Indexed OCR Text
Pages 121-140
٦- ومن أمره لها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم أخذ بعض الناس جواز نظر المرأة إلى الأجنبى، بخلاف
نظره إليها. قال النووى: وهذا قول ضعيف، بل الصحيح الذى عليه جمهور العلماء وأكثر الصحابة
أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبى، كما يحرم عليه النظر إليها، لقوله تعالى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ
يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ .... وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتٍ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِ هِنَّ﴾ [النور: ٣١،٣٠] لأن الفتنة
مشتركة، وكما يخاف الافتتان بها تخاف الافتتان به، ويدل عليه من السنة حديث نبهان مولى
أم سلمة عن أم سلمة أنها كانت هى وميمونة عند النبى# فدخل ابن أم مكتوم، فقال النبى وق لا
: احتجبا منه. فقالتا: إنه أعمى، لا يبصر؟ فقال النبى وُ ل: ((أفعمياوان أنتما؟ ألستما
تبصرانه؟)) وهذا الحديث حسن. رواه أبو داود والترمذى وغيرهما، وقال الترمذى: هو حديث
حسن، ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة.
ثم قال النووي: وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم فليس فيه إذن لها بالنظر إليه، بل
فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها لها، وهى مأمورة بغض بصرها، فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا
مشقة، بخلاف مكثها فى بيت أم شريك.اهـ
٧- ومن قوله ((فإذا حللت فآذنينى)) جواز التعريض بخطبة البائن. قال النووى: وهو الصحيح عندنا.
٨- ومن قوله صلى الله عليه وسلم عن أبى جهم: ((لا يضع عصاه عن عاتقه)) جواز استعمال الكناية.
٩- ومن قوله عن معاوية: ((إنه صعلوك)) جواز ذكر الإنسان الغائب بما فيه من العيوب التى يكرهها
إذا كان على وجه النصيحة.
١٠- ومن قوله عن معاوية: ((لا مال له)) نفى الشىء مع وجود قليله على سبيل المجاز واعتبار القليل
فى حكم العدم، فإن أباجهم كان يضع العصا عن عاتقه فى حال نومه وأكله، ومعاوية كان له
ثوب يلبسه وغير ذلك من المال القليل.
١١- ومن قوله ((انكحى أسامة بن زيد)) جواز الإشارة بنكاح شخص علم دينه وفضله وحسن طرائقه.
١٢ - وجواز الخطبة على الخطبة إذا لم يحصل للأول إجابة، لأنها أخبرته أن معاوية
وأباجهم خطباها.
١٣- واستحباب إرشاد الإنسان إلى مصلحته، وإن كرهها، وتكرار ذلك عليه، لتكراره ((انكحى أسامة))
بعد قولها «فكرهته».
١٤ - وقبول نصيحة أهل الفضل، والانقياد إلى إشارتهم، وأن عاقبتها محمودة.
١٥ - وجواز نكاح غير الكفء، إذا رغبت به الزوجة والولى، لأن فاطمة قرشية، وأسامة من الموالى.
١٦ - والحرص على مصاحبة أهل الفضل والتقوى وإن دنت أنسابهم.
١٧- ومن إنكار عائشة على فاطمة؛ جواز إنكار المفتى على مفت آخر، خالف النص، أوعمم
ما هو خاص.
١٢١
١٨ - ومن إتحاف أم شريك لزوارها؛ استحباب إتحاف الزائر وإكرامه بطيب الطعام والشراب، سواء
كان المضيف رجلا أو امرأة.
١٩ - ومن خروج فاطمة من منزل الزوجية؛ جواز خروج المطلقة ثلاثا من بيتها لعذر.
٢٠- ومن الرواية الواحدة والعشرين جواز خروج المعتدة البائن للحاجة. قال النووي: ومذهب مالك
والثورى والليث والشافعى وأحمد وآخرين جواز خروجها فى النهار للحاجة، وكذلك عن هؤلاء
يجوزلها الخروج فى عدة الوفاة، ووافقهم أبو حنيفة فى عدة الوفاة، وقال فى البائن: لا تخرج ليلا
ولانهارا. اهـ أما المطلقة رجعيا فلا تخرج إلا بإذن زوجها.
٢١ - وفيه استحباب الصدقة من التمر عند جذاذه.
٢٢ - واستحباب الهدية منه.
٢٣ - واستحباب التعريض لصاحب التمر بفعل ذلك.
٢٤ - والتذكير بالمعروف والبر.
والله أعلم
١٢٢
(٣٩٩) باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها
٣٢٩٣ - ٦°ْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ (٥٦): أَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ
عَبْدِاللَّهِ بْنِ الأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ، يَأْمُرُهُ أَن يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الأَسْلَمِيَّةِ، فَيَسْأَلَهَا عَنْ
حَدِيثِهَا وَعَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ، حِينَ اسْتَفْتَنْهُ. فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ
عُْبَةَ يُخْبِرُهُ؛ أَنَّ سُبَيْعَةً أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدٍ بْنٍ خَوْلَةً. وَهُوَ فِي يَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.
وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا. فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَهِيَّ حَامِلٌ. فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ
حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ. فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطْابِ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَاِلِ بْنُ
بَعْكّكٍ (رَجُلٌ مِنْ بَيِي عَبْدِ الدَّارِ) فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكٍ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرَجِّينَ النِّكَاحَ. إِنَّكِ،
وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ،
جَمَّعْتُ عَلَيَّ ◌ِيَّابِي حِينَ أَمْسَيْتُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَسَأَتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ
حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَّبِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَلا أَرَى بَأْسًا أَنْ
تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ. وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا. غَيْرَ أَنَّ لا يَقْرَبِهَا زَوْجُهَا حَتِى تَطْهُرَ.
٣٢٩٤ - -٥/٢٣- عَنْ سُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ(٥٧): أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنَ عَبَّاسِ اجْتَمَعَا
عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةً. وَهُمَّا يَذْكُرَانِ الْمَرْأَةٌ تُنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَّالٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عِدْتُهَا
آخِرُ الأَجَلَيْنِ. وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَدْ حَلَّتْ. فَجَعَلا يَتَنَازَعَانِ ذَلِكَ. قَالَ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةً: أَنَا مَعَ
ابْنِ أَخِي (يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ) فَبَعَثُوا كُرَّبِيًا (مَوْلَى ابْنٍ عَبَّاسٍ) إِلَى أُمِّ سَلَمَةٌ يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ؟
فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ؛ أَنْ أُمَّ سَلَمَّةَ قَالَتْ: إِنَّ سُبَيْعَةُ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةٍ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ.
وَإِنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ. فَأَمَرَّهَا أَنْ تَعَزَوَّجْ.
