Indexed OCR Text

Pages 461-480

سبحان الله، وإطلاقه على الصلاة من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل مجاز مرسل، قال الحافظ ابن
حجر: أما اختصاص السبحة بالنافلة فهو عرف شرعى. اهـ
( كان يصلى على راحلته ) الراحلة الناقة التى تصلح لأن ترحل، ويقال: الراحلة المركب من
الإبل، ذكرًا كان أو أنثى. قاله الجوهرى وقال ابن الأثير: الراحلة من الإبل البعير القوى على الأسفار
والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيه للمبالغة.
( حيث توجهت به ) يعنى إلى جهة القبلة أو غيرها.
( يصلى وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه ) المقبل من
مكة إلى المدينة لا يكون وجهه مستقبل القبلة.
( فأينما تولوا فثم وجه اللَّه) أى الجهة التى تولون وجوهكم نحوها فهناك وفيها وجه اللّه.
وحملت هذه الآية على النافلة فى السفر، كما حمل قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ
شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] على الفرائض وعلى النوافل فى غير السفر.
(رأيت رسول اللَّه ◌َ يصلى على حمار وهو موجه إلى خيبر) ((وهو موجه)) بكسر
الجيم المشددة، أى متوجه، أو موجه وجهه، قال النووي: قال الدارقطنى وغيره: هذا غلط من عمرو بن
يحيى المازنى [أصل السند: عن عمرو بن يحيى المازنى عن سعيد بن يسار عن ابن عمر إلخ] قالوا:
وإنما المعروف فى صلاة النبى # على راحلته أو على البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار من
فعل أنس، كما ذكره مسلم بعد هذا روايتنا العاشرة، قال النووى: وفى الحكم بتغليط الرواية نظر،
فلعله صلى على الحمار مرة وعلى البعير مرات لكن قد يقال إن الرواية شاذة، فيها مخالفة لرواية
الجمهور فى البعير والراحلة.
( فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت ) أى فلما خشيت طلوع الصبح ومجىء وقت الفجر.
(أسوة ) بكسر الهمزة وضمها، أى قدوة، وفى رواية البخارى ((أسوة حسنة)).
( قبل أى وجه توجه ) ((قبل)) بكسر القاف وفتح الباء. أى جهة أى جهة توجه هو نحوها.
( تلقينا أنس بن مالك حين قدم الشام ) قال النووي: هكذا هو فى جميع نسخ مسلم، وكذا
نقله القاضى عياض عن جميع الروايات لصحيح مسلم قال: وقيل: إنه وهم، وصوابه، قدم من الشام))
كما جاء فى صحيح البخارى لأنهم خرجوا من البصرة للقائه حين قدم من الشام، قال النووي: قلت:
ورواية مسلم صحيحة، ومعناها: تلقيناه فى رجوعه حين قدم الشام، وإنما حذف ذكر رجوعه للعلم
به.اهـ. وتصحيح النووى لرواية مسلم ظاهره التكلف. والله أعلم.
وكان أنس قد سافر إلى الشام يشكو من الحجاج الثقفى إلى عبد الملك بن مروان.
٤٦١

( فتلقيناه بعين التمر ) فى رواية البخارى ((فلقيناه بعين التمر)) وهو موضع بطريق العراق
مما يلى الشام، وكانت به وقعه شهيرة فى آخر خلافة أبى بكر بين خالد بن الوليد والأعاجم، وانتصر
خالد ولما دخل حصن الأعاجم وجد به أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل وعليهم باب مغلق، فكسره
خالد وفرق الغلمان فى الأمراء، فكان فيهم حمران مولى عثمان بن عفان، ومنهم سيرين والد محمد
ابن سيرين، أخذه أنس بن مالك، وجماعة آخرون من الموالى أراد الله بهم وبأولادهم خيرًا.
فقه الحديث
يؤخذ من هذه الأحاديث الأحكام الآتية
١- قال النووى: فى هذه الأحاديث جواز التنفل على الراحلة فى السفر حيث توجهت، وهذا جائز
بإجماع المسلمين، وشرطه أن لا يكون سفر معصية ولا يجوز الترخص بشىء من رخص السفر
لعاص بسفره، كمن سافر لقطع طريق أو لقتال بغير حق، أو عاقاً لوالديه، أو ناشزة على زوجها،
ويجوز التنفل على الراحلة فى قصير السفر وطويله عند الشافعية وعند الجمهور. ولا يجوز فى
داخل البلد وحولها من غير سفر، وعن أبى سعيد الاصطخرى من الشافعية أنه يجوز التنفل فى
البلدة وحولها من غير سفر على الدابة، وهو قول أبى يوسف صاحب أبى حنيفة، وعن مالك أنه لا
يجوز إلا فى سفر تقصر فيه الصلاة، وهو قول غريب. اهـ. قال الطبرى: لا أعلم أحداً وافقه على
ذلك. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت فى أسفاره صلى اللّه عليه وسلم،
ولم ينقل عنه أنه سافر سفراً قصيراً فصنع ذلك، وحجة الجمهور مطلق الأخبار فى ذلك. ثم قال
النووى: وأما تنفل راكب السفينة فمذهبنا أنه لا يجوز إلا إلى القبلة لتمكنه من الاستقبال،
إلاملاح السفينة فيجوز له إلى غيرها لحاجة كما فى حال تسييرها، وعن مالك رواية أنه يجوز
لراكب السفينة ما يجوز لراكب الدابة.
٢- والأحاديث تدل على جواز ترك استقبال القبلة فى النافلة على الراحلة لقوله ((حيث توجهت به،
ونحوها مما ورد فى الروايات. قال العلماء: واعتبرت جهة الطريق المقصود بدلا عن القبلة،
بحيث لا يجوز الانحراف عنها عامداً قاصداً لغير حاجة المسير، إلا إن كان سائراً فى غير جهة
القبلة فانحرف إلى جهة القبلة فإن ذلك لا يضره، ولو كانت الدابة متوجهة إلى مقصده وركبها
هو معترضا أو مقلوبا فإنه لا يصح إلا أن يكون ما استقبله هوجهة القبلة على الصحيح.
وهل يشترط أن يفتتح الصلاة باستقبال القبلة؟ الظاهر أنه لا يشترط لظاهر عموم الأحاديث
وإطلاقها، لكن المستحب أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، لما رواه أنس عند أبى
داود وأحمد والدارقطنى ((أن النبى - كان إذا أراد أن يتطوع فى السفر استقبل بنا القبلة، ثم
صلى حيث وجهت ركابه )).
٤٦٢

