Indexed OCR Text

Pages 501-520

(عن كريب أن أم الفضل) ((كريب)) بضم الكاف وفتح الراء مولى ابن عباس. «وأم الفضل)»
زوجة العباس رضى الله عنهم.
(واستهل على رمضان وأنا بالشام) ((استهل)) بضم التاء وكسر الهاء، ومعناه هل، يقال: هل
الهلال هلا. ظهر، وهل الشهر: ظهر هلاله.
(فرأيت الهلال ليلة الجمعة) أى ورآه الناس كما رأيته، واستقررمضان بالشام وأصبح
الناس هناك صائمين يوم الجمعة.
(فى آخر الشهر) أل العهد. أى آخر شهر رمضان.
(ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال) بالشام؟ وهذا كله توضيح للسؤال نفسه،
والخطاب فى ((رأيتم)) مقصود به كريب وأهل الشام. فقوله: ((رأيناه)) أى أنا وغيرى.
(أنت رأيته)؟ استفهام حقيقى للتثبت من الرائى.
(فلا نزال نصوم) أى سنظل نصوم حسب رؤيتنا.
(تراءينا الهلال) أى تكلفنا النظر إلى جهته لذراه، أى قصدنا رؤيته لتقدير عمره.
(إن اللَّه مده للرؤية) فى الرواية الخامسة والعشرين ((إن الله قد أمده لرؤيته)). قال النووى:
هكذا فى بعض النسخ، وفى بعضها: ((فقال: إن رسول اللَّه # قال: إن اللَّه مده للرؤية)). وجميع
النسخ متفقة على ((مده)) من غير ألف فى الرواية الأولى، وفى الثانية «قد أمده)» بالألف فى أوله فى
جميع النسخ. قال القاضى: قال بعضهم: الوجه أن يكون ((أمده)) بالتشديد من الإمداد، ومده من
الامتداد. قال القاضى: والصواب عندى بقاء الرواية على وجهها، ومعناه أطال مدته إلى الرؤية، وقد
يكون ((أمده)) من المدة التى جعلت له، قال صاحب ((الأفعال)): أمددتكها أى أعطيتكها. انتهى.
فالمعنى أعطاه الله مدة.
(فهو لليلة رأيتموه) هذا من تتمة كلام الرسول ﴿، أى إن الله أعطاه مدة بقاء فى السماء أول
ليلة لتتمكنوا من رؤيته، فهوابن الليلة التى نراه فيها، أى فهو يثبت لليلة التى يرى فيها، وفى الرواية
الخامسة والعشرين ((فإن أغمى عليكم فأكملوا العدة)) أى فإن لم تروه فى أول ليلة مع مد اللَّه له
لحصول غيم أو خلافه فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا.
(شهرا عيد) فسرهما فيما بعد بقوله ((رمضان وذى الحجة)) أما ذو الحجة فظاهر أن العيد يقع
فيه)» فينسب إليه، وأما رمضان فالعيد يليه ويقع فى شوال، فإضافته إليه لقربه منه.
(لا ينقصان) قال الحافظ ابن حجر: اختلف العلماء فى معناه، فمنهم من حمله على
ظاهره، فقال: لا يكون رمضان ولا ذو الحجة أبدًا إلا ثلاثين. وهذا قول مردود. معاند
٥٠١

للموجود المشاهد، ويكفى فى رده قوله صلى الله عليه وسلم: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته،
فإن غم عليكم فأكملوا العدة))، فإنه لوكان رمضان أبدًا ثلاثين لم يحتج إلى هذا. قال:
ومنهم من تأول له معنى لائقاً. وذكر أقوالا تزيد على سبعة:
قيل: لا ينقصان معًا، فلا يكونان فى عام ثمانية وخمسين يومًا، إن جاء أحدهما تسعاً وعشرين
جاء الآخر ثلاثين ولابد. نسب هذا إلى أحمد. نقل ذلك الترمذى. قال: قال أحمد: معناه لا ينقصان
معاً فى سنة واحدة. كما نسب إلى البزار قوله: معناه لا ينقصان جميعاً فى سنة واحدة، واستند إلى
حديث مرفوع ((شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يوماً)).
قال الطحاوى: حمل الحديث على هذا يدفعه العيان، لأنا قد وجدناهما ينقصان معاً فى أعوام.
وقيل: لا ينقصان معاً فى سنة واحدة على طريق الأكثر الأغلب وإن ندر وقوع ذلك. قال الحافظ
ابن حجر: وهذا أعدل مما تقدم.
وقيل: معناه لا ينقصان فى عام بعينه، وهو العام الذى قال فيه صلى الله عليه وسلم تلك المقالة.
نقله القرطبى. والمعنى عليه: لا ينقصان معًا هذا العام.
وقيل: معناه لا ينقصان فى نفس الأمر فى أى عام، لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع. أشار
إليه ابن حبان. ولا يخفى بعده.
وقيل: معناه لا يليق وصفهما بالنقصان وإن حصل فعلا النقص الحسى باعتبار العدد، فإن نقص
العدد فيها ينجبر بأن كلا منهما شهر عيد عظيم.
وقيل: لا ينقصان فى الأحكام، على معنى أن الأحكام فيهما وإن كانا تسعة وعشرين؛ متكاملة غير
ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين. جزم به البيهقى وقبله الطحاوى.
وقيل: لا ينقصان، أى لا ينقص أحدهما فى فضل أيامه عن الآخر.
وقيل: لا ينقصان فى الفضيلة، سواء أكانا تسعاً وعشرين أم ثلاثين، وهذا يقتضى أن التسوية فى
الثواب بين الشهر الذى يكون تسعة وعشرين وبين الشهر الذى يكون ثلاثين، فالثواب متعلق بالشهر
لا بالأيام فيه.
وهذا القول أقرب الأقوال وأحراها بالقبول.
وإنما خصهما بالذكر لتعلق حكم الصوم والحج بهما، وفائدة الحديث رفع ما يقع فى القلوب من
شك لمن صام تسعة وعشرين أو وقف فى غير يوم عرفة إذا لم يحصل تقصير فى ابتغاء الهلال.
انتهى من فتح البارى بتصرف.
فقه الحديث
يجمع هذه الأحاديث تعلقها بالهلال، وإن تشعبت مسائلها إلى شعب نجملها فى أربع:
٥٠٢

الأولى: بم يثبت هلال الشهر؟.
الثانية: اختلاف المطالع.
الثالثة: صوم يوم الشك.
الرابعة: ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام المتفرقة.
١- أما عن الشعبة الأولى فظاهر الأحاديث توقف ثبوت الهلال على رؤية العين المجردة. وتوقف
وجوب الصوم عليها، بل تفيد النهى عن الصوم بدونها، ففى الرواية الأولى والثالثة والسادسة ((لا
تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه)» وفى الروايات الرابعة والخامسة والثالثة عشرة
والسادسة عشرة ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا)) وفى الرواية الثانية والرابعة عشرة
(( صوموا لرؤيته)).
ولا خلاف فى أن الخطاب فى ((صوموا)) و((لا تصوموا)) للأمة، ولكن الخطاب فى ((تروا)) لا يقصد
به جميع أفرادها قطعاً، وإنما المراد حتى يثبت برؤية عدل منكم، أو برؤية عدلين منكم، أو برؤية جمع
منكم، خلاف بين الفقهاء على أقوال كثيرة.
القول الأول: يقبل ويثبت هلال رمضان بعدل ذكرحر واحد، لما رواه أبو داود والدارقطنى
والبيهقى بإسناد صحيح على شرط مسلم عن ابن عمر قال: ((تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبى ◌ُ ث.
أنى رأيته، فصام النبى ﴿، وأمر الناس بالصيام)).
ولأنه إيجاب عبادة، فقبل من واحد احتياطاً للفرض، ولم يقبل من العبد والمرأة لأنه شهادة
كسائر الشهادات، ويشترط لفظ الشهادة، ويختص بمجلس القاضى.
أما هلال شوال فلا يقبل فيه إلا شاهدان عدلان، لأنه إسقاط فرض فاعتبر فيه العدد. وهذا القول
هو الأصح عند الشافعية، قال النووى: ولا يجوز الفطر بشهادة عدل رأى هلال شوال عند جميع العلماء
إلا أبا ثور، فجوزه بعدل.
القول الثاني: هو كالقول الأول، إلا أنه يقبل قول العبد والمرأة، على أساس أنه رواية، كرواية
الأحاديث. وهذا رأى عند الشافعية.
القول الثالث: لا يثبت هلال رمضان إلا بشهادة عدلين، ولا مدخل للنساء والعبيد فى هذه الشهادة،
ويشترط لفظ الشهادة، ويختص بمجلس القاضى كذا قال بعض الشافعية.
القول الرابع: يشترط لثبوت هلال رمضان رجلان أو رجل وامرأتان. حكاه ابن المنذر عن الثورى.
ولا خلاف فى كل هذا عند الشافعية بين أن تكون السماء مصحية أو مغيمة.
القول الخامس: قال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة، ثبت بشهادة واحد، ولا يثبت غير
رمضان إلا باثنين. قال: وإن كانت مصحية، لم يثبت رمضان بواحد ولا باثنين، ولا يثبت إلا بعدد
٥٠٣

