Indexed OCR Text
Pages 441-460
٢٩٥٥ - ٤٧٧ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، مَوْلَى الْمَهْرِيّ(٤٧٧) أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،
لَيَالِيَ الْحَرَّةِ، فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ.
وَأَخْبَرَهُ أَنْ لا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلأُوَائِهَا. فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! لا آمُرُكَ
بِذَلِكَ. إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «لا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لِأَوَائِهَا فَيَمُوتَ، إِلا
كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا كَانَ مُسْلِمًا».
٢٩٥٦ - ٤٧/٢٨ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَ(٤٧٨) أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِوَهِ يَقُولُ «إِنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ
لاَبَّيِ الْمَدِينَةِ. كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ» قَالَ: ثُمَّ كَان أَبُو سَعِيدٍ يَأْخُذُ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِدُ)
أَحَدَنَا فِي يَدِهِ الطَّيْرُ، فَيَفْكُّهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ.
٢٩٥٧ - ٤٣٤٩ عَنْ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ عَ﴾(٤٧٩)، قَالَ: أَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّبِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ
فَقَالَ «إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ».
٢٩٥٨ - ٤٨٣٠ْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهِ عَنْها (٤٨٠) قَالَتْ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِئَةٌ.
فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ وَاشْتَكَى بِلالٌ. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ْ شَكْوَى أَصْحَابِهِ قَالَ
«اللَّهُمَّا حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَيْتَ مَكْةَ أَوْ أَشَدَّ. وَصَحِّحْهَا. وَبَارِكْ لَنَا فِي
صَاعِهَا وَمُدِّهَا. وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ».
٢٩٥٩ - ١١لٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا (٤٨١)، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «مَنْ
صَبْرَ عَلَى لِأُوَائِهَا، كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٢٩٦٠ - ٤/٢َ عَنْ يُخَنِّسَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ (٤٨٢): أَنْهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي
الْفَِّةِ. فَأَتَنْهُ مَوْلاةٌ لَهُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! اشْتَدَّ عَلَيْنَا
الزَّمَاثُ. فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ: اقْعُدِي. لَكَاعٍ! فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ «لا يَصْبِرُ عَلَى
لأُوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ، إِلا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
(٤٧٧) وحَدََّنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدََّا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ
(٤٧٨) حَدَّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَّنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِيَ أُسَامَةً وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ وَابْنِ ثُمّيْرٍ
قَالا حَدََّا أَبُو أُسَّاعَةً عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ حَدَّثَتِي سَعِيدٌ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ خَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهُ
عَنْ أَبي سَعِيدٍ
(٤٧٩) وخَّدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يُسِيْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ
(٤٨٠) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِّي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَأَمٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ
- وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَنَّبٍ خَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرِ عَنْ هِشَامٍ بَنِ عُرْوَةً بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ
(٤٨١) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا عِيسَىَ بْنُ حَفْصَِ بْنِ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٤٨٢) حَدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ يَخْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عُوَيْمَرِ بْنِ الْأَجْدَعِ عَنْ يُحَنّسَ مَّوْلَى الزُّبَيْرِ
٤٤١
٢٩٦١ - ٤٨١٣َ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا (٤٨٣)، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ «مَنْ صَبَرَ عَلَى لأُوَائِهَا وَشِدَّتِهَا، كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ (يَعْنِي الْمَدِينَةَ».
٢٩٦٢ - ٤٨٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً حَُّ(٤٨٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّ قَالَ «لا يَصْبِرُ عَلَى لأُوَاءِ الْمَدِينَةِ
وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي، إِلا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ شَهِيدًا».
٢٩٦٣ -- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِفَهِ: «لا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لأُوَاءِ الْمَدِينَةِ».
٢٩٦٤ - ٤٨٥ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَهُ(٤٨٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ
مَلائِكَةٌ. لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلا الدَّجَّالُ».
٢٩٦٥ - ٤٨٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَُّ(٤٨٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ قَالَ «يَأْتِي الْمَسِيحُ مِنْ
قِيَلِ الْمَشْرِقِ. هِمَّتُهُ الْمَدِينَةُ. حَتَّى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ. ثُمَّ تَصْرِفُ الْمَلائِكَةُ وَجْهَهُ قِلَ
الشَّامِ. وَهُنَالِكَ يَهْلِكُ».
٢٩٦٦ - ٤٨٧ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَه(٤٨٧) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَالَ «يَأْنِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ
يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ! هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا
يَعْلَمُونَ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلا أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ. أَلا
إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ، تُخْرِجُ الْخَبِيثَ. لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَنِّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا. كَمَا يَنْفِي
الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ».
٢٩٦٧ - ٤٨ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَُّ (٤٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ
الْقُرَى. يَقُولُونُ يَخْرِبَ. وَهِيَ الْمَدِينَةُ. تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ».
(٤٨٣) وحَدِّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثْنَا ابْنُ أَبِي قُدَيْكٍ أَخْبُرَنَا الصَّحَّاكُ عَنْ قَطَنِ الْخُزَاعِيِّ عَنْ يُخَنْسَ مَوْلَى مُصْعَبٍ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمِرَ
(٤٨٤) وحَذََّا يَخْتِى بْنُ أَيُوبَ وَقْتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرِ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدََّا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنْ أَبِي هَارُونَ مُوسَى بْنَ أَبِي عِيسَى أَنَّهُ سَّمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظَ يَقُولُ سَمِعْتُ
أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ِ بِمِثْلِهِ
- وحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى حَدََّ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرِوَةً عَنْ صَالِحٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٤٨٥) حَدَّثَنَا يَخْتَى بْنُ يَحْنَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نُعَيْمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٤٨٦) وحَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنَّ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ أَخْبَرَبِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٤٨٧) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَغْنِي الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنِ الْعَلَاءِ عَنَّ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٤٨٨) وحَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِىأَ عَلَيْهِ عَنْ يَخْتَى بْنِ سَّعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحُبّابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُول
٤٤٢
٢٩٦٨ - - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ(٦) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالا: «كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ
الْخَبَثَ» لَمْ يَذْكُرًا «الْحَدِيدَ».
٢٩٦٩ - ٤٨١٣٩ْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا (٤٨٩): أَنَّ أَغْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ.
فَأَصَابَ الأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ. فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدًا أَقِلْنِي بَيْعَنِيٍ. فَأَتَّى رَسُولُ
اللّهِ وَ﴿ّ. ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَنِي. فَأَبَى. ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَنِي. فَأَبِى، فَخَرَجٌ
الأَغْرَابِيُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِفَ﴿ «إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرٍ. تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَحُ طِّهَا».
٢٩٧٠ - ٤٩٢٠ٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ◌َّ(٤٩٠) عَنِ النّبِيِّ﴿َ. قَالَ «إِنْهَا طَيَِّةُ (يَعْنِي الْمَدِينَةَ)
وَإِنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ».
٢٩٧١ - ٤٩١ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَ﴾ (٤٩١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «إِنَّ اللّهَ
تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةً».
٢٩٧٢ - لَيْءٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظِ (٤٩٢): أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ
أَبُو الْقَاسِمِ مَ ﴿ «مَنْ أَرَادَ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ بِسُوءٍ (يَعْنِي الْمَدِينَةَ) أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ
فِي الْمَاءِ».
٢٩٧٣ - ٤٩٣ْ عَنِ الْقَرَّاظَ (٤٩٣) (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ) يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ (يُرِيدُ الْمَدِينَةَ) أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ
فِي الْمَاءِ».
٢٩٧٤ -- قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ يُخِّسَ بَدَلَ قَوْلِهِ «بِسُوءِ»: «شَرًّا».
