Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤- خطورة الجهل بالدين والاستبداد بالرأى.
٥- قال ابن هبيرة: وفى الأحاديث أن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أن فى
قتالهم حفظ رأس مال الإسلام، وفى قتال أهل الشرك طلب الربح، وحفظ رأس المال أولى.
٦- قال الحافظ ابن حجر: وفيها التحذير من الغلوفى الديانة والتنطع فى العبادة، وقد وصف الشارع
الشريعة بأنها سمحة، وإنما ندب الشدة على الكفار، والرأفة بالمؤمنين.
٧- وجواز قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل.
٨- ومن نصب الحرب فقاتل عن اعتقاد فاسد.
٩- ومن خرج يقطع الطرق ويخيف السبيل، ويسعى فى الأرض بالفساد.
قال الحافظ: وأما من خرج عن طاعة إمام جائر، أراد الغلبة على ماله أو نفسه أو أهله فهو معذور،
ولا يحل قتاله، وله أن يدفع عن نفسه وماله وأهله بقدر طاقته.
١٠- وأخذ بعضهم من قوله: ((سيماهم التحالق)» فى الرواية المتممة للعشرين، ذم اسئصال شعر
الرأس، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون المراد بيان صفتهم الواقعة، دون إرادة ذمها، قال النووى:
واستدل بعض الناس على كراهة حلق الرأس بهذا الحديث، ولا دلالة فيه، وإنما هو علامة لهم
والعلامة قد تكون بمباح، وقد ثبت أن رسول اللّه® رأى صبياً قد حلق بعض رأسه، فقال:
((احلقوه كله أو اتركوه كله)). وهذا صريح فى إباحة حلق الرأس، لايحتمل تأويلا. قال أصحابنا:
حلق الرأس جائز بكل حال، لكن إن شق عليه تعهده بالدهن والتسريح استحب له حلقه، وإن لم
يشق استحب تركه. اهـ
١١ - وفيها أنه لا يكتفى فى التعديل بظاهر الحال، ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية فى العبادة
والتقشف والورع حتى يختبر باطن حاله. قاله الحافظ.
١٢ - وفيها منقبة عظيمة لعلى ظه وأنه كان الإمام الحق وأنه كان على الصواب فى قتال من قاتله
فى حروبه فى الجمل وصفين وغيرهما. قاله الحافظ.
١٣ - وفى استحلاف عبيدة السلمانى لعلى فى الرواية السابعة والعشرين التثبت من الأمر الغريب،
لتأكيده عند السامعين، وليطمئن قلب المستحلف.
١٤ - وحلف المستحلف لتحقيق تلك الغاية المشروعة.
١٥- ووثوق على ه من ذاكرته وحفظه لأوصاف المخدج، وعند الطبرى أن على بن أبى طالب قال
لأصحابه بعد المعركة: دخلت على رسول اللَّه﴿، وليس عنده إلا عائشة، فقال: ((كيف أنت وقوم
يخرجون من قبل المشرق، وفيهم رجل كأن يده ثدى حبشية؟)) قال على: ناشدتكم اللَّه هل
٤٦١
أخبرتكم بأنه فيهم؟ قالوا: نعم، قال: فجئتمونى؛ فقلتم: ليس فيهم، فحلفت لكم أنه فيهم، ثم
أتيتمونى به تسحبونه كما نعت لى؟ فقالوا: اللهم نعم. فهلل على وكبر.
١٦ - قال النووى عند شرحه للرواية الخامسة والعشرين من قوله: ((أحداث الأسنان: سفهاء الأحلام)).
يستفاد أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن وكثرة التجارب، وقوة العقل.
قال الحافظ ابن حجر: ولم يظهر لى وجه الأخذ منه، فإن هذا معلوم بالعادة، لا من خصوص كون
هؤلاء كانوا بهذه الصفة. اهـ
واللَّه أعلم
٤٦٢
(٢٩٥) باب لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد
وتحل لهم الهدية
٢١٥٣ - ١٦١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٦١) قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ تَمْرَةٌ مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ
فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ّ «كِخْ كِخْ ارْمٍ بِهَا. أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لا تَأْكُلُ الصَّدَقَّةَ؟».
٢١٥٤ - - وعَن شُعْبَةَ بِهَذَا الإِسْنَادٍ وَقَالَ «أنّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَّقَّةُ؟».
٢١٥٥ - - وعَن شُعْبَةَ فِي هَذَا الإِسْنَادِ كَمَا قَالَ ابْنُ مُعَاذٍ «أنّا لا نَأْكُلُ الصَّدَّقَّةَ؟».
٢١٥٦ - ١٦٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾(١٦٢) عَن رَسُولِ اللَّهِع ◌ِ ﴿ أَنَّهُ قَالَ «إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي
فَأَجِدُ النَّمْرَةَ سَاقِطَةٌ عَلَى فِرَاشِي، ثُمَّ أَرْفَعُهَا لَآَكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُون صَدَقَةٌ فَأُلْقِيهَا».
٢١٥٧ - ٣٣ْ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَّهِ(١٦٣) قَالَ: هَذَا مَا حَدَّنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن مُحَمَّدٍ
رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ «وَاللَّهِ إِنّي لأَنْقَلِبُ إِلَى
أَهْلِي فَأَجِدُ النَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي (أَوْ فِي بَيْتِي)، فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ
تَكُونُ صَدَقَّةٌ (أَوْ مِنَ الصَّدَقَةِ) فَألْقِيَهَا».
٢١٥٨- ١٦٤ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٦٤) أَنَّ النّبِيَّ ◌ِ﴿ وَجَدٌ تَمْرَةً فَقَالَ «لَوْلا أَنْ تَكُونُ مِن
الصَّدَقَّةِ لأَكَلْتُهَا».
٢١٥٩- ٦٥ ١ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عُ(١٦٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ مَرَّ بِتَمْرَةِ بِالطّرِيقِ فَقَالَ «لَوْلا
أَنْ تَكُونَ مِن الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا».
٢١٦٠ - لَمّد عَنْ أَنْسٍ ﴾(١٦٦) أَنَّ النّبِيَّ ﴿ وَجَدَ تَمْرَةٌ فَقَالَ «لَوْلا أَنْ تَكُونُ
صَدَقَةٌ لِأَكَلْتُهَا».
(١٦١) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّقْنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ مُحَمَّدٍ (وَهُوَّ ابْنُ زِيَادٍ) سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُول
- حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ وَكِيعَ عَنْ شُعْبَةً
- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ جَعْفَرِ حٍ وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنِّي حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةٌ
(١٦٢) حَذَّتِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَيَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدْفَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٦٣) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَُّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ هَمَّامٍ
(١٦٤) حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَن سَّفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَن طَلْحَةً بْنِ مُصَرِّفٍ عَنِ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ
(١٦٥) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثْنَا أَبُو أُسَامَةً عَنْ زَائِدَةً عَنِ مَنْصُورٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
(١٦٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثِّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنَ هِّشَامٍ حَدَّقَتِي أَبِّي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ
٤٦٣
٢١٦١ - ٣٧ ١ اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِّبِ(١٦٧) فَقَالا وَاللَّهِ لَوْ بَعْشَا
هَذَيْنِ الْغُلامَيْنِ (قَالا لِي وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ،﴿ فَكَلِّمَاهُ فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ
الصَّدَقَاتِ فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَأَصَابًا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمَّا فِي ذَلِكَ جَاءً عَلِيُّ
ابْنُ أَبِي طَالِبٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا. فَذَكَرًا لَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لا تَفْعَلا فَوَاللَّهِ مَا هُوَ
◌ِفَاعِلٍ. فَانْتَحَاهُ رَبِعَةُ ابْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلا نَفَاسَةٌ مِنْكَ عَلَيْنَا فَوَاللَّهِ لَقَدْ
نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ فَمَا نَفِسْنَاهُ عَلَيْكَ. قَالَ عَلِيٍّ أَرْسِلُوهُمَا فَانْطَلَقَا وَاضْطَجَعَ عَلِيٍّ.
قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ الظُّهْرَ، سَبَقْنَاهُ إِلَى الْحُجْرَةِ فَقُمْنَا عِنْدَهَا، حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ
بِذَاِنَا ثُمَّ قَالَ «أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانٍ» ثُمَّ دَخَلَ وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ
جَحْشٍ. قَالَ: فَتَوَاكُلْنَا الْكَلامَ ثُمَّ تَكَلِّمَ أَحَدٌّنَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُ
النّاسِ، وَقَدْ بَلَغْنَا الْنّكَاحَ فَجِثْنَا لِتُؤْمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَتُؤَدِّيَّ إِلَيْكَ كَمَّا يُؤَدِّي
النّاسُ وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُون. قَالَ: فَسَكَتَ طَوِيلًا حَتِّى أَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ. قَالَ: وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ
تُلْمِعُ عَلَيْنَا مِن وَرَاءِ الْحِجَابِ أَنْ لا تُكَلِّمَاهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ «إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبُغِي لَآلِ مُحَمَّدٍ،
إِنَّمَا هِيَ أَوْ سَاعُ النَّاسِ. ادْعُوّا لِي مَحْمِيَّةَ (وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ) وَتَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ
الْمُطْلِبِ» قَالَ فَجَاءَاهُ فَقَالَ لِمَحْمِيَّةَ «أَنْكِحْ هَذَا الْغُلامَ ابْنَكَ» (لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) فَأَنْكَحَهُ
وَقَالَ لِتَوْقَلِ بْنِ الْحَارِثِ «أَنْكِحْ هَذَا الْغُلامَ ابْتَكَ» (لِي) فَأَنْكَحَنِي وَقَالَ لِمَحْمِيَةَ «أَصْدِقْ
عَنْهُمَا مِن الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا)». قَالَ الرُّهْرِيُّ وَلَمْ يُسَمِّهِ لِي.
٢١٦٢ - ١٦٨ عَنْ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالْعَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطِّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا أنهما قَالا لِعَبْدِ الْمُطَلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ(١٦٨) الْتِيَا رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ. وَقَالَ فِيهِ فَأَلْقَى عَلِيٌّ رِدَاءَهُ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَنّا أَبُو
حَسَنِ الْقَرْمُ وَاللّهِ لا أَرِبِمُ مَكَانِي حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْكُمَا ابْنَاكُمَا بِحَوْرِ مَا بَعَنْتُمَا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللّهِ
◌َ *. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ «لَّا إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاعُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لا تَحِلُّ
لِمُحَمَّدٍ وَلا لآلِ مُحَمَّدٍ» وَقَالَ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّهِلَ﴿ِ «ادعُوا لِي مَحْمِيَةَ ابْنَ جَزْءٍ»
وَهُوَ رَجُلٌ مِن بَنِي أَسَدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴿َ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الأَخْمَاسِ.
(١٦٧) حَدَِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَّةُ عَن مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نَوْفَلِ بْنِ
الْحَارِثِ بْن عَبْدِ الْمُطِّلِبِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّتَهُ قَالَ اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ
(١٦٨) حَدَّنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ حَدَّثَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي يُوَنُسُ بَّنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ
الْهَاشِمِيِّ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةٌ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْبَرَهُ أَنْ أَبَّهُ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَلَّبِ وَالْعَبَّاسِّ
ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
٤٦٤
٢١٦٣ - ١١٩ عَن جُوَيْرِيَةٌ(١٩٩) زَوْجِ النّبِيِّ فَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ دَخَلَ
عَلَيْهَا فَقَالَ «هَلْ مِن طَعَامٍ؟» قَالَتْ: لا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ إِلا عَظْمٌ مِن شَاقٍ
أُعْطِنْهُ مَوْلاتِي مِن الصَّدَقَةِ. فَقَالَ «قَرِّبِيِهِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَجِلَّهَا».
٢١٦٤ - ١٧٠ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِّ صَ﴾(١٧٠) قَالَ: أَهْدَتْ بَرِيرَةُ إِلَى النَِّيِّ : ﴿ لَحْمًا تُصُدِّقَ بِهِ
عَلَيْهَا فَقَال «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ. وَلَنَا هَدِيَّةٌ».
٢١٦٥ - ٢١ ١ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٧١) وَأَتِيَ النَّبِيُّ وَّ بِلَحْمٍ بَقْرٍ فَقِيلَ هَذَا مَا تُصُدِّقَ
بِهِ عَلَى بَرِيرَةً فَقَالَ «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَّا هَدِيَّةٌ».
٢١٦٦ - ١٣ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٧٢) قَالَتْ: كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ قَضِيَّاتٍ كَانَ
النّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهَا وَتُهْدِي لَنَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْبِيَِّ﴿ فَقَالَ «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَّةٌ وَلَكُمْ
هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ».
.... - ١٧٣ وَبِمِثْلِ ذَلِكَ (١٧٣).
٢١٦٧ - - عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النّبِيِّ : ﴿ بِمِثْلٍ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «وَهُوَ
لَّا مِنْهَا هَدِيَّة».
٢١٦٨ - ٢٤ ١ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٧٤) قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِل ◌َّ بِشَاةِ مِن الصَّدَقَّةِ
(١٦٩) حَدَّثَنَا قُتَنْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْنَا لَيْثٌ ح وحَذََّا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُنِيْدَ بْنَ السَّبَّاقِ قَالَ إِلَّ
جُوَيْرِيَةَ زَوْجَ النّبِيِّ وَ أَخْبُرَتْهُ
- خَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي هِيَةٌ وَعَمْرُوِ النَّاقِدُ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُبَيْئَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ
(١٧٠) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالاَ حَدَّثْنَا وَكِعٌ حٍ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ الْمُثَنِّي وَابْنُ بَشَّاَرِ قَالاَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرِ كِلاهُمَا عَنْ شُعْبَّةً عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنَسٍ ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدََّا أَبِي حَدََّاَ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةُ سَمِعَ
أَنْسَ بْنَ مَالِكٍ
(١٧١) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدََّا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حِ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثِى وَابْنُ بَشَّارِ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِّى قَالا حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحُكْمِ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةً
(١٧٢) حَدَّثَّا زُهَيْرٌ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٌٍ قَالَا حَدَّثَّا أَبُو مُعَاوِيَةٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةً عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ
عَن أَبيهِ عَنِ عَائِشَةً
(١٧٣) وَخَذََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَََّّا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ عَنِ زَائِدَةَ عَنِ سِمَّاكٍ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
ح وحَذََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّيِ حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شَعْبَةٌ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بَّنَ الْقَاسِمِّ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ
يُحَدِّثُ عَنِ عَائِشَةَ رضي اللَّه عنها عَن النِّيِّ لَ بِمِثْلِ ذَلِكَ
- وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخَبَرَبِي مَّالِكٌّ بْنُ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنِ عَائِشَةٌ
(١٧٤) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرَبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ حَفّصَةً عَنْ أُمَّ عَبْطَّةً
٤٦٥
فَعَنْتُ إِلَى عَائِشَةً مِنْهَا بِشَيْءٍ فَلَمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى عَائِشَةَ قَالَ «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قَالَتْ: لا
إِلا أَنَّ نُسَيِبَةَ ◌َعَتْ إِلَيْنَا مِنِ الشَّةِ الَّتِي بَعَنْتُمْ بِهَا إِلَيْهَا. قَالَ «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلّهَا».
٢١٦٩ - ١٢ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٧٥) أَنَّ النّبِيَّ :﴿ كَانَ إِذَا أُنِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ فَإِنْ قِيلَ
هَدِيَّةٌ أَكَلَ مِنْهَا وَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا.
المعنى العام
إن الصدقة من ألوان المذلة على الآخذ. مهما غلف هذا اللون بغلاف المواساة الشرعى، وليس أدل
على ذلك من طلب الشريعة لإخفائها حين إعطائها ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)). ﴿وَإِنْ
تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌلَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
وفى محاولة من الإسلام لرفع مذلة الآخذ للمعطى طلب تسليمها للإمام، وطلب من الإمام أخذها
من الأغنياء ولو بالقوة، وأشار إلى أنها حق معلوم للسائل والمحروم، وحذر المعطى من المن على
الفقيربها من جرح مشاعره بأى مظهر من مظاهر الجرح، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا
صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَنَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] .. الآية. لكن هذه المحاولات على كثرتها -وإن خففت لون
مذلة الآخذ لم تغير الحقيقة، وأنها أوساخ الناس، أو غسلات أوساخهم، فهى مكفرة لذنوبهم، مطهرة
لهم ولأموالهم.
