Indexed OCR Text

Pages 201-220

لقد تعرضت أحاديث الباب السابق إلى مجموعة من قوانين الإصلاح فى المعاملات، النهى عن
بين الملامسة، وعن بيع المنابذة، وعن بيع الحصاة، وعن بيع حبل الحبلة، وعن بيع الغرر.
وتعرضت أحاديث هذا الباب إلى مجموعة أخرى من قوانين استقامة المعاملة وتوازنها بين
الأفراد، النهى عن بيع الرجل على بيع أخيه، وعن سوم الرجل على سوم أخيه، وعن خطبة الرجل على
خطبة أخيه، وعن سؤال المرأة طلاق أختها لتحل محلها، وعن النجش والتغرير، وعن وسائل الخداع
فى بيع الدواب، وعن بيع الحاضر للبادى، وعن تلقى السلع فى الطريق قبل وصولها للأسواق.
وفى الأبواب القادمة مجموعات أخرى من قوانين التعامل بين أفراد المجتمع، تحمى بعضه من
بعض، وتحمى كل واحد من نفسه التى بين جنبيه، نفسه الأمارة بالسوء.
المباحث العربية
(لايبع الرجل على بيع أخيه) ((لايبع)) بالجزم على النهى، وفى رواية للبخارى ((لايبيع)) فى
رواية الأكثر، على أن ((لا)) نافية، والتعبير بالرجل من باب الغالب، وإلا فالحكم يعم النساء، والمراد
من الأخ الأخ فى الإنسانية عند الجمهور، لأن الذمى والمسلم فى ذلك سواء، أو ذكْر الأخ خرج للغالب
والكثير، فلا مفهوم له.
وصورة البيع على البيع أن يقول الرجل لمن اشترى سلعة فى زمن خيار المجلس أو الشرط:
افسخ. لأبيعك خيرا منها بمثل قيمتها، أو مثلها بأنقص مما اشتريت.
ومثل ذلك الشراء على الشراء، كأن يقول للبائع: افسخ لأشترى منك بأكثر، وفى الرواية الأولى
والخامسة ((ولا يبع بعضكم على بيع بعض)) وفى رواية للبخارى ((لايبيع على بيع أخيه)).
(ولا يخطب على خطبة أخيه) ((ولا يخطب)) بالرفع والجزم، أما الرفع فعلى أنه خبر بمعنى
النهى، و((لا)) نافية وجعل سياقه فى صورة الخبر أبلغ فى المنع، لإشعاره بأنه أمرامتثل فعلا، ويخبر
عنه، وأما الجزم فعلى النهى الصريح. والخِطبة بكسر الخاء طلب المرأة من وليها، وأصلها الهيئة التى
يكون عليها الإنسان حين يخطب نحو الجلسة، من خطب يخطب من باب نصر، فهو خاطب،
والمبالغة منه خطاب بتشديد الطاء، وأما الخطبة بضم الخاء فهى من القول والكلام، فهو خاطب
وخطيب، والمراد من الأخوة الأخوة فى العهد والحرمة، فتشمل المسلم والذمى، وذكر الأخ جرى على
الغالب، ولأنه أدعى لسرعة الامتثال.
وصورتها المنهى عنها أن يخطب رجل امرأة، فتركن إليه، ويتفقا ويتراضيا، ولم يبق إلا العقد،
فيجىء آخر، وهو يعلم بكل هذا، فيخطب على خطبة الأول، أما إذا لم تركن إليه، أولم يركن إليه وليها،
أو قبل أن يتفقا، كوقت المشورة، أولم يكن الثانى يعلم بخطبة الأول، فكل ذلك لايدخل فى النهى.
وفى فقه الحديث زيادة تفصيل.
٢٠١

(إلا أن يأذن له) يحتمل أن يكون استثناء من الحكمين، كما هو قاعدة الشافعى، ويحتمل أن
يختص بالأخير، ويؤيد الثانى رواية البخارى فى النكاح، ولفظها ((نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه،
ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب)» ويؤيد الأول
رواية النسائى ولفظها ((لا يبع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أويذر)).
(لا يسم المسلم على سوم أخيه) يقال: سام البائع السلعة، وسام البائع بالسلعة
يسوم، سَوْما وسوا ما وسيمة عرضها للبيع، وذكر ثمنها، وسام المشترى السلعة، وسام بها
طلب ابتياعها، ويقال: سمت فلانا بضم السين وسكون الميم - سلعته إذا قومتها وأغليت
ثمنها. وساومه مساومة وسواما فاوضه فى البيع والابتياع، واستام المشترى من البائع
بسلعته عرض عليه ثمنها فقوله ((لا يسم)) بضم السين، أى لا يذكر ثمنالسلعة، وفى الرواية
الرابعة ((نهى أن يستام الرجل)» أى نهى عن أن يعرض الرجل ثمنا، وفى ملحق الرواية
((على سيمة أخيه)) أى على سوم أخيه. والسوم المنهى عنه يقع من البائع والمشترى،
وصورته أن يتفق صاحب السلعة والراغب فيها على البيع، وعلى الثمن، وقبل أن يعقدا
يقول آخر لصاحبها: أنا أشتريها بأكثر، أو يقول للراغب فيها: أنا أبيعك خيراً منها
بأرخص، فالسوم على السوم شبيه بالبيع على البيع، والشراء على الشراء، والمعنى فى ذلك
ما فيه من الإيذاء والتقاطع.
أما المزايدة فهى غير ممنوعة، لأنها تكون قبل الاتفاق على البيع، وكذلك المناقصة.
(لايتلقى الركبان لبيع) ((لا يتلقى)) ((لا)) نافية، و((يتلقى)) بضم أوله، مبنى للمجهول،
و(الركبان)) نائب فاعل، أى لا تتلقوا الركبان القادمين من بعيد ليبيعوا أو ليشتروا قبل وصولهم إلى
السوق، لاستغلال جهلهم بالسوق والأسعار. فقول ((لبيع)) إما أن يتعلق بلا يتلقى. أى لا تتلقوا للبيع
أو للشراء، أو بالركبان جمع راكب. فهم ركبان للبيع أو الشراء، وفى الرواية السادسة ((نهى عن التلقى
للركبان)» ليس أى ركبان، بل الركبان القادمين من بعيد للبيع أو الشراء، وفى الرواية الثامنة ((نهى أن
تتلقى - بضم أوله مبنى للمجهول - السلع حتى تبلغ الأسواق)) وفى الرواية التاسعة ((نهى عن تلقى
البيوع)» وفى الرواية العاشرة ((نهى أن يتلقى الجلب)) بفتح الجيم وفتح اللام، ما جلب من إبل وغنم
ومتاع للتجارة، والجمع أجلاب. وفى الرواية الحادية عشرة ((لا تلقوا الجلب)) بحذف إحدى التاءين،
وأصله لا تتلقوا.
(فإذا أتى سيده السوق) أى مالكه، أو بائعه.
(ولا تناجشوا) أصل النجش الاستثارة، ومنه نجشت الصيد أنجشه - بضم الجيم- نجشاً، أى
استثرته. وقال ابن قتيبة: أصل النجش الختل، وهو الخداع، ومنه قيل للصاعد: ناجش - وكل من
استثار شيئاً فهو ناجش، والنجش فى البيع أن يزيد فى ثمن السلعة، لا لرغبة فيها، بل ليخدع غيره،
ويوقعه فيها، ويقع ذلك بمواطأة البائع، وبغير علم البائع، ويقع من البائع نفسه، كأن يخبر بأنه
٢٠٢

