Indexed OCR Text

Pages 401-420

وما يغنيه؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب)). وفيه ((من سأل الناس ليكثربه ماله كان
خموشاً فى وجهه يوم القيامة، ورضفا - أى حجارة محماة - يأكله من جهنم، فمن شاء فليقل،
ومن شاء فليكثر)). وعند أحمد والبزار: ((مسألة الغنى شين فى وجهه يوم القيامة)). وأخرج
أبو داود والنسائى وابن حبان فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول اللّه مَالَ: ((من
سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف)). فقلت: ناقتى خير من أوقية، فرجعت فلم أسأله. وأخرج
أبو داود وابن حبان فى صحيحه: ((من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار)). فقالوا:
يا رسول اللَّه، وما يغنيه؟ قال: ((ما يغديه ويعشيه)).
هذا وفى المباحث العربية للحديث رقم (٦٠) فى الباب السابق ما يفيد فى هذا المقام.
فليراجع.
ويؤخذ من سؤال حكيم وإعطائه فى الحديث رقم (٢):
١- الحث على التعفف والقناعة والرضا بما تيسر فى عفاف، وإن كان قليلا.
٢- والإجمال فى الطلب والكسب.
٣- وأن لا يغتر الإنسان بكثرة ما يحصل له بإشراف نفس، فإنه لا يبارك له فيه، وهو قريب من
قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَدُرْبِي الصَّدَقَّاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦].
٤- وفى تشبيه المال بالفاكهة الخضراء إشارة إلى عدم بقائه، لأن الخضراوات لا تبقى،
ولا تقصد للبقاء.
٥- وفيه كراهة السؤال والتنفير عنه، وأن الإنسان لا يسأل إلا عند الحاجة، لأنه إذا كانت يده
السفلى حتى عند الحاجة، فالأحرى أن يمتنع من ذلك عند عدم الحاجة. قال الحافظ ابن
حجر: ومحله إذا لم تدع إليه الضرورة من خوف هلاك ونحوه، وقد روى الطبرانى بإسناد فيه
مقال: ((ما المعطى من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجاً)).
٦- قال ابن أبى جمرة: قد يقع الزهد مع الأخذ، فإن سخاوة النفس هو زهدها.
٧- وأن الأخذ مع سخاوة النفس يحصل أجر الزهد والبركة فى الرزق.
٨- وفى الحديث ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأمثلة؛ لأن الغالب من الناس لا يعرف
البركة إلا فى الشيء الكثير، فبين بالمثال المذكور أن البركة هى خلق من خلق اللّه تعالى،
وضرب لهم المثل بما يعهدون، فالآكل إنما يأكل ليشبع، فإذا أكل ولم يشبع كان عناء فى حقه
بغير فائدة، وكذلك المال ليست الفائدة فى عينه، وإنما هى فيما يتحصل به من المنافع، فإذا
كثر عند المرء بغير تحصيل منفعة كان وجوده كالعدم.
٩- وفيه أنه ينبغى للإمام أن لا يبين للطالب ما فى مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء حاجته،
لتقع موعظته له الموقع السليم، ولئلا يتخيل أن عدم الرغبة فى الإعطاء هو سبب الموعظة.
٤٠١

١٠- وفيه جواز تكرار السؤال ثلاثاً.
١١- وجواز المنع فى الرابعة.
١٢ - وأن رد السائل بعد ثلاث ليس بمكروه.
١٣- وفيه أن السائل إذا ألحف لا بأس برده وموعظته وأمره بالتعفف وترك الحرص.
١٤- أن سؤال السلطان الأعلى ليس بعار.
١٥- وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الكرم والسخاء والسماحة.
١٦- وفيه ما كان عليه الصحابة من الاستجابة والطاعة لرسول اللّه ﴿، وقد جاء فى رواية
البخارى: أن حكيم بن حزام قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزا أحداً بعدك شيئاً
-أى لا أنقص مال أحد بعدك-حتى أفارق الدنيا، فكان أبوبكر به يدعو حكيماً إلى العطاء،
فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر ﴿ دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه شيئاً، فقال عمر: إنى
أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، إنى أعرض عليه حقه من هذا الفىء فيأبى أن يأخذه،
فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول اللّه ﴿ حتى توفى.
١٧- ويؤخذ من الحديث الثالث الحث على بذل ما زاد على الحاجة.
١٨- وأن ادخار الحاجة لا لوم على صاحبه، قال النووى: وهذا إذا لم يتجه فى الكفاف حق
شرعى، كمن له نصاب زكوى، ووجبت فيه الزكاة بشروطها، وهو محتاج إلى ذلك النصاب
لكفافه وجب عليه إخراج الزكاة، ويحصل كفايته من جهة أخرى مباحة.
١٩- ومن الحديث الرابع منقبة لعمر وقوته فى أخذ الناس نحو الرشد.
٢٠- ومن عظة معاوية احتياط الصحابة فى أخذهم الحديث.
٢١ - وفضل العالم والمتفقه فى الدين.
٢٢- وتواضع الرسولوال﴿ّ وإعلانه أنه خازن وأن اللَّه هو المعطى.
٢٣- ومن الحديث الثامن إشارة إلى أن الفقير والمسكين سواء، إذ الآية تتكلم عن الفقير
﴿لِلِفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُخْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ
مِن التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمَّ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقد استدل بهذا
الحديث على المسكين، وهذا قول ابن القاسم وأصحاب مالك، وقيل: الفقير الذى يسأل،
والمسكين الذى لا يسأل، حكاه ابن بطال.
وقيل: إن المسكين الذى يملك ما لا يكفيه، والفقير الذى لايملك، وهذا قول الشافعى
وجمهور أهل الحديث والفقه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ
يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها.
قال بعكسه قوم، فقالوا: المسكين أسوأ حالا من الفقير. والله أعلم.
٤٠٢

٢٤- وأن المسكنة إنما تحمد مع العفة عن السؤال والصبر على الحاجة.
٢٥- واستحباب الحياء فى كل الأحوال.
٢٦ - وحسن الإرشاد لوضع الصدقة موضعها، وأن يتحرى وضعها فيمن صفته التعفف
دون الإلحاح.
٢٧ - ومن الحديث الثالث عشر الحث على الصدقة.
٢٨ - والحث على الأكل من عمل اليد.
٢٩- وفضل الاكتساب بالمباحات كالاحتطاب.
٣٠ - والحض على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، ولوامتهن المرء نفسه فى طلب الرزق،
وارتكب المشقة فى ذلك.
٣١ - ومن الحديث الخامس عشر حرص الصحابة على التنزه عن جميع ما يسمى سؤالا
وإن كان حقيراً.
٣٢- واستمساكهم بالعموم، لأنهم نهوا عن السؤال، فحملوه على عمومه.
٣٣- إعطاء المدين من الزكاة وجواز سؤاله؛ قال النووى: بشرط أن يستدين لغير معصية.
٣٤ - اشتراط التيقظ فى الشاهد، فلا تقبل الشهادة من مغفل.
٣٥- استدل به بعضهم على أنه إنما يشترط فى بينة الإعسار ثلاثة، ولا يقبل أقل من ثلاثة.
وقال الجمهور: يقبل من عدلين؛ كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب.
٣٦- ومن الحديث السابع عشر منقبة لعمر بن الخطاب، وبيان فضله وزهده وإيثاره.
٣٧ - ومشروعية قبول المال إذا جاء من غير إشراف نفس ولا سؤال، وقد ذهب الجمهور إلى
استحباب الأخذ فى غير عطية السلطان، أما عطية السلطان فحرمها قوم وأباحها آخرون
وكرهها فريق ثالث، قال النووى: والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما فى يد السلطان حرمت،
وكذا إن أعطى من لا يستحق. وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن فى القابض مانع يمنعه
من استحقاق الأخذ، وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره. وقال بعضهم: هو ندوب
فى عطية السلطان دون غيره. واللَّه أعلم.
٣٨- من الحديث السابع عشر والثامن عشر استدل بعضهم بقوله: ((خذه فتموله)» أن ذلك ليس
من الصدقات، وإنما هو فى الأموال التى يقسمها الإمام، وليست هى من جهة الفقر، ولكن من
الحقوق، فلما قال عمر: أعطه من هو أفقر إليه منى. لم يرض بذلك، لأنه إنما أعطاه لمعنى
غير الفقر.
٤٠٣

