Indexed OCR Text

Pages 141-160

الإليتين على العقبين] وحمل حديث ابن عباس عليه، قال القاضى عياض: وقد روى عن جماعة من
الصحابة والسلف أنهم كانوا يفعلونه. قال: وكذا جاء مفسراً عن ابن عباس رضى الله عنهما ((من
السنة أن تمس عقبيك إليتيك)) هذا هو الصواب فى تفسير حديث ابن عباس، وقد ذكرنا أن الشافعى
ظله على استحبابه فى الجلوس بين السجدتين، وحاصله أنهما سنتان، وأيهما أفضل؟ فيه قولان.اهـ
وفى كيفية الجلوس فى الصلاة عامة بحث مطول شرحناه فى السابق ولانرى بأسًا فى
إعادته، قلنا:
أما الجلوس فى الصلاة فمذهب أبى حنيفة فى هيئته المستحبة الافتراش فى جميع الجلسات،
والافتراش أن يفرش رجله اليسرى بقدمها، وينصب اليمنى.
ومذهب مالك: يسن التورك فى جميع الجلسات فى الصلاة، والتورك أن يخرج رجله اليسرى من
تحته ویفضی بورکه إلى الأرض.
ومذهب الشافعى: يسن أن يجلس كل الجلسات مفترشًا إلا التى يعقبها السلام فيسن أن يجلس
فيها متوركا - وقلنا رأيا آخر للشافعى بالإقعاء فى الجلوس بين السجدتين.
وقال أحمد: إن كانت الصلاة ركعتين افترش، وإن كانت أربعا افترش فى التشهد الأول وتورك
فى التشهد الثانى.
واحتج لأبى حنيفة فى الافتراش فى الصلاة بقول عائشة فى حديث مسلم المروى فى باب صفة
الصلاة ((وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى)).
واحتج لمالك فى التورك بحديث عبد الله بن الزبير ((أن النبى * كان إذا قعد فى الصلاة جعل
قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى، رواه مسلم.
واحتج الشافعية بما رواه البخارى عن أبى حميد أنه وصف بين عشرة من أصحاب النبي {﴾
صلاة النبي * قال: «فإذا جلس فى الركعتين جلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى، فإذا جلس
فى الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته)) قال الشافعى والأصحاب:
فحديث أبى حميد وأصحابه صريح فى الفرق بين التشهدين، وباقى الأحاديث مطلقة، فيجب حملها
على مقيده. فمن روى التورك أراد الجلوس فى التشهد الأخير، ومن روى الافتراش أراد الأول، وهذا
متعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة، لاسيما وحديث أبي حميد وافقه عليه عشرة من كبار
الصحابة رضى اللَّه عنهم.
قال النووي: وجلوس المرأة كجلوس الرجل، وصلاة النفل كصلاة الفرض فى الجلوس، هذا مذهب
الشافعى ومالك والجمهور، وحكى عن بعض السلف أن سنة المرأة التربح وعن بعضهم التربع فى
النافلة. والصواب الأول. اهـ
هذا وسيعقد باب بعنوان [صفة الجلوس فى الصلاة] بعد أربعة عشر بابًا.
والله أعلم
١٤١

(٢٠١) باب تحريم الكلام فى الصلاة ونسخ ما كان
١٠١٩ - ٣٣ عَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ ◌َ﴾(٣٣) قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِع ◌َّ ◌ِذْ
عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ. فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِى الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ. فَقُلْتُ: وَاتُكْلَ أُمِّيَّاهْ مَا
شَأَنْكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ. فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمُِّونَنِى. لَكِنِّى
سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِمَلِّفَبِأَبِى هُوَ وَأُمِّى مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا
مِنْهُ. فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِى وَلا ضَرَّبَنِى وَلا شَتَمَنِى. قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ
كَلامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِحُ وَالْتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ. قُلْتُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ. وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلامِ وَإِنَّ مِنْا رِجَالا يَأْتُونَ الْكُهَّانِ.
قَالَ «فَلا تَأْتِهِمْ)» قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَّيَّرُونَ. قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِى صُدُورِهِمْ. فَلا
يَصُدُّنْهُمْ (قَالَ ابْنُ الصَّاحِ: فَلا يَصُدِّنَّكُمْ) قَالَ قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ. قَالَ «كَانَ نَبِيِّ مِنْ
الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَن وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ قَالَ وَكَانَتْ لِى جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِى قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ.
قَاطَلَغَتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَمِهَا وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ يَنِى آدَمَ آسَفُ كَمَا
يَأْسَفُونُ لَكِّنِى صَكَكْتُهَا صَكَّةٌ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَعَظِّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
أَفَلا أَعْقُهَا؟ قَالَ «اثْنِى بِهَا» فَيَّتُهُ بِهَا. فَقّالَ لَهَا «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِى السَّمَاءِ قَالَ «مَن
أَنَّ؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
١٠٢٠ - ٤ ٣ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ﴾(٣٤) قَالَ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ وَهُوَ فِى الصَّلاةِ فَيَرُدُّ
عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنًا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نُسَلِّمُ
عَلَيْكَ فِى الصَّلاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا فَقَالَ: «إِنَّ فِى الصَّلاةِ شُغْلا».