الاستفاضة، واحتج له بأنه يبعد أن ينظر الجماعة الكبيرة إلى مطلع الهلال، وأبصارهم صحيحة، ولا
مانع من الرؤية، ويراه واحد أو اثنان منهم.
وأجاب النووى عن هذا الاحتجاج بأنه مخالف الأحاديث الصحيحة، فلا يعرج عليه، ثم إنه يجوز
أن يراه بعضهم دون جمهورهم لحسن نظره أو غير ذلك، وليس هذا ممتنعاً، ولهذا لو شهد برؤيته اثنان
أو واحد وحكم به حاكم لم ينقض بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع. اهـ
القول السادس: قال أحمد: عند عدم الغيم يصوم بواحد، ويفطر بخبر حر أو حرتين، أما إذا كان
بالسماء علة فجمع عظيم يقع العلم بخبرهم. قيل: خمسون، وقيل: مائة، وقيل: أكثر. والصحيح أن خبر
الصغير المميز لا يكفى. اللّهم إلا عند من يرى أنها رواية ويكتفى بخبر الواحد، أما الكافر والفاسق
والمغفل فلا يقبل قولهم بالإجماع بلا خلاف، ولا خلاف فى اشتراط العدالة الظاهرة، والخلاف فى
اشتراط العدالة الباطنة، والأصح قبول رواية المستور.
(مسألة) قال النووى: إذا قبلنا فى هلال رمضان عدلا، وصمنا ثلاثين يوماً فلم نر الهلال بعد
الثلاثين فهل نفطر؟ قولان. أصحهما نفطر اهـ
ومع أن ظاهر الأحاديث كما ذكرنا -يرتب ثبوت الهلال على الرؤية، ويرتب الصوم على ثبوت
الهلال، وينهى عن الصوم عند عدم الرؤية، ومع أن جمهور العلماء أخذوا بهذا الظاهر، وقالوا: لا نتعبد
إلا بالرؤية، بحجة أن الحساب والتنجيم تخمين وظن، يحسن بنا أن نستعرض أقوالهم فى ذلك ثم
نناقشها لعلنا نصل - بعون اللَّه- إلى ما هو أصلح وأصح بالنظر لحكمة مشروعية الصوم، واللّه
المستعان على ما نقول.
قال النووى: إذا غم الهلال وعرف رجل بالحساب أنه من رمضان فوجهان، قال ابن سريج: يلزمه
الصوم، لأنه عرف الشهر بدليل، فأشبه من عرفه بالبيئة. وقال غيره: لا يصوم، لأنا لم نتعبد إلا بالرؤية.
وقال الدارمى: لا يصوم بقول منجم. وقال قوم: يلزم الصوم. وقال صاحب ((البيان)): إذا عرف
بحساب المنازل أن غداً من رمضان، أو أخبره عارف بذلك فصدقه، فنوى، وصام بقوله فوجهان:
أحدهما يجزئه، قاله ابن سريج، واختاره القاضى أبو الطيب؛ لأنه سبب حصل له به غلبة ظن، فأشبه
ما لو أخبره ثقة عن مشاهدة، والثانى لا يجزئه، لأن النجوم والحساب لا مدخل لها فى العبادات.
قال: وهل يلزمه الصوم بذلك؟ قال ابن الصباغ: أما الحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا، وذكر
صاحب ((المهذب)) أن الوجهين فى الوجوب. هذا كلام صاحب (البيان)). وقطع صاحب ((العدة)) بأن
الحاسب والمنجم لا يعمل غيرهما بقولهما. وقال المتولى: لا يعمل غير الحاسب بقوله، وهل يلزمه هو
الصوم بمعرفة نفسه الحساب؟ فيه وجهان. قال الرويانى: من عرف منازل القمر لا يلزمه الصوم به
على الأصح. وقال البغوى لا يجوز تقليد المنجم فى حسابه، لا فى الصوم ولا فى الفطر.
قال النووي: فحصل فى المسألة خمسة أوجه: أصحها: لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما
بذلك، لكن يجوز لهما دون غيرهما، ولا يجزئهما عن فرضهما.
٥٠٤

الثانی: يجوز لهما ویجزئهما.
الثالث: يجوز للحاسب ولا يجوز للمنجم.
الرابع: يجوز لهما، ويجوز لغيرهما تقليدهما.
الخامس: يجوز لهما، ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم. اهـ
وقال العينى عند شرح حديث: ((فاقدروا له)): المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسره فى حديث
آخر، ولا يجوز أن يكون المراد حساب النجوم، لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا
الأفراد، والشارع إنما يأمر الناس بما يعرفه جماهيرهم.
وقال عند شرح حديث: ((فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». ظاهره ينفى تعليق الحكم
بالحساب أصلا، إذ لو كان الحكم بعلم من ذلك لقال: فاسألوا أهل الحساب. ثم قال: قال ابن بزيزة:
نهت الشريعة عن الخوض فى علم النجوم، لأنه حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه
لوارتبط الأمر بها لضاق الأمر، إذ لا يعرفها إلا القليل.
وقال ابن بطال وغيره: إننا لم تكلف فى تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى
معرفة حساب ولا كتابة، إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة، يستوى فى معرفة ذلك
الحساب وغيرهم. اهـ
هذه خلاصة ما قيل فى عدم الاعتماد على الفلك والحساب عند تقدير الشهور، وهى تعتمد على
نقاط، نوردها ثم نناقشها.
النقطة الأولى: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب)». وهذه قضية حالة،
انتهت، فلم تعد أمة الإسلام أمة أمية، بل أصبحت أمة تكتب وتحسب، فلا يستصحب الحكم المبنى
عليها لما بعدها. وظاهر الحديث تعليل الاعتماد على رؤية الهلال عليها، والمعلول يدور وراء علته
وجودًا وعدمًا، فقول العينى: علق الشارع الصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عن أمته فى معاناة حساب
التيسير، واستمر ذلك بينهم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك هذا القول غير مقبول، إذ يشبه قول من
يقول: إن حكم المعلل بعلة يستمر وإن زالت علته.
النقطة الثانية: قولهم: [لا نتعبد إلا بالرؤية] وهذه قضية لم يلتزم بها أصحاب هذا القول ولا
غيرهم، فقد تعبد جميع المسلمين ويتعبدون بالتقويم الحسابى فى أوقات الصلاة، ولم يعودوا يعتمدون
على رؤية الفجر الصادق والكاذب حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ولا
على رؤية غياب الشفق، ولا أن يصير ظل كل شىء مثله .. إلخ.
النقطة الثالثة: حملهم قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن غم عليكم فاقدروا له)) روايتنا الأولى
والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة على أن المراد بها إكمال العدة ثلاثين يوماً كما جاء
فى بعض الروايات، فاعتمدوها، وقال العينى: إنها تنفى تعلق الحكم بالحساب أصلا، إذ لوكان
الحكم يعلم من ذلك لقال فاسألوا أهل الحساب. اهـ
٥٠٥

