Indexed OCR Text

Pages 361-380

ومن هنا قال ابن عبد البر: صح عن رسول الله ﴿ وعن أبى بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يغلسون،
ومحال أن يتركوا الأفضل، ويأتوا الدون، وهم النهاية فى إتيان الفضائل. اهـ
هذا وقد روى عن أحمد رحمه الله أن الاعتبار بحال المأمومين، فإن أسفروا فالأفضل الإسفار، لأن
النبى 2 كان يفعل ذلك فى العشاء، فكذلك فى الفجر وهذه الرواية غير المعتمد فى المذهب، وقياس
الفجر على العشاء قياس مع الفارق الكبير. والله أعلم.
ويؤخذ من الأحاديث
١- من الرواية الأولى والثانية والثالثة جواز حضور النساء صلاة الجماعة فى المسجد بالليل، قال
النووى: وهو إذا لم يخش فتنة عليهن وبهن.
٢- ويؤخذ منها أيضا لزوم تستر النساء حتى مع استبعاد رؤية الرجال لهن فإنهن كن يتلفعن
بمروطهن مع أن الغلس مانع من معرفتهن.
٣- أنه يستحب للنساء إذا حضرن الجماعة فى المسجد أن يسرعن عقب الصلاة بالانصراف إلى
بيوتهن قبل أن ينصرف الرجال.
٤- ومن الرواية الرابعة استحباب المبادرة بالصلاة فى أول الوقت إلا ما نص الشارع على تأخيره
كالإبراد بالظهر، وتأخير العشاء، وقد مرقريباً الكلام فيهما.
٥- مدى حرص التابعين على الحفاظ على السنة والشريعة، وذلك حين أخرولاة بنى أمية الصلاة عن
أول وقتها قام التابعون بالسؤال والتنبيه.
٦- ومن قوله فى الرواية السادسة ((آنت سمعته))؟ حرصهم على الاستيثاق من الرواية، ويؤخذ من
الرد التوثيق والتأكيد.
٧- ويؤخذ من الرواية السادسة والثامنة مقدار القراءة المستحب فى صلاة الفجر (مابين
الستين والمائة).
٨- ومن الرواية السادسة والسابعة والثامنة كراهة النوم قبل صلاة العشاء. قال النووي: وسبب
الكراهة أنه يعرضها لفوات وقتها باستغراق النوم، أو لفوات وقتها المختار والأفضل، ولئلا
يتساهل الناس فى ذاك فيناموا عن صلاتها جماعة. اهـ
وممن قال بالكراهة عمر حظالله («فقد روى أنه كتب: لا ينام قبل أن يصلى العشاء فمن نام فلا نامت
عيناه. وكره ذلك أبو هريرة وابن عباس وكثير من السلف، ومالك والشافعية ورخص فيه على وابن
مسعود والكوفيون، وقال الطحاوى: يرخص فيه بشرط أن يكون معه من يوقظه.
وقال الترمذى: كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص بعضهم فيه فى
رمضان خاصة.
٣٦١

قال الحافظ ابن حجر: ومن نقلت عنهم الرخصة قيدت عنهم فى أكثر الروايات بما إذا كان له
من يوقظه أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم، وهذا جيد حيث قلنا: إن علة
النهى خشية خروج الوقت. اهـ
٩- ويؤخذ من الروايات نفسها كراهة الحديث بعد صلاة العشاء، قال النووى: سبب كراهة الحديث
بعدها أنه يؤدى إلى السهر، ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل أو الذكر فيه، أو عن صلاة
الصبح فى وقتها الجائز، أو فى وقتها المختار، أو الأفضل، لأن السهر فى الليل سبب للكسل فى
النهار عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا. قال العلماء: والمكروه من الحديث
بعد العشاء هو ما كان فى الأمور التى لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه،
وذلك كمدارسة العلم وحكايات الصالحين ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل
أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث فى
الإصلاح بين الناس والشفاعة إليهم فى خير، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والإرشاد إلى
مصلحة، ونحو ذلك، فكل هذا لا كراهة فيه، وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه، والباقى فى
معناه، والمراد بكراهة الحديث بعد العشاء كراهته بعد صلاتها، لا بعد دخول وقتها.اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر: يفرق بين الليالى الطوال والقصار، ويمكن أن تحمل الكراهة على
الإطلاق حسما للمادة، لأن الشيء إذا شرع لكونه مظنة قد يستمر.
واللَّه أعلم
٣٦٢

(٢٣٤) باب كراهة تأخير الصلاة عن وقتها المختار
وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام
١٢٥٥ - ٢٣٨ عَنِ أَبِي ذَرِّ رَ﴾ (٢٣٨) قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ
أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنٍ وَفْنِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلاةَ عَنٍ وَقْتِهَا؟» قَالَ قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُّنِي؟ قَالَ
«صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا. فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلٌ. فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ» وَلَمْ يَذْكُرْ خَلَفٌّ: عَنِ وَقْهَا.
١٢٥٦ - ٢٣٩ عَنِ أَبِي ذَرِّ ◌َ﴾(٢٣٩) قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﴿٣ «يَا أَبَا ذَرِّ إِنْهُ سَيَكُونُ
بَعْدِي أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلاةَ فَصَلِّ الصَّلاةَ لِوَفْتِهَا فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا كَانَتْ لَكَ نَافِلَةٌ وَإِلاَ كُنْتَ
قَدْ أَحْرَزْتَ صَلاَتَكَ».
١٢٥٧ -٠ ٣٤ ٢ عَنِ أَبِي ذَرّ ◌َ﴾(٢٤٠١) قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَن أَسْمَعَ وَأَطِيعَ. وَإِنْ كَانَ عَبْدًا
مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ. وَأَنْ أُصَلِّيَ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا. «فَإِنْ أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ وَقَدْ صَلَّوْا كُنْتَ قَدْ أَخْرَزْتَ
صَلاَتَكَ وَإِلا كَانَتْ لَكَ نَافِلَةٌ».
١٢٥٨ - ٢٤١ عَنِ أَبِي ذَرّ ◌َلُ(٢٤١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ وَضَرَبَ فَخِذِي «كَيْفَ أَنْتَ
إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُؤَخّرُونَ الصَّلاةَ عَنِ وَقْتِهَا؟» قَالَ: قَالَ: مَا تَأْمُرُ؟ قَالَ «صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا.
ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ. فَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلاةُ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلِّ».
١٢٥٩ - ٢٤٢ عَنِ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ(٢٤٢) قَالَ: أَخْرَ ابْنُ زِيَادِ الصَّلاةَ. فَجَاءَتِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
الصَّامِتِ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ كُرْسِيًّا، فَجَلَسَ عَلَيْهِ. فَذَكَرْتُ لَّهُ صَنِيعَ ابْنِ زِيَادٍ؛ فَعَضَّ عَلَى شَفَتِهِ
وَضَرَبَ فَخِذِي، وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ أَبَا ذَرِّ كَمَا سَأَلْتَنِي فَضَرَبَ فَخِذِي كَمَا ضَرَّبْتُ فَخِذَكَ.
وَقَالَ إِنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ِ كَمَا سَأَلْنَتِي. فَضَرَبَ فَخِذِي كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ وَقَالَ «صَلِّ
الصَّلاةَ لِوَفْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ مَعَهُمْ فَصَلِّ. وَلا تَقُلْ: إِنِّي قَدْ صَلَيْتُ فَلا أُصَلّ».
(٢٣٨) حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ حِ وَ حَدََّتِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ قَالا حَدَّنَا حَمَّادٌ
عَنٍ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ أَبِي ذَرِّ
(٢٣٩) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَخْتِى أَخْبُرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ أَبِي عِمْرَانُ الْجَوْنِيِّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ أَبِي ذَرِّ
(٢٤٠) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ شُعْبَةً عَنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ أَبِي ذَرِّ
(٢٤١) وَحَدَّثَنِي يَحْتَى بَنُ خَبِيْبِ الْحَارِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنَّ الْحَارِثِ حَدَّثَا شَعْبَةٌ عَنِ بُدَيْلٍ قَالَ سَمِعْتَّ أَبًّا الْعَالِيَةِ يَّخَّدِّثُ عَنِ
عَبْدِ اللّهِ ابْنِ الصَّامِتِ عَنِ أبِي ذَرِّ
(٤٢ ٢) وَحَدَّثَنِيَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبَبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ عَنِ أَيُّوبَ عَنِ أَبِي الْعَالِيَّةِ الْبَرَّاءِ
٣٦٣