١٠٢١ - ٣٥ عَنِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَِّ(٣٥) قَالَ كُنَّا نَتَكَلِّمُ فِى الصَّلاةِ يُكَلِّمُ الرَّجُلُ
(٣٣) حَدَّثْنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَتَقَارَبًا فِى لَفْظِ الْحَدِيثِ قَالَا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ
حَجَّاجِ الصَّوَّافِ عَنِ يَحْيِى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنِ هِلالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنِ عَطَاءِ ابْنِ يَسَارِ عَنٍ مُعَاوِيّةَ بْنِ الْحُكْمِ
- حَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيسِّى بَنُ يُونُسََ خَذََّا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ يَخْتَى بْنِ أَبِى كَثِيْرِ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَخْوَهُ.
(٤ ٣) حَدَّثَنَا أَبُوَ بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ وَأَلْفَاظَهُمَّ مُتَقَارِبَّةٌ قَالُوا حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا
الأَعْمَشُ عَنِ إِبْرَاهِيمَّ عَنِ عَلْقَمَةً عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
- حَدَّقِّى ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنِي إِسْحَقُ بَنُ مَنْصُورِ السَّلُولِيُّ حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادٍ نَحْوَهُ.
(٣٥) حَدَّلْنَا يَحْتِى بْنُ يَخْتَى أَخْبُرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ إِسْمَعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ عَنِ الْحَارِثَ بْنِ شُتَّئَلٍ عَنِ أَبِى عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنِ
زَيْدِ بْنِ أُرْقَمَ
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَوَكِيعٌ قَالَ ح وحَدَثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ أَخْبُرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ
كُلُّهُمْ عَنِ إِسْمَعِيَّلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
١٤٢

صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِى الصَّلاةِ حَتَّى نَزَلَتْ وَقُومُوا لِلَّهِ قَائِينَ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ
وَنُهِينَا عَنِ الْكُلامِ.
١٠٢٢ - ٣٢٦ عَنِ جَابِرٍعَظُ(٣٦) أَنَّهُ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ بَعَثَنِى لِحَاجَةٍ ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ.
(قَالَ قُتِبَةُ: يُصَلِّى) فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ: فَأَشَارَ إِلَيَّ. فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِى فَقَالَ «إِنَّكَ سَلْمْتَ آنِفًا وَأَنَا
أُصَلّى وَهُوَ مُوَجَّةٌ حِينَئِذٍ قِبَلَ الْمَشْرِقِ».
١٠٢٣ - ٣٧ عَنِ جَابِرٍ﴾(٣٧) قَالَ أَرْسَلَنِى رَسُولُ اللَّهِ،﴿ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى بَنِى الْمُصْطَلِقِ
فَأَتْيُهُ وَهُوَ يُصَلَّى عَلَى بَعِيرِهِ فَكُلَّمْتُهُ فَقَالَ لِى بِيَدِهِ هَكَذَا (وَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ بِيَدِهِ) ثُمَّ كَلَّمْتُهُ فَقَالَ
لِى هَكَذَا (فَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ أَيْضًا بِيَدِهِ نَحْوَ الأَرْضِ) وَأَنَا أَسْمَعُهُ يَقْرَأُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ:
«مَا فَعَلْتَ فِى الَّذِى أَرْسَلْتُكَ لَهُ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْتَغْنِى مَن أُكَلِّمَكَ إِلا أَنّى كُنْتُ أُصَلِّي». قَالَ زُهَيْرٌ:
وَأَبُو الزُّبَيْرِ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ بِيَدِهِ أَبُو الزُّبَيْرِ إِلَى بَنِى الْمُصْطَلِقِ. فَقَالَ بِيَدِهِ إِلَى
غَيْرِ الْكَعْبَةِ.
١٠٢٤- ٣٨ عَنِ جَابِرٍَُ(٣٨) قَالَ كُنَّا مَعَ النّبِيِّ وَّفَبَعَثَنِى فِى حَاجَةٍ فَرَجَعْتُ وَهُوَ يُصَلِّى
عَلَى رَاحِلَتِهِ وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ
يَمْتَعْنِى مَن أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلا أَنِى كُنْتُ أُصَلِّي».
١٠٢٥ - بإعَنِ جَابِرٍ﴾(١١) قَالَ: بَعَنِى رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ فِى حَاجَةٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ.
المعنى العام
معاوية بن الحكم السلمى حديث عهد بإسلام، لا يعلم أن الكلام فى الصلاة يبطلها، يصلى خلف
النبى ﴿، فيسمع مصليا يعطس، فيشمته وهو فى الصلاة، ويقول له: يرحمك الله، ورأى الصحابة
ينظرون إليه نظرة استنكار ودهشة، وظن معاوية فى نفسه أنه لم يأت شيئاً ينكر، فنظر فيهم نظرة
استغراب كذلك وقال: فقدتنى أمى. ماذا فعلت؟ وماذا أنكرتم على حتى نظرتم إلى هذه النظرات،
وكان كلامه هذا أثناء الصلاة مثارا آخر لزيادة الاستنكار فأخذوا يضربون أفخاذهم ببطن أكفهم ثم
يقلبونها، فلما رأى معاوية أن الاستنكار يزداد سكت وأتم صلاته. فلما انتهى رسول اللّه * من
(٣٦) حَذََّنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ أَخْبُرَنَا اللَّيْثُ عَنِ أَبِى الزَُّيْرِ عَنِ جَابِرٍ
(٣٧) حَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدََّتِى أَبُو الزُّبِيْرِ عَنِ جَّابِرٍ
(٣٨) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثْنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ كَثِيَرِ عَنِ عَطَاءِ عَنِ جَابِرٍ
(١٠) وحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ خَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بَنُ سَعِّدٍ حَدََّا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِرٍ عَنِ عَطَاءٍ عَنِ جَابِرٍ
١٤٣

الصلاة استدعاه وتوقع معاوية نهرًا وتعنيفًا بل شتما وضربًا نظرًا لما لاقاه من الصحابة من
استنكار، فإذا به يجد العطف والرحمة والخلق الحسن العظيم يتلقاه على وجه رسول اللّه﴿ وعلى
لسانه، فيسمع تعليمًا هادئًا لينًا، وتعلم منه أن الصلاة لا يحل فيها كلام الناس، وإنما هى تسبيح
وتكبير وقراءة القرآن، واطمأن معاوية لرسول اللّه * وطمع فى زيادة عطفه ومروءته واستعذب
الحديث معه فاستخرج ما فى نفسه من أسئلة دينية، فقال: يارسول اللَّه، إنى حديث عهد بالإسلام.