من هنا يترفع عنها ذوو الشرف والجاه، ويأبى أخذها أو طلبها ذوو النفوس الأبية، وإن عضهم
الفقر بأنيابه ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِن التّعَفَّفِ﴾[البقرة: ٢٧٣].
وأى البشر أشرف من محمد وآله؟ أليسوا صفوة خلقه كما جاء فى الحديث الصحيح القائل:
((إن الله اصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بنى هاشم،
واصطفانى من بنى هاشم.))
فليس عجباً - والحالة هذه- أن يجىء التشريع الإسلامى بقوله صلى الله عليه وسلم: «إنا لا نأكل
الصدقة)). ((إنا لا تحل لنا الصدقة)). ((إنما هى أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد)). بل
بالخ صلى الله عليه وسلم فى نفوره من تناوله أو تناول أهله لها فى هذه الأحاديث بثلاثة مظاهر.
المظهر الأول: زجره للحسن بن على مرة، وللحسين مرة أخرى حين أخذ كل منهما تمرة
من تمر الصدقة، وهما طفلان صغيران لم يميزا بعد؛ كانا يلعبان فى المسجد، وتمر الصدقة
كومة فيه، ولقد بدأ عنف هذا الزجر حين جاء بلفظ: كخ. كخ. وبلهفة الخوف والرهبة،
وبسرعة منع هذا الحدث باليد، إذ أدخل صلى الله عليه وسلم أصبعه فى فم الطفل وهو يلوك
(١٧٥) حَدََّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلامِ الْجُمْحِيُّ حَدِّنَا الرَّبِعُ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ
٤٦٦
التمرة فأخرجها من فمه؛ ثم أتبع ذلك بزجر وتأنيب آخر، يخاطب الطفل كأنه رجل كبير:
((أما علمت أنا لا نأكل الصدقة)»؟.
المظهر الثانى: تحرزه الشديد من الوقوع فيها، وبعده عن مجرد الاشتباه فيها، وترك ما يريب
بخصوصها إلى ما لا يريب، بل التأكد من بعدها لمجرد خطورها على البال، فهو صلى اللّه عليه وسلم
يجد التمرة الواحدة فى الطريق، فيرفعها ليأكلها، فيخطر بباله احتمال كونها من الصدقة، فيعطيها
لصاحبه ولا يأكلها، وهو يدخل بيته فيجد فيه تمرة، أو يجد على فراشه تمرة، وهو يعلم أن الناس لا
يدخلون الصدقة بيته، لكن الاحتمال الضعيف وأنها من الصدقة يمنعه من أكلها؛ بل وصل الورع به
والمبالغة فى التحرز أنه كان إذا قدم إليه طعام سألهم: من أين؟ أمن الصدقة هو؟ فإن قيل: من
الصدقة. لم يأكل منه، وإن قيل: هدية. أكل منه.
المظهر الثالث: إبعاد بنى هاشم عنها لدرجة إبعادهم عن العمالة فيها، إن العامل له أجره على ما
يعمل، وإن جباة الزكاة وسعاتها لهم أجرتهم مقابل جهدهم، لكن لما كانت أجرتهم من الصدقة، وكان
لهم سهم كمصرف من مصارف الزكاة بنص القرآن: ﴿ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] وجدنا. صلى
الله عليه وسلم يترفع بالفضل ابن عمه العباس، وبعبد المطلب بن ربيعة ابن عمه الحارث بن عبد
المطلب أن يؤمرهما على الصدقات، وليؤديا ما يؤدى الناس، ويصيبا من الأجر مثلما يصيب الناس،
يترفع بهما عن هذه المهمة، ويرفض طلبهما لها، ويقول: ((إنما هى أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد
ولا لآل محمد)». صلى الله عليه وسلم.
أليس فى ذلك القدوة الحسنة للمسلمين أن يترفعوا عن الذلة والمهانة، وعن مد الأيدى إلى
المسلمين أو غير المسلمين؟ أليس فى ذلك الدعوة إلى العزة والكرامة لتكون العزة للَّه ولرسوله
وللمؤمنين؟ هل للمتسولين الذين يملئون ساحات الأولياء ويشغلون الطرقات ويحرجون ويحرجون
أن يتعظوا ويكفوا أيديهم؟ ويعودوا إلى دينهم؟ وإلى تعاليم رسولهم؟.
اللَّهم اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا
الضالين. (آمين).
المباحث العربية
(أخذ الحسن بن على تمرة من تمر الصدقة) فى رواية لأحمد عن أبى هريرة قال: «كنا عند
رسول اللَّه ◌َ﴿ وهو يقسم تمراً من تمر الصدقة والحسن فى حجره)»، فهذه الرواية تبين أن الحسن كان
طفلا، كما تبين ظروف أخذ التمرة.
(فجعلها فى فيه) فى بعض الروايات ((فلم يفطن له النبى ل حتى قام ولعابه يسيل، فضرب
النبى { شدقه»، وفى رواية ((فلما فرغ حمله على عاتقه، فسال لعابه، فرفع رأسه، فإذا تمرة فى فيه)».
وفى الفم لغات، تثليث الفاء مع تخفيف الميم، وفتح الفاء وضمها مع تشديد الميم، والقصر.
٤٦٧
(كخ. كخ) مكرر مرتين للتأكيد، وفيها ست لغات، فتح الكاف مع سكون الخاء، ومع كسر الخاء
منوناً وغير منون، وكسر الكاف مع حالات الخاء الثلاث، وهى كلمة يزجر بها الصبيان عن
المستقذرات، أو عند ما لا ينبغى الإتيان به، ومعناها اتركه، وارم به، قيل: عربية، وقيل: أعجمية. وقال
الداودى: هى عجمية معربة، بمعنى بئس. وقد أشار إلى هذا البخارى فى باب من تكلم بالفارسية
والرطانة. وزاد فى رواية البخارى ((ليطرحها)) بدل ((ارم بها)). وفى رواية لأحمد ((فنظر إليه فإذا هو
يلوك تمرة فحرك خده، وقال: ألقها يابنى. ألقها يابنى)). ولا مانع من أن يكون صلى الله عليه وسلم
قد جمع للصبى هذه الكلمات وهذه الحركات، عند محاولته إخراج التمرة من فم الصبى.
(أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟) فى رواية البخارى ((أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة))؟
وفى ملحق روايتنا ((أنا لا تحل لنا الصدقة)) وفى رواية للبخارى ((أما علمت أن آل محمد لا يأكلون
الصدقة)»؟ وفى رواية له أيضاً ((أما تعرف))؟ والاستفهام للتعجب، والمعنى عجب! كيف خفى عليك
هذا الأمر مع ظهوره، وهذه اللفظة تقال فى الشيء الواضح، وإن لم يكن المخاطب بذلك عالماً به، أو لم
یکن أهلا لأن یسبق له العلم به، کما هنا.
(اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب) أى اجتمع ربيعة بن الحارث بن
عبد المطلب مع عمه العباس بن عبد المطلب، وكان اجتماعهما لقاء لا بتدبير مسبق لهذا الأمر،
وصادف وجود الغلامين ابنيهما الفضل وعبد المطلب.
(فكلماه) المراد به محذوف، أى فكلماه أن يعينهما على الصدقة.
(فأمرهما على الصدقة) التعبير بالماضى للطمع فى تحقق الوقوع، والأصل
ليؤمرهما على الصدقة.
(فأديا مايؤدى الناس) ((ال)) فى ((الناس)) للعهد، والمراد بهم العاملون على الصدقات، والمراد
من الموصول ما يؤديه العاملون من المطالبة بالزكاة وتحصيلها وتوريدها.
(وأصابا مما يصيب الناس) أى وأصابا من سهم العاملين عليها الذى يصيب منه العاملون.
(لوبعثنا) ((لو)) للتمنى فلا تحتاج إلى جواب، أى ليتنا نفعل كذا وكذا، أو شرطية وجوابها
محذوف، أى لو بعثنا وحصل كذا وكذا كان خيراً.
(فوقف عليهما) أى فوقف بجوارهما ومعهما متمكناً من كلامهما.