اشتراها بأكثر مما اشتراها به، ليغر غيره بذلك، وفى الرواية السابعة ((نهى عن النجش» وهو بسكون
الجيم، وحكى فتحها، وقيل: بفتح الجيم وحكى سكونها.
(ولا يبح حاضر لباد) البادى من سكن البادية، والمراد أن يقدم غريب من البادية، أو من بلد
آخر بمتاع تعم الحاجة إليه، ليبيعه بسعر يومه، فيقول له البلدى: اتركه عندى لأبيعه على التدريج
بأعلى، وفسره ابن عباس فى الرواية الثالثة عشرة بالبيع بالأجرة كالسمسار.
(ولا تصروا الإبل والغنم) ((تصروا)) بضم التاء وفتح الصاد، و((الإبل)) مفعول به. والتصرية هى
الجمع، يقال: صرى بتشديد الراء، يصرى، تصرية، وصراها بتشديد الراء، يصريها، تصرية فهى مصراة،
كغشاها يغشيها تغشية، فهى مغشاة، وزكاها يزكيها تزكية فهى مزكاة. قال القاضى: ورويناه فى غير
صحيح مسلم عن بعضهم ((لاتصروا)) بفتح التاء وضم الصاد، من الصر، قال: وعن بعضهم ((لاتصر
الإبل)) بضم التاء، مبنى للمجهول، و((الإبل)) نائب فاعل، من الصر، وهو ربط أخلافها، والأول هو
الصواب المشهور، ومعناه: لا تجمعوا اللبن فى ضرعها عند إرادة بيعها، حتى يعظم ضرعها، فيظن
المشترى أن كثرة لبنها عادة لها مستمرة.
(فمن ابتاعها بعد ذلك) أى فمن اشترى المصراة بعد هذا النهى، وقيل: بعد التصرية.
(فهو بخير النظرين) أى فهو مختار، يأخذ خير الأمرين بالنسبة له، ويختار أحسن الرأيين.
(بعد أن يحلبها) بفتح الياء وسكون الحاء وضم اللام.
(فإن رضيها أمسكها) أى أبقاها على ملكه.
(رد معها صاعا من طعام لاسمراء) السمراء الحنطة.
(إذا ما أحدكم اشترى لقحة) بكسر اللام وبفتحها، وهى الناقة القريبة العهد بالولادة، نحو
شهرين أو ثلاثة، والكسر أفصح، والجمع لقح، كقربة وقرب.
فقه الحديث
يتعلق بهذه الأحاديث ثمان قضايا.
خطبة الرجل على خطبة أخيه، وسؤال المرأة طلاق أختها، وبيع الرجل على بيع أخيه، وسومه
على سومه، والنجش، والتصرية، وتلقى الركبان، وبيع الحاضر للبادى.
١- أما خطبة الرجل على خطبة أخيه - وقد صورناها فى المباحث العربية- فقد فصلنا القول فيها،
فى باب مستقل فى أول كتاب النكاح.
٢٠٣

٢- وكذلك سؤال المرأة طلاق أختها، وضحنا القول فيه تحت باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها
فی النكاح.
٣- وأما البيع على البيع، وكذا الشراء على الشراء فقد أجمع العلماء على أنه حرام، واستثنى بعض
الشافعية من التحريم ما إذا كان البائع أو المشترى مغبونا غبنا فاحشا، وبه قال ابن حزم،
واحتج بحديث ((الدين النصيحة)) وهذا قول مردود، فلم تنحصر النصيحة فى البيع، فله أن يعرفه
أن قيمتها كذا، وأنك إذا بعتها بكذا تكون مغبونا، من غير أن يبيع على البيع- أو يشترى على
شراء أخيه، فيجمع بذلك بين المصلحتين.
ومع القول بأن البيع على البيع والشراء على الشراء حرام هل يصح البيع؟ أو يبطل؟ خلاف بين
الفقهاء، الجمهور على صحة البيع مع الحرمة وتأثيم فاعله، وعند المالكية والحنابلة روايتان فى
فساده، وهو قول أهل الظاهر.
٤- وأما سوم المسلم على سوم أخيه المسلم فقد وضحنا صورته فى المباحث العربية، وقلنا: إن محل
الحرمة وقوع السوم بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، فإن تحقق ذلك صريحا، وعلم
به من سيسوم فلا خلاف فى التحريم، وإن لم يتحقق وكان احتمالا ففيه وجهان للشافعية،
والراجح اشتراط تحقق استقرار الثمن وركون البائع إليه، وهو الأمر المبين لموضع التحريم.
وهذا هو الفرق بين السوم على السوم وبين المزايدة التى لا يرى أهل العلم بها بأسا، وعليها العمل،
وخص الأوزاعى وإسحاق جواز المزايدة فى الغنائم والمواريث دون غيرهما، أخذاً بحديث ((نهى
رسول اللّه * أن يبيع أحدكم على بيع أحد حتى يذر، إلا الغنائم والمواريث)) أخرجه ابن خزيمة
وابن الجارود والدارقطنى. والجمهور يلحق بهما فى المزايدة غيرهما، للاشتراك فى الحكم،
فذكرها فى الحديث خروج على الغالب فيما كان الناس يعتادون فى المزايدة، ولا يختص الجواز
بهما، فإن الباب واحد، والمعنى مشترك.
٥- وأما النجش فقد قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا فى البيع
إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل
الظاهر، ورواية عن مالك، والمشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع أوصنعه، والمشهور
عند المالكية فى مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية، قياساً على المصراة، والأصح عندهم
صحة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفية. واشترط بعض العلماء العلم بالنهى لتعصية الناجش
والبيع على البيع، ولم يشترط ذلك بعضهم، لأن أمر التحريم ظاهر ومعلوم، واشترطه بعضهم فى
البيع على البيع، ولم يشترطه فى النجش، لأن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد.
وعن ابن أبى أوفى قال: أقام رجل سلعته، فحلف بالله لقد أعطى فيها ما لم يعط، فنزلت ﴿إنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمّنًا قَلِيلا أُوْلَئِك لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمِ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ
إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَّةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] قال ابن أبى أوفى: الناجش آكل
٢٠٤

ربا خائن، وأطلق ابن أبى أوفى على من أخبر بأكثر مما اشترى به أنه ناجش، لمشاركته لمن
يزيد فى السلعة وهو لا يريد أن يشتريها فى غرور الغير.
وقيد ابن العربى وابن عبد البروابن حزم التحريم بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل. قال
ابن العربى: فلو أن رجلا رأى سلعة رجل تباع بدون قيمتها، فزاد فيها لتنتهى إلى قيمتها لم يكن
ناجشا عاصياً بل يؤجر على ذلك بنيته. وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، إذ لم تتعين النصيحة فى أن يوهم أنه يريد الشراء وليس من
غرضه بل غرضه أن يزيد على من يريد الشراء أكثر مما يريد أن يشترى به، فللذى يريد النصيحة
مندوحة عن ذلك، كأن يعلم البائع بأن قيمة سلعتك أكثر من ذلك، ثم هو باختياره بعد ذلك،
ويحتمل أن لا يتعين عليه إعلامه بذلك حتى يسأله، للحديث الآتى [روايتنا الرابعة عشرة] ((دعوا
الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض)»، فإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه.
٦- وأما التصرية فظاهر قوله ((لا تصروا الإبل والغنم)) فى الرواية الخامسة أن الحكم خاص
بهما، ولا يشمل البقر مثلا، لكن العلماء على شمول ما فى معناهما من النعم وإنما
اقتصر عليهما لغلبتهما عندهم خلافا لداود، وقد عمه جمهور العلماء فى غير النعم من
مأكول اللحم، للجامع المشترك، وهو تغرير المشترى، وقال الحنابلة وبعض الشافعية:
يختص ذلك بالنعم. واختلفوا فى غير المأكول كالأتان والجارية، والأصح أنه لا يرد للبن
عوضاً، وبه قال الحنابلة فى الأتان دون الجارية. وظاهر هذه العبارة أيضا، وقوله فى
الرواية السادسة ((نهى عن التصرية)» أن التصرية وجمع اللبن فى الضرع منهى عنه ولو
لم يكن للبيع، فلو جمع اللبن زائدا على المعتاد من أجل الولد أو العيال أو الضيف فهو
داخل فى النهى، وبهذا قال بعض الشافعية، وقالوا: إن العلة إيذاء الحيوان، والجمهور
على أن النهى عن التصرية من أجل البيع فعند النسائى ((لا تصروا الإبل والغنم للبيع))
وظاهر رواياتنا تؤيد ذلك، فهى تتكلم عن حق المشترى للمصراة فى الرجوع على البائع.
وقد فرع العلماء على أحاديث التصرية هذه مسائل. منها:
أ- هل الأيام الثلاثة الواردة فى الرواية الثامنة عشرة والتاسعة عشرة للخيار فيها معتد بها؟ أو
العبرة بالعموم الوارد فى الروايات الأخرى؟ قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن من زاد
((الثلاث)) معه زيادة علم، وهو حافظ، ويحمل الأمر فيمن لم يذكرها على أنه لم يحفظها، أو
اختصرها.اهـ وقيل: تشترط فورية الرد عقب العلم، قياساً على سائر العيوب، وعلى القول بها
فمتى تبدأ هذه الأيام الثلاثة؟ الحنابلة يقولون: تبدأ هذه المدة من وقت بيان التصرية، وهو
يصير المدة أوسع من الثلاث فى بعض الصور.
والشافعية يقولون: تبدأ هذه المدة من حين العقد، وقيل: من حين التفرق.
ب- فى الرواية الخامسة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والواحدة والعشرين أن الرد
٢٠٥

