Indexed OCR Text
Pages 61-80
الفريقين، فقال: أما القائلون بأنها مستحبة فاحتجوا بأن ابتداء النكاح لايجب، فاستدامته كذلك،
والحجة لمن قال بالوجوب ورود الأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرما فى الحيض كانت استدامة
النكاح فى الحيض واجبة.
فإن تمادى الذى طلق فى الحيض، ولم يراجع حتى طهرت، قال مالك وأكثر أصحابه: يجبر على
الرجعة أيضاً، وقال أشهب من أصحابه: إذا طهرت انتهى الأمر بالرجعة.
واتفقوا على أنها إذا. انقضت عدتها أن لا رجعة، وأنه إذا طلقها فى طهر قد مسها فيه
لا يؤمر بمراجعتها، كذا نقله ابن بطال وغيره، لكن الخلاف فيه ثابت، قد حكاه الحناطى
من الشافعية وجها، واتفقوا على أنه لوطلق قبل الدخول وهى حائض لم يؤمر بالمراجعة،
إلا ما نقل عن زفر، فقد طرد الباب. اهـ
الخامسة: لو طلقها فى الحيض، وراجعها، وأراد أن يطلقها، فهل يطلقها فى الطهر الذى يلى تلك
الحيضة التى طلقها فيها، قبل أن يجامعها؟ أو يمسكها بعد هذا الطهر حتى تحيض حيضة أخرى
عنده، ثم تطهر طهرًا آخر، يطلق فيه، كما هو ظاهر أكثر روايات الحديث؟.
قال الحافظ ابن حجر: فى جواز تطليقها فى الطهر الذى يلى الحيضة التى وقع فيها الطلاق
والمراجعة وجهان للشافعية، أصحهما المنع، وبه قطع المتولى، وهو الذى يقتضيه ظاهر الزيادة التى
فى الحديث، وكلام المالكية يقتضى أن التأخير مستحب، وقال ابن تيمية فى المحرر: ولا يطلقها فى
الطهر المتعقب له، فإنه بدعة. وعن أحمد جواز ذلك، وفى كتب الحنفية عن أبى حنيفة الجواز، وعن
أبى يوسف ومحمد المنع. ثم ذكر وجهة نظر الفريقين، فقال: ووجه الجواز أن التحريم إنما كان لأجل
الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم، فجاز طلاقها فى هذا الطهر، كما يجوز فى الطهر الذى
بعده، وكما يجوز طلاقها فى الطهر، حيث لم يتقدم طلاق فى الحيض.اهـ
ويجيبون عن أمرابن عمر بالإمساك طهرا، ثم حيضة أخرى بأن هذا كان خاصا بابن
عمر ﴿ عقوبة له على وقوعه فى أمر، لا يخفى على مثله، أو أن الأمر بهذا التأخير للإرشاد،
لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، ولعل طول مدة الإمساك يجعله يجامعها، أو يذهب ما فى
نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها.
أما وجهة نظر المانعين للتطليق فى الطهر الذى يلى حيضة الطلاق فقيل: إن الطهر
الأول مع الحيض الذى يليه كقرء واحد، فلوطلقها فى أول طهر كان كمن طلق فى الحيض،
وهو ممنوع أن يطلق فى الحيض، فلزم أن يتأخر إلى الطهر الثانى، وقيل: عقوبة له من
معصية جنايته، حيث قصد تطويل العدة، فعوقب بتطويل الإمساك. وخير ما قيل فى ذلك
أن الأمر بهذا التأخير لئلا تصير الرجعة لغرض الطلاق، إذ لو طلقها عقب تلك الحيضة كان
قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنها شرعت لإيواء المرأة، ولإعطائها
فرصة الإصلاح، ولهذا سماها إمساكا، فأمره أن يمسكها فى ذلك الطهر، وأن لا يطلق فيه
٦١
حتى تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر، لتكون الرجعة للإمساك، لا للطلاق، قال الحافظ ابن
حجر: ويؤيد ذلك أن الشارع أكد هذا المعنى حيث أمر أن يمسكها فى الطهر الذى يلى
الحيض الذى طلقها فيه، فإذا كان قد أمره بأن يمسكها فى ذلك الطهر، فكيف يبيح له أن
يطلقها فيه؟
السادسة: لو طلقها فى الحيض. هل تحسب هذه التطليقة عليه؟ ظاهر الروايات أنها تحسب
عليه تطليقة، ففى الرواية الثالثة ((ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها)) وفى ملحق الرواية
الخامسة ((وكان عبد الله طلقها تطليقة واحدة، فحسبت من طلاقها)) وفى رواية ((قال ابن عمر:
فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التى طلقتها)» وفى الرواية التاسعة ((أتعتد بتلك الطلقة؟ فقال:
فمه؟ أو إن عجز واستحمق))؟ وفى الرواية العاشرة ((أفاحتسبت بها؟ قال: ما يمنعه؟ أرأيت إن عجز
واستحمق:؟ وفى الرواية الحادية عشرة ((فاعتددت بتلك التطليقة التى طلقت وهى حائض؟ قال: ما
لى لا أعتد بها؟ وإن عجزت واستحمقت)».
قال النووي: وبه قال العلماء كافة، وشذ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يقع طلاقه، لأنه
غير مأذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبية. قال النووي: والصواب الأول، ودليلهم الأمر
بالرجعة، ولولم يقع لم تكن رجعة، فإن قيل: المراد بالرجعة الرجعة اللغوية، وهى الرد إلى
حالها الأول، لا أنه تحسب عليه طلقة. قلنا: هذا غلط لوجهين. أحدهما: أن حمل اللفظ على
الحقيقة الشرعية يقدم على حمله على الحقيقة اللغوية، كما تقرر فى علم أصول الفقه،
الثانى: أن ابن عمر صرح فى روايات مسلم وغيره بأنه حسبها طلقة. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: كأن النووى أراد ببعض الظاهرية ابن حزم، فإنه ممن جرد القول بذلك،
وانتصر له، وبالغ، وأجاب عن أمرابن عمر بالمراجعة بأن ابن عمر كان اجتنبها، فأمره أن يعيدها
إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل المراجعة على معناها اللغوى، وأجاب عن قول ابن عمر:
حسبت على تطليقة بأنه لم يصرح بمن حسبها عليه، ولا حجة فى أحد دون رسول الله
قال الحافظ ابن حجر: وقد وافق ابن حزم على ذلك من المتأخرين ابن تيمية، وله كلام
طويل فى تقرير ذلك، والانتصار له، وأعظم ما احتجوا به ما وقع فى رواية أبى الزبير[روايتنا
الرابعة عشرة] ((ليراجعها، فردها، وقال: إذا طهرت فليطلق أو يمسك)) لفظ مسلم، ولفظ أبى
داود))فردها على)) وزاد أبو داود)) ولم يرها شيئا)) قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن
عمر جماعة، وأحاديثهم كلها على خلاف ما قاله أبو الزبير، وقال ابن عبد البر: قوله)» ولم
يرها شيئا» منكر، لم يقله غير أبى الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو
أثبت منه؟ ولو صح فمعناه عندى- والله أعلم- ولم يرها شيئاً مستقيما، لكونها لم تقع على
السنة. وقال الخطابى: قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا، وقد يحتمل
أن يكون معناه لم يرها شيئا تحرم معه المراجعة، أولم يرها شيئا جائزاً فى السنة، ماضيا
فى الاختيار، وإن كان لازماله مع الكراهة، ونقل البيهقى فى)) (المعرفة)) عن الشافعى أنه
٦٢
ذكر رواية أبى الزبير، فقال: نافع أثبت من أبى الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ
به إذا تخالفا، وقد وافق نافعا غيره من أهل الثبت. اهـ
وأطال الحافظ ابن حجر فى هذه المسألة بما لم يسمح بذكره المقام. والله أعلم
وأما عن النقطة الثالثة فيؤخذ من الحديث
١- قال ابن دقيق العيد: يتعلق بقوله)) مره فليراجعها)) مسألة أصولية، وهى أن الأمر بالأمر بالشىء.
