Indexed OCR Text
Pages 221-240
قال النووى: وأما زمزم فهى البئر المشهورة فى المسجد الحرام، بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون
ذراعا، قيل: سميت زمزم لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، وزمزوم، وزمازم إذا كان كثيرا، وقيل: لضم
هاجر - رضى اللَّه عنها - لمائها حين انفجرت، وزمها إياه، وقيل: لزمزمة جبريل عليه السلام لها،
وكلامه عند فجره إياها، وقيل: إنها غير مشتقة، ولها أسماء أخرى.
(وكانت العرب يدفع بهم أبو سيارة على حمار عرى) أى كان يدفع بهم فى الجاهلية.
(فلما أجاز رسول اللَّه ◌َل من المزدلفة بالمشعر الحرام لم تشك قريش أنه سيقتصر
عليه، ويكون منزله ثم، فأجاز، ولم يعرض له، حتى أتى عرفات، فنزل) قال النووى: ((أجاز))
أى جاوز، وقوله: ((لم يعرض)) هو بفتح الياء وكسر الراء [ومعنى ((لم يعرض له)) لم يظهر عليه ولم
يشرف عليه، ولم يتمكن فيه]. قال: ومعنى الحديث أن قريشا كانت قبل الإسلام تقف بالمزدلفة،
وهى من الحرم، ولا يقفون بعرفات، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، وكانت قريش تقول: نحن
أهل الحرم، فلا نخرج منه، فلما حج النبى ووصل المزدلفة اعتقدوا أنه يقف بالمزدلفة على عادة
قريش، فجاوز إلى عرفات، لقول اللَّه عز وجل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
فإن من سوى قريش كانوا يقفون بعرفات ويفيضون منها.
وقوله: ((حتى أتى عرفات فنزل)) فيه مجاز المشارفة، والمعنى حتى أتى قريبا من
عرفات («نمرة)» فنزل بها.
الرواية السادسة والثلاثون
(نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا فى رحالكم) ((ههنا)) إشارة إلى المكان الذى
نحر فيه صلى الله عليه وسلم من منى، والرحال المنازل، قال أهل اللغة: رحل الرجل منزله، سواء كان
من حجر أو مدر أو شعر أو وبر.
قال النووى: ومعنى الحديث: منى كلها منحر، يجوز النحر فيها، فلا تكلفوا النحر فى موضع
نحرى، بل يجوز لكم النحر فى منازلكم من منى.
الرواية الثامنة والثلاثون
(وكانوا يسمون الحمس) بضم الحاء وسكون الميم. قال أبو الهيثم: ((الحمس) هم قريش ومن
ولدته قريش وكنانة، وجديلة قيس، سموا حمسا لأنهم تحمسوا فى دينهم، أى تشددوا، وقيل: سموا
حمسا بالكعبة، لأنها حمساء، حجرها أبيض يضرب إلى السواد. وبقية الحديث سبق شرحها.
٢٢١
الرواية المتممة للأربعين
(عن جبير بن مطعم .... الحديث) قال القاضى عياض: كان هذا فى حجة قبل الهجرة، وكان
جبير حينئذ كافرا، وأسلم يوم الفتح، وقيل: يوم خيبر، فتعجب من وقوف النبى {َ₪ بعرفات.اهـ
الرواية الواحدة والأربعون
(قدمت على رسول اللَّه ◌َ﴿ وهو منيخ بالبطحاء) ((أناخ)) أى أبرك بعيره، والمراد أنه نزل
بها، والمراد من البطحاء هنا بطحاء مكة، وهو المحصب.
وقد أشارت الرواية الثالثة والأربعون إلى مصدر قدومه، وهو اليمن، ولفظ البخارى ((بعثنى رسول
اللَّهِ﴿ إلى قوم باليمن، فجئت وهو بالبطحاء)) وكان بعثه إلى اليمن فى السنة العاشرة من الهجرة،
قبل حجة الوداع، بعثه وبعث معاذ بن جبل، كلا منهما واليا على قسم من قسميها، فلما علم بحج
النبى * قدم من اليمن للحج.
(فقال لى: أحججت؟) أى أأحرمت بالحج؟
(فقال: بم أهللت؟) فى الرواية الثالثة والأربعين ((كيف قلت حين أحرمت))؟
(قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبى ) فى الرواية الثالثة والأربعين «قلت: لبيك إهلالا
كإهلال النبى { څ".
(قال: فقد أحسنت. طف بالبيت، وبالصفا والمروة، وأحل) فى هذه الرواية طى، صرح به
فى الرواية الثانية والأربعين والثالثة والأربعين ((قال: هل سقت من هدى؟ قلت: لا)) والمعنى: حيث
لم تسق الهدى فأحرم بعمرة وائت بمناسكها، ثم تحلل، ففعل.
(ثم أتيت امرأة من قيس، ففلت رأسى) قال الكرمانى: يحمل على أن المرأة كانت محرما
له، كبنت بعض إخوته، و((فلت رأسى)) بفتح الفاء واللام مخففة، يقال: فلى رأسه يفليه فليا بحث
فيه عن القمل.
وفلى الشعر بتشديد اللام، مثل فلى بالتخفيف. وفى الرواية الثانية والأربعين ((فمشطتنى وغسلت
رأسى)) والمراد أنه تحلل من محرمات الإحرام.
(فكنت أفتى به الناس) فى الرواية الثانية والأربعين ((فكنت أفتى الناس بذلك)) أى بالتمتع،
كما جاء فى الرواية الرابعة والأربعين ((أنه كان يفتى بالمتعة))
(حتى كان فى خلافة عمر له) أى حتى كان الأمر، وفى الرواية الثانية والأربعين «فى إمارة
أبى بكر وإمارة عمر)» أى وصدر من إمامة عمر.
٢٢٢
(فقال له رجل: يا أبا موسى، رويدك بعض فتياك) فى الرواية الرابعة والأربعين ((رويدك
ببعض فتياك)) أى تمهل فى بعض فتياك، أى فى هذه الفتوى، أى أمسك عن هذه الفتيا قليلاً، حتى
يتبين لك أمرها، يقال: فتيا وفتوى لغتان مشهورتان، وفى الرواية الثانية والأربعين ((فإنى لقائم
بالموسم إذا جاءنى رجل ».
(فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين فى النسك بعدك) أى فى شأن نسك العمرة مع
الحج تمتعا، و((بعدك)) أى بعد حجتك مع النبى ®، أو بعد فتياك بالمتعة فى عهد أبى بكر.
(من كنا أفتيناه فتيا فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فيه فائتموا) فى الرواية
الثانية والأربعين ((من كنا أفتيناه بشىء)) أى من هذه الفتيا الخاصة بالمتعة، فليتئد وليتهمل فى
العمل بها.
(فذكرت ذلك له) فى الرواية الثانية والأربعين ((فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذى
أحدثت فى شأن النسك؟ )).
(إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر بالتمام) فى الرواية الثانية والأربعين ((فإن
الله عز وجل يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وظاهره أن عمر ظه حمل الإتمام على
انفراد كل منهما فى عام، وإلا فالمتعة فيها إتمام واستقلال بأفعال كل من الحج والعمرة، اللّهم إلا أن
يقال: ليس فيها استقلال بالخروج، ولا استقلال فى ميقات محلته والإهلال منه، وقال الحافظ ابن
حجر: محصل جواب عمر أن كتاب الله دال على منع التحلل، لأنه أمر بالإتمام، فيقتضى استمرار
الإحرام إلى فراغ الحج، وقال المازرى: قيل: إن المتعة التى نهى عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة،
فالحج على هذا لم يتم، وقال القاضى عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس
عليها، كما رواه مسلم، على معتقده أن الفسخ كان خاصا بهذه السنة، ويؤيد هذا ما جاء فى الرواية
الثالثة والثلاثين من قوله: ((إن اللَّه كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء)» أى إن اللَّه أحل لرسوله
الفسخ فى ذاك العام.