(فذكرا له ذلك) الذاكر واحد، ونسب إليهما لموافقة الآخر.
(لا تفعلا) المفعول محذوف، أى لا تفعلا الإرسال. أى لا ترسلا.
(فوالله ما هو بفاعل) الضمير للرسول®، والمراد من الفعل المنفى استجابته صلى الله عليه
٤٦٨
وسلم. أى ما رسول اللَّه ﴿ بمستجيب لطلبكما، ولعله كان يعلم الحكم الشرعى، ولذلك أقسم، ولم يشأ
أن يخبرهما به ليتأكدا بنفسهما، لأنه كان يخشى أن يتهم بما اتهم به فعلا من المنافسة.
(فانتجاه ربيعة) أى فأخذه ناحية بعيدة عن عمه، لعله بذلك يستدر مساعدته، أو الكف عن
معارضته، فهو زوج ابنة الرسول {®، وحبه وكانت استجابه على .. لذلك أنه لم ينصرف لشأنه
وحال سبيله، حتى لا يظن به أنه تسبب فى المنع.
(واللَّه ما تصنع هذا) أى ما تقول ((واللَّه ماهو بفاعل)) ولا تفعلا.
(إلا نفاسة منك علينا) قال النووى: معناه إلا حسداً منك لنا. اهـ والأولى أن يقال:
إلا منافسة منك.
(لقد نلت صهر النبى ## فما نفسناه عليك) قال النووي: هو بكسر الفاء: أى ما حسدناك
ذلك. اهـ والأولى أن يقال: فما تنافسنا معك على هذا الأمر، وما تسابقنا عليه، بل قدرنا ما هو خير لك
خيرًا لنا.
(فانطلقا) كان الظاهر أن يقول ((فانطلقنا)) فالمتكلم هو المنطلق، ولكنه جرد من نفسه غائباً،
وعاد إلى ضمير التكلم عند قوله:
(سبقناه إلى الحجرة) التى سيدخلها بعد الصلاة، وكانت حجرة زينب بنت جحش -كما
سيأتى - وكأنهما كانا يعلمان خط سيره.
(أخرجا ما تصرران) قال النووى: هذا هو فى معظم الأصول ببلادنا ((تصرران)) بضم التاء
وفتح الصاد وكسر الراء المشددة، وبعدها راء أخرى، ومعناه تجعلانه فى صدوركما من الكلام؟ وكل
شيء جمعته فقد صررته، ووقع فى بعض النسخ ((تسرران))؟ بالسين، من السر، أى ما تقولانه لى
سرًا؟. وذكر القاضى عياض مع هاتين الروايتين روايتين. إحداهما ((تصدران)»؟ بإسكان الصاد
وبعدها دال، ومعناه ماذا ترفعان إلى؟ والثانية ((تصوران)) بفتح الصاد وتشديد الواو مكسورة. قال
النووى: والصحيح ما قدمناه عن معظم نسخ بلادنا.
(فتواكلنا الكلام) أى وكل كل منا الكلام للآخر، أى قال هذا لهذا: تكلم. وقال ذلك لهذا: تكلم،
رهبة وحرجاً من كل منهماً.
(ثم تكلم أحدنا) لم يشأ أن يعينه، وهو عنده معين بيقين، لأن شأنهم الستر فيما يجرح، وفى
عدم الاستجابة لمطلبهم جرح، فيفهم من هذا أن المتكلم كان الفضل.
(وقد بلغنا النكاح) أى صلاحية النكاح والإنجاب، أى بلغنا الحلم، كقوله تعالى: ﴿وَابْتَّلُوا
الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ.﴾ [النساء: ٦].
٤٦٩
(فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه) أى أن نعيد الكلام والطلب إليه.
(وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب: أن لا تكلماه)، تلمع)) بضم التاء وإسكان
اللام وكسر الميم، من ألمع الرباعى، ويجوز فتح التاء والميم من لمع الثلاثى، يقال: ألمع ولمع إذا أشار
بثوبه أو بيده، وفى بعض النسخ ((تلمع إلينا)) وكان ذلك بعد الأمر بالحجاب، فلم يرياها، وإنما رأوا
تحرك الحجاب بتحريك يدها يميناً وشمالا. وإنما فعلت ذلك لترشدهما إلى ما ينبغى، بناء على
سبق معرفتها بحاله صلى الله عليه وسلم، وأن سكوته عن مطلب معناه عدم إجابته.
(إن الصدقة لا تنبغى لآل محمد) وهما إذا عملا عليها أخذا منها، ولو فى مقابل العمل.
(إنما هى أوساخ الناس) قال النووى: معناه أن الصدقة تطهير لأموال الناس نفوسهم، كما
قال تعالى: ﴿خُذْ مِن أَمْوَالِهِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فهى كغسالة الأوساخ، وهذا
القول منه صلى الله عليه وسلم كالتنبيه على العلَة فَى منعها عن آل محمد صلى الله عليه وسلم،
وسيأتى مزيد لذلك فى فقه الحديث.
(ادعوا لى محمية -وكان على الخمس- ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب) يريد
صلى الله عليه وسلم أن لا يردهما خائبين، وأن يبدلهما خيراً مما طلبا. فمحمية - بميم مفتوحة ثم
حاء ساكنة، ثم ميم مكسورة ثم ياء مفتوحة مخففة، ابن جزء بفتح الجيم وسكون الزاى بعدها همزة،
ويقال -جزى - بكسر الزاى، ويقال - جز- بتشديد الزاى، كل ذلك بفتح الجيم -رجل قديم الإسلام من
مهاجرة الحبشة من بنى زبيد، وقيل: من بنى أسد.
(فأنكحه) أى قبل إنكاحه وأعلن ذلك لرسول الله:﴿ تمهيداً للعرض على الزوجة
وحضور الشاهدين.
(وقال لنوفل بن الحارث ... ) معنى هذا أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث تزوج ابنة عمه
نوفل بن الحارث.
(وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا) ((كذا وكذا)) كناية عن مبالغ حددها
رسول اللَّه ﴿، لم يشأ الراوى أن يذكر المبلغ المأمور به.
وكأنهما طلبا العمل ليستعينا به على تحصيل صداق للزواج، فلما كان العمل المطلوب غير جائز
منحا الصداق، قيل: من سهم ذوى القربى من الخمس، لأنهما من ذوى القربى، وقيل: من سهم النبى
و ◌َلا من الخمس.
(وقال: أنا أبوحسن القرم) قال النووى هو بتنوين ((حسن)) وأما ((القرم)) فبالراء [الساكنة
بعد القاف المفتوحة] مرفوع [خبر بعد خبر، أو صفة «أبو حسن))] والقرم من الرجال السيد المعظم.
قال الخطابي: معناه المقدم فى المعرفة بالأمور والرأى، والمقصود من هذا أن علياً له يشعرهم
٤٧٠
ويؤكد لهم أنه من أهل العلم ببواطن الأمور، ومن أهل الخبرة والرأى، وأن ما قال لهم عن عدم موافقة
النبی ﴾﴾ سیقع.
قال النووى: هذا أصح الأوجه فى ضبطه ((القرم)) وهو المعروف فى نسخ بلادنا، والثانى ((القوم))
بالواو، بإضافة ((حسن)) إلى ((القوم)) ومعناه عالم القوم، وذو رأيهم، والثالث ((أبو حسن)) بالتنوين،
و((القوم)) بالواو، مرفوع، أى أنا من علمتم رأيه أيها القوم. وهذا ضعيف، لأن حروف النداء لا تحذف
فى نداء ((القوم )) ونحوه. اهـ
(واللَّه لا أريم مكانى) أى لا أفارق مكانى، و((أريم)) بفتح الهمزة وكسر الراء.
(حتى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما) أى بجواب ما بعثتما، قال الهروى: يقال:
كلمته فما رد على حورا ولا حويرا، أى جوابا، قال: ويجوز أن يكون معناه الخيبة، وأصل الحور الرجوع
إلى النقص. قال القاضى: وهذا أشبه بسياق الحديث.
وأما ((ابناكما)). فهكذا ضبطناه بالتثنيه، ووقع فى بعض الأصول ((أبناؤكما)) بالجمع، قال: وهو
وهم، والصواب الأول. قال: ويصح على مذهب من يجعل أقل الجمع اثنين.اهـ
(ما عندنا من طعام إلا عظم من شاة) أى عظم بلحمه، وليس المقصود عظماً بدون لحم.