هل هو أمر بذلك الشىء؟ أم لا؟ فقال ابن الحاجب: الأمر بالأمر بالشىء ليس أمرا بذلك الشىء،
لأنه لو كان أمرا بذلك الشىء لكان قولنا: مر عبدك بكذا تعديا- أى وكان أمرا للعبد بما لا يملك
الآمر. وقال الرازى: الأمر بالأمر بالشىء أمر بذلك الشىء، والتحقيق التفرقة، إن كان الأمر الأول
بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثانى فهو أمر له، وإلا فلا.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا قوى، وهو مستفاد من الدليل الذى استدل به ابن الحاجب على
النفى، لأنه لا يكون متعديا إلا إذا أمر من لاحكم له عليه، لئلا يصير متصرفا فى ملك غيره بغير
إذنه، والشارع حاكم على الآمر والمأمور، فوجد فيه سلطان التكليف على الفريقين، ومنه قوله
تعالى ﴿وَأُمُرْ أَهْلَّكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] فإن كل أحد يفهم منه أمر الله لأهل بيته بالصلاة. ثم
ذكر الحافظ نظائر كثيرة، ثم قال: والحاصل أن الخطاب إذا توجه لمكلف أن يأمر مكلفا آخر
بفعل شىء كان المكلف الأول مبلغا محضا، والثانى مأمور من قبل الشارع، فإذا أمر الأول الثانى
بذلك، فلم يمتثله كان عاصيا، وإن توجه الخطاب من الشارع لمكلف أن يأمر غير مكلف، أو توجه
الخطاب من غير الشارع بأمر من له عليه الأمر أن يأمر من لا أمر للأول عليه لم يكن الأمر بالأمر
بالشىء أمرا بالشىء. فهذا فصل الخطاب. والله المستعان.
٢- وفيه أن الرجعة يستقل بها الزوج، دون الولى.
٣- وأن الرجعة لا تفتقر إلى رضا المرأة، ولا رأيها، ولا تجديد عقد، لأنه جعل ذلك إليه دون غيره، وهو
كقوله تعالى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
٤- وفيه أن طلاق الطاهرة لا يكره، لأنه أنكر إيقاعه فى الحيض، لا فى غيره، ولقوله فى آخر الحديث
((فإن شاء أمسك، وإن شاء طلق)) كذا قال الحافظ ابن حجر، وفيه نظر، فقد يكره لسبب آخر كما
ذكرنا فى أحكام الطلاق.
٥- وفيه أن الحامل لا تحيض لقوله فى الرواية السادسة ((ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا)) فحرم 2 4*
الطلاق فى زمن الحيض، وأباحه فى زمن الحمل، فدل على أنهما لا يجتمعان. قال الحافظ:
وأجيب بأن حيض الحامل لما لم يكن له تأثير فى تطويل العدة ولا تخفيفها- لأنها بوضع
الحمل- أباح الشارع طلاقها حاملاً مطلقاً، وأما غير الحامل ففرق بين الحائض والطاهر.اهـ
وهذا على جعل لفظ ((أو)) مانعة جمع، كقولنا: تزوج هنداً أو أختها، لكن لو جعلناها مانعة خلو
تبيع الجمع، من قبيل: جالس الحسن أوابن سيرين فلا يؤخذ من الحديث هذا المأخذ.
٦٣
٦- وفيه أن الأب يقوم عن ابنه البالغ الرشيد فى الأمور التى تقع له، مما يحتشم الابن من ذكره،
ويتلقى عنه ما لعله يلحق من العتاب على فعله، شفقة منه وبرا.
٧- واستدل به من ذهب إلى أن المراد بالأقراء الأطهار، لقوله فى الروايات الخمس
الأوليات ((فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء)» للأمر بطلاقها فى الطهر، وقوله
تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أى وقت ابتداء عدتهن، وقد جعل للمطلقة تربص ثلاثة
قروء، فلما نهى عن الطلاق فى الحيض، وقال: إن الطلاق فى الطهر هو الطلاق المأذون
فيه، علم أن الأقراء الأطهار. قاله ابن عبد البر.
٨- قال النووى: فى قوله ((ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا)) دلالة لجواز طلاق الحامل التى تبين حملها،
وهو مذهب الشافعى. قال ابن المنذر: وبه قال أكثر العلماء، منهم طاووس والحسن وابن سيرين .
وربيعة وحماد بن أبى سليمان ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبوعبيد، قال ابن المنذر: وبه
أقول، وبه قال بعض المالكية، وقال بعضهم: هو حرام، وحكى ابن المنذر رواية أخرى عن الحسن
أنه قال: طلاق الحامل مكروه. ثم مذهب الشافعى ومن وافقه أن له أن يطلق الحامل ثلاثا بلفظ
واحد، وبألفاظ متصلة، وفى أوقات متفرقة، وكل ذلك جائز، لا بدعة فيه، وقال أبوحنيفة وأبو
يوسف: يجعل بين الطلقتين شهرا، وقال مالك وزفر ومحمد بن الحسن: لا يوقع عليها أكثر من
واحدة حتى تضع. اهـ
٩- ومن قوله فى الرواية الأولى ((وإن شاء طلق قبل أن يمس)) وفى الثانية ((فإن أراد أن يطلقها
فليطلقها حين تطهر، من قبل أن يجامعها)) وفى الثالثة ((فإذا طهرت فليطلقها قبل أن
يجامعها)) وفى الرابعة ((ثم يطلقها قبل أن يمسها)) وفى الخامسة)) فإن بدا له أن يطلقها
فليطلقها طاهرا من حيضتها قبل أن يمسها)) وفى التاسعة ((حتى يطلقها طاهرا من غير جماع))
استدل على أن الطلاق فى طهر جامعها فيه حرام، وبه صرح الجمهور، وقال المالكية: لا يحرم،
وفى رواية كالجمهور، ورجحها الفاكهانى، لكونه شرط فى الإذن فى الطلاق عدم المسيس،
والمعلق بشرط، معدوم عند عدمه.
١٠- وفى الحديث حرص الإسلام أن لايشق الزوج بالزوجة، حتى عند فراقه لها، مهما كان غاضبا
عليها.
والله أعلم
٦٤
(٣٩٦) باب طلاق الثلاث وكفارة من
حرم امرأته ولم ينوالطلاق
٣٢٤٩ - -°١ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(١٥) قَالَ كَانُ الطَّلاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنْتَيْنٍ مِنْ خِلافَةٍ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلاثِ وَاحِدَةٌ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ
النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ. فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ.
٣٢٥٠- ٣ عَنْ أَبِي الصَّهْبَاءِ(١٦) أَنَّهِ قَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتِ الثَلاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةٌ
عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﴿ وَأَبِي بَكْرٍ، وَقَلاَثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ.
٣٢٥١ - -١٣ عَنْ طَاؤُسٍ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ(١٧) قَالَ لابْنِ عَبَّاسٍ: هَاتٍ مِنْ هُنَائِكَ. أَلَمْ يَكُنِ
الطّلاقُ الثَّلاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ
فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلاقِ. فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ.
٣٢٥٢ - ١٢- عَنِ ابْنِ عَّاسٍ رَضِي الله عَنْهِمًا(١٨) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ، فِي الْحَرَامِ: يَمِينٌ
يُكَفّرُهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
٣٢٥٣ - ١٩ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهِمًا (١٩) قَالَ: إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَّأَتَهُ فَهِيَ
يَمِينٌ يُكَفّرُهَا. وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
٣٢٥٤ - -٣ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا (٢٠): أَنَّ النّبِيِّ ◌َ﴿ كَان يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ
(١٥) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَائِعٍ وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدْقْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخُْرَنًا
مَعْمَرٌ غَنِ ابْنِ طَاؤْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(١٦) حَدَّا إِسْحَقَّ بْنُ إِبْرَّاهِيمَ أَخْرَنَا رَوْحُ بْنُ غْبَادَةَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ح وحَدْقَنَا ابْنُ رَافِعٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدْقَنَا عَبْدُ الرَّرَاقِ أَخْبُرَنًا
ابْنُ جُرَيَّجٍ أُخْبَوَلِيَ ابْنُ طَّاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنْ أَبَا الصَّهْيَاءِ قَالَ لابْنِ عَبَّاسِ
(١٧) وحَّدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَلَا سَلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادٍ بْنِ زَيِّدٍ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَائِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمٌ بْنِ مَيْسَرَةً عَن
طّاوُسِ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لابْنِ عَبَّاسِ
(١٨) وحَدََّا زُهَيْرُ بْنُ حَرَّبٍ حَدَثْنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ يَعْنِي الدَّسْتَوَالِيَّ قَالَ كَتَبَ إِلَيِّ يَحْتِى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ
يَعْلَی بْنِ حُكِیمٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَّيْرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(١٩) حَدَّثََّا يُّحْتِى بَّنُ بِشْرِ الْحَرِيرِيُّ خَدْنَا مُعَاوِيَّةُ يَعْنِّي ابْنَ سَلامٍ عَنْ يَخْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنْ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ أُخْبَرَهُ أَنْ سَعِيدٌ بْنَ
جُبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنْهُ سِّمِعٌّ ابْنَ عَبَّاسِ قَالَ
(٢٠) وَحَدَِّيٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَالِمٍ حَدَّثَنً حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَعْبُوَلِي عَطَاءٌ أَنْهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعٌ
عَائِشَةٌ تُخْبِرُ
٦٥
جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، قَالَتْ فَتَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ، أَنَّ أَتْنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ◌َ ا:
فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ
«بَلْ شَرِئْتُ عَسَلا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ» فَنَزّلَ ﴿لِمْ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ
لَكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِن تُتُونَ﴾ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةٌ ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾
لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِئْتُ عَسَلا.