(وإن نأخذ بسنة رسول اللَّه﴿ فإن رسول اللّه﴿ لم يحل حتى بلغ الهدى محله)
أى لم يتمتع، وكأنه يعتمد فعله صلى الله عليه وسلم دون قوله، وفى الرواية الرابعة والأربعين ((قد
علمت أن النبى ( قد فعله)) أى فعل التمتع، أى أمر به وأقره «وأصحابه فعلوه بأمره ((ولكن كرهت
أن يظلوا معرسين بهن فى الأراك، ثم يروحون فى الحج تقطر رء وسهم)) قال النووى: ((معرسين))
بإسكان العين وتخفيف الراء، والضمير فى ((بهن)» يعود إلى النساء للعلم بهن وإن لم يذكرن، ومعناه
كرهت التمتع، لأن يقتضى التحلل، ووطء النساء إلى حين الخروج إلى عرفات، وللموضوع تتمة فى
فقه الحديث.
٢٢٣
الرواية الخامسة والأربعون
(كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان على يأمربها) قال النووى: المختار أن
المتعة التى نهى عنها عثمان هى التمتع المعروف فى الحج، وكان عمر وعثمان ينهيان
عنها نهى تنزيه لا تحريم. اهـ
وفى الرواية السادسة والأربعين ((اجتمع على وعثمان - رضى الله عنهما- بعسفان، فكان عثمان
ينهى عن المتعة، أو العمرة)) و((عسفان)) بضم العين وسكون السين، قرية جامعة على مسافة ستة
وثلاثين ميلا من مكة.
(فقال عثمان لعليّ كلمة) فسرت الكلمة رواية النسائى ((فقال عثمان: ترانى أنهى الناس
وأنت تفعله)»؟.
(قال على: لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول اللّه ◌َلـ) فى الرواية السادسة والأربعين
((فقال على: ما تريد إلى أمر فعله رسول اللّه ◌َ لش تنهى عنه))؟ أى ما تريد إرادة منتهية إلى النهى، أو
ضمن الإرادة معنى الميل، وفى رواية (( ما تريد إلا أن تنهى عن أمر)).
(فقال: أجل) بفتح الهمزة والجيم، أى نعم تمتعنا مع رسول اللَّه حَ ﴾.
وفى الرواية السادسة والأربعين ((فقال عثمان: دعنا منك)) أى دعنا من رأيك ونقاشك.
(ولكنا كنا خائفين) قال النووي: لعله أراد بقوله: ((خائفين)) يوم عمرة القضاء سنة سبع، قبل
فتح مكة، لكن لم يكن تلك السنة حقيقة التمتع، إنما كان عمرة وحدها. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: هى رواية شاذة، فقد روى الحديث مروان بن الحكم وسعيد بن المسيب،
وهما أعلم من عبد الله بن شقيق، فلم يقولا ذلك، والتمتع إنما كان فى حجة الوداع، وقد قال ابن
مسعود - كما ثبت فى الصحيحين عنه ((كنا آمن ما يكون الناس)) وقال القرطبى: قوله ((خائفين)) أى
من أن يكون أجر من أفرد أعظم من أجر من تمتع. كذا قال، وهو جمع حسن، ولكن لا يخفى بعده.
الرواية السادسة والأربعين
(فلما أن رأى على ذلك أهل بهما جميعا) قال العينى: أهل بهما أى بالعمرة والحج، وهذا
هو القرآن، فإن قلت: كيف تقول: هذا قران؟ والاختلاف بينهما كان فى التمتع؟ قلت: القرآن من
باب التمتع، لأن القارن يتمتع بترك النصب فى السفر إلى العمرة مرة، وإلى الحج أخرى، ويتمتع
بجمعهما، ولم يحرم لكل منهما من ميقاته، وضم الحج إلى العمرة، فدخل فى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَلّعَ
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].اهـ.
وفى رواية للبخارى عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان وعليا-رضى الله عنهما- وعثمان
٢٢٤
ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى على ذلك أهل بهما. لبيك بعمرة وحجة)» فالاختلاف
بينهما - على هذا - كان فى التمتع والقرآن.
وفى رواية للنسائى («فلبى على وأصحابه بالعمرة، فلم ينههم عثمان)» أى بالعمرة مع الحج.
الرواية الواحدة والخمسون
(وهذا يؤمئذ كافر بالعرش) بضم العين والراء، وهى بيوت مكة، كما فسره فى الرواية، قال أبو
عبيد: سميت بيوت مكة عرشا لأنها عيدان تنصب وتظلل. قال: ويقال لها أيضا عروش، واحدها عرش
كفلس وفلوس، ومن قال عرش فواحدها عريش، كقليب وقلب. قال النووي:
وأما قوله ((وهذا يومئذ كافر بالعرش)) فالإشارة بهذا إلى معاوية بن أبى سفيان، والمراد بالكفر
هنا وجهان. أحدهما ما قاله المازرى وغيره: المراد وهو مقيم فى بيوت مكة، قال ثعلب: يقال: اكتفر
الرجل إذا لزم الكفور، وهى القرى. والوجه الثانى المراد الكفر بالله تعالى، والمراد أنا تمتعنا ومعاوية
يومئذ كافر على دين الجاهلية، مقيم بمكة، وهذا اختيار القاضى عياض وغيره، وهو الصحيح المختار،
والمراد بالمتعة العمرة التى كانت سنة سبع من الهجرة، وهى عمرة القضاء، وكان معاوية يومئذ
كافرا، وإنما أسلم بعد ذلك، عام الفتح، سنة ثمان، وقيل: إنه أسلم بعد عمرة القضاء، سنة سبع،
والصحيح الأول وأما غير هذه العمرة من عمر النبى8 فلم يكن معاوية فيها كافراً مقيماً بمكة، بل
كان معه صلى الله عليه وسلم.
الرواية الثانية والخمسون
(عن مطرف) بن عبد الله بن الشخير وظ
◌ُه.
(إنى لأحدثك بالحديث اليوم) أل فى ((الحديث)) للعهد الحضورى، أى بهذا الحديث
الحاضر، وفى الرواية الرابعة والخمسين ((إنى كنت محدثك بأحاديث)) ولعله كان قد حدثه بأحاديث
يخشى على نفسه من نشرها. قال النووى: ((أحاديث)) ظاهره أنها ثلاثة فصاعدا، ولم يذكر منها إلا
حديثا واحدا، وهو الجمع بين الحج والعمرة، وأما إخباره بالسلام فليس حديثا، فيكون باقى
الأحاديث محذوفة من الرواية.
(فى العشر) أى العشر من ذى الحجة، والمراد أنهم تمتعوا.
(ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئى) فى ملحق الرواية ((ارتأى رجل برأيه ماشاء)) يعنى
عمر. وفى الرواية الرابعة والخمسين والخامسة والخمسين ((قال رجل فيها برأيه ماشاء)) قال الحافظ
ابن حجر: قال ابن التين: يحتمل أنه يريد عمر أو عثمان، وأغرب الكرمانى فقال: المراد به عثمان،
قال الحافظ: والأولى أن يفسر بعمر، فإنه أول من نهى عنها، وكأن من بعده كان تابعا له فى ذلك.
٢٢٥
الرواية الثالثة والخمسون
(وقد كان يسلم على، حتى اكتويت، فتركت، ثم تركت الكى فعاد) قال
النووى: ))يسلم على)) هو بفتح اللام المشددة، وقوله: ((فتركت)) هو بضم التاء، أى انقطع
السلام على، ((ثم تركت الكى)) بفتح التاء الأولى، فعاد السلام على، والمعنى أن عمران بن
الحصين له كانت به بواسير فكان يصبر، وكانت الملائكة تسلم عليه، فاكتوى، فانقطع
سلامهم عليه، ثم ترك الكى، فعاد سلامهم عليه.
الرواية الرابعة والخمسون
(فإن عشت فاكتم عنى، وإن مت فحدث بها إن شئت) قال النووي: أراد به
الإخبار بالسلام عليه، لأنه كره أن يشاع عنه ذلك فى حياته، لما فيه من التعرض للفتنة،
بخلاف ما بعد الموت. اهـ
ولا مانع من أن يريد كتمان مخالفته لعمر له فى شأن المتعة خوفا من عمر - رضى الله عنهما.