يصاحبه صاع من تمر، وفى التاسعة عشرة يصاحبه صاع من طعام وكلاهما ينفى
السمراء فكيف الجمع؟ وما الحكم؟.
قال الحافظ ابن حجر: تحمل رواية الطعام على التمراهـ. فالمطلوب صاع من تمر،
حملا للمطلق على المقيد، وكأنه قال: تمرليس ببر، قال الحافظ ابن حجر: ويعكر
عليه ما رواه البزار بلفظ ((إن ردها ردها ومعها صاع من بر، لا سمراء)) وهذا يقتضى
أن المنفى فى قوله ((لاسمراء)) حنطة مخصوصة، وهى الحنطة الشامية، فيكون
المرجح لعموم الطعام أولى. ويؤيده رواية أحمد، ولفظها ((فإن ردها رد معها صاعاً
من طعام، أو صاعا من تمر)) قال الحافظ ابن حجر: وإذا وقع الاحتمال فى هذه
الروايات لم يصح الاستدلال بشىء منها، فيرجع إلى الروايات التى لم يختلف فيها،
وهى التمر فهى الراجحة، وروايات التمر أكثر عدداً من الروايات التى لم تنص عليه،
أو أبدلته بذكر الطعام. وقد أخذ بهذا جمهور أهل العلم، ولم يفرقوا بين أن يكون
اللبن الذى احتلب قليلا أو كثيراً، ولا بين أن يكون التمر قوت تلك البلد أم لا.
وخالف فى أصل المسألة الحنفية، فقالوا: لا يرد بعيب التصرية، ولا يجب رد صاع من التمر،
واعتذروا عن الأحاديث المصرحة بالرد وبالصاع بأعذار شتى، فمنهم من طعن فى الحديث،
لكونه من رواية أبى هريرة، ولم يكن كابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، فلا يأخذ بما رواه
مخالفاً للقياس الجلى. قال الحافظ ابن حجر: وهو كلام آذى قائله به نفسه، وفى حكايته
غنى عن تكلف الرد عليه. ثم أطال فى الرد عليه.
ومنهم من قال: هو حديث مضطرب لذكر التمر فيه تارة والقمح أخرى واللبن ثالثة، واعتباره
بالصاع تارة، وبالمثل أو المثلين تارة أخرى، والجواب أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها.
ومنهم من قال: هو معارض لعموم القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم
بهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وأجيب بأنه من ضمان المتلفات، لا من العقوبات، ثم أطال الحافظ فى
الرد على الحنفية بما لا يتسع له المقام.
وخالف الحنفية زفر، فقال بقول الجمهور. لكنه قال: يتخير بين صاع، ونصف صاع بر، وأبو
يوسف فى رواية، لكنه قال: لا يتعين صاع التمر، بل تصح قيمته، وفى رواية عن مالك وبعض
الشافعية كذلك.
جـ- هل الاحتلاب الوارد فى الرواية الخامسة والسابعة عشرة والواحدة والعشرين شرط للرد؟ على
معنى أن الخيار لا يثبت للمشترى إلا بعد الحلب؟ أولا؟ الجمهور على أنه إذا علم بالتصرية
ثبت له الخيار، ولو لم يحلب، لكن لما كانت التصرية لا تعرف غالباً إلا بعد الحلب ذكر قيدا
فى ثبوت الاختيار، فلو ظهرت التصرية بغير الحلب فالخيار ثابت.
د- لو كان المشترى عالما بالتصرية قبل الشراء. هل يثبت له الخيار؟ والجواب: فيه وجه
٢٠٦

للشافعية، والراجح عندهم أنه لا يثبت، فقد جاء عند الطحاوى ((من اشترى مصراة ولم يعلم
أنها مصراة » واللَّه أعلم.
وللإمام النووى كلام جيد فى هذه القضية أوثر أن أنقله بنصه: قال رحمه الله تعالى:
واختلف أصحابنا فى خيار المشترى للمصراة. هل هو على الفور بعد العلم؟ أو يمتد
ثلاثة أيام؟ فقيل: يمتد ثلاثة أيام لظاهر هذه الأحاديث، والأصح عندهم أنه على
الفور، ويحملون التقييد بثلاثة أيام فى بعض الأحاديث على إذا ما لم يعلم أنها
مصراة إلا فى ثلاثة أيام، لأن الغالب أنه لا يعلم فيما دون ذلك، فإنه إذا نقص اللبن
فى اليوم الثانى عن الأول، احتمل كون النقص لعارض، من سوء مرعاها فى ذلك
اليوم، أو غير ذلك، فإذا استمر كذلك ثلاثة أيام، علم أنها مصراة.
ثم إذا اختار رد المصراة بعد أن حلبها ردها وصاعاً من تمر، سواء كان اللبن قليلاً أو كثيراً،
سواء كانت ناقة أو شاة أو بقرة. هذا مذهبنا، وبه قال مالك والليث وابن أبى ليلى وأبو
يوسف وأبو ثور وفقهاء المحدثين، وهو الصحيح الموافق للسنة، وقال بعض أصحابنا: يرد
صاعاً من قوت البلد، ولا يختص بالتمر، وقال أبو حنيفة وطائفة من أهل العراق وبعض
المالكية ومالك فى رواية غريبة عنه: يردها ولا يرد صاعاً من تمر، لأن الأصل أنه إذا أتلف
شيئاً لغيره، رد مثله إن كان مثلياً، وإلا فقيمته، وأما رد جنس آخر من العروض فخلاف
الأصول. وأجاب الجمهور عن هذا بأن السنة إذا وردت لا يعترض عليها بالمعقول، وأما
الحكمة فى تقييده بصاع التمر فلأنه كان غالب قوتهم فى ذلك الوقت، فاستمر حكم الشرع
على ذلك، وإنما لم يجب مثله ولا قيمته، بل وجب صاع فى القليل والكثير، ليكون ذلك حداً
يرجع إليه، ويزول به التخاصم، وكان صلى الله عليه وسلم حريصاً على رفع الخصام، والمنع
من كل ما هو سبب له، وقد يقع بيع المصراة فى البوادى والقرى، وفى مواضع لا يوجد فيها
من يعرف القيمة، ويعتمد قوله فيها، وقد يتلف اللبن، ويتنازعون فى قلته وكثرته وفى عينه،
فجعل الشرع لهم ضابطاً لا نزاع معه، وهو صاع تمر، ونظير هذا الدية، فإنها مائة بعير، ولا
تختلف باختلاف حال القتيل، قطعاً للنزاع، ومثله الغرة فى الجناية على الجنين سواء كان
ذكراً أو أنثى، تام الخلق أو ناقصه، جميلا كان أو قبيحاً، ومثله الجبران بين الشيئين فى
الزكاة، جعله الشرع شاتين أو عشرين درهما، قطعاً للنزاع، سواء كان التفاوت بينهما قليلاً أو
كثيراً. فإن قيل: كيف يلزم المشترى رد عوض اللبن مع الخراج بالضمان، وأن من اشترى
شيئاً معيباً، ثم علم العيب، فرد به، لا يلزمه رد الغلة والأكساب الحاصلة فى يده؟ فالجواب
أن اللبن ليس من الغلة الحاصلة فى يد المشترى ، بل كان موجوداً عند البائع، وفى حالة
العقد، ووقع العقد عليه وعلى الشاة جميعاً فهما مبيعان بثمن واحد، وتعذر رد اللبن لاختلاطه
بما حدث منه فى ملك المشترى، فوجب رد عوضه، واللَّه أعلم.اهـ
٧- وأما تلقى الركبان فيقول النووى: فى هذه الأحاديث تحريم تلقى الجلب، وهو مذهب الشافعى
٢٠٧