٣٢٥٥ - ٣١ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا(٢١) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِل﴿ يُحِبُّ الْحَلْوَاءُ
وَالْعَسَلَ. فَكَانَ، إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ، دَارَ عَلَى نِسَائِهِ. فَيَدْنُو مِنْهُنَّ. فَدَخَلَ عَلَى خَفْصَةً فَاخْتَبَسَ
عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَخْتَبِسُ. فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةٌ
مِنْ عَسَلٍ. فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِلَّ مِنْهُ شَرْبَةٌ. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ
لِسَوْدَةً. وَقُلْتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ. فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرً؟
فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لا. فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ (وَكَانٌ رَسُولُ اللَّهِلَ يَشْعَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ
مِنْهُ الرِّيحُ) فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتِي حَفْصَةُ شَرْبَةً عَسْلٍ. فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ.
وَسَأَقُولُ ذَلِكِ لَهُ. وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةً. قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالْذِي لا
إِلَهَ إِلا هُوَ لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أَبَادِئَهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي. وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ، فَرَقْا مِنْكٍ. فَلَمَّا ذَّا رَسُولُ
اللَّهِ﴿ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: «لا». قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ:
«سَقَسْنِي حَفْصَةُ شَرَّبَةً عَسَلٍ» قَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ
ذَلِكَ. ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةً فَقَالَتْ بِمِثْلٍ ذَلِكَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا
أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ «لا حَاجَةً لِي بِهِ». قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَاللّهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ.
قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: اسْكُنِي.
المعنى العام
كان الطلاق فى الجاهلية لا يخضع لعدد معين، بل ولا يخضع لذم أو تنفير، فجاء الإسلام فأقر
مبدأه، فقد يكون ضرورة، أو تدعو إليه حالات الشقاق بين الزوجين، أباحه الإسلام لكن نفر منه، فقال
صلى الله عليه وسلم ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق))
(٢١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةٌ
- قَالَ أَبُو إِسْحَقّ إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثْنَا أَبُو أُسَامَةَ بِهَذَا سَوَاءٌ وَحَدْقَيِهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّقْنَا عَلِيُّ
ابْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً بِهَذَا الإِسْنَادِ نْحُوَّةُ.
٦٦
ولما كانت طبيعة البشر الغضب والرضا اقتضت الحكمة الإلهية، والرحمة بالأزواج أن يراجعوا
طلقة وطلقتين أما الثالثة إذا وقعت لم تحل الزوجة حتى تنكح زوجاً غيره، فقال تعالى ﴿الطَّلاقُ
مَرَّتَانِ﴾ وبعدهما ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
ولم يحدد القرآن الكريم، ولا السنة النبوية فاصلاً زمنياً بين الطلقات، فكان اختلاف
العلماء. هل لو جمع الثلاث فى لفظ واحد، أو فى دقيقة واحدة تحسب ثلاثا أو تحسب
واحدة، فذهب الجمهور إلى الحزم والتقليل من أبغض الحلال، والتحذير من التلاعب
بألفاظ الطلاق، فحكم بأنها تحسب ثلاثاً.
وذهب قلة من العلماء إلى أنها تحسب واحدة مادامت فى لفظ واحد. وكان على رأس الحزم عمر
ابن الخطاب ، ووافقه الصحابة، وأجمعوا على ما ذهب إليه.
ولما كان الطلاق يصدر من الرجل بألفاظ صريحة لا تقبل التأويل لم يشترط فيها النية، ويصدر
من الرجال بألفاظ غير صريحة، تحتمل الطلاق وغيره اشترط فيها النية.
ومن الألفاظ غير الصريحة لفظ ((حرمت زوجتى)) أو ((زوجتى فلانة على حرام)» هذه اللفظة
ونحوها تتبع النية، فإن نوى بها طلاقا وقع الطلاق، وإن نوى بها ظهارا وقع الظهار، وإن نوى بها
يمينا لزمه كفارة يمين، وإن لم ينوبها شيئا كانت لغوا. على خلاف بين العلماء.
أما تحريم الحلال من غير الزوجة، كقوله: هذا الطعام على حرام، أو كلامك على حرام. أو بيتك
على حرام، أو أموالك على حرام، أو ما شابه ذلك من تحريم ما أحل الله فلا يلزم منه شىء، إلا إذا
حلف على ذلك، فعليه كفارة يمين إن فعل ما حرمه على نفسه.
هذا فضل من اللَّه على أمة محمد®، فإن من كان قبلهم كانوا إذا حرموا شيئا حرم عليهم، كما
وقع ليعقوب ((إسرائيل)) التلّا، فقد روى أنه كان به عرق النساء، فجعل على نفسه إن شفاه الله أن
لا يأكل العروق من كل شىء، فشفاه الله، وألزمه تحريم ما حرم، وأخبرنا بذلك، فقال جل شأنه ﴿كُلُّ
الطَّعَامِ كَانَ حِلالِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣].
فكان من نعم الله على هذه الأمة أن خفف ذلك عليهم، فلم يحرم عليهم ما حرموا على أنفسهم،
ونهاهم أن يحرموا على أنفسهم شيئا مما أحل لهم، فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا
مَيِّبَاتٍ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].
ولما حرم رسول اللّه على نفسه العسل، لتحايل عليه وقع من بعض زوجاته، وحرم
على نفسه وطء جاريته إرضاء لبعض زوجاته عاتبه ربه بقوله ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَّا
أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَرْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ
مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢،١].
فسبحان أحكم الحاكمين، شرع ما فيه مصالح العباد فى الدنيا والآخرة، وخفف على
٦٧
الأمة الإسلامية ووضع عنها إصرها والأغلال التى كانت عليها، فتبارك اللَّه أحس الخالقين.
والحمد للّه رب العالمين.
المباحث العربية
(كان الطلاق على عهد رسول اللَّه ﴿) أى فى زمنه وفى حياته.
(طلاق الثلاث واحدة) ((طلاق الثلاث)) بدل من ((الطلاق)» والبدل على نية تكرار العامل، أى
كان طلاق الثلاث واحدة. فواحدة خبر، والمعنى: كان الطلاق الثلاث فى دفعة واحدة يحسب واحدة.
(إن الناس قد استعجلوا فى أمرقد كانت لهم فيه أناة) ((أناة)) بفتح الهمزة، آخره تاء
مربوطة، على وزن ((قناة)» الحلم والوقار والتثبت والرفق والانتظار وعدم العجلة، يقال: إنّ الرجل من
باب سمع أينا، وتأنى تأنيا، والمعنى إن الناس استعجلوا الطلاق الثلاث، وأكثروا منه فى دفعة
واحدة، وكانوا من قبل لا يتعجلونه، ولا يطلقون الثلاث إلا نادرا.
(فلو أمضيناه عليهم) ((لو)) للتمنى، فلا تحتاج إلى جواب، أى ليتنا نمضيه وننفذه
عليهم، ونلزمهم به ثلاثا- كما نطقوه، لا واحدة. ويصح أن تكون شرطية، وجواب الشرط
محذوف، أى لكان خيرًا.
(أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة) ((الثلاث)) صفة لموصوف محذوف، أى
التطليقات الثلاث. والاستفهام حقيقى، ولذلك أجاب.
(وثلاثا من إمارة عمر)؟ ((ثلاثا)) منصوب على الظرفية، أى وكانت الثلاث تجعل واحدة فى
ثلاث سنوات من خلافة عمر، وفى الرواية الأولى ((وسنتين من خلافة عمر)» فيحتمل أن الواقع كان
سنتين ونصفا مثلا، فألغى الكسر تارة، وجبر الكسر تارة أخرى.