حديث عهد بالجاهلية فاعذرنى إذا أخطأت واعذرنى إذا استفهمت وفتح له الرسول # صدره
الرحيم. قال معاوية: منا رجال يتكهنون ورجال يأتون الكهان الذين يزعمون علم الغيب فيسمعون
ويعتقدون؟ قال صلى الله عليه وسلم لا تأت الكهان ولا تسمع منهم ولا تعتقد صحة ما يزعمون. قال
معاوية: ومنا رجال يتطيرون يتفاءلون بأمر ويتشاءمون من آخر، فما حكم التطير؟ قال صلى الله عليه
وسلم: ما يقع فى الصدر من الانقباض أو الانبساط أمر غير مكتسب لا حساب عليه، ولكن على المسلم
أن لا يعمل على مقتضى التشاؤم، فلا يحل له أن يمتنع من القيام بمصلحة لما حصل فى نفسه من
التشاؤم. قال: ومنا رجال يخطون على الرمل وغيره ويدعون أنهم يعرفون الغيب عن طريق هذه
الخطوط، قال صلى اللّه عليه وسلم: كان نبي من الأنبياء قد أعطاه الله علم بعض الغيب عن طريق
هذه الخطوط لكن لا نبى بعدى ومدعى علم الغيب بهذه الخطوط كاذب ومنجم وقد يوافق قوله واقعًا
صدفة لا علمًا، لا تصدقوهم فى مزاعمهم. قال معاوية: وكانت لى أمة جارية ترعى غنمًا لى قرب أحد،
فأهملت الحراسة فأكل الذئب شاة من غنمى وأنا إنسان يغضب كما يغضب البشر، فغضبت
ولطمتها لطمة قوية. وهأنذا نادم على ما فعلت فكيف أكفر عن ذنبى؟ قال رسول اللَّه * ذنبك عظيم.
إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فعاملوهم بالحسنى قال: يارسول الله، أأعتقها عقابًا لی
على ما فعلت؟ قال: أهى مؤمنة ليكون لك أجر كبير؟ قال: لا أدرى. قال: ائتنى بها. فأتاه بها، فسألها
رسول اللّه﴿ هل تعبد أوثان الأرض أم تعبد اللَّه؟ قال لها: أين اللَّه؟ قالت فى السماء. قال لها: من
أنا؟ قالت: أنت رسول اللَّه. قال: أعتقها فإنها مؤمنة. فأعتقها.
وفى مجال النهى عن الكلام فى الصلاة يورد الإمام مسلم: (١) حديث عبد الله بن مسعود وقوله:
كنا إذا دخلنا على رسول اللَّه ◌َ* وهو فى الصلاة سلمنا عليه، فكان يرد علينا السلام، فلما رجعنا من
هجرتنا إلى الحبشة من عند النجاشى دخلنا عليه وهو فى الصلاة فسلمنا عليه، فلم يرد علينا السلام،
فلما انتهى من الصلاة قلنا: يا رسول اللَّه، كنا قبل مهاجرتنا إلى الحبشة نسلم عليك وأنت فى الصلاة
فترد علينا، فلما سلمنا عليك اليوم لم ترد علينا. فماذا حدث؟ قال: إن الصلاة ينبغى أن يكون
الاشتغال بها مانعاً من الاشتغال بغيرها، وإن اللَّه قد أحدث من أمره أن لا نتكلم فى الصلاة.
(٢) وحديث زيد بن أرقم الأنصارى وأنه قال: كنا نتكلم فى الصلاة كلام البشر، يكلم الرجل منا
صاحبه الذى بجواره فى أمورهما، حتى نزل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى
وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أى ساكنين خاشعين لا تتكلمون إلا بالتسبيح والتحميد والتكبير
وقراءة القرآن، فأمرنا رسول الله ﴿ بالسكوت ونهانا عن الكلام فى الصلاة.
١٤٤

(٣) وأحاديث جابر بن عبد الله - وأن الرسول ﴿ أرسله فى مهمة، فلما جاء من المهمة - وكان
يعلم أن الكلام فى الصلاة ممنوع - جاء فوجد رسول اللَّه ◌َ على راحلته ووجهه إلى غير القبلة، فسلم
عليه يظن أنه فى غير صلاة. فلم يرد الرسول عليه سلامه، فكلمه فلم يستمع إلى كلامه، فأرخى جابر
سمعه فإذا الرسول يقرأ أو يومئ بالركوع وهو مسنود على راحلته، فلما انتهى ناداه صلى الله عليه
وسلم ماذا فعلت فيما أرسلت فيه؟ فأجابه. قال له رسول الله* ما منعنى من الرد عليك إلا أنى
كنت أصلى.