(-) وحَدَّثَنَا عَمْرٌو النّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالا
(٤٨٩) حَدَّثَنًا يَخْتَى بْنُ يُخْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِ
(٤٩٠) وحَدِّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ وَهُوَ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شَعْبَةُ عَنَ غَدِيٌّ وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
يَزِيدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ
(٤٩١) وحَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ بْنَّ سَعِيدٍ وَهَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً قَالُوا حَدَّثْنَا أَبُو الأَخْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً
(٤٩٢) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَإِبْرَاهِيمٌ بْنُ دِينَارٍ قَالا حَدَّثْنَا خَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثْنَا عَّدُ الرَّزَّاقِ
كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُخَنْسَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ الْقَرَّاظِ
(٤٩٣) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالا حَذَّقَا حَجَّاجٌ حِ وحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا عَن
ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَبِي عَمَّرُوَ بْنُ يَحْتَى بْنِ عُمَّارَةَ عَنِ الْقَرَّاظَ
- حَدَّثَنَا أَبْنُ أَبِي عُمَرٌ حَدَّثَا سُفْيَاهُ عَنْ أَبِي هَارُونَ مُوسَى بْنِ أَبِي عِيسَيٍ حِ وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثْنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ
مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرٍوَ جَمِيعًا سَمِعَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظَ سَمِعَ أَبَا هُرَّيْرَّةً عَنِ النّبِيِّ :﴿ بِمِثْلِهِ
٤٤٣
٢٩٧٥- ٤٩٤ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصِ مَّ(٤٩٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ «مَنْ أَرَادَ أَهْلَّ
الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ، أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ».
٢٩٧٦ - : عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ﴿(١١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ
«بِدَهْمٍ أَوْ بِسُوءِ».
٢٩٧٧ - ٤٩٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعْدٍ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمًا(٤٩٥) قَالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مِث:
«اللَّهُمَّا بَارِكْ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مُدِّهِمْ» وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ «مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ
اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ».
٢٩٧٨ - ١٢٦) عَنْ سُفْيَاتِ بْنِ أَبِي زُهَيْرِ صَلُ(٤٩٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ ﴿ّ هُفْتَحُ الشَّامُ.
فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِهِمْ. يَيْسُّونَ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. ثُمَّ تُفْتَحُ الْيَمَنُ.
فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِهِمْ يَبْسُّونَ. وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. ثُمَّ تُفْتَحُ الْعِرَاقُ
فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِهِمْ. يَيْسُّونَ. وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ».
٢٩٧٩- ٤٩٧ عَنْ سُفْيَاتَ بْنِ أَبِي زُهَيْرِ عَ﴾(٤٩٧) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِمَ﴿ يَقُولُ «يُفْتَحُ
الْيَمِنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ بَيْسُّونَ. فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ. وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا
يَعْلَمُونَ. ثُمَّ يُفْتَحُ الشَّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ بَيْسُونَ. فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ. وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ
لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ بَيْسُّونَ. فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ.
وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون».
٢٩٨٠ - ٤٢٩٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَُ(٤٩٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ:﴿، لِلْمَدِينَةِ «لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا
عَلَى خَيْرٍ مَا كَانَتْ مُذَلَِّةٌ لِلْعَوَافِي يَعْنِي السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ».
(٤٩٤) حَذََّا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ يَغْنِي ابْنَ إِسْمَعِيلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ نُبَيْهِ أَخْبَرَبِي دِينَارٌ الْقَرَّاظُ قَالَ: سَمِعْت سَّعْدٌ
ابن اُبي وقّاصٍ
(١٠) وَخَدِّثْنَا قُتْبَةٌ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ يَغْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ نُبَيْهِ الْكَعْبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظِ أَنْه
سَمِعَ سَعْدَ بْنَّ مَالِكٍ
(٤٩٥) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظِ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ
سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةً وَسَعْدٍا يقولان
(٤٩٦) حَدَّثََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبِيْرِ عَنْ سُفْيَادَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ
(٤٩٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ رَافِعٍ حَدََّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُّرَيْجٍ أُخْبُرَنِيَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بَنِ الزُّبِيْرِ عَنْ
سُفْيَانِ بْنِ آَبِي زُهْرِ
(٤٩٨) حَدَّثَنِيَ زْهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَذْتَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسِ بْنِ يَزِيدَ ح وحَدَّثَتِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَاللَّفْظُ لَهُ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ
أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنْهَ سَمَعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
قَالَ مُسْلِمٍ أَبُو صَفْوَانَ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ يَِّمُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَشْرَ سِنِينَ كَانَ فِي حَجْرِهِ
٤٤٤
٢٩٨١ - ٤١٩٤٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عٍَّ(٤٩٩) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «يَتْرُكُونَ
الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرٍ مَا كَانَتْ. لا يَغْشَاهَا إِلا الْعَوَافِي (يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ) ثُمَّ يَخْرُجُ
رَاعِيَانٍ مِنْ مُزَيْنَةً. يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ. يَنْعِقَائِ بِغَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنَّةَ الْوَدَاعِ،
خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا».
المعنى العام
فضل اللَّه تعالى بعض الأماكن على بعض، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدّى
لِلْعَالَمِينَ ﴾ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَّهُ كَانَ آمِنَّا﴾ [آل عمران: ٩٧،٩٦]. كان البيت في
مكة قبل ابراهيم عليه السلام، فاندثر وضاعت معالمه وآثاره، وبوأ الله لإبراهيم مكان البيت، فأعاد
بناءه، وطلب من ربه تجديد قدسيته وميزاته، ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنَّا﴾ [إبراهيم: ٣٥]. آمنا لبنى
آدم، وآمنا لكل ذي روح، واستجاب الله دعاء إبراهيم، فحرم جل شأنه صيد الحرم، وسفك الدم فيه،
وحرم قطع شجره.
ولئن كانت مكة أحب البلاد إلى رسول اللَّه ◌َ باعتبارها مولده ونشأته ووطنه الأول إلا أن
المدينة آوته ونصرته ونشرت دينه، وكان فيها ومنها ربيع الإسلام، رجع إليها# بحنان ورغبة
صادقة وحب أكيد بعد فتح مكة، وكانت مكافأته لهذه البلدة الكريمة أن دعا ربه لها أن يجعلهاحراما
كمكة، فقال : اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإنى عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة وإني
أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه. اللهم بارك لأهل المدينة في مدينتهم ومكيالهم
وموازينهم ومقاييسهم وجميع مقاديرهم، بركة مع بركة. فأجاب الله دعاءه، فأخبر أمته فقال {﴿®: إنى
حرمت المدينة بأمر الله كما حرم إبراهيم مكة، حرمتها بحدودها المعروفة، ما بين جبليها، حرمتها
وما يقرب من اثنى عشر ميلا حولها، لا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يسفك فيها دم من أحدث
فيها حدثا، أو أتى فيها بظلم، أو آوى ظالماً فهو مطرود من رحمة الله، وعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين، لا يقبل اللَّه منه عملا صالحا، وذمة المسلمين واحدة، يجير أدناهم كما يجير أعلاهم،
لافضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. وقال.
لقد دعوت اللَّه أن يحبب إلينا المدينة، وأن يصحح أهلها من الأوبئة وعلى سكانها الصبر على
شدتها لأكون شفيعا وشهيدا لهم يوم القيامة.
لقد دعوت اللَّه تعالى أن يحرسها، فلن يدخلها الطاعون ولا الدجال وستنفى خبثها، وتخرج
الفجرة من سكانها، فحافظوا على البقاء فيها، فمن خرج منها غير راغب فيها عوضها الله بخير منه
إنها طيبة، من أرادها بسوء قصمه الله وأهلكه وأذابه كما يذوب الملح في الماء.
(٤٩٩) وحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي
سَعِيدُ ابْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ
٤٤٥
ستجدون رخاء في مدن كثيرة غيرها، فلا يغرنكم هذا الرخاء لتهاجروا إليه منها، فالمدينة خير
.
لكم إن كنتم تعلمون.
المباحث العربية
(إن إبراهيم حرم مكة) سبق أن تحريم مكة كان من اللَّه تعالى يوم خلق السموات والأرض،
فالمراد من تحريم إبراهيم عليه السلام لها تجديد التحريم بعد اندراسه من الخلق بسبب طول العهد،
وحتى تجديد التحريم هو من اللَّه، فإبراهيم رسول لا يحلل ولا يحرم، وإنما يبلغ تحريم اللّه، ولهذا
يقول النووي: إنه حرمها بأمر الله تعالى له بذلك، لا باجتهاده [أي بلغ تحريمها للناس] فلهذا أضاف
التحريم إليه تارة، وإلى الله تعالى تارة أخرى، وقيل: إنه عليه السلام دعا لها، فحرمها الله تعالى
بدعوته [أي فهو سبب تجديد التحريم] فنسب التحريم إليه.
(وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة) تحريم المدينة مبتدأ، ليس كتحريم مكة
على لسان إبراهيم، والمحرم أيضا للمدينة اللَّه تعالى، كما سبق، وإضافته إلى الرسول و﴿ إما لأنه
مبلغ، ويؤيده ما جاء عند أحمد عن ابن عمر أن رسول اللَّه﴿ قال ((إن الله عز وجل حرم على لسانى
ما بين لا بتى المدينة)» وإما لأنه السبب، دعا ربه فأجابه، وهذا هو وجه الشبه، والمحرم في المدينة
قطع الشجر، وتنفير الصيد، واللقطة، وتغليظ عقوبة المسىء فيها. كما سيأتي.
وفي الرواية الثانية ((وإني أحرم مابين لابتيها)) تثنية ((لابة)) بتخفيف الباء وهي الأرض الملبسة
حجارة سوداء، يقال: لا بة، ولوبة، ونوبة بالنون، ثلاث لغات مشهورات، وجمع اللابة في القلة
لابات، وفي الكثرة لاب ولوبة. وللمدينة لا بتان لابة في الجنوب. ولابة في الشمال، وهي بينهما وقيل:
لابة في المشرق، ولابة في المغرب. قال النووي: معناه تحريم اللابتين وما بينهما.اهـ. فاللابتان
داخلتان في التحريم.
وفي الرواية الثالثة عشرة ((مابين عير إلى ثور)) قال النووي: أما ((عير)) بفتح العين وإسكان الياء،
وهو جبل معروف، قال الزبير ((عير جبل بناحية المدينة، وقال القاضي: أكثر الرواة في كتاب
البخاري ذكروا ((عيراً)) وأما ((ثور)) فمنهم من كنى عنه بـ))كذا)) ومنهم من ترك مكانه بياضاً، لأنهم
اعتقدوا ذكر ((ثور)) هنا خطأ. قال المازري: قال بعض العلماء: ذكر ((ثور)) هنا وهم من الراوي، وإنما
((ثور)) جبل بمكة، قال: والصحيح ((إلى أحد)). قال القاضى: وكذا قال أبو عبيد أصل الحديث ((من
عير إلى أحد)) قال النووي: هذا ما حكاه القاضى، وكذا قال أبوبكر الحازمي الحافظ وغيره من الأئمة،
أن أصله ((من عير إلى أحد)) قال النووي: قلت: ويحتمل أن ثورا كان اسما لجبل هناك، إما أحد، وإما
غيره، فخفى اسمه.اهـ. وقد أطال الحافظ ابن حجر في تتبع هذا الخلاف، ومال في النهاية إلى ما
مال إليه النووي.
وفي الرواية التاسعة عشرة ((مابين مأزميها)) تثنية ((مأزم)) بكسر الزاي، وهو الجبل، وقيل:
٤٤٦
المضيق بين الجبلين ونحوه، قال النووي: والأول هو الصواب هنا، والمعنى: ما بين جبليها.اهـ وهو
لفظ الرواية الثامنة، وفي الرواية السادسة عشرة تحديد المسافة بالأميال، وفيها ((وجعل اثنى عشر
ميلا حول المدينة حمى)) وعند أحمد عن جابر ((وأنا أحرم المدينة ما بين حريتها)) والحرة بفتح
الحاء وتشديد الراء، أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت، وتطلق على موضع بظاهر المدينة تحت
جبل واقم، وبها كانت وقعة الحرة، أيام يزيد بن معاوية.
قال الحافظ ابن حجر: وادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب، لأنه وقع في رواية ((ما بين
جبليها)) وفي رواية ((ما بين لابتيها)) وفي رواية ((ما بين مأزميها)) وتعقب بأن الجمع واضح، ويمثل
هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة، فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح، ولا شك أن رواية ((ما بين
لابتيها)) أرجح، لتوارد الرواة عليها، ورواية ((جبليها)) لا تنافيها، فيكون عند كل ((لابة)) جبل، أولابتيها
من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة الشرق والغرب، وتسمية الجبلين في بعض الروايات لا
تضر، والمأزم الجبل.
(وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي مادعا به إبراهيم لأهل مكة) أي دعوت اللَّه
بالبركة في مكيالها، بركة ضعف البركة التي دعا بها إبراهيم لأهل مكة، وفي الروية الثامنة ((اللَّهم
بارك لهم في مدهم، وصاعهم)) وفي الرواية الحادية عشرة ((اللّهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في
صاعهم، وبارك لهم في مدهم)) فعطف الصاع والمد على المكيال من عطف الخاص على العام، والمراد
البركة فيما يكال.
وفي الرواية الثانية عشرة ((اللّهم اجعل بالمدينة ضعفى ما بمكة من البركة)) وهذه الرواية أعم من
الروايات السابقة، فهي لا تقتصر على المكاييل، بل تعم الموازيين والمقاييس والمعدودات وغيرها،
والمراد من الضعفين المثلان، فإن الضعف قد يطلق على المثل.
وفي الرواية السابعة عشرة ((اللَّهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا،
وبارك لنا في مدنا .... وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه)).
وفي الرواية الثامنة عشرة ((اللَّهم بارك لنا في مدينتنا، وفي ثمارنا، وفي مدنا، وفي صاعنا، بركة
مع بركة)). وفي الرواية المتممة للعشرين ((واجعل مع البركة بركتين)) أي اجعل معها بركة أخرى
لتصير بركتين، أو اجعل مع البركة في هذا الشيء بركتين في ذاك الشيء.
وفي ملحق الرواية الأولى ((مثل ما دعا به إبراهيم)) أي وزيادة. فإن الدعاء بالمثل لا يمنع بمثلين،
فقد يكون دعا بمثل أولا، ثم دعا بالمثلين.
(وذلك عندنا في أديم خولانى) أي وذلك التحريم مكتوب عندنا في صحيفة من أديم، والأديم
هنا الجلد .
(لا يقطع عضاها، ولا يصاد صيدها) وفي الرواية الخامسة ... ((أن يقطع عضاها، أويقتل
٤٤٧
صيدها ... )) في الرواية التاسعة عشرة ((أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط
فيها شجرة إلا لعلف)) قال النووي: ((العضا)) بالقصر وكسر العين وتخفيف الضاد كل شجر فيه شوك،
واحدتها عضاهة، وعضيهة.
(وقال: المدينة خيرلهم لوكانوا يعلمون) أي لوكانوا يعلمون أن المدينة خيرلهم
ماتركوها، قال # هذا عن قوم سيتركون المدينة إلى غيرها، رغبة في الرخاء، ففي الرواية الواحدة
والثلاثين («يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه - أي من يهمه أمره - هلم إلى الرخاء.