(هات من هناتك) أى من أخبارك وأمورك المستغربة، وفى كتب اللغة: الهناة الداهية
والشدائد والأمور العظام، والكلمات والأراجيز.
(تتايع الناس فى الطلاق) قال النووى: هو بياء مثناة من تحت بين الألف والعين، هذه رواية
الجمهور، وضبطه بعضهم بالباء الموحدة، وهما بمعنى، ومعناه أكثروا منه، وأسرعوا إليه، لكن بالياء
المثناة إنما يستعمل فى الشر، وبالباء الموحدة يستعمل فى الخير والشر، فالياء المثناة هنا أجود.
(فأجازه عليهم) ثلاثا، أى أمضاه ونفذه عليهم ثلاثا.
(كان يقول فى الحرام: يمين يكفرها) ((فى الحرام)) متعلق بيقول، أى يقول فيمن قال
لامرأته أنت على حرام، يقول: هى يمين يكفرها قائلها، فيمين خبر لمبتدأ محذوف، وفى الرواية
الخامسة)) إذا حرم الرجل عليه امرأته فهى يمين يكفرها)».
٦٨
(قال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾) يشير بذلك إلى
قوله تعالى ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ بعد قوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرُِّ مَا أَصَلَّ اللَّهُ
لَكَ﴾ [التحريم: ١] أى جعل الله لنبيه تحريم ما أحل يمينا عليه كفارته.
(فتواطيت أنا وحفصة) من التواطؤ، وهو التوافق، قال النووى: ((فتواطيت)) بالياء،
هكذا هو فى النسخ، وأصله فتواطأت بالهمز، اهــ، أى خففت الهمز، وفى البخارى
((فتواصيت)» بالصاد، من التواصى.
(أن أيتنا ما دخل عليها النبى { فلتقل) ((أيتنا)) بفتح الهمزة، وتشديد الياء المفتوحة،
وفتح التاء، وهى كلمة ((أى)) دخلت عليها تاء التأنيث وأضيفت إلى نون المتكلمين، و((ما)) فى ((ما
دخل عليها)) زائدة.
(أجد منك ريح مغافير. أكلت مغافير؟) الكلام فى ((أكلت)) على الاستفهام، و((المغافير)»
بالغين والفاء، بعدها ياء فى جميع نسخ البخارى، وفى بعض نسخ مسلم فى بعض المواضع من
الحديث بحذفها، قال القاضى عياض: والصواب إثباتها، لأنها عوض عن الواو التى فى المفرد، اهـ.
والمغفور صمغ حلو، له رائحة كريهة، ينضحه شجر، يقال له: العرفط، بضم العين والفاء، بينهما راء
ساكنة، آخره طاء، قال القاضى عياض: وزعم المهلب أن رائحة المغافير والعرفط حسنة، وهو خلاف
ما يقتضيه الحديث، وخلاف ما قاله أهل اللغة.اهـ قال الحافظ ابن حجر: ولعل المهلب قال: خبيثة.
فصحفت، أو استند إلى ما نقل عن الخليل، ونسبه ابن بطال إلى العين، من أن العرفط شجر العضاة،
والعضاة كل شجرله شوك، وإذا استيك به كانت له رائحة حسنة، تشبه رائحة طيب النبيذ.اهـ وعلى
هذا فيكون ريح عيدان العرفط طيبا، وريح الصمغ الذى يسيل منه غير طيبة، ولا منافاة فى ذلك، ولا
تصحيف. قال القرطبى فى المفهم: إن رائحة ورق العرفط طيبة، فإذا رعته الإبل خبثت رائحته. قال
الحافظ ابن حجر: وهذا طريق آخر فى الجمع حسن جدا.
(فدخل على إحداهما) قال الحافظ: أظنها حفصة.
(قال: بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش) ((بل)) للإضراب الإبطالى. أى لم آكل
مغافير، بل شربت عسلاً. وفى الرواية السابعة ((فإنه سيقول لك: سقتنى حفصة شربة عسل)) فهاتان
روايتان فى الصحيح فى قصة العسل، هل الشرب كان فى بيت زينب بنت جحش، والقائلتان حفصة
وسودة مع عائشة؟ أو كان فى بيت حفصة؟ والقائلتان عائشة وصفية. أخرجهما ابن المنذر وابن
أبى حاتم والطبرانى وابن مردويه. قال السيوطى: وسنده صحيح عن ابن عباس.
قال النووى: قال القاضى عياض: ذكر مسلم أن التى شرب عندها العسل زينب، وأن المتظاهرتين
عليه عائشة وحفصة، وكذلك ثبت فى حديث عمر بن الخطاب وابن عباس أن المتظاهرتين عائشة
وحفصة، وذكر مسلم أيضا أن حفصة هى التى شرب عندها العسل، وأن عائشة وسودة وصفية من
٦٩
اللواتى تظاهرن عليه. قال: والأول أصح. قال النسائى: إسناد حديث حجاج -روايتنا السادسة-
صحيح جيد غاية. وقال الأصيلى: حديث حجاج أصح وهو أولى بظاهر كتاب اللّه تعالى، وأكمل
فائدة، يريد قوله تعالى ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ فهما ثنتان، لا ثلاث، وأنهما عائشة وحفصة كما قال فيه،
وكما اعترف به عمر محدد، وقد انقلبت الأسماء على الراوى فى الرواية الأخرى.
ثم قال القاضى عياض بعد هذا: الصواب أن شرب العسل كان عند زينب.
(ولن أعود له) زاد فى رواية ((وقد حلفت، لا تخبرى بذلك أحدا))
(فنزل ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ.﴾) هكذا ظهر أن سبب نزول الآية قضية شرب العسل،
وقد أخرج النسائى والحاكم وصححه، ابن مردويه عن أنس ((أن رسول اللّه﴿ كانت له أمة يطؤها
فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراما، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ
تُحَرِّمُ﴾)) ويوافق ما أخرج البزار والطبرانى بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَّ
تُحَرِّمُ﴾ إلخ فی سریته.
قال الحافظ ابن حجر: والمشهور أن السبب مارية وأنه عليه السلام وطئها فى بيت حفصة فى
يومها، فوجدت وعاتبته، فقال صلى الله عليه وسلم: ألا ترضين أن أحرمها، فلا أقربها: قالت: بلى.
تحرمها، وفى رواية أن ذلك كان فى بيت حفصة فى يوم عائشة، وفى الكشاف: روى أن رسول اللَّه عَ لـ
خلا بمارية فى يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمى على، وقد حرمت مارية على نفسى،
وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدى أمر أمتى، فأخبرت عائشة وكانتا متصادقتين.
قال النووى: الصحيح أن الآية فى قصة العسل، لا فى قصة مارية، المروية فى غير الصحيحين، ولم
تأت قصة مارية فى طريق صحيح.
(يحب الحلواء والعسل) كذا وقعت فى أكثر الروايات ((الحلواء)) بالمد، وفى بعضها
((الحلوى)) بالقصر، وهى مغايرة للعسل، ولو صنعت منه، فليس من قبيل عطف الخاص على العام،
وإنما الذى يشمل العسل وغيره كلمة)(حلو)» ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، وذكر النووى خلافه، وأن
المراد بالحلواء هنا كل شىء حلو، فهو من ذكر الخاص بعد العام.
(كان إذا صلى العصر دار على نسائه) فى رواية عند ابن مردويه عن ابن عباس ((كان
رسول اللّه ◌َي إذا صلى الصبح جلس فى مصلاه، وجلس الناس حوله، حتى تطلع الشمس، ثم يدخل
على نسائه، امرأة. امرأة، يسلم عليهن، ويدعولهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها».
قال الحافظ ابن جحر: ويمكن الجمع بأن الذى كان يقع فى أول النهار سلام ودعاء محض،
والذى فى آخره معه جلوس واستئناس ومحادثة، ولكن المحفوظ ذكر العصر، ورواية ابن مردويه
شاذة. وفى رواية ((أجاز إلى نسائه)) أى مشى وقطع المسافة إليهن، واحدة واحدة.
(فيدنو منهن) أى يدنو من كل واحدة منهن، والمقصود من الدنو أنه يقبل ويباشر من غير
جماع، كما صرح به فى بعض الروايات الصحيحة.