٣٩- كما استدل به على ندب قبول العطاء، قيل: هو ندب لكل من أعطى عطية كائناً من كان.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا هو الراجح، يعنى بالشرطين المتقدمين [غير مشرف وغير
سائل] وقيل: هو مخصوص بالسلطان، ويؤيده حديث سمرة فى السنن: (( إلا أن يسأل ذا
سلطان)). وكان بعضهم يقول: يحرم قبول العطية من السلطان، وبعضهم يقول: يكره وهو
محمول على ما إذا كانت العطية من السلطان الجائر، أو الكراهة محمولة على الورع، وهو
المشهور من تصرف السلف. والتحقيق فى المسألة أن من علم كون ماله حلالا فلا ترد عطيته،
ومن علم كون ماله حراماً فتحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده، وهو الورع، ومن أباحه
أخذ بالأصل.
قال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه [أى فى أخذ العطية ممن ماله حرام] بأن اللّه تعالى
قال فى اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] ومع ذلك رهن الرسول
درعه عند اليهودى مع علمه بذلك، وكذلك أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من
ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة.
٤٠- وفيه أن للإمام أن يعطى بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهاً، وإن كان غيره أحوج إليه منه.
٤١- وأن رد عطية الإمام ليس من الأدب، ولا سيما من الرسول ◌ُ﴿، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ذكره الحافظ ابن حجر.
٤٢- وأن ما جاء من المال الحلال من غير سؤال فإن أخذه خير من تركه.
٤٣- ومن الحديث التاسع عشر جواز أخذ العوض على أعمال المسلمين، سواء كانت لدين أو
لدنيا، كالقضاء والحسبة وغيرهما.
والله أعلم
٤٠٤

(٢٩٣) باب التحذير من الاغترار بزينة الدنيا
والحث على القناعة والإجمال فى الطلب
٢٠٩٦ - ١٣ ١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١١٣) يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ:﴿ قَالَ «قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌ عَلَى حُبٌّ
اثْنَيْنِ حُبِّ الْعَيْشِ وَالْمَالِ».
٢٠٩٧ - ١١َ٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١١٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ قَالَ «قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌ عَلَى حُبِّ
اثْنَيْنِ طُولُ الْحَيَاةِ وَحُبُّ الْمَالِ».
٢٠٩٨- ٥ ١١ عَنْ أَنَسِ﴾(١١٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اقْسَانِ
الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ».
٢٠٩٩ - ١٢٦ِ عَنْ أَنَسٍ ﴾ (١١٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِنَ ﴿ «لَوْ كَانُ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانٍ مِن
مَالٍ لا يْتَغَى وَادِيًّا ثَالِثًا، وَلا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ».
٢١٠٠ - ◌ْلْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٠٠١) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ (فَلا أَدْرِي
أَشَيْءٌ أَنْزِلَ أَمْ شَيْءٌ كَانَ يَقُولُهُ) بِمِثْلٍ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةً.
٢١٠١ - ١١٧ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١١٧) عَن رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَنَّهُ قَالَ «لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ
وَدٍ مِن ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنَّ لَهُ وَادِيًّا آخَرَ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلا التُّرَابُ، وَاللّهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابٌ».
٢١٠٢ - ١١٨ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١١٨) سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَلَ يَقُولُ «لَوْ أَنَّ
(١١٣) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدْقَا سُفْيَاهُ بْنُ عُنَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَن أَبِي هُرَيْرَةً
(١١٤) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْقَلَةٌ قَالا أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١١٥) وحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيِى وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ كُلَّهُمْ عَن أَبِي عَوَانَةَ قَالَ يَحْبَى أَخْبَرَّنَا أَبُو عَوَانَةً
عَن قَتَادَةً عَن أَنَسِ
- وحَدَِّي أَبُو ◌َغَسََّلَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِّى قَالا حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَِّي أَبِي عَنْ فَتَادَةً عَنْ أَنَسٍ ◌َّ أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ
﴿ قَالَ بِمِعْلِهِ.
- وحَذَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَذَثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَذَّقْنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
﴿ُ عَنِ النَّبِيِّ نَّ بِنَحْوِهِ.
(١١٦) حَدَّقَا يَخْتِى بْنُ يَحْيِّى وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقْتَتِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ يَحْيَى أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثْنَا أَبُو عَوَانّةً عَنِ
قَتَادَةً عَنِ أَنَسِ
(٠٠٠) وحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثْنِّى وَابْنُ بِشَّارِ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنْسٍ
(١١٧) وحَدَّتِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَّنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَّابٍ عَن آنْسِ
(١١٨) وَحَدَّثَِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالا حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بَّنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءٌ يَقُولُ سَمِعْتُ
ابْنَ عَّاسٍ يَقُولُ
٤٠٥

لابْنِ آدَمَ مِلْءَ وَادٍ مَالا لِأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَلا يَمْلأُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إِلا التُّرَابُ، وَاللّهُ
يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ)» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلا أَدْرِي أَمِنْ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لا؟. وَفِي رِوَايَةٍ زُهَيْرٍ قَالَ:
فَلا أَدْرِي أَمِنْ الْقُرْآنِ لَمْ يَذْكُرْ ابْنَ عَبَّاسٍ.
٢١٠٣ - ١١٩ عَن أَبِي حَرْبِ بْنٍ أَبِي الأَسْوَدِ (١١٩) عَن أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى
الأَشْعَرِيُّ إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ؛ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلاثُ مِائَةٍ رَجُلٍ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنِ.
فَقَالَ أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ فَاتْلُوهُ، وَلا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمْ الأَمَدُ فَنَفْسُوَ
قُلُوبُكُمْ كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانٌ قَبْلَكُمْ. وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي
الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةً فَأَنْسِيْتُهَا، غَيْرَ أَنْي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَّ وَادِيَانِ
مِن مَالٍ لا يْتَغَى وَادِيًا ثَالِئًا وَلا يَمْلُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلا الخُّرَابُ. وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنّاً
نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ فَأَنْسِيتُهَا، غَيْرَ أَنّي حَفِظْتُ مِنْهَا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمُنُوا لِمَ
تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ فَتُكْتَبُ شَهَادَةٌ فِي أَغْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
٢١٠٤ - ١٣٠ عَن أَبِي هُرَيِرَةً ﴾(١٢٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،﴿«لَيْسَ الْغِنَى عَن كَثْرَةِ
الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النّفْسِ».
٢١٠٥ - ٣١ ١ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ﴾(١٢١) يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ فَخَطَبَ
النَّاسَ فَقَالَ «لا وَاللَّهِ مَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِلا مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِن زَهْرَةٍ
الدُّنْيَا)) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِ؟ فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ*
سَاعَةٌ، ثُمَّ قَالَ «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿٣ «إِنَّ الْخَيْرَ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ، أَوَ خَيْرٌ هُوَ. إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ
يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ إِلا آكِلَةَ الْخَضِرِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْثَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ
الشَّمْسَ ثَلَطَتْ أَوْ بَالَتْ ثُمَّ اجْتَرَّتْ فَعَادَتْ فَأَكَلَتْ. فَمَنْ يَأْخُذْ مَالا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ
فِيهِ وَمَنْ يَأْخُذْ مَالا بِغَيْرِ حَقْهِ فَمَثَلُهُ كَمَّثْلِ الْذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ».
٢١٠٦ - ١٣٢ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّصَ﴾(١٢٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ
ء
(١١٩) حَدَّثِّي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَذْثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ دَاوُدَ عَنِ أَبِي حَرْبٍ
(١٢٠) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرِ قَالا حَدَّثَا سُفْيَانُ بْنُ عُنْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرّجِ عَنِ أَبِي هُرِيْرَةً
(١٢١) وحَذََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا الْلَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ح وِحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَتَقَارَبَا فِي اللَّفَظِ قَالَ حَدَّثْنَا لَيْثٌ عَن سَعِيدٍ بْنِ
أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنِ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ
(٢٢ ١) حَدَّثْنِي أَبُو الطَّهِرِ أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبَ قَالَ أَخْبَرَبِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنَ زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
٤٠٦

عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا» قَالُوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ
«بَرَكَاتُ الأَرْضِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِ؟ قَالَ «لا يَأْنِي الْخَيْرُ إِلا
بِالْخَيْرِ، لا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلا بِالْخَيْرِ، لا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلا بِالْخَيْرٍ. إِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِعُ يَقْتُلُ أَوْ
يُلِمُّ إِلا آكِلَةَ الْخَضِرِ، فَإِنَّهَا تَأْكُلُ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ ثُمَّ اجْتَرَّتْ
وَبَالَتْ وَقَلَطَتْ ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ. إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ. حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقّهِ وَوَضَعَهُ فِي
حَقّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ. وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرٍ حَقَّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ».
٢١٠٧ - ٣ ١ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ﴾(١٢٣) قَالَ: جَلَّسَ رَسُولُ اللَّهِلِ﴿ عَلَى الْمِنْبْرِ
وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ «إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا»
فَقَالَ رَجُلٌ: أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ. فَقِيلَ لَهُ مَا
شَأْتُكَ؟ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ وَلا يُكَلِّمُكَ؟ قَالَ: وَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ. فَأَفَاقَ يَمْسَحُ عَنْهُ
الرُّحَضَاءَ، وَقَالَ «إِنَّ هَذَا السَّائِلَ» (وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ) فَقَالَ «إِنَّهُ لا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ. وَإِنَّ مِمَّا
يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ إِلا آكِلَةَ الْخَضِرِ، فَإِنْهَا أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْثَلاَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ
عَيْنَ الشَّمْسِ فَتَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ رَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌّ. وَيَعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ
لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلَ (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،وَلِ وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ
بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٢١٠٨ - ٣َّ٤ ١ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ﴾ (١٢٤) أَنَّ نَاسًا مِن الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِعَل
فَأَعْطَاهُمْ. ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ خَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِن خَيْرٍ فَلَنْ أَذَّخِرَهُ
عَنْكُمْ. وَمَنْ يَسْتَعْقِفْ يُعِفْهُ اللَّهُ. وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ. وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ
مِن عَطَاء خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِن الصَّبْرِ».
٠
٢١٠٩ - ٣٢ ١ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٢٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَّ
قَالَ «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقْعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ».
(١٢٣) حَدَّثْنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ أَخْبَرَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ يَحْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَن هِلالِ بْنِ أَبِي
مَيْمُونَةٌ عَنِ عَطَاءِ بْنِ يَسِّارِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ
(١٢٤) حَدَّنَا قُتَيْبَةُ بْنَّ سَعِيدٍ عَنِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَاَ قُرِئَ عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
- حَدَثْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْيُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّغَرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَخْوَهُ.
(١٢٥) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ عَنَ سَعِيَدِ بْنِ أَبِّي أَيُوبَ حَدََّتِي شُرّخْبِيلُ وَهُوَ ابْنُ شَرِيكٍ عَنِ
أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
٤٠٧

٢١١٠ - ١٣٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٢٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ
مُحَمَّدٍ قُوتًا».
المعنى العام
يولد المرء، فينشأ، فيتغذى، فيكسب المال والولد، ويندفع نحوزينة الحياة الدنيا بطبيعته،
فيحرص عليها، وينميها، وكلما وصل إلى درجة تطلع إلى ما فوقها، يجرى وراءها، ويلهث، ولا يتوقف،
ولا يضعف حبه بتقدم عمره، بل قد يزداد، وكلما ازداد حرص على الحياة وطول العمر، يشيب ابن آدم،
ويهرم وتصيبه الشيخوخة والكهولة، لكن خصلتان من خصاله تبقيان قويتين شابتين، حب المال،
والحرص على الحياة، حقيقة جاءت بها الشريعة، وصدقها الواقع، وهى الطبيعة والفطرة التي فطر
الناس عليها، لكن الشريعة أمرت بمعالجة هذه الخلقة، وتغيير هذا الطبع ليوافق الشرع، فنفرت من
الاستجابة للشهوات، ووضحت بشتى الأساليب أن غرس الشهوات فى الإنسان ابتلاء من الخالق
واختبار، وأن عاقبة الجرى وراءها خسران فى الآخرة ونار ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُه حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَهِ كَلا
سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ثُمَّ كلاسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ كلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْبَقِينِ﴾ لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ* ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ
الْيَقِين ٥ ثُمَّلَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ١-٨]. ﴿عْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
وَتَفَاخْرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَولادِ كَمَثَلِ غَيْتٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّاً ثُمَّ
يَكُونُ خُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابَّ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةً مِن اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
[الحديد: ٢٠]. ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥].
((إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، من بركات الأرض)). نعم بركات
الأرض خير، لكن إن لم تحصلها بطريق مشروع كانت شراً، وإن لم تصرفها فى الطريق المشروع كانت
شراً، الحشائش الخضراء فى الأرض خير البهائم، لكن إن أكثرت البهيمة منه، ولم تحسن هضمه
وتصریفه کان شرًا.
المال وزينة الدنيا أخطر فتنة فى الوجود، لأن صاحبه لا يدرك خطره - غالبًا - إلا بعد فوات
الأوان، بهجته تعمى الأبصار عن رؤية حقيقته، وجمعه يدفع إلى المزيد من جمعه، مع الغفلة عن حله
وغير حله، وحبه يدفع إلى الاحتفاظ به وإدخاره وكنزه والبخل به، فهو كالمخدر الذى يشل حركة
التفكير والتعقل والتدبر، إلا من عصمه الله.
كلنا نؤمن أن ما نجمع من مال سنذهب عنه، ونتركه لغيرنا، وقد يكونون أعداءنا،
فالشاعر يقول:
(١٢٦) حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَمْرٌوِ النَّاقِدُ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالُوا حَدَّثْنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ ح وحَدَّتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ
حَدََّا مُحَمَّدُ بْنْ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِهِ كِلاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٤٠٨
1