(أعطيته مولاتى من الصدقة) أى أعطيته من الصدقة جاريتى ومعتوقتى.
(قريبه، فقد بلغت محلها) أى قربيه لآكله: فقد زال عنه حكم الصدقة وصار حلالا لنا،
((ومحلها)) بكسر الحاء، أى بلغت الصدقة مكانها الذى يجب أن تصله، وهى تنتقل الآن منه بصفة
أخرى، وقيل: معنى محلها مكان حلها، أى حيث يحل أكلها، من حل الشيء حلالا.
(عن عائشة: وأتى النبى {/ بلحم بقر) قال النووى: هكذا هو فى كثير من الأصول المعتمدة،
أو أكثرها ((أتى)) بغيرواو، وكلاهما صحيح والواو عاطفة على بعض من الحديث لم يذكره هنا. اهـ
و((بريرة)) بفتح الباء وكسر الراء، إحدى جوارى عائشة أو معتوقاتها، والمعطوف عليه مذكور فى
حديث البخارى، ولفظه ((عن عائشة - رضى الله عنها - أنها أرادت أن تشترى بريرة للعتق، وأراد
مواليها - [أى ساداتها، وكانت لعتبة بن أبي لهب] أن يشترطوا ولاءها، فذكرت عائشة للنبى له
فقال لها النبى وَل: اشتريها [أى والشرط باطل، لأنه مخالف للشرع] فإنما الولاء لمن أعتق. قالت:
وأُتي النبى ﴿ بلحم .. )) إلى آخر الحديث، أى قالت: حصل فى شأن بريرة كذا وأتى النبى.
(كان فى بريرة ثلاث قضيات) جمع قضية، أى كان للشرع ثلاثة أحكام بسبب ثلاث قضايا
تخص بريرة. ذكرت هنا الحكم الأول «هو عليها صدقة ولكم هدية)» والحكم الثانى فى حديث البخارى
المذكور قريبا ((الولاء لمن أعتق)) والحكم الثالث التخيير فى فسخ النكاح حين أعتقت تحت عبد.
(إلا أن نسيبة بعثت إلينا) قال النووى: هى ((نسيبة)) بضم النون وفتح السين، وإسكان الياء،
ويقال أيضًا: ((نسيبة)) بفتح النون وكسر السين، وهى أم عطية.
٤٧١
فقه الحديث
تتعرض هذه الأحاديث بصفة أساسية إلى حكم أكل النبى ◌ّ من الصدقة، وإلى حكم إعطاء آله
صلى الله عليه وسلم من الصدقة.
أما الأول: فإن جمهور العلماء على أن الصدقة محرمة على رسول اللّه : *، نقل بعضهم الإجماع
على ذلك. وفى ((المغنى)): الظاهر أن الصدقة فرضها ونفلها محرمة على رسول اللّه ®. وروايتنا تؤكد
ذلك، ففى ملحق الرواية الأولى ((أما علمت أنا لا تحل لنا الصدقة))؟ وفى الرواية الثامنة ((وإنها لا
تحل لمحمد ولا لآل محمد».
وقد قيل فى علة المنع: إنها لتشريفه صلى اللّه عليه وسلم، فإن الصدقة أوساخ الناس، كما جاء
فى الرواية الثامنة، وبيان ذلك أنها مطهرة للملاك ولأموالهم، قال تعالى: ﴿خُذْ مِن أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً
تُطَهِّرُهُمْ﴾ فهى كغسالة الأوساخ.
ثم إن أخذ الصدقة مذلة، كما جاء فى حديث: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) ولرسول اللَّه ◌َ#.
اليد العليا.
وقيل: لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته وعلاماتها، فلم يجز الإخلال به. إذ روى فى حديث
سلمان يخبر عن أوصافه صلى اللّه عليه وسلم فى كتبهم قال: «إنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة».
وقيل: لأنه لو أخذها لطال لسان الأعداء بأن محمداً يدعونا إلى ما يدعونا إليه ليأخذ أموالنا، فكان رد
الشبهة قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]. ذكره العينى.
والأولى اعتبار هذه الأمور كلها كحكمة التشريع، وعند الحكيم علم ما شرع.
أما أن ابن تيمية ذكر فى الصدقة على رسول اللّه * وجهين، وأن للشافعى فيها قولين،
وأن لأحمد قولا فى حل صدقة التطوع له صلى الله عليه وسلم، وأنه إنما تركها صلى اللّه
عليه وسلم تنزها، فهذه الأقوال تردها الأحاديث الصحيحة الكثيرة المشهورة، بل البالغة حد
التواتر المعنوى. واللَّه أعلم.
وأما الثانى: وهو إعطاء آله صلى الله عليه وسلم من الصدقة فهناك خلاف بين الأئمة والعلماء فى
المراد من الآل، أهم بنوهاشم خاصة؟ أم هم بنو عبد المطلب؟ أم المراد بهم بنو قصى؟ أم بنو غالب؟
أم قريش كلها؟ وهل المراد بهم من كانوا فى زمنه صلى اللّه عليه وسلم؟ أم هم ومن أتى ويأتى من
نسلهم إلى يوم القيامة؟ وهل المراد الفقراء منهم؟ أم هم ومن اتصف بصفة أخرى كالعاملين عليها؟
وهل لا يأخذون من الصدقة وإن منعوا من الخمس؟ أم يعطون من الصدقة إذا منعوا من الخمس؟
وهل الحكم يعم الزكاة المفروضة والصدقة المندوبة؟ أو لا يشمل المندوبة؟ وهل لا يأخذون من صدقات
المسلمين عامة؟ أم يجوز أن يأخذ الهاشمى من صدقة الهاشمى؟ وهل يلحق بهم مواليهم؟ أم لا
يلحقون؟ وفى كل ذلك خلاف بين الفقهاء نعرضه بإيجاز.
٤٧٢
نسب النبي * هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصی بن
كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهربن مالك بن كنانة إلخ ... فهاشم جده الثانی صلی
الله عليه وسلم، والقائلون بأن المراد بآله بنو هاشم خاصة هم الحنفية وجمهور المالكية وجمهور
الحنابلة، فيدخل فى ذلك دخولا أوليا آل على، وآل العباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث، لأنهم
بنو عبد المطلب الذى هو من بنى هاشم.
ولهاشم أخ يسمى بالمطلب، أدخل الشافعية وبعض المالكية بنيه مع بنى هاشم، باعتبارهم فى
درجة واحدة، ولحديث: ((إن بنى هاشم وبنى المطلب شيء واحد. وشبك بين أصابعه))، رواه البخارى،
وقد سوى بينهم صلى الله عليه وسلم فى استحقاق الخمس، وهو حكم واحد يتعلق بذوى القربى،
فاستوى فيه الهاشمى والمطلبى.
ويرد الحنفية بأن إعطاء بنى المطلب من الخمس إنما كان لموالاتهم ونصرتهم، لا لمجرد
قرابتهم، أو لذلك مع القرابة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إنهم لم يفارقونى فى جاهلية ولا
إسلام)»، فقد اشتركوا مع بنى هاشم فى دخولهم الشعب معه صلى الله عليه وسلم فلا يقاس على
الخمس الزكاة، ولا يقاس بنو المطلب على بنى هاشم لأن بنى هاشم أشرف وأقرب للنبى { ل﴾.
وقال أصبغ المالكى: هم بنوقصى، وقال أيضاً: هم عترته الأقربون الذين ناداهم حين أنزل الله:
﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] وهم آل عبد المطلب، وهاشم وعبد مناف، وغالب. وقيل:
قريش كلها.
وجمهور العلماء على أن المراد بهم من كانوا فى زمنه صلى الله عليه وسلم، ومن أتى ويأتى بعدهم
إلى يوم القيامة، ونسب إلى الإمام محمد بن الحسن صاحب أبى حنيفة القول بأن الحرمة
مخصوصة بزمانه صلى اللّه عليه وسلم.