المباحث العربية
( فرمانى القوم بأبصارهم ) أى نظروا إلى بأبصارهم نظرة استنكار، وفى ((رمانى)) استعارة
تصريحية تبعية، شبه توجيه الأبصار برمى السهم فى قوة تصويبه وشدته، واستعير الرمى للنظر،
واشتق منه رمی بمعنی نظر.
( واثكل أمياه ) ((وا)) حرف ندبة، و((كل)) بضم الثاء، وإسكان الكاف ويفتحهما جميعًا لغتان،
وهو فقدان المرأة ولدها وحزنها عليه لفقده، وهو مندوب فى حكم المنادى، و((أمياه)) بضم الهمزة
وكسر الميم المشددة، وأصله أمى، زيدت عليه ألف الندبة، وأردفت بهاء السكت و((ثكل)) مصدر
مضاف لفاعله والمفعول محذوف، والأصل يا ثكل أمى إياى، أى أدعو وأندب فقد أمى لى وحزنها
على، وهذه الجملة من الجمل التى اعتادتها العرب عند التفجع وأماتوا معناها لكثرة الاستعمال فلم
يقصدوا بها الدعاء بالموت. وفى رواية ((أماه)) بألف الندبة وهاء السكت ويحذف ياء المتكلم.
(ما شأنكم تنظرون إلى)؟ ((ما)) اسم استفهام خبر مقدم، و((شأنكم)) أى حالكم مبتدأ
مؤخر، وجملة ((تنظرون إلى)) حال. والمعنى: أى شىء حصل لكم حالة نظركم إلى؟ والاستفهام
تعجبى إذا كان قد أدرك الخطأ فإنه يتعجب من زيادة الإنكار على ما ينبغى، أو حقيقى إذا لم يكن
قد أدرك خطأه وتكلم هذا الكلام وهو فى الصلاة وهو لا يعرف أن الكلام ممنوع.
( فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ) الظاهر أنهم كانوا فى جلوس، ولما وجدوا
نظرات الاستنكار لم تفد أخذوا يضربون أفخاذهم بأكفهم ويقلبونها تعبيراً عن مزيد الاستنكار
والتعجب قال النووى: وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شىء فى الصلاة.
( فلما رأيتهم يصمتوننى لكنى سكت ) ((يصمتوننى)) بضم الياء وفتح الصاد وتشديد الميم
المكسورة أى يسكتوننى، وجواب ((لما)) المستدرك عليه لكن محذوف والتقدير: فلما رأيتهم
يصمتنونى بهذه الصورة كدت أغضب وأثور لكننى سكت، أى لم أتكلم.
( فبأبى هو وأمى ) متعلق بفعل محذوف تقديره فهو بأبى وأمى أفديه.
١٤٥

( فوالله ما كهرنى ) أى ما انتهرنی، والكهر الانتهار قاله أبو عبيد، وقرأ عبد الله بن مسعود:
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَكْهَرْ، وقيل: الكهر العبوس فى وجه من تلقاه.
(إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شىء من كلام الناس ) أى لا يحل كما جاء فى
بعض الروايات.
( إنى حديث عهد بجاهلية) قال النووى: قال العلماء: الجاهلية ما قبل ورود الشرع، سموا
جاهلية لكثرة جهالتهم وفحشهم. اهـ
( ذاك شىء يجدونه فى صدورهم ) أى التطير انقباض أو انبساط يجدونه فى صدورهم
نتيجة وأثرًا لرؤية شىء أو سماع شىء لا يقدرون على دفعه من الصدور.
( فلا يصدنهم ) أى لكن الممنوع شرعاً أن يؤثر هذا على تحركاتهم، وفى ذلك يقول صلى اللّه
عليه وسلم ((إذا تطيرت فلا ترجع)) عما كنت تقصده قبل التطير.
( قال ابن الصباح: فلا صدنكم ) أصل السند: حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وأبو بكر
ابن أبى شيبة، وتقاريا فى لفظ الحديث قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن حجاج الصواف عن
يحيى بن أبى كثير عن هلال بن أبى ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم
السلمى ... الحديث.
فرواية ابن الصباح بأسلوب الخطاب ((فلا يصدنكم)) ورواية ابن أبى شيبة بأسلوب
الغيبة ((فلا يصدنهم)».
( ومنا رجال يخطون ) خطوطًا فى الرمل أو غيره للتنجيم. وسيأتى الحكم والشرح
فى فقه الحديث.
(قبل أحد والجوانية ) ((قبل)) بكسر القاف وفتح الباء أى جهة، و(الجوانية)) بفتح الجيم
وتشديد الواو وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء مشددة. قال النووي: هكذا ضبطناه، وحكى عن بعضهم
تخفيف الياء، والمختار التشديد والجوانية موضع بقرب أحد فى شمال المدينة.
( وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون) («آسف» بمد وفتح السين مضارع أسف، أى
أغضب كما يغضبون.
( لكنى صككتها صكة) أى لطمتها. قال علماء اللغة: ((لكن)) لابد أن يتقدمها كلام مناقض
لما بعدها، نحو ما هذا ساكنًا لكنه متحرك، أو ضد له، نحو ما هذا أبيض لكنه أسود، وظاهر الأسلوب
هنا جرى على غير ذلك. ويمكن أن يكون الاستدراك على محذوف والتقدير: أغضب كما يغضبون،
وكان ينبغى إسلامًا أن أكظم غيظى لكنى صككتها، و((صكة)) لإفادة المرة، أى صكة واحدة والتنكير
فيها للتعظيم والتهويل.