٧٠
(فدخل على حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس) أى أقام عندها أكثر مما
كان يقيم عندها، أو أكثر مما كان يقيم عند غيرها.
(فسألت عن ذلك) فى رواية البخاري ((قالت عائشة: فغرت، فسألت ... )) وقد بينت كيفية
السؤال فى حديث لابن عباس، ولفظه «فأنكرت عائشة احتباسه عند حفصة، فقالت لجويرية حبشية
عندها، يقال لها: خضراء: إذا دخل على حفصة فادخلى عليها- أى بحجة ما- فانظرى ما يصنع؟».
(فقيل لى: أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل) ((العكة)) بضم العين، وقد تفتح، زق
صغير بكسر الزاى، أى وعاء صغير من جلد مقصوص الشعر، يوضع ويخزن فيه السمن غالبا، والمراد
من العسل هنا عسل النحل.
(فسقت رسول الله
منه شرية) ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ منه بإصبعه،
فالمراد من الشرية ما يشرب.
(أما والله لنحتالن له) يقال: احتال عليه طلب منه الشىء بالحيلة، والحيلة وسيلة
بارعة تحيل الشىء عن ظاهره، ابتغاء الوصول إلى المقصود، واللام فى ((له)) للتعليل، وفى
الكلام مضاف محذوف، أى لمنعه من الاحتباس عند حفصة، و((أما» بتخفيف الميم، حرف
استفتاح للتأكيد، مثل (( ألا)).
(فذكرت ذلك لسودة) أى ذكرت الرغبة فى الاحتيال ومحاولة منعه من الاحتباس.
(إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولى له: أكلت مغافير؟) فى رواية ((فذكرت ذلك
لسودة، وقلت لها: إنه إذا دخل عليك سيدنو منك ... )) وفى رواية ((إذا دخل على إحداكن فلتأخذ
بأنفها، فإذا قال: ما شأنك؟ فقولى: ريح المغافير)».
(وكان رسول اللّه ◌َ﴿ يشتد عليه أن يوجد منه الريح) أى الكريه، ومعنى ((يشتد عليه))
أى يكره ويبغض وجود الريح الكريه.
(جرست نحله العرفط) ((جرست)) بفتح الجيم والراء، أى رعت نحل هذا العسل شجر
العرفط الذى صمغه المغافير.
(تقول سودة ... ) أى لعائشة بعد أن نفذت الحيلة.
(فرقا منك) أى خوفا منك، وحرصا على تحقيق وتنفيذ أمرك.
(فلما دخل على حفصة) أى فى اليوم الثانى بعد أن سمع ما قالته عائشة وسودة وصفية.
(سبحان اللَّه) تقال فى مناسبات كثيرة، وهى هنا للتحسر.
٧١
(والله لقد حرمناه) بفتح الراء مخففة، أى منعناه من العسل، يقال: حرمته
وأحرمته، والأول أفصح.
(قلت لها: اسكتى) أى لا تثيرى هذا الموضوع، خشية أن يفشو ذلك، فيظهر ما دبر
من كيد واحتيال .
فقه الحديث
تتلخص نقاط الحديث الأساسية فى ثلاث:
الأولى: الطلاق الثلاث دفعة واحدة، وهل يحسب طلقة؟ أو ثلاثا؟ وتوجيه الأحاديث
الواردة فى ذلك.
الثانية: فيمن يقول لامرأته: أنت على حرام. وهل يكون طلاقا؟ أولا؟ وإذا كان طلاقا هل يكون
باتا كالثلاث أولا؟ وهل تحريم أى حلال يجعله حراما؟ أوهو يمين يكفر؟ أو ماذا؟
الثالثة: سبب نزول قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ .. ﴾ والآيات والأحكام التى
تؤخذ من الحديث.
وهذا هو التفصيل:
النقطة الأولى: قال النووى - بعد أن ذكر الروايات الخمس الأولى: هذا الحديث معدود من
الأحاديث المشكلة. اهـ والإشكال الذى أشار إليه أن جمهور العلماء ينفون بشدة أن يكون الرسول خالد
أمضى الثلاث واحدة، والحديث فى ظاهره يثبت ذلك.
ويظاهره أخذ طاووس وبعض أهل الظاهر، فقالوا: من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا لا يقع بذلك
إلا واحدة، وبهذا القول قال الحجاج بن أرطاة ومحمد ابن إسحاق فى رواية عنهما. واحتج هؤلاء
بظاهر حديث ابن عباس هذا فعملوا بما كان عليه الأمر فى زمن الرسول {8 - حسب فهمهم-
وطرحوا ما أمضاه عمر تظل ◌ُله .
كما احتجوا بحديث ركانة عند أبى داود، وأخرجه أحمد، وأبو يعلى وصححه عن طريق محمد بن
إسحاق، ولفظه ((عن ابن عباس قال: طلق ركانة ابن عبد يزيدامرأته ثلاثا فى مجلس واحد، فحزن
عليها حزناً شديداً، فسأله النبى { *: كيف طلقتها؟ قال: ثلاثاً فى مجلس واحد: فقال النبى ◌ُ ل﴾: إنما
تلك واحدة، فارتجعها إن شئت. فارتجعها)»
كما احتجوا برواية من روايات حديث ابن عمر فى طلاقه امرأته وهى حائض- وقد تقدم فى
الباب السابق- وفيها أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فأمره رسول الله # برجعتها، فلو لم
يحسبها واحدة ما أمره برجعتها.
٧٢
وقالوا: إن من قال: أحلف باللّه ثلاثا، لا يعد حلفه إلا يمينا واحدا. فكذلك فى الطلاق.
المذهب الثانى فى هذه المسألة أن من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا لا يقع بذلك شىء، وبه قال
بعض الشيعة وبعض أهل الظاهر، قالوا: لأنه منهى عنه، واستدلوا على النهى عنه بحديث عن محمود
ابن لبيد# قال: أخبر النبى عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا؟ فقال: أيلعب بكتاب
اللَّه وأنا بين أظهركم))؟ الحديث. أخرجه النسائي، ورجاله ثقات.
كما استدلوا بما أخرجه سعيد بن منصور عن أنس به «أن عمره كان إذا أتى برجل طلق
امرأته ثلاثا أوجع ظهره)» وسنده صحيح. وأطلقوا هذا القول فى كل طلاق منهى عنه، كالطلاق فى
زمن الحيض.
قال الحافظ ابن حجر: وهو شذوذ.
المذهب الثالث فى هذه المسألة أنه لا يجوز أن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثا، فهو محرم،
كالطلاق فى زمن الحيض، لكن إن قالها وقعت طلقة واحدة. وبهذا قال بعض أهل الظاهر، واستدلوا
للنهى عنه بما سبق.
ومذهب الجمهور صوره النووى: قال: من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا. فقال الشافعى ومالك وأبو
حنيفة وأحمد وجماهير العلماء من السلف والخلف: يقع الثلاث.
واحتجوا بقول الله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ
أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] قالوا: معناه أن المطلق قد يحدث له ندم، فلا يمكنه تداركه، لوقوع البينونة، فلو
كانت الثلاث لا تقع ثلاثا، وتقع واحدة رجعية فلا يندم.
كما استدلوا بأحاديث الباب، من حيث إنها تفيد الإجماع فى عهد عمر على إمضاء
الثلاث ثلاثا، وحاولوا جهدهم أن يوجهوا صدر هذه الأحاديث، ويمنعوا أنها كانت تحسب
واحدة فى عهد الرسول 48.
قال النووى: قال المازري: وقد زعم من لا خبرة له بالحقائق أن ذلك كان، ثم نسخ، قال: وهذا غلط
فاحش، لأن عمره لا ينسخ، ولو نسخ -وحاشاه- لبادرت الصحابة إلى إنكاره. وإن أراد هذا القائل
أنه نسخ فى زمن النبى * فذلك غير ممتنع، ولكن يخرج عن ظاهر الحديث، لأنه لوكان كذلك لم يجز
للراوى أن يخبر ببقاء الحكم فى خلافة أبى بكر وبعض خلافة عمر.
فإن قيل: قد يجمع الصحابة على النسخ، فيقبل ذلك منهم؟ قلنا: إنما يقبل ذلك لأنه يستدل
بإجماعهم على وجود ناسخ، وأما أنهم ينسخون من تلقاء أنفسهم فمعاذ اللَّه، لأنه إجماع على الخطأ،
وهم معصومون من ذلك. [أى وهم بذلك يشرعون شرعا جديداً مخالفاً لشرع الله ورسوله].
