Indexed OCR Text

Pages 261-280

فحوى الكلام، يعود عليه ضمير («منها)» والتقدير: عامل أهل خيبر على أرضها-أى على زراعتهم أرضها
- بشطر ما يخرج منها.
((وخيبر)» على وزن جعفر مدينة كبيرة، ذات حصون منيعة، وحولها مزارع ونخيل وافرة غنية، بين
المدينة والشام، على نحو مائة وثلاثين ميلا من المدينة، تحصن بها اليهود داخل أسوارها حين
غزاهم رسول اللَّه* فى أواخر المحرم سنة سبع من الهجرة، حاصرهم بضع عشرة ليلة، ثم فتحها
اللَّه، واستسلم اليهود، وأراد النبى # إخراجهم من خيبر إلى الشام، كما فعل ببنى النضير، لكنهم
طالبوا رسول اللَّه أن يقرهم فى ديارهم وأرضيهم التى صارت للمسلمين ، على أن يسقوا شجرها،
ويحرثوا أرضها، ويرعوا زرعها، والبذر ونفقات الرعاية من جانبهم، ولرسول اللّه:# والمسلمين نصف
ما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع. فالشطر بفتح الشين المراد منه هنا النصف. وأشار بالثمر إلى
المساقاة، وبالزرع إلى المزارعة.
(أعطى رسول اللَّه ﴿ خيبر بشطر ما يخرج .. ) التقدير: أعطى أهل خيبر أرض خيبر
بشطر ما يخرج.
(فكان يعطى أزواجه كل سنة مائة وسق) أى فكانت نفقته على بيوته من ثمار خيبر، من
ثمرها وشعيرها مائة وسق، بضم الواو وفتحها وكسرها مع سكون السين، والوسق ستون صاعا،
والصاع خمسة أرطال وثلث.
(ثمانين وسقا من تمر) ((ثمانين)) بالنصب بدل من ((مائة)) وعند الأكثرين ((ثمانون)) بالرفع
على القطع.
(فلما ولى عمر قسم خيبر) ((قسم)) بتخفيف السين، وفى الكلام طى، والتقدير: فلما ولى عمر،
وعزم على إخراج اليهود من جزيرة العرب، وأجلى أهل خيبر قسم أرضها على من كان شهد خيبر من
المسلمين، وكانوا يأخذون أسهما من ثمرها وزرعها.
(خير أزواج رسول اللّه﴿) فى رواية البخارى ((فخير)) وهى أوضح، والكلام مستأنف على
رواية مسلم، وهذا التخيير من عمر تكريم منه لهن. رضى الله عنهن.
(أن يقطع لهن الأرض والماء) بضم الياء فى ((يقطع)) وكسر الطاء، أى يعطيهن سهمهن
أرضا وماء للرى، بدل التمر والشعير.
(أو يضمن لهن الأوساق كل عام) فى رواية البخارى)) أويمضى لهن)) أى يجرى لهن
الأوساق التى كانت تجرى عليهن أيام رسول اللَّهل وأبى بكر، وذلك بأن يعامل على أرضهن
بالمساقاة والمزارعة ويحصل على الثمر والزرع لبيت المال، ويجرى عليهن من بيت المال ما كان لهن
من أوساق.
٢٦١

(فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء) كذا فى جميع الأصول التى بين
أيدينا ((ممن اختارتا)) وهو مبنى على جعل ((من)) تبعيضية، إذ كان حقه أن يقول: ((ممن اختار)» أو
((ممن اخترن)) وتوجيهه بجعل ((مِنْ)) ((بيانية أوزائدة، والفرق بينهما أن التبعيضية يكون ما بعدها
أكثر مما قبلها بخلاف البيائية أو الزائدة، كما فى قوله تعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسّاورَ﴾ [الكهف: ٣١]
وعلامة الزائدة أن المعنى على عدم وجودها، وهى هنا كذلك، كأنه قال: عائشة وحفصة من اختارتا.
هما اللتان اختارتا، وهذا هو الواقع، فلم يختر ذلك من أمهات المؤمنين غيرهما. وفى رواية البخارى
((وكانت عائشة اختارت الأرض)) على معنى اختارت أن يقطع لها سهمها أرضا، تتعامل عليها
بالمساقاة والمزارعة.
(أقركم فيها على ذلك ما شئنا) فى الرواية الخامسة ((نقركم بها على ذلك ما شئنا)) ((على
ذلك)) أى على ما تعرضون من نصف الزرع والثمر والإقامة، و((ما)) فى ((ماشئنا)) ظرفية دوامية، أى
مدة مشيئتنا، وطالما نحن نشاء، أى نمكنكم من المقام فى خيبر ما شئنا، ثم نخرجكم إذا شئنا، لأنه
صلى الله عليه وسلم كان عازما على إخراج الكفار من جزيرة العرب.
(وكان الثمر يقسم على السهمان) أى كان الثمر الذى يحصل عليه المسلمون من
أرض خيبر يقسم على من حضر غزوة خيبر، والسهمان بضم السين جمع سهم. أى كان يقسم
حسب أسهم الغازين لخيبر.
(فيأخذ رسول اللَّهَ الج الخمس) أى ويدفعه إلى مستحقيه، وهم الأصناف الخمسة المذكورة
فى قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى
وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] فيأخذ لنفسه خمسا واحداً من الخمس، ويصرف الأخماس
الباقية منَ الخمَس إلَى الأصناف الأربعة الباقين.
(حتى أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء) وهما قريتان معروفتان بفلسطين.
فقه الحديث
فى الباب السابق تكلمنا عن خلاف الفقهاء وأدلتهم فى حكم المساقاة والمزارعة.
ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم
١- من قوله ((بشطر ما يخرج منها)) أن الجزء المتفق عليه فى المساقاة يكون معلوماً، من نصف وربع
وغيرهما، من الأجزاء المعلومة، فلا يجوز على مجهول، كقوله: على أن لك بعض الثمر. قال
النووى: واتفق المجوزون للمساقاة على جوازها بما اتفق عليه المتعاقدان من قليل أو كثير.
٢- من قوله ((من ثمر أو زرع)) احتج الشافعى وموافقوه على جواز المزارعة تبعا للمساقاة، وإن كانت
المزارعة عندهم لا تجوز منفردة.
٢٦٢

٣- ومن قوله ((نقركم بها على ذلك ما شئنا)) احتج أهل الظاهر به على جواز المساقاة مدة مجهولة،
وقال الجمهور: لا تجوز المساقاة إلا إلى مدة معلومة، كالإجارة، وتأولوا الحديث بأن معناه نقركم
إلى مدة العهد، وقيل: كان ذلك جائزا فى أول الأسلام خاصة للنبى {*، وقيل: معناه أن لنا
إخراجكم بعد انقضاء المدة المسماة، وكانت هناك مدة مسماة للعقد لم تذكر، أو يكون المراد
بيان أن المساقاة ليست بعقد دائم كالبيع والنكاح، بل بعد انقضاء المدة تنقضى المساقاة، فإن
شئنا عقدنا عقداً آخر. وإن شئنا أخرجناكم.
وقال أبوثور: إذا أطلقا المساقاة اقتضى ذلك سنة واحدة. والظاهر أن العرف حكم فى المدة.
٤- استدل بقوله «على أن يعتملوها من أموالهم» على أن وظيفة عامل المساقاة أن عليه كل
ما يحتاج إليه فى إصلاح الثمر واستزادته، مما يتكرر كل سنة، كالسقى وتنقية مجارى
المياه، وإصلاح منابت الشجر وتلقيحه وتنقية الحشيش والقضبان وحفظ الثمرة
وجذاذها ونحو ذلك. وأما ما يقصد به حفظ الأصل، ولا يتكرركل سنة، كبناء الحيطان،
وحفر الأنهار فعلى المالك. قاله النووى.
٥- استدل بهذه الأحاديث لمذهب الشافعى وموافقيه أن الأرض التى تفتح عنوة تقسم بين الغانمين
الذين فتحوها، كما تقسم بينهم الغنيمة المنقولة بالإجماع، لأن رسول اللّه * قسم خيبر بينهم.
وقال مالك وأصحابه: يقفها الإمام على المسلمين، كما فعل عمر ظه فى أرض سواد العراق، وقال
أبو حنيفة والكوفيون: يتخير الإمام بحسب المصلحة فى قسمتها أو تركها فى أيدى من كانت
لهم، بخراج يوظفه عليها، وتصير ملكاً لهم، كأرض الصلح.
٦ - استدل بقوله ((فأجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء)) على أن مراد رسول اللّه * بإخراج اليهود
والنصارى من جزيرة العرب إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصة، لأن تيماء من جزيرة
العرب، لكنها ليست من الحجاز، قاله النووى.
والله أعلم
٢٦٣