١٢٦٠ - ٢٤٣ عَنِ أَبِي ذَرّ ◌َ﴾ (٢٤٣) قَالَ: قَالَ: «كَيْفَ أَنْتُمْ)» أَوْ قَالَ «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ
فِي قَوْمٍ يُؤَخّرُونَ الصَّلاةَ عَنِ وَقْتِهَا، فَصَلُ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ إِنْ أُقِيمَتْ الصَّلاةُ فَصَلٌ مَعَهُمْ،
فَإِنْهَا زِيَادَةُ خَيٍْ»
١٢٦١ - ٢٤ عَنِ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ(٢٤٤) قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ نُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ
خَلْفَ أُمَرَاءَ فَيُؤَخْرُونَ الصَّلاةَ. قَالَ فَضَرَبَ فَخِذِي ضَرْبَةً أَوْ جَعَيْنِي. وَقَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ذَرِّ عَنٍ
ذَلِكَ. فَضَرَبَ فَخِذِي. وَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِلَّعَنِ ذَلِكَ. فَقَالَ: «صَلُّوا الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا
وَاجْعَلُوا صَلاَتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةٌ )». قَالَ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذُكِرَ لِي أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِلَِّ ضَرَبَ فَخِذَ
أَبِي ذَرِ.
المعنى العام
حرص الرسول الكريم / على أن يحث أمته على المبادرة بالصلاة فى أول وقتها بالأسوة
الحسنة ومواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك. وبالقول بأن أفضل الأعمال الصلاة فى أول وقتها،
ولم يكتف بذلك وبالتزام الصحابة بإشارته بغاية الدقة والاتباع، فحذرهم من زمن يأتى، تغلب الدنيا
على أمرائهم، ويخلف من بعدهم خلف يضيعون الصلوات ويتبعون الشهوات، ولقد حمل هذا التحذير
من رسول اللّه﴿ الصحابى الجليل أبوذر، إذ بينما هو جالس مع رسول الله﴾ إذ ضرب الرسول
** على فخذه، فانتبه واشرأبت نفسه لسماع ما يلقى عليه، فقال له: كيف حالك وماذا تفعل يا أبا ذر
لو أدركك زمن يضيع فيه الأمراء وقت الصلاة فيؤخرونها؟ قال: بماذا تأمرنى أن أفعل يا رسول الله
إذا أدركت هذا الابتلاء؟ قال: تصلى الصلاة فى أول وقتها منفردا، فإذا أقاموا الصلاة فلا تعرض
نفسك لأذاهم ولا تعلن مغاضبتك لهم، ولا تقل لهم: لا أصلى لأنى صليت، بل صل معهم مرة ثانية،
تحسب لك نافلة ولها أجرها، وإن لم تحضرهم وخرجت من المسجد قبل أن يجتمعوا ويصلون أديت
فرضك وأدركت الصلاة فى أول وقتها ولك أجرك.
المباحث العربية
( كيف أنت إذا كانت عليك أمراء) ((كيف أنت)) خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، و((إذا)) ظرف
لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطة منصوب بجوابه و((أمراء)) اسم ((كان)) وأنت الفعل لأن اسمه
جمع تكسير يجوز معه تأنيث الفعل والجار والمجرور ((عليك)) خبر كان، وجواب ((إذا)) محذوف، دل
عليه ما قبله والتقدير: ((إذا كان عليك أمراء فكيف أنت وماذا ستفعل)»؟.
(٤٣ ٢) وحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّصْرِ الْتَيْمِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي نَعَامَةً عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ أَبِي ذَرِ
(٢٤٤) وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّنَ الْمِسَمَعِيُّ حَدََّا مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنَ مَطَّرٍ عَنِ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ
٣٦٤

( يؤخرون الصلاة عن وقتها ) فى الكلام مضاف محذوف، والتقدير عن أول وقتها. كذا قيل،
وسيأتى توضيحه فى فقه الحديث، والجملة صفة ((أمراء)».
( أو يميتون الصلاة عن وقتها ) قال النووى: معنى يميتون الصلاة يؤخرونها. فيجعلونها
كالميت الذى خرجت روحه. اهـ ففى الكلام استعارة تصريحية تبعية، بأن شبه تأخير الصلاة
بالموت بجامع فقدان الأثر المرجو من كل واستعير الموت للتأخير، واشتق منه يميتون بمعنى
يؤخرون على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
( فما تأمرنى )؟ الفاء فى جواب شرط مقدر، أى إذا حصل ذلك وأدركت هذا الأمر فما تأمرنى
أن أفعل؟.
( صل الصلاة لوقتها ) فى الكلام مضاف محذوف، أى لأول وقتها.
( فإن أدركتها معهم فصل ) أى فصلها، والأصل، فإن بقيت فى المسجد وأدركت
صلاتهم لها فصلها.
( فإنهالك نافلة) ضمير ((فإنها)) يصح أن يعود على الصلاة منفرداً، وعلى صلاة الجماعة،
وبكل قيل كما سيأتى فى فقه الحديث، والأولى جعله لصلاة الجماعة لأنها أقرب مذكور.
( إن خليلى) يعنى رسول اللّه وله والخليل الحبيب.
(وإن كان عبدًا مجدع الأطراف ) أى أسمع للأمير وأطيع وإن كان من أُمِّر علينا عبداً،
و((مجدع الأطراف)) بضم الميم وفتح الجيم والدال المشددة، أى مقطع الأطراف، والجدع القطع، قال
النووى: والمجدع أردأ العبيد لخسته، ولقلة قيمته ومنفعته، ونفرة الناس منه. اهـ
( فإن أدركت القوم ) فى الكلام التفات وانتقال من التكلم إلى الخطاب والكلام على تقدير
قول محذوف مفسر ومبين للوصية، أى قال لى: صل الصلاة لوقتها فإن أدركت القوم ... إلخ.
(وقد صلوا كنت قد أحرزت صلاتك ) أى أجزأتك صلاتك، والمعنى: صل منفردًا،
ثم اذهب لحاجتك، وتصرف فى شغلك، فإن أدركتهم وقد صلوا جماعة بدونك فقد أجزأتك
صلاتك التى صليتها منفردًا.
( وإلا كانت لك نافلة ) أى وإن لم تفتك جماعتهم بأن صليت معهم كانت صلاتك الأولى أو
الثانية نافلة وزيادة أجر.
( عن أبى العالية البراء ) قال النووى: هو بتشديد الراء، وبالمد، كان يبرى النبل، واسمه زياد
ابن فيروز البصرى، وقيل: اسمه كلثوم، توفى يوم الاثنين فى شوال سنة تسعين. اهـ
٣٦٥

فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- الحث على الصلاة فى أول وقتها.
٢- قال النووى: وفيه أن الإمام إذا أخرها عن أول وقتها يستحب للمأموم أن يصليها فى أول الوقت
منفرداً، ثم يصليها مع الإمام فيجمع فضيلتى أول الوقت والجماعة، فلو أراد الاقتصار على
إحداهما فهل الأفضل الاقتصار على فعلها منفرداً فى أول الوقت؟ أو الاقتصار على فعلها جماعة
فى آخر الوقت؟ فيه خلاف مشهور، والمختار استحباب الانتظار إن لم يفحش التأخير.اهـ.
٣- يؤخذ من قوله ((كنت قد أحرزت صلاتك)» أن الصلاة الأولى لمن صلى مرتين تكون هى الفريضة،
والثانية تكون نافلة، والمسألة فيها خلاف بين العلماء على أربعة أقوال:
الأول: الفرض هو الأولى للحديث، المذكور، ولقوله صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين لم يصليا
معه: ((إذا صليتما فى رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة))
أخرجه أصحاب السنن، ولأن الخطاب سقط بها، بدليل أنها لا تجب ثانيا، وإذا برئت الذمة
بالأولى استحال كون الثانية فريضة وجعل الأولى نافلة. قال بعضهم: إذا نوى الرجل
الفريضة وصلاها وكتبتها الملائكة، فمن أين يستطيع أن يحولها نافلة؟.
وبهذا قال النووى وأبو حنيفة وإسحاق والشافعى فى الجديد وأحمد، وهو الصحيح فى مذهب
الشافعية.
الثانى: أن الفرض أكملهما، وهى الثانية فى الجماعة، وبهذا قال سعيد بن المسيب وعطاء
والشعبى وهو قول عند الشافعية.
الثالث: كلاهما فرض، وهو قول لبعض الشافعية، وهو ضعيف.
الرابع: الفرض إحداهما على الإبهام، يحتسب اللَّه تعالى بأيتهما شاء. وهو ضعيف أيضاً، وهو
قول عند الشافعية.
٤- قال النووى: وفى هذا الحديث أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر والمغرب، كباقى الصلوات، لأن
النبى ل أطلق الأمر بإعادة الصلاة، ولم يفرق بين صلاة وصلاة، وهذا هو الصحيح فى مذهبنا،
ولنا وجه ضعيف أنه لا يعيد الصبح والعصر، لأن الثانية نفل، ولا تنفل بعدهما ولا يعيد المغرب
لئلا تصير شفعًا. اهـ
وعند الحنابلة: إذا أعاد المغرب شفعها برابعة، نص عليه أحمد، قالوا: إن هذه الصلاة نافلة، ولا
يشرع التنفل بوتر غير الوتر فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها، ولئلا يفارق إمامه قبل إتمام
صلاته. وقال الحنابلة أيضاً: إن أقيمت الصلاة فى وقت نهى لم يستحب له الدخول فى الصلاة
معهم، فإن دخل وصلى معهم فلا بأس.
٣٦٦

٥- على القول بأن الثانية تقع نافلة يؤخذ من الحديث جواز صلاة التنفل خلف المفترض.
٦- ويؤخذ من الحديث جواز صلاة المنفرد فى المسجد الذى يصلى فيه بالجماعة إذا كان بعذر.
٧- وفيه حرص الصحابة والتابعين على إقامة السنة ومحاربة البدعة قدر الطاقة.
٨ - وفيه علم من أعلام النبوة، فإن الذى أخبر به صلى الله عليه وسلم من تأخير الأمراء للصلاة قد وقع
فى عهد بنى أمية، قال النووى: إن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها
عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها، فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو
الواقع. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: هذا مخالف للواقع، فقد صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا
يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار فى ذلك مشهورة منها ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن
عطاء قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى، فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس ثم صليت العصر
وأنا جالس إيماء وهو يخطب. قال: وإنما فعل ذلك عطاء خوفاً على نفسه من القتل، ومنها ما
رواه ابن نعيم شيخ البخارى فى كتاب الصلاة من طريق أبى بكر بن عتبة قال: صليت إلى جنب
أبى جحيفة، فمسى الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة فصلى، ومن طريق ابن عمر: أنه كان
يصلى مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه، ومن طريق محمد بن أبى إسماعيل
قال: كنت بمنى وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومثان
إيماء وهما قاعدان.
٩- ويؤخذ من الأمر بالصلاة خلف هؤلاء الأمراء جواز الصلاة خلف البر والفاجر.
١٠- وفيه الحث على موافقة الأمراء فى غير معصية لئلا تتفرق الكلمة وتقع الفتنة، والحث على
الطاعة، والمنع من الخروج على السلاطين وإن جاروا لأن القيام عليهم يفضى غالباً إلى أشد مما
ينكر عليهم، قال الحافظ ابن حجر: ووجه الدلالة من الحديث أنه أمر بطاعة العبد والإمامة
العظمى إنما تكون بالاستحقاق فى قريش، فيكون غيرهم متغلبا، فإذا أمر بطاعته استلزم عدم
مخالفته والخروج عليه.
١١- ويؤخذ من الرواية الخامسة، من ضرب الفخذ حرص الصحابة والتابعين ومن بعدهم على
المحافظة على الهيئات فى الرواية زيادة فى التأسى ورمزا للتوثيق، وإنما ضرب رسول اللّه ◌َا﴾
على فخذ أبى ذر لتنبيهه وجمع ذهنه لاستيعاب ما يقول.
والله أعلم
٣٦٧