المعنى العام
شرعت العدة للمرأة المطلقة والمتوفى عنها زوجها، والتى فسخ نكاحها لأى سبب من الأسباب،
وإذا كان لنا أن نبحث ونتلمس لكل تشريع حكمة، لكن ليس لنا أن نعتبر حكمة التشريع التى نصل
(٥٦) وَحَدَّتِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْ مَلَّةُ بْنُ يَحْتِى (وَتَقَّارَبًا فِي اللَّفْظِ) (قَالَ حَرْمَلَةُ: حَدْثََّا وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) حَدَّثَنِي
يُونُسُ بْنُ یَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
(٥٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْتِى بْنَ سَعِيدٍ أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارِ
- وحَدَّاه مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. أَخْبَرَهَا اللَّيْثُ. حٍ وَحَدَّقْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَعَمْرٌوِ النَّافِدُ قَالا: حَدََّا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ.
كِلاهُمَا عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ اللَّيْثَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَأَرْسَلُوا إِلَّى أُمِّ سَلَمَةَ، وَلَمْ يُسَمِّ كْرَيْبًا.
١٢٣
إليها علة، يدور معها الحكم وجودا وعدما، فقد يكون للتشريع حكمة لا نعلمها، كتقبيل الحجر الأسود،
ويقال له: حكم تعبدى وقد يكون ما نعلم جزء حكمة، وليس كل الحكمة، كما فى تشريع عدة الزوجية
إذا انتهى رباط الزوجية بطريقة أو بأخرى هل هى استبراء الرحم، والتأكد من عدم الحمل عند
الحائل؟ وتفريغ توابع الزوج عند الحامل؟ لو كانت كذلك لما وجبت على العجوز اليائسة من الحمل،
والتى يقرر الأطباء بشكل يصل إلى اليقين أنها لا تحمل. هل هى لحرمة عقد الزواج، ووجود فسحة
بين الزوج الأول والثانى لعل اللَّه يحدث بعد ذلك أمرا؟ أو هى مجموع الأمرين؟ أو هى مجموع
الأمرين مع التعبد.
ظاهر حديث سبيعة الذى نحن بصدده أن العدة لاستبراء الرحم من الزوج السابق، لئلا
تختلط الأنساب، ولئلا يسقى ولد الرجل السابق بماء الرجل اللاحق، وبخاصة إذا لم يكن
هناك أمل أن يحدث اللّه بين الزوجين بعد ذلك أمرا من عودة أو رجعة، فهذه سبيعة مات
عنها زوجها، وهى حامل، فولدت بعد ليال من وفاته، وكانت تقرأ قوله تعالى ﴿وَأُوْلاتُ
الأَحْمَالِ أَجْلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فلما وضعت اعتقدت أنها حلت للأزواج،
فتزينتَ وتهيأت للخطاب، فرآها أحد الرجال الذين يرغبون فى الزواج منها وهى لا ترغبه،
فقال لها: لا يحل لك أن تتزوجى قبل أربعة أشهر وعشر، مصداقا لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ
يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَرْوَاجًا يَتَرَّيَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] يرجو
بذلك أن تتريث لعلها ترضى به، وكانتَ تعتقد أن الآية فى غير الحوامل، وصدق فهمها، إذ
سألت رسول اللَّه﴿ فقال لها: قد حللت للأزواج بوضعك، فتزوجى إن شئت.
وبقى التساؤل: إذا كانت العدة لاستبراء الرحم، ولإعطاء فرصة للزوجين انتظاراً لأن يحدث اللّه
بعد ذلك أمرا، فلم كانت عدة الحائل المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، ولم تكن ثلاثة قروء فى
أقل من ثلاثة أشهر، كما فى الطلاق؟ فإن قلنا: إن زيادة المتوفى عنها زوجها على المطلقة للإشعار
بمظهر من مظاهر الحزن والأسى على الزوج الراحل فلم لم يراع ذلك فى الحامل التى كسبيعة، وهى
أولى بإظهار الحزن من غير الحامل، لبقاء أثر الزوج السابق، ووجود شىء من العلاقة به، وهو ابنه؟
وبقى التساؤل، ولا جواب له عندى إلا أن يكون تعبدا، والله أعلم.
المباحث العربية
(عن سبيعة - رضى الله عنها) ((سبيعة)) بضم السين، تصغير سبع، بنت الحارث
الأسلمى، من المهاجرات.
(كانت تحت سعد بن خولة) أى كانت زوجة له.
(وهو فى بنى عامربن لؤى) قال النووى: هكذا هو فى النسخ ((فى بنى عامر)» بالفاء، وهو
صحيح، ومعناه ونسبه فى بنى عامر، أى هو من بنى عامر. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وثبت فيه أنه
كان من حلفائهم.
١٢٤
(وكان ممن شهد بدرًا) فائدة ذكر هذه الجملة والتى قبلها الإشادة بزوجها، لترفع
بذلك من شأنها.
(فتوفى عنها فى حجة الوداع) قال الحافظ ابن حجر: نقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك،
وفيه نظر، فقد ذكر ابن سعد أنه مات قبل الفتح، وذكر الطبرى أنه مات سنة سبع، وفى بعض
الروايات ((أنه قتل)) ومعظم الروايات على أنه مات، وهو المعتمد.
(فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته) ((فلم تنشب)) أى فلم تلبث ولم تمكث زمنا.
وفى رواية للبخارى ((فمكثت قريبا من عشر ليال، ثم جاءت النبى { *، فقال: انكحى)) وفى رواية
عند أحمد ((فلم أمكث إلا شهرين حتى وضعت)) وفى رواية عند النسائى ((بعشرين ليلة أو خمس
عشرة)) وعند الترمذى والنسائى ((بثلاثة وعشرين يوما، أو خمسة وعشرين يوماً)) وعند ابن ماجه
((ببضع وعشرين ليلة)) قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين هذه الروايات متعذر، لا تحاد القصة.اهـ
ولعل السرفى اختلاف الرواة أنه أمر غير مهم، والمهم أنها وضعت لأقل من أربعة أشهر وعشر، فلم
يعن الرواة بضبطه.
(فلما تعلت من نفاسها) ضبطها فى الأصول ((تعلت ((بفتح التاء والعين وتشديد اللام
المفتوحة، لكن فى كتب اللغة: تعالّت المرأة من نفاسها خرجت منه وطهرت - بألف بين العين
واللام، وفى تاج العروس: وتعللت - بلامين- المرأة من نفاسها، أى خرجت منه وطهرت وحل وطؤها،
كتعالَت، وتخفف اللام أيضا.
(تجملت للخطاب) بضم الخاء وتشديد الطاء، جمع خاطب، والتجمل التزين، وفى رواية
((فتهيأت للنكاح واختضبت)) وفى رواية ((فتطيبت وتصنعت)) وفى رواية ((فلقيها أبو السنابل وقد
اكتحلت)».
(فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، رجل من بنى عبد الدار) ((السنابل)) بفتح السين،
جمع سنبلة، و((بعكك)) بفتح الباء وسكون العين وكافين، الأولى مفتوحة، واسم أبى السنابل عمرو،
وقيل: حبة، بالباء. وهو أبو السنابل بن بعكك بن الحجاج بن الحارث بن السباق بن عبد الدار، وقيل
فى نسبه غير هذا. وكان من المؤلفة، وسكن الكوفة، وكان شاعرا، ونقل الترمذى عن البخارى أنه قال:
لا نعلم أن أبا السنابل عاش بعد النبى {0 1.
وفى رواية البخارى ((فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال: واللّه ما يصلح أن
تنكحى حتى تعتدى آخر الأجلين» فدخوله عليها وتردده عليها كان للخطبة، رجاء أن تقبله، فلما
قبلت غيره قال ما قال. ففى الموطأ ((فخطبها رجلان، أحدهما شاب والآخر كهل، فحطت إلى
الشاب، فقال الكهل: لم تحلى، وكان أهلها غائبين، فرجا أن يؤثروه بها)» فأفتاها بأنها لا تحل
بالوضع، لكونه كان خطبها فمنعته، ورجا أنها إذا قبلت ذلك منه، وانتظرت مضى المدة حضر أهلها،
فرغبوها فى زواجه، دون غيره.
١٢٥
(لعلك ترجين) بفتح التاء والراء وتشديد الجيم المكسورة، والأصل تترجين.
(إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر) أى ما يصح ويحل نكاحك
حتى كذا وكذا.
(وإن كانت فى دمها) أى قبل أن تتطهر من النفاس، أى وإن كانت فى أول نفاسها.
(وهما يذكران: المرأة تنفس) بفتح التاء وسكون النون وفتح الفاء، وفى تاج العروس: يقال:
نَفِسَت المرأة، كسمع، وعُنِىَ نفسا ونفاسة ونفاسا، أى ولدت، وقال أبو حاتم: ويقال: نُفِسَتْ على ما
لم يسم فاعله.
(عدتها آخر الأجلين) نظراً لقوله تعالى ﴿وَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَرْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ
بأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْرًا﴾ وقوله تعالى ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجْلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ يقصد إن
وضعتَ الحامل قبل أربعة أشهر وعشر انتظرت نهاية هذه المدة، وإن تأخر الحمل فلم تضع وانتهت
هذه المدة انتظرت وضع الحمل.
(وقال أبو سلمة قد حلت) أى بالوضع إذا تقدم على الأشهر المذكورة
(فجعلا يتنازعان ذلك) أى يتجاذبان النقاش فيه
(إن سبيعة الأسلمية نفست) بضم النون وكسر الفاء وفتح السين، قال النووى: وفى لغة
بفتح النون، وهما لغتان فى الولادة.
(فأمرها أن تتزوج) أى إذا أرادت، كما جاء فى الرواية الأولى ((إن بدا لها)) فليس أمرا مطلقا،
بل أمر مبنى على رغبتها، وفى رواية ((فقال: ((انكحى)) وفى رواية ((وأمرها بالتزويج)) وفى رواية ((فقد
حللت فتزوجى)» وفى رواية ((فقال: إن وجدت زوجا صالحا فتزوجى)) وفى رواية ((إذا أتاك أحد
ترتضينه فتزوجى» فالمراد من الأمر الإذن.
فقه الحديث
قال جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى فى الأمصار: إن الحامل إذا مات عنها زوجها تحل
للأزواج بوضع الحمل، وتنقضى عدة الوفاة، حتى لو وضعت بعد موت زوجها بلحظة. هذا قول مالك
والشافعى وأبى حنيفة وأحمد والعلماء كافة.
إلا رواية عن على وابن عباس وسحنون المالكى: أن عدتها بأقصى الأجلين. إما أربعة أشهر وعشر،
وإما بوضع الحمل، أيهما يتأخر منها هو نهاية عدتها.
وإلا ماروى عن الشعبى والحسن وإبراهيم النخعى وحماد أنها لا يصح زواجها حتى تطهر من
١٢٦
نفاسها. هذا وقد نقل غير واحد الإجماع على أنها لا تنقضى عدتها بالأشهر الأربعة والعشر إذا طالت
فيها مدة الحمل، فلا تنقضى عدتها فى هذه الحالة إلا بالوضع، والخلاف فقط فيما إذا وضعت قبل
أربعة أشهر وعشر.
وحجة الجمهور حديث سبيعة، وهو مخصص لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ
أَزْوَاجًا يَتَرَّيَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَعَشرًا﴾ أى إذا لم تكن حاملا.
وحديث سبيعة مبين أن قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجْلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ عام فى
المطلقة والمتوفى عنها ، وأنه على عمومه. قال الجمهور: وقد تعارض عموم هاتين الآيتين، وإذا
تعارض العمومان وجب الرجوع إلى مرجح، لتخصيص أحدهما، وقد وجد هنا حديث سبيعة
المخصص لأربعة أشهر وعشر، وأنها محمولة على غير الحامل. قال ابن عبد البر: لولا حديث سبيعة
لكان القول ما قال على وابن عباس، لأنهما عدتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا فى الحامل
المتوفى عنها زوجها، فلا تخرج من عدتها إلا بيقين، واليقين آخر الأجلين.اهـ أى لكن حديث سبيعة
نص فى المسألة.
أما الرد على الشعبى ومن معه فإنه يرد عليهم قولها فى الرواية الأولى ((فأفتانى النبى ® بأنى قد
حللت حين وضعت حملى)) وهذا تصريح بانقضاء العدة بنفس الوضع، فإن احتجوا بقولها فى الرواية
الأولى ((فلما تعلت من نفاسها)) أى طهرت منه فالجواب أن هذا إخبار عن وقت سؤالها ولا حجة
فيه، وإنما الحجة فى قول النبى 18 ((إنها حلت حين وضعت)) ولم يعلل بالطهر من النفاس.
قال النووى: قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: سواء كان حملها ولدا أو أكثر، وسواء كان كامل
الخلقة أو ناقصها، أو علقة، أو مضغة، فتنقضى العدة بوضعه، ودليله إطلاق سبيعة من غير سؤال عن
صفة حملها.
ويؤخذ من الحديث
١- أن الصحابة كانوا يفتون فى حياة النبى 3 %.
٢- وأن المفتى إذا كان له ميل إلى الشىء لا ينبغى له أن يفتى فيه، لئلا يحمله الميل إليه على ترجيح
ما هو مرجوح، كما وقع من أبى السنابل.
٣- وفيه شهامة سبيعة وفطنتها، حيث ترددت فيما أفتاها به، وحملها ذلك على استيضاح الحكم من
الشارع، وكذا ينبغى لمن ارتاب فى فتوى المفتى أوحكم الحاكم فى مواضع الاجتهاد أن يبحث
عن النص فى تلك المسألة.
٤- وفيه الرجوع فى الوقائع إلى الأعلم.
٥- ومباشرة المرأة السؤال عما ينزل بها ولو كان مما يستحى النساء من مثله.
٦- وفيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها.