.· وذو نصب يسعى لآخر نائم
وما الناس إلا جامع أو مضيع
كلنا نؤمن أننالن نأخذ من أموالنا شيئاً بعد موتنا، فاللَّه يقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونًا فُرَادَی کَمَا
خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] ويقول الشاعر:
.. رداءان تلوى فيهما وحنوط
نصيبك مما تجمع الدهر كله
كلنا نعلم أن الدنيا فترة زمنية قصيرة تنتهى إلى آخرة ودار إقامة، وجاءنا النذير: ((كن فى الدنيا
كأنك غريب أو عابر سبيل)» مثل الإنسان فيها كمثل رجل فرمن أسد، فوجد فرعاً من شجرة يتدلى
فى بئر، فتعلق به ونزل إلى نصفه، فرأى أسفله ثعبانًا ينتظر سقوطه ليلتهمه، ونظر إلى الفرع فرأى
فأرين يقرضانه، فأر أبيض، وفأر أسود، وسيقطعان الفرع، وسيرى نهايته لامحالة، لكنه نظر فى رف
البئر فوجد طبقاً من عسل، فشغله هذا العسل عن مصيره، فأخذ يلعق منه حتى قطع الفرع وهلك.
الفرع بمثل الأجل فى هذه الحياة، والفأران يمثلان الليل والنهار، والعسل يمثل زينة الحياة الدنيا.
فهل يتلهى العاقل به؟ أو يغتنم خمساً قبل خمس. الشباب قبل الهرم، والصحة قبل
السقم، والغنى قبل الفقر، والفراغ قبل الشغل، والحياة قبل الموت؟ ﴿فَمَا مَقَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
فِي الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].
المباحث العربية
(قلب الشيخ شاب على حب اثنتين) فى الرواية الثالثة ((يهرم ابن آدم وتشب معه اثنتان))
و((تشب)) بفتح التاء وكسر الشين، قال النووى: وهو بمعنى ((قلب الشيخ شاب)). اهـ
وفى رواية البخارى: ((لايزال قلب الكبير شاباً فى اثنتين)) وفى رواية له: ((يكبرابن آدم ويكبر
معه اثنتان)). والشيخ من جاوز الأربعين، والمراد أن ابن آدم يضعف جسمه، وينحل لحمه من الكبر،
وقلبه كقلب الشاب من حيث قوة حب المال وحب الحياة.
قال النووى: هذا مجاز واستعارة، ومعناه: أن قلب الشيخ كامل الحب للمال، متحكم فى ذلك
كاحتكام قوة الشاب فى شبابه. وقال القاضى عياض: إن الشيخ من شأنه أن تكون آماله وحرصه
على الدنيا قد بليت على بلاء جسمه إذا انقضى عمره، ولم يبق له إلا انتظار الموت، فلما كان الأمر
بضده ذم. قال: والتعبير بالشاب إشارة إلى كثرة الحرص وبعد الأمل الذى هو فى الشباب أكثر، وبهم
أليق، لكثرة الرجاء عندهم عادة فى طول أعمارهم ودوام استمتاعهم ولذاتهم فى الدنيا. اهـ
(حب العيش والمال) فى الرواية الثانية ((طول الحياة وحب المال)). وفى الرواية
الثالثة ((الحرص على المال والحرص على العمر)). وفى رواية البخاري ((حب المال وطول
العمر)). وفى رواية له ((حب الدنيا وطول الأمل)). والمراد من ((طول الأمل)) محبة طول
العمر، ومحبة طول الحياة، ومحبة العيش.
٤٠٩

قالوا: والحكمة فى التخصيص بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه، فهو راغب فى
بقائها، فأحب بذلك طول العمر، وأحب المال لأنه من أعظم الأسباب فى دوام الصحة التى ينشأ عنها
غالباً طول العمر، فكلما أحس بقرب نفاد ذلك اشتد حبه له، ورغبته فى دوامه.
(لوكان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً) فى الرواية السادسة ((لو كان لابن
آدم واد من ذهب أحب أن له وادياً آخر». وفى الرواية السابعة ((لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب
أن يكون إليه مثله)). فرواية ((من مال))، فسرت برواية ((من ذهب))، وزاد عند أحمد ((وفضة)) وقوله:
((لابتغى)) معناها لأحب كما فى الروايات الأخرى، وفى رواية ((لتمنى مثله، حتى يتمنى أودية)).
(ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) فى الرواية السادسة ((ولن يملأ فاه إلا
التراب))، وفى الرواية السابعة ((ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب))، وفى بعض الروايات
((ولا يشبع ابن آدم))، وفى بعضها ((ولا يسد جوف ابن آدم))، وفى رواية للبخارى ((ولا يملأ
عين ابن آدم)»، وفى بعض الروايات ((ولا يملأ بطن ابن آدم)). قال الكرمانى: ليس المراد
الحقيقة فى عضو بعينه [جوف. عين. فم] بقرينة عدم الانحصار فى التراب، إذ غيره يملؤه
أيضاً، بل هوكناية عن الموت، لأنه مستلزم للامتلاء، فكأنه قال: لا يشبع من الدنيا حتى
يموت، فالغرض من العبارات كلها واحد، وهى من التفنن فى العبارة.اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وهذا يحسن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث، وأما إذا اتحدت فهو من
تصرف الرواة، ثم نسبة الامتلاء للجوف واضحة، والبطن بمعناه، وأما النفس فعبربها عن الذات،
وأطلق الذات وأراد البطن، من إطلاق الكل وإرادة البعض، وأما النسبة إلى الفم فلكونه الطريق
الموصل للجوف، ويحتمل أن يكون المراد بالنفس العين، وأما العين لأنها الأصل فى الطلب لأنه يرى
ما يعجبه، فيطلبه ليحوزه إليه، وخص البطن فى أكثر الروايات لأن أكثر ما يطلب المال لتحصيل
الملذات، وأكثرها يكون للأكل والشرب. اهـ
قال الطيبى: وقع قوله: ((ولا يملأ» ... إلخ موقع التذييل والتقرير للكلام السابق، كأنه قيل: ولا يشبع
من خلق من التراب إلا بالتراب، ويحتمل أن يكون ذكر التراب دون غيره لما أن المرء لا ينقضى
طمعه حتى يموت، فإذا مات كان من شأنه أن يدفن، فإذا دفن صب عليه التراب، فملأ جوفه وفاه
وعينيه، ولم يبق منه موضع يحتاج إلى تراب غيره. اهـ
(ويتوب الله على من تاب) قال النووى: هو متعلق بما قبله، ومعناه أن اللّه يقبل التوبة من
الحرص المذموم وغيره من المذمومات. اهـ فكأن من فعل ذلك حقه أن يتوب، ويحتمل أن يكون
((تاب)) بالمعنى اللغوى، وهو مطلق الرجوع، أى ويقبل اللَّه رجوع من رجع عن الحرص وعن التمنى.
وقال الطيبى: يمكن أن يكون معناه أن الآدمى مجبول على حب المال، وأنه لا يشبع من جمعه، إلا
من حفظه الله تعالى، ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه، وقليل ماهم، فوضع ((ويتوب)) موضعه
إشعارًا بأن هذه الجبلة مذمومة جارية مجرى الذنب، وأن إزالتها ممكنة بتوفيق الله وتسديده، فوقع
٤١٠

قوله: ((ويتوب الله)) إلخ موقع الاستدراك، أى أن ذلك العسر الصعب يمكن أن يكون يسيراً على من
يسره الله تعالى عليه. اهـ
(فلا أدرى أشيء أنزل؟ أم شيء كان يقوله) هذا كلام أنس يتردد فى كون هذا القول من
القرآن؟ أم من الحديث النبوى؟، وفى الرواية السابعة يتردد ابن عباس كذلك، ويقول: فلا أدرى أمن
القرآن هو؟ أم لا؟ وفى الرواية الثامنة يصرح أبو موسى الأشعرى بأن هذا القول كان جزء سورة
شبيهة ببراءة فى الطول والشدة وسيأتى إيضاح لذلك فى فقه الحديث.
(ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم) النهى موجه لقسوة القلوب، لا لطول الأمد، والتقدير
لا تقسو قلوبكم بطول الزمان، والبعد بينكم وبين المصدر.
(بإحدى المسبحات) أى بإحدى السور التى تبدأ بسبح ويسبح.
(ليس الغنى عن كثرة العرض) بفتح العين والراء، و((عن)» سببية، والعرض ما ينتفع به من
متاع الدنيا. وقال أبو عبيد: العروض الأمتعة، وهى ما سوى الحيوان والعقار، ومالا يدخله كيل ولا وزن.
وقال ابن فارس: العرض بالفتح ما يصيبه الإنسان من حظه فى الدنيا، قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ
الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] وقال: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
(ولكن الغنى غنى النفس) وعند أحمد ((إنما الغنى غنى النفس)». وعند ابن حبان عن أبى ذر
قال لى رسول اللّه: «يا أبا ذر. أترى كثرة المال هو الغنى؟» قلت: نعم. قال: «وترى قلة المال هو
الفقر؟)) قلت: نعم يا رسول الله. قال: ((إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب)». قال ابن بطال:
معنى الحديث: ليس حقيقة الغنى كثرة المال، لأن كثيراً ممن وسع اللّه عليه فى المال لا يقنع بما
أوتى، فهو يجتهد فى الازدياد، ولا يبالى من أين يأتيه فكأنه فقير لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى
غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتى، وقنع به، ورضى، ولم يحرص على الازدياد، ولا ألح فى الطلب،
فكأنه غنى. اهـ وقال القرطبى: معنى الحديث أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس،
وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع، فعزت وعظمت، وحصل لها من الحظوة والنزاهة
والشرف والمدح أكثر من الغنى الذى يناله من يكون فقير النفس، لحرصه، فإنه يورطه فى رذائل
الأموال، وخسائس الأفعال، لدناءة همته وبخله، ولكثرة من يذمه من الناس، ويصغر قدره عندهم،
فيكون أحقر من كل حقير، وأذل من كل ذليل.
والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعاً بما رزقه الله، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة،
ولا يلح فى الطلب، ولا يلحف فى السؤال، بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واجد أبداً، والمتصف بفقر
النفس على الضد منه، لكونه لا يقنع بما أعطي، بل هو أبداً فى طلب الازدياد من أى وجه أمكنه، ثم
إذا فاته المطلوب حزن وأسف، فكأنه فقير فى المال، لأنه لم يستغن بما أعطي فكأنه ليس بغنى، ثم
غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره، علماً بأن الذى عند الله خير وأبقى،
فهو معرض عن الحرص والطلب، وما أحسن قول الشاعر:
٤١١