ومالك والجمهور، وقال أبو حنيفة والأوزاعى: يجوز التلقى إذا لم يضر بالناس، فإن أضركره،
والصحيح الأول، للنهى الصريح. قال أصحابنا: وشرط التحريم أن يعلم النهى عن التلقى، ولولم
يقصد التلقى، بل خرج لشغل، فاشترى منه، ففى تحريمه وجهان لأصحابنا، وقولان لأصحاب
مالك، أصحهما عند أصحابنا التحريم، لوجود المعنى، ولو تلقاهم وباعهم ففى تحريمه وجهان،
وإذا حكمنا بالتحريم فاشترى صح العقد. قال العلماء: وسبب التحريم إزالة الضرر عن الجالب،
وصيانته ممن يخدعه. قال المازري: فإن قيل: المنع من بيع الحاضر للبادى سببه الرفق بأهل
البلد، واحتمل فيه غبن البادى، والمنع من التلقى ألا يغبن البادى، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم
((فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار))؟ فالجواب: أن الشرع ينظر فى مثل هذه المسائل إلى
مصلحة الناس، والمصلحة تقتضى أن ينظر للجماعة على الواحد، لا للواحد على الجماعة، ولا
للواحد على الواحد، فلما كان البادى إذا باع بنفسه انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصاً،
فانتفع به جميع سكان البلد نظر الشرع لأهل البلد على البادى، ولما كان فى التلقى إنما ينتفع
المتلقى خاصة، وهو واحد فى قبالة واحد لم يكن فى إباحه التلقى مصلحة، لا سيما إذا انضاف
إلى ذلك علة ثانية، وهى لحوق الضرر بأهل السوق فى انفراد المتلقى عنهم بالرخص، وقطع المواد
عنهم، وهم أكثر من المتلقى، فنظر الشرع لهم عليه، فلا تناقض بين المسألتين، بل هما متفقتان
فى الحكمة والمصلحة.اهـ
ثم قال النووى: قال أصحابنا: ((فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار ((معناه لا خيار له قبل أن
يقدم، ويعلم السعر، فإذا قدم وعلم السعر وكان الشراء بأرخص من سعر البلد ثبت له الخيار، سواء
أخبر المتلقى بالسعر كاذباً أم لم يخبر، وإن كان الشراء بسعر البلد أو أكثر فوجهان. الأصح: لا
خيارله لعدم الغبن، وقيل: له الخيار، لإطلاق الحديث.
وجزم البخارى بأن البيع مردود، بناء على أن النهى يقتضى الفساد، قال الحافظ ابن حجر: لكن
محل أن النهى يقتضى الفساد عند المحققين فيما يرجع إلى ذات المنهى عنه، لا ما إذا كان
يرجع إلى أمر خارج عنه فيصح البيع، ويثبت الخيار بشروطه. ولا يلزم من كون صاحبه عاصيا أن
يكون البيع مردوداً لأن النهى لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يخل بشىء من أركانه وشرائطه، وإنما
هو لدفع الإضرار بالركبان، والقول ببطلان البيع صار إليه بعض المالكية وبعض الحنابلة،
والجمهور على صحة البيع، فإن وجود الخداع والمعصية فى المصراة لم يبطل بيعها، وحديث
((فإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)) لم يبطل بيعهما بالكذب وكتمان العيب.
وقد اختلف العلماء فى تحديد مسافة مبدأ التلقى ونهايته، وجهة المتلقى البداية، وجهة الجالب
نهاية المتلقى، فقال الحافظ ابن حجر: الظاهر أنه لا حد لانتهائه من جهة الجالب.اهـ ومعنى
ذلك أن المتلقى لو ذهب إلى بلد الجالب الذى كان يقصد سوقاً معينة، ودخل بيته، واشترى منه،
يعتبر متلقياً. وفى هذا نظر.
ثم قال: وابتداء الخروج من جهة المتلقى من السوق، فعن ابن عمر قال: «كانوا يبتاعون الطعام
٢٠٨

فى أعلى السوق - أى فى مساحة خارجة عن السوق - فيبيعونه فى مكانه، فنهاهم رسول اللَّه *
أن يبيعوه فى مكانه حتى ينقلوه)» قال الشافعية: إن خرج عن السوق، ولم يخرج من البلد لا يدخل
فى النهى، وحد ابتداء التلقى عندهم الخروج من البلد، والمعنى فيه عندهم أنهم إذا قدموا البلد
أمكنهم معرفة السعر، وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم، وأما إمكان
معرفتهم ذلك قبل الدخول فنادر، والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقاً، كما هو ظاهر
الحديث، وهو قول أحمد وإسحق، وعن الليث كراهة التلقى، ولو فى الطريق، ولو على باب البيت،
حتى تدخل السوق، ويؤيده رواية ((ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها السوق)).اهـ
والتحقيق أن العرف يعتمد فى هذه المسألة، فالمستوردون يسافرون إلى المصانع فى بلادها
ويشترون، ولا نظنهم يدخلون فى النهى، والمصدرون يرسلون البضائع إلى بيوت المستوردين
ومخازنهم، ولا نظنهم يدخلون فى النهى، والعبرة بحكمة النهى. هل هى توفير السلع فى أسواق
المستهلكين وعدم الإضرار بهم؟ أوهى فى حماية صاحب السلعة من استغلال جهله بالأسعار؟
فيدور النهى مع الحكمة من التشريع. واللَّه أعلم.
٨- وأما بيع الحاضر للبادى فقد قال الشافعى والأكثرون إنه حرام بشروط: أن يكون القادم غريباً من
البادية أو من بلد آخر، وأن تكون السلعة متاعاً تعم الحاجة إليه، وأن يكون عالما بالنهى، وأن
يعرض الحضرى ذلك على البدوى، فلو عرضه البدوى على الحضرى لم يمنع، ولو خالف وباع
الحاضر للبادى صح البيع مع التحريم. هذا مذهب الشافعية، وبه قال جماعة من المالكية وغيرهم.
وقال بعض المالكية: يفسخ البيع ما لم يفت، وقال عطاء ومجاهد وأبو حنيفة: يجوز بيع الحاضر
للبادى مطلقاً، لحديث ((الدين النصحية)) قالوا: وحديث النهى عن بيع الحاضر للبادى منسوخ،
وقال بعضهم: إنه على كراهة التنزيه، وقال بعضهم: إنه خاص بمن يبيع بالأجرة، كما فسره ابن
عباس، لأنه لا يكون غرضه نصح البائع غالباً، وإنما غرضه تحصيل الأجرة. وجعل المالكية البداوة
قيداً، وعن مالك: لا يلتحق بالبدوى فى ذلك إلا من كان يشبهه.
والله أعلم
٢٠٩

(٤٠٥) باب بيع المبيع قبل قبضه
وبيع الصبرة المجهولة القدر
٣٣٨٧ -_ ٢٩ عَنِ ابْنِ عَيَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهَمًا (٢٩): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِفَ﴿ قَالَ «مَنِ انْتَاعٌ
طَعَامًا فَلا ◌َبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ.
٣٣٨٨ - ٣٠ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهَمَا(٣٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ِ «مَنِ ابْتَاعَ
طَعَامًا فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ.
٣٣٨٩ - -١ ٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهَمَا(٣١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ «مَنِ انْتَاعٌ
طَعَامًا فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ» فَقُلْتُ لابْنِ عَّاسٍ: لِمَ؟ فَقَالَ: أَلا تَرَاهُمْ يَعْبَايَعُونُ بِالذَّهَبِ،
وَالطَّعَامُ مُرْجَاً؟ وَلَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ: مُرْجَاً.
٣٣٩٠ - ٣٢ٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهَمًا (٣٢): أَنَّ رَسُولَ اللّهِعِ﴿ قَالَ «مَنِ ابْتَاعٌ طَعَامًا
فَلا تيغهُ حتَّى يَسْتَوِيَهُ».
٣٣٩١ - ٣٣- عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا(٣) قَالَ: كُنّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ لَنْفَاعُ الطَّعَامَ. فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِالْتِقَالِهِ مِنَ الْمَّكَّانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ. إِلَّى
مَكّانِ سِوَاهُ. قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ.
٣٣٩٢- ٣٤- عَنِ ابْنٍ عُمّرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا(٣٤): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعِ﴿ قَالَ «مَنِ اشْتَرَى
طَعَامًا فَلا تَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ».
(٢٩) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يُحْتِى. حَدْثًَّا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، حَ وَحَدَّقَا أَبُو الرَّبِعِ الْعَتَكِيُّ وَقُتَيْبَةُ. قَالا: حَدْقَا حَمَّدٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
طاوُسِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
- حَدَّثَنَا أَبْنُ أَبِي عُمِّرَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ. قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَّاكُ ح وحِّدْقًّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي هِيَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّقْنَا وَكِيمٌ
عَنْ سُفْيَانَ (وَهَّوّ الثَّوْرِيُّ) كِلاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الإِسّْاد، نَحْوَهُ.
(٣٠) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُّ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ خُمَّيْدٍ (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدْقَا وَقَالَ: الآخَرَانِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّرَاقِ) أَخْرِنّا
مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاؤْسٍ، عَنْ أَبِهِ عَنِ ابْنِ عَّاسٍ
(٣١) حَدََّا أَبُو بَكَّرٍ بْنُ أَيِّي شَيَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ إِسْحَقُ: أَخْبُرْنَا. وَقَالَ: الآخْرَانِ: حَدًِّا وَكِعٌ) عَنْ سُفْيَانٌ،
عن ابْنِ طّاوُسٍ، عَنْ أَبِهِ عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ
(٣٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلِمَةَ الْقَغَّبِيُّ. خَّدْقْنَا مَالِكٌ. ح وحَدْقَنَا يَحْتِى. بْنُ يَحْتَى. قَالَ: قَرَّأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ تَائٍِ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ
(٣٣) حَدَّثَّا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَّافِعٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرٌ
(٣٤) حَدََّا أَبُوِ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَِيَةً. حَدَّثََّا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وحَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَّيْرٍ (وَاللّفْظُ لَهُ) حَدَقًّا
أَبِي. حَدَّثَّا عُبَّدُ اللَّهِ عَنْ تَائِعٍ عَنِ ابْنٍ عُمْرَ
٢١٠