١٢٧
٧- واستدل به على أن المرأة لا يجب عليها أن تتزوج لقولها ((وأمرنى بالتزويج إن بدالى)).
٨- وفيه أن الثيب لا تزوج إلا برضاها من ترضاه، ولا إجبار لأحد عليها.
٩- وفى الرواية الثانية حرص علماء الصحابة على فهم الكتاب والسنة، واستخدامهم العقل والقياس
وحكمة التشريع، وهذا ما دعا عليا وابن عباس إلى القول بأن عدتها أقصى الأجلين. والذى
تستريح إليه نفسى قول على وابن عباس، فبالإضافة إلى أنه يجيب على التساؤل الذى أوردته فى
المعنى العام أرى أن أقصى الأجلين عمل بالآيتين، وهو أولى من العمل بإحداهما وتخصيص
الأخرى، ويحتمل أن حديث سبيعة كان لحالة خاصة بها، فهو واقعة عين، لا يلزم تطبيق حكمها
بصفة عامة، كأن يكون زوجها قد مات بعيدا عنها، لم يعرف تاريخ موته، فاستترعند النبى 88
أنها جاوزت الأربعة أشهر خصوصا وقد ذكرنا اختلافا كبيرا فى المدة التى اعتدت بها سبيعة،
وذكرنا رواية أحمد («فلم أمكث إلا شهرين ووضعت)) فإذا أضفنا إلى ذلك أنها انتظرت حتى
تعالت من نفاسها، وخرجت منه وطهرت، وصلت المدة أكثر من ثلاثة أشهر، فإذا أضفنا أن
زوجها مات بمكة، وهى فى المدينة مما يحتمل معه تأخر علمها بموته أمكن أن تكون قد قضت
أقصى الأجلين.
وهذا التوجيه لحديث سبيعة خير من أن نرده، كما رد جمهور العلماء حديث فاطمة بنت قيس
المذكور فى الباب السابق على أنه خبرامرأة يخالف كتاب اللّه.
والله أعلم
١٢٨
(٤٠٠) باب وجوب الإحداد فى عدة الوفاة
٣٢٩٥ - ٥٨ْ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ(٥٨) عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنْهَا أَخْبُرَتْهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ
الثَّلاثَةَ. قَالَ: قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿، حِينَ تُؤُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانٌ
فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ. خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ. فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةٌ، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَّيْهَا.
ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ يَقُولُ، عَلَى الْمِنْبَرِ
«لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةً
أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
قَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُؤُفِّيَ أَخُوهَا. فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ
مِنْهُ. ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ، عَلَّى
الْمِنْبَرِ «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلا عَلَى زَوْجٍ،
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
قَالَتْ زَيْنَبُ: سَمِعْتُ أُمِّي، أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَقَالَتْ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا. وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَقْتَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهَِل
«لا» (مَرََّيْنِ أَوْ ثَلاثًا. كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: لا). ثُمَّ قَالَ «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. وَقَدْ كَانَتْ
إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ».
قَالَ حُمَيْدٌ: قُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانّتٍ
الْمَرْأَةُ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِبًا وَلا شَيْئًا.
خَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ. ثُمَّ تُؤْثَى بِدَابَةٍ، حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بِهِ. فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلا
مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةٌ فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ، بَعْدُ، مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ.
٣٢٩٦ - ٩° عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ (٥٩) قَالَتْ: تُؤُقِّيَ حَمِيمٌ لِأُمِّ حَبِيّةَ. فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ
فَمَسَحَتْهُ بِذِرَاعَيْهَا. وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَصْنَعُ هَذَا، لأَنِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِل ◌َ يَقُولُ «لا يَجِلُّ
لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
(٥٨)وحذّا يُحْتِی بْنُ یحتی. قَالَ: قرأتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبِي بَكْرٍ عَنْ حُمْدِ بْنِ نَائِعٍ
(٥٩) وحَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثِى. حَدَّا مُحَمَّدُ بْنٌ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ عَنَّ حُمَّيٍَّ بْنِ تَافِعٍ، قَالَّ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلّمَةً
وَحَدَّقْهُ زَيْنَبُ عَنْ أُمَّهَا وَعَنْ زَيْتَبَ زَوْجِ الِّيِّ :﴿، أَوْ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَعْضٍ أَزْوَاجِ الْبِيِّ ◌ِ ﴾.
١٢٩
٣٢٩٧ - -٣٠ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ نَافِعٍ(٦٠) قَالَ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ عَنْ أُمُّهَا؛
أَنَّ امْرَأَةٌ تُؤُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا، فَأَتَوْا النَّبِيَّلَ، فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا فِي أَخْلاسِهَا (أَوْ فِي شَرِّ أَخْلاسِهَا فِي
بَيْتِهَا) حَوْلا. فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعْرَةٍ فَخَرَجَتْ. أَفَلا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؟».
٣٢٩٨- ٢ْ عَنْ حُمَّيْدٍ بْنِ نّافِعٍ(١١) بِالْحَدِيفَيْنِ جَمِيعًا: حَدِيثٍ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْكُحْلِ.
وَحَدِيثٍ أُمِّ سَلَمَّةً وَأُخْرَى مِنْ أَزْوَاجِ النّبِيِّ ◌ِ﴿َ. غَيْرَ أَنْهُ لَمْ تُسَمِّهَا زَيْنَبّ. نَحْوَ حَدِيثٍ مُحَمَّدٍ
ابْنِ جَعْفَرٍ.
٣٢٩٩ - _- ١١- عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةً(٦١) تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ حَبِيَةَ. تَذْكُرَانٍ أَنَّ
امْرَأَةٌ أَنَتْ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ِ. فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ بِنْثًا لَهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا. فَاشْتَكَتْ عَيْنُهَا فَهِيَ
تُرِيدُ أَنْ تَكْحُلَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِل ◌َّ دَقَدْ كَالَتْ إِحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ.
وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ».
٣٣٠٠ - -٦٣ٌ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةً(٦٢) قَالَتْ: لَمَّا أَتَى أُمَّ حَبِيبَةَ نَعِيُّ أَبِي سُفْيَانَ، دَعَتْ،
فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، بِصُفْرَةٍ. فَمَسَحَتْ بِهِ ذِرَاعَيْهَا وَعَارِضَيْهَا. وَقَالَتْ: كُنْتُ عَنْ هَذَا غَيِيَّةٌ.
سَمِعْتُ النّبِيِّ ﴿ يَقُولُ «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَن تُجِدَّ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلا
عَلَى زَوْجٍ. فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
٣٣٠١ - ٣ّ عَنْ حَقْصَةَ أَوْ عَنْ عَائِشَةَ أَوْ عَنْ كِلْتَيْهِمَا رَضِي اللَّهِ عَنْهَمَا(٦٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ قَالَ «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ (أَوْ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) أَن تُجِدَّ عَلَى مَيِّتٍ
فَوْقَ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ، إِلا عَلَى زَوْجِهَا».