(ثم لم ينزل فيها كتاب اللَّه) أى يمنعها بعد أن أباحها بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. تصرح بذلك الرواية السابعة والخمسون ولفظها ((نزلت آية
المتعة فى كتاب الله، وأمرنا بها رسول الله ﴿ ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج)).
وفى الرواية الخامسة والخمسين ((ولم ينزل فيها كتاب)) أى قرآن، كما جاء فى الرواية
السادسة والخمسين.
(تمتع رسول اللَّه ◌َ﴿) أى أمر بالتمتع، كقولهم: بنى الأمير قصرا، أى أمر ببنائه، ويمكن حمل
التمتع هنا على القرآن، وقد ذكرنا قريبا أنه يطلق على القرآن تمتع.
الرواية الثامنة والخمسون
(تمتع رسول الله﴿ فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) قال المهلب: معناه أمر بذلك،
لأن ابن عمر كان ينكر على أنس ل قوله: إنه كان قارنا، ويقول: بل كان مفردا.اهـ وسيأتى هذا
الإنكار فى الروايات السادسة والستين والسابعة والستين والثامنة والستين.
وقال ابن المنير فى الحاشية: إن حمل ((تمتع)) على أمر بالتمتع هنا من أبعد التأويلات، ثم أجاز
تأويلا آخر، وهو أن الراوى عهد أن الناس لا يفعلون إلا كفعله صلى الله عليه وسلم، لاسيما مع قوله
((خذوا عنى مناسككم)) فلما تحقق أن الناس تمتعوا ظن أنه صلى الله عليه وسلم تمتع، فأطلق
ذلك. اهـ أقول: وهذا ليس تأويلا بل هو اتهام لابن عمر عليه بالإخبار بغير الحقيقة، والجهل بالحقيقة،
٢٢٦
وإسناد الفعل للرسول # عن طريق الظن البعيد الذى يشبه الوهم، لأن النبى # فى كثير من
الأحاديث التى عرضناها كان يعلن التفريق بينه وبين غيره بسوق الهدى.
قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون معنى ((تمتع)) محمولا على مدلوله اللغوى، وهو الانتفاع
بإسقاط عمل العمرة، والخروج إلى ميقاتها وغيرها، بل قال النووي: إن هذا هو المتعين، وقوله
((بالعمرة إلى الحج)) أى بإدخال العمرة على الحج.اهـ وهذا الاحتمال لايتوافق مع رأى ابن عمر فى
أنه صلى الله عليه وسلم كان مفردا.
(وبدأ رسول اللَّه ﴿ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج) هذا مشكل مع ما ثبت من حاله صلى
اللَّه عليه وسلم المستفاد من الأحاديث الكثيرة، وأنه بدأ بالحج أولا، ثم أدخل عليه العمرة، وهذا
بالعكس. قال الحافظ ابن حجر: وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال [ولفظ الإحرام] أى لما
أدخل العمرة على الحج لبى بهما، فقال [فى لفظ التلبية] لبيك بعمرة وحجة معا.اهـ أى فبدأ بلفظ
العمرة، ثم عطف عليه لفظ الحج] وهذا الجواب بعيد، لأنه لا يتوافق أيضا مع رأى ابن عمر فى أنه
صلى الله عليه وسلم كان مفردا، والخروج من هذا المأزق أن يقال: إن رسول اللَّهِ:﴿ أحرم بالحج
مفردا كالصحابة فى ذى الحليفة، ثم لما فسخ الصحابة الحج إلى العمرة لم يفسخ، لأنه ساق الهدى،
فلا يحل الفسخ، فأحرم بالعمرة، فطاف وسعى، فأنهى مناسك العمرة، ثم خرج إلى منى لأداء مناسك
الحج، فحين يتحدث الراوى عن الحالة الثانية والثالثة يمكن أن يقول: بدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل
بالحج. وحين يتحدث عن الحالة الثالثة وحدها، دون أن يسمع منه، لبيك عمرة وحجة يقول: إنه كان
مفردا، والله أعلم.
الرواية التاسعة والخمسون
(ما شأن الناس حلوا؟ ولم تحلل أنت من عمرتك؟) فى الرواية المتممة للستين ((ولم تحل
من عمرتك)) وفى الواحدة والستين ((ما يمنعك أن تحل)) وقد سبق القول بأن نساءه لم يسقن الهدى
فحللن بعمرة، والمراد من قولها ((من عمرتك)) أى من إحرامك، فإنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا أو
حاجا وقيل: إن القارن لا يحل من العمرة ولا من الحج حتى ينحر ما دام قد صحب الهدى.
(إنى لبدت رأسى وقلدت هديى) لبد شعره جعل فيه شيئا نحو الصمغ ليجتمع شعره، لئلا
يتشعث فى الإحرام، وتقليد الهدى تعليق نعل أو نعلين فى رقبة الناقة، أو شىء من الجلد، أولحى
شجرة، كعلامة عن كونها هديا بالإضافة إلى إشعارها، وهو أن يضرب صفحة سنامها الأيمن أو
الأيسر بحديدة أو سكين، فيشق الجلد ويسيل الدم، ثم يرفأ الجرح ويبقى أثره علامة على كونها هديا.
والحكمة فيه أن البدنة التى أشعرت أو قلدت إذا اختلطت بغيرها تميزت وإذا ضلت عرفت، وربما
ارتدع سارقها فتركها، وقد تعطب فتنحر فتكون للمساكين، وفى ذلك تعظيم شعار الشرع، فالقرآن
الكريم يقول: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦].
٢٢٧
ومراد الحديث من تقليد الهدى استصحابه مقلدا أو مشعرا أو بدون تقليد ولا إشعار،
كما سبق فى الأحاديث ((من كان معه هدى)). ((من لم يكن ساق الهدى)) فإن ذلك يمنع
التحلل حتى يبلغ الهدى محله، ولا دخل فى تلبيد الرأس فى منع التحلل، ولعله ذكر
مصاحبا لتقليد الهدى، وقال الكرمانى: الغرض من ذكر التلبيد بيان أنه مستعد من أول
الأمربأن يدوم إحرامه إلى أن يبلغ الهدى محله.
الرواية الثانية والستون
(خرج فى الفتنة معتمرا) بينت الرواية الثالثة والستون المراد من الفتنة، وأنها نزول
الحجاج لقتال ابن الزبير، وأن المراد من خروجه إرادته الخروج، وليس الخروج فعلا وأن قوله: ((إن
صددت عن البيت)» مبنى على نصح أولاده له بعدم الخروج فى هذا العام وكان سنة اثنتين وسبعين
من الهجرة.
(فخرج فأهل بعمرة) فى الرواية الثالثة والستين ((أشهدكم أنى قد أوجبت عمرة، فانطلق حتى
أتى ذا الحليفة فلبى بالعمرة)) قال العينى: إنما قال: أشهدكم إلخ ولم يكتف بالنية ليعلمه من أراد
الاقتداء به.
(حتى ظهر على البيداء) هو موضع بين مكة والمدينة قدام ذى الحليفة.
(ما أمرهما إلا واحدا) يعنى حكمهما واحد فى جواز التحلل منهما بالإحصار، فعدل إحرامه
فى الميقات إلى القرآن.
(لم يزد عليه): ورأى أنه مجزئ عنه أى لم يزد على هذا الطواف والسعى طوافا آخر وسعيا آخر
للحج، ورأى أن الطواف الواحد والسعى الواحد مجزئ عن الحج والعمرة معا للقارن، وفى الرواية
الثالثة والستين ((ثم طاف لهما -أى للحج والعمرة - طوافا واحدا بالبيت، وبين الصفا والمروة)) وفى
ملحقها ((وكان يقول)): من جمع بين الحج والعمرة كفاه طواف واحد)) أى طواف بالبيت وبين
الصفا والمروة. وفى الرواية الرابعة والستين ((ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول)).