(٤١٠) باب فضل الغرس والزرع
٣٥٠٠- ٣ عَنْ جَابٍ﴾(٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلا كَانَ
مَّا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ. وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ. وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ. وَمَا أَكَلّتٍ
الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ. وَلا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلا ◌َكَانَ لَهُ صَدَقَةٌ».
٣٥٠١ - ٣ عَنْ جَابِرٍَُ(٨): أَنَّ النّبِيِِّ﴿ دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشْرٍ الأَنْصَارِيَّةِ فِي
نَخْلٍ لَهَا. فَقَالَ لَّهَا النَّبِيُّ ◌َّ ««مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمْ أَمْ كَافِرٌ؟» فَقَالَتْ:
بَلْ مُسْلِمٌ. فَقَالَ «لا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلا يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلا
دَابَّةٌ وَلا شَيْءٌ، إِلا كَانَتْ لَهُ صَدَقَّةٌ».
٣٥٠٢ - حَّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٩) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ:
«لا يَغْرِسُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلا زَرْعًا، فَيَأْكُلٌ مِنْهُ سَبُعٌ أَوْ طَائِرٌ أَوْ شَيْءٌ، إِلا كَانَ لَهُ فِيهِ
أَجْرٌ». وقَالَ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ: طَائِرٌ شَيْءٌ.
٣٥٠٣- ١٠ِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللّهِ عَنْهِمَا (١٠) قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ:﴿ عَلَى أُمّ
مَعْبَدٍ، حَائِطًا. فَقَالَ «يَا أُمَّ مَعْبَدٍ مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟» فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ.
قَالَ «فَلا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلا دَابَّةٌ وَلا طَيْرٌ، إِلا كَانَ لَهُ صَدَقَّةٌ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
ـببـ ومثله (١٩).
(٧) حَدَّثَّا ابْنُ نُمّيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدْقَنًا عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ عَطّاءِ عَنْ جَابِرِ
(٨) حَدَّثَنَا قُتْبَةُ بْنٌ سَعِيدٍ حَذَثْنَا لَيْثٌ ح وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَّ رُمْحِ أَخَبَّرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابٍ
(٩) وحَدَّثَنِي مُحِمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَابْنُ أَبِي خَلْفٍ قَالا حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّقْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَوَّلِي أَبُوَ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
(١٠) حَدََّا أَحْمّدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمٌ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّنَا زَكْرِيّاءُ بْنُ إِسْحَقَ أَخْبُرَبِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
(١١) وَحَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةٌ حَدَّثَنَا خَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ حِ وَحَدَّقْنَا أَبُوٍ كُرَيْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيّةً وَحَدََّا
عَمْرٌو النَّقِدُ حَدَّثَّا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ حِ وَحَدَّقَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا ابْنَّ فُضَيْلِ كُلُّ هَؤُلاءٍ عَنِ الأَعْمَثَيِّ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ
عَنْ جَابِرِ زَادَ عَمْرٌوِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَمَّارِ ح وَأَبُو كُرَيْبٍَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَّةً فَقََّلا عَنْ أُمَّ مَّبَشْرٍ وَفِي رِوَّايَةِ ابْنِ فُضَيْلِ
عَنِ امْرََّةٍ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةً وَفِي رِوَايَةٍ إِسْخْقَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيّةً قَّالَّ رُبَّمَا قَالَ عَنْ أُمِّ مُّبَشِّرٍ عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴿ وَرَبَّمَاً لَمْ يَقُلْ وَكُلُّهُمَّ
قَالُوا عَنِ النِّيِّ :﴿اَ بِنَخْرِ حَدِيثٍ عَطَاءٍ وَأَبِي الزُّبْرِ وَعَمَرِو بْنِ دِينَارٍ
٢٦٤

٣٥٠٤ - ١٢- عَنْ أَنَسٍ ﴾(١٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ
يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ».
٣٥٠٥- ١٣ـ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١٣): أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﴿َ دَخَلَ نَخْلا لأُمِّ مُبَشُرٍ، امْرَأَةٍ مِنْ
الأَنْصَارِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟» قَالُوا: مُسْلِمٌ.
بنحوٍ حَدِيثِهِمْ.
المعنى العام
خلق اللَّه تعالى آدم وذريته على كوكب الأرض، وهيأ لهم فيها أسباب عمارتها، ووسائل الانتفاع
منها. أخرج منها ماءها ومرعاها، وأرسل السماء عليها مدرارا، وأنبت فيها الزرع والزيتون والنخيل
والأعناب ومن كل الثمرات، وكان على الإنسان أن يحرث الأرض، ويبذر فيها البذر، وأن يسقيها
بالماء، وعلى اللَّه أن يشق الأرض، ويفلق الحب والنوى، ويخرج الحى من الميت، ينشئ جنات
معروشات وغير معروشات، والزرع والنخل مختلفا أكله والزيتون والرمان، متشابها وغير متشابه،
صنوان وغير صنوان، يسقى بماء واحد، وينبت فى مكان واحد، ويفضل بعضها على بعض فى الأكل
والطعم. تبارك اللَّه رب العالمين.
خلق الأرض، وقدر فيها أقواتها، وطلب منا أن نثير الأرض، ونضع البذر، ونرعاه بالسقى وغيره
لمصلحتنا نحن. ومع ذلك وعدنا على ذلك بالأجر والثواب ((ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا
فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة» حتى ما يسرق منه، له به أجر، ما ينزل عليه
من آفة له به أجر، ما يقع له فى زرعه من ابتلاء ومصيبة له به أجر، أجر مستمر متكرر متجدد كلما
انتفع بهذا الزرع حى من الأحياء، حتى لومات الزارع بقى زرعه وغرسه صدقة جارية يصله ثواب
نفعه، وهو فى قبره، طيلة انتفاع الناس به. ففى بعض الروايات ((من غرس غرسا فى غير ظلم ولا
اعتداء كان له أجرجار، ما انتفع من خلق الرحمن تبارك وتعالى أحد)» وفى رواية ((من نصب شجرة،
فصبر على حفظها، والقيام عليها حتى تثمر، كان له فى كل شيء يصاب من ثمرها صدقة عند الله عز
وجل)) ولقد بلغ من حث الشريعة على الزرع، والحرص عليه حتى آخر لحظة من الحياة أن قال رسول
اللَّهِ فَ﴾ ((إن قامت الساعة، وبيد أحدكم فسيلة-أى نبتة شجر صغيرة أو نخلة صغيرة ((شتلة زرع))
فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ».
(١٢) حَدَّا يَحْتِى بْنُ يُحْتِى وَقُقتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ وَاللَّفْظُ لِيَحْتِى قَالْ يَحْتِى أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّنَا أَبُو
عَوَّالَةً عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنَسٍ
(١٣) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ خَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّقْنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّقْنَا أَنَسُ
٢٦٥