فإن قيل: فلعل الناسخ إنما ظهرلهم فى زمن عمر؟ قلنا: هذا غلط أيضا، لأنه يكون قد حصل
الإجماع على الخطأ فى زمن أبى بكر، والمحققون من الأصوليين لا يشترطون انقراض العصر فى
صحة الإجماع. اهـ
٧٣
ويعقب الحافظ ابن حجر على قول المازرى، فيقول: إن الذى ادعى نسخ الحكم لم يقل: إن عمر
هو الذى نسخ، وإنما قال - عن ابن عباس الذى أفتى بلزوم الثلاث، مع أنه الراوى أنها كانت الثلاث
واحدة - قال :- والقائل هو الشافعى، فيما نقله عنه البيهقى. قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئا
نسخ ذلك، قال البيهقى: ويقويه ما أخرجه أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا
طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك)) أى اطلع ابن عباس على ناسخ للحكم،
ولذلك أفتى بخلافه، ومعنى ظهور النسخ فى زمن عمر انتشاره، لكنه كان ظاهرا عند البعض غير
منتشر، فمعنى أنه كان يفعل فى زمن أبى بكر محمول على أن الذى كان يفعله من لم يبلغه النسخ.
والنتيجة أن الطلاق الثلاث كان ثلاثا فى عهد النبى 88، أو فى آخر عهده، على ما يراه الجمهور
وأجابوا عن حديث ابن عباس بأجوبة منها:
١- أن حديث ابن عباس معلول، لأنه عند أبى داود بلفظ ((أما علمت أن الرجل كان إذا طلق
امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة)»؟ فهو مردود بروايتيه، أو تعتمد رواية أبى داود، وأنه
فى المطلقة قبل الدخول، فهى تبين بالطلقة الأولى، وتلغى الثانية والثالثة، لوقوعها بعد البينونة.
٢- أن حديث ابن عباس شاذ مردود. وهذه طريقة البيهقى، إذ ساق الروايات عن ابن عباس
بلزوم الثلاثة، ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبى 8# شيئا، يفتى
بخلافه، فتعين المصير إلى الترجيح، والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم.
٣- قال ابن العربى: حديث ابن عباس مختلف فى صحته.
٤- دعوى النسخ، وقد سبق الكلام عنها قريبا.
٥- دعوى الاضطراب. قال القرطبى فى المفهم: وقع فيه مع الاختلاف على ابن عباس الاضطراب
فى لفظه، وظاهر سياقه يقتضى النقل عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة فى مثل هذا
أن يفشوالحكم وينتشر، فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضى التوقف عن العمل
بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه.
٦- دعوى أنه ورد فى صورة خاصة. قال ابن سريج وغيره: يشبه أن يكون ورد فى تكرير
اللفظ، كأن يقول: أنت طالق. أنت طالق. أنت طالق، وكانوا أولا على سلامة صدورهم يقبل
منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس فى زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه مما يمنع
قبول من ادعى التأكيد حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم. قال الحافظ ابن
حجر: وهذا الجواب ارتضاه القرطبى، وقواه بقول عمر: ((إن الناس استعجلوا فى أمر كانت
لهم فيه أناة)) وكذا قال النووى: إن هذا أصح الأجوبة.
٧- ذهب بعضهم إلى تأويل قوله))واحدة)) فقال: إن معنى قوله ((كان الثلاث واحدة)» أن الناس
فى زمن النبى # كانوا يطلقون واحدة، فلما كان زمن عمر كانوا يطلقون ثلاثا، ومحصله أن المعنى
أن الطلاق الموقع فى عهد عمر ثلاثا كان لا يوقع كذلك قبله، بل كان يوقع قبل ذلك واحدة، أى كانوا
٧٤
لا ينطقون بالثلاث، ولا يستعملون الثلاث أصلا، أوكانوا يستعملونها نادرا، وأما فى عصر عمر فكثر
استعمالهم لها. ومعنى قوله «فأمضاه عليهم وأجازه)» أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان
يصنع قبله. ورجح هذا التأويل ابن العربى، ونسبه إلى أبى زرعة الرازى، أورده البيهقى بإسناده
الصحيح إلى أبى زرعة أنه قال: معنى هذا الحديث عندى أن ماتطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقونه
واحدة، قال النووى: وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة ، لا عن تغير الحكم
فى الواحدة.
٨- دعوى وقف حديث ابن عباس، إذ ليس فى السياق أن ذلك كان يبلغ النبى 8*، فيقره،
والحجة إنما هى فى تقريره. وإذا كان المحدثون قد قالوا: إن قول الصحابى: كنا نفعل كذا فى عهد
الرسول / له حكم المرفوع على الراجح. فإن هذا ينبغى أن يكون مرجوحا إذا عورض بمثل هذه
المعارضة، وإذا كانت هناك قرائن تبعده، ومن القرائن حديث ركانة فى روايته القوية ((أنه طلق
امرأته ألبتة. فقال له النبي { ل: اللَّه ما أردت إلا واحدة - أى احلف بالله ما أردت إلا واحدة- قال:
الله ما أردت إلا واحدة)) فهذا دليل على أنه لو أراد الثلاث لوقع الثلاث.
وهذا الذى تستريح إليه النفس فى حديث ابن عباس. واللَّه أعلم.
قال النووى: وأما الرواية التى رواها المخالفون أن ركانة طلق ثلاثا، فجعلها واحدة، فرواية
ضعيفة عن قوم مجهولين، وإنما الصحيح منها ما قد مناه أنه طلقها ألبتة، ولفظ ((ألبتة)) محتمل
للواحدة وللثلاث، ولعل صاحب هذه الرواية الضعيفة اعتقد أن لفظ ((ألبتة)) يقتضى الثلاث، فرواه
بالمعنى الذى فهمه، وغلط فى ذلك.
وأما حديث ابن عمر فالروايات الصحيحة التى ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة.ا.هـ
وأما قولهم: من قال: أحلف باللّه ثلاثا لا يعد حلفه إلا يمينا واحدا، فكذلك الطلاق. فقد
رده الحافظ ابن حجر باختلاف الصيغتين، فإن المطلق ينشئ طلاق امرأته، وقد جعل أمد
طلاقها ثلاثا، فإذا قال: أنت طالق ثلاثا فكأنه قال: أنت طالق جميع الطلاق، وأما الحلف
فلا أمد لعدد أيمانه فافترقا.
أما بعد. فيعجبنى قول الحافظ ابن حجر: وفى الجملة فالذى وقع فى هذه المسألة نظير ما وقع
فى مسألة المتعة، سواء بسواء، أعنى قول جابر: إنها كانت تفعل فى عهد النبى 8# وأبى بكر وصدر
من خلافة عمر. قال: ثم نهانا عمر عنها، فانتهينا.
فالراجح فى الموضعين تحريم المتعة، وإيقاع الثلاث، للإجماع الذى انعقد فى عهد عمر على ذلك،
ولا يحفظ أن أحدا فى عهد عمر خالفه فى واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان
خفى عن بعضهم قبل ذلك، حتى ظهر لجميعهم فى عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له،
والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق. والله أعلم.
النقطة الثانية: قال النووى: اختلف العلماء فيما إذا قال لزوجته: أنت على حرام. فمذهب
٧٥
الشافعى أنه إن نوى طلاقها كان طلاقا، وإن نوى ظهارا كان، وإن نوى تحريم عينها بغير طلاق ولا
ظهار لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين، ولا يكون يمينا، وإن لم ينو شيئا ففيه قولان للشافعي، أصحهما
يلزمه كفارة يمين، والثانى أنه لغو، لا شىء فيه، ولا يترتب عليه شىء من الأحكام.
هذا مذهبنا، وحكى القاضى عياض فى المسألة أربعة عشر مذهبا.
أحدها: المشهور من مذهب مالك أنه يقع به ثلاث طلقات، سواء كانت مدخولا بها أم لا، لكن لو
نوى أقل من الثلاث قبل فى غير المدخول بها خاصة. قال: وبهذا المذهب قال أيضا على بن أبى
طالب وزيد والحسن والحكم.
والثانى: أنه يقع ثلاث طلقات، ولا تقبل نيته فى المدخول بها ولا غيرها. قاله ابن أبى ليلى وابن
الماجشون المالكي.