(٦٠) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنًا. شُعْبَةُ عَنْ حُمَّيْدٍ بْنِ نَافِعٍ
(١٠) وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَّةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ
(٦١) وحَّدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْيَةً وَعَمْرَّوَ النّقِدُ. فَالا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنَّ هَارُونَ. أَخْبُرَنًا يُحْتِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَّيْدٍ بْنٍ نَافِعٍ أَنْهُ
سَمِعَ زَيْتَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةٌ
(٦٢) وحَدَّثَّنَا عَمْرَّوِ النَّقِّدُ وَابْنُ أَبِي عُمَّرَ (وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو) حَدْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْئَةً عَنْ أَيُوبَ بْنٍ مُوسَى، عَنْ حُمَّيْدِ بْنِ نّافِعٍ عَنْ
زَيْنَبَ بِنْتٍ أَبِي سَلَّمَةً
(٦٣) وحَدْثَنًا يَحْتِى بْنُ يَخْتِى وَقُتِبَةُ وَابْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنْ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ حَدَّثْهُ عَنْ خَفْصَةٌ
- وحَدََّه شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدََّا عَبْدُ الْعَزِيْزِ (يَعْبِي أَبْنَ مُسْلِمٍ) حَدَّقًَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِيَارٍ عَنْ نَافِعٍ يإِسْنَادٍ حَدِيثِ اللَّيْثِ.
مِثْلَ ڕِوَايَتِهِ
١٣٠
٣٣٠٢ - -٦٤ عَنْ خَفْصَةَ بِنْتِ عُمْرَ(٩٤) زَوْجِ النّبِيِّ:﴿ عَنِ الْبِيِّ ◌َ *َّ بِمِثْلٍ حَدِيثِ اللَّيْثِ
وَابْنِ دِينَارٍ وَزَادَ «فَإِنْهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَعَشْرًا».
٣٣٠٣- °٦ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦٥) عَنِ النَّبِيِّ ﴿ قَالَ «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَن تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلا عَلَى زَوْجِهَا».
٣٣٠٤ - -٦ عَنْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦٦) أَنَّ رَسُولَ اللّهِلَ﴿ قَالَ «لا تُجِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى
مُيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إِلا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وَلا تَلْبَسُ قَوْبًا مَصْبُوغًا إِلا قَوْبَ
عَصْبٍ. وَلا تَكْتَحِلُ. وَلا تَمّسُّ طِبًا. إِلا إِذَا طَهُرَتْ، ثُبْذَةٌ مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ».
٣٣٠٥ - - عَنْ عَمْرٌوِ النَّاقِدُ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَقَالا «عِنْدَ أَذْنَى طُهْرِهَا. تُبْدَةٌ مِنْ
قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ».
٣٣٠٦ - ٦٧- عَنْ أُمّ عَطِيْةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦٧) قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَن نُجِدَّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ
ثَلاثٍ إِلا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وَلا نَكْتَجِلُ. وَلا ◌َتَطَّبُ. وَلا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا.
وَقَدْ رُخِّصَ لِلْمَرْأَةِ فِي طُهْرِهَا، إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانًا مِنْ مَحِيضِهَا، فِي نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ وَأَشْفَارٍ.
المعنى العام
الجزع عند المصاب أمر طبيعى، لا يملك الإنسان دفعه، إنما يستطيع دفع الهلع، من لطم الخدود،
وشق الجيوب، ودعوى الجاهلية، والصلق والصراخ والحلق، وطلاء الوجه بالزرقة والنيلة ونحو ذلك.
وبين الجزع والهلع مظاهر حزن، رخص فيها الإسلام للمرأة، لا للرجل، لأنها أرق عاطفة، وأسرع
وأكثر تأثرا بالحزن والفرح من الرجل، فرخص لها أن تظهر مظاهر الحزن، وأن تبتعد عن مظاهر
الزينة والبهجة عند فقد حبيب أو قريب، ثلاثة أيام بلياليها، لا تزيد.
(٦٤) وحَدَّثَّاهُ أَبُوِ غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى. قَالا: حَدَّثْنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَّى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ
نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ؛ أَنْهَا سَمِعَتْ حَفْصَةً بِنْتَ عُمّرٌ
- وحَدْقَا أَبُو الرَّبِيعِ خَّدَّثَنَا خَمَّادٌ عَنْ أَيُوبَ. حٍ وحَدََّا ابْنُ نُمَّيٍْ، حَدْقَا أَبِي. حَدَّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صِّيَّةً
بِنْتٍ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنَّ بَغْضٍ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌ِ/ عَنِ النّبِيِّ څ بمعنی. خَدِيثِهِمْ.
(٦٥) وَحَدَّقْنَا يَحْتِى بْنُ يَخْتِى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَغَمْرٌو النّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنَّ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لِيَحْتِى) (قَالَ يَحْيَى: أَخْبُرَنًا. وَقَالَ
الآخْرُونَ: حَدَّثَّا سُفْيَانُ بْنُ عُنَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةً
(٦٦) وحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ. حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسٌّ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ خَفْصَّةٌ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةٍ
- وحَدْقَّهِ أَبُو بَكْرِ بَّنْ أَبِي شَيْئَةً. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وحَدَّثَنَا عَمْرٌو النّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. كِلاهُمَا عَنْ
هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَا:
(٦٧) وحَّدَّثَنِي أَبُو الَّرَّبِعِ الزَّهْرَالِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدْقَا أَيُوبُ عَنْ حَفْصَةً عَنْ أُمِّ عَطِيّةٌ
١٣١
أما الزوجة المتوفى زوجها فقد أوجب عليها أن تبتعد عن الزينة بأنواعها، وعن مظاهر التنعم،
وأن تعلن عن الحزن بالبعد عن الطيب والكحل والثياب الملونة والمزركشة مدة العدة التى أوجبها
الله، وزادها عن عدة المطلقة، تقديسا لرباط الزوجية، ووفاء لزوج لم يعد يدافع عن حقه، ومما هو واقع
أن الزوجة التى كانت تكفر العشير فى دنياه، وتنكر فضل زوجها وهو حى، تذكر فضله بعد مماته، وقد
تنسى أو تتناسى مثالبه وعيوبه وشروره، ومما هو واقع أيضا أن هذه الزوجة تحرص كل الحرص على
أن تظهر للناس وفاءها لزوجها، وأن زوجها الراحل لا يعوضه أى رجل آخر، وأنها حزينة عليه حزنا لا
يساويه حزن، وأنها لن تفكر فى غيره، وأنها ستبكيه الدهر كله، وستلبس عليه الحداد ما بقى لها من
حياة، من هنا حرص الشارع على أن يمنع زيادة مدة الحداد، ولم يأمر بالحداد نفسه، لأنه واقع،
ومبالغ فيه غالبا، فكان التوجيه الشرعى أنه لا يحل ولا يجوز لزوجة تؤمن بالله وبقضائه وقدره،
وتؤمن باليوم الآخر، وأجر المحتسبين الصابرين فيه، أن تزيد فى الإحداد عما هو مقدر، على ميت غير
زوج ثلاثة أيام بلياليها، وعلى الزوج أربعة أشهر وعشرا، واستجابت النساء المسلمات لأوامر الشرع،
وكان المثل الأعلى والقدوة الحسنة أمهات المؤمنين، فلم تكن مدة الحداد المقدرة تنتهى حتى تسارع
المصابة إلى نقض مظاهرها، وتغيير حالة الحزن الظاهرية، وإن بقى الحزن فى قلبها، فكانت تسارع
بالتطيب ولبس الثياب المعتادة، اتباعا لأوامر الشرع الحنيف.