وذهب كثير من العلماء إلى أنهم لا يعطون من الصدقة بأى صفة من صفات مصارف الزكاة، ولو
كانوا عاملين عليها، وروايتنا السابعة والثامنة واضحة فى ذلك، والشافعية وجهان مشهوران مبنيان
على أن ما يأخذه العامل على الزكاة من قبيل الأجرة؟ أم من الصدقة؟ فمن قال أنه من قبيل الأجرة
من حيث تقديره بأجرة المثل وأنه على وجه العوض أجاز للهاشمى أن يكون عاملا على الصدقة،
ويجيب عن روايتنا بأنهما منعا لأنهما سألا، أو تورعاً وتنزهاً، ومن قال أنه من قبيل الصدقة، لأنه
يشبهها من حيث عدم اشتراط عقد الإجازه، ولا مدة معلومة، ولا عمل معلوم منع أن يكون العامل على
الزكاة هاشمیاً.
وعلى هذا قيل: إذا تبرع الهاشمى بعمله بلا عوض، أو دفع الإمام أجرته من بيت المال
جازبلا خلاف.
قال الماوردى فى ((الأحكام السلطانية)): يجوز كونه هاشمياً ومطلبياً إذا أعطاه من
سهم المصالح.
٤٧٣
ولو منعت بنو هاشم حقهم من خمس الخمس بأن انقطع سهمهم من الخمس لخلوبيت المال
من الفيء والغنيمة، أو لاستيلاء الظلمة واستبدادهم بها، جاز أخذهم من الزكاة عند بعض العلماء، أما
عند الجمهور، وهو الأصح عند الشافعية فإنها لا تحل، لأن الزكاة حرمت عليهم لشرفهم برسول الله
** ، وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس، وقيل: إن منعوا حقهم من الخمس جاز الدفع إليهم من الزكاة،
لأنهم إنما حرموا الزكاة لحقهم فى خمس الخمس، فإذا منعوا الخمس وجب أن يدفع إليهم من
الزكاة، وقيد بعضهم إعطاءهم من الزكاة بحال الضرورة كسائر المحرمات.
هذا. ويفرق بعضهم بين الزكاة المفروضة والصدقة المندوبة، فبعض الحنفية وبعض المالكية وفى
رواية عن أحمد، وفى وجه عند الشافعية: أن الصدقة على وجه الصلة والتطوع يجوز إعطاؤها لبنى
هاشم بخلاف الزكاة المفروضة، قالوا: لأنهم منعوا الزكاة لأنها من أوساخ الناس، وصدقة التطوع
ليست كذلك، وبعض المالكية يجوزون إعطاء الزكاة المفروضة لبنى هاشم دون صدقة التطوع، بدعوى
أن الواجب حق لازم، لا يلحق بأخذه ذلة، بخلاف التطوع.
والراجح من هذه الأقوال المنع من غير تفريق بين الواجبة والمندوية، فأحاديث الباب عامة فى
الصدقة ((أما علمت أنا لا نأكل الصدقة))؟ ((أنا لا تحل لنا الصدقة))، «لولا أن تكون من الصدقة
لأكلتها)). فهذا كله يرجح عدم التفرقة بين الصدقة الواجبة والمندوبة، واللَّه أعلم.
وحُكى عن أبى يوسف والحنابلة أنها لا تحل من بعضهم لبعض، ولا تحل لهم من غيرهم. ورجح
ابن تيمية أنه يجوز لبنى هاشم الأخذ من زكاة الهاشمين، قالوا: إن موجب المنع رفع يد الأدنى عن
الأعلى، فأما الأعلى على مثله فلا.
والتحقيق أنه لا فرق بين صدقة الهاشمى وصدقة غيره، وعموم الأحاديث تؤكد ذلك، ولم يثبت أن
هاشمياً أخذ الزكاة من هاشمى. قال الطبرى عن مقالة أبى يوسف: لا القياس أصاب، ولا الخبر اتبع،
وذلك أن كل صدقة وكل زكاة أوساخ الناس، وغسالة ذنوب من أخذت منه، هاشمياً أو غيره. ولم يفرق
اللَّه ولا رسوله بين شيء منها بافتراق حال المأخوذ منه.
أما موالى بنى هاشم، أى عتقاؤهم فقد ذهب أبو حنيفة وأحمد وابن الماجشون المالكى وبعض
الشافعية إلى أن الزكاة تحرم عليهم، لحديث أبي رافع أن رسول اللّه * بعث رجلا من بنى مخزوم
على الصدقة فقال لأبى رافع: [وهو من موالى بنى هاشم] اصحبنى كيما تصيب منها. فقال: حتى آتى
رسول اللَّه ﴿، فأسأله. فانطلق إلى رسول اللّه * فقال صلى الله عليه وسلم: ((إنا لا تحل لنا الصدقة،
وإن موالى القوم منهم». أخرجه أبو داود والنسائى والترمذى، وقال: حسن صحيح.
وقال الجمهور: يجوز لهم أخذ الصدقة، لأنهم ليسوا منهم حقيقة، ولذلك لم يعوضوا
بخمس الخمس.
قال الحافظ ابن حجر: ومنشأ الخلاف قوله: ((منهم)) هل يتناول المساواة فى حكم تحريم
الصدقة؟ أو لا؟ ويرى الجمهور أنه لا يتناول جميع الأحكام، فلا دليل فيه على تحريم الصدقة.
٤٧٤
ومال الحافظ ابن حجر إلى التحريم، فرد على الجمهور بقوله: لكن الحديث ورد على سبب
الصدقة، وقول العلماء: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ اتفقوا فيه على أنه لا يخرج
السبب، واختلافهم فى هل يختص بالسبب أو لا؟ فالحديث دليل على المنع.
هذا، وروايتنا التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة واضحات فى أن موالى
أزواج النبي * تحل لهن الصدقة، ولا خلاف فى ذلك، لكن هل ذلك لأن الأزواج أنفسهن لا
يدخلن فى آل محمد ◌َ الذين لا تحل لهم الصدقة؟ فمواليهن من باب أولى؟ أو الأزواج
يدخلن، ولا يدخل مواليهن بالنص؟.
نقل ابن بطال: أن الأزواج لا يدخلن فى ذلك باتفاق الفقهاء. لكن اعترض عليه بحديث
عن عائشة قالت: ((إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة)). وإسناده إلى عائشة حسن كما قال
الحافظ ابن حجر.
وظاهر الأحاديث وواقع حياة الرسول # وحكمة التشريع تؤيد دخولهن فى تحريم أخذ الصدقة،
فلم يثبت أنهن أعطين من الصدقة فى حين ثبت إعطاء مواليهن منها، ولو وقع مرة واحدة لذكر، على
أن قوله فى الرواية الثانية عشرة: ((هو عليها صدقة ولكم هدية فكلوه)». واضح فى دخولهن فى المنع، ثم
لو أبيح لهن لعادت الصدقة إلى رسول الله: ﴿، لأن نفقتهن لازمة عليه.
ورغم أننى أميل إلى دخول أزواج النبي # فى الحظر لا أرى دخول زوجة هاشمى آخر فيه إذا
كانت غير هاشمية، ولا دخول ولد هاشمية من غير هاشمى. والله أعلم.
ويؤخذ من هذه الأحاديث فوق ما تقدم
١- من الرواية الأولى، من زجر الحسن أن الصبيان يوقون ما يوقاه الكبار، ويمنعون من تعاطى
المحرم، وهذا واجب الولى، وإن كانوا غير مكلفين، ليتدربوا على ذلك.
٢- واستنبط بعضهم منه منع الصغيرة من الزينة إذا اعتدت.
٣- ومن قوله: ((أما علمت ... إلخ)) الإعلام بسبب النهى.
٤- وبمخاطبة من لا يميز، لقصد إسماع من يميز، لأن الحسن إذ ذاك كان طفلا قاله
الحافظ ابن حجر.
٥- والمبالغة فى الزجر لتفخيم الأمر، والاهتمام بالحكم.
٦- ومن ملابسات الحديث دفع الصدقات إلى الإمام.
٧- والانتفاع بالمسجد فى الأمور العامة، فقد كانت الصدقات تجمع فيه.
٨- وجواز إدخال الأطفال المساجد.
٩- ومن الروايات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة استعمال الورع، لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد
الاحتمال. لكن الورع تركها.