الرواية الثالثة والستون
(فانطلق حتى ابتاع من قديد هديا) ((قديد)) بضم القاف وفتح الدال، وهو اسم موضع بين
مكة والمدينة.
(ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة يوم النحر) فى ملحق الرواية ((ولم يحل حتى
يحل منهما جميعا)) أى من أعمال الحج والعمرة. وفى الرواية الرابعة والستين ((ولم ينحر، ولم يحلق،
ولم يقصر، ولم يحلل من شىء حرم منه حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق)».
٢٢٨
الرواية الثانية والسبعون
(إن رجلا يقول ذلك) عنى به ابن عباس رضى الله عنهما.
(فتصدانى الرجل) أى تعرض لى. قال النووى: هكذا هو فى جميع النسخ ((تصدانى)) بالنون،
والأشهر فى اللغة ((تصدى لى)).
(ثم لم يكن غيره) قال الثورى: وكذا قال فيما بعده ((ولم يكن غيره)) هكذا هو فى جميع النسخ
((غيره)) بالغين والياء، قال القاضى عياض: كذا هو فى جميع النسخ. قال: وهو تصحيف، وصوابه ((ثم
لم تكن عمرة)) بالعين والميم، وكأن السائل لعروة إنما سأل عن نسخ الحج إلى العمرة على مذهب من
رأى ذلك، واحتج بأمر النبى ولا لهم بذلك فى حجة الوداع، فأعلمه عروة أن النبى 88# لم يفعل ذلك
بنفسه، ولا من جاء بعده.
هذا كلام القاضى: قال النووى: هذا الذى قاله من أن ((غيره)) تصحيف ليس كما قال، بل هو
صحيح فى الرواية وصحيح فى المعنى، لأن قوله ((غيره)) يتناول العمرة وغيرها، ويكون تقدير الكلام،
ثم حج أبوبكر فكان أول شىء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، أى لم يغير الحج، ولم ينقله
وينسخه إلى غيره، لا عمرة، ولا قران. والله أعلم.
(ثم حججت مع أبى الزبير بن العوام) المتكلم عروة بن الزبير، فيقول: ثم حججت مع
والدى الزبير، فقوله ((الزبير)) بدل من ((أبى)).
(ولا أحد ممن مضى) معطوف على فاعل ((ثم لم ينقضها)) أى لم ينقضها ابن عمر بعمرة، ولا
أحد غيره ممن مضى، وتمت الجملة، وما بعدها جملة جديدة. لئلا يدخل النفى على النفى فيفيد
إثباتا، عكس المقصود.
(ما كانوا يبدءون بشىء حين يضعون أقدامهم - يعنى حين يصلون مكة - أول من
الطواف بالبيت) أى لا يصلون تحية المسجد، ولا يشتغلون بغير الطواف، وفى رواية البخارى ((ما
كانوا يبدءون بشىء حين يضعون أقدامهم من الطواف)) قال ابن بطال: لا بد من زيادة لفظ ((أول))
بعد لفظ ((أقدامهم)) أى كروايتنا.
(وقد رأيت أمى) أى أسماء بنت أبى بكر زوجة الزبير رضى الله عنهم.
(وخالتى) أى عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها.
(أقبلت بعمرة قط) فى كتب اللغة: ((قط)) لها ثلاثة أحوال: الأول أن تكون ظرف زمان،
لاستغراق الماضى، وهذه بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة، وتختص بالنفى يقال: ما فعلت هذا
قط. الثانية: أن تكون بمعنى حَسْب، أى كاف، وقلما تذكر غير مقرونة بالفاء، وهذه بفتح القاف
٢٢٩
وسكون الطاء يقال: أخذت درهما قط، أى فقط. والثالثة: أن تكون اسم فعل، بمعنى يكفى، فتزاد
نون الوقاية مع ياء المتكلم، فيقال: قطنى، أى كفانى. اهـ والتى فى الحديث من قبيل الحالة الثانية.
(فلما مسحوا الركن حلوا) قال النووى: هذا متأول عن ظاهره، لأن الركن هو الحجر الأسود،
ومسحه يكون فى أول الطواف، ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بإجماع المسلمين، وتقديره: فلما
مسحوا الركن، وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا أو قصروا حلوا. قال: ولابد من تقدير هذا المحذوف،
وإنما حذف للعلم به، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل إتمام الطواف، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه
لابد أيضا من السعى بعده، ثم الحلق أو التقصير، وشذ بعض السلف فقال: السعى ليس بواجب، ولا
حجة لهذا القائل فى هذا الحديث، لأن ظاهره غير مراد بالإجماع، فيتعين تأويله - كما ذكرنا - ليكون
موافقا لباقى الأحاديث.اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: وتعقب كلام النووى بأن المراد بمسح الركن الكناية عن تمام الطواف، لا
سيما واستلام الركن يكون فى كل لوفة، فالمعنى فلما فرغوا من الطواف حلوا، وأما السعى والحلق
فمختلف فيهما كما قال، ويحتمل أن يكون المعنى فلما فرغوا من الطواف وما يتبعه حلوا. قال: وأراد
بمسح الركن هنا استلامه بعد فراغ الطواف والركعتين، كما وقع فى حديث جابر [روايتنا الخامسة
والثلاثين] فحينئذ لا يبقى إلا تقدير: وسعوا لأن السعى شرط عند عروة، بخلاف ما نقل عن ابن
عباس. والله أعلم.
الرواية الثالثة والسبعون
(قومى عنى) إنما أمرها بالقيام مخافة من عارض قد يبدر منه، كلمس بشهوة أو نحوه، فإن
اللمس بشهوة حرام فى الإحرام، فاحتاط لنفسه بمباعدتها من حيث إنها زوجة متحللة تطمع بها
النفس. وفى الرواية الرابعة والسبعين ((استرخى عنى. استرخى عنى)) قال النووي: هكذا هو فى النسخ
مرتين، أى تباعدی.
الرواية الخامسة والسبعون
(كلما مرت بالحجون) بفتح الحاء وضم الجيم، وهو من حرم مكة، وهو الجبل المشرف على
مسجد الحرس، بأعلى مكة، على يمينك وأنت مصعد عند المحصب.
(خفاف الحقائب) قال النووي: جمع حقيبة، وهو كل ما حمل فى مؤخر الرحل والقتب، ومنه
احتقب فلان كذا. اهـ ومرادها مقارنة الماضى وما كانوا فيه من فقر وضيق حال بالحاضر وما هم فيه
من سعة.
٢٣٠
الرواية الثامنة والسبعون
(كانوا يرون) أى كان أهل الجاهلية، و((يرون)) أى يعتقدون، ولابن حبان عن ابن
عباس - رضى الله عنهما - قال: ((واللَّه ما أعمر رسول اللّه مَ# عائشة فى ذى الحجة إلا
ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحى من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون .... ))
فذكر نحو الحديث، فعرف بهذا تعيين القائلين.
(أن العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور) أى من أعظم الذنوب، وهذا من تحكماتهم
الباطلة المأخوذة من غير أصل، والفجور الانبعاث فى المعاصى.
(ويجعلون المحرم صفرا) أى يجعلون ((صفرا)) من الأشهر الحرم، والمراد الإخبار عن النسىء
الذى كانوا يفعلونه وكانوا يسمون المحرم صفرا، ويحلونه، وينسئون ويؤخرون المحرم، أى يؤخرون
تحريمه إلى ما بعد صفر، لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة، تضيق عليهم أمورهم من الغارة
وغيرها، فضللهم اللَّه تعالى فى ذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
[التوبة: ٣٧]. قال الزمخشرى: النسىء هو تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وربما زادوا فى عدد
الشهور، فيجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا، أو أربعة عشر، ليتسع لهم الوقت.
ولفظ ((صفر)) فى نسخ مسلم بدون ألف، قال النووى: ((صفر)) من غير ألف بعد الراء، وهو منصوب
مصروف بلا خلاف، وكان ينبغى أن يكتب بالألف، وسواء كتب بالألف أم بحذفها لابد من قراءته
هنا منصوبا، لأنه مصروف.