المباحث العربية
(ما من مسلم) ((من)) زائدة، والتعبير بالمسلم للاحتراز عن الكافر، فإن هذا الأجرخاص
بالمسلم، تصرح بذلك الرواية الثانية والرابعة، إذ يسأل رسول اللَّه عن الغارس. أمسلم أم كافر؟ ثم
عموم المسلم بسبب تذكيره، ووقوعه فى سياق النفى، وإدخال («من» عليه، مما يزيد عمومه يشمل
الحر والعبد والمطيع والعاصى وقاصد النفع العام، وقاصد نفع نفسه، ومن يغرس بأجر، ومن يتطوع
بذلك وغير ذلك، وأما المرأة فهى داخلة فى الحكم لأن التعبير بالمسلم للتغليب، ولفظ ((رجل)) فى
الرواية الثالثة لا مفهوم له، بل هو لبيان الواقع والغالب والكثير، وأما رواية ((ما من عبد)) والعبد يشمل
المسلم والكافر فالمراد منها المسلم، حملا للمطلق على المقيد. لما يأتى فى فقه الحديث.
(يغرس غرسًا) فى الرواية الثانية ((لا يغرس مسلم غرسا، ولا يزرع زرعا)» والغرس خاص
بالشجر، والزرع بالنبات الصغير.
(إلا كان ما أكل منه له صدقة) ((ما أكل)) بالبناء للمجهول، وحذف الفاعل لإرادة عموم
الآكل، وهو ما أشار إليه فى الرواية الثانية ((إنسان ولا دابة، ولا شىء)) وفى الرواية الثالثة ((سبع أو
طائر أو شيء)) وفى الرواية الخامسة ((طير أو إنسان أو بهيمة)) وفى رواية لأحمد ((آدمى أو خلق ممن
خلق الله)) وفى رواية ((ما أصابت منه العوافى)) والعوافى طلاب الرزق من الناس والدواب والطير،
والتعبير بالأكل لأنه أهم مقاصد النفع والمراد مطلق الانتفاع ولو بالظل أو باللمس أو بالريح أو
بالمنظر الجميل.
(ولا يرزؤه أحد) براء قبل الزاى ثم همزة، أى لا يأخذ منه أحد أخذا ينقص ما عنده، يقال: رزأه
يرزأه بفتح الهمزة فيهما رزءا بضم الراء وسكون الزاى، إذا أصابه برزء، أى مصيبة. ففيه إشارة إلى أن
الأجرثابت، ولو كان الأخذ رغم أنفه، ولو كان فيه إفساد فى نظره.
(إلا كان له صدقة) أى إلا كان هذا الأكل له صدقة، أى يشبه الصدقة فى حصول الأجر
الأخروى فالكلام على التشبيه. ففيه استعارة تصريحية.
(دخل على أم مبشر الأنصارية فى نخل لها) أى فى حائط نخل أو حديقة نخل.
وأم مبشر بضم الميم وفتح الباء وتشديد الشين المكسورة-هى أم معبد-بفتح الميم وسكون
العين وفتح الباء الواردة فى الرواية الرابعة. قال النووي: ويقال ((أم بشير)) بفتح الباء وكسر
الشين، فحصل أنها يقال لها: أم مبشر وأم معبد وأم بشير، واسمها قيل الخليدة، ولم يصح،
وهى امرأة زيد بن حارثة. أسلمت وبايعت.
(إلى يوم القيامة) جعل الغاية مرتبطة بقوله ((لا يغرس المسلم غرسًا)) على معنى أن هذا
الحكم ثابت للغارس الذى يغرس فى أى زمان إلى يوم القيامة لا يفيد جديدًا، فهذا الحكم كالأحكام
٢٦٦

الشرعية عموما قائمة إلى يوم القيامة، لهذا ربطها العلماء بصدقة، أى صدقة جارية مستمرة بعد
مماته، وليس المراد أن أجره لا ينقطع إلى يوم القيامة، وإن فنى الزرع أو الغرس، بل المراد ما بقى
ذلك الزرع والغرس منتفعاً به، وإن بقى إلى يوم القيامة.
فقه الحديث
فى هذه الأحاديث فضيلة الغرس والزرع، واستدل بها بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب،
قال النووى: وقد اختلف العلماء فى أطيب المكاسب وأفضلها، فقيل: التجارة، وقيل الصنعة باليد،
وقيل: الزراعة، وهو الصحيح.اهـ
فالذى يفضل الزراعة على بقية المكاسب يستدل بهذا الحديث وبأنها أقرب المكاسب إلى
التوكل، وأكثرها تذكيرا بفضل الله وقدرته، ولما فيها من النفع العام للآدمى والدواب، ولأنها لابد فيها
فى العادة أن يؤكل منها بغير عوض.
والذى يفضل التجارة قد يستدل بقوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وبأن الكثيرين من المهاجرين كانوا يضربون فى الأسواق.
والذى يفضل الصناعة يستدل بحديث «ما أكل أحد طعاما قط خيراً من أن يأكل من عمل يده،
وإن نبي الله داود-عليه السلام- كان يأكل من عمل يده)»
والتحقيق أن الإطلاق فى هذا غير سليم، بل كل منها ومن غيرها يختلف باختلاف
النوع والشخص والناس والظروف العامة، فليست الزراعة بالعمال مثل الزراعة باليد،
فالزارع بنفسه يأكل من عمل يده، والتاجر يأكل من عمل يده، وزراعة ما يحتاجه الناس،
وتتوقف عليه حياتهم كالحبوب، لا يساويها زراعة الكماليات والفواكه المرتفعة الأسعار
ابتغاء الكسب، والزراعة حين تكثر المزروعات ليست كالزراعة فى أوقات الحاجات
والضرورات والزارع المحتسب المخلص لا يساويه المنتفع المستغل، فدرجة الحل فى كل
مكسب تختلف، ودرجات النفع العام من التكسب تختلف، ودرجات حاجات الناس إلى
هذا التكسب تختلف. المهم أن يعمل المسلم ولا يتواكل، وأن يجد فى الحلال ولا يتكاسل.
وفى الأحاديث المذكورة أن الغرس والزرع-وكذا الصنائع والتجارة-مباح، وغير قادح فى الزهد،
أما حديث الترمذى ((لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا)» فهو محمول على الاستكثار من الضياع،
والانصراف إليها بالقلب. الذى يفضى بصاحبه إلى الركون إلى الدينا، فسبيل الضيعة سبيل المال،
غير مستحب إلا إذا أخذه بحقه ووضعه فى حقه.
وفى حديث أم مبشر أن الأجر يحصل لمن قام بالزرع، ولو لم يكن مالكاً له أو للأرض، فقد سألها
رسول اللَّه ◌َ﴿ عن الغارس، وهو يعلم أنها المالكة.
وفى الأحاديث جواز نسبة الزرع إلى الآدمى، فحديث ابن أبى حاتم ((لا يقل أحدكم زرعت، ولكن
٢٦٧

ليقل حرقت، ألم تسمع لقول اللَّه تعالى ﴿أَنْتُمْ تَرْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] بعد قوله
تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ حديث ضعيف، وعلى فرض صحته فهو توجيه للزارع الحارث أن يعتقد
أن اللَّه هو مخرج الزرع ومنبته وراعيه فى النماء والثمر، ولا يعتقد شيئاً من ذلك بحول نفسه وقوته.
وفى هذه الأحاديث، الحض على عمارة الأرض لنفسه ولمن يأتى بعده.
وأنه قد يثاب المرء رغم أنفه، وأن نفع المسلم المسلمين مأجور عليه، وإن لم يقصد.
وأن فى الإحسان إلى كل ذات كبد رطبة أجرًا.
والله أعلم
٢٦٨