والثالث: يقع به على المدخول بها ثلاث، وعلى غيرها واحدة، قاله أبو مصعب ومحمد بن عبد
الحكم المالكيان.
الرابع: أنه يقع به طلقة واحدة بائنة. سواء المدخول بها وغيرها، وهو رواية عن مالك.
الخامس: أنها طلقة رجعية. قاله عبد العزيز بن أبى مسلمة المالكى.
السادس: أنه يقع مانوى، ولا يكون أقل من طلقة واحدة. قاله الزهرى.
السابع: أنه إن نوى واحدة أو عددا أو يمينا فهو كما نوى، وإلا فلغو. قاله سفيان الثورى.
الثامن: مثل السابع. إلا إنه إن لم ينو شيئا لزمه كفارة يمين. قاله الأوزاعی وأبو ثور.
التاسع: مذهب الشافعى، وسبق إيضاحه، وبه قال أبوبكر وعمر وغيرهما من الصحابة والتابعين
رضي الله عنهم.
العاشر: إن نوى الطلاق وقعت طلقة بائنة، وإن نوى ثلاثا وقع الثلاث، وإن نوى اثنتين وقعت
واحدة، وإن لم ينو شيئا فيمين، وإن نوى الكذب فلغو. قاله أبو حنيفة وأصحابه.
والحادى عشر: مثل العاشر، إلا أنه إذا نوى اثنين وقعت. قاله زفر.
والثانى عشر: أنه تجب به كفارة الظهار، قاله إسحق بن راهويه.
والثالث عشر: هى يمين فيها كفارة اليمين، قاله ابن عباس وبعض التابعين.
والرابع عشر: أنه كتحريم الماء والطعام، فلا يجب فيه شىء أصلا، ولا يقع به شىء، بل هو لغو.
قاله مسروق والشعبى وأبو سلمة وإصبغ المالكى.
قال القرطبى: قال بعض علمائنا: سبب الاختلاف أنه لما لم يرد فى القرآن صريحا،
ولا فى السنة نص ظاهر يعتمد عليه فى حكم هذه المسألة تجاذبها العلماء، فمن تمسك
٧٦
بالبراءة الأصلية قال: لا يلزمه شىء، ومن قال إنها يمين أخذ بظاهر قوله تعالى ﴿قَدْ فَرَضَ
اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] بعد قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ
لَكَ﴾ ومن قال: تجب الكفارة، وليست بيمين بناه على أن معنى اليمين التحريم، فوقعت
الكفارة على المعنى، ومن قال: تقع به طلقة رجعية حمل اللفظ على أقل وجوهه الظاهرة،
وأقل ما تحرم به المرأة طلقة تحرم الوطء ما لم يرتجعها، ومن قال بائنة فلاستمرار
التحريم بها، ما لم يجدد العقد، ومن قال: ثلاث حمل اللفظ على منتهى وجوهه، ومن قال:
ظهار نظر إلى معنى التحريم وقطع النظر عن الطلاق، فانحصر الأمر عنده فى الظهار.اهـ
هذا كله إذا قال لزوجته الحرة. أما إذا قاله للأمة فمذهب الشافعى أنه إن نوى عتقها عتقت، وإن
نوى تحريم عينها لزمه كفارة يمين، ولا يكون يمينا، وإن لم ينو شيئا وجب كفارة يمين على الصحيح
من المذهب. وقال مالك: هذا فى الأمة لغو، لا يترتب عليه شيء، قال القاضى: وعامة العلماء عليه
كفارة يمين بنفس التحريم، وقال أبو حنيفة: يحرم عليه ما حرمه من أمة وطعام وغيره، ولا شىء عليه
حتى يتناوله، فيلزمه حينئذ كفارة يمين، وأم الولد كالأمة فيما ذكرناه.
ثم قال النووى: ومذهب مالك والشافعى والجمهور أنه إن قال: هذا الطعام حرام على، أو هذا
الماء، أو هذا الثوب، أو دخول البيت، أو كلام زيد، وسائر ما يحرمه غير الزوجة والأمة، يكون هذا لغوا،
لا شىء فيه، ولا يحرم عليه ذلك الشىء، فإذا تناوله فلاشيء عليه.
وقال البخارى: ليس الذى يقول لامرأته: أنت على حرام كالذى يحرم الطعام، لأنه لا يقال للطعام
الحل: حرام، ويقال للمطلقة حرام. اهـ
وقد ذهب أحمد إلى التسوية بين تحريم الطعام ونحوه وبين قوله لزوجته، فعليه فى
الجميع كفارة يمين.
النقطة الثالثة: ظاهر قول ابن عباس فى الرواية الرابعة والخامسة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَّةٌ﴾ بعد قوله ((إذا حرم الرجل عليه امرأته فهى يمين يكفرها)» أن ابن عباس يرى أن سبب
نزول أول سورة التحريم، تحريم مارية.
وظاهر الرواية السادسة أن سبب نزول أول سورة التحريم شرب العسل عند زينب بنت جحش،
ففى آخره ((ولن أعود)) وفى رواية للبخارى ((ولن أعود له وقد حلفت))
وعند سعيد بن منصور، بإسناد صحيح إلى مسروق : ((حلف رسول اللّه * لحفصة لا يقرب
أمته، وقال: هى على حرام، فنزلت كفارة ليمينه، وأمر أن لا يحرم ما أحل اللَّه))
وأخرج الضياء فى ((المختارة)) عن عمر قال: قال رسول الله:﴿ لحفصه: لا تخبرى
أحدا أن أم إبراهيم على حرام. قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل اللَّه ﴿قَدْ فَرَضَ
اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.
وأخرج الطبرانى فى عشرة النساء وابن مردويه عن أبى هريرة ظه قال: دخل رسول اللّه *
٧٧
بمارية بيت حفصة [كان رسول اللّه ﴿ قد أسكن)) مارية)) جاريته بيتا فى عوالى المدينة، ونكحها
بملك اليمين، فولدت له إبراهيم، ولم يكن يقسم لها مع نسائه، لأنها جارية، لاحق لها فى القسم،
وجاءت من عوالى المدينة لحاجة، وكان بيت حفصة خاليا فى هذا الوقت، فدخل بمارية فيه]
فجاءت، فوجدتها معه، فقالت: يارسول الله، فى بيتى؟ تفعل هذا معى دون نسائك؟ الحديث.
والطبرانى عن ابن عباس قال: ((دخلت حفصة بيتها، فوجدته يطأ مارية، فعاتبته ... الحديث.
وروى النسائى عن أنس هذه القصة مختصرة ((أن النبى # كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به
حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل اللَّه تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية.
قال الحافظ ابن حجر: هذه الطرق يقوى بعضها بعضا، فيحتمل أن تكون الآية نزلت فى السببين
معا.اهـ وسواء أكان هذا هو السبب أو ذاك فإن النتيجة أن النبى 8 حرم على نفسه شيئا أحله الله
له، وتحريم الحلال على وجهين.
الأول: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه، وهو كاعتقاد ثبوت حكم التحليل فى الحرام، وهو محظور،
يوجب الكفر، فلا يمكن صدوره من المعصوم أصلا، وقد رّل الزمخشرى، فزعم أن ما وقع منه صلى اللّه
عليه وسلم من تحريم الحلال المحظور، لكنه غفرله صلى الله عليه وسلم، وقد شن عليه العلماء غارة
كبرى من التشنيع.
الثانى: الامتناع من الحلال مطلقا من غير حلف، أو مؤكدا بالحلف، مع اعتقاد حله، وهذا مباح
صرف، وحلال محض، ولوكان ترك المباح والامتناع منه غير مباح لاستحالت حقيقة الحلال، فإن
أصل الحلال أن يفعل أو يترك. وما وقع منه صلى الله عليه وسلم كان من هذا النوع، وإنما عاتبه الله
عليه رفقا به، وتنويها بقدره، وإجلالا لمنصبه صلى الله عليه وسلم أن يراعى مرضاة أزواجه على
حساب نفسه، وبما يشق عليه. وفى وقوع الحلف منه على ذلك خلاف.