١٤٦

(فأتيت رسول اللَّه# فعظم ذلك على) ليس المراد أنه جاء بهذا الكلام إلى النبى 8# قبل
هذا المجلس، وإنما المراد فعلت كذا وكذا فجئتك اليوم لتقول ما ترى فى هذا الفعل، فعظم رسول الله
* هذا الفعل وجعله كبيراً وأنكره إنكارًا شديدًا.
( أفلا أعتقها ) بضم الهمزة من ((أعتق)) أى جزاء لى على صكها؟.
( كنا نسلم على رسول الله﴿ وهو فى الصلاة) أى ونحن قادمون خارج الصلاة.
( فلما رجعنا من عند النجاشى ) كان رجوع ابن مسعود من الحبشة من عند النجاشى
بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين كما قيل.
( إن فى الصلاة شغلا) قال النووى: معناه أن المصلى وظيفته أن يشتغل بصلاته فيتدبر ما
يقوله ولا يعرج على غيرها، فلا يرد سلامًا ولا غيره. اهـ. أى إن فى الصلاة شغلا كافيًا عن غيره.
(وقوموا للَّه قانتين) قيل: معناه مطيعين، وقيل: ساكنين، وقيل: ساكتين وهو أنسب
المعانى للمراد.
( فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ) ذكر ((ونهينا عن الكلام»، بعد ما قبلها ظاهرها أن
الأمر بالشىء ليس نهيا عن ضده، وهى مسألة أصولية مختلف فيها.
(وهو موجه حينئذ قبل المشرق) ((موجه)) بكسر الجيم المشددة، أى موجه وجهه وراحلته
جهة المشرق وليس إلى جهة القبلة.
( فقال لى بيده هكذا ) فيه استعمال القول مكان الفعل، والأصل ففعل لى بيده هكذا.
(وأومأ زهير بيده ) أصل السند: حدثنا أحمد بن يونس. حدثنا زهير. حدثنى أبو الزبير عن
جابر قال ... الحديث. فالقائل ((وأومأ زهير بيده، الراوى عن زهير. أحمد ابن يونس.
فقه الحديث
ظاهر الرواية الثالثة وفيها ((عن زيد بن أرقم كنا نتكلم فى الصلاة ... )) إلخ أن تحريم الكلام فى
الصلاة كان بالمدينة بعد الهجرة، لأن زيد بن أرقم مدنى وهو يخبر أنهم كانوا يتكلمون خلف الرسول
* فى الصلاة إلى أن نهوا، ويؤيد هذا الظاهر اتفاق المفسرين على أن قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ
قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] نزلت بالمدينة.
ولكن هذا الظاهر مشكل مع حديث ابن مسعود [روايتنا الثانية] وفيه أنه لما رجع من الحبشة
كان تحريم الكلام فى الصلاة، وكان رجوعه من الحبشة قبل الهجرة قطعاً.
وقد حاول العلماء رفع هذا الإشكال فقال ابن حبان: إن زيد بن أرقم كان من الأنصار الذين
١٤٧

أسلموا وصلوا قبل الهجرة، وكانوا يصلون بالمدينة كما يصلى المسلمون بمكة فى إباحة الكلام فى
الصلاة لهم، فلما نسخ ذلك بمكة نسخ بالمدينة، فحكى زيد ما كانوا عليه، ورد بعض العلماء هذا القول
بإيراد قول زيد فى رواية الترمذى ((كنا نتكلم خلف رسول اللّه ﴿ فى الصلاة)) فقوله ((خلف رسول
اللَّه)) يدل على أن الكلام كان مباحاً بالمدينة إذ لم يصل زيد خلف رسول اللَّه إلا بالمدينة.
ودفع بعضهم الإشكال بأن قول الرسول {$ ((إن فى الصلاة شغلا)» فى حديث ابن مسعود كان
اجتهادًا منه صلى الله عليه وسلم، وأوحى إليه بتحريم الكلام عند نزول الآية المذكورة بالمدينة. وهذا
القول بعيد عن الصواب إذ يستحيل أن يعمل ويأمر غيره أن يعملوا باجتهاده سنوات حتى
ينزل القرآن.
ودفع بعضهم الإشكال بأن الكلام نسخ بمكة ثم أبيح ثم نسخت الإباحة بالمدينة، وهذا قول لا
يلتفت إليه لأنه قول بتكرير النسخ بدون دليل.
ودفع بعضهم الإشكال بأن زيداً أراد أن يحكى ما كان يفعل المسلمون، لا ما كان يفعله هو، كما
يقول القائل: فعلنا كذا وهو يريد بعض قومه، وهذا قول بعيد.
ودفع بعضهم الإشكال بترجيح حديث ابن مسعود والمصير إليه والسكوت عن حديث زيد، حكاه
ابن سريج والقاضى أبو الطيب، وهذا غير مقبول لأن فيه أخذاً بحديث وتركًا لآخر والجمع بين
الحديثين مع العمل بهما خير من الترجيح ولا يصار إليه إلا إذا لم يمكن الجمع.
والذى يظهر لى أن حديث زيد رواه الجماعة إلا ابن ماجه، وحديث ابن مسعود متفق عليه، وليس
من السهل أن يرد أحد الحديثين، وإذا تأملنا حديث ابن مسعود وجدناه لا يحمل نهياً للصحابة عن
الكلام، وكل ما فيه أنه لم يرد وأنه قال إن الصلاة تشغله صلى الله عليه وسلم عن الكلام. وهذا غير
صريح فى نهى الأمة عن الكلام فى الصلاة. بخلاف حديث زيد فإنه صريح بالنهى عن الكلام فى
الصلاة بالمدينة، فلا تعارض بين الحديثين، ونسخ ما كان من جواز الكلام فى الصلاة كان
بالمدينة. والله أعلم.