(ويقولون إذا برأ الدبر) ((الدبر)) بفتح الدال والباء هو الأثر يحدث فى ظهر الإبل بسبب
احتكاك القتب والحمل عليها فى السفر، أرادوا إذا شفى وجف جرح ظهور الإبل التى سافرت للحج،
وقيل: الدبر هو أن يقرح خف البعير.
(وعفا الأثر) أى ذهب أثر الدبر، يقال: عفا الشىء بمعنى درس، وقيل: عفا وزال أثر
خفاف الإبل على الرمال بعد عودتها من الحج، لطول مرور الأيام، وهذا الأخير هو المشهور،
لأن الأول يتكرر مع ((إذا برأ الدبر)) ووقع فى سنن أبى داود ((وعفا الوبر)) بالواو، يعنى كثر
وبر الإبل بعد أن خلقته رحال الحاج.
(حلت العمرة لمن اعتمر) أى صار الإحرام بالعمرة جائزا لمن أراد أن يحرم بها.
قال النووي: وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويوقف عليها، لأن مرادهم السجع.
(صبيحة رابعة) أى صبيحة ليلة رابعة من ذى الحجة، وفى الرواية التاسعة والسبعين
والواحدة والثمانين ((فقدم لأربع مضين من ذى الحجة)) وفى الرواية المتممة للثمانين ((قدم ... لأربع
خلون من العشر)».
٢٣١
الرواية الثانية والثمانون
(هذه عمرة استمتعنا بها) أى استمتعتم بها، لأن النبى { 1 لم يكن متمتعا، ويمكن حمل
استمتاعه صلى الله عليه وسلم على القرآن كما سبق.
(فإن العمرة قد دخلت فى الحج إلى يوم القيامة) أى اندرجت أفعالها فى أفعال الحج
للقارن، أو دخل زمنها فى زمن الحج، فليست فى هذه الأشهر من أفجر الفجور.
الرواية الرابعة والثمانون
(وسلت الدم) يقال: سلت الدم بفتح السين واللام مخففة يسلت بكسر اللام وضمها سلتا، أى
سله وسحبه، والمقصود هنا سحب الدم الذى يسيل من الإشعار وتجفيفه.
الرواية الخامسة والثمانون
(ما هذه الفتيا التى قد تشغفت بالناس؟) فى بعض النسخ ((ما هذا الفتيا)» والأولى أجود،
والثانية توجه على أنه أراد بالفتيا الإفتاء. ومعنى ((تشغفت بالناس)) بالشين والغين بعدها فاء،
ثلاثتها مفتوح مع تشديد الفاء، أى علقت بالقلوب وشغفوا بها.
(أو تشغبت بالناس؟) بفتح الشين والغين المشددة، بعدها باء، أى خلطت على الناس أمورهم
وأحدثت فيهم شغبا، وروى ((تشعبت بالناس)) بالعين المهملة بدل الغين المعجمة، ومعناها فرقت
مذاهب الناس وأوقعت الخلاف بينهم، وسلكت بهم شعابا مختلفة وفى الرواية السادسة والثمانين
((إن هذا الأمرقد تفشغ بالناس)) بفتح الفاء والشين المشددة بعدها غين معجمة ومعناه انتشر وفشا
بين الناس.
(أن من طاف بالبيت فقد حل) فى الرواية السادسة والثمانين ((من طاف
بالبيت فقد حل، الطواف عمرة)» وفى الرواية السابعة والثمانين ((لايطوف بالبيت حاج ولا
غير حاج إلا حل)) قال النووي: هذا الذى ذكره ابن عباس مذهبه، وهو خلاف مذهب
الجمهوراهـ. وسيأتى شرح ذلك فى فقه الحديث.
(وإن رغمتم) الرغم بضم الراء وكسرها الكره والذل والهوان. أى وإن كرهتم.
الرواية السابعة والثمانون
(فإن ذلك بعد المعرف) أى لا يطوف بالبيت حاج إلا حل، ذاك الطواف الذى بعد
الوقوف بعرفة.
٢٣٢
الرواية الثامنة والثمانون
(أعلمت أنى قصرت من رأس رسول اللّهل# عند المروة بمشقص؟) بأسلوب
الاستفهام، والمراد أنت تعلم، وفى الرواية التاسعة والثمانين ((قصرت عن رسول اللّه * ** بمشقص)»
والمشقص بكسر الميم وإسكان الشين وفتح القاف قال النووي: قال أبو عبيد وغيره: هو نصل السهم
إذا كان طويلا ليس بعريض. وقال أبو حنيفة الدينورى: هو كل نصل فيه عترة، دقة الحرف ورقته-
وهو الثانى وسط الحربة، وقال الخليل: هو سهم فيه نصل عريض يرمى به الوحش.اهـ فكان الحلق
بالموسى، والقص والتقصير بما يشبه السكين، من نصل ونحوه.
قال النووى: هذا الحديث محمول على أن معاوية قصر عن النبى 8# فى عمرة الجعرانة، لأن
النبى # فى حجة الوداع كان قارنا، كما سبق إيضاحه وثبت أنه صلى الله عليه وسلم حلق بمنى،
فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع
من الهجرة، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلما، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان. هذا هو الصحيح
المشهور، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع وزعم أنه صلى الله عليه وسلم كان متمتعا، لأن هذا
غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة فى مسلم وغيره ((أن النبى قيل له: ما
شأن الناس حلوا ولم تحل أنت؟ فقال: إنى لبدت رأسى وقلدت هديى، فلا أحل حتى أنحر الهدى))
وفى رواية ((حتى أحل من الحج)) واللَّه أعلم.
الرواية المتممة للتسعين
(ورحنا إلى منى) معناه أردنا الرواح إلى منى، وقد سبق مثله.
الرواية الخامسة والتسعون
(ليهلن ابن مريم بفج الروحاء) بفتح الفاء وتشديد الجيم، هو بين مكة والمدينة، وكان طريق
رسول اللَّه﴿ إلى بدر، وإلى مكة عام الفتح، وعام حجة الوداع.
(حاجاً أو معتمراً أو ليثنينهما) بفتح الياء فى أوله، ومعناه يقرن بينهما، يقال: ثنى الشىء
بتخفيف النون يثنيه ثنيا عطف ورد بعضه على بعض. والله أعلم.
فقه الحديث
وضع الإمام النووى هذه الأحاديث تحت أبواب مختلفة لتعرض بعضها إلى تلك الأبواب،
ووضعناها كلها تحت باب وجوه الإحرام لاتصالها به وحديثها عنه، أما الموضوعات الفرعية فسنضع
لها عناوين فرعية، أو نكتفى بالكلام عنها فيما يؤخذ من الحديث. وبالله التوفيق.
٢٣٣
وقد أجمع العلماء على جواز العمرة قبل الحج، سواء حج فى سنته أم لا، وكذا الحج قبل العمرة،
واحتجوا له بحديث ابن عمر ((أن النبى (88 اعتمر قبل أن يحج)) رواه البخارى، وبالأحاديث
الصحيحة المشهورة ((أن رسول اللّه اعتمر ثلاث عمر قبل حجته، وكان أصحابه ه فى حجة
الوداع أقساما، منهم من اعتمر قبل الحج، ومنهم من حج قبل العمرة.
قال النووى: اعلم أن أحاديث الباب متظاهرة على جواز إفراد الحج عن العمرة وجواز التمتع،
وجواز القران، وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة [يعنى الإفراد والتمتع والقران] لما روت
عائشة فى الصحيحين قالت: خرجنا مع رسول اللّه *، فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة،
ومنا من أهل بالحج والعمرة )».
قال: وأما النهى الوارد عن عمر وعثمان - رضى الله عنهما- فسنوضح معناه فى موضعه إن شاء
اللَّه تعالى. اهـ
أما الإفراد: فصورته الأصلية أن يحرم بالحج وحده فى أشهره، ثم يأتى بأفعاله كلها، ثم يعتمر إذا
شاء. ولا خلاف بين العلماء فى جواز هذه الصورة، وإنما خلافهم - وسيأتى- فى كونها أفضل صور
الحج، أو هناك من الصور ما يفضلها.