(٤١١) باب وضع الجوائح، وفضل إنظار المعسر
والتجاوز عن الموسر
٣٥٠٦- ١٤ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهِ عَنْهمَا (١٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ ﴿ قَالَ «إِن
بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا».
وَعَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ أَنْهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ «لَوْ
بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَّ مِنْهُ شَيْئًا. بِمَ تَأْخُذُ
مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟».
٣٥٠٧- ◌ٌعَنْ أَنَسٍ﴾(١٥) أَنَّ النَّبِيِّ ﴿ فَهَى عَنْ بَيْجٍ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتِى تَزْهُوَ. فَقُلْنَا
لأَنَسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُ. أَرَأَيِّكَ إِنْ مَتَعَ اللَّهُ الثْمَرَةَ، بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟.
٣٥٠٨ - -ثْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ لَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَنِّى
تُرْهِيَ. قَالُوا: وَمَا تُرْهِيَ؟ قَالَ: تَحْمَرُّ. فَقَالَ: إِذَا مَنِعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ تَسْتَجِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟.
٣٥٠٩ - ١٣٦ٍ عَنْ أَنَسٍ ﴾(١٦) أَنَّ النّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ «إِ لَمْ يُثْمِرْهَا اللَّهُ، فَبِمَ يَسْتَجِلُّ أَحَدُكُمْ
مَالَ أَخِیهِ»».
٣٥١٠ - ١٧ عَنْ جَابِرٍعَ﴾(١٧): أَنَّ النّبِيِّ ◌َ ﴿َّ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَّائِحِ.
٣٥١١ - -ثٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيّ(١٨) قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدٍ رَسُولِ اللَّهِ
(١٤) حَدَّتِي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنْ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبُرَهُ
- ح وَ حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ عَّادٍ حَدْنَا أَبُوَ ضَمَّرَةَ عَنِّ ابْنِ جُرَيِّجٍ غَنْ أَبِيِ الزُّبِيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ
- وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَالِيُّ حَدْقَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جَّرَيْجٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلُهُ.
(١٥) حَدَّثَّا يَحِى بْنُ أَيُّوبٍ وَقَيْبَةُ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا خَدْفَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُّ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَّيْدٍ عَنْ أَنَسٍ
(٠٠) حَدَّقَتِي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِيَ مَالِكٌ عَنْ خَمَيْدِ الطَِّيلِ عَنْ أَنَسِ بْنٍ مَالِكِ
(١٦) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حُمَّيْدٍ عَنْ آَلَسِ
(١٧) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُّ الْحَكْمِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَّارٍ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ وَاللَّفْظُ لِبِشْرٍ قَالُوا حَدَّقْنَا سُفْيَانُ بْنُ عَيْئَةً عَنْ حُمَيْدٍ
الأَعْرِجْ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنٍ غَتِيقٍ عَنْ جَابِرٍ
- قَالَّ أَبُو إِسْحَقَ (وَهُوَ صَاحِبٌ مُسَلِّمٍ حَدََّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ عَنْ سُفْيَانَ بِهَذًا
(١٨) حَدَّا قُتَبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ بِكَيْرِ عَنْ عِيّاضِ بْنِ عَبَّدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
- حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى أَخْبَرَنَا عَبَّدُ اللَّهِ بْنُ وَّهْبَِ أَخْبُرَبِي عَمْرُوَ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَّيْرٍ بْنِ الأَشَجِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
٢٦٩

فِي ثِمَّارِ انْتَعَهَا. فَكَثُرَ دَيْنُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِمَ﴿ «تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ» فَتَصَدَّقَ
النَّاسُ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَقَاءَ دَيْنِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ ﴿ِلِغُرَمَائِهِ «خُذُوا مَا
وَجَدُثُمْ. وَلَيْسَ لَكُمْ إِلاَ ذَلِكَ».
٣٥١٢ - ١٩ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْهَا(١٩) قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَوْتَ خُصُومٍ
بِالْبَابِ. عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا. وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ. وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ
لا أَفْعَلُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِلِ﴿َ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ «أَيْنَ الْمُتَأْلَّي عَلَى اللَّهِ لا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟»
قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَّهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبّ.
٣٥١٣ - ٣٠ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ(٢١) عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبي
حَذْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، فِي عَهْدٍ رَسُولِ اللَّهِ﴿ِ، فِي الْمَسْجِدِ. فَارْتَفَعَتْ
أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ وَيُ
حَنِّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ. وَنَادَى كَعْبَ ابْنَ مَالِكٍ. فَقَالَ «يَا كَعْبُ» فَقَالَ:
لَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌّ: قَدْ
فَعَلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ دُقُمْ فَاقْضِهِ».
٣٥١٤ - ٢١ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ(٢١) أنَّهُ تَقَاضَى دَيْنًا لَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ
ابْنِ وَهْبٍ.
٣٥١٥- ٢٠ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١١) أنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي حَدْرَهٍ
الأَسْلَمِيِّ. فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ فَتَكَلِّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا. فَمَرَّ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ◌َ. فَقْالَ «يَا
كَعْبُ» فَأَشَارَ بِيَدِهِ. كَأَنَّهُ يَقُولُ النّصْفَ. فَأَخَذَ نِصْفًا مِمَّا عَلَيْهِ. وَتَرَكَ نِصْفًا.
(١٩) وحَّدَّثَيِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابًِا قَالُوا حَدَقْنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدْقَتِي أَخِيٍ عَنْ سُلَيْمَانِ وَهُوّ ابْنُ بِلالٍ عَنْ يَحْتَّى بْنِ
سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدٍ بَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبَّدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةً
(٢٠) حَدَّنَا حَرْمَلَةُ بْنٌ يَحْتَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَّبِي يُونُّسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّتِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ
(٢١) وحَّدَّثَنَاهِ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمّرَ أَخْبُرَنَا يُوتُسُ عَنِ الزَّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنْ كَعْبَ بْنَ
مَّالِكٍ أَخْرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَّی
(٠٠) قَالَ مِسْلِم وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سّعْدٍ حَدْفَتِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ
كَعْبِ بْنِ مَالِكِ
٢٧٠

٣٥١٦ - ٣٢ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ﴾(٢٢) يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ:﴿ ﴿أَوْ سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ) «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَقْلَسَ (أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ
أَقْلَسَ) فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ».
٣٥١٧ - - وفي رواية قَالَ ابْنُ رُمْحٍ مِنْ تَنْيِهِمْ فِي رِوَايَتِهِ: أَيُّمًا امْرِئٍ فُلْسَ.
٣٥١٨ - ٢٣- عَنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٣٣) عَنِ النَّبِيِّ﴿، فِي الرَّجُلِ الْذِي يُعْدِمُ، إِذَا
وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَّاعُ وَلَمْ يُفَرِّقْهُ «أَنْهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ».
٣٥١٩ - ٣٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٢٤) عَنِ النّبِيِّفَ قَالَ «إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ
مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ»
وَقَالا «فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ».
٣٥٢٠ - ٣٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ضَ﴾(٢٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ قَالَ «إِذَا أَفْلَسّ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ
الرَّجُلُ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْهَا، فَهُوَ أَحْقُّ بِهَا».
٣٥٢١ - ٢٦- عَنْ حُذَيْفَةَ ﴾(٢٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ «تَقَّتِ الْمَلائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ
مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لا. قَالُوا: تَذَكَّرْ. قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ
(٢٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوِنُسَ حَدََّا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثًّا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنٍ عَمْرِو بْنِ
حَزْمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنْ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أُخْرَهُ أَنَّهُ سِّمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
- خُدَّثْنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ح وحَّدَّقَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ زَّمْحِ جُّمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ حِ وحَدَّقْهَا أَبُو
الرَّبِيعِ وَيَحْتِى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِيُّ قَالا حَدْقَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ حٍ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي ◌َيْيَةٌ حَدَّثَنًا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً ح
وخَّدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثْنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وَيَخْتِى بْنُ سَعِيدٍ وَحَفْصُ بْنُ غِيّاتٍ كُلُّ هَؤُلاءٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي هَذَا
الإِسْنَادِ بِمَغنی حَدِيثٍ زُهْرِ
(٢٣) حَدَّثَّا ابْنُ أَبِي عُمَرٌ حَدَّثَّا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانِ وَهُوَ ابْنُ عِكْرِمَةَ بْنٍ خَالِدٍ الْمَخْرُومِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّتِي ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ أَنْ
أَبَا بَكْرِ بْنِّ مَّحْمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَوْمٍ أُخْبَرَهُ أَنْ عُمَّرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيَزِ حَدَّقَهُ عَنْ حَدِيثٍ أَبِي بَكْرِ بْنٍّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَدِيْثِ
أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ الْنِيِّ ◌ِما
(٢٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَثَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ فَالا: حَدْقَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةً عَنِ النَّصْرِ بْنِ أَنْسٍ عَنْ
بَشِيرٍ بْنِ تَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
- وَحَدَّثَِّيَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدْقَا سَعِيدٌ حٍ وَحَدََّتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَيْضًا حَدَّقْنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ
حَدْقَتِي أَبِي كِلاهُمَا عَنْ قَتَادَةً بِهَذَاَ الإِسْنَادِ مِثْلَةُ
(٢٥) وِحَدَّثَتِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍَ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالا: حَدْقَا أَبُو سَلَّمَةَ الْخُزَاعِيُّ قَالَ حَجَاجٌ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَّةً
أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ خْثَّمِ بْنِ عِرَاكِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِيَ هُرَيْرَةً
(٢٦) حَدََّا أَحْمَدُ بْنُ عَبَّدِ اللّهِ بْنِ بُونُسَ حَدَّقَا زُهَيْرٌ حَدََّا مَنْصُورٌ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ أَنْ حُذَيْفَةٌ حَدَّثَهُمْ
٢٧١