وهذا تحكم، فللروايات الأولى معنى مستقل ((فاقدروا له)) يختلف تماماً عن معنى
((فأكملوا العدة)) إذ إكمال العدة لا يحتاج إلى تقدير، فلم لا نجعل الروايتين لحالتين، حالة
يمكن معها التقدير الحسابى لوجود علمائه وحالة يصعب معها التقدير الحسابى فتكمل
العدة، ويصبح المعنى فاقدروا له بالحساب إن أمكن، وأكملوا العدة ثلاثين يوماً إن لم
تتمكنوا من التقدير، فتعمل الروايتين على مقامين مختلفين، على أن الإمام أحمد وغيره
فسروا («فاقدروا له)» على أن المراد: فاقدروا له بالحساب.
النقطة الرابعة: قول ابن بزيزة: نهت الشريعة عن الخوض فى علم النجوم، لأنه حدس وتخمين
ليس فيها قطع ولا ظن غالب.
وهذه قضية حالة انتهت أيضاً، وأصبح الفلك والحساب علما دقيقاً، له قواعده وأصوله التى تنتج
نتائج قطعية، فهى تخبر عن موعد الخسوف والكسوف قبل أن يحصل بعام، أو أكثر، ولا يخطئ هذا
التحديد جزءاً من الثانية، وهو معتمد على سير الكواكب فى أفلاكها، والله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي
جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءٌ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَّازلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥].
النقطة الخامسة: قول ابن بطال وغيره: إننا لم نكلف فى تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما
نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة، وقولهم: إن الناس لوكلفوا بالحساب ضاق عليهم، لأنه لا
يعرفه إلا أفراد والشارع إنما يأمر الناس بما يعرفه جماهيرهم.
وهذه قضية مردودة عليهم، لأن الناس أيضاً لم يكلفوا جميعاً بالرؤية، بل لم يكلف جماهيرهم
بالرؤية، ولو كلفوا بها لضاق عليهم، لأنه لا يتمكن منها إلا أفراد، واكتفى الشارع بواحد أو اثنين من
الأمة، مع أن علماء الحساب مئات.
وإذا سلمنا أننا لم نكلف فى عبادتنا مشقة لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجَ﴾
[الحج: ٧٨] لكن إذا وجدنا بين أيدينا حساباً دقيقاً دون مشقة نتركه ونتكلف المشقةً فى ترائى
الهلال؟ وهل إذا وجدنا بين أيدينا [بوصلة] تحدد جهة القبلة نتركها وننظر إلى الشرق والغرب
والشمال والجنوب، ونجتهد فى موقعنا من الكعبة لنتجه إليها؟ أيهما أيسر؟ بل أيهما أدق؟. بل
أيهما أكثر احتمالا للخطأ؟ مائة من العدول يقولون: لم نر الهلال؟ أم قول أهل الحساب أنه لم يولد؟.
هناك مسألة أساسية ينبغى أولا أن نضعها فى الاعتبار، هى أنه لووافق الحساب الرؤية إثباتاً
فلا إشكال، أعنى إذا قال الحساب: القمر فى السماء، وقال الراءون: رأينا القمر فى السماء فلا
إشكال ولزم الصوم سواء قلنا: اعتمدنا الحساب، أو قلنا اعتمدنا الرؤية، أو قلنا اعتمدنا الحساب
والرؤية معاً، ولو وافق الحساب المترائين نفياً، بأن قالوا: لم نر الهلال، وقال الحساب: إنه لا يوجد
الليلة فى سمائنا فلا إشكال أيضا، ولا يثبت الشهر.
لكن إذا اختلف الحساب والراءون إثباتاً أو نفياً، فمن نعتمد؟.
هذا الفرض هو الجدير بالبحث.
٥٠٦

وأولا وأخيرًا الناس ملزمون بحكم الحاكم، والحاكم مسؤول أمام اللَّه عن اجتهاده وحكمه، فإن
استقر عنده صحة شهادة الشاهد المثبت حكم بثبوت الهلال، وإن نفاه أهل الحساب، وإن استقر
عنده صحة إثبات الحساب لوجود الهلال حكم بثبوته وإن نفاه المتراءون، والأمر فى استقرار النفى
عنده كذلك.
وحكم الحاكم واجب الطاعة فى حق غير الرائى وفى حق غير الحاسب باتفاق العلماء، أما الرائى
والحاسب فيلزمان بالعمل بعلمهما. والله أعلم.
الشعبة الثانية - اختلاف المطالع: والرواية الثالثة والعشرون صريحة فى أن الصحابة اعتمدوا
وعملوا باختلاف المطالع، وأن لكل إقليم مطلعه ورؤيته، فهى إذ تحكى أن معاوية وأهل الشام صاموا
يوم الجمعة على أنه أول رمضان، بناء على رؤيتهم الهلال، وأن أهل المدينة صاموا يوم السبت على
أنه أول رمضان، بناء على رؤيتهم، وأن ابن عباس قرر أن لأهل المدينة رؤيتهم، وحين قيل له: ألا
تكتفى برؤية معاوية وصيامه؟ رد الكلام على رؤية أهل المدينة، وقال: لا. هكذا أمرنا رسول اللَّه ◌ُ ﴾.
وللعلماء فى هذه المسألة وجوه:
الأول: إذا رأوا هلال رمضان فى بلد لزم الصوم أهل كل بلد يوافق الرؤيا فى المطلع أو يسبقه، دون
البلاد التى تتأخر عنه فى المطلع، وإنما لزم من سبقه لأن خفاءه عنهم كان بعارض حتما، وإلى هذا
ذهب جمهور الشافعية. قال النووى: وهذا أصح الآراء، ووجهه الماوردى بقوله: إن الطوالع والغروب قد
تختلف لاختلاف البلدان، وإنما خوطب كل قوم بمطلعهم ومغربهم، ألا ترى الفجر قد يتقدم طلوعه
فى بلد ويتأخر فى بلد آخر؟ وكذلك الشمس قد يتعجل غروبها فى بلد، ويتأخر فى بلد آخر، ثم كل بلد
يعتبر طلوع فجره وغروب شمسه فى حق أهله، فكذلك الهلال. اهـ
الوجه الثانى: إذا رؤى هلال رمضان فى بلد لزم الصوم أهل إقليم بلد الرؤية، دون غيرهم، لأن
اللزوم يكون بحكم القاضى بناء على شهادة عدل أو عدلين.
الوجه الثالث: إذا رؤى هلال رمضان فى بلد لزم الصوم أهل البلاد التى تقع منها دون مسافة
القصر. قاله جماعة من الشافعية منهم الفورانى وإمام الحرمين والغزالى والبغوى وآخرون من
الخارسانيين، ووجهوه بأن اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وإلى تحكيم المنجمين، وقواعد الشرع
تأبى ذلك، فوجب اعتبار مسافة القصر التى علق بها الشرع كثيرًا من الأحكام.
قال النووى: وهذا ضعيف، لأن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر فالصحيح اعتبار المطالع.
الوجه الرابع: إذا رؤى هلال رمضان فى بلد لا يلزم الصوم غير أهل بلد الرؤية، نقله ابن المنذرعن
عكرمة والقاسم وسالم وإسحق بن راهويه.
الوجه الخامس: إذا رؤى هلال رمضان فى بلد من بلاد المسلمين لزم الصوم جميع المسلمين فى
الأرض، لأن فرض الصوم فى رمضان لا يختلف باختلاف البلاد، وقد ثبت رمضان.
٥٠٧

حكاه ابن المنذر عن الليث والشافعى وأحمد، وقال: ولا أعلمه إلا قول المدنى والكوفى يقصد بهما
مالكاً وأبا حنيفة (انظر المجموع للنووى).
ومن هذا العرض يتضح أن فى الأمر اتساعاً؛ بل فى العمل بالحساب متسع أيضاً، وبالأخذ بأى
قول من أقوال العلماء قبول إن شاء الله.
لكن الذى نحب أن ننبه عليه أن لا ترتبط الفتوى بالسياسة، نرضى عن سياسة دولة فنأخذ
برؤيتها ونحكم بالصوم، وتختلف معها فلا نأخذ برؤيتها، ونرجئ الصوم فنتبع آخرتنا لهوانا، ونحول
ديننا إلى نوازعنا، ونربط شريعتنا بزوابع هى غنية عنها وبريئة منها. والله المستعان.
الشعبة الثالثة: صوم يوم الشك، وهو اليوم الذى يعقب التاسع والعشرين من شعبان ويسمى يوم
الشك حين لا نجزم أنه من شعبان، أو من رمضان، أما حين الجزم أنه من رمضان فالأمر ظاهر.
وصيامه واجب، وحين الجزم بأنه من شعبان فظاهر الرواية السابعة عشرة يمنع صيامه، إذ لفظها:
((لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه)).
قال النووى: فى هذا الحديث التصريح بالنهى عن استقبال رمضان بصوم يوم ويومين، لمن لم
يصادف عادة له، أو يصله بما قبله، فإن لم يصله ولا صادف عادة له فهو حرام. هذا هو الصحيح فى
مذهبنا، لهذا الحديث وللحديث الآخر فى سنن أبي داود وغيره: «إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى
يكون رمضان)» فإن وصله بما قبله أو صادف عادة له، كمن كانت عادته صوم يوم الاثنين مثلا،
فصادفه فصامه تطوعاً بنية ذلك جاز، لهذا الحديث، وسواء فى النهى عندنا لمن لم يصادف عادته ولا
وصله يوم الشك وغيره، فيوم الشك داخل فى النهى. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: ويلتحق بالوصل والعادة القضاء والنذر، لوجوب الوفاء بهما بالأدلة
القطعية، ولا يبطل القطعى بالظن، ثم عرض للحكمة فى منع الصوم قبل رمضان، فقال: والحكمة فيه
التقوى بالفطر لرمضان، ليدخل فيه بقوة ونشاط، وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض،
وفيه نظر، لأنه يجوز لمن له عادة. وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول
الطعن فى ذلك الحكم، وهذا هو المعتمد. اهـ
وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط
لرمضان، قال الترمذى: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول
رمضان لمعنى رمضان. اهـ وهذا الذى قاله إنما يصح لو أن النهى عن التقدم بيوم فقط، أما التقدم
بيومين فلا يتأتى فيه قصد الاحتياط.
والذى تستريح إليه النفس أن النهى عن استقبال رمضان بصوم إنما أريد به استقباله بما يليق
به من قدسية وفضل وميزة عن بقية الشهور، يضعف وصله بغيره من بهجتها ورونقها وانشراح النفس
واستعدادها لاستقبال ما تفتح له الجنان، وتغلق له النيران، وتصفد له مردة الشياطين وتضاعف فيه
الحسنات إلخ. وأما الاحتياط فيتصور فى يوم الشك نفسه، ولمعنى الشك فى كونه من رمضان، وفيه
٥٠٨