وأما التمتع: فصورته الأصلية أن يحرم بالعمرة فى أشهر الحج، ويفرغ من أعمالها، ويتحلل منها،
ثم يحرم بالحج فى نفس العام. وهذه الصورة جائزة بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَلَّعَ
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْي﴾ وسميت هذه الصورة تمتعا لأنه يحل لصاحبها بعد التحلل
من العمرة، وقبل أن يحرم بالحج التمتع بجميع محظورات الإحرام.
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بالآية هو الاعتمار فى أشهر الحج قبل
الحج، قال: ومن التمتع أيضا القران، لأنه تمتع بسقوط سفر للنسك الآخر من بلده. اهـ. وإطلاق
التمتع على القران إطلاق لغوى، وسنتكلم عنه كوجه مستقل من وجوه الإحرام.
وبعضهم يطلق التمتع على فسخ الحج ثم التحلل منه بعمل عمرة، فيصير بعد العمرة متمتعا،
وسنتكلم عنه كوجه من وجوه الإحرام.
ولهذه الإطلاقات المتغايرة جاءت تعريفات التمتع مختلفة، فقيل: التمتع الجمع بين الحج
والعمرة يتحلل بينهما إن لم يكن سائقا الهدى، وقيل: هو ضم العمرة إلى الحج، وقيل: أن يدخل الرجل
مكة فى أشهر الحج بعمرة ثم يقيم فيها حتى يحج، وقد خرج من إحرامه وتمتع بالنساء والطيب،
وقيل: التمتع الترفق بأداء النسكين على وجه الصحة فى سفرة واحدة من غير أن يلم بأهله إلماما
صحيحا، ولهذا لم يتحقق من المكى.
والذى أمربه النبى * أصحابه فى حجة الوداع هو فسخ للحج الذى أحرموا به أولا وحده
وتحويله إلى عمرة، وبعبارة أخرى فسخ للحج والتحلل منه بعمل عمرة، ثم تمتع بين التحلل من العمرة
والإحرام بالحج، ثم إحرام بالحج يوم التروية، كان هذا الأمر لمن لم يكن معه هدى، فهو من حيث
٢٣٤
الإحرام بالعمرة فى أشهر الحج والإتيان بأعمالها والتحلل منها، ثم الإحرام بالحج فى نفس العام
تمتع شرعى، تصدق عليه الآية الكريمة، لا خلاف فى ذلك.
أما من لم يكن معه هدى فقد أمره صلى اللّه عليه وسلم أن يستمر على إحرامه بالحج، لا يتحلل
حتى يأتى بأعمال الحج، وينحر هديه. لكن هل يدخل العمرة على الحج؟ فيكون قارنا؟ أو لا يدخل
العمرة على الحج؟ فيظل مفردا؟ ظاهر حديث عائشة السابق أن بعضهم كان قارنا، وبعضهم ظل
مفردا، فهى تقول: ((فمنا من أهل بالحج)) أى وظل عليه ولم يغير- ((ومنا من أهل بعمرة)) -وفسخ
الحج وتحلل، ثم أحرم بالحج فكان متمتعا وذاك الذى لم يسق الهدى - ((ومنا من أهل بالحج
والعمرة)) - أى أدخل العمرة على الحج، فكان قارنا.
ويمكن فهم الأحاديث التى ظاهرها التعارض على هذا النحو، وأن بعض الرواة تحدث عن منظر
من مناظر هذا الحدث، فظن أنه يتحدث عن منظر آخر، فتوهم التعارض بين الروايات، وقد
استعرضناها مع محاولة لرفع التعارض فى أول المباحث العربية.
كما استعرضنا إحرام عائشة - رضى الله عنها - على وجه الاستقلال، لأنها فى حجة الوداع كان
لها وضع خاص.
وإذا كان الأمر كذلك، وأن التمتع جائز كوجه من وجوه الإحرام، فكيف منعه عمر وعثمان ومعهما
بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؟ وما موقف فقهاء المسلمين من هذا المنع؟.
ابتداء نجمع ما ورد فى مسلم بخصوص هذه المسألة من روايات.
ففى الرواية الثالثة والثلاثين عن أبى نضرة قال: ((كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير
ينهى عنها. قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: تمتعنا مع رسول الله{﴿ فلما قام عمر قال: إن
اللَّه كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله، كما أمركم
اللَّه، وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح إلى أجل إلا رجمته بالحجارة)) وفى رواية قال:
((فافصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم)).
وفى الرواية الواحدة والأربعين يقول أبو موسى الأشعرى، بعد أن حكى تمتعه فى حجة الوداع،
يقول: ((فكنت أفتى به الناس - أى بجواز التمتع- حتى كان فى خلافة عمر له فقال له رجل: يا أبا
موسى. رويدك بعض فتياك، فإنك لاتدري ما أحدث أمير المؤمنين فى النسك بعدك، فقال: أيها
الناس. من كنا أفتيناه فتيا فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم، فبه فائتموا. قال: فقدم عمر لته
فذكرت ذلك له، فقال: إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب اللَّه يأمر بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله
﴿ فإن رسول اللّه* لم يحل حتى بلغ الهدى محله)) وقريب من هذا فى الرواية الثانية والأربعين
وفيها ((فلما قدم قلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا الذى أحدثت فى شأن النسك؟)).
وفى الرواية الرابعة والأربعين. قال عمر لأبى موسى رضى الله عنهما ((قد علمتُ أن النبى {* قد
فعله وأصحابه، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن فى الآراك، ثم يروحون فى الحج تقطر رءوسهم)».
٢٣٥
وفى الرواية الخامسة والأربعين ((كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان على يأمر بها فقال
عثمان لعلى كلمة، ثم قال على: لقد علمت أنا قد تمتعنّا مع رسول اللَّهِ﴾؟ فقال عثمان:
أجل. ولكنا كنا خائفين».
وفى الرواية السادسة والأربعين ((اجتمع على وعثمان - رضى الله عنهما -بعسفان، فكان عثمان
ينهى عن المتعة، أو العمرة، فقال على: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله{ * تنهى عنه؟ فقال عثمان:
دعنا منك، فقال على: إنى لا أستطيع أن أدعك )).
وفى الرواية السابعة والأربعين يقول أبو ذر: ((كانت المتعة فى الحج لأصحاب
محمد # خاصة».
وفى الرواية الثامنة والأربعين يقول أبو ذر أيضا ((كانت لنا رخصة)) يعنى متعة الحج.
وفى الرواية التاسعة والأربعين يقول أبو ذر أيضا: ((لاتصلح المتعتان إلا لنا خاصة)) يعنى متعة
النساء ومتعة الحج.
وفى الرواية المتممة للخمسين عن أبى ذر مثل ذلك.
وفى الرواية الثانية والخمسين عن عمران بن حصين قال: ((أعلم أن رسول اللَّه * قد أعمر طائفة
من أهله فى العشر، فلم تنزل آية تنسخ ذلك، ولم ينه عنه رسول اللّه * حتى مضى لوجهه، ارتأى كل
امرئ بعد ما شاء أن يرتئى)) وفى رواية ((ارتأى رجل برأيه ما شاء)) يعنى عمر.
وفى الرواية الثالثة والخمسين والرابعة والخمسين والخامسة والخمسين والسادسة والخمسين
والسابعة والخمسين عن عمران بن حصين مثل ذلك.
وفى الرواية الثانية والتسعين عن أبى نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت، فقال: إن
ابن عباس وابن الزبير اختلفا فى المتعتين؟ فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللَّهَ، ثم نهانا عنهما
عمر، فلم نعد لهما)».
تلك هى روايات الإمام مسلم لموقف عمرومن تبعه من الصحابة رضى الله عنهم، وأقول: ومن
تبعه، لأنه أول من قال هذا القول، ودافع عنه، وأمر بعدم المتعة، أو نهى عن المتعة، وشدد فى هذا
النهى حتى خاف منه من يعارضه، كما نلحظ ذلك فى روايات أبى موسى، وروايات عمران بن
حصين. قال الحافظ ابن حجر: إن عمر أول من نهى عن المتعة وكأن من بعده كان تابعا له فى ذلك.