النّاسَ. فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ الْمُوسِرٍ. قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجْلَّ:
تجوّزُوا عَنْهُ».
٣٥٢٢ - ٣٣- اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا (٢٧) فَقَالَ حُذَيْفَةُ «رَجُلٌ لَقِيَ
رَبَّهُ. فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: مَا عَمِلْتُ مِنَ الْخَيْرِ، إِلا أَنِّي كُنْتُ رَجُلا ذَا مَالٍ. فَكُنْتُ أُطَالِبُ
بِهِ النَّاسَ. فَكُنْتُ أَقْبَلُ الْمَيْسُورَ وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمَعْسُورِ. فَقَالَ: تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي» قَالَ أَبُو
مَسْعُودٍ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ.
٣٥٢٣ - ٢١- عَنْ حُدَّيْفَةَ طِ(٢٨) عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿: «أَنَّ رَجُلا مَاتَ فَدَخْلَ الْجَنَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا
كُنْتَ تَعْمَلُ؟ (قَالَ: فَإِمَّا ذَكَرَ وَإِمَّا ذُكِّرَ) فَقَالَ: إِنّي كُنْتُ أُبَابِعُ النَّاسَ. فَكُنْتُ أَنْظِرُ الْمُعْسِرَ
وَأَتَجَوَّزُ فِي السِّكَّةِ أَوْ فِي النِّقْدِ. فَعُفِرَ لَهُ» فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِ﴾.
٣٥٢٤ - ٢٩- عَنْ حُدَيْفَةَ رَ﴾(٢٩) قَالَ: «أَتِيّ اللَّهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ، آتَاهُ اللَّهُ مَالا فَقَالَ لَهُ:
مّاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟ (قَالَ: وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) قَالَ: يَا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالَكَ. فَكُنْتُ أَبَابِعُ
النّاسَ. وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ. فَكُنْتُ أَيَسَّرُ عَلَى الْمُوسِرٍ وَأَنْظِرُ الْمُعْسِرَ. فَقَالَ اللَّهُ: أَنّا
أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ. تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي». فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ الْجُهَيِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ:
هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ◌ِ.
٣٥٢٥ - ٣١- عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ◌َ﴾(٣٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «حُوسِبَ رَجُلٌ
مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ. إِلا أَنَّهُ كَانٌ يُخَالِطُ النَّاسَ. وَكَانَ
مُوسِرًا. فَكَان يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتْجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ. قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ
أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ. تَجَاوَزُوا عَنْهُ».
(٢٧) حَدَّا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ وَاللَّفْظُ لِابْنِ حُجْرٍ قَالا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ لُعَيْمٍ بْنِ أَبِي مِنْدٍ، عَنْ رِنِعِيّ
بْنِ حِرَاشِ. قَالَ: اجْتَمَعٌ حُدَيْفَةُ
(٢٨) خَذََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حُدْقَّا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنٍ عُمَيْرٍ عَنْ رِئْعِيِّ بْنٍ حِرَاشٍ عَنْ حُذَّيْفَةَ
(٢٩) حَدْثًّا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ حَدْقَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرِّ عَنْ سَعْدِ بْنٍ طَارِقٍ عَنْ رِنْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍِ عَنْ حُذَّيْفَةٌ
(٣٠) حَدَّا يُحْتِى بْنُ يَحْتِى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرِّيْبٍ وَإِسْخُقُ بْنَّ إِبْرَاهِيَمَ وَاللَّفَّظُ لِيَحْيَى قَالَ يَحْيَى أَخْبُرَنَا وَقَالَ
الآخَرُونَ حَدْقَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ
٢٧٢

٣٥٢٦ - ٣١- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ قَالَ «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ
النَّاسَ. فَكَانٌ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُغْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ. لَعَلَّ اللَّهَ يَتْجَاوَزُ عَنَّا. فَلَقِيَ
اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ».
٣٥٢٧ - ٣٢ٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةً(٣٢) أَنَّ أَبَا قَتَادَةً طَلْبَ غَرِيمًا لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ
وَجَدَهُ. فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ. فَقَالَ: آللَّهِ؟ قَالَ آللَّهِ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ
«مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَّةُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْنَفْسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ».
المعنى العام
خلق الله الإنسان وفى طبعه الشح، وفى طبعه حب المال، وفى طبعه الحرص على ما يملك، وفى
طبعه السعى لجمع مالا يملك، وفى طبعه الأثرة، وليس الإيثار، كل ذلك يظهر فى المعاملات المالية
بين البشر، من بيع وشراء، ودين ووفاء، وإتلاف وضمان، وخصومات وقضاء، وكثيرا ما تكون المعاملة
بين قوى وضعيف، وغنى وفقير، وعظيم وحقير، وسيد ومسود، فمن يحفظ الحق للضعيف؟ ليس إلا
الإسلام، وتشريعات الإسلام، وحكام الإسلام، الذين قال أوائلهم: القوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق
منه، والضعيف منكم قوى حتى آخذ الحق له.
أما التشريعات الواردة فى هذه الأحاديث، والتى تعالج النزعات الإنسانية فهى السماحة
والسهولة والتيسير وفيها يقول الرسول الكريم و﴿: ((رحم الله رجلاً سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا
اقتضى)) إذا أعطى ما عليه أعطى بسهولة من غير مطل ومن غير إجحاف، وإذا طلب ماله عند الغير
طلب برفق، وأخذ ما تيسر، وأجل مالم تيسر، ويتنازل عن بعض الحق إذا أمكن، ولا يضيق على
معسر، ويقدر ظروف معامله، وملابسات التعامل، فإذا هلكت سلعة باعها وقبض ثمنها، وهى عنده
تحملها، لأنه إن أكل ثمنها فقد أكل مال أخيه بدون مقابل وبغير حق، إن رسول اللَّه# سمع صوت
خصمين وهو فى بيته، فخرج إليهما، فوجد مديناً يستعطف الدائن أن يمهله، ودائنا يحلف بالله أن لا
يدعه ولا يتنازل عن شىء من حقه، فخرج صلى الله عليه وسلم يعنف الدائن على غلظته وقسوته،
(٣١) حَدََّا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ مَنْصُورٌ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عِنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ ابْنُ تَعْفَرٍ
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ غَيِّدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غُتْبَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ
- حَدْفِي حَرْمْلَةُ بْنُ يَخْتَى أَخْبَرَلَّا عَنَّدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي ◌َّونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةٌ حَدَّثَهُ
أَلَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ يَقُولُ بِمِثْلِهِ.
(٣٢) حَدََّا أَبُو الْهَيْهَمِ خَالِدُ بْنُ خِدَائِ بْنِ عَجْلانْ حَدََّّا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُوبَ عَنْ يَحْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
قَتَادَةٌ
- وحَذْقِهِ أَبُو الطَّهِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أُخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
٢٧٣