هلم إلى الرخاء. والمدينة خيرلهم لوكانوا يعملون)) وفي الرواية التاسعة والثلاثين ((يفتح الشام،
فيخرج من المدينة قوم بأهليهم يبسون)) . بفتح الياء، وضم الباء وكسرها، أي يسوقون دوابهم، والبس
سوق الإبل. قال الداودي: معناه يزجرون دوابهم، فيبسون ما يطؤونه من الأرض من شدة السير،
فيصير غباراً، قال تعالى ﴿وَبُسَّتْ الْجَبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]. أي سالت سيلاً، وقيل: سارت سيراً،
وقال ابن عبدالبر: وروى ((يبسون)) بضم أوله وكسر ثانيه، من الرباعي، من أبس إبساسا، ومعناه
يزينون لأهليهم البلد التى يقصدونها، وإلى هذا ذهب ابن وهب، وكذا رواه ابن حبيب، وفسره بنحوه،
وأنكر الأول غاية الإنكار. قال النووي: والصواب أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملا
بأهله، باسا في سيره، مسرعا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة ((والمدينة خيرلهم لوكانوا يعلمون))
وفي الرواية المتممة للأربعين ((يفتح اليمن، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم)) قال
الحافظ ابن حجر: وعلى هذا فالذين يتحملون غير الذين يبسون، كأن الذي حضر الفتح أعجبه حسن
البلد المفتوحة ورخاؤها، فدعا قريبه إلى المجىء إليها، فيتحمل المدعو بأهله وأتباعه، أي يحملهم
((والمدينة خيرلهم لو كانوا يعلمون)) أي لوكانوا يعلمون فضل الصلاة والعبادة فيها، وثواب الإقامة
بها، أو المعنى لو كانوا من أهل العلم، ففيه تجهيل لمن يفارقها، ويؤثر غيرها عليها، والمراد بهم
الخارجون من المدينة رغبة عنها، كارهين لها، أما من خرج لحاجة أو تجارة أوجهاد أونحو ذلك
فليس بداخل في معنى الحديث، يؤكد هذا المعنى ما جاء في الرواية الواحدة والثلاثين بلفظ ((لا
يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف اللَّه فيها خيرا منه)).
(لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه) هذه بشرى للمدينة، ومن
فيها، وليس في هذه العبارة ذم الخارجين منها رغبة عنها، إنما الذم ما جاء في الرواية الواحدة
والثلاثين، بقوله ((ألا إن المدينة كالكير، تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها،
كما ينفى الكير خبث الحديد)) وفي الرواية الثانية والثلاثين ((تنفى الناس، [أي شرارهم] كما ينفى
الكير خبث الحديد)» وفي ملحقها ((كما ينفى الكير الخبث)) وفي الرواية الثالثة والثلاثين ((إنما
المدينة كالكير، تنفى خبثها، وينصح طيبها)) وفى الرواية الرابعة والثلاثين ((وإنما تنفى الخبث، كما
تنفى النار خبث الفضة)» فهذه الروايات تدمغ الخارجين منها رغبة عنها بأنهم خبث، وفى ذلك من
التنفير مافيه.
(ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها) اللأواء بالمد الشدة والجوع، والجهد بفتح الجيم هو
٤٤٨
المشقة. قال النووى: وفى لغة قليلة بضم الجيم، وأما الجهد بمعنى الطاقة فبضمها على المشهور،
وحكى فتحها. وفى الرواية الواحدة والعشرين ((لايصبر أحد على لأوائها فيموت)) وفى الرواية
السادسة والعشرين ((لايصبر على لأوائها وشدتها أحد)) وفى الرواية السابعة والعشرين ((من صبر على
لأوائها وشدتها)) وفى الرواية الثامنة والعشرين ((لايصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتى)).
( إلا كنت له شفيعا- أو شهيدا - يوم القيامة) قال النووى: قال القاضى عياض: قال
بعض شيوخنا: ((أو)) هنا للشك، والأظهر عندنا أنها ليست للشك، لأن هذا الحديث رواه جابر ابن عبد
اللَّه وسعد بن أبى وقاص وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وأسماء بنت عميس وصفية بنت أبى عبيد
عن رسول اللَّه ◌َ ل بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك، وتطابقهم فيه على صيغة
واحدة، بل الأظهر أنه صلى الله عليه وسلم قال هكذا، فإما أن يكون أعلم بهذه الجملة هكذا، وإما أن
يكون ((أو)) للتقسيم، ويكون ((شهيدا)) لبعض أهل المدينة، وشفيعاً لبقيتهم، إما شفيعاً للعاصين،
وشهيدا للمطيعين، وإما شهيداً لمن مات فى حياته، وشفيعا لمن مات بعده، أو غير ذلك. قال
القاضى: وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين فى القيمة، وعن شهادته على جميع
الأمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم فى شهداء أحد: أنا شهيد على هؤلاء. فيكون لتخصيصهم بهذا كله
مزيد أو زيادة منزلة وحظوة. قال: وقد يكون ((أو)) بمعنى الواو، فيكون لأهل المدينة شفيعا وشهيداً،
قال: وقد روى ((إلا كنت له شهيداً أوله شفيعاً)) قال: وإذا جعلنا ((أو)) للشك - كما قال المشايخ -
فإن كانت اللفظة الصحيحة ((شهيدا)) اندفع الاعتراض، لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة المجردة،
وإن كانت اللفظة الصحيحة ((شفيعاً)) فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ماجاء من عمومها
وإدخارها لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة التى هى لإخراج أمته من النار، ومعافاة
بعضهم منها بشفاعته صلى الله عليه وسلم فى القيامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة
الدرجات، أو تخفيف الحساب، أو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة،
كإيوائهم إلى ظل العرش، أو كونهم فى ردح وعلى منابر، أو الإسراع بهم إلى الجنة، أو غير ذلك من
خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض. والله أعلم.
(ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله فى النار ذوب الرصاص، أو ذوب
الملح فى الماء) وفى الرواية السادسة والثلاثين ((من أراد أهل هذه البلدة بسوء - يعنى المدينة -
أذابه اللَّه كما يذوب الملح فى الماء)) قال القاضى: قد يكون المراد من أرادها فى حياة النبى وقلم
كفى المسلمون أمره، واضمحل كيده، كما يضمحل الرصاص فى النار، وقد يكون فى اللفظ تأخير
وتقديم، أى أذابه الله ذوب الرصاص فى النار، ويكون ذلك لمن أرادها فى الدنيا فلا يمهله الله، ولا
يمكن له سلطان، بل يذهبه عن قرب، كما انقضى شأن من حاربها أيام بنى أمية، مثل مسلم بن
عقبة، فإنه هلك فى منصرفه عنها، ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله، على إثر ذلك، وغيرهما ممن صنع
صنيعهما، وقيل: قد يكون المراد من كادها اغتيالاً وطلباً لغرتها فى غفلة فلا يتم له أمره، بخلاف من
أتى ذلك جهاراً.
٤٤٩
(فوجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه فسلبه) معنى سلب الصائد وقاطع الشجر والكلأ فى
المدينة، أى تؤخذ ثيابه، وجميع ما عليه إلا ما يستر العورة، وقطع الجمهور أنه يسلب كسلب القتيل
من الكفار، فيؤخذ فرسه وسلاحه، ونفقته وغير ذلك مما يدخل فى سلب القتيل، ولصالح من يؤخذ
هذا السلب؟ ثلاثة أقوال عند الشافعية، أصحها للسالب، وهو الموافق للحديث، والثانى لمساكين
المدينة، والثالث لبيت المال.
(نفلنيه رسول اللَّه ◌َ ﴿) بفتح النون وتشديد الفاء المفتوحة، كذا ضبطه الأصل، وفى تاج
العروس بتخفيف الفاء، يقال: نفل الإمام الجند جعل لهم ماغنموا، والنافلة الغنيمة.
(وقال فى الحديث ... ) الحديث فى البخارى فى كتاب الجهاد - باب من غزا بصبى للخدمة،
وكان أنس ظه يحكى قصة رجوعهم من خيبر.
(هذا جبل يحبنا ونحبه) قال النووى: الصحيح المختار أن معناه أن أحداً يحبنا
حقيقة، أى جعل اللَّه تعالى فيه تمييزا يحب به، كما قال سبحانه وتعالى ﴿وَإِنَّ مِن
الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَبَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ.
مِنْ خَشِيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]. وكماَ حَنَّ الجذع اليابس، وكما سبح الحصى، وكما فر الحجر
بثوب موسى صلى الله عليه وسلم، وكما قال صلى اللَّه عليه وسلم: ((إنى لأ عرف حجرا
بمكة كان يسلم علىّ))، وكما قال سبحانه وتعالى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا
تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. قال النووي: وهذا وما أشبهه ما اخترناه واختاره
المحققون فى معنى الحديث، وأن أحدا يحبنا حقيقة، وقيل: المراد يحبنا أهله، فحذف
المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وسيأتى قريبا بقية مباحثه فى باب فضل جبل أحد.
(فمن أحدث فيها حدثا - ثم قال لى: هذه شديدة) قال القاضى: معناه من أتى فيها إثما
وظلما.اهـ ومعنى ((هذه شديدة)) أى هذه الجريمة شديدة وعقوبتها شديدة.