ولم توضح أحاديث الباب كيفية الصلاة على الراحلة، لكن جاء فى رواية البخارى عن عامر بن
ربيعة قال: ((رأيت النبى # على الراحلة يسبح، يومئ برأسه قبل أى وجه توجه)) قال ابن دقيق
العيد: الحديث يدل على الإيماء فى الركوع والسجود معا، والفقهاء قالوا: يكون الإيماء فى
السجود أخفض من الركوع، ليكون البدل على وفق الأصل، قال: وليس فى لفظ الحديث ما يثبته
ولا ينفيه. اهـ وذهب الجمهور إلى السجود على الدابة لمن قدر عليه وتمكن منه دون مشقة، وعن
مالك أن الذى يصلى على الدابة لا يسجد وإن تمكن من السجود، بل يومئ، والله أعلم.
٣- ويؤخذ من الرواية العاشرة. ومن صلاة أنس نافلته على حمار حيث توجه به أنه لا فرق بين
الحمار والبغل والناقة فى جواز صلاة النافلة عليها فى السفر، لأن الراوى لم ينكر على أنس الصلاة
على الحمار، وإنما أنكر عدم استقبال القبلة فقط، وقول أنس: ((لولا أني رأيت رسول اللَّه ◌َ ا﴾
يفعله لم أفعله)) يعنى ترك استقبال القبلة للتنفل على الدابة، وقد فهم بعضهم من عبارة أنس أنه
رأى رسول اللَّه﴿ يتنفل على حمار، وهو محتمل، لكن نازع فيه بعضهم، وقال: إن خبر أنس هنا
إنما هو فى صلاة النبى و * راكباً تطوعاً لغير القبلة، وهذه المنازعة لا تؤثر فى الحكم، فإن روايتنا
الرابعة عن ابن عمر قال ((رأيت رسول اللّه * يصلى على حمار وهو موجه إلى خيبر)» تفيد أنه لا
فرق بين الحمار فى هذه المسألة وبين الناقة.
٤- وقد أخذ بعضهم من هذا الحديث أن عرق الحمار طاهر، وكان الأصل أن يكون عرقه كلحمه، لأنه
متولد منه، قال العينى: ولكن خص بطهارته لركوب النبى # إياه معروريا والحرحر الحجاز،
فحكم بطهارته، اهـ وقال ابن دقيق العيد فى تعليل طهارة عرق الحمار، قال: لأن ملابسته مع
التحرز منه متعذر، لا سيما إذا طال الزمان فى ركوبه، واحتمل العرق. اهـ
٥- وقد أخذ من هذه الأحاديث أن من صلى على موضع فيه نجاسة لا يباشرها بشيء منه أن صلاته
صحيحة، لأن الدابة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها.
٦- ويؤخذ من ظاهر هذه الأحاديث أن جواز ترك استقبال القبلة فى التنفل خاص بالراكب دون
الماشى، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، لأن ذلك رخصة، والرخص لا يقاس عليها، وأجاز تنفل
الماشى الشافعية والحنابلة قياساً على الراكب، ولأن السرفى هذه الرخصة تيسير تحصيل
النوافل على العباد وتكثيرها، تعظيما لأجورهم، رحمة من الله بهم، إلا أن بعض المجيزين اشترط
استقبال القبلة فى تحرمه وعند الركوع والسجود، واشترط السجود، على الأرض، وله التشهد
ماشياً كما أن له القيام ماشيًّا، واشترط بعضهم التشهد قاعدًا ولا يمشى إلا حالة القيام، وأجاز
بعضهم عدم اللبث على الأرض فى شىء من صلاته، ويومئ بالركوع والسجود، كمن هو على الدابة.
والله أعلم.
٧- وأحاديث الباب صريحة فى النافلة، وهى تخصص قوله تعالى ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ
شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وتبين أن قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١١٥] فى النافلة.
٤٦٣

أما المكتوبة فلا تجوز إلى غير القبلة. ولاتجوز على الدابة، والرواية الثامنة صريحة فى ذلك، قال
النووى: وهذا مجمع عليه إلا فى شدة الخوف، فلو أمكنه استقبال القبلة والقيام والركوع
والسجود والدابة واقفة، عليها هودج أو نحوه جازت الفريضة على الصحيح فى مذهبنا، فإن
كانت سائرة لم تصح على الصحيح المنصوص للشافعى، وقيل: تصح: كالسفينة، فإنها تصح فيها
الفريضة بالإجماع ولو كان فى ركب وخاف لو نزل للفريضة انقطع عنهم ولحقه الضرر صلى
الفريضة على الدابة بحسب الإمكان، ويلزمه إعادتها، لأنه عذر نادر. اهـ
٨- ويؤخذ من الرواية الخامسة والسابعة والثامنة جواز صلاة الوتر على الراحلة حيث توجهت به،
وبهذا قال مالك والشافعى وأحمد، وقال الحنفية: لا يجوز الوتر على الراحلة، ولا يجوز إلا على
الأرض كما فى الفرائض واحتجوا بما رواه الطحاوى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلى على
راحلته ويوتر بالأرض، ويزعم أن رسول اللّه * كذلك كان يفعل، ويقولون عن روايات الباب
الثلاث المشار إليها، يجوز أن يكون ذلك قبل أن يحكم أمر الوتر ويغلظ شأنه لأنه كان أولا كسائر
التطوعات، ثم أكد بعد ذلك فنسخ، واعترض عليهم بأن مذهبهم أن الوتر واجب على النبى 8 وقد
ثبت أنه صلاه على الراحلة ومهما أحكم أمر الوتر وغلظ شأنه للأمة فلن يبلغ درجة وجوبه على
النبى # فحيثما جازت صلاته للنبى 8# على الراحلة جازت صلاته للأمة كذلك.
٩- كما استدل بالروايات الثلاث السابقة على أن الوتر سنة ونافلة خلافا للحنفية القائلين بوجوبه.
١٠- ويؤخذ من الأحاديث أن الرجوع إلى أفعاله صلى الله عليه وسلم كالرجوع إلى أقواله، من غير أن
يعترض عليه.
١١- ومن الرواية العاشرة مشروعية استقبال المسافر وتلقيه عند القدوم.
١٢ - وسؤال التلميذ شيخه عن مستند فعله، والجواب بالدليل.
والله أعلم
٤٦٤

(٢٤٥) باب جواز الجمع بين الصلاتين فى السفر
١٣٩٢ -٤٣ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٤٢) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ
جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
١٣٩٣ - ٤٣ عَنِ نَافِعٍ(٤٣) أَنَّ ابْنَ عُمَّرَ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ
الشَّفَقُ. وَيَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
١٣٩٤- ٤٤ْ عَنِ سَالِمٍ(٤٤) عَنِ أَبِهِ ضُهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ
١٣٩٥ - ٢ٍ عَنِ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ(٤٥) أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِم ◌َّ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ
فِي السَّفَرِ يُؤَخْرُ صَلاةَ الْمَغْرِبِ حَتّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ.
١٣٩٦ -١٦ٍ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَ﴾(٤٦) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ
الشَّمْسُ أَخْرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ
يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ.
١٣٩٧- ٤٧ عَنِ أَنَسٍ﴾(٤٧) قَالَ: كَانَ النّبِيُّ ◌َ ﴿ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلاَيْنِ فِي
السَّفَرِ أَخْرَ الظُّهْرَ حَتْىِ يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا.
١٣٩٨ - ٤٨ْ عَنِ أَنَسٍ عَ﴾ (٤٨) عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ
وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. وَيُؤَخْرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ
الشَّفَقُ.
(٤٢) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَخْبِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ نَافِعٍ عَنِ اِبْنِ عُمْرٍ
(٤٣) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثْنَا يَخْتَى عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ
(٤٤) وحَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ يَحْتَى وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنٍ غَيْنَةً قَالَ عَمْرٌو حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ
عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ سَالِمٍ
(٤٥) وَحَدَّثَنِيَ حَرْمَلَةُ بْنُ يُخْتِى أَخْبُرَنَا ابْنَ وَهْبٍ أُخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبُرَبِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ
(٤٦) وحَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةً عَنِ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(٤٧) وحَدَّثَنِي عَمْرٌوِ النَّاقِدُ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارِ الْمَدَايِيُّ حَدَّثْنَا لَيْثُ بْنَ سَعَدٍ عَنِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ أَنَسٍ
(٤٨) وحَدَّثَنِي أَبُو الطّاهِرِ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ قَالَا أَخْبُرَنَا أَبْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إِسْمَعِيلٌ عَنِ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ أَنَسِ
٤٦٥