وقال: من منكما الذى يحلف ألا يفعل الخير؟ قال الدائن: أنا يا رسول الله، ولن أعود، وسأعاقب
نفسى على ما فعلت بأن أتنازل عن بعض الدين، أو أؤجله الدين إلى ميسرة، ولخصمى أى الأمرين
أحب. ويحكى صلى الله عليه وسلم أن رجلا فيمن كان قبلنا لم يقدم خيرا قط، ولم يعمل صالحاً قط،
إلا أنه كان سمحا إذا باع، سمحاً إذا داين، سمحا عند استيفاء حقه، فلما مات قال اللَّه تعالى: نحن
أحق بالتجاوز منه. تجاوزت عنه، وعن تقصيره فى حقى، يا ملائكتي، تجاوزوا عنه، وأدخلوه الجنة.
وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
المباحث العربية
(لوبعت من أخيك ثمراً) كذا هو فى الأصول التى بين أيدينا ((لوبعت من أخيك ثمرا))
والمراد: لوبعت أخاك ثمرا، فالمخاطب البائع الذى تلفت عنده الثمرة وقد أخذ ثمنها من المشترى،
فمن زائدة فى الإثبات، على مذهب الأخفش والكوفيين، كما فى قوله تعالى ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي
اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْلَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُحِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١] فالإيمان يجب ما قبله،
ويغفر كل الذنوب.
(فأصابته جائحة) الجائحة الشدة العظيمة التى تجتاح المال وتهلكه وتستأصله. أى فأصابت
الثمر المباع مهلكة.
(فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً) أى لا يحل لك أيها البائع أن تأخذ من أخيك المشترى
شيئاً من مال.
(بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟) الاستفهام إنكارى توبيخى، أى لا ينبغى ولا يحل لك أيها
البائع ذلك. فإنك إن أخذت شيئاً كان بغير حق. وفى الرواية الثانية ((بم تستحل مال أخيك)»؟ وفى
الرواية الثالثة ((إذا منع اللَّه الثمرة فبم تستحل مال أخيك))؟ والمراد من منعها هلاكها، ومنعها من
السلامة والنضوج، وفى الرواية الرابعة ((إن لم يثمرها اللَّه فبم يستحل أحدكم مال أخيه))؟ أى إن لم
يحفظها لتكون ثمرة صالحة للأكل.
(أرأيتك إن منع اللَّه الثمرة. بم تستحل مال أخيك؟): ((أرأيتك)) أى أخبرنى،
فالاستفهام يراد به مطلق الطلب بدل طلب الفهم. مجاز مرسل، والرؤية يراد بها الإخبار، مجاز
مرسل، علاقته السببية والمسببية. فآل الأمر إلى طلب الإخبار، المدلول عليه بلفظ أخبرنى.
(أمر بوضع الجوائح) أى بالتنازل عن قيمة الجائحة، فلا يأخذ البائع قيمة المبيع الذى هلك
عنده قبل قبضه.
(أصيب فى ثمار ابتاعها) أى هلكت ثمار اشتراها، والظاهر أنها كانت بعد بدو الصلاح، أو
أن ذلك كان بتقصير منه قبل الجذاذ، إذ لم يرجع على البائع بشىء.
٢٧٤

(لغرمائه) أى لدائنيه.
(صوت خصوم بالباب، عالية أصواتهما) جمع ((خصوم)) و((أصوات)) باعتبار من حضر
الخصومة، فإنهم ينضمون إلى أحد الخصمين، ويتكلمون، وثنى باعتبار الخصمين، أو كأن التخاصم
من الجانبين بين جماعة، فجمع، ثم ثنى باعتبار جنس الخصم، وليس فيه حجة لمن جوز صيغة
الجمع بالاثنين، كما زعم بعض الشراح. كذا قال الحافظ ابن حجر. وهو كما قال فى جمع ((خصوم))
وتثنية الضمير، أما إفراد ((صوت)) فى الأول وجمعه ((أصوات)) فى الثانى فلأن الصوت مصدر يطلق
على القليل والكثير، مثل ((عدو)) وقد بدأ وصول الصوت إليه بجملة، ثم كثر، و((عالية)) يجوز فيه الجر
على الصفة، والنصب على الحال، والمراد من الباب باب إحدى بيوته صلى الله عليه وسلم، والظاهر
أنه بيت عائشة، والمراد قريبا من الباب.
(وإذا أحدهما يستوضع الأخر) أى يطلب منه أن يضع عنه، ويسقط عنه بعض الدين، وهو
المعروف فى الفقه بالحطيطة.
(ويسترفقه فى شيء) أى ويطلب منه أن يرفق به، وقد وقع بيان هذا الشىء، وأن المخاصة
كانت فى ثمر بين البائع والمشترى فى رواية ابن حبان.
(وهو يقول) أى والآخر يقول.
(واللَّه أفعل) هذا ولا ذاك، أى لا أضع ولا أنقص الثمن أو الدين، ولا أرفق بك فأؤخره، أوأمنحك
ما يزيل خصومتك ويرضيك.
(فخرج رسول اللَّه ◌َ﴿ِ) من بيته إليهما.
(أين المتألى على اللَّه لا يفعل المعروف؟) ((المتألى)) بضم الميم وفتح التاء وفتح الهمزة
وكسر اللام المشدة. أى الحالف المبالغ فى اليمين، مأخوذ من الآلية، بفتح الهمزة وكسر اللام وتشديد
الياء، وهی اليمين.
(فله أى ذلك أحب) أى فلخصمى أى الأمرين أحب ، الوضع أو الرفق.
(أنه تقاضى ابن أبى حدرد دينا) أى طالبه به، وأراد قضاءه، و((حدرد)) بفتح الحاء وسكون
الدال وفتح الراء بعدها دال، وفى الرواية التاسعة ((فلقيه)) أى فى المسجد.
(فخرج إليهما رسول اللّه* حتى كشف سجف حجرته) بكسر السين وفتحها مع
سكون الجيم، الستر، فخروجه صلى الله عليه وسلم بروزه، والمعلوم أن بعض حجراته صلى اللّه عليه
وسلم كان يسترها عن المسجد ستر.
(قال صلى الله عليه وسلم: قم فاقضه) أى قال للمدين بعد أن حط الدائن عنه النصف-قم
٢٧٥

فأد نصف دينك، والظاهر أنه قام فأدى فى الحال، بدليل الرواية التاسعة، ففيها ((فأخذ نصفا مما
عليه، وترك نصفا».
(عند رجل قد أفلس) المفلس شرعا من تزيد ديونه على موجوداته، سمى مفلسا لأنه صارذا
فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير
[الفلس عملة كانت تقدر بسدس الدرهم] إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال،
وهى الفلوس، أو سمى بذلك لأنه يمنع من التصرف إلا فى الشىء التافه كالفلوس، لأنهم ما
كانوا يتعاملون بها إلا فى الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة لا يملك فيها فلسا، فعلى
هذا فالهمزة فى أفلس للسلب.
(فهو أحق به من غيره) ظاهره: أيا كان ذلك الغير، وارثا أو غريما. وفى ملحق الرواية الثانية
عشرة ((فهو أحق به من الغرماء)) وسيأتى الخلاف فى فقه الحديث.
(فى الرجل الذى يعدم) بضم الياء وسكون العين وكسر الدال، أى يفتقر
(تلقت الملائكة روح رجل) أى استقبلت روحه عند الموت.
(فقالوا: أعملت من الخير شيئاً؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال) ظاهر هذه الرواية أن
السائلين. ملائكة تلقى الأرواح عند الموت، وكأنهم رأوا منزلته فى الجنة، أو أن القبضة كانوا ملائكة
الرحمة، ولم يروا من الخير عملا يؤهله لذلك، فسألوا.
وفى الرواية الخامسة عشرة ((رجل لقى ربه، فقال: ما عملت؟ قال: ما عملت من الخير، إلا أنى
كنت ... )) وظاهر هذه الرواية أن السائل هو الله تعالى لإظهار المنة والرحمة، فالسؤال سؤال استنطاق
وتقرير، وفى الرواية السادسة عشرة ((أن رجلا مات فدخل الجنة، فقيل له: ما كنت تعمل؟ فإما ذكر-
أى من تلقاء نفسه - وإما ذكر - أى ذكره غيره فقال ... ))
وفى الرواية السابعة عشرة ((أتى اللَّه بعبد من عباده .. فقال له: ماذا عملت فى الدنيا؟ .. ))وهى
كالرواية الخامسة عشرة، وفى الرواية الثامنة عشرة أن هذا القول عند الحساب.
ولا تعارض، فقد يسأل الرجل ويجيب في كل هذه المواطن، ومن السائلين المختلفين.
(كنت أداين الناس .... ) في الرواية الخامسة عشرة («كنت رجلاًذا مال فكنت أطالب به
الناس)) أى كنت أداين، فأطالب. وفي الرواية السادسة عشرة والسابعة عشرة ((كنت أبايع الناس))
وفي الرواية الثامنة عشرة ((كان يخالط الناس)) ولا تعارض، فقد يبيع بالأجل، ويقرض، ويخالط
الناس بمعاملات أخرى كالشركة والقراض ونحو ذلك.
(فآمر فتيانى أن ينظروا المعسر، ويتجوزوا عن الموسر) وفي الرواية السادسة عشرة
((فكنت أنظر المعسر، وأتجوز في السكة - المراد بها المعادن المسكوكة والمضروبة نقوداً للتعامل بها
٢٧٦