(٢٣٥) باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد
فى التخلف عنها وأنها فرض كفاية
١٢٦٢ - ٤٥ ٢ْ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِ﴾ (٢٤٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ قَالَ «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ
صَلاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا».
١٢٦٣ - ٢٤٦ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ظُ(٢٤٦) عَنِ النَّبِيَِّ﴿ قَالَ «تَفْضُلُ صَلاَةٌ فِي الْجَمِيعِ عَلَىْ
صَلاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً قَالَ وَتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهَارِ فِي
صَلاةِ الْفَجْرِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَان
مَشْهُودًا﴾ [الإسراء/الآية ٧٨]
١٢٦٤ -- عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ قَالَ سَمِعْتُ النّبِيِّ لَ ﴿ يَقُولُ. بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الأَعْلَى عَنِ
مَعْمَرٍ، إِلا أَنَّهُ قَالَ «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا».
١٢٦٥ - ٢٤٧ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُه (٢٤٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِمَّ«صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ
خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ».
١٢٦٦ - ٢٤١٨ عَنِ أَبي هُرَيْرَةَّ ◌َُ(٢٤٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ «صَلاةٌ مَعَ الإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ
خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةٌ يُصَلِِّهَا وَحْدَهُ».
١٢٦٧ - ٢٤٩ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٤٩) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فِ قَالَ: «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ
أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
(٢٤٥) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٤٦) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى ◌َنِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُّسْيَّبِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنَّ إِسْحَقَ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبُرَنِي سَعِيدٌ وَأَبُوَ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً
(٢٤٧) وَحَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَغْنَبِ حَدَّثَنَا أَقْلَحُ عَنِ أَبِيَ بَكْرٍ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنِ سَلْمَانَ الأَغَرِ
عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٤٨) حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَائِمٍ قَالا حَدَّثَنَا حَجَّجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبُرَبِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ
أَبِي الْخُوَارِ أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ إِذْ مَرَّ بِهِمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّانٍ مَوْلَى الْجُهَِينَ فَدَعَاةً
نَفِعٌ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ
(٢٤٩) حَذََّنَا يَحْتِى بْنُ يَخْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ نَافِعٍ
٣٦٨

١٢٦٨ -٢٥٠ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٥٠) عَنِ الْبِيِّ:﴿لَ قَالَ «صَلاةُ الرَّجُلِ فِي
الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلاتِهِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ».
١٢٦٩ -- قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ عَنِ أَبِهِ: «بِضْعًا وَعِشْرِينَ» وقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ «سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً».
١٢٧٠ - ١٠ْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٠) عَنِ النّبِيِّ ◌َّ قَالَ: «بِضْعًا وَعِشْرِينَ».
١٢٧١ - ٢٥١ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رٍَّ(٢٥١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ فَقَدَ تّاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ
«لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّقُونَ عَنْهَا. فَآمُرَ بِهِمْ
فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ الْحَطَّبِ بُيُوتَهُمْ. وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا» يَعْنِي
صَلاةَ الْعِشَاءِ.
١٢٧٢ - ٢٩٢ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾(٢٥٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِمَّ«إِنَّ أَنْقَلَ صَلاةٍ عَلَى
الْمُنَافِقِينَ صَلاةُ الْعِشَاءِ وَصَلاةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لِأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ
أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلْيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزٌَ مِنْ
حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ».
١٢٧٣ - ٢٩٣ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ مَا حَدَّثَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﴾(٢٥٣) عَنٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴾. فَذَكَرَ
أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِيَانِي أَنْ يَسْتَعِدُوا لِي بِحُزَمٍ مِنْ
خَطَبٍ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتٌ عَلَى مَنْ فِهَا».
١٢٧٤ - ٢٢٥٤ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ عِ﴾(٢٥٤) أَنَّ النّبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ «لَقَدْ
هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّقُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوَتَهُمْ)».
(٢٥٠) وحَدَّثِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى قَالا حَدَّثْنَا يَخْتِى عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبُرَبِي نَافِعٌ
- وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً وَابْنُ ثُمَيْرٍ قَالَ حَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالا حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بِهَذَا
الإِسْنَادِ قَالَ ابْنُ نُمَّيْرِ عَنِ أَبیهِ
(١٠) وَحَدَّثَنَاهِ ابْنُ رَافِعٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْرَنَا الضَّحَّاكُ عَنِ تَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٢٥١) وحَدَّثَنِي عَمْرٌو اَلنَّقِدُ حَدَّثَنَا سَّفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَغْرَجِ
(٢٥٢) حَدْثَنَا ابْنُ ثُمَّيْرِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ ح وَخَذََّنَّا أَبُو بَكْرِ بَّنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لَهُمَّا قَالا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً
عَنِ الأَعْمَشِ عْنٍ أَبِي صَالِحٍ
(٢٥٣) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدَّ بَنُ رَافِعٍ خَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنٍ هَمَّامٍ بْنٍ مُنٍِّ قَالَ هَذَا
- وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٌ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْخَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ عَنِ وَكِيْعٍ عَنِ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنِ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
صُ عَنِ النِِّّ ◌َّ بِنَحْوِهِ
(٢٥٤) وحَذََّا أَخْمَدُ بْنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ حَدَثْنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَقَ عَنِ أَبِي الأَخْوَصِ سَمِعَهُ مِنْهُ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
٣٦٩

١٢٧٥ - ٢٥ ٢ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ (٢٥٥) قَالَ: أَتَى النِِّيَّ :﴿ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ. فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ أَن يُرَخْصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ.
فَرَخْصَ لَهُ. فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ «فَأَجِبْ».
١٢٧٦ - ٣٢٦ عَنِ عَبْدُ اللّهِ رَ﴾ (٢٥٦) قَالَ: لَقَدْ رَأَيْنَا وَمَا يَتَخَلِّفُ عَنِ الصَّلاةِ إِلا مُنَافِقٌ قَدْ
عُلِمَ نِفَاقُهُ أَوْ مَرِيضٌ، إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنٍ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلاةَ، وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ
اللَّهِ فَ﴿ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْذِي يُؤَذِّدُ فِهِ.
١٢٧٧ - ٢٧ ٣ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ رضِ﴾ (٢٥٧) قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ
الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِّكُمْ وَّ سُّعَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى وَلَوْ أَنْكُمْ
صَلَيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُّنَّةً نَبِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيَّكُمْ لَضَلَلْتُمْ،
وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهِّرُ فَيُحْسِنُ الطَّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلا كَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ
يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيَِّةٌ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ
الْنّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْثَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ.
١٢٧٨- ٢٥٨ عَنِ أَبِي الشَّْشَاءِ(٢٥٨) قَالَ: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَذِّنْ
الْمُؤَذِّثُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْجِدِ يَمْشِي فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصْرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ؛
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ لَلَ.
١٢٧٩ -٥٢٩ ٢ عَنِ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ الْمُحَارِبِيِّ(٢٥٩) عَنِ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً وَرَأَى
رَجُلا يَجْتَازُ الْمَسْجِدَ خَارِجًا بَعْدَ الأَذَانِ فَقَالَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ﴾.
١٢٨٠ - ٣٠ ٣ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةً(٢٦٠) قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانِ الْمَسْجِدَ بَعْدَ
(٢٥٥) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَسُؤَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ كُلُّهُمْ عَنِ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ قَالَ قْتَيْبَةُ حَدَّقَنَا
الْفَزَارِيُّ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمُ قَالَ حَدَّثََّا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢٥٦) حَدَّثَنَا أَبُوَ بَكْرِ بْنُ أَبِيَ شِئَةً حَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنَّ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا زَكْرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَّيْرٍ عَنِ أَبِي
الأَحْوَصِ قَالَ: قَلَ عَبَّدُ اللَّهِ
(٢٥٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنِ أَبِي الْعُمَّيْسِ عَنِ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمِّرِ عَنِ أَبِي الأَحْوَصِ عَنِ عَبْدِ اللهِ
(٢٥٨) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ عَنِّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرٍ عَنٍ أَبِيَ الشَّعْثَاءِ
(٢٥٩) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ هُوَ أَبْنُ غَيْنَةً عَنِ عُمَرَ بْنِ سَّعِيدٍ عَنِ أَشْعَثَ بْنِ أَبِيِ الشَّعْفَاءِ
(٢٦٠) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ حَدَّثَاَ عَبْدُ الْوَاحِدٍ وَهُوَ ابَْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَّنُ أَبِي عَمْرَةَ
- وحَدَّثَنِهِ زُهَيْرُ بَنُ حَرَّبٍ حَدََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَسَدِيُّ ح وحَدَّثَتِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّرَاقِ جَمِيعًا عَنِ
سُفْيَانَ عَنِ أَبِي سَهْلٍ عُثْمَانِ بْنِ حَكِيمٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
٣٧٠