٤٧٥
١٠- ومن الرابعة والخامسة أن التمرة ونحوها من محقرات الأمور لا يجب تعريفها عند اللقطة، بل
يباح أكلها والتصرف فيها فى الحال، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما تركها خشية أن تكون من
الصدقة، لا لكونها لقطة. قال النووي: وهذا الحكم متفق عليه، وعلله أصحابنا وغيرهم بأن صاحبها
فى العادة لا يطلبها ولا يبقى له فيها مطمع.
١١- ومن الرواية السابعة من أخذ النبى * بآذان الغلامين تواضعه صلى الله عليه وسلم ومداعبته
وبشاشته وعطفه.
١٢- ومن قوله: ((أخرجا ما تصرران)). يتضح ذكاؤه صلى الله عليه وسلم وألمعيته، ثم أدبه فى رفع
الحرج عن الآخرين، وفتح باب القول لهم لتصريحهم بما فى نفوسهم.
١٣- من قولهما: أنت أبر الناس ... إلخ أدب تقديم الثناء على طلب الحاجة.
١٤ - ومن قوله: ((ادعوا لى محمية ونوفل)». إرضاء السائل وطالب الحاجة، وجبر خاطره بمساعدة
أخرى إذا لم تمكن المساعدة المطلوبة.
١٥- ومن طلبه صلى الله عليه وسلم من محمية ونوفل أن ينكحا الغلامين، تأثيره صلى اللّه عليه وسلم
فى حياة الصحابة، وتدخله فى المصالح الخاصة.
١٦ - ومدى استجابة الصحابة لإرشاداته صلى الله عليه وسلم دون تردد.
١٧ - ومن الرواية الرابعة عشرة تحريم الصدقة على رسول اللّه ﴿ دون الهدية. قالوا: وإنما يأكل
الهدية دون الصدقة لأن الهدية تبعث على التآلف، وتدعو غالباً إلى المحبة، وقد جاء فى الحديث:
((تهادوا تحابوا)). ومن الجائز أن يثيب عليها بأفضل منها، فتتباعد المنة، وترفع الذلة.
١٨ - ومن الروايات التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة تحويل الصدقة عن كونها صدقة
وعن كونها أوساخ الناس بمجرد قبض المتصدق عليه لها، لأنه حينئذ يجوزله بيعها وهبتها
لصحة ملكه لها. فجاز للرسول : وللهاشمى أكله منها.
١٩ - وأن الأشياء المحرمة لعلل معلومة إذا ارتفعت عنها تلك العلل حلت.
٢٠- وأن التحريم فى الأشياء ليس لعينها، بل لصفة فيها.
والله أعلم
٤٧٦
(٢٩٦) باب الدعاء للمتصدق وإرضاء السعاة
٢١٧٠ - ١٢٢٦ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْقَى ◌َِّ(١٧٦) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لِ ﴿ إِذَا
أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ «اللَّهُمَّ صَلٌّ عَلَيْهِمْ)) فَأَتَاهُ أَبِي أَبُو أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ «اللَّهُمَّ
صَلِّ عَلَى آلٍ أَبِي أَوْفَى».
٢١٧١ - عَن شُعْبَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «صَلِّ عَلَيْهِمْ)».
٢١٧٢ - ١٣٧ عَن جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(١٧٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ(«إِذَا أَتَاكُمْ الْمُصَدِّقُ
فَلْيُصْدُرْ عَنْكُمْ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ».
المعنى العام
من أسمى أهداف الإسلام الحرص على حسن العلاقة من المتعاملين، ويزيد اهتمامه بذلك حين
يكون أحد المتعاملين قريباً من السلطة أوله نوع من الولاية، ويزداد اهتماماً إذا كانت الأمور تقديرية
تختلف فيها الأنظار، ويصبح الوضع أشد حساسية إذا كان المشرع أحد أطراف المعاملة وهنا يتوفر
كل دواعى الاهتمام.
فالسعاة وهم العاملون على الزكاة رسل الحاكم وعملاؤه وممثلوه فى مهمتهم، والحاكم فى ذاك
الوقت رسول التشريع، والقضية أخذ أموال، والنفس البشرية بطبيعتها تضن به وتحرص عليه.
حقاً هناك قواعد واضحة للمعاملة، تقول فى كل كذا كذا، ولا تؤخذ كرائم الأموال ونفائسها
وأعزها عند المالك، وتحذير للعامل من الظلم فيقول: ((واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين اللّه
حجاب)). كل ذلك قائم، ولكن هناك أيضاً اختلاف أنظار فى سن الماشية، وفى جودة أو رداءة نموها،
فى قوتها أو ضعفها، وفى سمنها أو هزالها، وقد يوجد خلاف أيضاً إذا كانت كثيرة فى عدها، والأمر
نحو ذلك فى الزروع والثمار، وبخاصة ما طريقه الخرص والتقدير.
فكان من الضرورى أن يحصل خلاف بين العامل على الصدقة وبين رب المال، وكان كثيراً ما
(١٧٦) حَدَّثْنَا يُحْتَى بْنُ يَحْتَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ يَحْيَى أَخْبُرَنَا وَكِيعٌ عَنِ شُعْبَةً عَنِ
عَمْرِو ابْنِ مُرَّةً قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْلَى ح وحَدَّثَنَا عُبَيَّدُ اللَّهِ بْنُ مَّعَاذٍ وَاللَّفْظُ لَّهُ حَدَّثَنَا أَبِي عَن شَعْبَةً عَن عَمْرٍو
(وَهُوَ ابْنَّ مُرَّةَ) قَالٍَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى
- ح وِحَدَّثَنَاہ ابْنُ نُمَيْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ عَنِ شُعْبَةً
(١٧٧) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْيِى أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ح وَحَذََّا أَبُوٍ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثْنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وَأَبُو خَالِدِ الأَخْمَرُ حٍ وَحَدَّثًّا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ أَبِي عَدِيٌّ وَعَبَّدُ الأَغَلَّى كُلُّهُمْ عَنْ دَاوُدْ حِ وَحَدَّثَِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ
حَذْقَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا دَاوُدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ
٤٧٧
يقع فى نفس كل منهما أنه مظلوم، ويخطر فى نفس المالك أن العامل يأخذ أكثر من الحق. ويخطر
فى نفس العامل أن المالك يتهرب من الحق، فيشكو كل منهما الآخر.
فماذا يفعل المشرع والحاكم أمام هذه الشكاوى؟ إنه لم يأل جهداً فى وصيته لهم حين يبعثهم،
لدرجة أن يطلب منهم الدعاء لرب المال بالبركة والإخلاف، ولا يدخر وسعاً فى مراقبة تصرفاتهم
ومحاسبتهم، لكن الطرف الثانى فى حاجة إلى التنبيه والوعظ والتذكير والإيقاظ، إنه فى حاجة إلى
أن يواجه شح نفسه، ويهذب من حرصه، ويروض طباعه وسلوكه على السخاء والبذل وحسن الأداء
والعطاء)» ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
إن النفس البشرية جبلت على حب الأخذ دون الإعطاء، وهى حين تدفع الزكاة يغيب عنها أنها
تأخذ أكثر مما تعطى، يغيب عنها أنها تأخذ عشرة أمثال ما تعطى، يغيب عنها أن الصدقة تقع فى
يمين الرحمن قبل أن تقع فى يد آخذها، فيربيها -جل شأنه- لصاحبها حتى تكون مثل الجبل،
يغيب عنها أن إرضاء الآخذ إرضاء للرب سبحانه وتعالى.
من هنا كانت أحاديثنا توصى رب المال بإرضاء السعاة، وإذا أمعنا النظر وجدنا إرضاء السعاة
فى مصلحة المالك نفسه وليس فى مصلحة السعاة.
لنفترض حين الاختلاف والشكوى. لنفترض السعاة على صواب مرة وعلى خطأ مرة أخرى، ثم
ننظر من المستفيد؟ حين يكون السعاة على حق فيما أخذوا ستخلو عهدة المالك، وينجو من النار،
ويثاب ولو رغم أنفه.
وحين يكون السعاة على خطأ وقد أخذوا أكثر من الحق، سيضيع على المالك نفع
دنيوى، وسيعطى بدله نفعاً أخروياً، سيكون قد اشترى كثيراً بقليل ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾.