- أو في النقد)) شك من الراوى في أى اللفظين قيل، وفي الرواية الخامسة عشرة ((فكنت أقبل
الميسور، وأتجاوز عن المعسور)» وفي الرواية السابعة عشرة ((وكان من خلقى الجواز - أى التجاوز
والتجوز والتسامح - فكنت أتيسر على الموسر - أى أيسر عليه في الدفع - وأنظر المعسر)» وفي
الرواية الثامنة عشرة ((فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر)).
والفتيان جمع فتى هم الغلمان، كما جاء في الرواية الثامنة عشرة، والمراد الخدم، أحراراً كانوا أو
عبيدًا، وتجاوز الفتيان تجاوز منه، ينسب إليه بالأصالة وللفتيان بالمباشرة.
والتجاوز المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء، أعنى في الكم والكيف، فيتسامح في الكم بالتنازل
عن جزء الدين، ويتسامح في كيفية الأداء بالتقسيط وتأخير السداد، وهو على هذا يصلح أن يعامل به
الموسر والمعسر. ومن هنا جاءت الرواية الرابعة عشرة بالتجاوز عن الموسر، وجاءت الرواية الخامسة
عشرة والثامنة عشرة بالتجاوز عن المعسر.
والإنظار هو تأخير وقت السداد، وهو يصلح أن يعامل به الموسر والمعسر، وإذا كانت روايات
مسلم لم تأت بإنظار الموسر، فإن روايات البخارى جاءت به، ففى بعضها ((أنظروا الموسر)) وفي
بعضها ((أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر)) ولهذا ترجم البخارى ((باب من أنظر موسراً)) ثم (باب من
أنظر معسرًا ».
واختلف العلماء في حد الموسر والمعسر، وسيأتى في فقه الحديث.
(آللَّه؟ قال: اللَّه) ((آللَّه)) بحذف حرف الجر، أى أباللَّه، يعنى أتقسم باللَّه أنك صادق؟ قال:
الله. بحذف حرف القسم. أى والله إنى معسر.
(من كرب يوم القيامة) بضم الكاف وفتح الراء، جمع كربة، وهى الشدة.
(فلينفس عن معسر) بضم الياء وفتح النون وكسر الفاء المشددة، أى يفرج عنه، وأصله يمكنه
من النفس المريح.
فقه الحديث
تتعرض الأحاديث إلى السماحة وسهولة المعاملة والتيسير في استيفاء الحقوق في أربع صور:
الصورة الأولى: تلف الثمرة عند البائع، بعد البيع، وقبل قبض المشترى، وقد ذكرنا قبل ثلاثة
أبواب حكم بيع الثمار، قبل بدو صلاحها، وبعد بدو صلاحها بشرط القطع، وبشرط الإبقاء على الشجر،
ووضحنا المراد من بدو الصلاح هناك بما يغنى عن إعادته هنا.
وهذا الباب ليس في صحة البيع أو بطلانه، وإنما هو في تلف الثمرة عند البائع قبل قبض
المشترى، وظاهر الرواية الأولى أن الثمرة في ضمان البائع، حتى يقبضها المشترى، سواء أكان بيعها
٢٧٧

قبل بدو الصلاح أو بعده، وسواء شرط المشترى بقاءها على الشجر لحين استلامها، أم لم يشترط، لكن
الرواية الثانية والثالثة ربطت هذا الحكم بالنهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، ومفهومه أن
ضمان البائع لها إنما هو في حالة بيعها قبل بدو الصلاح، وقد قلنا قبل ثلاثة أبواب: إن علة النهى عن
بيع الثمرة قبل بدو صلاحها أن الثمرة قد تتلف بعد البيع وقبل النضج، بل هى معرضة لذلك كثيراً،
فيكون البائع قد أكل مال أخيه. وقلنا: إن البيع قبل بدو الصلاح بدون شرط القطع الفورى باطل عند
عامة العلماء. ومعنى هذا أن الثمرة قبل بدوصلاحها في ذمة البائع، فإذا تلفت لم يحل له من مال
المشترى شيئاً، وهذا ما يقوله عامة العلماء، لم يخالف في ذلك إلا شاذ.
والخلاف المنتشر في بيع الثمرة بعد بدو صلاحها إذا تلفت، وقد خلى البائع بين
المشترى وبينها.
فقال الشافعى في القديم وأحمد وطائفة: هى في ضمان البائع، ويجب وضع الجائحة،
إلا إذا تلفت بعد أوان الجذاذ، وفرط المشترى في تركها بعد ذلك على الشجر، واحتجوا
بروايتنا الخامسة ولفظها ((أن النبى # أمر بوضع الجوائح)) وبروايتنا الأولى، ولفظها ((لو
بعت من أخيك ثمراً، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً. بم تأخذ مال أخيك
بغير حق))؟ أى لو تلف الثمر لانتفى في مقابلته العوض، فأخذ مال المشترى في هذه
الحالة أخذ بلا مقابل، فهو بغير حق.
وقالوا: إن الثمرة في هذه الحالة في معنى الباقية في يد البائع، من حيث إنه يلزم بسقيها،
فكأنها تلفت في يده قبل القبض، كما استندوا إلى قوله صلى الله عليه وسلم في روايتنا السادسة
للغرماء، وفيهم البائعون ((خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)) ولو كانت الجوائح لا توضع لكان لهم
طلب بقية الثمن.
وقال الشافعى في أصح قوليه وأبو حنيفة والليث بن سعد وآخرون: هى في ضمان المشترى، ولا
يجب وضع الجائحة، بل تستحب، واحتجوا بروايتنا الخامسة، قالوا: لو وجب وضع الجائحة لقال
صلى الله عليه وسلم للبائعين: لا حق لكم عنده، ولما أمر بالتصدق عليه، لسداد ثمن الثمار، أما قوله
((ليس لكم إلا هذا)) فمعناه ليس لكم الآن إلا هذا، فقد أخذتم كل ما وجد، ولا تحل لكم مطالبته مادام
معسراً، بل عليكم أن تنظروه إلى ميسرة، وحملوا الأمر بوضع الجوائح على الاستحباب، أو فيما إذا
بيع قبل بدوالصلاح.
وقال مالك: إن كانت الجائحة في دون ثلث الثمار وجب وضعها، وإن كانت في الثلث فأكثر لا
يجب وضعها، بل يجب حينئذ وضع الجائحة في حدود ثلث الثمار المشتراة، ولعله بذلك يتوسط بين
القول بضمان البائع وبين القول بضمان المشترى، وأن التلف خارج عن مسئوليتهما معا. والله أعلم.
الصورة الثانية: التيسير على المدين، بوضع جزء من الدين عنه، أو بتأجيل الاستيفاء،
أو بهما معا، ووجه دخول هذه الصورة في كتاب البيع أن الدين قد يكون عن طريق البيع،.
٢٧٨