وقد اختلف العلماء فى فهم مراد عمرومن تبعه من هذا النهى، هل كان ينهى عن فسخ
الحج إلى العمرة على أنه تمتع؟ أوكان ينهى عن التمتع الشرعى؟ وهو الإحرام بالعمرة فى
أشهر الحج؟ والإتيان بأفعالها؟ ثم التحلل منها؟ والإحرام بالحج فى العام نفسه؟ وعلى
الثانى هل كان يمنع ذلك وينهى عنه على أنه جائز مفضول؟ أو على أنه غير جائز؟ أقوال.
يقول المازرى: اختلف فى المتعة التى نهى عنها عمر فى الحج، فقيل: هى فسخ الحج إلى
٢٣٦
العمرة، وقيل: هى العمرة في أشهر الحج ثم الحج من عامه، وعلى هذا إنما نهى عنها ترغيبا
فى الإفراد الذى هو الأفضل، لا أنه يعتقد بطلانها أو تحريمها.أهـ.
فالفريق الأول: يمثله القاضى عياض إذ يقول: ظاهر حديث جابر [روايتنا الثالثة والثلاثين، وفيها
((تمتعنا مع رسول اللَّه ﴿، فلما قام عمر قال: إن اللَّه كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن
قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله، كما أمركم الله)) وروايتنا الثانية والتسعين: وفيها)) فعلناهما
مع رسول اللَّه﴿، ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما))] وعمران [روايتنا الثانية والخمسين والثالثة
والخمسين والرابعة والخمسين والخامسة والخمسين والسادسة والخمسين والسابعة والخمسين]
وأبى موسى [روايتنا الواحدة والأربعين، وفيها ((قال عمر: إن نأخذ بكتاب الله فإن كتاب الله يأمر
بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول اللَّه﴿ فإن رسول اللّه ﴿ لم يحل حتى بلغ الهدى محله))].
أقول: يقول القاضى عياض: ظاهر حديث جابر وعمران وأبى موسى أن المتعة التى اختلفوا فيها
إنما هى فسخ الحج إلى العمرة. قال: ولهذا كان عمر ◌ُه يضرب الناس عليها، ولا يضربهم [أى ولا
يصح أن يضربهم] على مجرد التمتع فى أشهر الحج، وإنما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة
أن فسخ الحج إلى العمرة كان مخصوصا فى تلك السنة، لإبطال اعتقاد الجاهلية أن العمرة لا تصح
فى أشهر الحج. انتهى.
ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث أن قول عمر: ((إن الله يحل لرسوله ما شاء بما شاء ... )) الخ يريد
أن اللَّه أحل لرسوله فسخ الحج إلى العمرة فى ذلك العام بسبب ما شاء من إبطال عقيدة
الجاهلية، وإن القرآن الكريم قد أخذ وضعه وعمومه فى الأمر بإتمام الحج، والذى يفسخ الحج يخالف
الأمر بإتمامه دون إحصار، فإن نأخذ بكتاب الله لا نفسخ فإن كتاب اللَّه يأمر بالتمام، وإن نأخذ
بسنة رسول اللَّهِ ﴿ العملية، أى بفعله صلى الله عليه وسلم لا نفسخ لأن رسول اللّه ﴿ لم يفسخ،
واستمر على إحرامه الأول بالحج حتى نحر هديه، سواء أدخل عليه العمرة فصار قارنا، أو ظل مفردا،
فكتاب الله دال على منع التحلل لأمره بالإتمام، فيقتضى استمرار الإحرام إلى فراغ الحج، وسنة
رسول الله ﴿ دالة على ذلك وأحاديث جابر وأبى موسى. رضى الله عنهما تعطى هذا المعنى، وإن
كان فى بعض رواياتهما ما يعارضه - كما سيأتى- أما أحاديث عمران ته فإنها لا يتضح فيها هذا
المعنى، وربما كان القاضى عياض يقصد روايات أخرى له فى غير مسلم. على أن أحاديث أبى ذر
ضه، [رواياتنا السابعة والأربعون والثامنة والأربعون والتاسعة والأربعون] صريحة فى الخصوصية
والرخصة لأصحاب محمد، أى الذين لم يسوقوا الهدى، فهى تؤيد هذا القول.
قال القاضى عياض: وجمهور الأئمة على أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصا بالصحابة.اهـ.
فسخ الحج إلى العمرة: صريح الأحاديث أن النبى # أمر من لم يكن معه هدى أن يفسخ الحج
الذى أحرم به، وأن يجعله عمرة، ففى الرواية العاشرة ((قال لأصحابه: اجعلوها عمرة)) وفى الرواية
الثانية والثلاثين والرابعة والثلاثين ((فأمرنا رسول اللَّه ◌َ أن نجعلها عمرة، ونحل. قال جابر: وكان
معه الهدى فلم يستطع أن يجعلها عمرة)) وفى الرواية الخامسة والثلاثين ((فمن كان منكم ليس معه
٢٣٧
هدى فليحل، وليجعلها عمرة)» وفى الرواية المتممة للتسعين يقول أبو سعيد: ((خرجنا مع رسول اللّه
نصرخ بالحج صراخا، فلما قدمنا مكة أمرنا رسول اللّه : أن نجعلها عمرة، إلا من ساق الهدى»
وعند البخارى يقول ابن عباس ((فلما قدمنا مكة قال رسول اللّه فَ ل: اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا
من قلد الهدى)».
ولا خلاف بين العلماء فى أن الرسول 3# أمر من لم يكن معه هدى فى حجة الوداع أن يفسخ
الحج إلى العمرة، ولكن الخلاف فى كون هذا الفسخ رخصة لهذا العام فقط؟ أو هو حكم شرعى عام
إلى يوم القيامة؟.
يقول النووى فى المجموع: مذهب الشافعية أنه إذا أحرم بالحج لا يجوزله فسخه وقلبه عمرة،
وإذا أحرم بالعمرة لا يجوزله فسخها حجا، لا لعذر، ولا لغيره، وسواء ساق الهدى أم لا. فهذا مذهبنا،
قال ابن الصباغ والعبدرى وآخرون: وبه قال عامة الفقهاء وقال أحمد: يجوز فسخ الحج إلى العمرة
لمن لم يسق الهدى، وقال القاضى عياض فى شرح صحيح مسلم: جمهور الفقهاء على أن فسخ الحج
إلى العمرة كان خاصا للصحابة، قال: وقال بعض أهل الظاهر: هو جائز الآن.اهـ
وصريح روايات أبى ذر أن هذا كان رخصة وخصوصية لذلك العام، لكن الإمام أحمد لم يأخذ بها،
فهى موقوفة على أبى ذر، ولم يأخذ بحديث الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه قال: ((قلت: يا
رسول اللّه، أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة؟ أم للناس عامة؟ فقال رسول اللّه،﴿: بل لكم
خاصة)) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. قال النووى: وإسناده صحيح إلا الحارث بن بلال، ولم أر
فيه جرحا ولا تعديلا. قال الإمام أحمد: هذا الحديث لا يثبت عندى، ولا أقول به.
ويمكن أن يحتج للإمام أحمد بروايتنا الخامسة والثلاثين، وفيها ((فمن كان منكم ليس
معه هدى فليحل، وليجعلها عمرة)) فقام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول اللَّه،
ألعامنا هذا؟ أم لأبد؟ فشبك رسول اللَّه ﴿ أصابعه واحدة فى الأخرى، وقال: دخلت العمرة
فى - الحج مرتين - لا، بل لأبد أبد)).
ويجيب الجمهور عن هذا الاستدلال بأن المراد به جواز العمرة في أشهر الحج، لا فسخ
الحج إلى العمرة، أو أن المراد دخول أفعالها فى أفعال الحج، وهو القرآن، وحمله من يقول:
إن العمرة ليست واجبة على أن العمرة اندرجت فى الحج، فلا تجب، وإنما تجب على
المكلف حجة الإسلام دون العمرة.