١٣٩٩ - ٤٤ٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا (٤٩) قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ
جَمِيعًا. وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. فِي غَيْرٍ خَوْفٍ وَلا سَفٍَ.
١٤٠٠ - °ْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٥٠) قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ،وَ﴿ِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ
جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُ سَعِيدًا لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ:
سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَلْنِي. فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لا يُخْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ.
١٤٠١ - ١°ْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٥١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ جَمَّعَ بَيْنَ الصَّلاةِ فِي
سَفْرَةٍ سَافَرَهَا. فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ. فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرٍ. وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ سَعِيدٌ:
فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا حَمَّلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.
١٤٠٢ -٣°ْ عَنِ مُعَاذٍ رَ﴾(٥٢) قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَكَانَ يُصَلِّي
الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا.
١٤٠٣ - ٣° عَنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَ﴾(٥٣) قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ بَيْنَ الظُّهْرِ
وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ فَقُلْتُ: مَا حَمَّلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لا
يُخْرِجَ أُمَّتَهُ.
١٤٠٤ - ثُمْ عَنِ ابْنِ عَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٥٤) قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ بَيْنَ الظُّهْرِ
وَالْعَصْرٍ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ. فِي غَيْرٍ خَوْفٍ وَلا مَطَرٍ (فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ) قَالَ قُلْتُ
لابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لا يُخْرِجَ أُمََّهُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ قِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ:
مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لا يُخْرِجَ أُمَّتَهُ.
(٤٩) حَدَّنَا يَخْتَى بْنُ يَحْنَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ أَبِيِ الزُّبَيْرِ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ جُبْرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(٥٠) وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَعَوْلُ بْنُ سَلامٍ جَمِيعًا عَنِ زُهَيْرٍ قَالَ أَبْنُ يُونُسَّ حَدَّثَّ زُهَّيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُيْرٍ عَنِ
ابْنِ عَبَّاسِ
(٥١) وَحَدَّثََّا يُحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْخَارِثِ حَدَّثَنَا قُرَّةُ حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
جُبَيْرِ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسَ
(٥٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبِيْرِ عَنِ أَبِي الطَّفَيْلِ عَامِرٍ عَنِ مُعَاذٍ
(٥٣) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ حَبِيبٍ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَا قُرَّةُ بْنَ خَالِدٍ حَدََّأَ أَبُو أَلْزُّبَيْرِّ حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ وَائِلَةَ أَبُو الطُّفَيْلِ
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبْلٍ
(٥٤) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنَّ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَذََّا أَبُو مُعَاوِيَةٌ ح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ
قَالا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
٤٦٦

١٤٠٥-جْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٥٥) قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ النَّبِيِّ﴿ْ ثَمَانِيًّا جَمِيعًا،
وَسَبْعًا جَمِيعًا، قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْثَاءِ أَظُنُّهُ أَخْرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ. وَأَخْرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ
الْعِشَاءَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنُّ ذَاكَ.
١٤٠٦-٦°° عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٥٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِرَ ﴿ِ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا
وَثَمَانِيًا. الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ. وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ.
١٤٠٧ - ٣°ْ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ(٥٧) قَالَ: خَطَبَّنَا ابْنُ عَبَّاسِ يَوْمًا بَعْدَ الْعَصْرِ حَنِى غَرَبَتْ
الشَّمْسُ وَبَدَتْ النِّجُومُ. وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، قَالَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ يَنِي
تَمِيمٍ لا يَفْتُرُ وَلا يَنْثَنِي الصَّلاةَ. الصَّلاةَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتْعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ؟ لا أُمَّلَكَ، ثُمَّ قَالَ:
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِلِ ﴿ّ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ:
فَحَاكَ فِي صَدْرِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. فَأَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَسَأَلْتُهُ فَصَدَّقَ مَقَالَتَهُ.
١٤٠٨ - ٨° عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقِ الْعُقَيِلِيِّ(٥٨) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسِ الصَّلاةَ. فَسَكْتَ.
ثُمَّ قَالَ: الصَّلاةَ. فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلاةَ. فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: لا أُمَّلَكَ أَتْعَلِّمُنَا بِالصَّلاةِ؟
وَكُنَّا نَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلّ.
المعنى العام
الأصل فى السفر أن يجمع بين مشقة الرحلة بوسائلها المختلفة، ومشقة مفارقة الأهل والأوطان،
ومشقة جهل المنزل الجديد واحتمالاته، ولهذا الأصل أناطت الشريعة الإسلامية الرخص بالسفر،
رخصة الإفطار فى نهار رمضان ورخصة قصر الصلاة الرباعية، ورخصة الجمع بين الظهر والعصر،
وبين المغرب والعشاء التى تتعرض لها هذه الأحاديث.
وصدق اللَّه العظيم إذ يقول: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجِ﴾ [المائدة: ٦] ﴿يُريدُ
اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلَقَ
الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: ٢٨]
(٥٥) وحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدِّقَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنِ عَمْرِو عَنٍ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
(٥٦) وحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ جَابِرِ بْنِ زَّدٍ عَنِ ابْنٍّ عَبَّاسٍ
(٥٧) وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيَعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَا حَمَّادٌ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيَتِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ
(٥٨) وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِيَ غُمَرَ حَدَّثْنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا عِمْرَّانُ بْنُ حُدَّيْرٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ
٤٦٧

إن الصلاة بما لها من شروط قد يضيق بها المسافر، وتؤدى إلى مضاعفة مشقة السفر. فإيقاف
الرحلة، واختيار مكان النزول والوضوء وطهارة المكان، كل ذلك قد يشق على المسافر، بالإضافة إلى
انشغاله بالإجهاد فى السير، وحرصه على قطع الطريق وسرعة الوصول مما يؤثر فى خشوعه
المطلوب.
لهذا شرع الله فى هذه الأحاديث جمع الظهر مع العصر فى وقت أيهما شاء وجمع المغرب
والعشاء فى وقت أيهما شاء، رفعا للحرج عن الأمة. وكان هذا التشريع عن طريق فعله صلى الله عليه
وسلم فى سفره، فكان إذا غادر المدينة بعد الزوال صلى الظهر، وإذا غادرها قبل الزوال جمع بين
الظهر والعصر واقتدى به الصحابة، وأعلنوا لأصحابهم حكم الله، فجزاهم الله خير الجزاء.
المباحث العربية
( إذا عجل عليه السفر) هكذا هو فى الأصول، فى الرواية السابعة ((عجل عليه)) قال النووى:
وهو بمعنى ((عجل به)) فى الروايات الأخر، اهـ. والمقصود من ((عجل به السير)) بفتح العين وكسر
الجيم أى دعاه السير أو السفر إلى العجلة، والمعنى نفسه فى رواية ((أعجله السير))، وفى الرواية
الثانية والثالثة ((إذا جد به السير)) أى أسرع، ونسبة الإسراع إلى السير على التوسع فى الإسناد.
( إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس ) أى قبل أن تميل الشمس عن كبد السماء، أى قبل
الزوال.
(أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته) وفى الرواية الثالثة عشرة ((كى لا يحرج أمته)). ((أراد أن
لا يحرج أمته)) أى أن لا يشق عليهم بإفراد كل صلاة فى وقتها الأصلى.
( لم فعل ذلك)؟ ((ما أراد إلى ذلك))؟ أى ماذا أراد بوصوله إلى ذلك الجمع؟
( سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء ) فى الكلام لف ونشر مشوش، ولو رتب
لقال: ((ثمانيا وسبعاً)».
( لا يفترولا ينثنى ) ((لايفتر)) بفتح الياء وسكون الفاء وضم التاء، أى لا يهدأ، ((ولا ينثنى)) أى
لا يرجع عن ترديد قوله.
( الصلاة الصلاة ) وهو منصوب على الإغراء، أى الزموا الصلاة.
( لا أم لك ) ولا أب لك - كلمة تذكرها العرب ولا تقصد نفى الأم أو الأب حقيقة، بل
تستعملهما للحث على شىء، وحقيقتهما أن الإنسان فى الشدة يحتاج أمه وأباه يساعدانه على
الخروج من شدته، فإذا قيل له: لا أم لك أو لا أب لك فمعناه اعتمد على نفسك وشمر عن ساعدك
واخرج من مأزقك فلا أحد يعاونك، وكثيرا ما تستعملهما للتعجب من فعل أو قول من قيلت له أى
بلغت من البراعة مبلغًا كبيرًا بحيث لا تلد امراة مثلك، أو لا يستطيع أن ينجبك أب.
٤٦٨