قَالَ: وَكُنَّا تَشْعَرِي الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جِزَافًا. فَتَهَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ نَبِعَهُ، حَتَّى نَنْقُلَهُ
مِنْ مَكّانِهِ.
٣٣٩٣ - ٣٥- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا(٣٥): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ «مَنٍ
اشْتَرَى طَعَامًا فَلا تَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ وَيَقْبِضَهُ».
٣٣٩٤ -_ ٣٢٦- عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(٣٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ «مَنِ ابْتَاعٌ
طَعَامًا فَلا تَّبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ».
٣٣٩٥ - ٣٧- عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(٣٧): أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَّبُونُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
﴿، إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا، أَنْ يَبِعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يُحَوِّلُوهُ.
٣٣٩٦ - ٣٨ عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٣٨): أَنْ أَبَاهُ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي
عَهْدٍ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ إِذَا ابْتَاعُوا الطَّعَامَ جِزَافًا، يُضْرِبُونَ فِي أَنْ يَبِعُوهُ فِي مَكَّانِهِمْ. وَذَلِكِ حَتَّى
يُؤْرُوهُ إِلَّى رِحَالِهِمْ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّقَيِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنٍ عُمَّرَ؛ أَنَّ أَبَاهُ كَانٍ
يَشْتَرِي الطَّعَامَ جِزَافًا، فَيَحْمِلُهُ إِلَى أَهْلِهِ.
٣٣٩٧ - ٣٢٦- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ ﴾(٣٩): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلا يَبِغْهُ
حَتَّى يَكْتَلَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ «مَنِ ابْنَاعَ».
٣٣٩٨ - -٢٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٤٠) أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانٌ: أَخْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبًا؟ فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا
فَعَلْتُ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَحْلِلْتَ بَيْعَ الصِّكّاكِ. وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى
يُسْتَوْقَى. قَالَ: فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ. فَنَهَى عَنْ بَيْعِهَا. قَالَ سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ
يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ.
(٣٥) حَدَّتِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى. أَخْبَرَلَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّنِي عُمّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ تَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ
(٣٦) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ (قَالَ يَحْتِى أَخْبَرَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ. حَدَّقَنَا إِسْمَّعِيلُ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
دِينَارِ أنَّهُ سّمِعَ ابْنَ عُمَرَ
(٣٧) حَدْثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً. حَدْقَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمّرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنٍ عُمْرَ
(٣٨) وحَدَّثَنِي حَرْمَلَّةُ بْنُ يَخْتِى. حَدََّا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبُرَنِي يُونُسُْ عَنِ ابْنِ شَيْهَابٍ أَخْبُرَبِيْ سَالِمُ بَّنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ أَبَاهُ قَالَ
(٣٩) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْيَةٌ وَابْنُ ثُمَّيْرٍ وَأَبُوِ كُرَيْبٍ قَالُوا: حَدَّقَنَّا زَيْدُ بْنُّ حُبّابٍ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنٍ عُثْمَانِ، عَنْ بُكْيْرِ بْنِ عَبْدٍ
اللَّهِ ابْنِ الأَشْجِّ، عَنَ سُلَيْمَانُ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٤٠) حَدََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْرُومِيُّ. حَدَّقَا الصَّحَُّ بْنُ عُثْمَانٌ عَنْ يُكْيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الأَشَجِّ،َ عَنْ سُلَيْمَاكِ بْنٍ يُسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٢١١

٣٣٩٩ - -لٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمًا (٤١) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ يَقُولُ
«إِذَا ابْتَعْتَ طَعَامًا، فَلا تَبِعْهُ خَتِّى تَسْتَوْفِيَهُ».
٣٤٠٠- ٣} عَنْ جَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٤٢) قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِل ◌َ عَنْ بَيْعِ
الصُّْرَةِ مِنَ الثَّمْرِ، لا يُعْلَمُ مَكِيلْتُهَا، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ الَّمْرِ.
٣٤٠١ - - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِلَ ﴾» بِمِعْلِهِ. غَيْرَ
أَنْهُ لَمْ يَذْكُرْ «مِنَ الثَّمْرِ» فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.
المعنى العام
أحل الله البيع لحاجة الناس، رغم مافى كثير منه من الغرر والجهالة، وعدم الوضوح التام، وما
عساه يقع فيه البائع من أضرار، وماعساه يقع فيه المشترى من خسائر ومفاسد، ليس من السهل على
طرفى هذه المعاملة أن يكتشفا كل شىء فى سلعتها، مهما حرصا على ذلك، من أجل هذا نصحهما
الشارع بأن يصدقا - ما أمكنهما - ويبينا - ما أمكنهما- ليبارك لهما فى بيعهما، لأنهما إن تعمدا
الكذب وإخفاء العيوب محقت بركة بيعهما.
لاشك أن البيع معاملة مشوية بالأضرار والأخطار، بقدر ما يترتب عليها من فوائد ومنافع، من هنا
أحاطها الشارع الحكيم بكثير من الاحتياطات والأسوار ورفع العقبات، وتنقية مايخالجها من
شوائب، وتسليط الأضواء على ما يداخلها من ظلمات، وفتح نوافذ الهواء النقى ليدفع الهواء الفاسد.
فنهى عن أصناف من بيوع كانت متداولة وكثيرة، وشرط شروطاً لبيوع كانت فاسدة، من هذه
الشروط: النهى عن بيع السلعة قبل قبضها، بمعنى أن الإنسان إذا اشترى بضاعة ودفع ثمنها، ولم
يتسلمها لا يجوز له بيعها حتى يقبضها، لأنه لوباعها قبل قبضها فكأنه باع نقداً بنقد مع التفاوت
بينهما، فإذا اشترى بضاعة بمائة، ولم يتسلمها، وباعها بمائة وخمسين، فكأنه باع المائة التى دفعها
بمائة وخمسين قبضها ، فكأنه باع ذهبا بذهب، والبضاعة مرجأة مؤخرة، بعيدة عن البيع والشراء
حيث لم يجر عليها قبض وانتقال.
وقبض كل مبيع بحسبه، فقبض الدار التخلية من البائع، وخروجها من حيازته إلى حيازة
المشترى، وهو ما يطلق عليه وضع اليد، وكذا قبض الأرض الزراعية وغير الزراعية والمصانع ونحو ذلك
(٤١) حَدََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْيُرَنَا رَوْحٌ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. حَذََّتِي أَبُوِ الزُّبِيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُول
(٤٢) حَدَِّي أَبُوِ الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أُخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّقَتِي ابْنُ جُرَيْجٍ؛ أَنْ أَبَّا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ
ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولَ
- حَدْثَّا إِسْحَقُ بْنُّ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثََّا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُول
٢١٢