غنى النفس ما يكفيك من سد حاجة ..
فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
انتهى من فتح البارى للحافظ ابن حجر.
والذى تستريح إليه النفس أن الإسلام لا ينفر من الحرص على المال، وعلى الاستزادة منه وطلبه
مهما كثر، كل ما يدعو إليه أن لايؤدى ذلك إلى طلبه من غير حله، أو إنفاقه فى غير حله، أو عدم أداء
حقه، والقناعة الإسلامية ليست بالوقوف عن طلب المزيد، ولو لغير حاجة، وإنما هى فى الرضا بما
عندك مهما كان زائداً، وبالرضا بطلب الجديد فى الحدود المشروعة، القناعة الإسلامية فى عدم
التطلع لما فى يد الغير، وعدم السعى فى اقتناصه منه، وفى عدم التحسر عليه عند فواته، فمعنى
الحديث: ليس كثرة المال مصدر الإحساس بالغنى، فكثير ممن يملكون الذهب والفضة والقصور
ينظرون إلى من هم أعلى منهم فيحسون بالفقر، وإنما الغنى الحقيقى الذى يشعر به صاحبه ويسعد
به هو الإحساس بأن رزقه كافيه، قل أو كثر، فهو حامد شاكر راض بما حصل. وإن جاهد للمزيد، لا
على حساب الدين، بل لحساب الدين، فكلما زاد ماله أنفق فى وجوه الخير فزادت حسناته، وكلما
سعى فى كسب الرزق الحلال كفرت سيئاته، كما جاء فى الأحاديث الصحيحة.
(لا. واللَّه ما أخشى عليكم - أيها الناس - إلا ... ) «لا» رد لكلام سابق، مذكور أو مفهوم،
كأنه قال مثلا: لا تجزعوا من الفقر، أو لا تتمنوا الغنى. وفى الرواية الحادية عشر ((أخوف ما أخاف
عليكم ... )) وفى الرواية الثانية عشرة ((إن مما أخاف عليكم ... )) والواقع أن الرسول و # كان يخشى على
أمته من أخطار كثيرة، يخشى عليهم الاختلاف، والفتن، والتكالب على الإمارة، وضياع العلم، وكثرة
الجهل، فالتنافس على زهرة الحياة الدنيا أحد ما يخشاه، ولا مانع من أن يعد أكثرها خطراً، وأخوف
ما يخافه، باعتباره أساس كل المصائب، وإثبات الأعلى والأكبر لا ينافى إثبات أصل الوصف، فلا
تعارض بين «أخوف ما أخاف)) وبين ((إن مما أخاف)) والقصر فى الرواية العاشرة قصر ادعائى،
كأنه صلى الله عليه وسلم لا يخشى إلا هذا، وكأن ما عداه مما يخشى فى حكم العدم.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه الخشية يحتمل أن يكون سببها علمه أن الدنيا ستفتح عليهم،
ويحصل لهم الغنى بالمال، وقد ذكر ذلك فى أعلام النبوة، مما أخبر صلى الله عليه وسلم بوقوعه قبل
أن يقع فوقع.
(ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا) فسرت زهرة الدنيا فى الرواية الحادية عشرة ببركات
الأرض، ورواية البخارى تعكس هذا التفسير وهذا المفسر، ولفظها: ((إن أكثر ما أخاف عليكم ما
يخرج اللَّه لكم من بركات الأرض)». قيل: وما بركات الأرض؟ قال: ((زهرة الدنيا)). وزاد فى رواية:
((وزينتها)). وزهرة الدنيا زينتها وبهجتها، مأخوذة من زهر الشجر، والمراد ما فيها من أنواع المتاع
والذهب والفضة والمساكن والزروع وغيرها مما يفتخر الناس بحسنه مع قلة البقاء.
(فقال رجل) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه، وفى الرواية الحادية عشرة ((قالوا)»
فإسناد القول إلى المجموع مع أن القائل واحد تنزيل لهم منزلة القائلين، لموافقتهم على هذا القول.
٤١٢

(أيأتى الخير بالشر)؟ فى الرواية الحادية عشرة ((وهل يأتى الخير بالشر)» فالواو
استئنافية فيه. وفى الرواية الثانية عشرة ((أو يأتى الخير بالشر»؟ بفتح الواو بعد همزة
الاستفهام، والواو عاطفة على مقدر، أى أتصير النعمة نقمة ويأتى الخير بالشر؟ لأن زهرة
الدنيا نعمة من الله، فهل تعود هذه النعمة نقمة؟ والاستفهام للاسترشاد وطلب الجواب
والرشد، وليس للإنكار والاستبعاد كما قال النووى.
(فصمت رسول الله :﴿ ساعة) المراد من الساعة القطعة من الزمن وليس المراد
بها المتعارف عليها بمقدار ستين دقيقة، قيل: إن سبب سكوته صلى الله عليه وسلم ليأتى
بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة، فنزل عليه الوحى، وقيل سكت انتظارًا للوحى، لأن
الجواب فى حاجة إليه.
وفى الرواية الثانية عشرة ((فسكت عنه رسول الله﴾، فقيل له: ما شأنك؟ تكلم النبى
﴿ ولا يكلمك؟ قال: ورئينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه الرحضاء)). و((رئينا)) بضم
الراء وكسر الهمزة، وفى رواية للبخارى ((فأرينا)) بضم الهمزة، وفى رواية له ((حتى ظننت
أنه ينزل عليه)) وفى رواية له أيضاً ((ظننا)). و((الرحضاء)) بضم الراء وفتح الحاء، وهو
العرق، وقيل: العرق الكثير، وقيل: عرق الحمى، كأنهم فهموا أنه ينزل عليه الوحى بالقرينة
من الكيفية التى جرت عادته بها عندما يوحى إليه.
(ثم قال كيف قلت)؟ فى الرواية الثانية عشرة ((وقال: إن هذا السائل)) فالسائل خبر ((إن)) وال
فيه للكمال. أى إن هذا هو السائل الممدوح الحاذق الفطن، وفى بعض النسخ ((أين هذا السائل)»؟
وفى بعضها ((أنى هذا السائل))؟ وهى بمعنى ((أين))؟ وفى بعضها ((أى هذا السائل))؟ ومعناه أيكم هذا
السائل؟ فحذف الكاف والميم. قاله النووى.
(وكأنه حمده) أخذوه من قرينة الحال. قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أنهم لاموه
أولا، حيث رأوا سكوت النبى ، فظنوا أنه أغضبه، ثم حمدوه آخرًا، لما رأوا مسألته سبباً
لاستفادة ما قاله النبى 3 9
(إن الخير لا يأتي إلا بخير) فى الرواية الحادية عشرة ((لا يأتى الخير إلا بالخير)) ثلاثًا، وفى
الرواية الثانية عشرة ((إنه لا يأتى الخير بالشر)» أى إن الخير بذاته لا يأتي إلا بخير، لكن قد يأتى
للخير عارض فينتج هذا العارض شراً، فالمال فى ذاته خير، فإن عرض له البخل أو التبذير نتج عن
البخل به أو إسرافه شر، وكذا كل نعمة، فى ذاتها خير لا تأتى إلا بخير، فالعين خير أعد لخير
الإنسان، فإن نظرت إلى محرم أنتج هذا النظر شرًا، فالخير بذاته لا ينتج إلا خيرًا.
. (أوخيرهو)؟ بفتح الواو فى ((أو)) همزة استفهام بعدها واو العطف، أى أتظن الشره والحرص
على المال نافعاً؟ وخيراً هو؟ والاستفهام إنكارى بمعنى النفى، أى ليس الشره والحرص على المال
خيرًا. أى ليس المال خيراً إن كان طريق اكتسابه أو إنفاقه شرًا.
٤١٣

(إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم ... ) ((الحبط)) بفتح الحاء والباء التخمة، أى
انتفاخ البطن من كثرة الأكل، يقال: حبطت الدابة إذا أصابت مرعى طيباً، فأسرفت فى الأكل، حتى
تنتفخ فتموت، وقوله ((أويلم)) معناه: أو يقرب من القتل حبطاً، و((الربيع)) الجدول.
وفى الرواية الثانية عشرة ((وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم ... )). قال الحافظ ابن حجر: ((مما))
فى قوله ((مما ينبت)) للتكثير، وليست ((من)) للتبعيض، لتوافق رواية ((كل ما ينبت)).
(إلا آكلة الخضر، أكلت، حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس، ثلطت أو
بالت، ثم اجترت، فعادت، فأكلت) فى الرواية الثانية عشرة ((ثم رتعت)) قال النووى: ((إلا آكلة
الخضر)» هو بكسر الهمزة من ((إلا)) وتشديد اللام على الاستثناء، هذا هو المشهور الذي قاله الجمهور
من أهل الحديث واللغة وغيرهم. قال القاضى: ورواه بعضهم ((ألا)) بفتح الهمزة وتخفيف اللام على
الاستفتاح، و((آكلة الخضر)) بهمزة ممدودة، و((الخضر)) بفتح الخاء وكسر الضاد. هكذا رواه الجمهور،
قال القاضى: وضبطه بعضهم ((الخضر)) بضم الخاء وفتح الضاد.اهـ. قال الحافظ ابن حجر: وهو
ضرب من الكلأ يعجب الماشية، وواحده خضرة، وفى رواية ((الخضرة)) بضم الخاء وسكون الضاد
وزيادة هاء فى آخره، وفى رواية ((الخضراء)) بفتح الخاء وسكون الضاد وبالمد.
والخاصرتان تثنية خاصرة، وهما جانبا البطن من الحيوان، وفى رواية ((خاصرتها)) بالإفراد.
والغرض من استقبالها الشمس أوعين الشمس أن تسخن بها فيسهل الهضم، وفى الرواية الحادية
عشرة ورواية البخارى تقديم الاجترار على الثلط وهو الأنسب، إذ الاجترار استرجاع ما فى كرشها من
العلف إلى الفم لتعيد مضغه تيسيراً لهضمه، والثلط إلقاء الفضلات خارجا، والمعنى أنها إذا شبعت،
فثقل عليها ما أكلت تحايلت فى دفعه، بخلاف التى لم تتمكن من ذلك فإن الانتفاخ يقتلها سريعاً.
قال النووى: معناه أن نبات الربيع وخضره يقتل حبطا بالتخمة لكثرة الأكل أو يقارب القتل إلا
إذا اقتصر منه على اليسير الذى تدعو إليه الحاجة، وتحصل به الكفاية، فإنه لا يضر، وهكذا المال، هو
كنبات الربيع، مستحسن، تطلبه النفوس، وتميل إليه، فمنهم من يستكثر منه، ويستغرق فيه، غير
صارف له فى وجوهه، كما تثلطه الدابة، فهذا لا يضر.
وقال الأزهرى: فيه مثلان، أحدهما للمكثر من الجمع، المانع من الحق، وإليه الإشارة بقوله: ((إن
مما ينبت الربيع ما يقتل)) لأن الربيع ينبت أحرار البقول، فتستكثر منه الدابة حتى تهلك، والثانى
للمقتصد، وإليه الإشارة بقوله: ((إلا آكلة الخضر)» لأن الخضر ليس من أحرار البقول. اهـ
وهذا الذى قاله الأزهرى غير واضح، لأن وصف الدابة بالشبع وامتداد الخاصرتين لا يتناسب مع
المقتصد، وإنما مع المكثر، المحسن فى تصريف ما أكثر منه، كما قال النووى.
وقال القاضى عياض: ضرب صلى الله عليه وسلم لهم مثلا بحالتى المقتصد والمكثر، فقال: أنتم
تقولون: إن نبات الربيع خير، وبه قوام الحيوان؟ وليس هو كذلك مطلقاً، فأشار إلى أن الاعتدال
٤١٤

والتوسط فى الجمع أحسن، ثم ضرب مثلا لمن ينفعه إكثاره، وهو التشبيه بآكلة الخضر، وهذا التشبيه
لمن صرفه فى وجوهه الشرعية. اهـ
والتحقيق أن التمثيل يعطينا ثلاث حالات، لأن الربيع ينبت البقول الحارة التى تضر وتقتل أو
تقارب كثرت أو قلت، وهذه الحالة تشبهها حالة جمع المال من غير حله، والكسب غير الطيب، كما
ينبت الخضر الذى لا يضر تناوله باعتدال، أو تناوله بكثرة مع التحايل على صرفه، وهذه الحالة
تشبهها حالة جمع المال من حله باعتدال، أو الإكثار منه بطريق مشروع مع أداء حقه وإنفاقه فى
وجوه الخير، الحالة الثالثة بطريق المفهوم وهى حالة الإكثار مع عدم التمكن من التصريف، وهذه
تقتل أو تلم كالأولى، وهذه الحالة تشبهها حالة جمع المال ولو من حله، والإكثار منه وجمعه مع عدم
أداء حقه.
فالمال وزهرة الدنيا شر فى حالتين من ثلاث، وحتى الثالثة، وهى الثانية فى ترتيبنا، محفوفة
بالأخطار، فأى خير هو؟ إنه فى ذاته خير لا ينتج إلا خيراً، لكنه لابد له من أعراض فى جمعه وفى
إنفاقه، وهذه الأعراض شرها ينتج شراً، وخيرها ينتج خيراً، وشرها أكثر من خيرها، فكيف لا يخاف
الحريص على أمته، العزيز عليه عنتها، الرءوف الرحيم بها، كيف لا يخاف عليها هذه الشرور فى وقت
تبتعد فيه عن تعاليم دينه الحنيف؟.
(فمن يأخذ مالا بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذى
يأكل ولا يشبع) لم تتعرض هذه الرواية للإنفاق، وقد تعرضت له الرواية الحادية عشرة، ولفظها:
((فمن أخذه بحقه، ووضعه فى حقه فنعم المعونة هو)). وكذا الرواية الثانية عشرة، ولفظها: ((ونعم
صاحب المسلم هو، لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل)» أى أدى حق اللَّه فيه.
(ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يشهد عليه حقيقة، بأن
ينطقه اللّه تعالى، ويجوز أن يكون مجازاً عن شهادة الملك الموكل به. اهـ والهدف من هذه الشهادة
زيادة الإيلام النفسى بعد العذاب الجسمى، حين يتحول صديق الدنيا عدواً يوم القيامة.
(أن ناساً من الأنصار سألوا رسول اللَّه ◌ِ فأعطاهم) الظاهر أنه من قبيل العطاء من
الغنائم، لا من الصدقة، كالذى سيأتى فى الباب بعده، ولم تعرف أسماؤهم.
(ومن يستعفف يعفه اللَّه ... ) أى من يطلب العفة ويحاولها يعفه اللَّه ويوفقه، ومن يحاول
الغنى عما فى أيدى الناس يوفقه الله ويغنيه، ومن يحبس آلامه ويدافع عن نفسه الجزع يمنحه الله
الصبر والرضا.
(وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر) قال النووى: هكذا هو فى جميع نسخ
مسلم ((خير)) مرفوع، وهو صحيح، وتقديره: هو خير، كما وقع فى رواية البخارى. اهـ
٤١٥