( فحاك فى صدرى من ذلك شىء ) أى وقع فى نفسى نوع من شك وتعجب واستبعاد،
يقال: حاك يحيك وحك يحك واحتك.
فقه الحديث
يمكن حصر الكلام عن الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فى نقطتين أساسيتين:
الجمع بينهما فى السفر، والجمع فى غير السفر.
أ - الجمع بين الصلاتين فى السفر
أما عن النقطة الأولى فإن مذهب الشافعية جواز الجمع بين الظهر والعصر فى السفر فى وقت
أيهما شاء جمع تقديم فى وقت الأولى، وجمع تأخير فى وقت الثانية، وكذلك بين المغرب
والعشاء فى وقت أيهما شاء بشروط وهو مذهب مالك وأحمد وجمهور السلف والخلف من العلماء.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجوز الجمع بسبب السفر بحال من الأحوال، لاجمع تقديم
ولا تأخير، وإنما يجوز بعرفة والمزدلفة، ولا يجوز الجمع فى غير هذين المكانين، وعلة الجمع
عندهم النسك لا السفر، واستدلوا بما رواه البخارى ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: «ما رأيت
رسول الله صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع [ جمع بفتح الجيم وسكون الميم هى المزدلفة
وسميت بذلك لاجتماع الناس بها وازدلافهم أى تقربهم إلى اللَّه بالوقوف فيها] فإنه جمع بين
المغرب والعشاء بجمع».
هذا وجمع الظهر والعصر بعرفة فى وقت الظهر، وجمع المغرب والعشاء بمزدلفة فى وقت العشاء
محل إجماع بين من يعتد بإجماعهم من المسلمين سواء كانت العلة السفر أو النسك.
وقد أجاب الجمهور عن دليل الحنفية هذا بأن كل ما يدل عليه نفى رؤية ابن مسعود، ونفى الرؤية
لا ينفى الوقوع، وفى الأحاديث الصحيحة إثبات ومن القواعد أن المثبت مقدم على النافى، لأن
معه زيادة علم.
واستدل الحنفية بأنه لوجاز الجمع لمشقة السفر لجاز الجمع للمريض من باب أولى؛ لأن مشقة
المرض أشد مع أن الجمهور لا يجيز الجمع للمرض، ويجيب الجمهور عن هذا الاستدلال بأن
المريض قد رخص له فى الصلاة قاعداً ومضطجعاً، وهذه الرخصة هى اللائقة بحاله، والإتيان
بصلاتين متعاقبتين قد يشق على المريض موالاتهما ولعل تفريقهما بالنسبة للمريض أهون.
ولما كانت أحاديث الباب سنداً قوياً للجمهور حاول الحنفية التخلص منها بدعوى أنه صلى اللّه
عليه وسلم كان يؤخر الظهر إلى نهاية وقته بحيث يدخل وقت العصر فى نهاية الصلاة ويقدم
العصر إلى أول وقته، فتقع كل من الصلاتين فى وقتها، ويصبح الجمع جمعا فى الصورة فقط.
ويسترشدون فى دعواهم هذه بروايتنا السادسة، وفيها ((أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر))
وروايتنا السابعة وفيها («يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر)».
٤٦٩

وروايتنا الرابعة عشرة، وفيها ((أظنه أخر الظهر وعجل العصر)) مما يوحى بأن الجمع صورى.
ويجيب الجمهور عن هذه الشبهة ببقية الروايات، ففى الخامسة ((أخر الظهر إلى وقت العصر))
وفيها لفظ الجمع بين الصلاتين، ولا يطلق هذا اللفظ إلا على وقوعهما فى وقت واحد.
قال ابن قدامة: إن حمل الجمع بين الصلاتين على الجمع الصورى فاسد لوجهين: أحدهما أنه
جاء الخبر صريحا فى أنه كان يجمعهما فى وقت إحداهما والثانى أن الجمع رخصة، فلوكان ما
ذكروه لكان أشد ضيقاً وأعظم حرجا من الإتيان بكل صلاة فى وقتها. قال: ولو كان الجمع هكذا
لجاز الجمع بين العصر والمغرب والعشاء والصبح قال: ولا خلاف بين الأمة فى تحريم ذلك. قال:
والعمل بالخبر على الوجه السابق منه إلى الفهم أولى من هذا التكلف الذى يصان كلام رسول الله
من حمله عليه. اهـ
وقال الخطابي: إن الجمع رخصة، فلوكان على ما ذكره الحنفية لكان أعظم ضيقا من الإتيان
بكل صلاة فى وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلا عن العامة. اهـ
ب- النقطة الثانية: الجمع فى غير السفر:
والرواية الثامنة والتاسعة فيها ((فى غير خوف ولا سفر)) والرواية الثالثة عشرة فيها ((فى غير
خوف ولا مطر)».
فالجمع فى المطرقال به الشافعية بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء وقال أبو حنيفة
وآخرون: لا يجوز الجمع بسبب المطر مطلقا، وجوز الجمع بسبب المطر مالك وأحمد بين
المغرب والعشاء دون الظهر والعصر، وقد سبق شرح هذه المسألة قبل باب واحد.
والمشهور عند الشافعية أنه لا يجوز الجمع بسبب المرض أو الريح أو الظلمة أو الخوف أو الوحل،
وقال مالك وأحمد: يجوز الجمع بعذر المرض والوحل، وبه قال بعض الشافعية، وعلى هذا العذر
حمل الحديث فى الروايات الثامنة والتاسعة والثالثة عشرة، قالوا: ولأن حاجة المريض والخائف
أشد من عذر المطر.
أما الجمع فى الحضر بلا خوف ولا سفرولا مطرولا مرض فالمعتمد عند الشافعية والحنفية
والمالكية والحنابلة عدم جوازه، وحكى ابن المنذر عن طائفة جوازه بلا سبب.
قال النووى فى شرح مسلم: وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع فى الحضر للحاجة لمن لا
يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك؛ وحكاه الخطابى عن القفال
والشاش الكبير من أصحاب الشافعى وعن أبى إسحق المروزى عن جماعة من أصحاب
الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: ((أراد أن لايحرج أمته)» فلم يعللَّه
بمرض ولا غيره. واللَّه أعلم. اهـ
٤٧٠

ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- أخذ مالك - فى المشهور عنه - من الروايات الأربع الأوليات اختصاص الجمع بعذر السفر،
واختصاصه بما إذا جد به السير.
٢- اختار ابن حزم أنه يجوز فى السفر جمع التأخير، ولا يجوز جمع التقديم وظاهر الرواية
الثانية يؤيده، إذ فيها ((جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق)) وكذا الرواية
الرابعة وفيها ((يؤخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين صلاة العشاء)) وكذا الرواية
الخامسة، وفيها ((إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر)»
وبالمعنى نفسه جاءت الرواية السادسة والسابعة.
٣- استدل بعدم ذكر الأذان والإقامة فى أحاديث الجمع أنه لا يؤذن ولا يقام عند الجمع، وذهب
جماعة إلى استحباب الإقامة دون الأذان، لحديث ابن عمر فى قصة جمعه بين المغرب والعشاء
الذى رواه الدارقطنى «فنزل فأقام الصلاة، وكان لا ينادى بشىء من الصلاة فى السفر)» وذهب
جماعة إلى استحباب الأذان والإقامة، قال ابن بطال والكرمانى: لعل الراوى لما أطلق لفظ
الصلاة استفيد منه أن المراد بها التامة بأركانها وشروطها وسننها ومن جملتها الأذان والإقامة.
٤- يستفاد من الرواية السادسة عشرة حرص المسلمين الأوائل على مواقيت الصلاة، وإنكارهم على
الأئمة والعلماء تأخيرها.
٥- ويستفاد من موقف ابن عباس فى الروايتين المشار إليهما صبر العالم وحلمه على من
ينكر عليه فعله.
٦- وأن العالم إذا كان واثقا من حكم شرعى أعلنه بالقول والفعل وإن كان غريبا على العامة.
(ملحوظة) ذكر النووى فى المجموع شرح المهذب فى المواقيت قال: وأما آخر وقت الظهر فهو
إذا صارظل الشىء مثله غير الظل الذى يكون له عند الزوال، وإذا خرج هذا دخل وقت العصر متصلا
به، ولا اشتراك بينهما، هذا مذهبنا، وبه قال الأوزاعى والثورى والليث وأبو يوسف ومحمد وأحمد،
وقال عطاء وطاووس: إذا صارظل الشىء مثله دخل وقت العصر، وما بعده وقت الظهر والعصر على
سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس، وقيل: إن الاشتراك بين الظهر والعصر قدر أربع ركعات، وعن
مالك رواية أن وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو حنيفة: يبقى وقت الظهر حتى يصير
الظل مثلين واحتج من قال بالاشتراك بحديث ابن عباس قال: ((جمع النبى * بالمدينة من غير
خوف ولا سفر)) وفى رواية لمسلم ((من غير خوف ولا مطر)) فدل على اشتراكهما. اهـ ولا يخفى أن
الكلام فى اشتراك الصلاتين فى وقت غير الكلام فى الجمع بينهما.
والله أعلم
٤٧١

(٢٤٦) باب جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال
واستحباب وقوف المأموم يمين الإمام
١٤٠٩ - ٩ْ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴾ (٥٩) قَالَ: لا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا لا يَرَى إِلا أَنَّ حَقًّا
عَلَيْهِ أَن لا يَنْصَرِفَ إِلا عَنِ يَمِهِ. أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَنْصَرِفُ عَنِ شِمَالِهِ.
١٤١٠ - ٣٠ عَنِ السُّدِّيّ(٩٠) قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا: كَيْفَ أَنْصَرِفُ إِذَا صَلَّيْتُ؟ عَنِ يَمِينِي أَوْ عَنٍ
يَسَارِي؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَنْصَرِفُ عَنِ يَمِينِهِ.
١٤١١ - ٦١ْ عَنِ أَنَسٍ تَ﴾(٦١) أَنَّ النَّبِيَّ ﴿ كَانٌ يَنْصَرِفُ عَنِ يَمِينِهِ.
١٤١٢ - ٣ْ عَنِ الْبَرَاءِ وَ﴾(١٢) قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَحْتَيْنَا أَنْ نَكُونَ عَنِ يَمِينِهِ
يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. قَالَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ «رَبِّ قِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ (أَوْ تَجْمَعُ) عِبَادَكَ».
١٤١٣ - - عَنِ مِسْعَرٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ: يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ.
المعنى العام
كان صلى الله عليه وسلم يحب التيامن فى كل شىء: فى تنعله وترجله واغتساله ودخوله
وخروجه وفى شأنه كله، وعلى هذه القاعدة أحب صلى الله عليه وسلم الانصراف من الصلاة بعد
السلامين والتوجه إلى المصلين بالاستدراة إلى جهة اليمين، لكنه فعل - لبيان جواز - الانصراف إلى
جهة الشمال قليلا، حتى ظن بعض من لم يرالانصراف إلى الشمال أن الانصراف إلى جهة اليمين
واجب وهكذا يدخل الشيطان إلى قلب المؤمن، يخيل إليه لزوم مالا يلزم، لينتقل به إلى عدم الالتزام
بما يلزم، وقد فطن لهذا عبد الله بن مسعود، وكان ممن رأى رسول اللّه * ينصرف إلى الشمال، فقال
لأصحابه وتلاميذه: احترسوا من الشيطان ولا تجعلوا لوسوسته نصيبا فى نفوسكم، ولا تعتمدوا
وسوسته بأن الانصراف إلى اليمين واجب، وهكذا يجب على من رأى تمسكا بالسنة أن يتركها ولو
مرة لئلا تلتبس بالفريضة، وأن ينصح المسلمين ويبين لهم ما هو واجب وما هو مندوب. واللَّه أعلم.
(٥٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدََّا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ عَنِ الأَغْمَشِ عِنٍ عُمَارَةَ عَنِ الأَسْوِدٍ عَنٍ عَبْدِ اللَّهِ
- حَدَّْ إِسْحَقُّّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسََ حِ وحَّدْثَاهَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ أَخْبُرَنَا عِيسَى جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ
بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(٦٠) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنِ السُّدِّيِّ
(٦١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيٍ شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدََّا وَكِيعٌ عَنٍ سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ عَنِ أَنَسٍ
(٦٢) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَّيْبٍ أَخْبُرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ مِسْعَرٍ عَنِ ثَابِتِ بْنِ غَيْدٍ عَنِ ابْنَ الْبَرَاءِ عَنِ الْبَرَاءِ
- وحَدَّثْنَاه ◌َبُو كُرَيْبٍ وَزُهَيْرُ بْنَّ حَرْبٍ قَالاَ حَدَّثَنَا وَكِيَعُ ◌َعَنِ مِسْعَرٍ
٤٧٢