صَلاةِ الْمَغْرِبِ، فَقَعَدَ وَحْدَهُ فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ «مَنْ
صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى
اللَّيْلَ كُلَّهُ».
١٢٨١ - ٦٢١ ٣ عَنِ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٢٦١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ
فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلا يَطْلُبِّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارٍ جَهْمَ».
١٢٨٢ - ٣٦٣ عَنِ جُنْدَبِ الْقَسْرِيَّ ◌َ﴾(٢٦٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «مَنْ صَلَّى صَلاةَ
الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلا يَطْلُبْكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَإِنّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ
ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارٍ جَهَنْهَ)».
١٢٨٣ -- عَنِ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانٌ عَنِ النِّّ ◌َّ بِهَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ «فَيَكُبَّهُ فِي نَارٍ جَهِّمَ».
المعنى العام
من أبرز أهداف الإسلام ترابط المجتمع، وغرس المودة والمحبة بين أبنائه، حتى
يصبح كالجسد الواحد، إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، لقد ولد
الإسلام فى مجتمع متفرق لا يضمه هدف ولا تجمعه غاية؛ يغير بعضه على بعض، وتترفع
قبيلة على الأخرى، فحارب الإسلام هذه العصبية وسوى بين الناس كأسنان المشط، ونادى
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. ((لا فضل لعربي على أعجمى ولا
الأبيض على أحمر إلا بالتقوى)».
وكان لابد من وسائل تقود إلى غرس هذا المبدأ، وكان لابد من تدريبات عملية تطبع المسلمين
على الإحساس بهذه المساواة، فكانت صلاة الجماعة إمامها رسول الله محمد بن عبد الله، خيار من
خيار، ومناديها بلال بن أبى رباح العبد الحبشى، ويقف المسلمون فيها صفوفاً كصفوف الملائكة
مستقيمة متراصة، المذاكب ملاصقة للمناكب، والأقدام مساوية للأقدام، الغنى بجوار الفقير والعظيم
بجوار الضعيف، الكل يتحرك حركة واحدة، ويسكن سكونا واحداً فإذا ما قضيت التقى الناس بعضهم
ببعض، فعرفوا ودرسوا مصالحهم، وساعد بعضهم بعضا، وسأل بعضهم عن أحوال بعض، وعرفوا
(٢٦١) وحَدََّتِي نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ حَدََّنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ عَنِ خَالِدٍ عَنِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
(٢٦٢) وحَدَّثَنِيهِ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَفِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَعِلُ عَنِ خَالِدٍ عَنِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدَبِ الْقَسْرِيَّ يَقُولُ
- وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِّدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ جُنْدَبِ
٣٧١

غائبهم فحفظوه وأعانوه، لقاءات فى مسجد واحد خمس مرات فى اليوم والليلة يدعو إليها الإسلام،
ويرغب فيها بقوله صلى الله عليه وسلم ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة
وعشرين جزءاً، وتسابق المسلمون إلى الجماعات بل تسابق نساء المسلمين، وصبيانهم إليها، حتى
فى الفجر فى شدة إغراء النوم، وحتى فى العشاء فى ظلمة الليل، وكثر المسلمون، ودخل فى الإسلام
منافقون، ثقلت عليهم صلاة الفجر والعشاء، وثقلت عليهم الجماعات، فكانوا يتخلفون، وكرر الرسول
وا على مسامعهم الترغيب فى الجماعة ((ما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من
هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة))،
((من صلى الصبح فى جماعة فهو فى عهد الله ورعايته طول يومه، ومن لم يصلها طالبه اللَّه بحقه ومن
طالبه الله بحقه كبه على وجهه فى نار جهنم» لكن بعض المنافقين دأب على التخلف عن الجماعة،
والمنافقون جبناء، يخافون ولا يستحون، فكان المناسب لهم التهديد والوعيد، فقال رسول اللّه { ﴾
((لقد فكرت وهممت أن يؤذن المؤذن للصلاة ويقيم، ثم آمر رجلا يصلى بالناس بدلا منى، ثم آخذ
بعض الفتية ومعهم حزم من الحطب فتحرق بيوت المتخلفين عن الجماعة وهم فيها)» وبلغ ذلك
المنافقين فحافظوا على الجماعة، وازداد المسلمون حرصاً عليها، حتى الأعمى والمريض والمعذور لم
يكن يستهين بها أو يتخلف عنها، لقد كان المريض الذى لا يستطيع المشى وحده يسنده رجلان،
يمشى بينهما يترنح ويتهادى حتى يوقفانه فى الصف، ولقد جاء ابن أم مكتوم الأعمى يشكو تعثره
فى الطريق فى الظلماء وفى السيل، يطلب الرخصة له أن يصلى فى بيته إذا لم يجد قائدا وتعرض
للأخطار، فقال له رسول الله ﴾: هل تسمع الأذان وأنت فى بيتك؟ قال: نعم. قال: أجب النداء
واحضر الجماعة فلا رخصة لك.
وهكذا كانت صلاة الجماعة فى المسجد لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، معرض نفسه
لغضب الله وغضب الناس، بل صار من يخرج من المسجد قبل صلاة الجماعة مغاضباً للَّه ورسوله
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
المباحث العربية
( أفضل من صلاة أحدكم وحده ) حال جامدة مؤولة بمشتق، أى منفرداً.
( تفضل صلاة فى الجميع ) أى فى الجماعة.
( قال: وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار) هذا هو الموجب لتفضيل صلاة
الفجرمع الجماعة.
( وقرآن الفجر) كناية عن صلاة الفجر، لأن الصلاة مستلزمة للقرآن.
( كان مشهودا ) أى محضورًا فيه، تحضره الملائكة بطائفتيها.
٣٧٢