فإن قيل: إن لابن مسعود رواية عند أحمد والنسائى وفيها (( ... فسلمنا عليه فلم يرد، فأخذنى ما
قرب وما بعد حتى قضوا الصلاة، فسألته، فقال: إن اللَّه يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من
أمره أن لا نتكلم فى الصلاة)) أجيب بأن العراقى قال عن هذه الرواية: إنها لا تقاوم الرواية الأولى
للاختلاف فی راویھا.
أما حكم الكلام فى الصلاة فيمكن تقسيم كلام المصلى إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتكلم عامداً بكلام ليس فى مصلحة الصلاة، فتبطل صلاته بالإجماع، نقل الإجماع فيه
ابن المنذر وغيره لحديث معاوية بن الحكم [روايتنا الأولى] وفيه ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شىء
من كلام الناس)) وحديث ابن مسعود [روايتنا الثانية] وحديث جابر [روايتنا الرابعة والخامسة
والسادسة] وحديث زيد بن أرقم [روايتنا الثالثة] وغيرها من الأحاديث.
١٤٨

الثانى: أن يتكلم عامداً بكلام هو فى مصلحة الصلاة ((كأن يقوم الإمام إلى خامسة فيقول
المأموم: صليت أربعاً. أو نحو ذلك. ومذهب الشافعية وجمهور العلماء أنها تبطل، وقال الأوزاعى لا
تبطل، وهى رواية عن مالك وأحمد لحديث ذى اليدين، فقد حصل كلام بين الرسول8# وبين ذى
اليدين وبنى رسول اللَّه على ما صلى وأكمل النقص، ودليل الجمهور عموم الأحاديث الصحيحة
فى النهى عن الكلام، ولقوله صلى الله عليه وسلم ((من نابه شىء فى صلاته فليسبح الرجال وليصفق
النساء)» ولو كان الكلام لمصلحة الصلاة مباحاً لكان أسهل وأبين من التسبيح والتصفيق وأما حديث
ذى اليدين فإن ما وقع فيه من كلام كان خارج الصلاة وبعد السلام.
الثالث: أن يتكلم ناسياً ولا يطول كلامه فمذهب الشافعية والمالكية وأحمد فى رواية أنها لا
تبطل، وكذا الجاهل بالحكم، ومن أدلتهم حديث معاوية بن الحكم [روايتنا الأولى] فإنه تكلم جاهلا
بالحكم ولم يأمره النبى 8 بالإعادة. ومذهب أبى حنيفة وأحمد فى رواية أنها تبطل ودليلهم عموم
الأحاديث المذكورة فى الباب، وعدم ورود الأمر لمعاوية بالإعادة لا يصلح دليلا لجواز أنه أمره
ولم يبلغنا.
وإذا تركنا كلام الناس، وبحثنا الكلام بذكر أو دعاء وجدنا الإمام النووى يقول: الكلام المبطل
للصلاة هو ما سوى القرآن والذكر والدعاء ونحوها، فأما القراءة والذكر ونحوها فلا تبطل الصلاة بلا
خلاف عندنا، فلو أتى بشىء من نظم القرآن بقصد القرآن فقط أو بقصد القراءة مع غيرها كتنبيهه
جماعة بالإذن بالدخول فقرأ ﴿ادْخُلُوهَا بسلام آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] أو استؤذن فى أخذ شىء فقرأ
﴿يَايَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] وما أشبه ذلك فهذا كله لا يبطل الصلاة سواء قصد القراءة أو
القراءة مع الإعلام، أما إن قصد الإعلام وحده فتبطل. اهـ
هذا مذهب الشافعية ورواية عن أحمد، وعند الحنفية ورواية عن أحمد تبطل صلاته لأنه خطاب
آدمی، فأشبه ما لو کلمه.
وإذا أرتج على الإمام ففتح المأموم عليه لا يضر عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: تبطل الصلاة به.
وإن كلمه إنسان وهو فى الصلاة فأراد أن يعلم أنه فى صلاة، أوسها الإمام فأراد أن يعلمه السهو
استحب له إن كان رجلا أن يسبح، وتصفق المرأة بأن تضرب ظهر كفها الأيمن على بطن كفها
الأيسر. هذا مذهب الشافعية وأحمد، وقال مالك تسبح المرأة أيضاً، ووافقنا أبو حنيفة إذا قصد
المصلى بذلك شيئاً من مصلحة الصلاة، ومنعه إذا لم يكن فى مصلحة الصلاة وقال ببطلانها حينئذ.
ولو قرأ قرآنا أو ذكرًا من سبب غير الصلاة ومن غير تنبيه الآدمى، كأن يعطس فيحمد الله، أو يرى
عجباً فيقول: سبحان اللَّه. أو يسمع أن قد ولد له غلام فيقول: الحمد للّه، أو يقال له: سرق بيتك
فيقول: لا حول ولا قوة إلا باللّه، أو يقال له: مات أخوك، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فهذا كله لا
يبطل الصلاة عند الشافعى ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: تفسد صلاته لأنه كلام آدمى.