(من أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) في
الرواية الثالثة عشرة والرابعة عشرة ((أو آوى محدثاً)) قال القاضى: معناه من أتى فيها إثماً،
أو آوى من أتاه وضمه إليه وحماه، يقال: أوى وآوى بالقصر والمد، في الفعل اللازم والمتعدى
جميعاً، لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح، والمد في المتعدى أشهر وأفصح. قال: ولم يرو
لفظ ((محدثاً)) إلا بكسر الدال، وقال المازري: روى بوجهين، كسر الدال وفتحها، قال: فمن
فتح أراد الإحداث نفسه، ومن كسر أراد فاعل الحدث.
ومعنى ((فعليه لعنة اللَّه .. إلخ)) أن اللَّه تعالى يلعنه [فالجملة خبرية لفظاً ومعنى] وكذا
يلعنه الملائكة والناس أجمعون، فاللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد. قالوا: والمراد باللعن
هنا العذاب الذى يستحقه على ذنبه، والطرد عن الجنة أول الأمر مع السابقين، وليس كلعن
٤٥٠
الكفار الذى يبعدون من رحمة الله تعالى كل الإبعاد. والقصد من لعن الملائكة والناس
المبالغة في هذا الإبعاد، والتنفير من الفعل بالوعيد الشديد.
(لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا) فى ملحق الرواية الثالثة عشرة ((لا يقبل منه
يوم القيامة صرف ولا عدل)) قيل: الصرف الفريضة، والعدل النافلة، وقيل: الصرف النافلة، والعدل
الفريضة، وقيل : الصرف التوبة، والعدل الفدية، وقيل: الصرف الاكتساب، والعدل الفدية، وقيل:
العدل الحيلة، وقيل: العدل المثل، وقيل: الصرف الدية، والعدل الزيادة، ذكر ذلك النووى. والظاهر أن
المراد لا يقبل منه عمل صالح حالة الإحداث أو إيواء المحدث، بمعنى لا تقبل صالحاته قبول غيره
مضعفة الأجر بالغة الثواب، مكفرة الذنوب، كبقية المذنبين، حين يعملون الصالحات فى الحرم،
وإن كانت تقبل قبول إسقاط الفريضة، أو قبول مجازاة عادية.
( فقال ابن أنس) قال النووى: كذا وقع فى أكثر النسخ، ووقع فى بعضها ((فقال أنس)) بحذف
لفظة ((ابن)) قال القاضى: ووقع عند عامة شيوخنا ((فقال ابن أنس)) بإثبات ((ابن)) قال: وهو
الصحيح، وكأن ابن أنس ذكر أباه بهذه الزيادة، لأن سياق هذا الحديث من أوله إلى آخره من كلام
أنس، فلا وجه لاستدارك أنس بنفسه.
(اللَّهم بارك لهم فى مكيالهم ... ) قال النووى: قال القاضى: البركة هنا بمعنى النمو والزيادة،
وتكون بمعنى الثبات واللزوم. قال : فقيل: يحتمل أن تكون هذه البركة دينية، وهى ما تتعلق بهذه
المقادير من حقوق اللّه تعالى فى الزكاة والكفارات، فتكون بمعنى الثبات والبقاء لها، كبقاء الحكم
بها ببقاء الشريعة وثباتها، ويحتمل أن تكون دنيوية، من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال، حتى يكفى
منه مالايكفى من غيره فى غير المدينة، أو ترجع البركة إلى التصرف بها فى التجارة وأرباحها، وإلى
كثرة مايكال بها من غلاتها وثمارها، أو تكون الزيادة فيما يكال بها، لاتساع عيشهم وكثرته بعد
ضيقه، لما فتح الله عليهم، ووسع من فضله لهم وملكهم من بلاد الخصب والريف بالشام والعراق
ومصر وغيرها، حتى كثر الحمل إلى المدينة، واتسع عيشهم، حتى صارت هذه البركة فى الكيل، فزاد
مدهم، وصار هاشمياً، مثل مد النبى {8 مرتين، أو مرة ونصفا، وفى هذا كله ظهور إجابة دعوة النبى
◌َ* وقبولها. قال النووى: هذا آخر كلام القاضى. والظاهر من هذا كله أن البركة فى نفس المكيل فى
المدينة، بحيث يكفى المد فيها لمن لا يكفيه فى غيرها. والله أعلم.
(فيها أسنان الإبل) أى مقادير زكاة الإبل حسب أسنانها.
(وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم) المراد بالذمة هنا الأمان، ومعناه أن أمان
المسلمين للكافر صحيح، فإذا أمنه أحد المسلمين حرم على غيره التعرض له، ما دام فى أمان المسلم،
عظم هذا المسلم أو لا، حتى العبد والمرأة، وقال البيضاوى: الذمة العهد، سمى بها لأنه يذم متعاطيها.
ومعنى ((يسعى بها أدناهم» أى يتولاها الشريف والوضيع.
٤٥١
(ومن ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه) أى من انتسب إلى غير أبيه تشرفا، أو
انتمى العتيق إلى غير معتقيه فعليه لعنة الله، لما فى ذلك من كفر النعمة، وتضييع حقوق الإرث
والولاء والعقل وغير ذلك، مع ما فيه من قطيعة الرحم والحقوق.
(فمن أخفر مسلما) معناه من نقض أمان مسلم وعهده، فتعرض لكافر أمنه مسلم فعليه ....
يقال: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده، وخفرت الرجل - بدون الهمزة - إذا أمنته.
وقد جاءت روايات بأمور أخرى فى الصحيفة غير ما ذكر، منها: لعن من ذبح لغير اللَّه، وبدل
(أسنان الإبل)) ((فيها فرائض الصدقة)) ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)) ((وهم يد على من سواهم)) ((ألا لا
يقتل مؤمن بكافرولا ذو عهد فى عهده)) ((ولعن الله من سرق منار الأرض)) ((ولعن الله من لعن والده))
«وفكاك الأسير)» قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين هذه الأخبار أن الصحيفة المذكورة كانت
مشتملة على جميع ما ذكر، فنقل كل راو بعضها.
(لورأيت الظباء ترتع بالمدينة ماذعرتها) معنى ((ترتع)) ترعى، وقيل تسعى، ((ماذعرتها))
أى ما أفزعتها ولا نفرتها، وما حاولت أخذها فنفرتها، وكنى بذلك عن عدم صيدها.
(ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر) فى الرواية الثامنة عشرة ((ثم يعطيه
أصغر من يحضره من الولدان)» وخص الصغير بهذا لكونه أرغب فيه، وأكثر تطلعا إليه،
وحرصا عليه، كذا قال النووى.
ويحتمل أنه خص الصغير لأنه لم يذنب بعد، فإذا أعطى أول الثمر النازل من عند اللَّه رجونا نزول
البركة فى هذا الثمر.
(أن أنقل عيالى إلى بعض الريف) قال أهل اللغة: الريف بكسر الراء هو الأرض التى فيها
زرع وخصب، وجمعه أرياف، ويقال: أريفنا أى صرنا إلى الريف.
(عسفان) على وزن عثمان، قرية جامعة على مرحلتين من مكة لمن قصد المدينة، ولعلهم كانوا
عائدين من غزوة.
(والله ما نحن ههنا فى شىء) كأنهم أحسوا بطول المقام من غير فائدة.
(وأن عيالنا لخلوف) أى خلفناهم وراء ظهورنا، ليس عندهم من يحميهم، و))خلوف))
بضم الخاء.
(إن شئتم لآمرن بناقتى ترحل) بضم التاء وإسكان الراء وفتح الحاء مخففة، أى
يشد عليها رحلها. يعلن صلى الله عليه وسلم استجابته لرغبتهم، ليقع المقدور، ويعلموا أن
الحارس هو اللَّه تعالى.
٤٥٢
(ثم لا أحل لها عقدة حتى أقدم المدينة) ((لا أحل)) بفتح الهمزة وضم الحاء، و))أقدم)) بفتح
الهمزة والدال بينها قاف ساكنة. والمعنى ثم أواصل السير، ولا أحل عن ناقتى عقدة من عقد حملها
ورحلها حتى أصل المدينة. يقصد المبالغة فى الإسراع إلى المدينة.
(ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف) بإسكان اللام، مصدر علفت الدابة علفا، أما العلف بفتح
اللام قاسم للحشيش والتبن والشعير وما يعلف به.
(ما من المدينة شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها) الشعب
بكسر الشين هو الفرجة النافرة بين الجبلين، أو هو الطريق فى الجبل، والنقب بسكون القاف، وفتح
النون وحكى ضمها الطريق، وقيل: الطريق فى الجبل، قال الأخفش: أنقاب المدينة طرقها وفجاجها.
يريد صلى الله عليه وسلم أن يطمئنهم على أهليهم بالمدينة، وأنها محروسة بحراس كثيرين، يقفون
على مداخلها.
(وما يهيجهم قبل ذلك شىء) يقال: هاج الشر، وهاجت الحرب، وهاجها الناس، أى
تحركت، وحركوها، وهجت زيدا: حركته للأمر، كله ثلاثى، والمعنى أن المدينة فى حال غيبتهم كانت
محمية محروسة، كما أخبر النبي {*، حتى إن بنى عبد الله بن غطفان أغاروا عليها حين قدم
رجالها، ولم يكن يمنعهم من الإغارة فى غيبة رجالها مانع ظاهر.
(ليالى الحرة) قال النووى: يعنى ليالى الفتنة المشهورة التى نهبت فيها المدينة،
سنة ثلاث وستين.
(فاستشاره فى الجلاء) بفتح الجيم، وهو الفرار من بلد إلى غيره.
(قدمنا المدينة وهى وبيئة) أى ذات وباء، وهو المرض المنتشر المؤدى إلى الموت.
(وصححها) أى صحح أهلها، وعافهم من الأمراض، وكشف الضر عنهم.
(وحول حماها إلى الجحفة) ((حول)) بفتح الحاء وتشديد الواو المكسورة، دعاء بالتحويل،
و)) حماها)) بضم الحاء وتشديد الميم، المرض المعروف، و((الجحفة)) بضم الجيم وسكون الحاء،
وكانت قرية خربة، بين المدينة ومكة، بينها وبين مكة مائة وعشرة أميال. قيل: سميت بذلك لأن
السيل أجحفها، أی جرفها وذهب بها.
(اقعدى لكاع) أى يالكاع. بفتح اللام، وبناء العين على الكسر. قال أهل اللغة: يقال: امرأة لكاع،
ورجل لكع بضم اللام وفتح الكاف، ويطلق ذلك على اللئيم، وعلى العبد، وعلى الغبى الذى لا يهتدى
لكلام غيره، وعلى الصغير.
(لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) الطاعون قيل الوباء مطلقاً، فاعول من الطعن، وقيل : مرض
٤٥٣
معين يعم، فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونا. وقد نقل النووى فى الأذكار أن الطاعون لم يدخل
المدينة أصلا، ولا مكة أيضا.
(كما ينفى الكير خبث الحديد) ((الكير)) بكسر الكاف وسكون الياء الزق الذى ينفخ فيه
الحداد، وأكثر أهل اللغة على أنه حانوت الحداد والصائغ. والخبث بفتح الخاء والباء الوسخ الذى
تخرجه النار. قال النووي: وهذا والله أعلم زمن الدجال، وقال عياض: كأن هذا مختص بزمنه صلى
الله عليه وسلم، لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها إلا من ثبت إيمانه. وقال الحافظ ابن
حجر: يحتمل أن يكون المراد الزمنين، وكان الأمر فى حياته صلى الله عليه وسلم كذلك للسبب
المذكور، ويؤيده قصة الأعرابى [روايتنا الثالثة والثلاثون] فإنه صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحديث
معللا به خروج الأعرابى، وسؤاله الإقالة عن البيعة، ثم يكون ذلك أيضا فى آخر الزمان، عندما ينزل
بها الدجال، فترجف بأهلها، فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه، وأما ما بين ذلك فلا.
(أمرت بقرية تأكل القرى) قال النووى: معناه أمرنى ربى بالهجرة إليها، واستيطانها، وذكروا
فى معنى أكلها القرى وجهين: أحدهما: أنها مركز جيوش الإسلام فى أول الأمر، فمنها فتحت القرى،
وعنمت أموالها وسباياها، والثانى: معناه أن أكلها وميرتها تكون من القرى المفتتحة، وإليها تساق
غنائمها. وقال الحافظ ابن حجر: («تأكل القرى)) أى تغلبهم، وكنى بالأكل عن الغلبة لأن الأكل غالب
على المأكول. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها.
(يقولون: يثرب. وهى المدينة) أى إن بعض المنافقين يسميها ((يثرب)) واسمها الذى يليق
بها ((المدينة)). و((يثرب)) إما من التثريب الذى هو التوبيخ والملامة، أو من الثرب، وهو الفساد،
وكلاهما مستقبح، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن، ويكره الاسم القبيح.
قال النووي: قال العلماء: ولمدينة النبى # أسماء - المدينة - طابة - طيبة - الدار [لأمنها
واستقرارها] اهـ وفى أخبار المدينة أن لها عشرة أسماء. ماسبق، والمطيبة، والمسكينة، والجابرة،
والمجبورة، والمحببة، والمحبوبة والقاصمة.
ومدينة الرسول * سكنها العماليق قديماً، ثم نزلها طائفة من بنى إسرائيل، ثم نزلها الأوس
والخزرج، لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم.
(فأصاب الأعرابى وعك) بفتح العين، وهو ألم الحمى، ووعك كل شىء معظمه وشدته.
(أقلنى بيعتى) بفتح الهمزة وكسر القاف وسكون اللام أى اصفح عنى، وافسخ بيعتى لك، وأعد
لى ما كان لى قبل البيعة، والظاهر أنه سأل الإقالة من الإسلام، كذا قال القاضى عياض وقال غيره:
إنما استقالة من الهجرة، وإلا لقتله على الردة
(وينصع طيبها) ((ينصح)) بفتح الياء والصاد بينهما نون ساكنة، أى يصفو ويخلص
ويتميز، والناصح الصافى الخالص، ومنه قولهم: ناصع البياض، أى صافيه وخالصه،
٤٥٤
والمعنى أنه يخرج من المدينة من لم يخلص إيمانه، ويبقى فيها من خلص إيمانه.
و((طيبها)) بفتح الطاء وتشديد الياء المكسورة.
(بدهم أو بسوء) يقال: فعل به ما أدهمه، أى ساءه، ودهمك كسمع ومنع، أى غشيك، والدهم
الغائلة والأمر العظيم.
(ليتركنها أهلها على خير ما كانت) فى الرواية الثانية والأربعين ((يتركون المدينة على
خير ما كانت)) أى على أحسن حال كانت عليه من قبل.
(مذللة للعوافى) أى مسخرة خاضعة لعوافى الطير والسباع، والعوافى جمع عافية وهى التى
تطلب أقواتها. قال النووى: الظاهر المختار أن هذا الترك للمدينة يكون فى آخر الزمان، عند قيام
الساعة، وتوضحه قصة الراعيين من مزينة [روايتنا الثانية والأربعون] فإنهما يخران على وجوههما
حين تدركهما الساعة، وهما آخر من يحشر، كما ثبت فى صحيح البخارى، فهذا هو الظاهر المختار،
وقال القاضى عياض: هذا ماجرى فى العصر الأول وانقضى، قال: وهذا من معجزاته صلى اللّه عليه
وسلم، فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت، حين انتقلت الخلافة عنها إلى الشام والعراق، وذلك
الوقت أحسن ما كانت للدين والدنيا، أما الدين فلكثرة العلماء وكمالهم، وأما الدنيا فلعمارتها
وغرسها واتساع حال أهلها. قال : وذكر الأخباريون عن بعض الفتن التى جرت بالمدينة أنه قد خاف
أهلها، حتى رحل عنها أكثر الناس، وبقيت ثمارها أو أكثرها للعوافى، وخلت مدة، ثم تراجع الناس
إليها. قال: وحالها اليوم قريب من هذا، وقد خربت أطرافها. هذا كلام القاضى. والله أعلم.
(ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشا) ((النعيق)» زجر الغنم، يقال: نعق ينعق بكسر العين
وفتحها نعيقا ونعاقا ونعقانا إذا صاح بالغنم، ومعنى ((فيجدانها وحشا)) أى يجدان المدينة ذات
وحش، أو يجدان أهلها قد صاروا وحوشا، أى يجدان المدينة خالية، وهذا معنى ((وحشا)) أى ليس بها
أحد، والوحش من الأرض الخلاء. قال النووى: الصحيح أن معناه يجدانها ذات وحوش، قال: وقد
يكون ((وحشا)) بمعنى وحوش، وأصل الوحش كل شىء توحش من الحيوان. وقال النووى: وحكى
القاضى عن ابن المرابط أن معناه أن غنمهما تصير وحوشا، إما تنقلب ذاتها فتصير وحوشا، وإما أن
تتوحش وتنفر من أصواتها. وأنكر القاضى هذا، واختار أن الضمير فى ((يجدانها)) عائد إلى المدينة، لا
إلى الغنم. وهذا هو الصواب وقول ابن المرابط غلط.اهـ
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث
١- استدل بعضهم بهذه الأحاديث عامة، وبالرواية الثانية والثلاثين خاصة على أن المدينة أفضل
البلاد. قال المهلب: لأن المدينة هى التى أدخلت مكة وغيرها من القرى فى الإسلام، فصار
٤٥٥
الجميع فى صحائف أهلها، ولأنها تنفى الخبث. وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا
مكة معظمهم من أهل مكة، فالفضل ثابت للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين،
قال ابن حزم: لو فتحت بلد، فثبت بذلك الفضل الأول للزم أن تكون البصرة أفضل من خراسان
وسجستان وغيرها مما فتح من جهة البصرة، وليس كذلك. وعن الثانى بأن ذلك إنما هو خاص
ببعض الناس، وخاص ببعض الزمان، بدليل قوله تعالى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾
[التوبة: ١٠١]. والمنافق خبيث ولا شك، ولم تنفه المدينة، وخرج منها كثير من أفاضل الصحابة
بعد النبى * خرج منها على وطلحة وأبو عبيدة وابن مسعود والزبير وعمار، فدل ذلك على أن
المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس، ووقت دون وقت.
٢- وفى هذه الأحاديث عامة، ومن الروايات الخاصة بمن يصبر على لأوائها، والروايتين التاسعة
والثلاثين والمتممة للأربعين خاصة دلالات ظاهرة على فضل سكنى المدينة، قال النووى: وأن هذا
الفضل باق مستمر إلى يوم القيامة، وقد اختلف العلماء فى المجاورة بمكة والمدينة، فقال أبو
حنيفة وطائفة: تكره المجاورة بمكة، وقال أحمد وطائفة: لا تكره المجاورة بمكة، بل تستحب،
وإنما كرهها من كرهها لأمور منها: خوف الملل، وقلة الحرمة للأنس، وخوف ملابسة الذنوب،
فإن الذنب فيها أقبح منه في غيرها، كما أن الحسنة فيها أعظم منها فى غيرها، واحتج من
استحبها بما يحصل فيها من الطاعات التى لا تحصل في غيرها، وتضعيف الصلوات والحسنات
وغير ذلك. قال: والمختار أن المجاورة بهما جميعا مستحبة، إلا أن يغلب على ظنه الوقوع فى
المحذورات المذكورة وغيرها، وقد جاورتهما خلائق لا يحصون من سلف الأمة وخلفها، ممن
يقتدى بهم، وينبغى للمجاور الاحتراز من المحذورات وأسبابها.اهـ
٣- وفى هذه الأحاديث حجة ظاهرة للشافعى ومالك وموافقيهما فى تحريم صيد المدينة وشجرها،
وأباح ذلك أبوحنيفة، واحتج له بحديث ((يا أبا عمير مافعل النغير))؟ قال النووى: وأجاب
أصحابنا بجوابين. أحدهما: أنه يحتمل أن حديث النغير كان قبل تحريم المدينة. والثانى:
يحتمل أنه صاده من الحل، لامن حرم المدينة. وهذا الجواب لا يلزمهم على أصولهم، لأن مذهب
الحنيفية أن صيد الحل إذا أدخله الحلال إلى الحرم ثبت له حكم الحرم، ولكن أصلهم هذا
ضعيف، فيرد عليهم بدليله، والمشهور من مذهب مالك والشافعى والجمهور أنه لاضمان في صيد
المدينة وشجرها، بل هو حرام بلاضمان، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: يجب فيه الجزاء،
كحرم مكة، وبه قال بعض المالكية، وللشافعي قول قديم أنه يسلب القاتل، لحديث سعد بن أبي
وقاص [روايتنا السابعة] قال القاضي عياض: لم يقل بهذا القول أحد بعد الصحابة إلا الشافعي
في القديم، وخالفه أئمة الأمصار.
قال النووي: ولا تضر مخالفتهم إذا كانت السنة معه، وهذا القول القديم هو المختار، لثبوت
الحديث فيه، وعمل الصحابة على وفقه.
٤- ومن الرواية الثالثة عشرة والرابعة عشرة، من قوله ((من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثاً)» يستفاد
٤٥٦
الوعيد الشديد لمن فعل ذلك، قال القاضي: واستدلوا بهذا على أن الحدث في المدينة من الكبائر،
لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة.
٥- وفيها أن المحدث والمؤوى للمحدث في الإثم سواء.
٦- وجواز لعن أهل المعاصى والفساد، لكن لا دلالة فيه على لعن الفاسق المعين.
٧- ومن الرواية الثالثة عشرة من تصريح على ه إبطال ما زعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من
قولهم: إن عليا أوصى إليه النبي * بأمور كثيرة من أسرار العلم، وقواعد الدين، وكنوز
الشريعة، وأنه صلى الله عليه وسلم خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم. قال النووي: وهذه
دعاوى باطلة، واختراعات فاسدة، لا أصل لها، ويكفي في إبطالها قول على ظل هذا.اهـ وقد بينت
بعض الروايات سبب هذا الزعم، فقالت: كان على ظلّه يأمر بالأمر، فيقال: قد فعلناه، فيقول:
صدق الله ورسوله، فقال له بعضهم: هذا الذي تقول. أهو شيء عهده إليك رسول اللّه * * خاصة
دون الناس؟ فذكر الحديث.
٨- وفيه الحرص على كتابة العلم. قال الحافظ ابن حجر: استقر الأمر وانعقد الإجماع على
جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل لا يبعد وجوبه على من خشى النسيان، ممن
يتعين عليه تبليغ العلم.
٩- وتغليظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه، أو انتماء العتيق إلى غير مواليه.
١٠ - ومن الرواية السابعة عشرة والثامنة عشرة حرص الصحابة على دعاء النبي * للثمر الجديد.
١١ - وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من مكارم الأخلاق، وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة
الكبار والصغار.
١٢- ومن قوله ((إلا لعلف)) في الرواية التاسعة عشرة جواز أخذ أوراق الشجر للعلف. قال النووي: وهو
المراد هنا، بخلاف خبط الأغصان، فإنه حرام.
١٣ - ومن حراسة المدينة زيادة في الكرامة لرسول اللَّه ◌ُ ﴾.
١٤ - استدل بعضهم بقول عائشة في الرواية الرابعة والعشرين ((قدمنا المدينة وهي وبيئة)) على جواز
دخول البلد الموبوءة. قال النووي: فإن قيل: كيف قدموا على الوباء؟ وفي الحديث الآخر الصحيح
النهي عن القدوم عليه؟ فالجواب من وجهين، ذكرهما القاضي. أحدهما: أن هذا القدوم كان قبل
النهي، لأن النهي كان في المدينة بعد استيطانها. والثاني: أن المنهي عنه هو القدوم على الوباء
الذريع والطاعون، وأما هذا الذي كان في المدينة فإنما كان وخما يمرض بسببه كثير من الغرباء.