وقد كان الدائن في الجاهلية يستعبد المدين ويسترقه إذا جاء الأجل فلم يسدد، فجاء
الإسلام، لابإمهال المدين فحسب، بل وبالحط عنه بعض الدين، وليس بالربا وزيادة الدين.
وعن هذه الصورة تتحدث روايتنا السابعة والثامنة والتاسعة والرابعة عشرة والخامسة عشرة
والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة.
وقد اختلف العلماء في حد الموسر والمعسر، فقال الثورى وابن المبارك وأحمد وإسحق: من عنده
خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب فهو موسر، وقال الشافعى: قد يكون الشخص بالدرهم غنياً
بكسبه، وقد يكون فقيراً بالألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله، وقيل: الموسر من يملك نصاب
الزكاة، وقيل: الموسر من لا يحل له الزكاة، وقيل: الموسر من يجد فاضلاً عن ثوبه ومسكنه وخادمه
ودينه وقوت من يمونه، وعند الحنفية: الغنى على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: الغنى الذى يتعلق به
وجوب الزكاة. المرتبة الثانية: الغنى الذى يتعلق به وجوب صدقة الفطر والأضحية وحرمان الأخذ
من الزكاة، وهو أن يملك ما يفضل عن حوائجه الأصلية ما يبلغ قيمة مائتى درهم، مثل دور لا يسكنها،
وحوانيت يؤجرها، ونحو ذلك. والمرتبة الثالثة: غنى حرمة السؤال. قيل: أن يكون عنده ما قيمته
خمسون درهماً، وقال عامة العلماء: إن من ملك قوت يومه وما يستربه عورته يحرم عليه السؤال،
وكذا الفقير القوى المكتسب يحرم عليه السؤال. قال العينى: هذا كله في حق من يجوزله السؤال،
وأخذ الصدقة ومن لا يجوز، وأما ههنا - أعنى في إنظار الموسر - فالاعتماد على أن الموسر والمعسر
يرجعان إلى العرف، فمن كانت حاله بالنسبة إلى مثله يعد يساراً فهو موسر، وكذا عكسه.اهـ
الصورة الثالثة: المفلس، وسداد ديونه للغرماء، ومن باعه شيئاً فوجد متاعه عنده بعينه لم
يتصرف فيه. وعن هذه الصورة تتحدث روايتنا العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة.
وهذه الصورة يقول عنها النووى: اختلف العلماء فيمن اشترى سلعة، فأفلس، أو مات قبل أن
يؤدى ثمنها، ولا وفاء عنده، وكانت السلعة باقية بحالها، فقال الشافعى وطائفة: بائعها بالخيار، إن
شاء تركها وضارب مع الغرماء بثمنها، وإن شاء رجع فيها، واستردها بعينها. سواء في حالة الإفلاس
أو حالة الموت، وقال أبو حنيفة: لا يجوزله الرجوع فيها، بل تتعين المضاربة. وقال مالك: يرجع في
صورة الإفلاس، ويضارب في حالة الموت، واحتج الشافعى بهذه الأحاديث، وبحديث أبى دواد وغيره
في حالة الموت. وتأولها أبو حنيفة تأويلات ضعيفة مردودة، وتعلق بشيء يروى عن على وابن مسعود
رضى الله عنهما، وليس بثابت عنهما.اهـ
وهذا الذى أشار إليه النووى شرحه العينى بإسهاب، نقتطف منه ما يناسب المقام، ومن أراد
المزيد فليرجع إليه. قال: احتج بهذا الحديث عطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير وطاوس والشعبی
والأوزاعى ومالك والشافعى وأحمد وإسحق ودواد. كلهم قالوا: إذا أفلس الرجل وعنده متاع قد اشتراه،
وهو قائم بعينه فإن صاحبه أحق به من غيره من الغرماء، [وهناك بينهم بعد ذلك خلافات في فروع
المسألة، سنأتى على بعضها فيما يؤخذ من الحديث] وذهب إبراهيم النخعى والحسن البصرى
والشعبى في رواية ووكيع بن الجراح وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إلى أن بائع السلعة أسوة
٢٧٩

للغرماء إذا وجدها بعينها. وأجاب الطحاوى - من الحنفية - على الحديث بأن المذكور فيه ((من
أدرك ماله بعينه)) والمبيع ليس هو عين ماله، وإنما هو عين مال قد كان له، وإنما يكون عين ماله في
المغصوب والعارية والوديعة وما أشبه ذلك، فذلك ماله بعينه، فهو أحق بعينه، إذا وجده عند رجل
أفلس، وليس للغرماء فيه نصيب، لأنه باق على ملكه، لأن يد الغاصب عليه يد التعدى والظلم، بخلاف
ما إذا باعه، وسلمه إلى المشترى، فإنه يخرج عن ملكه، وإن لم يقبض الثمن، وتبدل الصفة كتبدل
الذات، فصار المبيع غير ماله، وقد كان ماله أو لا. [ومعنى هذا أن الحنفية يحملون الحديث - أى
روايتنا العاشرة - على المقرض والمودع، دون البائع، وهذا مردود من وجوه. الأول: أنه لا خلاف أن
صاحب الوديعة أحق بها، سواء وجدها عند مفلس أو غيره، لكن الحديث شرط الإفلاس، فتعين حمله
على البائع. الثانى: أنه جعل لصاحب المتاع الرجوع، إذا وجده بعينه، والمودع أحق بعينه، سواء كان
على صفته أو تغير عنها، فلا يجوز حمل الحديث على المودع. الثالث: أن الحديث الصحيح [روايتنا
الحادية عشرة] تنص على البيع، وفيها ((أنه لصاحبه الذى باعه)).
وقال بعض الحنفية: إن الحديث مخالف للأصول الثابتة، فإن المبتاع قد ملك السلعة، وصارت
في ضمانه، فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه. ويرد عليهم بأن الحديث لا يترك بالقياس، على أن المالك
قد ينقض عليه ملكه في مواضع كثيرة، يقول بها الحنفية، كالشفعة وتقديم الرهن على الغرماء،
واختلاف المتبايعين وتعجيز المكاتب وغير ذلك، وحمل بعض الحنفية الحديث على البيع قبل
القبض، وهذا الحمل تمجه وتستبعده بداهة ألفاظ الحديث، ففيه ((ووجد الرجل سلعته عنده)» والسلعة
قبل القبض ليست عند المفلس، ولا يقال: وجدها صاحبها وهى عنده.
الصورة الرابعة: تفريج الكروب، وعنها تتحدث الرواية المتممة للعشرين.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- قد يستدل بالنهى عن أخذ مقابل الجائحة على عدم أخذ ما يعرف بالعوض عما يهلك، كأن
يصيب بسيارته سيارة الغير فيتلفها، أو يستعير إناء فينكسر عنده، لكن الحديث لا دلالة فيه على
ذلك، فما في الحديث لا دخل للإنسان في الجائحة، أما الصور الأخرى فللإنسان دخل في
الإتلاف بوجه من الوجوه، ومن أتلف شيئاً فعليه إصلاحه أو مثيله أو قيمته، وقد أخذ صلى الله
عليه وسلم قصعة عائشة السليمة حين كسرت عائشة قصعة إحدى أمهات المؤمنين، وقال:
قصعة بقصعة. نعم إن تنازل صاحب المتاع المتلف عن العوض أو بعضه كان من قبيل الإحسان،
وإن أخذ الكل فهو حق.
٢- ومن الرواية السادسة التعاون على البر والتقوى.
٣- ومواساة المحتاج ومن عليه دين.
٤- والحث على الصدقة عليه.
٥- وأن المعسر لا تحل مطالبته، ولا ملازمته، ولا سجنه، وبه قال الشافعى ومالك وجمهورهم، وحكى
٢٨٠