(ورزق كفافاً وقنعه اللَّه بما آتاه) الكفاف الكفاية بلا زيادة ولا نقصان. وقال القرطبى: هو
ما يكف عن الحاجات، ويدفع الضرورات ولا يلحق بأهل الترفيهات.
(اللَّهم اجعل رزق آل محمد قوتًا) قال النووي: قال أهل اللغة: القوت ما يسد الرمق.
فقه الحديث
ذكر الإمام مسلم أحاديث التحذير من الاغترار بالدنيا فى كتاب الزكاة، باعتبار هذا التحذير
دافعاً إلى إخراج الزكاة، وإعطاء حقوق المال، والعطف به على الفقراء والمساكين، وذكر الإمام
البخارى هذه الأحاديث ونحوها فى كتاب الرقاق، باعتبارها باعثاً على رقة القلب والعطف.
ويؤخذ من الأحاديث
١- من الأحاديث الثمانية الأولى ذم الحرص على الدنيا، والرغبة فيها، وأن هذا الحرص مذموم يحتاج
إلى توبة، ومن ثم آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا، والقناعة باليسير، والرضا بالكفاف، لأن لازم
الحرص والشره الغفلة عن القيام بأمور الآخرة.
٢- كراهة الحرص على طول العمر.
٣- أن الشرع يعطى الحكم للغالب، لأن بعض بنى آدم لا يشيب ومعه الخصلتان المذمومتان.
٤- عن الرواية الثامنة أن بعض القرآن نسخت تلاوته، وبقى حكمه، وقد نقل البخارى عن أنس قال:
كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾. قال الحافظ ابن حجر: وشرحه بعضهم
على أنه كان قرآنا ونسخت تلاوته لما نزلت ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ، حَتَّى رُرْتُمْ الْمَقَابِرَ﴾ فاستمرت
تلاوتها، فكانت ناسخة لتلاوة ((لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثًا))، قال: وأما
الحكم فيه والمعنى فلم ينسخ. اهـ
والأولى أن يقال: إنهم كانوا يأتون النبى ® فيحدثهم. فقال لهم يوماً: إن اللَّه قال: ((إنما أنزلنا
المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم واد لتمنى أن يكون له ثان، ولا يملأ عين ابن
آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)). فظنوا أن هذا القول من القرآن، وأخذوا يقرءونه فلما
نزلت ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾ و﴿لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وسمعوا قرآن الرسول :﴿ّ ولم يجدوه، علموا أن
ذلك حديث وليس قرآنا.
وسواء أكان ذلك قرآنا ثم نسخت تلاوته، أو كان حديثاً، فالإجماع اليوم على أنه ليس بقرآن.
٥- ومن الحديث التاسع فضيلة القناعة والرضا، وإن قل المال.
٦- ومن الحديث العاشر فوق ما تقدم استحباب الحلف من غير استحلاف. ذكره النووى.
٧- وحرص الرسول ® وشفقته على أمته وتنبيهه لهم حتى لا ينخدعوا.
٤١٦

٨- ومناقشة المتعلم للعالم وحسن السؤال.
٩- واستحباب ترك العجلة فى الجواب.
١٠- وأن النبى ◌ُ # كان ينتظر الوحى.
١١- واستحباب طلب إعادة السؤال كعلامة على استحسانه.
١٢ - وأن الرزق ولو كثر فهو من جملة الخير، وإنما يعرض له الشر بعارض.
١٣ - وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيراً فلا يكون شراً، وبالعكس. ذكره الحافظ ابن حجر.
١٤ - وضرب المثل لتقرب المعانى إلى الأذهان.
١٥ - والحث على أخذ المال بحقه، وإنفاقه فى حقه.
١٦ - ومن الرواية الثانية عشرة جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة فى غير خطبة، والناس حوله.
١٧ - ولوم من ظن به تعنت فى السؤال.
١٨ - وحمد من أجاد السؤال.
١٩ - والحض على إعطاء المسكين واليتيم وابن السبيل.
٢٠- وأن المكتسب للمال من غير حله لا يبارك له فيه، لتشبيهه بالذى يأكل ولا يشبع.
٢١- وفيه ذم الإسراف وكثرة الأكل والنهم.
٢٢- وقد استدل به على تفضيل الغنى على الفقير، واستدل به من يفضل الفقر على الغنى، قال
الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن لا حجة فيه لأحد القولين.
٢٣- ومن الحديث الثالث عشر الحث على التعفف والقناعة والصبر على ضيق العيش وغيره من
مكاره الدنيا.
٢٤ - ومن الحديث الرابع عشر والخامس عشر فضيلة الفقر. وقد تصارع العلماء فى أيهما أفضل؟
الفقر؟ أم الغنى؟ والفقر والغنى هنا عدم المال أو كثرته، وليس معنا غنى النفس، وفقر النفس،
وتحرير موطن النزاع يقتضى تجرد كل من الفقر والغنى من العوارض الأخرى، فلا يقارن مثلا
بين غنى منفق وفقير حريص، ولا بين فقير قانع وغنى بخيل. وقد جنح القرطبى فى المفهم إلى
تفضيل الكفاف على الغنى، فقال: جمع الله سبحانه وتعالى لنبيه الحالات الثلاث، الفقر والغنى
والكفاف، فكان الأول أول حالاته، فقام بواجب ذلك، من بذله المستحقه والمواساة به والإيثار، مع
اقتصاره منه على ما يسد الضرورة له ولعياله، وهى صورة الكفاف، التى مات عليها، وهى حالة
بعيدة عن الغنى المطغى والفقر المؤلم، وأيضاً فصاحبها معدود فى الفقراء، لأنه لا يترفه فى
طيبات الدنيا، بل يجاهد نفسه فى الصبر عن القدر الزائد على الكفاف، فلم يفته من حال الفقر
إلا السلامة من قهر الحاجة وذل المسألة. اهـ
٤١٧

ويؤيده ظاهر الحديث الرابع عشر، كما يؤيده الحديث الخامس عشر، لأنه صلى الله عليه وسلم
يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال.
وجمهور الصوفية يرجحون الفقر، على أساس أن مدار طريقهم تهذيب النفس ورياضتها، وذلك مع
الفقر أكثر منه مع الغنى.
كما قيل: إن الفقير أبعد عن الخطر من الغنى، لأن فتنة المال والغنى أشد من فتنة الفقر. وفى
الحكمة: من العصمة أن لا تجد.
وجمهور الشافعية على أن الغنى الشاكر أفضل، لما تضمنه من زيادة الثواب بالقرب المالية،
احتجاجاً بحديث: ((ذهب أهل الدثور بالأجور .. )) وفى آخره: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
[الحديد: ٢١] وحديث: ((نعم المال الصالح للرجل الصالح)). رواه مسلم، وحديث: ((إن الله يحب
الغنى التقى الخفى)). رواه مسلم، وحديث سعد: «إنك إن تذرورثتك أغنياء خير من أن تذرهم
عالة)). وقد وصفت يد الغنى المعطى بأنها العليا، والفقير نفعه مقصور على نفسه، أما الغنى
فنفعه يتعدى إلى غيره، والشكر أسهل من الصبر، فالفتنة بالغنى أخف، لذا قال مطرف بن عبد
الله: ((لأن أعافى فأشكر أحب إلى من أن ابتلى فأصبر)). وقال سعيد بن المسيب عند موته، وقد
ترك مالا: ((اللهم إنك تعلم أنى لم أجمعه إلا لأصون به دينى)). واحتج بعضهم لذلك بقوله تعالى:
﴿وَأَعِدُوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِنْ رِيَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] وذلك لا يتم إلا بالمال. وأكد
بعضهم هذا القول بأن الغنى صفة الخالق، والفقر صفة المخلوق، وصفة الحق أفضل من صفة
الخلق. قال الحافظ ابن حجر: ودعوى أن جمهور الصحابة كانوا على التقلل والزهد ممنوعة،
بالمشهور من أحوالهم، فإنهم كانوا على قسمين بعد أن فتحت عليهم الفتوح؛ فمنهم من أبقى ما
بيده، مع التقرب إلى ربه بالبروالصلة والمواساة، مع الاتصاف بغنى النفس، وهم قليل بالنسبة
للطائفة الأخرى، ومن تبحر فى سير السلف علم صحة ذلك. اهـ
والله أعلم
٤١٨