خلاف بين الفقهاء، وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الأولى والثالثة والسادسة: ((لا
تصوموا حتى تروا الهلال)) منع صوم يوم الشك، واستدل البخارى على ذلك أيضاً بقول: عمار: ((من
صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم)). قال الحافظ ابن حجر: استدل به على تحريم صوم يوم الشك،
لأن الصحابى لا يقول ذلك من قبل رأيه، فيكون من قبل المرفوع حكما ثم قال:
ويدخل فى يوم الشك صورة الغيم وغيرها. اهـ وعلى هذا جمهور الشافعية.
قال العينى: وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كراهة صوم يوم الشك على أنه من
رمضان، وجاء ما يدل على الجواز عن جماعة من الصحابة. قال أبو هريرة: لأن أتعجل صوم يوم
أحب إلى من أن أتأخر لأنى إذا تعجلت لم يفتنى وإذا تأخرت فاتنى، ومثله عن عمرو بن العاص.
وعن معاوية قال: ((لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إلى من أن أفطر يوماً من رمضان)). وروى مثله
عن عائشة وأسماء بنتى أبى بكر. اهـ
وباعث الشك قد يكون غيما فى السماء أو قترة تحول دون رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان،
وهذه الحالة لا يسميها الإمام أحمد شكا، ويوجب صوم اليوم على أنه من رمضان، وقال الشافعى: لا
يجوز صوم هذا اليوم فرضا ولا نفلا مطلقًا، ويصح قضاء وكفارة ونذرًا، ونفلا يوافق عادة. وقال مالك
وأبو حنيفة: لا يجوز صوم هذا اليوم عن فرض رمضان. ويجوز عما سوى ذلك.
وللإمام أحمد قول كقول الشافعى، وثالث يقول: المرجع إلى رأى الإمام فى الصوم والفطر.
وقد يكون باعث الشك تقاعد الناس عن رؤية الهلال، أو شهادة بالرؤية لم يقبلها الحاكم، وهذه
الحالة هى التى يخص أحمد يوم الشك بها، ويذهب فيها ما يذهب فيها وفى سابقتها الجمهور،
ويستدل أحمد بما أخرجه بسنده عن نافع قال: «كان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون
يبعث من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لم ير، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطراً، وإن
حال أصبح صائماً ».
ونقل ابن المنذر الإجماع على أن صوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب
بإجماع الأمة. قال: وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وخالف الشيعة الإجماع، فأوجبوه مطلقاً. اهـ
ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم
١- من الرواية الثانية وغيرها من تصفيقه صلى الله عليه وسلم بأصابع يديه جوازاعتماد الإشارة
المفهمة، وجواز استخدامها ولو لغير الخرس والعجم ومن لا يفهم المنطق.
٢- ومن ربط مواقيت العبادات بالرؤية تيسير التكاليف الشرعية، وأن الدين يسر، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ
فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
٣ - واستدل بالأحاديث على أن الثواب ليس مرتبطاً بكمية المشقة دائماً بل للَّه أن يتفضل بإلحاق
٥٠٩

الناقص بالتام فى الثواب، وأن كل ما ورد من وعد الثواب على صيام رمضان وقيامه حاصل سواء
كان ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين.
٤- واستدل به الإمام مالك فى اكتفائه لرمضان بنية واحدة، لأنه جعل الشهر بجملته عبادة واحدة
فاكتفى له بالنية.
٥- ومن الرواية الثامنة عشرة وما بعدها جواز حلف الرجل أن لا يدخل على زوجته، وأن يعتزلها إذا
حصل منها ما يستدعى ذلك، إذ يقول تعالى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُورَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي
الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].
٦- وأن اعتزال الرجل لزوجته يمكن أن يكون بترك البيت ولا يكتفى بترك الفراش.
٧- وأن الإنسان إذا أقسم على شىء وبريمينه أخذ بأخف الأمور، لا بأشدها.
(ملحوظة): فرع الإمام النووى فى ((المجموع)) على موضوع هذه الأحاديث بعدة فروع، نذكر منها:
(أ) لو رأى هلال رمضان وحده، ولم يؤخذ بقوله وشهادته لزمه الصوم وإن أفطر الناس.
(ب) لو رأى هلال شوال وحده، ولم يؤخذ بشهادته أفطر سرًا، لئلا يعرض نفسه للتهمة.
(جـ) لو شرع فى الصوم فى بلد ثبتت فيه الرؤية، فسافر إلى بلد لم تثبت فيه الرؤية لا
يجوزله الفطر، فإن أقام به حتى استكمل ثلاثين يومًا من حين صام أفطر سرًا إن
صاموا هم يوم الثلاثين.
(د) ولو بدأ السفر مفطراً من بلد لم يثبت فيه رمضان إلى بلد ثبت فيه لزمه الإمساك، فإن أقام
رمضان كاملا حتى العيد أفطر معهم ولزمه بعد العيد قضاء يوم، سواء صاموا ثلاثين أو تسعة
وعشرين، وإن رجع إلى بلده الأول فى رمضان كان حكمه حكم أهل بلده.
(هـ) إذا أخبره من يثق به أنه رأى الهلال، فإن اعتقد صدقه لزمه الصوم، كما إذا رأى
الهلال بنفسه.
والله أعلم
٥١٠

(٢٩٩) باب صفة الفجر الذى تتعلق به أحكام الصوم
٢٢٠٨ - ٣ عَنِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﴾(٢٣) لَمَّا نَزَلَتْ ﴿حَتْى ◌َنْيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَنْضُ مِنْ
الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِن الْفَجْرِ﴾ قَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ خَاتِمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتِي
عِقَالَيْنِ عِقَالا أَبْيَضَ وَعِقَالا أَسْوَدَ أَعْرِفِىُ اللَّيْلَ مِن النَّهَارِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ه «إِنَّ وِسَادَتَكَ
لَعَرِيضٌ إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ الَّْلِ وَتِيَاضُ النَّهَارِ».
٢٢٠٩ - ٣٤ عَنِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ ﴾(٣٤) قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى
يَتْبَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَنْيَضُ مِن الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ خَيْطًا أَتَيْضَ وَخَيْطًا
أَسْوَدَ فَيَأْكُلُ حَتَّى يَسْتِنَهُمَا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مِن الْفَجْرِ﴾ فَيِّنَ ذَلِكَ.
٢٢١٠ - ٣٥ عَنِ سَهْلٍ بْنٍ سَعْدٍ عَ﴾(٣٥) قَالَ لَمَّا نَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَّبُوا حَتِّى
يَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِن الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ قَالَ: فَكَانُ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ
فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الأَسْوَدْ وَالْخَيْطَ الأَبْيَضَ فَلا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ خَتَّى يَّنَ لَهُ رِفْيُهُمَا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿مِن الْفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.
٢٢١١ - ٣٦ عَنِ عَبْدِ اللهِ﴾(٣٦) عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَنَّهُ قَالَ «إِنَّ بِلالا يُؤَذِّدُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا
وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ ابْنِ أُمِّ مَكْثُومٍ».
٢٢١٢ - ٣٧ عَنٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٣٧) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ يَقُولُ
(إِنَّ بِلالا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَّبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَادَ ابْنٍ أُمِّ مَكْثُومٍ».
٢٢١٣ - ٣١ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَّا (٣٨) قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ مُؤَذِّنَانِ بِلالٌ وَابْنُ
(٣٣) حَذَّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَِّةً حُدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ عَنِ خُصَيْنٍ عُن الشّعْبِيِّ عَنِ عْدِئِ بْنِ حَاتِمِ
(٣٤) حَدَّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ غَمَرُ الْقَوَارِيرِيُّ حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ تَنُ سُلَيْمَّان حَذُّلْنَا أَبُو حَازِمٍ حَدَّثَنَا سَهْلُ بَنُ سَغْدٍ
(٣٥) حَدِِّي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَّ قَالا حَذَِّنَا ابْنُ أَّبِي مَرَُّ أَخْبُرَنَا أَبُو غَسَّانَ حَدَّتِي أَبُو حَازِمٍ عَنِ سَهْلٍ
ابْنِ سَعْدٍ
(٣٦) حَدَُّا يَحْتِى بْنُ يُحْتِى وَمُحَمَّدُ بْنُّ رُمْحٍ قَالا أَخْبُرَّا اللَّيْثُ حِ وخَدَّقْنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَ لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ سَالِمِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ عَنِ عَبْدِ اللهِ
(٣٧) حَدَِّي حَرْقَلَةُ بْنُ يَحْتِي أَخْرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَلِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمْوٌ
(٣٨) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدََّنَا أَبِي حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ تَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ
- وحّدَّثَّا ابْنُ نْمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللَّهَ حَدَّقْنَا الْقَاسِمُ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيّ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَِّّ ◌َ بِمِثْلِهِ
- وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَِّةَ حَدَقْنَا أَبُو أُسَامَةٌ ح وحَدَقْنَا إِسْخَّقُ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ حْ وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنِّى خَدَّقْنَا حُمَّادُ بْنُ مُسْعَدَةً
كُلُّهُمْ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِالإِسْنَادَيْنِ كِلَيْهِمَا نَحْوَ حَدِيثِ ابْنٍ ثُمَيْرٍ.
٥١١