( بخمس وعشرين جزءًا) قال النووي: هكذا هو فى الأصول، ورواه بعضهم ((خمسا
وعشرين درجة)) و((خمسة وعشرين جزءًا)) هذا هو الجارى على اللغة، والأول مؤول عليه، وأنه
أراد بالجزء الدرجة.
( من صلاة الفذ) بالفاء والذال، أى المنفرد، يقال: فذ الرجل من أصحابه إذا بقى منفرداً
وحده، فهى فى معنى الرواية الأولى.
( فقد ناسا فى بعض الصلوات ) الظاهر أنها العشاء كما تشير إلى ذلك الرواية السابعة، أو
الجمعة كما تصرح الرواية العاشرة، وهل كان الناس المتخلفون عن الجماعة منافقين أو أعم؟ تشير
إلى الأول الرواية الثامنة، والظاهر العموم، ففى سند السراج ((أخر النبى وقَ * صلاة العشاء حتى تهور
الليل وذهب ثلثه أو نحوه ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس عزون، [متفرقون] وإذا هم قليلون، فغضب
غضبًا شديدًا، ثم قال: لقد هممت .... إلخ.
( لقد هممت ) اللام جواب القسم، ومعنى هممت قصدت، والهم العزم وقيل دون العزم.
( ثم أخالف إلى رجال ) أى آتيهم من خلفهم، وقيل: أتخلف عن الجماعة وأذهب إليهم،
والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان.
( يتخلفون عنها ) أى عن العشاء، كما سيفسر الراوى آخر الحديث.
( فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم ) أى فيحرق الرجال أو الفتية الذين أصحبهم على
المتخلفين بيوتهم بحزم الحطب و((أحرق)) بضم الهمزة وبفتح الحاء وتشديد الراء المكسورة، والصيغة
تفيد التكثير.
( ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها ) أى عظما عليه قليل من اللحم أو الشحم،
والمقصود به الخسيس الحقير من متاع الدنيا.
( إن أثقل صلاة على المنافقين ) فيه إثبات أن بقية الصلوات ثقيلة على المنافقين.
( لأتوهما ولو حبوا ) حبو الصبى الصغير مشيه على يديه ورجليه، أى لو يعلمون ما فيهما من
الفضل والخير، ثم لم يستطيعوا الإتيان إليهما إلا حبوا لأتوهما، والضمير فى ((يعلمون)) للمنافقين أو
المتخلفين عنهما.
( ثم انطلق معى برجال ) ((معى)) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ((رجال)) والتقدير
أنطلق برجال مصاحبين لى.
( إلى قوم لا يشهدون الصلاة ) أى لا يحضرون الجماعة.
(أتى النبي ◌َ﴿ رجل أعمى) قال النووى: هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم جاء مفسراً فى سنن
أبی داود وغيره. اهـ
٣٧٣

( إنه ليس لى قائد يقودنى إلى المسجد) زاد أحمد ((وإن بينى وبين المسجد شجراً
ونخلا، ولا أقدر على قائد كل ساعة )».
( هل تسمع النداء بالصلاة)؟ المراد بالنداء الأذان، فعند ابن حبان ((أتسمع الأذن))؟ وقيل
الإقامة أخذاً من رواية أحمد ((أتسمع الإقامة)»؟ والأول هو الظاهر.
( قال: فأجب) فى رواية أحمد ((قال: فاحضرها، ولم يرخص له)) وفى رواية ابن حبان ((فأتها
ولو حبوا )».
( لقد رأيتنا ) يعنى نفسه والصحابة فى عهد الرسول صل.
( وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق ) أى عن صلاة الجماعة، والجملة حالية.
(إن كان المريض ليمشى) ((إن)) مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، أى إن
الحال والشأن كان المريض يأتى الصلاة بين الرجلين.
( علمنا سنن الهدى ) ((سنن)) روى بضم السين وفتحها، وهما بمعنى متقارب، أى طرائق
الهدى وأوجه الصواب.
( لقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين ) أى يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه
يعتمد عليهما، وهو مراده بقوله فى الرواية الثانية عشرة ((إن كان المريض ليمشى بين رجلين)».
( من صلى الصبح فهو فى ذمة الله) قال النووى: قيل: الذمة هنا الضمان، وقيل الأمان.اهـ
( فلا يطلبنكم الله من ذمته بشىء فيدركه) من معانى الذمة العهد والحق وهو المناسب
هنا، والجار والمجرور ((من ذمته)) متعلق بمحذوف حال من ((شىء)) والتقدير فلا يطالبكم الله بشىء
من حقه فيدركه، والمعنى فحافظوا على صلاة الصبح ولا تعرضوا أنفسكم لمطالبة اللَّه لكم بحقه، فمن
طالبه بحقه أدركه.
( فيكبه ) أى فيكب صاحبه المقصر فى الحق.
فقه الحديث
الكلام عن أحاديث الباب يتناول فضل صلاة الجماعة، وآراء الفقهاء وأدلتهم فى حكمها، ومسائل
أخرى تؤخذ من الروايات.
أما فضل صلاة الجماعة فالأحاديث صريحة فى أنها تفضل صلاة الفرد ببضع وعشرين درجة ولا
خلاف فى ذلك، وكل ما فى الموضوع الجمع بين ألفاظ الأحاديث، فالرواية الأولى والثانية والثالثة
٣٧٤

والرابعة أن الأفضلية بخمس وعشرين درجة، والرواية الخامسة والسادسة أن الأفضلية بسبع وعشرين
درجة. قال النووي: والجمع بينها من ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه لا منافاة بينها، فذكر القليل لا ينفى الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جمهور
الأصوليين بمعنى: أن إثبات أفضلية سبع وعشرين درجة تتضمن أفضلية خمس وعشرين درجة ولا
تنافيها، وإنما يحصل التنافى لوقلنا بمفهوم العدد، بمعنى أن إثبات الأفضلية بخمس وعشرين
مفهومه ليس بغير خمس وعشرين، ومفهوم العدد معطل عند جمهور الأصوليين.
والثانى: أنه أخبر أولا بالقليل، ثم أعلمه الله بزيادة الفضل، فأخبر بها - ومعنى هذا أن رواية سبع
وعشرين ناسخة لرواية خمس وعشرين، وهذا الرأى ضعيف، لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر
الجمع، وعند معرفة المتقدم والمتأخر.
والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم خمس وعشرون،
ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيأتها وخشوعها وكثرة جماعتها
وفضلهم وشرف البقعة، ونحو ذلك.
فهذه هى الأجوبة المعتمدة، وقد قيل: إن الدرجة غير الجزء، وهذا غفلة من قائله، فإن فى
الصحيحين سبعاً وعشرين درجة وخمسا وعشرين درجة، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة.اهـ
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر بعض وجوه الجمع غير المعتمدة: السبع مختصة بالجهرية،
والخمس بالسرية، لأن فى الجهرية الإنصات عند قراءة الإمام والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين
الملائكة. قال: وهذا الوجه عندى أوجهها. اهـ
وحاول بعض العلماء أن يربطوا العدد المذكور بفضائل فى صلاة الجماعة كقول الكرمانى:
المكتوبات خمس، فضربت فى مثلها، فصارت خمساً وعشرين وقول غيره: الحسنة بعشر أمثالها
للمصلى المنفرد فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين، ثم زيد بقدر عدد الصلوات الخمس، وقول الحافظ
ابن حجر فى الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة:
أولها: إجابة المؤذن بنية الصلاة فى الجماعة، والتبكير إليها فى أول الوقت والمشى
إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيا، وصلاة التحية عند دخوله. كل ذلك بنية
الصلاة فى الجماعة. فهذه خمس.
سادسها: انتظار الجماعة.
سابعها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له.
ثامنها: شهادتها له.
تاسعها: إجابة الإقامة.
عاشرها: السلامة من الشيطان حين يفر من الإقامة.
٣٧٥

