لرسول اللّه ل﴾: إنى قد نحلت ابنى هذا
حديقة وغلاما ... إلخ، فذكر النعمان فى تحديثه إحدى النحلتين، أو اقتصر بعض الرواة على ذكر
إحدى النحلتين، وذكر إحدى النحلتين لا ينفى الأخرى، حيث لا قصر فى الأسلوب، هذا إذا كانت
هناك ضرورة للجمع، وإلا فالاعتماد على روايات الصحيحين. واللَّه أعلم.
(أكل ولدك نحلته مثل هذا؟) الهمزة للاستفهام الحقيقى، و((كل)) منصوب على الاشتغال،
وهو مفعول مقدم فى الرواية الثانية ((أكل بنيك نحلت))، والولد يطلق على الذكر والأنثى، ولم يذكرابن
سعد لبشير والد النعمان ولدا غير النعمان، وذكر له بنتا اسمها أبية تصغير أبى وفى الرواية الثانية
((أكل بنيك نحلت)) والابن يطلق على الذكر، فإن كان لبشير ذكور وإناث فذكر ((بنيك)) للتغليب
والرواية السادسة، ولفظها ((ألك بنون سواه؟ قال: نعم)) ترد كلام ابن سعد، اللَّهم إلا أن يقال: إنهم
كانوا وماتوا، وهو بعيد. وفى الرواية الثالثة ((فكل إخوته أعطيته كما أعطيت هذا)»؟ والضمير فى
((أعطيته)) يجوز إفراده مراعاة للفظ ((كل)) وجمعه مراعاة لمعناه، ومثل ذلك ما جاء فى الرواية
الخامسة بلفظ ((أكلهم وهبت له مثل هذا))؟ والولد بفتح الواو واللام، وكذا بضم الواو وسكون اللام
يطلق على المفرد والجمع، ولذا جاء فى الرواية الرابعة ((أفعلت هذا بولدك كلهم))؟.
(فقال رسول اللَّه ◌ُله: فارجعه) أى ارجع ما نحلته لابنك. وفى الرواية الثانية ((فاردده)) وفى
الرواية الثالثة ((فرده)) وفى الرواية الرابعة ((فرجع أبى فرد تلك الصدقة)).
(عمرة بنت رواحة) بن ثعلبة الخزرجية، أخت عبد الله بن رواحة، الصحابى المشهور،
و((رواحة)) بفتح الراء.
(بعض الموهبة) قال النووي: كذا فى بعض النسخ، وفى معظمها ((بعض الموهوبة)» وتقديرها
بعض الأشياء الموهوبة.
(فالتوى بها سنة) أى فماطلها سنة، وعند ابن حبان ((حولين)) ويجمع بينهما بأن المدة كانت
سنة وشيئا، فجبر الكسر تارة، وألغى أخرى.
٣٩٨

(اتقوا الله واعدلوا فى أولادكم) فى رواية للبخارى ((فاتقوا اللَّه واعدلوا بين أولادكم)) زاد فى
بعضها ((فى العطية)) وفى رواية ((سووا بين أولادكم فى العطية، كما تحبون أن يسووا بينكم فى البر)
وسيأتى فى فقه الحديث خلاف العلماء فى المراد بالتسوية، وفى ملحق روايتنا التاسعة ((قاربوا بين
أولادكم)) بالباء، وفى بعض النسخ ((قارنوا)) بالنون.
(فلا تشهدنى إذا، فإنى لا أشهد على جور) وفى الرواية السابعة ((لا تشهدنى على جور))
وفى الرواية الثامنة ((فأشهد على هذا غيرى ... فلا إذا)) والتنوين فى ((إذا)) عوض عن جملة الشرط، أى
إذا كنت يسرك أن يكونوا إليك فى البرسواء فلا أشهد، وفى الرواية العاشرة ((فليس يصلح هذا، وإنى
لا أشهد إلا على حق)) والجور الميل عن الاستواء والاعتدال، وعن الطريق المستقيم، فإن كان شديدا
فهو الحرام، وإن كان قليلا فهو المكروه.
فقه الحديث
لا خلاف بين العلماء فى أن التسوية بين الأبناء والبنات، أى بين الأولاد مطلوبة شرعا، ولكن
الخلاف فى: هل هى واجبة؟ فعدم التسوية حرام؟
وعلى القول بأنها واجبة، وعدمها حرام، هل تكون باطلة؟ أو ماضية نافذة مع الحرمة؟
وعلى القول بأنها مستحبة، هل يستحب التسوية بين الذكر والأنثى؟ أو للذكر مثل حظ الأنثيين؟
ولكل أدلته، ووجهة نظر فى هذه الأحاديث وغيرها، نعرضها بالتفصيل الذى يسمح به المقام.