أُمّ مَكْثُومِ الأَعْمَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَِّ «إِنَّ بِلالا يُؤَذِّثُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ
أُمٌّ مَكْثُومٍ)» قَالَ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا.
٢٢١٤ - ٩ ٣ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ضَ﴾(٣٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿«لا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ
بِلالٍ (أَوْ قَالَ نِدَاءُ بِلالٍ) مِنَسُحُورِهِ فَإِنّهُ يُؤَذِّدُ (أَوْ قَالَ يُنَادِي) بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ
تَّائِمَكُمْ)» وَقَالَ «لَيْسَ أَنْ يَقُولَ مَكَذَا وَهَكَذَا (وَصَوَّبَ يَدَهُ وَرَفَعَهَا) حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا» (وَفَرَّجُ
بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ).
٢٢١٥ - - عَنِ سُلَيْمَانَ الَّيْمِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «إِنَّ الْفَجْرَ لَيْسَ الْذِي يَقُولُ هَكَّذَا
(وَجْمَعَ أَصَابِعَهُ ثُمَّ نَكَسَهَا إِلَى الأَرْضِ) وَلَكِنْ الْذِي يَقُولُ هَكَذَا (وَوَضَعَ الْمُسَبِّحَةَ عَلَى
الْمُسَبِّحَةِ وَمَدَّ یَدَيْهِ».
٢٢١٦ - ٤١ عَنِ سُلَيْمَانَ الَّْمِيّ(٤١) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَانْتَهَى حَدِيثُ الْمُعْتَمِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ «يَُّبِّهُ
نَائِمَكُمْ وَيَرْجِعُ قَائِمَكُمْ)) وقَالَ إِسْحَقُ: قَالَ جَرِيرٌ فِي حَدِيثِهِ «وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَلَكِنْ
يَقُولُ هَكَذَا)» (يَعْنِي الْفَجْرَ هُوَ الْمُعْتَرِضُ وَلَيْسَ بِالْمُسْتَطِيلِ.
٢٢١٧ - ١ْ عَنِ سَمْرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَ﴾ (٤١) يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا،فَ يَقُولُ «لا يَغُرَّكَّ
أَحَدَكُمْ نِدَاءُ بِلالٍ مِن السَّحُورِ وَلا هَذَا الْبَّاضُ حَتَّى يَسْتَطِيرَ».
٢٢١٨ - ٤٢ عَنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَ﴾ (٤٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «لا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلالٍ
وَلَا هَذَا الْيَاضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتِى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا».
٢٢١٩ - ٤٣ عَنِ سَمْرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ◌َ﴾(٤٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿٣«لا يَغُرَّنْكُمْ
مِنَسَحُورِكُمْ أَذَاثُ بِلالٍ وَلا بَيَاضُ الأُفْقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا» وَحْكَاهُ حَمَّادٌ
بِيَدَيْهِ قَالَ يَعْنِي مُعْتَرِضًا.
(٣٩) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ سُلَيْمَانُ التِيْمِيِّ عَنِ أَبِي عُثْمَانَ عَنِ ابْنٍ مُسْعُودٍ
- وحَدَّثَا ابْنُ نُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَبُوَ خَالِدٍ يَعْنِي الأَحْمَرَ عَنِّ سُلَيْمَانَ الْتَّيْمِيِّ
(٤٠) وحَّدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُّ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانْ ح وحَدََّنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا جَرِيرٌ وَالْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ
كِلاهُمَا عَنِ سُلَّيَّمَانَ اَلْتَّيْمِيِّ
(٤١) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوعَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَادَةَ الْقُشَيْرِيِّ حَدَّتِي وَالِدِي أَنَّهُ سَمِعَ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ
(٤٢) وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلَ بْنُ عُلَيَّةَ حَدَّثَنِي عَبَّدُ اللَّهِ بْنُ سَوَادَةً عَنِ أَبِيهِ عَنِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ
(٤٣) وحَدَّثَتِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَادَةٌ الْقُشَيَّرِيُّ عْنِ أَبِيْهِ عَنِ سَمُّرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ
٥١٢

٢٢٢٠ - ٤٤ عَنِ سَوَادَةَ(٤٤) قَالَ سَمِعْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبِ ظُهُ وَهُوَ يَخْطُبُ يُحَدِّثُ عَنِ الْبِيِّ ◌َ أنَّهُ
قَالَ «لا يَغُرَّنْكُمْ نِدَاءُ بِلالٍ وَلا هَذَا الْبَاضُ خَتَّى يَبْدُوَ الْفَجْرُ (أَوْ قَالَ) حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ».
المعنى العام
جعل الله للعبادات مواقيت وزعها على الزمان، ليملأ المسلم هذه الأوقات بالعبادة فينسحب
أثرها على غيرها من الأوقات، وليدخل فى العبادة مرة أخرى بهمة ونشاط.
فالصلوات لها مواقيتها، والصيام له مواقيته، له مواقيته بالنسبة للعام، شهر يبدأ برؤية هلاله؛
وينتهى برؤية هلال شوال، وبالنسبة لليوم إمساك يبدأ بطلوع الفجر الصادق وينتهى بغروب شمسه،
وغروب الشمس يرى بالعين، ولا يحتاج إلى بيان، ولكن طلوع الفجر، وتمييز لحظة الإمساك الواجب
أمركان يخفى فى الإسلام على كثيرين.
لقد كتب الصيام من قبل على النصارى، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد
النوم، وكتب على المسلمين فى أول فرض الصيام مثل ذلك، فكان المسلمون يفعلون كما يفعل أهل
الكتاب، إذا نام أحدهم لم يطعم حتى مغرب الليلة القابلة، وشق ذلك على المسلمين، فخفف الله
عنهم، وأنزل جل شأنه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصَِّامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ.﴾ إلى أن قال ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِن الْخَبْطِ الأسْوَدِ مِن الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِّمُّوا الصَِّامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ففرح بها المسلمون فرحًا شديدًا، وظن بعضهم أن المراد بالخيط الحبل، فوضع بعضهم تحت وسادته
عقالا أبيض وعقالا أسود، وربط بعضهم فى رجليه حبلا أبيض وحبلا أسود ينظر إليهما إذا أراد
الصوم وهو يتسحر، فإذا بان له الأبيض من الأسود فى ضوء النهار أمسك، وكان مراد الله بالخيط
الأبيض ضوء النهار، وبالخيط الأسود ظلمة الليل، فأنزل قوله تعالى: ﴿مِن الْفَجْر﴾ فأخذوا يرقبون
السماء وضوء الفجر، وهم يعلمون أن ضوءا يظهر عموديا فى الأفق يسمونه ذنب السرحان يظهر ثم
يعقبه ظلام، ثم يظهر بعد قليل ضوء مستعرض فى الأفق ينتشر شيئاً فشيئاً، يميناً وشمالاً، فأى
الضوءين مراد القرآن؟ وعند ظهور أيهما يمسك من يريد الصيام؟
وحدد لهم رسول اللّه المراد بالقول وبالإشارة وبالفعل، جعل بلالا يؤذن مع الضوء الأول
العمودى، وجعل ابن أم مكتوم يؤذن عند بزوغ الضوء الثانى المستعرض، ثم قال لهم: «لا يغرنكم أذان
بلال فإنه يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)) وقال: لا يغرنكم بياض الأفق الرأسى
المستطيل حتى يظهر البياض المستعرض الأفقى المستطير المنتشر، ليس الفجر الذى يظهر ضوؤه
(٤٤) حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثْنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ سِوَادَةً قَالَ سَمِعْتُ سَمْرَةً بْنَ جُنْدُبٍ
- وحَدَّثَنَاهِ ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي سَوَادَةُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْقُشَيْرِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سَمِّرَةَ بْنَ جُدُبٍ يَقُولُ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ فَذَكَرَ هَذَا.
٥١٣