حادى عشرها: الوقوف منتظر إحرام الإمام.
ثانى عشرها: إدراك تكبيرة الإحرام.
ثالث عشرها: تسوية الصفوف وسد الفرج.
رابع عشرها: جواب الإمام عند قوله: سمع الله لمن حمده.
خامس عشرها: الأمن من السهو غالبا وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه.
سادس عشرها: حصول الخشوع والسلامة عما يلهى غالباً.
سابع عشرها: تحسين الهيئة غالباً.
ثامن عشرها: احتفاف الملائكة به.
تاسع عشرها: التدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض.
العشرون: إظهار شعائر الإسلام.
الحادى والعشرون: إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة
ونشاط المتكاسل.
الثانى والعشرون: السلامة من صفات النفاق ومن إساءة غيره الظن بأنه ترك الصلاة رأسا.
الثالث والعشرون: رد السلام على الإمام.
الرابع والعشرون: الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعود بركة الكامل على الناقص.
الخامس والعشرون: قيام نظام الألفة بين الجيران وتعاهدهم فى أوقات الصلاة. ثم قال: فهذه
خمس وعشرون خصلة ورد فى كل منها أمر أو ترغيب يخصه. اهـ والمحقق يجد تداخلا فيما ذكر كما
يجد بعض الفضائل لم تذكر، والتحقيق أن الحكمة فى هذا العدد الخاص غير محققة المعنى، لأن
ذلك لا يدرك بالرأى، بل مرجعه إلى علم النبوة. وكل من خاض فى تعيين الأسباب المقتضية للدرجة
المذكورة أجهد نفسه ولم يأت بطائل.
والرواية الأولى والرابعة والخامسة والسادسة تفيد أن صلاة الجماعة أفضل من خمس وعشرين أو
سبع وعشرين من صلاة المنفرد، والرواية الثالثة تفيد أنها تعدلها وتساويها ولا تفضل عليها ولا تزيد،
وظاهر هذا التعارض بين الروايات وقد اختار الحافظ ابن حجر أن صلاة الجماعة تساوى صلاة
المنفرد وتزيد عليها العدد المذكور، فيكون للمصلى فى جماعة ثواب ست وعشرين، أو ثمان وعشرين
من صلاة المنفرد، ومعنى هذا تقييد الرواية الثالثة ليصح، تقديرها: صلاة الجماعة تعدل خمسا
وعشرين من صلاة الفذ زيادة عن صلاته وحده وهذا الاتجاه حسن يتسق مع فضل الله وجوده.
ولما كانت الروايات الست الأولى تربط الفضل بصلاة الجماعة بقطع النظر عن كونها فى
٣٧٦

المسجد أو فى البيت أو فى المتجر أو فى المصنع أو فى المدرسة ولما كانت الروايات الثمان التى
بعدها تربط صلاة الجماعة بالمسجد قال ابن دقيق العيد: والذى يظهر أن المراد بمقابل الجماعة فى
المسجد الصلاة فى غيره منفرداً، لكنه خرج مخرج الغالب فى أن من لم يحضر الجماعة فى المسجد
صلى منفرداً . اهـ
وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع فى المسجد الذى
يصلى فيه الجمعة، مع تقرير نوع من الفضل للجماعة فى غيره، وجاء عن بعضهم قصر التضعيف إلى
خمس وعشرين على التجميع فى أى مسجد، دون البيت والسوق، أخذاً بظاهر حديث البخارى ((صلاة
الرجل فى الجماعة تضعف على صلاته فى بيته وفى سوقه خمسا وعشرين ضعفاً)) مع تقرير نوع من
الفضل للجماعة فى البيت والسوق ونحوهما.
والذى تستريح إليه النفس أن التضعيف إلى خمس وعشرين عام فى الجماعات فى أى مكان، مع
تقرير نوع زائد من الفضل للجماعة فى المسجد ونوع أكثر زيادة من الفضل للجماعة فى مسجد
الجماعة. وهذا الرأى يعم كل الأحاديث مطلقها ومقيدها، خصوصاً ورواية البخارى التى قارنت بين
المسجد وبين البيت والسوق جاءت بلفظ المضاعفة، وقد تطلق المضاعفة على المثلين كما تطلق
على المثل.
أما حكم صلاة الجماعة ففيه أربعة مذاهب:
الأول: أنها فرض عين وشرط لصحة الصلاة، فلا تصح الصلاة بدونها إلا لعذر، وهو مذهب داود
الظاهرى، ورواية عن أحمد، ودليلهم ظاهر التهديد بالتحريق. وهى عقوبة لايعاقب بها إلا الكفار، وهو
مبنى على أن ما وجب فى العبادة كان شرطاً فيها، فلما كان الهم المذكور دالا على لازمه وهو
الحضور ووجوب الحضور دالا على لازمه وهو الاشتراط ثبت الاشتراط، وهذا المذهب أضعف
المذاهب وأبعدها عن الصواب لما سيتضح من مناقشات الأدلة.
المذهب الثانى: أنها فرض عين، وليست شرطا لصحة الصلاة، فتصح الصلاة بدونها
مع الإثم واستحقاق العقوبة، وهو مذهب عطاء والأوزاعى وأحمد وجماعة من محدثى
الشافعية كأبى ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان ودليلهم كأصحاب المذهب الأول
أحاديث الهم بالتحريق، لكنهم لا يقولون: بأن ما وجب فى العبادة كان شرطاً فيها، وإنما
الغالب أن يكون شرطاً، وقد ينفك عن الشرطية.
وقالوا: لو كانت فرض كفاية لكان قيام النبى ® وأصحابه بها كافياً، ولو كانت سنة فتارك
السنة لا يحرق عليه بيته، ورسول الله * لا يهم إلا بحق، كما استدلوا على فرضيتها ووجوبها بصلاة
الخوف، إذ فيها أعمال منافية للصلاة ارتكبت من أجل الجماعة، ولم يرخص بترك الجماعة فى هذه
الشدة، ولا يعمل ذلك لأجل فرض الكفاية، ولا للسنة، ثم إن النبى * لم يرخص لابن أم مكتوم الأعمى
فى ترك الجماعة، ولو کانت فرض كفاية أو سنة لرخص له.
٣٧٧