[النساء: ٧٧] ودائما بزائل، بل لن يضيع عليه نفع دنيوى فى حقيقة الأمر وإن ظن ذلك
صورة وشكلا، فالزكاة نماء لانقص، لأن اللَّه تعالى يمحق الربا ويربى الصدقات، ﴿وَمَا
أَنفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
فهل يوصى المشرع السعاة بالتساهل مع أرباب الأموال، أو يوصى أرباب الأموال بإرضاء السعاة
والمسارعة إلى الاستجابة لهم؟ أى الأمرين خير لأرباب الأموال؟.
لقد اختار المشرع ما هو خيرلهم، فقال: ((أرضوا مصدقيكم». السعاة الذين يحملون صدقتكم،
واستجاب الصحابة لهذه الوصية إذ عرفوا أنها فى صالحهم، وها هو الصحابي الجليل جرير بن عبد
الله راوى الحديث يقول: ((ما صدر عنى مصدق، وما انصرف عنى ساعٍ، وما رحل من عندى عامل
زكاة بعد أن سمعت هذا الحديث - إلا وهو عنى راض)).
رضى الله عنهم أجمعين، وصلى وسلم على مبلغ الرسالة الأمين.
٤٧٨
المباحث العربية
(اللهم صل عليهم) الصلاة فى اللغة الدعاء، وهو من قوله تعالى: ﴿خُذْ مِن أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلٌّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أى ادعولهم بالخير والبركة والإحسان ونحو ذلك.
والصلاة من اللَّه الرحمة والمغفرة والإحسان فمعنى ((اللهم صل على آل أبى أوفى)) اللهم بارك لهم
وأحسن إليهم.
(فأتاه أبى أبو أوفى) عبد الله بن أبى أوفى من أصحاب بيعة الرضوان، مات سنة سبع
وثمانين، وهو آخر من توفى بالكوفة من الصحابة.
(بصدقته) أى بزكاته.
(اللهم صل على آل أبى أوفى) آل الرجل أهله، وفرقوا بين الآل والأهل بأن الآل تقال عن
الأشراف فلا يقال: آل الحجام مثلا، لكن يقال: أهل الحجام وآل الأمير.
ولما كان المطلوب الدعاء للمتصدق، وليس الدعاء للآل قيل: إن لفظ ((آل)) هنا زائد مقحم، وقيل
إن الآل قد يذكر ويراد ذات الشخص، كما قيل ذلك فى حديث أبى موسى الأشعرى: «لقد أوتى
مزماراً من مزامير آل داود)». فقد قيل: إن المراد من آل داود، داود نفسه.
(إن ناسا من المتصدقين) بفتح الصاد المخففة وتشديد الدال المكسورة، والمصدق هنا هو
الذى يأخذ الصدقات، وهو الساعى الذى يعينه الإمام لقبضها، والسعاة هم العاملون على الزكاة.
(ملحوظة): ذكر الإمام مسلم رحمه الله تعالى في باب جزاء مانع الزكاة حديث رقم ٣٢ بلفظ:
((جاء ناس من الأعراب إلى رسول اللَّه *، فقالوا: إن ناساً من المصدقين، يأتوننا فيظلموننا، فقال
رسول اللَّهِمَا﴾((أرضوا مصدقيكم)) قال جرير: ما صدر عنى مصدق منذ سمعت هذا إلا وهو على راض
«. ونحن نشرحه هنا.
(يأتوننا فيظلموننا) أى يأتوننا لقبض الزكاة، فيأخذون أكثر مما هو مطلوب منا.
(ما صدر عنى مصدق) أى ما ذهب عنى مصدق، وما رجع عنى عامل الزكاة.
فقه الحديث
هدف الحديثين تنبيه العاملين على الزكاة بأن يحسنوا معاملة أرباب الأموال وأن يكرموهم
بالدعاء لهم، وتنبيه أرباب الأموال بأن يحسنوا لقاء العاملين على الزكاة، ويستجيبوا لمطالبهم،
بانشراح صدر، وبساطة وجه ليعودوا راضين.
جمعتهما فى باب واحد لأنهما تنبيه لمتعاملين فى معاملة واحدة، والترابط واضح بينهما.
أما عن الحديث الأول فيقول النووى: مذهبنا المشهور ومذهب العلماء كافة أن الدعاء لدافع
٤٧٩
الزكاة سنة مستحبة، وليس بواجب، وقال أهل الظاهر: هو واجب. قال: وبه قال بعض أصحابنا،
واعتمدوا الأمر فى الآية: ﴿خُذْ مِن أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزْكِّيهِمْ بِهَا وَصَلٌّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتَكَ سَكَنٌ
لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] جعلوا الأمر فى «صل)» للوجوب، وعمموه للأمة. قال: قال الجمهور: الأمر فى حقنا
للندب، لأن النبى و بعث معاذاً وغيره لأخذ الزكاة ولم يأمرهم بالدعاء. قال: وقد يجيب الآخرون بأن
وجوب الدعاء كان معلوماً لهم من الآية الكريمة. قال: وأجاب الجمهور أيضاً بأن دعاء النبي و *
لدافع الزكاة وصلاته عليه سكن له، بخلاف دعاء غيره صلى الله عليه وسلم. اهـ والراجح رأی
الجمهور، وأن الدعاء للمزكي مستحب، لأن الزكاة تقع الموقع وإن لم يدع، وقياساً على استيفاء جميع
الحقوق إذ لا يجب على مستوفى الحق الدعاء لمؤدى الحق. والله أعلم.
ولا يتعين لفظ الصلاة فى دعاء آخذ الزكاة للمزكى، بل ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعى
والجمهور إلى أنه لا يُصلّى على غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام استقلالا، فلا يقال: اللهم صل على
آل أبى بكر، ولا على آل عمر، ولكن يصلى عليهم تبعا، كما جاء فى التشهد: ((اللهم صلى على محمد
وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم))، وقد أجاز الإمام أحمد الصلاة على غير
الأنبياء استقلالا، استدلالا بهذا الحديث، ويجيب عنه الجمهور بأن هذا خاص به عليه الصلاة
والسلام، فالصلاة عليه حقه، يعطيه لمن يشاء، وليس لغيره ذلك.
قال النووى: وأما قول الساعى: اللهم صل على فلان. فكرهه جمهور أصحابنا، وهو
مذهب ابن عباس ومالك وجماعة من السلف، وقال جماعة من العلماء يجوز ذلك بلا كراهة،
لهذا الحديث، قال أصحابنا: لا يُصلّى على غير الأنبياء إلا تبعاً، لأن الصلاة فى لسان
السلف مخصوصة بالأنبياء، صلاة الله وسلامه عليهم، كما أن قولنا [عز وجل] مخصوص
باللَّه سبحانه وتعالى فكما لا يقال: محمد عز وجل وإن كان عزيزاً جليلا لا يقال: أبو بكر
صلى الله عليه وسلم وإن صح المعنى، قال: واختلف أصحابنا فى النهى عن ذلك، هل هو
نهى تنزيه أو محرم؟ أو مجرد أدب؟ على ثلاثة أوجه، الأصح الأشهر أنه مكروه كراهة
تنزيه، لأنه شعار لأهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهى مقصود.
قال: وقال الشيخ أبو محمد الجوينى من أئمة الشافعية: السلام فى معنى الصلاة، ولا يفرد
به غير الأنبياء، لأن اللَّه تعالى قرن بينهما، ولا يفرد به غائب، ولا يقال: قال فلان عليه
السلام. وأما المخاطبة به لحى أو ميت فسنة، فيقال: السلام عليكم أو عليك أو سلام عليك
أو عليكم، والله أعلم. اهـ
وقال النووى فى ((المجموع)): ويستحب الترضى والترحم على الصحابة والتابعين فمن بعدهم من
العلماء والعباد وسائر الأخيار، فيقال: رضى الله عنه، أو رحمة الله عليه، أو رحمه الله، ونحو ذلك،
وأما ما قاله بعض العلماء أن قول: [رضى الله عنه] مخصوص بالصحابة، ويقال فى غيرهم [رحمه
اللَّه] فقط فليس كما قال، ولا يوافق عليه، بل الصحيح الذى عليه الجمهور استحبابه ودلائله أكثر من
أن تحصى، فإن كان المذكور صحابياً ابن صحابى قال [رضى الله عنهما] ليشمله وأباه جميعاً. اهـ
٤٨٠