هكذا، وأشار بيده من أعلى إلى أسفل يرسم عمودًا رأسياً، ولكن الفجر هو الذى يظهر ضوؤه هكذا،
وأشار بأصابع يديه نحو اليمين والشمال يرسم خطًّا أفقيًّا ممتدًا منتشرًا.
وهكذا وضحت الشريعة وقت الإمساك، وهكذا رحم الله الأمة وخفف عنها وعفا عنها هو مولاها
ونعم النصير.
المباحث العربية
( عن عدى بن حاتم ((لما نزلت))) فى الكلام حذف، تقديره: عن عدى بن حاتم قال: ((لما
نزلت ... )) وظاهر العبارة أن عدى بن حاتم حضر نزول الآية مسلمًا وفعل ما فعل حين نزولها، والواقع
غير ذلك، فقد أسلم فى السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة، والآية نزلت تشريعاً للصوم الذى فرض
فى أوائل الهجرة؟.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الإشكال بعدة أجوبة. فقال: إما أن يقال: إن الآية تأخر
نزولها عن نزول فرض الصوم، وهو بعيد جداً، وإما أن يُؤوّل قول عدى هذا على أن المراد بقوله ((لما
نزلت)) أى لما تليت على عند إسلامى، أو لما بلغنى نزول الآية، أو فى السياق حذف، تقديره لما نزلت
الآية، ثم قدمت وأسلمت وتعلمت الشرائع حصل كذا وكذا، وقد روى أحمد عن عدى قال: علمنى رسول
اللَّه ◌ُالّ الصلاة والصيام فقال: صل كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس فكل حتى يتبين لك الخيط
الأبيض من الخيط الأسود. قال فأخذت خيطين ... الحديث. اهـ
(حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) ((حتى)) غاية لإباحة الأكل
والشرب، و((يتبين)) بتشديد الياء كذا للأكثر، ولبعض الرواة ((حتى يستبين)) فالسين والتاء للصيرورة،
أى حتى يصير بينا وظاهراً عن طريق العين والرؤية، وحقيقة الخيط معروفة، واستعمال الخيطين فى
الليل والنهار كان شائعاً فى الجاهلية قبل الإسلام.
وهو من قبيل الاستعارة، بتشبيه لون البياض أو الضوء الذى يعترض فى الأفق فى وسط ظلمة
الليل بالخيط الأبيض، والسواد الممتد حوله من غبش الليل بالخيط الأسود، وهذا هو المراد من الآية.
لكن اشتبه هذا المراد على بعض الصحابة، فحملوه على الحقيقة. قال النووي: فعل ذلك من لم
يكن ملازماً لرسول اللّه {، بل هو من الأعراب ومن لا فقه عنده، ومن لم يكن من لغته استعمال
الخيط فى الليل والنهار.
( من الفجر) قيل تأخر نزولها عما قبلها سنة، وهل هى التى بينت المراد من الخيط الأبيض
والخيط الأسود، فيكون من تأخير البيان مع الحاجة إليه ومع بقاء التكليف؟ وتدخل فى دائرة
اختلاف الأصوليين الذى سنعرضه فى فقه الحديث؟ وتكون ((من الفجر)» حولت الكلام من
الاستعارة إلى التشبيه بإظهار المشبه، كما تقول: رأيت أسداً فى الحمام، ثم تتبع ذلك بقولك: رجلاً
٥١٤

من بنى سعد، فتكون بذلك قد عدلت عن الاستعارة إلى التشبيه، وكأنك قلت: رأيت رجلاً من بنى
سعد كالأسد.
أو البيان واضح بدونها؟ وليس فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة؟ ويكون ((من الفجر)» تعليلاً؟
أى حتى يتبين لكم الخيط الأبيض لأنه من الفجر؟.
وهذا القول أقرب، بدليل أنه لم يقع فى حمله على الحقيقة قبل نزول ((من الفجر)) إلا
ندرة من الصحابة.
(قال له عدى بن حاتم: يا رسول الله) فى بعض النسخ ((قال عدى بن حاتم: يارسول
الله)) بحذف لفظ ((له)) وهو واضح لا إشكال فيه. ولكن فى أكثر النسخ ((قال له عدى بن حاتم)» بذكر
((له)) قال النووى: وكلاهما صحيح، فمن أثبتها أعاد الضمير إلى معلوم، أو إلى متقدم الذكر
عند المخاطب.
( إنى أجعل تحت وسادتى عقالين ) الوسادة المخدة، وهى ما يجعل تحت الرأس عند
النوم، والوساد ما يتوسد به، ولو كان التراب، فهو أعم، والعِقَال بكسر العين الحبل الذى يعقل به
البعير، ويطلق على الحبل الذى يضعه بعض العرب على غطاء الرأس، والظاهر أنه المراد هنا،
واستخدم عدى العقال ولم يستخدم خيطاً رفيعاً ليتمكن من التمييز بدرجة أسرع.
(أعرف الليل من النهار) أى أعرف بالتمييز بينهما الليل من النهار، فإذا ميزتهما بالضوء
قلت فى نفسى نحن فى النهار، وإذا لم أميزهما قلت: نحن مازلنا فى الليل.
(إن وسادتك لعريض ) هكذا هو فى بعض النسخ، وفى هذا التعبير لم يتطابق الخبر والمبتدأ
تذكيراً وتأنيثاً، فيحمل الخبر على معنى المبتدأ لا على لفظه، ويراد من الوسادة الوساد، كما هو فى
أكثر النسخ.
وفى رواية البخارى فى التفسير ((إن وسادتك إذاً لعريض))، وفى رواية ((إنك لعريض القفا))، وفى
رواية أبى داود ((فضحك وقال: إن وسادك إذاً لعريض طويل)»، وفى رواية أبى عوانة («فضحك وقال:
لا. يا عريض القفا».
وقد جزم الزمخشرى بأن هذه التعبيرات كناية عن الغفلة وعدم الفطنة، فإنه يكنى عن الأبله
بعريض القفا، لأن عرض القفا - إذا زاد - دليل الغباوة والحماقة، فقال: إنما وصف عدى بعريض القفا
لأنه غفل عن البيان وعرض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة.
فكأن الزمخشرى جعل عرض الوسادة كناية عن عرض وعظم الرأس والقفا، وجعل عرض القفا
كناية عن عدم الفطنة.
وقد أنكر القاضى عياض والقرطبى وغيرهما ما ذهب إليه الزمخشرى، فقال القرطبى: حمل بعض
الناس قوله ((إن وسادك لعريض)» على الذم لعدى بن حاتم على ذلك الفهم، وكأنهم فهموا أنه نسبه
٥١٥