مما لا ينتقل. أما ما ينتقل من مكان إلى مكان كالطعام والسيارة والماشية والثياب والآلات والأثاث
فقبضه نقله من مكان يخص البائع إلى مكان لا اختصاص للبائع به، وهذا القبض الذى دعا إليه
الشارع يرفع كثيرا من الخلافات والمنازعات، فلو هلكت السلعة بعد قبضها فهى فى ذمة المشترى
وضمانه ومسئوليته، أما لو هلكت بعد البيع وقبل القبض وقد بيعت ثانيا كان ذلك مثاراً للمنازعات
وتداخل المسئوليات.
وإذا كان الحديث قد أكد على النهى عن بيع الطعام قبل قبضه فغير الطعام له حكم الطعام، وما
ذكر الطعام إلا لأنه غالب ما كان يباع ويشترى فى ذلك الزمان.
ومن الاحتياطات التى أمر بها الشارع قبض المكيل كيلاً، والموزون وزناً، والمعدود عداً، والمقادير
قياسا، فإنه لا يجوز بيع صنف ربوى بجنسه إلا أن يكون كل منهما معلوم المقدار، وأن تتحقق
المساواة بين المتماثلين، فكومة التمر لا يجوز بيعها بما هو معلوم الوزن أو الكيل من التمر، وكذلك
المعلوم وزنا أو كيلا، لا يجوز بيعه بكوية منه، لأن فى ذلك جهالة وغرر ينهى الإسلام عنه حفاظاً على
حقوق كل من المتبايعين. واللَّه أعلم.
المباحث العربية
(من ابتاع طعاما) أى من اشترى طعاماً، والمراد من الطعام المأكول والمشروب والمتفكه به،
أى مامن شأنه ذلك وإن لم يطعم، وما يؤول إلى ذلك. وفى الرواية السادسة والحادية عشرة ((من
اشتری طعاما)».
(فلا يبعه حتى يستوفيه) قيل: معناه حتى يستوفى كيله ووزنه ومقداره، وقيل: حتى يقبضه
المشترى، ويدخل فى حوزته، وإن كان فى مكانه، وقيل: حتى ينقله من مكانه، وفى ذلك خلاف يأتى
فى فقه الحديث.
وفى الرواية الثانية والثامنة ((حتى يقبضه)) وفى الرواية السابعة جمع بين اللفظين ((حتى
يستوفيه ويقبضه)» وفى الرواية الثالثة والحادية عشرة ((حتى يكتاله)) وفى الرواية الخامسة ((يأمرنا
بانتقاله من المكان الذى ابتعناه فيه إلى مكان سواه)) وفى الرواية السادسة ((حتى ننقله من مكانه))
وفى الرواية التاسعة ((حتى يحولوه)) وفى الرواية العاشرة ((حتى يؤووه إلى رحالهم)).
(وأحسب كل شىء مثله) من كلام ابن عباس، أى وأظن اجتهادا أن كل مبيع مثل الطعام
فى ذلك الحكم. وفى الرواية الثانية ((وأحسب كل شىء بمنزلة الطعام)) وفى رواية للبخارى ((ولا
أحسب كل شىء إلا مثله )».
(قال : فقلت لابن عباس: لم)؟ وعند البخارى: قال طاووس لابن عباس: كيف ذلك؟
(ألا تراهم يتبايعون بالذهب، والطعام مرجأ) أى مؤخر، و((مرجأ)» بالهمز،
٢١٣

وبدونه، ووقع عند بعضهم ((مرجى)) بضم الميم وفتح الراء وتشديد الجيم المفتوحة، مبالغة
فى التأخير.
والمعنى أن ابن عباس استنبط من بيع المشترى الطعام قبل قبضه أنه من قبيل بيع الدراهم
بدراهم، ما دام الطعام مرجأ ومؤخرا استلامه، فسأله طاووس عن كيفية هذا الاستنباط، فأجابه ابن
عباس بما معناه: أنه إذا باعه المشترى قبل القبض، وتأخر المبيع فى يد البائع فكأنه باعه دراهم
بدراهم، فإذا اشترى طعاما بمائة دينار مثلا، ودفعها للبائع، ولم يقبض منه الطعام، ثم باع هذا الطعام
لآخر بمائة وعشرين دينارًا، وقبضها، والطعام فى يد البائع الأول، فكأنه باع مائة دينار دفعها للبائع
بمائة وعشرين دينارًا قبضها من المشترى، فكأن التبايع وقع بين ذهب وذهب، مادام الطعام مرجأ.
(فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله) أى فيبعث رسول اللّه وصلات.
(كنا نشترى الطعام من الركبان جزافا) بكسر الجيم، وضمها، وفتحها، ثلاث لغات،
والكسر أفصح وأشهر، وهو البيع بلا كيل، ولا وزن، ولا عد، بل تقديرها بطريق الخبرة والظن والتخمين.
و((الركبان)» بضم الراء: الجماعة من أصحاب الإبل فى السفر، جمع راكب.
وفى الرواية الرابعة عشرة ((نهى عن بيع الصبرة من التمر، لايعلم مكيلتها بالكيل المسمى من
التمر» والصبرة بضم الصاد الكومة من الطعام، ويقال: اشترى الطعام صبرة، أى جزافا. والمعنى
لايعلم مقدار كيلها بالكيل المعروف بالنسبة لنوعها. فلكل نوع كيل مسمى معروف.
(كانوا يضربون على عهد رسول اللّه﴿ إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه فى
مكانه، حتى يحولوه) ((أن يبيعوه فى مكانه)) علة الضرب، أى يضربون لبيعهم له فى مكانه. وفى
الرواية العاشرة ((يضربون فى أن يبيعوه)» فلفظ ((فى)) سببية، أى بسبب بيعهم.
(أحللت بيع الربا؟) همزة الاستفهام محذوفة، والأصل: أأحللت بيع الربا؟ والاستفهام
إنكارى توبيخى، أى ما كان ينبغى أن تحل بيع الربا.
(أحللت بيع الصكاك) الصكاك جمع صك، وهو الورقة المكتوبة بدين، ويجمع أيضا
على صكوك، والمراد هنا الورقة التى تخرج من ولى الأمر بالرزق لمستحقه، بأن يكتب فيها: لزيد مثلا،
أولحامله كذا وكذا من طعام وغيره، فيبيع صاحب الصك هذا الصك لإنسان قبل أن يقبض ما فيها.
(فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدى الناس) الحرس بفتحات الحراس، وفى القرآن
الكريم ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِّئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] والمراد بهم هنا الجند
الذين يرتبون لحفظ الحاكم وحراسته، وتنفيذ أوامره على الرعية. أى فكانوا يأخذون الصكوك المباعة
من أيدى الناس الذين يتبايعونها.
(نهى عن بيع الصبرة من التمر، لايعلم مكيلتها، بالكيل المسمى من التمر)
٢١٤

قوله ((بالكيل المسمى)» هو مقابل البيع، أى الثمن، أى نهى عن بيع الصبرة من التمر بتمر
مكيل معلوم.
فقه الحديث
قال النووى: فى هذه الأحاديث النهى عن بيع المبيع حتى يقبضه البائع، واختلف العلماء فى
ذلك، قال الشافعى: لا يصح بيع المبيع قبل قبضه، سواء كان طعاماً، أو عقارا، أو منقولا، أو نقدا، أو
غيره. وقال عثمان البتى: يجوز فى كل مبيع، وقال أبو حنيفة: لا يجوز فى أى شىء إلا العقار [وما لا
ينقل] وقال مالك: لا يجوز فى الطعام، ويجوز فيما سواه، ووافقه كثيرون، وقال آخرون لا يجوز فى
المکیل والموزون، ويجوز فیما سواهما.
قال: أما مذهب عثمان البتى فحكاه المازرى والقاضى، ولم يحكه الأكثرون، بل نقلوا
الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه. قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه. فمذهب
عثمان البتى شاذ متروك.اهـ
قال ابن قدامة فى المغنى: ومن اشترى ما يحتاج إلى القبض لم يجزبيعه حتى يقبضه، ولا أرى
بين أهل العلم فيه خلافا إلا ما حكى عن عثمان البتى، وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه فى أظهر
الروايتين [أى عن أحمد] ونحوه قول مالك ابن المنذر.اهـ
وقال عطاء بن أبى رباح والثورى وابن عيينة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعى فى
الجديد ومالك فى رواية وأحمد فى رواية وأبو ثور وداود: النهى الذى ورد فى البيع قبل القبض قد وقع
على الطعام وغيره، وهو مذهب ابن عباس أيضا، ولكن أبا حنيفة قال: لابأس ببيع الدور والأرضين قبل
القبض، لأنها لا تنقل ولا تحول.
لكن الشافعى وموافقوه يقولون: إن قبض كل شىء بحسبه. فما يتناول باليد، كالدراهم والدنانير
والثوب، فقبضه بالتناول والحيازة والنقل من يد البائع واختصاصه، وما لا ينقل كالعقار، والأرض،
والثمر على الشجر، فقبضه بالتخلية، وما ينقل فى العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه
بالنقل إلى مكان، لا اختصاص للبائع به، وفيه قول أنه يكفى فيه التخلية.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- من الرواية الثالثة والحادية عشرة من قوله ((فلا يبعه حتى يكتاله)) فرق مالك فى المشهور عنه
بين الجزاف والمكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه، وبه قال الأوزاعى وإسحق، فالاستيفاء
عندهم إنما يكون فى مكيل أو موزون، ويساعدهم مارواه أحمد عن ابن عمر مرفوعا ((من اشترى
طعاماً بكيل أووزن فلا يبعه حتى يقبضه)) ورواه أبو داود والنسائى بلفظ ((نهى أن يبيع أحد
طعاماً اشتراه بكيل حتى يستوفيه )»
لكن الروايات الأولى والثانية والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والثانية عشرة
٢١٥