المباحث العربية
(الإحداد) والحداد مشتق من الحد، وهو المنع، ومنه سميت العقوبة حدا، لأنها تمنع وتردع عن
المعصية، والإحداد امتناع المرأة المتوفى عنه زوجها من الزينة كلها من لباس وطيب، فى بدنها
أوثيابها، لمنع الخطاب من خطبتها والطمع فيها، وامتناعها عن كل ما كان من دواعى النكاح، وله
تفاصيل مشهورة فى كتب الفقه، يقال: أحدت المرأة من الرباعى، تحد بضم التاء وكسر الحاء،
إحدادا، ويقال: حدث المرأة، من الثلاثى، تحد بفتح التاء، وبضم الحاء وكسرها، حدا، كذا قال جمهور
أهل اللغة. وقال أبو حاتم: لم يعرف الأصمعى ((حدت)) الثلاثى وأنكره، ولم يعرف إلا الرباعى.
(عن زنيب بنت أبى سلمة) وهى بنت أم سلمة، زوج النبى {₪، وهى ربيبة النبى ®، قيل:
ولدتها أمها بأرض الحبشة، وقيل: ولدتها بالمدينة عقب استشهاد أبيها أبى سلمة، وتزوجت عبد الله
ابن زمعة بن الأسود، فولدت له، وكانت من أفقه نساء زمانها.
(دخلت على أم جبيبة زوج النبى حين توفى أبوها أبو سفيان) ابن حرب، والد
معاوية، وفى الرواية السادسة ((لما أتى أم حبيبة نعى أبى سفيان)) و((نعى)) بسكون العين وتخفيف
الياء، وبكسر العين وتشديد الياء، أى خبر موته.
قال الحافظ ابن حجر: مات أبو سفيان بالمدينة بلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار،
فرواية البخارى ((لما جاء نعى أبى سفيان من الشام)) أظنها وهما. والذى جاء نعيه من
١٣٢
الشام وأم حبيبة فى الحياة هو أخوها يزيد بن أبى سفيان الذى كان أميرا على الشام،
فربما سقط لفظ ((ابن)) من هذه الرواية.اهـ
وفى الرواية الثانية ((توفى حميم لأم حبيبة)) والحميم القريب وفى مسند ابن أبى شيبة ((جاء نعى
أخى أم حبيبة أو حميم لها)) وعند الدارمى ((إن أخا لأم حبيبة مات أو حميمالها)) قال الحافظ ابن
حجر: وإطلاق لفظ الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، فقوى الظن أن تكون القصة
تعددت لزينب مع أم حبيبة عند وفاة أخيها يزيد، ثم عند وفاة أبيها، أبى سفيان، والجمهور على أن
أبا سفيان مات سنة ثلاث وثلاثين، أو ثنتين وثلاثين، ويزيد قبل هذا بقليل.اهـ
(فدعت أم حبيبة بطيب) الفاء عاطفة على محذوف مطوى، تقديره: وأحدث ثلاثة أيام، يدل
على ذلك قولها فى الرواية السادسة ((دعت فى اليوم الثالث بصفرة)) وكذا قولها فى الرواية الثانية
(«فدعت بصفرة)» أى بعد انتهاء مدة الحداد.
(فيه صفرة، خلوق أو غيره) فى الرواية الثانية ((فدعت بصفرة)) أى بطيب فيه صفرة «خلوق
أو غيره)»، فخلوق مرفوع، وكذلك ((غيره)) مرفوع، أى فيه صفرة، أودعت بصفرة، وهى خلوق أوغيره،
والخلوق بفتح الخاء طيب مخلوط.
(ثم مست بعارضيها) أى جانبى وجهها، مما فوق الذقن إلى مادون الأذن، وفى الرواية الثانية
((فمسحته بذراعيها)) ولا تعارض، فقد فعلت الأمرين، كما صرحت بذلك الرواية السادسة، ولفظها
((فمسحت به ذراعيها وعارضيها)»
(لا يحل لامرأة) هل يدخل فى عمومها المدخول بها؟ وغير المدخول بها، حرة كانت أو أمة؟
وهل تخرج بهذا القيد الصغيرة؟ يأتى الخلاف فى ذلك فى فقه الحديث.
(تحد على ميت فوق ثلاث) ((تحد)) بضم التاء وكسر الحاء على الأشهر، والفعل مسبوك
بمصدر من غير سابك، فاعل «يحل)» أى لا يحل لامرأة الإحداد، وفى الرواية الثانية والسادسة
والسابعة والثامنة وجد السابك، ولفظها ((أن تحد)).
(وقد اشتكت عينها) قال النووى: ((عينها)» برفع النون، ووقع فى بعض الأصول
((عيناها))اهـ وقال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان، ضم النون على الفاعلية، على أن
تكون العين هى المشتكية، وفتحها على أن يكون فاعل ((اشتكت)) ضمير المرأة، ورجح هذا
المنذرى، ورجح النووى الضم، واقتصر عليه.
(أفنكحلها) بفتح النون وسكون الكاف وضم الحاء.
(كل ذلك يقول: لا) أى لا تكتحل، كما صرح به فى بعض الروايات.
(إنما هى أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن ... إلخ) فيه إشارة إلى تقليل المدة
١٣٣
بالنسبة لما كان قبل ذلك، وتهوين الصبر عليها. والمراد من قوله ((قد كانت إحداكن)) أى إحدى
النساء، وليس المراد إحدى أمهات المؤمنين.
(ترمى بالبعرة على رأس الحول) ((البعرة)) رجيع وفضلات ذوات الخف وذوات الظلف إلا
البقر الإنسى.
وقد فسرت زينب الكيفية والدافع بما سيأتى.
(دخلت حفشا) بكسر الحاء وسكون الفاء بعدها شين، وهو البيت الصغير، أو الخص بضم
الخاء بعدها صاد، وقال الشافعى: الحفش البيت الذليل الشعث البناء، وفى رواية للنسائى ((عمدت
إلى شربيت لها، فجلست فيه)) وفى الرواية الثالثة ((تكون فى شربيتها)).