إلى الجهل والجفاء وعدم الفطنة، وعضدوا ذلك بقوله: ((إنك عريض القفا)) وليس الأمر على ماقالوه،
لأن عدياً حمل اللفظ على حقيقته التى هى الأصل، حيث لم يتبين له دليل التجوز، ومن فعل ذلك لم
يستحق ذماً، ولم ينسب إلى الجهل. اهـ
وقال القاضى عياض: إنما أخذ عدى العقالين وجعلهما تحت رأسه، لكونه سبق إلى فهمه أن
المراد بها هذا، وكذا وقع لغيره ممن فعل فعله حتى نزل قوله تعالى: ((من الفجر، فعلموا أن المراد به
بياض النهار وسواد الليل. اهـ
أى إن عديالم يحط علماً بقوله ((من الفجر)» ومن لايحيط علمًا بها لا يؤاخذ على حمل الخيط
على حقيقته، كما هو واضح من الرواية الثانية والثالثة.
وفى المراد بقوله ((إن وسادتك لعريض))، قال بعض العلماء: كنى بالوساد عن النوم؛ لأنه يلزم من
استعمال الوساد النوم غالباً، فكأنه قال: إن نومك عريض طویل کثیر.
وقال بعضهم: إنه كناية عن الليل، لأنه يلزم من استعمال الوساد وجود الليل غالباً، فكأنه قال:
إن ليلك طويل، لأن الذى يمد الليل إلى أن يميز ببصره فى ضوء النهار بين الخيط الأبيض والخيط
الأسود يكون قد أضاف إلى الليل جزءا من النهار، فيطول بذلك ليله.
(إنما هو سواد الليل وبياض النهار) ((هو)) يعود على ((الخيط)» أى إنما الخيط الأبيض
والخيط الأسود بياض النهار وسواد الليل.
(كان الرجل يأخذ خيطاً أبيض وخيطاً أسود) فى الرواية الثالثة ((فكان الرجل إذا أراد
الصوم ربط أحدهم فى رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض»، فلفظ ((الرجل)) فيها للجنس الصادق
على كثيرين، كما هو لفظ البخارى، ففيه ((فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم ... )) قال الحافظ
ابن حجر: لم أقف على تسيمة أحد منهم، ولا يحسن أن يفسر بعضهم بعدى بن حاتم، لأن قصة عدى
متأخرة عن ذلك. وجمع بين رواية جعل الخيطين تحت الوسادة وبين ريطهما فى الرجلين، فقال لا
منافاة بينهما لاحتمال أن يكون بعضهم فعل هذا، أو يكونوا يجعلونهما تحت الوسادة إلى السحر، ثم
يربطونهما فى أرجلهم ليشاهدوهما. اهـ
(حتى يتبين له رئيهما ) قال النووى: هذه اللفظة ضبطت على ثلاثة أوجه:
أحدها: «رئْيُهما)) بكسر الراء، ثم همزة ساكنة، ثم ياء مضمومة، ومعناه منظرهما، ومنه قوله تعالى
﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِثْبًا﴾ [مريم: ٧٤].
والثانى «زيّهما)» بزاى مكسورة، وياء مشددة بلا همزة، ومعناه لونهما.
والثالث: ((ريّهما)) بفتح الراء وكسرها وتشديد الياء. قال القاضى: هذا غلط هنا لأن الرى هو التابع
من الجن، قال فَإن صح رواية فمعناه مرئيهما. والله أعلم. اهـ
وفى رواية البخارى ((حتى يتبين له رؤيتهما)) بضم الراء وتسكين الهمزة ثم ياء وتاء.
٥١٦

(عن عبد اللَّه ) أى ابن عمر، فالراوى عنه ابنه سالم.
( إن بلالا يؤذن بليل، فكلووا شربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم ) أخرج أحمد
عن شعبة «إن بلالا - أو إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل - على الشك، وروى عن شعبة أيضاً(«إن ابن أم
مكتوم يؤذن بليل)) بالجزم من غير شك، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من طرق عن
شعبة، وكذلك أخرجه الطحاوى والطبرانى عن خبيب بن عبد الرحمن، وادعى ابن عبد البروجماعة
من الأئمة بأنه مقلوب وأن الصواب ((إن بلالا يؤذن بليل)).
ورَجَّح الحافظ ابن حجر فى كتاب الأذان أن الروايتين صحيحتان، ونقل جمع بعض العلماء
بينهما، باحتمال أن يكون الأذان كان نوبا بين بلال وابن أم مكتوم، فكان النبى® يعلم الناس أن
آذان الأول منهما لايحرم على الصائم شيئاً، ولا يدل على دخول وقت الصلاة بخلاف الثانى، وجزم
ابن حبان بذلك، ولم يبده احتمالا، وقيل لم يكن نوباً، وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإن بلال
كان فى أول ما شرع الأذان يؤذن وحده، ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى ذلك تحمل رواية
عروة عن امرأة من بنى النجار قالت: كان بلال يجلس على بيتى، وهو أعلى بيت فى المدينة، فإذا
رأى الفجر تمطأ ثم أذن)) أخرجه أبو داود، ثم أضيف إلى بلال، ابن أم مكتوم، فكان يؤذن بليل،
واستمر بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تحمل روايات ((إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل» ثم فى آخر
الأمر قدم أذان بلال وأخر أذان ابن أم مكتوم، واستقر الحال على ذلك.
وابن أم مكتوم اسمه عمرو، وقيل كان اسمه الحصين فسماه النبى و # عبد اللّه، قال الحافظ: ولا
يمتنع أنه كان له اسمان، وهو قرشی عامری، أسلم قديماً، والأشهر فى اسم أبيه قيس بن زائدة، وکان
النبى * يكرمه ويستخلفه على المدينة، وشهد القادسية فى خلافة عمر فاستشهد بها، وقيل: رجع
إلى المدينة فمات، وهو الأعمى المذكور فى سورة عبس، واسم أمه عاتكة بنت عبد اللّه المخزومية،
قيل ولد أعمى، فكنيت أمه أم مكتوم لانكتام نور بصره، وقيل: إنه عمى بعد بدر بسنتين، وهذا مردود
بظاهر القرآن الكريم فى سورة عبس المكية.
( ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا ) الإشارة الأولى لبلال والثانية لابن أم
مكتوم، وظاهره قرب المساحة بين الأذانين بدرجة يستبعد معها الهدف من الأذان الأول الوارد فى
الرواية السابعة، ولهذا قال النووى: قال العلماء: معناه أن بلال كان يؤذن قبل الفجر، ويتربص بعد
أذانه للدعاء ونحوه، ثم يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهب ابن أم
مكتوم بالطهارة وغيرها، ثم يرقى ويشرع فى الأذان مع أول طلوع الفجر. اهـ
فالقرب قرب بين النزول والصعود، لا بين الأذانين. والله أعلم.
( لايمنعن أحداً منكم أذان بلال من سحوره ) السحور بفتح السين اسم لما يؤكل فى
السحر، ويضم السين الحدث والفعل والأكل نفسه، وهما جائزان هنا.
(ليرجع قائمكم) «يرجع)) بفتح الياء وكسر الجيم المخففة يستعمل لازما ومعتديا، قال النووى
٥١٧

لفظة «قائمكم)) منصوبة، مفعول (يرجع)) بفتح الياء، قال الله تعالى ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣].
ومعناه أنه إنما يؤذن بليل ليعلمكم بأن الفجر ليس ببعيد، فيرد القائم المجتهد إلى راحته، لينام غفوة
ليصبح نشيطاً، أو يوتر إن لم يكن أوتر، أو يتأهب للصبح إن احتاج إلى طهارة أخرى، أو نحو ذلك من
مصالحه المترتبة على علمه بقرب الصبح.
(ويوقظ نائمكم ) قال النووى: أى ليتأهب للصبح أيضاً، يفعل ما أراد من تهجد قليل، أو إيثار
إن لم يكن أوتر، أو سحور إن أراد الصوم، أو اغتسال أو وضوء، أو غير ذلك مما يحتاج إليه قبل الفجر.
( ليس أن يقول هكذا وهكذا - وصوب يده ورفعها- حتى يقول: هكذا-
وفرج بين إصبعيه) وفى ملحق هذه الرواية ((إن الفجرليس الذى يقول هكذا -وجمع
أصابعه، ثم نكسها إلى الأرض، ولكن الذى يقول: هكذا ووضع المسبحة على المسبحة، ومد
يديه)»، وفى الملحق الثانى ((وليس أن يقول: هكذا، ولكن يقول: هكذا - يعنى الفجر- هو
المعترض، وليس بالمستطيل))، وفى الرواية الثامنة ((ولا هذا البياض حتى يستطير))، وفى
الرواية التاسعة ((ولا هذا البياض)) - لعمود الصبح -.
وفى رواية البخارى ((وليس أن يقول الفجر أو الصبح -وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق، وطأطأ إلى
أسفل - حتى يقول: هكذا. قال الراوى: بسبابتيه، إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله)).
وحقيقة الضوء الذى يظهر فى الأفق فى نهاية الليل تبدو فى صورتين فى وقتين مختلفين:
الصورة الأولى ضوء يظهر فى أعلى السماء، ثم ينخفض ويستطيل، فهو ضوء يبدو فى الأفق كعمود
رأسى من أعلى إلى أسفل وهو الذى تسميه العرب ((ذنب السرحان)) أى ذنب الذئب، لأنه يتدلى من
عجزه ممتداً نحو الأرض، بخلاف ذنب الكلب فإنه بعد أن ينحنى يرتفع، وهذا الضوء لا يلبث أن
يختفى ويعود مكانه الظلام، ويسمى هذا الضوء بالفجر الكاذب.
الصورة الثانية تأتى بعد الأولى بقليل من الزمن، وهى: ضوء يطلع بعرض الأفق ثم يعم الأفق
وينتشر ويستطير، ولتطبيق ألفاظ الروايات على هذه الحقيقة يكون معنى الرواية السابعة ليس الفجر
أن يقول [القول هنا أطلق على الفعل، أى ليس الفجر أن يظهر] هكذا وهكذا، وصوب يده يعنى نكسها
وخفضها، ثم رفعها، فرسم بذلك عموداً رأسياً، فهكذا الأولى إشارة إلى خفض اليد، وهكذا الثانية
إشارة إلى رفعها إلى أعلى -حتى يقول هكذا. أى حتى يظهر هكذا «وفرج بين أصبعيه يشير إلى
انتشار الضوء يميناً وشمالاً.
وفى ملحق الرواية ((إن الفجرليس الذى يقول، أى ليس الذى يظهر هكذا - وجمع أصابعه ثم
نكسها إلى الأرض، فرسم بذلك عموداً رأسياً، ولكن الذى يقول، أى ولكن هو الذى يظهر هكذا، ووضع
المسبحة من اليد اليمنى على المسبحة من اليد اليسرى، ثم مد اليمنى إلى اليمين، ومد اليسرى إلى
اليسار، ورسم بذلك الخط العرضى الأفقى.
٥١٨