والثالثة عشرة تعمم الطعام، ولا تفرق بين المكيل والجزاف، بل الرواية التاسعة العاشرة تنص
على النهى عن بيع الجزاف حتى يقبضه. وبهذا قال الجمهور.
٢- استدل بعضهم بقوله ((حتى يحولوه)) فى الرواية التاسعة، وقوله ((حتى يؤووه إلى رحالهم)) فى
الرواية العاشرة بأن المبيع من الطعام جزافا قبضه النقل والتحويل إلى الرحال، والجمهور أن هذا
القيد خرج مخرج الغالب.
٣- استدل بعضهم بقوله فى الرواية الثالثة والحادية عشرة («حتى يكتاله)» بأن شرط القبض فى
المكيل الكيل، وفى الموزون الوزن، فمن اشترى شيئا مكايلة أو موازنة فقبضه جزافا فقبضه
فاسد، ومن اشترى مكايلة وقبضه، ثم باعه لغيره لم يجزتسليمه بالكيل الأول، حتى يكيله على من
اشتراه ثانيا، أما بيع الصبرة جزافا فالرواية التاسعة والعاشرة تبيحه مطلقا، على أن لا يباع
ثانية حتى ينقل، وبه قال الجمهور، أى سواء علم البائع قدرها أم لم يعلم وسواء علم المشترى
قدرها أم لم يعلم، وعن مالك التفرقة، فلو علم البائع دون المشترى لم يصح. قال ابن قدامة: يجوز
بيع الصبرة جزافا، لانعلم فيه خلافا إذا جهل البائع والمشترى قدرها. اهـ
٤- استدل بالرواية الرابعة عشرة على تحريم بيع صبرة التمر المجهولة القدر بتمر معلوم القدر، قال
النووى: هذا تصريح بتحريم التمر بالتمر حتى تعلم المماثلة. قال العلماء: لأن الجهل بالمماثلة
فى هذا الباب كحقيقة المفاضلة، لقوله صلى الله عليه وسلم ((إلا سواء بسواء)) ولم يحصل تحقق
المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، وسائر الربويات، إذا بيع بعضها
ببعض حكم التمر بالتمر، واللَّه أعلم.
٥- واستدل بالرواية الثانية عشرة على منع بيع الصكوك. قال النووي: وقد اختلف العلماء فى ذلك،
والأصح عند أصحابنا وغيرهم جواز بيعها، والثانى منعها، فمن أخذ بظاهر قول أبى هريرة
وبحجته منعها، ومن أجازها تأول قضية أبى هريرة على أن المشترى ممن خرج له الصك باعه
الثالث قبل أن يقبضه المشترى، فكان النهى عن البيع الثانى، لا عن الأول، لأن الذى خرجت له
مالك لذلك ملكا مستقرا، وليس هو بمشتر، فلا يمنع بيعه قبل القبض، كما لا يمتنع بيعه ماورثه
قبل قبضه. قال القاضى عياض -بعد أن تأوله على هذا النحو- وكانوا يتبايعونها، ثم يبيعها
المشترون قبل قبضها، فنهوا عن ذلك، قال : فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فرده عليه، وقال: لا تبع
طعاما ابتعته حتى تستوفيه.اهـ
قال النووى: وكذا جاء الحديث مفسرا فى الموطأ أن صكوكا خرجت للناس فى زمن مروان
بطعام، فتبايع الناس تلك الصكوك قبل أن يستوفوها.
وفى الموطأ ما هو أبين من هذا، وهو أن حكيم بن حزام ابتاع طعاما أمربه عمر بن الخطاب ظ
فباع حكيم الطعام الذى اشتراه قبل قبضه ... )) والله أعلم.
٦- ومن الرواية التاسعة والعاشرة، من قوله ((كانوا يضربون)) أن ولى الأمريعزر من تعاملى
٢١٦

بيعا فاسدا، ويعزره بالضرب وغيره مما يراه من العقوبات فى البدن، على ما تقرر فى
كتب الفقه.
٧- وفيه إقامة الإمام على الناس من يراعى أحوالهم فى ذلك.
٨- استنبط البخارى من النهى عن البيع قبل القبض منع بيع ما ليس عندك بالطريق الأولى، وحديث
النهى عن بيع ماليس عندك أخرجه أصحاب السنن، من حديث حكيم بن حزام، قال: قلت: يا
رسول اللّه، يأتينى الرجل، فيسألنى البيع ليس عندى، أبيعه منه، ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال،
((لا تبع ما ليس عندك)) قال ابن المنذر: وبيع ماليس عندك يحتمل معنيين. أحدهما: أن يقول:
أبيعك دارا معينة - وهى غائبة - فيشبه بيع الغرر، لاحتمال أن تتلف، أو لا يرضاها، ثانيها أن
يقول: هذه الدار بكذا، على أن أشتريها لك من صاحبها، أو على أن يسلمها لك صاحبها. قال:
وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثانى.
٩- وقد فرّع العلماء على منع البيع قبل القبض: ضمان المبيع لوهلك فى يد البائع بعد العقد، وقبل
القبض. فمن باع دابة واحتبسها عنده حتى يأتى المشترى بالثمن، فهلكت فى يديه قبل أن يأتى
المشترى بالثمن. قال سعيد بن المسيب وربيعة: الضمان على البائع. وقال سليمان ابن يسار: هو
على المشترى، ورجع إليه مالك بعد أن كان أخذ بالأول، وتابعه أحمد واسحق وأبو ثور، وقال
بالأول الحنفية والشافعية، والأصل فى ذلك اشتراط القبض فى صحة البيع، فمن اشترطه فى كل
شىء جعله من ضمان البائع، ومن لم يشترطه جعله من ضمان المشترى، وقد سئل الإمام أحمد
عمن اشترى طعاما، فطلب من يحمله، فرجع فوجده قد احترق، فقال : هو من ضمان المشترى.
والله أعلم
٢١٧

(٤٠٦) باب خيار المجلس للمتبايعين،
وقول أحدهما : لا خلابة
٣٤٠٢ -- ٤٣ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٤٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِفَ قَالَ «الْبَيِّعَانِ، كُلُّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَتَفَرِّقًا، إِلا بَيْعَ الْخِيَارِ».
٣٤٠٣- ٤ُ عَنِ ابْنِ عُمّرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا (٤٤) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَنْهُ قَالَ «إِذَا تَبَايَعَ
الرَّجُلانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانًا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِنْ
خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكٍ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرِّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ
وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجْبَ الْبَيْعُ».
٣٤٠٤ - -4 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمّرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٤٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ «إِذَا
تَبَايَعَ الْمُتَبَايِعَانِ بِالْبَيْعِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَّا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقًا. أَوْ يَكُونُ بَيْعُهُمَا عَنْ
خِيّارٍ. فَإِذَا كَانَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيّارٍ، فَقَدْ وَجَبَ» زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ قَالَّ نَافِعٌ: فَكّان
إِذَا بَايَعَ رَجُلًا فَأَرَادَ أَنْ لا يُقِيلَهُ، قَامَ فَمَشَى هُنَيَّةٌ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ.
٣٤٠٥ -- ١/٢٦ٍ عَنْ ابْنِ عُمّرَ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٤٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِمَِّ «كُلُّ بَيْعَيْنِ لا
بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقًا، إِلا بَيْعُ الْخِيَّارِ».
(٤٣) حَدَّثَّا يَحْتِى بْنُ يَحْبَى. قَالَ: قَرَّأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ تَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرٌ
- حَدْثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى. قَالا: حَدَّثَنَا يَخَتِىَ (وَهُوَ الْقَطّالُ) ح وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ بِشْرِ. حٍ وَحَدْقَّا ابْنُ لُمَيْرٍ، حَدَّقْنَا أَبِي. كُلُهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَّرٌ عَنِ النَّبِيِّل ◌ََّْحِ وَحَدَّقَيِي زُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍَ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالا: حَدَّقَنَا إِسْمَّعِيلُ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيِعِ وَأَبُو كَامِلٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّاذٌ (وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ) جَمِيعًا عَنْ
أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَّرَ عَنِ الَّبِيِّ ◌َ حْ وَحَدَّقْنَا ابْنُ الْمُثْنَى وَابْنُ أَبِي ◌ُمَّرَ. قَالا: حَدَّثْنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ
يُحْيِى بْنَ سَعِيدٍ. ح وَحَدََّّا ابْنُ رَابِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ. أَخْبُرَنَا الضَّخَّكُ. كِلاهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمْرَ عَنِ الْبِيِّ ◌َ ◌ّ
تحوّ حدیثٍ مَالِكٍ عَنْ نافعٍ.
(٤٤) حَدَّا قُتَنْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح و حَدْقَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ أَخْبُرَنَا الْيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرٌ
(٤٥) وَحَدَّثَِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمّرَ. كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدََّنَا سُفْيَاهُ بْنُ عَيْئَةً عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. قَالَ: أَمْلَى
عَلَىَّ نَافِعٌ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَّرَ يَقُول
(٤٦) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَيَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَنْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَالَ يَخْتِى بْنُ يَحْتِى: أَخْبُرَنَا. وقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّقْنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ
جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَّرَ يَقُول
٢١٨