المباحث العربية
( عن عبد اللَّه ) أى ابن مسعود.
( لا يجعلن أحدكم للشيطان من نفسه جزءًا) رواية البخاري ((لا يجعلن أحدكم للشيطان
شيئا من صلاته)) و((لا يجعلن)) بنون التوكيد الثقيلة، وفى رواية للبخارى ((لا يجعل)) بدون النون،
والمعنى: لا يمكن أحدكم الشيطان من أن يوسوس له فى الأمر الآتى.
( لا يرى إلا حقًا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه) فاعل ((يرى)) يعود على ((أحدكم))
والمراد من الرواية الاعتقاد، و((حقا)) اسم ((أن)) و((أن لا ينصرف)) خبر ((أن)) وأن الجملة بيان للجزء
المنهى عن جعله للشيطان، ويحذف النفى والاستثناء يتضح المعنى، أى يعتقد أحدكم أن واجبا عليه
الانصراف من الصلاة إلى جهة يمينه.
(أكثر ما رأيت رسول اللَّه﴿ ينصرف عن شماله) ((ما)) مصدرية والمعنى أكثر رؤيتى
رسول اللَّه منصرفا عن شماله، فجملة ((ينصرف عن شماله)) حال أغنت عن الخبر، كما فى قولهم:
أكثر أكلى السويق مطبوخا.
( كيف أنصرف إذا صليت؟) ((كيف)» فى محل النصب على الحال والمعنى على أى حالة
وأى جهة أنصرف من صلاتى؟.
( أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه ) قال القاضى عياض: يحتمل أن يكون
التيامن عند التسليم وهو الأظهر [يقصد أن يكونوا عن يمينه وهو فى الصلاة مستقبل القبلة، فإذا سلم
الأولى أقبل عليهم بوجهه قبل من هم عن شماله] لأن عادته صلى الله عليه وسلم إذا انصرف أن
يستقبل جميعهم بوجهه، قال: وإقباله صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون بعد قيامه من الصلاة، أو
يكون حين يتنفل. اهـ
فليس فى الحديث دلالة على أن رسول اللّه* كان ينصرف بعد صلاته من جهة اليمين.
فقه الحديث
فى رواية عبد الله بن مسعود: ((أكثر ما رأيت رسول اللّه* ينصرف عن شماله)) وفى رواية
السدى قول أنس: ((أما أنا فأكثر ما رأيت رسول الله* ينصرف عن يمينه)) وفى ظاهر هاتين
الروايتين تعارض.
لهذا قال النووي: وجه الجمع بينهما أن النبى # كان يفعل تارة هذا وتارة هذا فأخبر كل واحد
بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدل على جوازهما، ولا كراهة فى واحد منهما.
٤٧٣

وقال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر، وهو أن يحمل حديث ابن مسعود
على حالة الصلاة فى المسجد، لأن حجرة النبى {# كانت من جهة يساره، ويحمل حديث أنس على
ما سوى ذلك كحال السفر [وأقول إن هذا الجمع بعيد إذ مؤداه أنه كان يباشر حالة الصلاة فى
المسجد، وأن أنسا كان يباشر أكثر حالة الصلاة فى السفر ونحوه وهذا بعيد، وأعتقد أن الجمع أسهل
بغير ذلك، فكل من عبد الله بن مسعود وأنس لم يخبر عن واقع حال الرسول# حتى يكون بينهما
التعارض، وإنما أخبر كل منهما بأكثر ما رأى وقد يصادف أن يكون أكثر ما رأى ابن مسعود غير أكثر
ما رأى أنس خصوصًا إذا لاحظنا أن المدة التى قضاها أنس يصلى خلف الرسول أقل بكثير من المدة
التى قضاها ابن مسعود يصلى خلفه صلى الله عليه وسلم] ثم قال الحافظ ابن حجر: ثم إذا تعارض
اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود، لأنه أعلم وأسن وأجل وأكثر ملازمة للنبى {# وأقرب إلى
موقعه فى الصلاة من أنس، وبأن فى إسناد حديث أنس من تكلم فيه وهو السدى، وبأنه متفق عليه
[أى حديث ابن مسعود رواه البخارى ومسلم] بخلاف حديث أنس فى الأمرين ، وبأن رواية ابن
مسعود توافق ظاهر الحال، لأن حجرة النبى * كانت على جهة يساره، ثم ظهر لى أنه يمكن الجمع
بين الحديثين بوجه آخر، وهو أن من قال: كان أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته فى حال
الصلاة، ومن قال: كان أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته فى حالة استقباله القوم بعد سلامه
من الصلاة.اهـ
والذى أختاره فى الجمع ما ذكرته من أن أكثر ما رآه كل منهما لا يعنى. أكثر فعله صلى الله عليه
وسلم أو أن كلا منهما إنما أخبر حسبما يعتقد ثم إن الأمرهين مادمنا نقول بجواز الأمرين، وفى هذا
يقول النووى: مذهبنا أنه لا كراهة فى واحد من الأمرين، لكن يستحب أن ينصرف فى جهة حاجته،
سواء كانت عن يمينه أو شماله، فإن استوت الجهتان فى الحاجة وعدمها فاليمين أفضل لعموم
الأحاديث المصرحة بفضل اليمين فى باب المكارم ونحوهما.اهـ
ويؤخذ من الحديث
١- أن من اعتقد وجوب الانصراف عن يمينه أو عن الشمال فهو مخطئ أخذا من ذم ابن مسعود له
بأن جعل للشيطان فى نفسه جزءًا.
٢- قال ابن المنير: فى الحديث أن المندوبات قد تنقلب مكروهات إذا رفعت عن رتبتها، لأن
التيامن مستحب فى كل شىء من أمور العبادة.
٣- وأن انصرف الإمام من الصلاة بالتوجه نحو المأمومين سنة، وقد روى البخارى عن سمرة بن
جندب قال: ((كان النبى ## إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه)).
٤- أن انتظار الإمام فى مصلاه بعد الصلاة بعض الوقت مستحب إذا كان بالمسجد نساء يصلين
خلف الرجال، فيسن انتظار الإمام والمصلين حتى ينصرفن.
قال الشافعى: يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه إذا لم يكن خلفه
٤٧٤

نساء.اهـ وعلل ذلك أصحابه بعلتين. الأولى لئلا يشك هو أو من خلفه هل سلم أم لا. والثانية لئلا
يدخل القريب فيظنه ما زال فى الصلاة فيقتدى به.
٥- يؤخذ من الحديث الثالث استحباب الذكر والدعاء والاستعاذة عقب الصلاة. قال النووى فى
المجموع شرح المهذب: والذكر والدعاء للإمام والمأموم والمنفرد مستحب عقب كل الصلوات بلا
خلاف، وأما ما اعتاده الناس أو كثير منهم من تخصيص دعاء الإمام بصلاتى الصبح والعصر فلا
أصل له، وإن كان قد أشار إليه صاحب الحاوى فقال: إن كانت الصلاة لايتنفل بعدها كالصبح
والعصر استدبر القبلة واستقبل الناس ودعا، وإن كانت مما ينتفل بعدها كالظهر والمغرب
والعشاء فالمختار أن يتنفل فى منزله. قال النووي: وهذا الذى أشار إليه من التخصيص لا أصل
له، بل الصواب استحبابه فى كل الصلوات ويستحب أن يقبل على الناس فيدعو.
ثم قال: وأما هذه المصافحة المعتادة بعد صلاتى الصبح والعصر فقد ذكر الشيخ الإمام أبو محمد
ابن عبد السلام رحمه الله أنها من البدع المباحة، ولا توصف بكراهة ولا استحباب، وهذا الذى
قاله حسن، والمختار أن يقال: إن صافح من كان معه قبل الصلاة فمباحة كما ذكرنا، وإن صافح
من لم يكن معه قبل الصلاة عند اللقاء فسنة بالإجماع الأحاديث الصحيحة فى ذلك
والله أعلم
٤٧٥