وإذا سلم على المصلى لم يكن له رد السلام كما يؤخذ من الرواية الثانية والرابعة والسادسة من
١٤٩

روايات الباب، فإن فعل بطلت صلاته، يقول بذلك مالك والشافعى وأحمد وأبو حنيفة، لأنه كلام
آدمى فأشبه تشميت العاطس الوارد فى الرواية الأولى من الباب، وهل يرد السلام بالإشارة؟ يجيز
ذلك مالك والشافعى وأحمد، والأحسن أن ينتظر بالرد حتى يفرغ من الصلاة، أما كيفية الإشارة
الواردة فقد روى صهيب قال. مررت برسول اللّه* وهو يصلى فسلمت عليه وكلمته، فرد إشارة. قال
بعض الرواة: فرد إشارة بإصبعه. وعن ابن عمر قال: خرج رسول اللَّه﴿ إلى قباء، فصلى فيه، قال:
فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلى، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول اللَّهُ ل# يرد عليهم حين
كانوا يسلمون عليه وهو يصلى؟ قال يعقوب: هكذا. وبسط يعنى كفه، وجعل بطنه أسفل، وظهره إلى
فوق، قال الترمذى: كلا الحديثين صحيح رواهما أبو داود.
وهل يسن لمن دخل على قوم يصلون أن يسلم عليهم؟ نعم قال بذلك بعض العلماء. قال النووي:
وأما ابتداء السلام على المصلى فمذهب الشافعى أنه لا يسلم عليه، فإن سلم لم يستحق جواباً. وقال
به جماعة من العلماء، وعن مالك روايتان، إحداهما كراهة السلام والأخرى جوازه. هذا. والضحك.
والتأوه والنحنحة إن بان منها حرفان بطلت الصلاة عند الجمهور، وفى كتب الفروع تفصيلات كثيرة
يضيق المقام بذكرها، فمن أرادها فليرجع إليها.
ويؤخذ من روايات الباب فوق ما تقدم
١- النهى عن تشميت العاطس فى الصلاة. قال النووي: وتفسد به الصلاة إذا أتى به عالماً عامداً. قال
أصحابنا: إن قال: يرحمك الله بكاف الخطاب بطلت صلاته، وإن قال: يرحمه الله أو اللَّهم
ارحمه لم تبطل صلاته، لأنه ليس بخطاب. اهـ، والأصوب القول ببطلان الصلاة خاطب أولم
يخاطب ما دام مشمتا لعاطس.
٢- قال النووى: وفى الحديث دليل على أن من حلف ألا يكلم الناس فسبح أو كبر أو قرأ
قرآنًا لا يحنث.
٣- قال النووى: وفيه دلالة لمذهب الشافعى والجمهور أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة
وجزء منها، وقال أبو حنيفة: ليست منها، بل هى شرط خارج عنها متقدم عليها. اهـ، والحديث
حقًّا ضد أبى حنيفة، لكنه لا يدل على أن تكبيرة الإحرام فرض، فعبارة الحديث ((إنما هو
التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)) وهذه العبارة لا تنص على تكبيرة الإحرام أو غيرها، وهى تجمعها
مع التسبيح وليس فرضاً، فاستدلال النووى بها غير واضح.
٤ - قال النووى: وفى ضربهم على أفخاذهم دليل على جواز الفعل فى الصلاة، ولا تبطل به الصلاة، وأنه
لا كراهة فيه إذا كان لحاجة. اهـ، وليس مقصود النووى أن ما فعلوه لا كراهة فيه اليوم فمن
المعلوم أن ما فعلوه قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شىء فى صلاته، فمقصود النووى أن الفعل
القليل إذا لم يغن عنه التسبيح وكان لحاجة لا يكره، كما إذا لم يمتنع الماربين يدى المصلى
بالتسبيح فلا يكره منعه باليد.
١٥٠

٥- وفيه بيان ما كان عليه رسول اللّه # من عظيم الخلق والرفق بالجاهل ورأفته بأمته
وشفقته عليهم.
٦- وفيه النهى عن إتيان الكهان. قال النووى: قال العلماء: إنما نهى عن إتيان الكهان لأنهم يتكلمون
فى مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة، فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، لأنهم يلبسون
على الناس كثيرًا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهى عن إتيان الكهان
وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحلوان، وهو حرام بإجماع المسلمين: قال
البغوى: اتفق أهل العلم على تحريم حلوان الكاهن، وهو ما أخذه المتكهن على كهانته، لأن فعل
الكهانة باطل، لا يجوز أخذ الأجرة عليه، وقال الماوردى فى الأحكام السلطانية: ويمنع المحتسب
الناس من التكسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطى، وقال الخطابى: وحلوان العراف
حرام أيضًا، قال: والفرق بين العراف والكاهن أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن فى
المستقبل، ويدعى معرفة الأسرار، والعراف يتعاطى معرفة الشىء المسروق ومكان الضالة
ونحوهما، وقال الخطابى أيضاً فى حديث ((من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد برئ مما أنزل
اللَّه على محمد ﴿)). قال: كان فى العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور، فمنهم من
كان يزعم أن له رئيا من الجن يلقى إليه الأخبار، ومنهم من يدعى استدراك ذلك بفهم أعطيه،
ومنهم من يسمى عرافا، وهو الذى يزعم معرفة الأمور بمقدمات أسباب استظل بها كمعرفة من
سرق الشىء الفلانى، ومعرفة من يتهم به المرأة، ونحو ذلك، ومنهم من يسمى المنجم كاهنا. قال:
والحديث يشتمل على النهى عن إتيان هؤلاء كلهم والرجوع إلى قولهم وتصديقهم فيما يدعونه. قال
النووى: هذا كلام الخطابى، وهو نفيس. اهـ
٧- وفى الحديث أن ما يقع فى الصدر من التطير لا إثم فيه ولكن المنهى عنه العمل به والامتناع عن
التصرف بسببه، وأحاديث النهى عن الطيرة محمولة على النهى عن العمل بها، لاعلى ما يوجد فى
النفس من غير عمل على مقتضاها.