وسيرد الرد على هذا المذهب وعلى أدلته عند استعراضنا للمذهبين الآتيين.
المذهب الثالث: أنها فرض كفاية، وهو مذهب جمهور المتقدمين من الشافعية، وهو ظاهر نص
الشافعى، وبه قال كثير من الحنفية والمالكية.
المذهب الرابع: أنها سنة مؤكدة، وهو المشهور عن الآخرين.
ولما كان هذان المذهبان متقاربين، وكان القائلون بفرض الكفاية يقولون بأنها سنة مؤكدة فى
حق الباقين إذا أقامها البعض، وكان الفرق هو ما إذا تركها أهل محلة هل يأثمون جميعاً ويقاتلون
بالسلاح، كتاركى فرض الكفاية؟ أولا يأثمون كتاركى السنن؟.
لما كان الأمر كذلك كان هدف المذهبين الرد على أدلة المذهبين الأولين بحيث ينتفى
أنها فرض عين، وقد أطنب العلماء فى ذلك، وحق علينا أن نوفى المسألة حقها لرفع ظاهر
التعارض بين الأحاديث.
قال الحافظ ابن حجر: وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب [حديث الهم بالتحريق]
بأجوبة. منها:
١ - أن الحديث نفسه يدل على عدم الوجوب، لكونه صلى الله عليه وسلم هم ولم يفعل، ولو كانت فرض
عين لنفذ ما هم به، فتركه صلى الله عليه وسلم التحريق بعد التهديد دليل على عدم الفرضية.
٢- لو كانت فرض عين لقال حين توعد بالإحراق: من تخلف عن الجماعة لم تجزه صلاته، ولقال
للذين صليا فى رحالهما من غير جماعة أعيدا صلاتكما أو أنتما آثمان، ولكنه قال ((إذا صليتما فى
رحالكما، ثم أتيتما المسجد، فصليا فإنها لكما نافلة )».
٣- قال الباجى وغيره: إن الحديث ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة وإنما المراد
المبالغة، يرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التى يعاقبها الكفار، وقد انعقد الإجماع على
منع عقوبة المسلمين بذلك.
٤- أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسا، لا مجرد الجماعة.
٥- أن الحديث ورد فى الحث على مخالفة فعل أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص
ترك الجماعة، فلا يتم الدليل.
٦- أن الحديث ورد فى حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل،
والرواية الثامنة، ولفظها ((إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما
فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت ... )» إلخ تؤيد أن الحديث فى المنافقين، قال الحافظ ابن
حجر: لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر، بدليل قوله فى رواية عجلان: ((لايشهدون
العشاء فى الجميع))، وقوله فى حديث أسامة: ((لا يشهد الجماعة، وأصرح منه رواية أبى هريرة
عند أبى داود ((ثم أتى قوما يصلون فى بيوتهم ليست بهم علة » فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق
٣٧٨

معصية لاكفر، لأن الكافر لا يصلى فى بيته، إنما يصلى فى المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا فى
بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء. وأيضا فقوله فى رواية المقبری: «لولا ما فى
البيوت من النساء والذرية)) يدل على أنهم لم يكونوا كفاراً، لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين
طريقاً إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية فى بيته.
٧- حكى القاضى عياض قول بعضهم: فرضية الجماعة كان فى أول الإسلام، لأجل سد باب التخلف
عن الصلوات على المنافقين، ثم نسخ، قال الحافظ: ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد
المذكور، وهو التحريق بالنار وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه الحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدل
على النسخ الأحاديث فى تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفرد، لأن الأفضلية تقتضى الاشتراك
فى أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز.
٨- أن المراد بالصلاة صلاة الجمعة، لا باقى الصلوات - والرواية العاشرة تؤيد هذا القول - ونصره
القرطبى، وتعقب بالأحاديث المصرحة بالعشاء. انتهى بتصرف.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- قال النووى: قال بعضهم: فى الحديث دليل على أن العقوبة كانت فى أول الأمر بالمال، لأن
تحريق البيوت عقوبة مالية. وقال بعضهم: أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق فى غير
المتخلف عن الصلاة والغال من الغنيمة واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع
تحريق متاعهما.
٢- وفيه أن الإمام إذا عرض له شغل يستخلف من يصلى بالناس.
٣- وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر.
٤- قال بعضهم: ويؤخذ من الرواية الحادية عشرة وظاهرها عدم قبول العذر أن الجماعة فرض عين،
قال النووي: وأجاب الجمهور بأنه سأل هل له رخصة أن يصلى فى بيته وتحصل له فضيلة
الجماعة بسبب عذره؟ فقيل: لا. ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين،
ودليله من السنة حديث عتبان الآتى فى الباب التالى. وأما ترخيص النبى وآ له ثم رده؛ وقوله
((فأجب)) فيحتمل أنه بوحى نزل فى الحال، ويحتمل أنه تغير اجتهاده صلى الله عليه وسلم إذا
قلنا بالصحيح وقول الأكثرين أنه يجوز له الاجتهاد، ويحتمل أنه رخص له أولا، وأراد أنه لا يجب
عليه الحضور، إما لعذر وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين، ثم ندبه إلى
الأفضل، فقال: الأفضل والأعظم الأجرك أن تجيب وتحضر، فأجب.
٥- ويؤخذ من الرواية الرابعة عشرة والخامسة عشرة كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى
يصلى المكتوبة إلا لعذر.
٦- وفى حديث الهم بالتحريق تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت
بالأهون من الزجراكتفى به عن الأعلى من العقوبة.
٣٧٩

٧- وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة، لأنه صلى الله عليه وسلم هم بذلك فى الوقت الذى عهد منه
فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم فى الوقت الذى يتحققون فيه أنه لا يطرقهم
فيه أحد.
٨- ترجم عليه البخارى فى كتاب الأحكام: باب إخراج أهل المعاصى والريب من البيوت بعد
المعرفة، يريد أن من طلب منهم بحق فاختفى أوامتنع فى بيته إنكارا ومماطلة أخرج منه بكل
طريق يتوصل إليه بها، كما أراد صلى الله عليه وسلم إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار
عليهم فى بيوتهم.
٩- استدل به ابن العربى وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونا بها، ونوزع فى ذلك، ورواية
أبى داود التى تفيد أنهم كانوا يصلون فى بيوتهم تعكر عليه، قال الحافظ ابن حجر: ولا يلزم من
التهديد بالتحريق حصول القتل لا دائما ولا غالبا.
١٠- وفيه الرخصة للإمام أو نائبه فى ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفى فى بيته ويتركها، ومن
الأعذار فى تخلفه خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم.
١١- استدل به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان فى ذلك مصلحة.
١٢- استدل به ابن العربى على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب الإمام مالك، وتعقب بأنه
منسوخ، كما قيل فى العقوبة بالمال.
والله أعلم
٣٨٠