(٢٤٧) باب كراهة الشروع فى نافلة
بعد شروع المؤذن فى الإقامة
١٤١٤ - ١٣ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَيُ(٦٣) عَنِ الْبِيِّل:﴿ قَالَ «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلاةُ فَلا
صَلاةَ إِلا الْمَكْثُوبَةُ».
١٤٢٥ - ٤ّْ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ(٦٤) عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلاةُ فَسلا صَلاةً
إِلا الْمَكْتُوبَةُ».
١٤١٦ - ٣٥ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُخَيْئَةَ عِ(١٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَثْ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي
وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ. فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ لا تَدْرِي مَا هُوَ. فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا نَقُولُ: مَاذَا قَالَ
لَكَ رَسُولُ اللَّهِ فَ﴿ قَالَ: قَالَ لِي «يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ أَرْبَعًا». قَالَ الْقَعْنَبِيُّ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكِ ابْنُ بُحَيْنَةَ عَنِ أَبِيهِ. (قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ) وَقَوْلُهُ: عَنِ أَبِيهِ فِي هَذَا
الْحَدِيثِ، خَطَأْ.
١٤١٧ - ٦٦ عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ عَ﴾(٦٦) قَالَ: أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ. فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ رَجُلا
يُصِّلِّي وَالْمُؤَذِّدُ يُقِيمُ. فَقَالَ «أَتُصَلّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا»؟.
١٤١٨ - ٦٣ِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ ﴾(٢٧) قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ:﴿ فِي صَلاةِ
الْغَدَاةِ فَصَلَّى رَكْعَيْنِ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ فَلَمَّ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ قَالَ:
«يَا فُلانُ؟ بِأَيِّ الصَّلاَتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟ أَبِصَلاتِكَ وَحْدَكَ أَمْ بِصَلاتِكَ مَعَنَا؟».
(٦٣) وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَنْبَلِ حَدَثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّْنَ شُعْبَةُ عَنٍ وَرِقَاءَ عَنٍ عَمْرِوِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ عَطّاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدَّثَنِيهِ مُحَمِّدُ بْنُ خَاتِمِ وَابْنُ رَافِعٍ قَالا حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنِيَ وَرْقَاءُ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(٤ ٦) وِحَدَّتِي يَحْتِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثْنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَقَّ حَدَّثْنَاَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ.
يَقُولُ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحَدَّثَنَهَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَقَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
- وحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْخُلْوَانِيُّ حَدَّقْنَا يَزِيدُ بْنُ هَاَرُونَ أَخْبُرَنَا حَمَّدٌ بَنُ زَيْدٍ عَنِ أَيُّوبَ عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ عَطَّاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ
أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النِّّ ◌َ﴿َ بِمِثْلِهِ. قَالَّ حَمَّدٌ: ثُمَّ لَقِيتُ عَمْرًا فَحَدَّثَنِي بِهِ. وَلَّمْ يَرْفَعْهُ.
(٦٥)َحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنَ مَسْلَمَّةَ الْفَعْنِيُّ حَذْتَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ أَبِهِ عَنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ
(٦٦) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنِ سَعْدِ بْنِ إِنْرَاهِيمَ عَنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ بُخَيْنَةَ
(٦٧) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ ح وَحَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمِّرَ الْبَّكْرَاوِيُّ حَدََّا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ
حِ وحَدَّقْنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدًَّا أَبُو مُعَاوِيَةً كُلُّهُمْ عَنِ عَاصِمٍ ح وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةً
الْفَزَارِيُّ عَنِ عَاصِمِ الأَخْوَلِ عَنِ عَبَّدِ اللَّهِ بْنِ سَّرْجِسَ
٤٧٦

المعنى العام
من المسلمات أن من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور،
ومن المسلمات أن الاشتغال بالأفضل والأولى مقدم على الاشتغال بغير الأفضل وغير الأولى، ولا شك
أن صلاة الجماعة فى تأكيد طلبها مقدمة على النافلة والراتبة، فقد قيل بوجوب صلاة الجماعة، وقيل
بأنها فرض كفاية، ولا كذلك الرواتب، ثم إن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة
كما جاء فى الصحيح، ثم إن النافلة قد تتدارك بعد الفريضة، بل تقضى بعد خروج الوقت عند بعض
العلماء فى حين أن فضل الجماعة لا يتدارك، وكان الصحابة يتسابقون لإدراك تكبيرة الإحرام مع
الإمام بل كانوا يسرعون ويجرون للحاق بها حتى أمر بإتيان الصلاة بالسكينة والوقار. لهذا نهی صلى
الله عليه وسلم عن الشروع فى النافلة إذا أقيمت الصلاة المفروضة. حتى سنة الصبح التى حافظ
عليها صلى الله عليه وسلم أكثر من غيرها أنكر صلى الله عليه وسلم أن يشتغل بها بعد إقامة الصلاة
حيث قال لمن رآه يفعل ذلك: تكاد توصل الراتبة بالفريضة بعد الإقامة فتكاد تصلى الصبح أربعاً، ولا
ينبغى لك أن تعود لمثلها، وقال لمن صلى ركعتين فى جانب المسجد بعد الإقامة، ثم سلم فدخل مع
رسول اللَّه ◌َ ل، قال له: إن صلاتك وحدك بعد الإقامة توهم أنك منفرد عنا فيقال لك: بأى الصلاتين
تعتد وتعتمد، أبصلاتك وحدك؟ أم بصلاتك معنا؟ أى ما كان يليق بك أن تصلى وحدك ولو نافلة بعد
أن أقيمت الصلاة.
المباحث العربية
( إذا أقيمت الصلاة ) الروايات الثانية والثالثة والرابعة فى صلاة الصبح فإذا أريد التقاء
الروايات كانت ((أل)) فى الصلاة للعهد، وإلا كانت للجنس تشمل كل صلاة، وهو أولى، ومعنى ((إذا
أقيمت)) إذا ابتدئ فى الإقامة وشرع فيها، صرحت بذلك رواية ابن حبان ولفظها ((إذا أخذ المؤذن
فى الإقامة)).
( فلا صلاة ) الأصل فى النفى نفى الحقيقة، وعليه فالمعنى فلا صلاة صحيحة، لكن لما لم
يقطع النبى 48* صلاة المصلى - كما هو ظاهر الرواية الرابعة - واقتصر على الإنكار دل على أن المراد
نفى الكمال، قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون النفى بمعنى النهى، أى فلا تصلوا حينئذ،
ويؤيده ما رواه أحمد ولفظه ((ولا تجعلوا هذه الصلاة - صلاة الصبح - مثل الظهر واجعلوا
بينهما فصلا».
( إلا المكتوبة ) أى المفروضة، وظاهر اللفظ يشمل الحاضرة والفائتة وسيأتى الحكم
فى فقه الحديث.
٤٧٧