ونعود إلى تحرير مراد عمرومن تبعه من الصحابة من النهى عن المتعة، فنقول:
الفريق الثانى: يقول: إن نهى عمر وعثمان وغيرهما من الصحابة رضى الله عنهم، عن
متعة الحج، أى الإحرام بالعمرة فى أشهر الحج، ثم الحج فى العام نفسه، وليس عن فسخ
الحج إلى العمرة، وظاهر الروايات معهم، فمن الصعب جدا أن تحمل على الفسخ أمرابن
عباس بالمتعة، ونهى ابن الزبير عنها، فى الرواية الثالثة والثلاثين، وكذلك نهى عثمان عن
٢٣٨
المتعة وأمر على بها فى الرواية الخامسة والأربعين والسادسة والأربعين، إذا لم يكن هناك
من أحرم بالحج ويريد أن يفسخه إلى عمرة، وإنما كان ذلك فيمن يريد الإحرام بالعمرة فى
أشهر الحج، وروايات عمران ابن حصين، الثانية والخمسون وما بعدها تقول: ((أعمر طائفة
من أهله فى العشر)» فالخلاف إذن فى الإحرام بالعمرة في أشهر الحج.
ويرى هذا الفريق أن عمر وعثمان كانا ينهيان نهى منع، وحمل للناس على عدم التمتع، قال
النووى فى المجموع: ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقتضى كلامه أن مذهب عمر بطلان
التمتع، وهو ضعيف، وقال العينى: وقد أنكر عليهم علماء الصحابة، وخالفوهم فى فعلها، والحق مع
المنكرين عليهم دونهم.اهـ
الفريق الثالث: كالفريق الثانى فى أن المنهى عنه على لسان عمر وعثمان ومن تبعهما ؤم هو
متعة الحج، والفرق بين الفريقين أن هذا الفريق يرى أن النهى نهى تفضيل للإفراد على التمتع، لا
نهى منع، يؤيد ذلك ما جاء فى روايتنا الرابعة والأربعين من قول عمر: ((ولكن كرهت أن يظلوا
معرسين بهن فى الأراك، ثم يروحون فى الحج تقطر رءوسهم» يقول النووى: والمختار أن عمر وعثمان
وغيرهما إنما نهوا عن المتعة التى هى الاعتمار فى أشهر الحج، ثم الحج من عامه، ومرادهم نهى
أولوية للترغيب فى الإفراد، لكونه أفضل، وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقرآن،
من غير كراهة، وإنما اختلفوا فى الأفضل منها. اهـ
وروى البيهقى بإسناد صحيح عن سالم قال: سئل ابن عمر عن متعة الحج، فأمر بها، فقيل له:
إنك تخالف أباك؟ فقال: إن أبى لم يقل: إن العمرة فى أشهر الحج حرام ولكنه قال: أفردوا الحج عن
العمرة، فإن العمرة لا تتم فى أشهر الحج، إن عمر نهى عن ذلك يبغى فيه الخير، فإذا أكثروا عليه قال:
فكتاب اللَّه أحق أن يتبع؟ أم عمر؟ أمر رسول اللّه أحق أن تتبعوا؟ أم عمر؟ فمراد عمر تفضيل
إخلاص أشهر الحج للحج، والاعتمار فى غير أشهره، لأن العمرة فى أشهر الحج يتمتع بها إلى الحج،
والتمتع لا يتم إلا بالهدى والصيام إذا لم يجد هديا، والعمرة فى غير أشهر الحج تتم بلا هدى ولا صيام،
فترك التمتع إتمام للعمرة، فكره التمتع.
بقى أن نقول: إن الروايات التى ساقها الإمام مسلم تفيد أن من ساق الهدى لا يتمتع،
ولا يحل حتى يحل من الحج والعمرة وينحر هديه، وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد
وموافقيهما، قال النووى: ومذهب مالك والشافعى وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحلق
حل من عمرته، وحل له كل شىء فى الحال، سواء كان ساق هديا أم لا، واحتجوا بالقياس
على من لم يسق الهدى، وبأنه تحلل من نسكه، فوجب أن يحل له كل شىء، كما لو تحلل
المحرم بالحج، وأجابوا عن هذه الروايات بأنها مختصرة من الروايات التى ذكرها مسلم
بعدها، والتى ذكرها قبلها عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله* عام حجة الوداع
فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول اللَّه ◌ُ: ((من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا
يحل حتى يحل منهما جميعا)) فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الروايات التى احتج بها
٢٣٩
أبو حنيفة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه. قال:
ولا بد من هذا التأويل، لأن القضية واحدة، والراوى واحد، فيتعين الجمع بين الروايات على
ما ذكرناه.اهـ
والتحقيق أن ظاهر الروايات مع أبى حنيفة وأحمد، ولا قياس مع النص، والجمع ممكن بغير ما
جمع به النووى كما وضحنا فى أول المباحث العربية.
وأما القران فصورته - كما قال النووى - أن يحرم بهما جميعا، وكذا لو أحرم بالعمرة ثم أحرم
بالحج قبل طوافها صح وصار قارنا، فلو أحرم بالحج، ثم أحرم بالعمرة فقولان للشافعى، أصحهما لا
يصح إحرامه بالعمرة، والثانى يصح ويصير قارنا، بشرط أن يكون قبل الشروع فى أسباب التحلل من
الحج، وقيل: قبل الوقوف بعرفات، وقيل: قبل فعل فرض، وقيل: قبل طواف القدوم أو غيره.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن لمن أهل بالعمرة في أشهر الحج أن يدخل عليها الحج، ما
لم يفتتح الطواف بالبيت، قال: واختلفوا فى إدخاله عليها بعد افتتاح الطواف، فجوزه مالك ومنعه
الشافعى، واختلفوا فى إدخال العمرة على الحج، فقال أصحابنا: يجوز ويصير قارنا، وهو قول قديم
للشافعى، ومنعه الشافعى فى مصر، ونقل منعه عن أكثر من لقيه. قال ابن المنذر: وبقول مالك أقول.
أى وجوه الإحرام الثلاثة أفضل؟
قال النووى: أما الأفضل من هذه الأنواع الثلاثة ففيه طرق وأقوال منتشرة الصحيح منها أن
أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القرآن، وقال فى شرح مسلم: واحتج الشافعى وأصحابه فى ترجيح الإفراد
بأنه صح ذلك من رواية جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة رضى الله عنهم، وهؤلاء لهم مزية على
غيرهم فى حجة الوداع، ثم ذكر مزاياهم، وقال: ومن دلائل ترجيح الإفراد أن الخلفاء الراشدين رضى
الله عنهم بعد النبى{ أفردوا الحج، وواظبوا على إفراده، ولو لم يكن الإفراد أفضل لم يواظبوا عليه مع
أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإسلام، ويقتدى بهم فى عصرهم وبعدهم، فكيف يليق بهم المواظبة على
خلاف الأفضل؟ ومنها أن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع، وذلك لكماله، ويجب الدم فى التمتع
والقرآن، وهو دم جبران، لفوات الميقات وغيره، فكان مالا يحتاج إلى جبر أفضل ومنها أن الأمة
أجمعت على جواز الإفراد من غير كراهة، وكره عمر وعثمان وغيرهما التمتع، وبعضهم كره التمتع
والقرآن، فكان الإفراد أفضل. والله أعلم.
القول الثانى أن أفضلها التمتع ثم الإفراد، الثالث: أفضلها الإفراد ثم القرآن ثم التمتع، وقال: قال
أصحابنا: وشرط تقديم الإفراد أن يحج ثم يعتمر فى سنة واحدة، فإن أخر العمرة عن سنة فكل واحد
من التمتع والقرآن أفضل منه بلا خلاف، لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه.
هذا مذهب الشافعية، وبه قال العلماء وكافة الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال
مالك والأوزاعى وأبو ثور وداود، وقال أبو حنيفة: القران أفضل، وقال أحمد: التمتع أفضل،
٢٤٠