(ولبست شرثيابها) أى أحقر ثيابها، وفى الرواية الثالثة ((فى شربيتها فى أحلاسها)) أى فى
شر أحلاسها، أو ((فى شر أحلاسها فى بيتها)) أى فى شربيتها، والأحلاس بفتح الهمزة وإسكان
الحاء، جمع حلس بكسر الحاء، وحلس البعير وغيره من الدواب الكساء الرقيق الذى يوضع تحت
البرذعة، والمراد هنا شر ثيابها. والترديد بين العبارتين فى الرواية الثالثة للشك من الراوى فى أى
اللفظين وقع، وصف الثياب، أم وصف المكان، وعلى أى فالمقصود وصف الثياب والمكان بالحقارة.
(ولم تمس طيبا ولا شيئا) من الزينة والتنعم، وكأنه قال: ولم تمس طيبا ولا نحوه من مظاهر
الترف والرفاهية، كالخضاب والكحل والألوان والمساحيق والحلى والثياب الملونة بألوان الزينة،
وهى المرادة من الثوب المصبوغ فى الرواية التاسعة والعاشرة، ((إلا ثوب عصب)) بفتح العين وسكون
الصاد، وهو من برود اليمن، يعصب له جملة من الخيوط كحزمة قبل النسيج، فتصبغ هذه الحزمة، ثم
تدخل فى النسيج، و((ثوب عصب)) من إضافة الموصوف إلى صفته، أى ثوبا معصوبا، به عصابات
وحزم. وسيأتى فى فقه الحديث ماهو ممنوع من الثياب وما يرخص فيه منها.
(ثم تؤتى بدابة، حمار أو شاة، أو طير، فتفتض به، فقلما تفتض بشىء إلا مات)
الدابة مايدب على الأرض من حيوان، وأصله من دب يدب دبيبا إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو،
فلفظ ((حمار أو شاة. بدل بعض من كل، أما لفظ ((طير)) فإن اعتبر أنه يدب على الأرض أحيانا،
ويمشى على رجليه ولو نادرا دخل مع الحمار والشاة فى كونه بدلا من ((دابة)) وإن كان مغايرا للدابة
عطف عليها، وهذا الثانى ظاهر فى قوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرِ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا
أُمَمّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] و(«تفتض بفتح التاءين بينهما فاء ساكنةَ، أخره ضَّاد، وأَصل الفضَ
الكسر، والمعنى تكسر ما كانت فيه من الإحداد، وتخرج من الإحداد بما تفعله بالدابة. عادة وعقيدة
جاهلية، كانت المرأة إذا انقضت مدة الحداد، وهى سنة كاملة، تؤتى بحمار أو شاة أو دجاجة أو
حمامة فتمسح بها، وتمسح قبلها فيه، كما يتمسح المستجمر بالأحجار ثم تبعده عنها وتعتقد أنه
غالبا ما يموت هذا الذى تتمسح به، لأنه يفض الحالة الناشئة عن الموت، فكأنه أخذ الموت وذهب
به بعيدًا عنها، عقيدة جاهلية أنكرها الإسلام، وقرر الحداد المشروع، وقيل: المراد تمسح بيدها على
١٣٤
ظهر الدابة، ثم تمسح بيدها قبلها، تشير بذلك إلى حل زواجها، والخروج من حالة منع النكاح إلى
حالة إباحته.
(ثم تخرج) من البيت الذى اعتدت وأحدت فيه إلى الفضاء أو إلى مكان آخر، إشارة إلى
الخروج من حالة إلى حالة.
(فتعطى بعرة فترمى بها) فى رواية ((ترمى ببعرة من بعر الغنم أو الإبل، فترمى بها أمامها،
فيكون ذلك إحلالالها)) وفى رواية ((فترمى ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها)) وفى رواية ((فإذا كان
حول فمر كلب رمت ببعرة)) وفى روايتنا الثالثة ((فإذا مركلب رمت ببعرة)) قال الحافظ ابن حجر:
وظاهره أن رميها البعرة يتوقف على مرور كلب، سواء طال زمن انتظار مروره أم قصر، وبه جزم بعض
الشراح - أقول: وهو سهل أن تؤتى فى لحظة بكلب يمر عليها - ثم قال الحافظ: واختلف فى المراد
برمى البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدة رمى البعرة، وقيل: إشارة إلى أن مظاهر الحداد
التى مرت بها لا تساوى بعرة بجانب حق زوجها عليها، وقيل: ترميها على سبيل التفاؤل رجاء عدم
عودها إلى حداد.
(ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره) أى ثم ترجع بعد ذلك إلى ما شاءت من
طيب وزينة.
(أفلا أربعة أشهر وعشرا) الفاء عاطفة على محذوف، هو مدخول الاستفهام الإنكارى، أى
أليس الحول الكامل كثيراً؟ فلا تستكثرن أربعة أشهر وعشرا، وفى الرواية الخامسة ((وإنما هى أربعة
أشهر وعشر)» أى لا تتعجلن الكحل، فإنما المدة اللازمة لعدمه أربعة أشهر وعشرً.
(ولاتمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار) ((نبذة)» بالنصب على الاستثناء،
أوبدل من «طيبا)) أى لا تمس إلا نبذة من قسط عند اغتسالها من حيض، والنبذة بضم النون وسكون
الباء بعدها ذال القطعة، وتطلق على الشىء اليسير، والقسط بضم القاف وسكون السين بعدها طاء،
ويقال فيه كست بكاف مضمومة بدل القاف، وبتاء بدل الطاء، وهو والأظفار نوعان معروفان من
البخور وليسا من مقصود الطيب، ورخص فيه للمغتسلة من الحيض، لإزالة الرائحة الكريهة المتخلفة
من دم الحيض، ويتتبع به مجرى الدم، وفى ملحق الرواية التاسعة ((عند أدنى طهرها نبذة من قسط
وأظفار)» أى لا تمس طيباً إلا نبذة من قسط وأظفار عند آخر طهرها من حيضها، وفى الرواية العاشرة
((وقد رخص للمرأة فى طهرها - إذا اغتسلت إحدانا من محيضها- فى نبذة من قسط وأظفار)).
فقه الحديث
نحصر الكلام عن فقه الحديث فى نقاط:
الأولى: حكم إحداد من توفى عنها زوجها، ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم فى وجوبه عليها، إلا عن
١٣٥
الحسن البصرى، فإنه قال: لا يجب عليها الإحداد، وهو قول شذ به عن أهل العلم، وخالف به السنة.
فلا يعرج عليه.
ودليل الوجوب ليس قوله صلى الله عليه وسلم ((لا يحل لامرأة ... ))بل قيل: إن هذا لا يصلح دليلا
للوجوب لأن الاستثناء وقع بعد النفى، فيدل على عدم الحل فوق الثلاث، أما الثلاث لغير الزوج
والأربعة أشهر وعشراً للزوج فلا يفيد الأسلوب الوجوب، قال الحافظ ابن حجر: الوجوب استفيد من
دليل آخر كالإجماع. وقيل: إن السياق يدل على الوجوب، فإن كل ما منع منه إذا دل دليل على جوازه
كان ذلك الدليل بعينه دالا على الوجوب. وعندى أن الأسلوب لايدل على الوجوب وإلا لوجب الإحداد
على القريب ثلاثة أيام، وليس كذلك، فالأولى ما قاله الحافظ ابن حجر، ومذهب الشافعى والجمهور
أن الإحداد واجب على كل زوجة معتدة عن وفاة، سواء المدخول بها وغيرها، والصغيرة والكبيرة،
والبكر والثيب، والحرة والأمة، والمسلمة والكافرة.
وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين وأبو ثور وبعض المالكية: لايجب على الزوجة الكتابية، بل
يختص بالمسلمة، لقوله صلى الله عليه وسلم ((تؤمن بالله واليوم الآخر)» فخصه بالمؤمنة، ويجيب
الجمهور: بأن هذا القيد ليس للاحتراز، بل هو للتهييج والإثارة للانصياع للحكم، لأن المؤمن هو الذى
يستثمر خطاب الشرع، وينتفع به، وينقاد له، وحقوق الذمية فى النكاح كحقوق المسلمة كالنفقة
والسكنى وغيرها.
وقال أبو حنيفة أيضاً: لا إحداد على الصغيرة ولا على الزوجة الأمة، لقوله ((لايحل لامرأة))
والصغيرة لا يعبر عنها بامرأة، ولأنها غير مكلفة، والجمهور على أن وليها مسئول عن تنفيذ ما يجب
عليها، فهو المخاطب بمنعها مما تمنع منه. وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد، ولا على الأمة
الموطوءة بملك اليمين إذا توفى عنهما سيدهما.
الثانية: إحداد المطلقة التى توفى زوجها وهى فى العدة. قال النووى وغيره: المطلقة طلاقاً رجعيا
لا يجب عليها الإحداد اتفاقاً.
واختلفوا فى المطلقة ثلاثاً، فقال عطاء وربيعة ومالك والليث والشافعى وابن المنذر: لا إحداد
عليها، لأن الإحداد يجب فى عدة الوفاة، وهذه معتدة عن غير وفاة، فلم يجب عليها الإحداد كالرجعية،
ولأن الإحداد فى عدة الوفاة لإظهار الأسف على فراق الزوج بموته، فأما الطلاق فباختيار الزوج نفسه،
فلا معنى لتكليفها الحزن عليه. واختلفت الرواية عن أحمد فى وجوب الإحداد على المطلقة البائن.
الثالثة: الحكمة فى الإحداد ومدته، يقول النووى: قال العلماء: والحكمة فى وجوب الإحداد فى
عدة الوفاة دون الطلاق أن الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح، ويوقعان فيه فنهيت عنه، ليكون
الامتناع من ذلك زاجراً عن النكاح، لكون الزوج ميتاً، لا يمنع معتدته من النكاح، ولا يراعيه ناكحها،
ولا يخاف منه، بخلاف المطلق الحى، فإنه يستغنى بوجوده عن زاجر آخر، ولهذه العلة وجبت العدة
على كل متوفى عنها، وإن لم تكن مدخولا بها، بخلاف الطلاق.
١٣٦
قال: وجعلت أربعة أشهر وعشرا لأن الأربعة فيها ينفخ الروح فى الولد إن كان، والعشر احتياطاً،
وفى هذه المدة يتحرك الولد فى البطن.
قال النووى: والتقييد عندنا بأربعة أشهر وعشر خرج مخرج الغالب، فالمعتاد غالبا تعتد بالأشهر،
أما إذا كانت حاملا فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد فى جميع العدة حتى تضع، سواء قصرت المدة
أم طالت، فإذا وضعت فلا إحداد عليها بعد الوضع، وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة
أشهر وعشر، وإن لم تضع.
الرابعة: مظاهر الإحداد. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب
المعصفرة والمصبوغة، إلا ما صبغ بالسواد، رخص فى المصبوغ بالسواد عروة بن الزبير ومالك
والشافعى، وكرهه الزهرى، ورخص جميع العلماء فى الثياب البيض، ومنع بعض متأخرى المالكية
جيد البيض الذى يتزين به، وكذلك جيد السواد، قال النووى: وقال أصحابنا: يجوز كل ما صبغ ولا
يقصد منه الزينة، ويجوزلها لبس الحرير فى الأصح، ويحرم حلىّ الذهب والفضة، وكذلك اللؤلؤاهـ
أما الكحل فحرام بصريح الحديث، فإن اضطرت الحادة أن تكتحل للتداوى فلها أن تكتحل ليلا
وتمسحه نهاراً، ورخص فيه عند الضرورة عطاء والنخعى ومالك وأصحاب الرأى، والمقصود من
الاكتحال الممنوع الاكتحال بما يتخذ للزينة، أما التوتيا والألوان التى لا يتزين بها فلا تمنع.
ولا تمنع من التنظيف بتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق الشعر المندوب حلقه، ولا من الاغتسال
بالسدر والامتشاط ونحوه.
ويحرم عليها الطيب، لأنه يحرك الشهوة، ويدعو إلى المباشرة.
ويحرم عليها لبس الحلى، لأنه يزيد فى الحسن، ويحرك الشهوة، قيل: حتى الخاتم، وقال عطاء:
يباح حلى الفضة دون الذهب.
ومما يحرم عليها لبس الملابس المطرزة بالألوان، والملابس المحزقة للزينة والشفافة التى تصف
ما تحتها من حمالات وقمص.
الخامسة: ما يؤخذ من الحديث، ويؤخذ منه فوق ما تقدم
١- جواز الإحداد على غير الزوج من أب أو أم أو أخ أو أخت أو قريب أو حبيب ثلاث ليال، فما دونها،
وتحريمه فيما زاد عليها، وكأن هذا القدر أبيح لأجل حظ النفس، وغلبة الطباع البشرية، وتمنع
الزيادة وإن بقيت آثار الحزن عندها.
٢- مفهوم الحديث أن مظاهر الإحداد لا تحل للرجال، من ترك الحلاقة ولباس السواد وترك الطيب
ونحو ذلك، لأننا إذا قلنا: يحل للمرأة الإحداد ثلاثة أيام، كان مفهومه أنه لا يحل للرجل ذلك.
٣- يسر الإسلام، ومسايرته للطبائع، وشجبه عادات الجاهلية القبيحة.
٤- تبصير المسلمين ومن خفى عليه منهم هذا التيسير، ليظهر فضل الله ومنته على خلقه.
١٣٧
٥- استدل بقوله ((على ميت)» على أنه لا إحداد على امرأة المفقود، لأنه لم تتحقق وفاته، خلافاً
للمالكية.
٦ - استدل به على أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونِ أَرْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَرْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى
الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُقَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَّذَرُونَ أَرْوَاجًا
يَتَرَيَّصَنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء أن
العدة بالحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر.
والله أعلم
١٣٨
كتاب اللعان
٤٠١ - باب اللعان.
١٣٩