( عن عبدالله بن مالك ابن بحينة) قال النووى: عبدالله بن مالك بن القشب
[بكسر القاف وبالشين المعجمة الساكنة] و((بحينة)» أم عبدالله والصواب فى كتابته
وقراءته عبدالله بن مالك ابن بحينة بتنوين مالك، وكتابة (ابن)) بالألف، لأنه صفة
لعبدالله. اهـ وشرط حذف ألف ((ابن)) أن تقع بين علمين ثانيهما أب لأولهما، ومثل ابن
بحينة عبداللَّه بن أبى ابن سلول ومحمد بن على ابن الحنفية.
قال ابن سعد في الطبقات: قدم مالك بن القشب مكة فى الجاهلية، فحالف بنى المطلب بن عبد
مناف وتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب، وأدركت الإسلام فأسلمت وصحبت، وأسلم أبوها
عبدالله قديما.
( فكلمه بشىء) ظاهره أن رسول الله صل كلمه وهو فى الصلاة، والرواية الرابعة تفيد أنه كلمه
بعد الصلاة، ويمكن الجمع بينهما بأنه صلى الله عليه وسلم كلمه أولا سرا فلهذا احتاجوا أن يسألوه ثم
كلمه جهرا بعد الصلاة وفائدة التكرير تأكيد الإنكار.
( أحطنا نقول) قال النووى: هكذا هو فى الأصول ((أحطنا نقول)) وهو صحيح، وفيه محذوف
تقديره: أحطنا به قائلين.
( يوشك أن يصلى أحدكم الصبح أربعًا) وفى الرواية الثالثة ((أتصلى أربعًا))؟ والاستفهام
فيها إنكارى توبيخى، أى لا ينبغى أن يكون. قال النووى: إذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة، ثم صلى
معهم الفريضة صارفى معنى من صلى الصبح أربعاً، لأنه صلى بعد الإقامة أربعاً.
(فرأى رسول اللَّه مَ ﴿ رجلا يصلى) قال الحافظ ابن حجر: الرجل هو عبداللّه الراوى كما
رواه أحمد ولفظه ((أن النبي {18 مربه وهو يصلى، وفى رواية أخرى له ((خرج وابن القشب يصلى)).
فقه الحديث
قال النووى: قال الشافعى والأصحاب: إذا أقيمت الصلاة كره لكل من أراد الفريضة افتتاح نافلة،
سواء أكانت سنة راتبة لتلك الصلاة أو تحية مسجد أو غيرها لعموم هذا الحديث، وسواء فرغ المؤذن
من إقامة الصلاة أم كان فى أثناء الإقامة، وسواء علم أنه يفرغ من النافلة ويدرك إحرام الإمام أم لا.
هذا مذهبنا، وبه قال أحمد. اهـ
وهذا عام فى ركعتى الفجر وغيرهما من الرواتب.
وخص بعضهم صلاة ركعتى الفجر بخصوصية، لأنه ورد فى فضلهما ((لا تدعوهما وإن طردتكم
الخيل)) رواه أبوداود، وفى البخارى ومسلم من حديث عائشة ((إن رسول الله :﴿ لم يكن على شىء من
النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتين قبل الصبح)».
فخصهما الحنفية بجواز صلاتهما خارج المسجد إذا تيقن أنه يدرك الركعة الثانية من الصبح
مع الإمام، قال صاحب الهداية: ومن انتهى إلى الإمام فى صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتى الفجر إن
٤٧٨

خشى أن تفوته ركعة يعنى من صلاة الفجر لاشتغاله بالسنة ويدرك الركعة الأخرى وهى الثانية
يصلى ركعتى الفجر عند باب المسجد، ثم يدخل المسجد، لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين، يعنى
فضيلة السنة وفضيلة الجماعة. وإنما قيد بقوله: عند باب المسجد - لأنه لوصلاهما فى المسجد كان
متنفلا فيه مع اشتغال الإمام بالفرض، وإنه مكروه قال الحافظ ابن حجر: وكأن الحنفية لما تعارض
عندهم الأمر بتحصيل النافلة والنهى عن إيقاعها فى تلك الحالة جمعوا بين الأمرين بذلك.
وقال الأوزاعى بمثل ذلك إلا أنه أجاز أن يركعهما فى المسجد.
وقال الثورى: إن خشى فوت ركعة دخل معه ولم يصلهما، وإلا صلاهما فى المسجد.
ويمكن دفع هذه الخصوصية بما أخرجه ابن عدى عن عمرو بن دينار فى هذا الحديث ((قيل: يا
رسول اللَّه ولا ركعتى الفجر؟ قال: ولا ركعتى الفجر».
هذا ما يخص افتتاح النافلة بعد الشروع فى الإقامة، أما من افتتحها قبل الشروع فى الإقامة
فأقيمت الصلاة وهو فيها ففيه يقول جمهور الشافعية: يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة عملا بعموم
قوله ((فلا صلاة إلا المكتوبة ».
وخص الحنفية وغيرهم النهى بمن ينشئ النافلة عملا بعموم قوله تعالى ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعَمَالَكُمْ﴾
[محمد: ٣٣] وفرق البعض بين من يخشى فوت الفريضة فى الجماعة فيقطع وإلا فلا. وإلى هذا الرأى
نميل. والله أعلم.
هذا ولا خلاف أن النهى هنا للتنزيه، وفى حكمة هذا الإنكار. قال القاضى عياض وغيره: لئلا
يتطاول الزمان فيظن وجوبها، قال الحافظ: ويؤيده رواية ((يوشك أحدكم أن يصلى الصبح أربعاً))
وعلى هذا إذا حصل الأمن لا يكره. وهذا مردود بعموم الرواية الأولى.
وقال النووى: الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة
على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة.
وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار عدم الفصل بين الفرض والنفل لئلا يلتبسا، وإلى هذا جنح
الطحاوى قال الحافظ: ومقتضاه لوكان فى زاوية من المسجد لم يكره، وهو متعقب، إذ لوكان المراد
مجرد الفصل بين الفرض والنفل لم يحصل إنكار أصلا، لأن ابن بحينة سلم من صلاته قطعاً ثم دخل
فى الفرض.
وقال بعضهم: إن سبب الإنكار خوف أن يظن أنه يصلى الفرض منفرداً فيظن أنه مختلف مع
الإمام، ومع أن الحكم لا تزاحم فى التماسها فإن أوجه ما قيل فى ذلك هو قول النووى، يؤيده ابن
عبدالبر إذ يقول: وترك التنفل عند إقامة الصلاة وتداركه بعد أداء الفرض أقرب إلى اتباع السنة،
ويتأيد ذلك من حيث المعنى بأن قوله فى الإقامة حى على الصلاة معناه هلموا إلى الصلاة أى التى
يقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره.
والله أعلم
٤٧٩

(٢٤٨) باب ما يقول إذا دخل المسجد
١٤١٩ - ٦٨ْ عَنِ أَبِي أُسَيْدٍ عَ﴾ (٦٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ
فَلْقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ».
(قَالَ مُسْلِمٍ) سَمِعْتُ يَحْبَى بْنَ يَحْيَّى يَقُولُ: كَتَبْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ كِتَابِ سُلَيْمَانُ بْنِ بِلالٍ.
قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ يَقُولُ: وَأَبِي أُسَيْدٍ.
المعنى العام
المساجد فى الأرض بيوت الله، وحق على من قصد اللَّه فى بيته أن يطلب منه الرحمة، ورحمة
الله واسعة، رحمة فى الدنيا ورحمة فى الآخرة، والمساجد مواطن الرحمة لأنها أماكن العبادة وأماكن
المناجاة، وأماكن الطاعة، ولهذا طلب رسول اللَّه * ممن يدخل المسجد أن يسأل الله فتح أبواب
رحمته لعبده.
ولما كان الخروج من المسجد خروجاً لطلب الرزق فى الغالب كان المشروع لمن خرج من
المسجد أن يسأل الله تعالى فضلاً وجودا ورزقاً حلالا. وبهذا يصبح المسجد موثلا لطلب خيرى الدنيا
والآخرة وموطنا لإجابة الدعاء والحصول على رحمة الله وفضله.
المباحث العربية
( إذا دخل أحدكم المسجد ) فيه مجاز المشارفة، أى إذا أراد أحدكم دخول المسجد وأشرف
على الدخول، و((أل)) فى المسجد للجنس يعم كل مسجد.
(اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك ) الرحمة لا تحس والمحسوس آثارها والأبواب
من ظواهر المحسوسات، وكذا الفتح، ففى الكلام استعارة بأن شبهنا الرحمة بمحسوس
مخزون فى مخزن له أبواب.
( وإذا خرج ) أى أشرف على الخروج.
(٦٨) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى أَخْبُرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بَِالٍ عَنِ رَبِعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ أَبِي حُمَّيْدٍ أَوْ عَنِ
أبي أُسَيْدٍ
- وحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ عَنٍ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ سُوَيْدِ الأَنْصَارِيِّ عَنِ أَبِي حُمَّيْدٍ أَوْ عَنِ أَبِي أُسَيْدٍ عَنِ الْنِّّ ﴿َ بِمِثْلِهِ.
٤٨٠