ومعنى ﴿قَدْ فَرَضِ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أى قد شرع لكم تحليلها، وهو حل ما عقدته الأيمان
بالكفارة. ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَرْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ هو. شريت عسلا عند زينب ولن أعود له. وقد
حلفت. لا تخبرى بذلك أحدًا. أو هو: قد حرمت مارية على نفسى، واكتمى على. ﴿فَلَّمَّا نَبَّأَتْ بهِ﴾ أى
فلما أخبرت عائشة حفصة بالحديث، أو فلما أخبرت حفصة عائشة بالحديث، وكانتا متصادقتين
﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ وأطلعه على إفشاء السر ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْض﴾ أعلم مفشية السر أنه
علم بعض ما أفشى، وأخفى أنه علم كل ما أفشى. تكرماً منه صلى الله عليه وسلم وتخفيفا من خجلها
﴿فَلَّمَّا نَبَّأَهَا بهِ﴾ أى بما أراد مما عرف ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكّ هَذَا﴾؟ تظن أن أختها فضحتها وكشفت
سرها. ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ قيل: إن السركان مكونا من جزأين. تحريم العسل أو مارية،
والإخبار بأن أبا بكر وعمر سيليان الأمر بعده، فعاتب عن الأول، وأعرض عن الثانى مخافة أن يفشو
﴿إِنْ تَتُويَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أى فقد أديتما ما وجب عليكما، والخطاب لعائشة وحفصة
على الصحيح ﴿وَإِنْ تَظَاهَرًا عَلَيْهِ﴾ أى وإن تتعاونا عليه بما يسوؤه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِدْرِيلُ وَصَالِحُ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لَّهِيرٌ﴾.
٧٨
ويؤخذ من الحديث
١- ما جبل عليه النساء من الغيرة، وأن الغيراء تعذر فيما يقع منها من الاحتيال، فيما يدفع عنها
ترفع ضرتها عليها بأى وجه كان. كذا قال الحافظ ابن حجر، وفيه نظر، لأن القصة لم تعذر، بل
عاتبت، بل عاقبت، لأن قدرهن عظيم. قال الكرمانى: هذا من مقتضيات الغيرة الطبيعية للنساء،
· وهو صغيرة، معفو عنها، مكفرة.
٢- استنبط منه البخارى كراهية احتيال المرأة مع الزوج والضرائر.
٣- أن الاحتيال غالبا فيه تعريض بالكذب. قال ابن المنير: إنما ساغ لهن أن يقلن: أكلت مغافير؟
لأنهن أوردنه على طريق الاستفهام، بدليل جوابه بقوله ((لا)) وأردن بذلك التعريض، لاصريح
الكذب، فهذا وجه الاحتيال التى قالت عائشة ((لنحتالن له)) ولو كان كذبا محضا لم يسم حيلة، إذ
لا شبهة لصاحبه.اهـ وهذا كلام جيد يفسر كونهن ارتكبن مكروها، ولم يرتكبن محرما.
٤- وفيه الأخذ بالحزم فى الأمور، وترك ما يشتبه الأمر فيه من المباح، خشية الوقوع فى المحذور. قاله
الحافظ ابن حجر.
٥- وفيه ما يشهد بعلو مرتبة عائشة عند النبى 8 حتى كانت ضرتها تهابها، وتطيعها فيما تأمرها
به، حتى فى مثل هذا الأمر مع الزوج، الذى هو أرفع الناس قدرا.
٦- وفيه إشارة إلى ورع سودة، لما ظهر منها من التندم على ما فعلت، لأنها وافقت أولا على دفع ترفع
حفصة عليهن بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل، ورأت أن التوصل إلى بلوغ المراد ذلك، لحسم
مادة شرب العسل الذى هو سبب الإقامة، لكن أنكرت بعد ذلك أن يترتب عليه منع النبى 8# من
أمركان يشتهيه، وهو شرب العسل، مع ما تقدم من اعتراف عائشة الآمرة لها بذلك فى صدر
الحديث، فأخذت سودة تتعجب مما وقع منهن فى ذلك، ولم تجسر على التصريح بالإنكار، ولا
راجعت عائشة بعد ذلك لما قالت لها: اسكتى، بل أطاعتها وسكتت، لما تقدم من اعتذارها فى
أنها كانت تهابها، وإنما كانت تهابها لما تعلم من مزيد حب النبى و لها أكثر منهن، فخشيت
إذا خالفتها أن تغضبها، وإذا أغضبتها لا تأمن أن تغير عليها خاطر النبى ®، ولا تحتمل ذلك.
فهذا معنى خوفها منها. كذا قال الحافظ ابن حجر، وهو كلام حسن فى تلمس الاعتذار عن سودة
رضي الله عنها لكن لا يدل على ورعها، وورعها ثابت بغير هذا، وإن دل قولها ((لقد حرمناه)) على
شيء فإنما يدل على إشفاقها عليه صلى الله عليه وسلم وندمها لا يعتبر ورعا، بل يرجى به أن
يمحو الصغيرة، ولعله أدى مهمته، فهى لم تدخل فى المتظاهرتين المعاتبتين بالقرآن الكريم.
٧- وفيه أن عماد القسم الليل. وأن النهار يجوز الاجتماع فيه بالجميع، لكن بشرط ألا تقع المجامعة
إلا مع التى هى صاحبة النوبة.
٨- وفيه استعمال الكنايات فيما يستحيا من ذكره، لقولها)) فيدنو منهن)) والمقصود التقبيل ونحوه.
٩- وفيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق، وأن ذلك لا ينافى الزهد والمراقبة.
١٠- وفيه حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وصبره وحلمه وجميل معاشرته لأزواجه.
وللحديث علاقة بالحديث الآتى.
٧٩
(٣٩٧) باب تخيير الرجل امرأته لا يكون طلاقاً إلا بالنية
٣٢٥٦- ٢٢- عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللّه عَنْهَا (٢٢) قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َ بِتَخِْيرِ أَزْوَاجِهِ
بَدَأَ بِي. فَقَالَ «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا. فَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكٍ» قَالَتْ:
قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَائِي بِفِرَاقِهِ. قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَالَّ قَالَ ﴿يَا أَيُّهَا
النّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِن كُنَّ تُرِذِنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتْهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّ حُكُنَّ سَرَاحًا
جَمِيلا" وَإِن كُنَّ تُرِذِنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهِ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا
عَظِيمًا﴾﴾ قَالَتْ فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبُوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ.
قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِلِ﴿ مِفْلَ مَا فَعَلْتُ.
٣٢٥٧ - ٣ ٢ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْهَا (٢٣) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يَسْتَأْذِنْنَا. إِذَا كَانٌ
فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ مَا نَزَلَتْ ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ فَقَالَتْ لَّهَا
مُعَاذَّةُ: فَمَا كُنْتِ تَقُولِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ لَّ إِذَا اسْتَأْذَنَكِ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ: إِن كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ
لَمْ أُوثِرْ أَحَدًا عَلَى نَفْسِي.
٣٢٥٨- ٢٤ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْهَا (٢٤) قَالَتْ: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ
فَلَمْ تَعُدَّهُ طَلاقًا.
٣٢٥٩- ٢٥- عَنْ مَسْرُوقٍ(٢٥) قَالَ: مَا أُبَالِي خَيَّرْتُ امْرَأَتِي وَاحِدَةً أَوْ مِائَةٌ أَوْ أَلْفًا. بَعْدَ أَنْ
تَخْتَارَبِي. وَلَقَدْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِعَلِ أَفَكَّانْ طَلاقًا؟.
٣٢٦٠- ٦ ﴿ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْهَا (٢٦): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ خَيَّرَ بِسَاءَهُ فَلَمْ
يَكُنْ طَلاقًا.
(٢٢) وَحَدَّتِي أَبُو الطّاهِرِ. حَدْنَا ابْنُ وَهْبٍ حِ وحَّدَّتِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى النَّجِيِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ. أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَتِي
يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عْنِ أَبْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمِّنِ بْنِ غَوَّفٍ أَنَ عَائِشَةً قَالَتْ
(٢٣) حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَبَّدُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ مُعَاذَةٌ الْعَدَوِيَّةِ عَنْ عَائِشَةً
- وحَدََّاهُ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى أَخْبُرَنَّا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْيُرُّنًا عَاصِمٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
(٢٤) حَدَّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِىِ التَّعِيمِيُّ أَخْبَرْنَا عَبْفَرٌ عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةً
(٢٥) وَحَدََّاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةٌ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسَّهِرٍ عَنْ إِسْمَعِيْلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ غَنِ الشَّعْبِيِّ عَنَّ مَسْرُوقٍ
(٢٦) حَدَّقََّا مُحَمَّدُ بْنَّ بَشَارٍ حَدَّقَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدََّنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَشْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةً
٨٠