أولا: القول بأن التسوية واجبة، وعدمها حرام، وهى باطلة قال به طاووس وعطاء بن أبي رباح
ومجاهد وعروة وأبو جريج والنخعى والشعبى وابن شبرمة وأحمد وإسحق وسائر الظاهرية.
واحتجوا على وجوب التسوية وحرمة التفضيل بظاهر عبارات هذه الأحاديث:
(أ) (اتقوا اللَّه واعدلوا فى أولادكم)) روايتنا الرابعة.
(ب) ((لا أشهد على جور)) والجور الظلم، وهو حرام-روايتنا الخامسة والسادسة.
(ج) ((لا تشهدنى على جور) - روايتنا السابعة.
(د) «لا أشهد إلا على حق)) روايتنا العاشرة.
(هـ) عند أحمد ((إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم والحق واجب)).
(و) وعند أبى داود ((إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك)).
(ز) وعند النسائى ((إلا سويت بينهم)) وعنده وعند ابن حبان ((سوبينهم)).
فهذه الألفاظ وإن اختلفت ترجع إلى معنى واحد، وتفيد وجوب التسوية.
٣٩٩

يضاف إلى ذلك أن التسوية مقدمة للواجب، وأن التفضيل مقدمة للمحرم، فهو مقدمة لقطع
. الرحم والعقوق، وما يؤدى إلى المحرم محرم، فالتفضيل محرم.
واحتجوا على بطلان التفضيل بالأمر بالرد، ((فارجعه)) روايتنا الأولى «فاردده» روايتنا
الثانية ((فرده)) روايتنا الثالثة، فلولا فساد العقد ما أمر بالرد، وفى الرواية العاشرة ((فليس
يصلح هذا» أى فهو باطل.
ثانياً: القول بأن التسوية واجبة، وعدمها حرام، ويجب عليه رد التفضيل، فإن لم يرد التفضيل صح
ونفذ مع الحرمة، وهذا القول لبعض الفريق السابق، وهو المشهور عن أحمد، بل أصح شىء عنه، كما
ذكره الخرقى عنه، إذ قال: وإذا فضل بعض ولده فى العطية أمر برده، فإن مات ولم يرده فقد ثبت لمن
وهب له، إذا كان ذلك فى صحته.اهـ وبه قال بعض المالكية، ويقولون: إن فى قوله ((ارجعه)) دليل
على الصحة، إذ لولم تصح الهبة لم يصح الرجوع.
ثالثاً: تجب التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار. وهو قول أبى يوسف.
رابعاً: تجب التسوية ما لم يكن للتفضيل سبب، فإن كان للتفضيل سبب، كاحتياج الولد،
لزمانته، أو دينه، أو نحو ذلك جاز. وهذا القول رواية عن أحمد.
خامساً: التسوية مستحبة، ويسوى بين الذكر والأنثى، وتفضيل بعض الأولاد على بعض مكروه،
وليس بحرام، وهو قول جمهور الشافعية، وظاهر الأمر بالتسوية يشهد لهم.
سادساً: التسوية مستحبة، ومعناها أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وأما التفضيل فقد كرهه
الثورى وابن المبارك وأحمد، وكان إسحق يقول مثل هذا، ثم رجع إلى قول الشافعى: ترك التفضيل
فى عطية الأبناء فيه حسن الأدب، ويجوزله ذلك فى الحكم. اهـ
وباستحباب التسوية قال الشافعية والحنفية والمالكية والجمهور، فإن فضل بعض أولاده صح
وكره، واستحبت المبادرة إلى التسوية أو الرجوع.
وأما أن العدل فى إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين فلأنه حظه من ذلك المال، لو أبقاه الواهب فى
يده حتى مات.
ويجيب الجمهور على أدلة الموجبين للتسوية.
بأن قوله ((لا أشهد على جور)) لا يلزم منه أن يكون حراما، بل لوكان حراما أو باطلا ما قال فى
روايتنا الثامنة ((فأشهد على هذا غيرى)) فإن قيل: قاله تهديدا قلنا: الأصل فى كلام الشرع الحقيقة،
وليس التهديد، فقوله ((أشهد)» بفعل الأمر يعطى وجوب إشهاد الغير أو ندبه، أو على الأقل إباحته،
فوجب، تأويل الجور على أنه مكروه كراهة تنزيه، فمعنى ((لا أشهد على جور)) لا أشهد على ميل الأب
لبعض الأولاد، دون بعض.
وبأن امتناعه صلى الله عليه وسلم عن الشهادة كان توقيا عن مثل ذلك لرفعة مقامه، أو لكونه
٤٠٠