١٥- وفيه من دعائه صلى الله عليه وسلم لتحويل الحمى إلى الجحفة دليل للدعاء على الكفار
بالأمراض والأسقام والهلاك.
١٦- وفيه الدعاء للمسلمين بالصحة وطيب بلادهم، والبركة فيها، وكشف الضر والشدائد عنهم قال
٤٥٧
النووي: وهذا مذهب العلماء كافة. قال القاضي: وهذا خلاف قول بعض المتصوفة: إن الدعاء
قدح في التوكل والرضا، وأنه ينبغي تركه، وخلاف قول المعتزلة إنه لافائدة في الدعاء مع سبق
القدر، ومذهب العلماء كافة أن الدعاء عبادة مستقلة، ولا يستجاب منه إلا ما سبق به القدر.
١٧ - قال النووي: وفيه علم من أعلام النبوة، فإن الجحفة من يومئذ مجتنبة، ولا يشرب أحد من مائها
إلا حُمَّ اهـ
١٨ - ومن الرواية التاسعة والعشرين حماية المدينة من الطاعون والدجال.
١٩ - ومن الرواية الثانية والثلاثين كراهة تسمية المدينة يثرب. قال النووي: وقد جاء في مسند أحمد
حديث عن النبي # في كراهة تسميتها ((يثرب)) وحكى عن عيسى بن دينار أنه قال: من سماها
((يثرب)) كتبت عليه خطيئة. اهـ. وأما تسميتها يثرب في القرآن فإنما هو حكاية عن قول
المنافقين والذين في قلوبهم مرض.
٢٠ - ومن الرواية الثالثة والثلاثين أنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الإسلام، ولا لمن هاجر إلى النبي وق *
للمقام عنده أن يترك الهجرة ويذهب إلى وطنه أو غيره.
٢١- ومن الروايتين التاسعة والثلاثين والمتممة للأربعين معجزة لرسول الله ﴿، لأنه أخبر بفتح هذه
الأقاليم وأن يتحملوا بأهليهم إليها، وأن هذه الأقاليم تفتح على هذا الترتيب. قال النووي: ووجد
جميع ذلك بحمد الله وفضله.
٢٢ - ومن قوله ((والمدينة خير لهم)) فضل المدينة على البلاد المذكورة، وهو أمر مجمع عليه، ولم
يختلف العلماء فى ذلك وإنما اختلفوا فى الأفضلية بينها وبين مكة.
واللَّه أعلم
٤٥٨
(٣٥٩) باب ما بين بيته ومنبره صلى الله عليه وسلم
٢٩٨٢ - ١٠ °ْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِيَِّ﴾(٥٠٠): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «مَا بَيْنَ
بَيِْي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ».
٢٩٨٣ - ٢١ ° عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ الأنْصَارِيِّ صَ﴾(٥٠١): أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ﴿ يَقُولُ : .
«مَا بَيْنَ مِنْهَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ».
٢٩٨٤ - ٢ ٥٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ (٥٠٢): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي
رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي».
المعنى العام
إن المكان ظرف، وإن الزمان ظرف، والظرف يشرف بشرف المظروف فيه، ويعظم
بعظم ما يشغله وما يقع فيه، وقد حظيت الروضة الشريفة- مابين بيت عائشة رضى الله
عنها وبين منبره صلى الله عليه وسلم - بمالم تحظ به بقعة على وجه الأرض، منذ بنى
رسول الله # مسجده بالمدينة المنورة وإلى أن لحق بالرفيق الأعلى، لقد شغلت بصلاته
صلى الله عليه وسلم وصلاة صحابته السابقين، وفيها كانت عظاته وتشريعاته ودروس
العلم، وفيها نزل جبريل عليه السلام أكثر مانزل، وفى طرفها المنبر الذى شرف وسعد
بارتقائه صلى الله عليه وسلم فى خطبه، وفى طرفها الآخر البيت الذى يحبه ويحب من فيه
أكثر من غيره، والذى ضم جسده الشريف بعد وفاته، فهل هناك من يسامى هذا المكان
منزلة وشرفا؟ ولقد زاده صلى الله عليه وسلم تشريفاً وتعظيماً بأن خلع عليه أنه روضة من
رياض الجنة، وأنه يلامس حوضه صلى الله عليه وسلم فى الآخرة، حين يكون منبره هذا هو
منبره على حوضه، يدعو فيه أمته لتشرب من حوضه شربة لايظمأ شاربها أبدا. فاللَّهم
اجعل لنا نصيبا منه. آمين.
(٥٠٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِیمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ عَنِ عَبَّادٍ بْنٍ تَمِیمٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنٍ زَيْدٍ
(٥٠١) وحَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى أَخْبَرَنَا عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَلِيُّ عَنْ يَزِيدَ بَنِ الْهَادِ عُنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ
ابن زئدٍ
(٥٠٢) ◌َحَدَّثَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنْىِ قَالا حَدَّنَا يَخْتَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ ح وحَدَثْنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٤٥٩
المباحث العربية
(ما بين بيتى ومنبرى) قال الطبرى: فى المراد ببيتى هنا قولان. أحدهما القبر، قاله زيد بن
أسلم، كما روى مفسرا ((بين قبرى ومنبرى)) وروى ((مابين حجرتى ومنبرى)) قال الطبرى: والقولان
متفقان، لأن قبره فى حجرته، وهى بيته.اهـ قال الحافظ ابن حجر: كذا للأكثر ((مابين بيتى
ومنبرى)» ووقع فى رواية ابن عساكر وحده ((قبرى)) بدل («بيتى)) وهو خطأ. نعم وقع فى حديث سعد
. ابن أبى وقاص عند البزار بسند رجاله ثقات، وعند الطبرانى من حديث ابن عمر بلفظ القبر، فعلى
هذا المراد بالبيت فى قوله ((بيتى)» أحد بيوته، لاكلها، وهو بيت عائشة الذى صار فيه قبره، وقد ورد
الحديث بلفظ ((ما بين المنبر وبيت عائشة ... )) أخرجه الطبرانى فى الأوسط.
ونقل عن بعضهم أن المسافة بين المنبر والبيت الذى فيه القبر الآن ثلاثة وخمسون ذراعا، وقيل:
أربعة وخمسون وسدس، وقيل: خمسون إلا ثلثى ذراع، قال الحافظ ابن حجر: وهو الآن كذلك، فكأنه
نقص، لما أدخل من الحجرة فى الجدار.
(روضة من رياض الجنة) قال الحافظ ابن حجر: أى كروضة من رياض الجنة فى نزول
الرحمة، وحصول السعادة، بما يحصل من ملازمة حلق الذكر، لاسيما فى عهده صلى الله عليه وسلم،
فيكون تشبيها بغير أداة. أو المعنى أن العبادة فيها تؤدى إلى الجنة، فيكون مجازا [مرسلا بذكر
المسبب وإرادة السبب] أو هو على ظاهره، وأن المراد أنه روضة حقيقة، بأن ينتقل ذلك الموضع
بعينه فى الآخرة إلى الجنة. قال الحافظ: هذا محصل ما أوله العلماء فى هذا الحديث، وهى على
ترتيبها هذا فى القوة.
(ومنبرى على حوضى) قال الحافظ ابن حجر: أى ينتقل يوم القيامة، فينصب على الحوض،
وقال الأكثر: المراد منبره بعينه الذى قال هذه المقالة وهو فوقه، وقيل : المراد المنبر الذى يوضع له
يوم القيامة، والأول أظهر، [لارتباطه بالمنبر السابق] وقيل: معناه أن قصد منبره، والحضور عنده،
لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض، ويقتضى شربه منه. واللَّه أعلم.
فقه الحديث
فى الحديث فضل هذه البقعة على أى وجه من أوجه التأويلات السابقة، لكن هل يدل
ذلك على أن المدينة أفضل من مكة، على أساس أن ما قرب من الأفضل أفضل؟ قيل ذلك،
وفيه نظر، لأن ما قرب من الأفضل لا يلزم أن يكون أفضل مما بعد، وإلا لكانت الجحفة
مثلا أفضل من مكة، ولا قائل به.
والله أعلم
٤٦٠