٣٤٠٦- ١٧ عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ ﴿يَ(٤٧) عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ
يَتَفَرِّقَا. فَإِنْ صَدَقًا وَيِّنَا بُورِكَ لَّهُمَا فِي بَيْعِهِمَا. وَإِنْ كَذَّبًا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».
٣٤٠٧ -_ ٤٨ٍ عَن ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا (٤٨) قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِعَل
أَنْهُ يُخْدَعُ فِي الْبُوعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَِّ «مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلَابَةَ». فَكَانَ
إِذَا بَايِعَ يَقُولُ: لا خِيَابَةٌ.
٣٤٠٨ - - وفي رواية عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمًا: فَكّان
إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لا خِيَابَةً.
المعنى العام
ومازلنا مع الضوابط والقيود والاحتياطات التى وضعها الإسلام لحماية المشترى أو البائع من
الغبن، ووقاية كل منهما من استغلال الآخر، أو التغرير به، فقد يتعجل بالإيجاب أو بالقبول نتيجة
إغراء، وقد تثار الرغبة، وتهيج كوامن أحد الطرفين لتلك المعاملة، فيقع فى شراكها وهو لا يريدها،
أولا يحتاجها، أولا يقدرها، فجعلت هذه الأحاديث لكل من المتبايعين حق الرجوع فى البيع، وحق
إلغاء التعاقد، ما داما فى مجلس العقد، أو مادا ما متلاقيين، أو ماداما على هيئة يعتبرهما العرف
عليها مجتمعين، كأن يكونا على الهاتف مثلا، ولا ينقطع هذا الخيار إلا بتفرق الأبدان على أصح
الأقوال ، فإذا أراد أحدهما أو كلاهما إمضاء العقد ولزومه مع حاجتهما لبقاء اللقاء قام أحدهما من
مجلسه، وسار بعيداً للحظة، ثم عاد، ليقطع بذلك مجلس العقد. كان ابن عمر -رضى الله عنهما-
يفعل ذلك.
إن أحد المتبايعين قد يحاول أن ينزع هذا الحق من يد الآخر، فيقول له: اقطع بالرأى، ولاخيار
لك إن قبلت، وفورا قل: نعم أو لا، ولا رجوع. وهذا الأسلوب يتناقض مع حكمة تشريع خيار المجلس،
حتى قال بعض العلماء: إنه يبطل البيع.
(٤٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى. حَدَّثَنَا يُحْتِى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةً. ح وحَدْثَنَا عَمْرُوِ بْنُ عَلِيِّ. حَدَّثَمَا يُحْتِى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ
ابْنُ مَهْدِيٍّ. قَالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ
- حَدَّثَّا عَمْرُو بْنُ عَلِيّ. حَدََّّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَّنْ مَهْدِيّ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِي النَّيَاحِ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ الْحَارثِ
يُحَدِّثُ عَنْ حِكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ عَنِ الْبِّ :﴿ بِمِثْلِهِ: قَالَ مَسْلِمِ بْن الْحَجَّاجِ: وَّلِدَ حَكِيمٌ بْنُ حِزَامٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَعَاشَ مِائَةً
وَعِشْرِينَ سَّنَّةٌ.
(٤٨) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَيَخْتَى بْنُ أَبُوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَالَ يَحْتِى بْنُ يَحْتَى: أَخْبُرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدْثَّا إِسْمَعِيلُ بْنُ
جَعْفَرٍ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارِ، أَنْهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُول
- خَذََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِّي شَيَّةً. حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حِ وَحَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِّى. حَدْقَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدََّا
شُعْبَةُ. كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ
٢١٩

ولم يكتف الإسلام بمنحه التؤدة والتمهل وإعطاء فرصة الرجوع بالمجلس، بل طالب كلا من
الطرفين بالنصح للطرف الآخر، وأن يبين له ما فى سلعته من عيوب وأن يصدقه القول، ليبارك لهما
فى بيعهما، وليجعل اللَّه فى هذه المعاملة خيرا كثيرا ، أما إن كتمه عيوبها، وأخفاها عليه، ولم يصدقه
النصيحة محق اللّه بركة هذه البيعة ، وجعلها شراً ووبالا.
ولم يكتف الإسلام بهذا أيضا، بل سمح لكل من الطرفين أن يشترط الخيار، وأن يحتفظ لنفسه
بحق التراجع فى البيع ، مدة قد تصل إلى ثلاثة أيام أو تزيد.
وحمى الإسلام المغفل فى البيع والشراء من استغلال الآخرين له، فلقنه أن يقول لصاحبه فى
البيع: لاخلابة. أى لا خداع بيننا. ولا تغرير، وله بعد ذلك أن يستشير الخبراء، وأن يرجع على الطرف
الآخر إن كان مغبوناً. فنعم الإسلام، ونعم التشريع الذى يحفظ المودة والرحمة بين المتعاملين.
المباحث العربية
(خيار المجلس) ((خيار)) بكسر الخاء، وهو طلب خير الأمرين، من إمضاء البيع أو فسخه،
والخيار فى البيع نوعان: ((خيار المجلس)» أى الخيار طالما كان المتبايعان بمجلس العقد، أو إلى
حين يتم الإيجاب والقبول ويحصل التراضى فى المجلس.
وخيار الشرط وسيأتى فى فقه الحديث، وزاد بعضهم خيار النقيصة، وهو أن يظهر بالمبيع عيب
يوجب الرد، ويلتزم البائع فيه شرطا لم يكن فيه، وبعضهم يجعله مندرجا فى خيار الشرط.
(للمتبايعين) التثنية لتغليب البيع على الشراء، أو على أن كل واحد منهما بائع.
(البيعان) بفتح الباء وتشديد الياء المكسورة جمع بيع بتشديد الياء بمعنى البائع، كضيق
وضائق والمراد البائع والمشترى.
(كل واحد منها بالخيار) أى بخيار المجلس.
(ما لم يتفرقا) فى رواية النسائى ((مالم يفترقا)) بتقديم الفاء على التاء، وعن بعض أهل اللغة
يقال: افترقا إذا كان بالكلام، وتفرقا إذا كان بالأبدان. وفى الرواية الثانية ((وكانا جميعا)) أى ما لم
يتفرقا عن تجمع.
(إلا بيع الخيار) قال الكرمانى: فيه ثلاثة أقوال: أصحها أنه استثناء من أصل الحكم، أى
البيعان بالخيار إلا بيعا جرى فيه التخاير بينهما - كأن يقول كل منها للآخر: أنت بالخيار. تمضى
عقد البيع أولا تمضيه. فيقول كل منهما: أختار إمضاء البيع - فإن العقد يلزم به وإن لم يتفرقا بعد.
والثانى: أن الاستثناء من مفهوم الغاية ((حتى يتفرقا)) أى أنهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيعا شرط
فيه خيار يوم أو يومين مثلا، فإن الخيار باق بعد التفرق، إلى مضى المدة المشروطة. الثالث: أن
٢٢٠