ومعنى الملحق الآخر: الفجر هو الضوء المعترض، وليس الرأسى المستطيل، ومعنى الرواية
التاسعة: لا يغرنكم هذا البياض العمودى، حتى يستطير أفقياً وينتشر.
وهل حصلت هذه الإشارات المختلفة فى أوقات ووقائع مختلفة؟ أو الوقعة واحدة عبر عنها
بتعبيرات مختلفة؟ يحتمل ويحتمل. والله أعلم.
فقه الحديث
ترجم الإمام النووى لهذه الأحاديث بقوله: باب بيان أن الدخول فى الصوم يحصل بطلوع الفجر،
وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، وبيان صفة الفجر الذى تتعلق به الأحكام من الدخول فى
الصوم، ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك، وهو الفجر الثانى، ويسمى الصادق والمستطير، وأنه لا
أثر للفجر الأول فى الأحكام، وهو الفجر الكاذب المستطيل كذنب السرحان، وهو الذئب.
علق الإمام النووى بقوله [وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر] يشير إلى ما كان عليه التشريع
فى أول فرض الصوم، ويصوره لنا البراء بن عازب فى حديث أخرجه البخارى، فيقول:
كان أصحاب محمد # إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار [أى وقت الإفطار بغروب الشمس]
فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسى [وفى رواية «كان إذا نام قبل أن يتعشى لم يحل
له أن يأكل شيئاً، ولا يشرب، ليله ويومه حتى تغرب الشمس»، وفى أخرى ((كان المسلمون إذا أفطروا
يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئاً من ذلك، إلى مثلها))] وإن
قيس بن صرمة الأنصارى كان صائماً، فلما حضر الإفطار [أى وقته] أتى امرأته، فقال لها: أعندك
طعام؟ قالت: لا. ولكن أنطلق فأطلب لك. وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته
قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك للنبي {، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ
الصِّيَّامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ.﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ
الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِن الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. اهـ
وتأخر نزول قوله تعالى: ﴿مِن الْفَجْرِ﴾ عامًا كاملاً، كما قيل، وهذا اللفظ هو الذی یبین ويحدد مراد
اللَّه من الخيط الأبيض والخيط الأسود، وبدونه تتجه الأفهام إلى الحقيقة، وهى غير مرادة. فدخلت
المسألة فى قاعدة تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهى مشهورة فى كتب الأصول، وفيها خلاف بين
العلماء، بعضهم يمنعه مطلقاً، لما فيه من شبه العبث، ولما فيه من التكلف بما لا يطاق، ويوجه
مسألتنا - كما ادعى الطحاوى- بأنها من باب النسخ، وأن الحكم كان أولا على ظاهره المفهوم من
الخيطين، واستدل على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الإسفار. قال الطحاوى: ثم
نسخ بعد ذلك بقوله «من الفجر» قال الحافظ: ويؤكد ما قاله ما رواه عبد الرزاق بإسناد رجاله ثقات
(إن بلالا أتى النبي {# وهو يتسحر، فقال: الصلاة يا رسول اللَّه، قد واللّه أصبحت. فقال: يرحم الله
بلالا، لولا بلال لرجونا أن يرخص لنا حتى تطلع الشمس».
٥١٩

وبعضهم يجيزه مطلقاً على أساس أن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويجتهد فى فهمه،
ويعزم على فعله إذا اتضح المراد منه.
وبعضهم يفصل، فيجيز تأخير بيان المجمل دون العام، وبعضهم يعكس.
وقال بعض العلماء: الخطاب المحتاج إلى بيان ضربان: أحدهما ماله ظاهر، وقد استعمل فى
خلافه [فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأنه سيؤدى إلى العمل بغير مراد الشرع] والثانى ما
لا ظاهر له، فقال طائفة من الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية: يجوز تأخيره عن وقت الخطاب
[ليجتهد المخاطب فى فهمه، ويعزم على فعله إذا اتضح مراده] ومن هنا قال عياض: يجب التوقف
عن الألفاظ المشتركة، وطلب بيان المراد منها، وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها وأكثر استعمالاتها
إلا عند عدم البيان. اهـ
وظاهر الرواية الخامسة والسادسة أن أول أذان ابن أم مكتوم كان علامة للكف، وأن الصائم له أن
يأكل ويشرب إلى طلوع الفجر الصادق، فإذا طلع الفجر الصادق وجب الكف، وهذا واضح من الآية
والأحاديث الصحيحة، لكن خلافاً وقع فى: هل يحرم الأكل والشرب بطلوع الفجر الصادق؟ أو بالعلم
بطلوعه وتبينه تمسكاً بظاهر الآية ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ .. ﴾؟ الجمهور على الثانى، وأنه لو أكل ظاناً أن
الفجر لم يطلع لم يفسد صومه، لأن الآية دلت على الإباحة إلى أن يحصل التبيين، وقد روى عبد الرزاق
بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: ((أحل اللَّه لك الأكل والشرب ما شككت))، وروى ابن أبى شيبة
عن ابن عباس قوله «كُلْ ما شككت حتى لا تشك)». وقد نقل بعضهم الإجماع على أن غاية إباحة
الأكل والشرب طلوع الفجر الصادق أو تبين طلوعه، لكن هذا النقل غير مسلم، وهو متعقب، فهناك من
يوجب الإمساك جزءًا من الليل قبل طلوع الفجر بناء على وجوب مقدمة الواجب، وهناك من أباح
الأكل والشرب إلى أن ينتشر البياض فى الطرق والسكك والبيوت، قال الحافظ ابن حجر: وذهب
جماعة من الصحابة - وقال به الأعمش من التابعين وصاحبه أبوبكربن عياش - إلى جواز السحور
إلى أن يتضح الفجر، فروى سعيد بن منصور عن حذيفة قال: ((تسحرنا مع رسول اللَّهلح له هو والله
النهار غير أن الشمس لم تطلع» وأخرجه الطحاوى وابن أبى شيبة وعبد الرزاق عن طريق حذيفة
بطرق صحيحة، وروي عن الأعمش أنه قال: ((لولا الشهوة لصليت الغداة ثم تسحرت)) قال إسحق:
هؤلاء رأوا جواز الأكل بعد طلوع الفجر المعترض، حتى يتبين بياض النهار من سواد الليل. قال
إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثانى، ولا أرى عليه قضاء
ولا كفارة. انتهى بتصرف من فتح البارى.
هذا. وإن مواقيت الصلاة المعلنة فى أيامنا تحدد -بناء على علم دقيق- لحظات طلوع الفجر
الصادق، فتعلنه موعداً للأذان الثانى للفجر، وعند بدايته يجب الكف عن الأكل والشرب، ويدخل وقت
الصبح ومن سمع أول الأذان وفى فمه طعام أو شراب قذفه وتمضمض وصيامه صحيح؛ هذا ما
أستريح إليه، وأدين اللّه عليه. والله أعلم.
٥٢٠