(٢٩٤) باب إعطاء المؤلفة قلوبهم والتحريض على قتل الخوارج
٢١١١- ٧ ٣ ١ عَن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَه(١٢٧) قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ قَسْمًا. فَقُلْتُ:
وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَغَيْرُ هَؤُلاءِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ. قَالَ «إنّهُمْ خَيَّرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ
أَوْ يُتَخْلُونِي. فَلَسْتُ بِبَاخِلٍ».
٢١١٢ - ١٣٨ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١٢٨) قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ﴿ وَعَلَيْهِ رِدَاءٌ
تَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةٌ شَدِيدَةً -نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةٍ عُنُقٍ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِّ وَقَدْ أَثْرَتْ بِهَا حَاشِيَّةُ الرِّدَاءِ مِن شِدَّةِ جَبْذَتِهِ- ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْلِي مِن
مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَّ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ.
٢١١٣ -- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴿ُهُ عَنِ النّبِيِّ ﴿َ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَفِي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ
عَمَّارٍ مِن الزِّيَادَةِ قَالَ ثُمَّ جَبَذَهُ إِلَيْهِ جَبْدَةٌ رَجَعَ نَبِىُّ اللَّهِلَ﴿ّ فِي نَحْرِ الأَعْرَابِيِّ. وَفِي حَدِيثِ
هَمَّامٍ فَجَاذَبَهُ حَتَّى انْشَقَّ الْبُرْدُ وَحَتَّى بَقِيَتْ حَاشِيَّتُهُ فِي عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ ◌َِّ.
٢١١٤ - ٣٢٩ ١ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ظُ﴾(١٢٩) أَنَّهُ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ل ◌َقِيَةٌ وَلَمْ يُعْطِ
مَخْرَمَةَ شَيْئًا. فَقَالَ مَخْرَمَةُ يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. قَالَ: ادْخُلْ
فَادْعُهُ لِيٍ. قَالَ فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ «خَبَأْتُ هَذَا لَكَ». قَالَ: فَنَظَرَ
إِلَيْهِ فَقَالَ «رَضِيَ مَخْرَمَةُ».
٢١١٥ - ٣٠ٍ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ﴾(١٣٠) قَالَ: قَدِمَتْ عَلَى الْبِيِّ﴿ أَقِيَةٌ.
فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيْئًا مِنْهَا شَيْئًا. قَالَ: فَقَامَ أَبِي عَلَى
(١٢٧) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْيَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ (قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثْنَا جَرِيرٌ)
عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ أَبِيَ وَائِلٍ عَنِ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
(١٢٨) حَدَّثَّا عَمَّرٌو النَّاقِدُ حَدْنَا إِسْحَقُ بْنُ سُلَيْمَّانَ الرَّازِيُّ قَالَ سّمِعْتُ مَالِكًا حِ وَحَدَّثّتِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَاللَّفْظُ لَهُ أَخْبُرَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
- حَدَّثْنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصُّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَّارِثِ حَذْثَنَاَ هَمَّامٌ حٍ وَحَدَّثَنِي زُقَّيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ
حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارِ حٍ وَحَدَّتِي سَلَمَةُ بْنُ شَِيبٍ حَدَّثَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَذََّنَا الأَوْزَاعِيُّ كُلُّهُمْ عَنِ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
طَلْحَةَ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(١٢٩) حَدَّثَنَا قُتَةُ بَّنُ سَعِيدٍ حَدََّا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مُخْرَمَةً
(١٣٠) حَدَّنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْتِى الْحَسَّبِيِّ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْذّانَ أَبُو صَّالِحٍ حَدََّا أَيُوبُ السَّخْتِيَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
مُلَيْكَةً عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَّخْرَمَةَ
٤١٩

الْبَابِ فَتَكَلَّمَ فَعَرَفَ النَّبِيُّ ◌َّصَوْتَهُ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَةُ وَهُوَ
يَقُولُ «خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ».
٢١١٦ - اجِ عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ عَن أَبِهِ سَعْدٍ رَ﴾(١٣١) أَنَّهُ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِلِ ﴿ِّ رَهْطًا وَأَنَا
جَالِسٌ فِيهِمْ. قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ،وَلَّ مِنْهُمْ رَجُلا لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ. فَقُمْتُ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ّفَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلانِ؟ وَاللَّهِ إِنّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ
((أَوْ مُسْلِمًا». فَسَكَتُّ قَلِيلا. ثُمَّ غَلَيْنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنِ فُلان؟
فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ «أَوْ مُسْلِمًا)». فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَيْنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنِ فُلانِ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. قَالَ «أَوْ مُسْلِمًا». قَالَ «إِنِّي لأُغْطِي
الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ» وَفِي حَدِيثِ الْحُلْوَانِيِّ
تَكْرِيرُ الْقَوْلِ مَرََّيْنِ.
٢١١٧ - - عَن مُحَمَّدٍ بْنِ سَعْدٍ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَعْنِي حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا.
فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَِّيْدِهِ بَيْنَ عُنُفِي وَكَتِفِي ثُمَّ قَالَ «أَقِتَالا؟ أَيْ سَعْدُ إِنِّي
لأَعْطِي الرَّجُلَ».
٢١١٨ - ١٣٣ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ﴾(١٣٢) أَنَّ أَنَاسًا مِن الأنْصَارِ قَالُوا يَوْمَ حُنَيْنِ حِينَ أَفَاءَ
اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَمْوَالِ هَوَازِن مَا أَفَاءٌ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ يُعْطِي رِجَالا مِن قُرَيْشِ الْمِائَةَ
مِن الإِيلِ. فَقَالُوا يَعْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِن دِمَائِهِمْ. قَالَ
أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَحُدِّثَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ مِن قَوْلِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ
مِن أَدَمٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ فَقَالَ «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟» فَقَالَ لَهُ فُقَهَاءُ
الأَنْصَارِ أَمَّا ذَوُو رَأْيِّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أَنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ قَالُوا يَغْفِرُ
اللَّهُ لِرَسُولِهِ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا وَسُيُوِفْنَا تَقْطُرُ مِن دِمَائِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ «فَإِنِّي
(١٣١) حَدََّا الْحَسِنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالا حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَن
ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَن أَبِهِ سَعْدٍ
- حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَ وَحَدَّقَتِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّقَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ
ح وحَّدَثْنَه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالا أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرَّ كُلُّهُمْ غَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ عَلَى
مَعْنَى حَدِيثٍ صَالِحٍ عَنَ الزُّهْرِيِّ
- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْخُّلْوَانِيُّ حَدََّا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَذَّقْنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَن إِسْمَعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ سَعْدٍ
قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ
(١٣٢) حَذَِّي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى النُّجِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبُرَبِي أَنْسُ بْنُ مَالِكٍ
٤٢٠