٨- وفى الخط الوارد فى هذا الحديث يقول النووى: اختلف العلماء فى معناه، فالصحيح أن معناه
من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقينى بالموافقة، فلا يباح، والمقصود
أنه حرام، لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، وإنما قال النبى {ُ₪ ((فمن وافق
خطه فذاك)) ولم يقل: هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهى يدخل
فيه ذاك النبى الذى كان يخط، فحافظ النبى # على حرمة ذلك النبى مع بيان الحكم فى حقنا،
فالمعنى أن ذلك النبى لا منع فى حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها.
وقال الخطابي: هذا الحديث يحتمل النهى عن هذا الخط إذا كان علماً لنبوة ذلك النبى وقد
انقطعت، فنهينا عن تعاطى ذلك. وقال القاضى عياض: المختار أن معناه أن من وافق خطه
فذاك الذى يجدون إصابته فيما يقول، لا أنه أباح ذلك لفاعله، قال: ويحتمل أن هذا نسخ فى
شرعنا. فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهى عنه الآن. اهـ
١٥١

وكل هذه التوجيهات غير مقنعة فى الاستدلال بالحديث على الحرمة والمنع فليس اللفظ كاللفظ
فى إتيان الكاهن مثلا، إذ كان من الممكن أن يقول: لا تأتهم، أو لا ينبغى أن يخطوا. بل ذكر
النبى وخطه يرجح عندى أن الحديث يبيح ويخوف، وربما كان هذا أسلوب تشريع تدريجى
كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ [البقرة: ٢١٩]
وكأنه يقول: الخط نفسه لا يعلم الغيب، ولئن كان نبى آتاه الله بعض الغيب بوسيلة الخط فلستم
أنبياء، فما يقوله من يخط رجم بالغيب فما وافق منه الواقع وافق صدقه. فلا تكترثوا به ولا بما
يقول. ثم نهى عن الخط وغيره من وسائل أدعياء علم الغيب منعاً قاطعاً والقول الآن بحرمته
باتفاق العلماء.
٩- وعن قوله ((وكانت لى جارية ترعى غنما لى)) قال النووى: فيه دليل على جواز استخدام السيد
جاريته فى الرعى، وإن كانت تنفرد فى المرعى [أخذ ذلك من عدم إنكار النبى {8 على قوله] ثم
قال: وإنما حرم الشارع مسافرة المرأة وحدها، لأن السفر مظنة الطمع فيها وانقطاع ناصرها
والذاب عنها وبعدها منه، بخلاف الراعية، ومع هذا فإن خيف مفسدة من رعيها لريبة فيها أو
لفساد من يكون فى الناحية التى ترعى فيها أو نحو ذلك لم يسترعها، ولم تمكن الحرة ولا الأمة
من الرعى حينئذ، لأنه حينئذ يصير فى معنى السفر الذى حرم الشرع على المرأة، فإن كان معها
محرم أو نحوه ممن تأمن على نفسها فلا منع حينئذ كما لا يمنع من المسافرة فى هذا الحال. اهـ
١٠- يؤخذ من قوله ((فعظم ذلك على)) حسن معاملة الإسلام للخدم والإماء، والدعوة إلى الحسنى مهما
قصر المخطئ، فالجارية بحكم العادة لابد أنها قصرت فى جمع الشياه فإنما يأكل الذئب من
الغنم القاصية. ومع ذلك عنف الرسول 83# سيدها لصكه لها صكة واحدة. وحبب إليه عتقها.
١١- ويؤخذ منه مشروعية القول بأن اللَّه فى السماء، فقد قبله منها صلى اللّه عليه وسلم: وصدق اللَّه
العظيم إذ يقول: ﴿أَأَّمِنْتُمْ مَن فِى السَّمَاءِ .. ﴾ [الملك: ١٦-١٧] ﴿وَهُوَ الَّذِى فِى السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِى
الأَرْض إِلَةٌ ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقد علم الرسول :﴿ من قولها «فى السماء)» أنها موحدة، وليست من
عبدة الأوثان.
١٢- ويؤخذ من قوله ((أعتقها فإنها مؤمنة)) أن الكافر لا يصير مؤمنا إلا بالإقرار باللّه تعالى ورسوله
*. قال النووي: ولعله يقصد صيرورته مؤمنا بالنسبة لأحكام الدنيا، أما بالنسبة لما عند الله
فالإيمان التصديق بالقلب بذلك.
١٣- وأن من أقر بالشهادتين واعتقد ذلك جزما كفاه ذلك فى صحة إيمانه وكونه من أهل القبلة
والجنة، ولا يكلف مع هذا إقامة الدليل والبرهان على ذلك، ولا يلزمه معرفة الدليل، قال النووى:
وهذا هو الصحيح الذى عليه الجمهور.
١٤- وأن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر: وأجمع العلماء على جواز عتق الكافر فى غير
١٥٢

الكفارات، وأجمعوا على أنه لا يجزئ الكافر فى كفارة القتل كما ورد به القرآن، واختلفوا فى
كفارة الظهار واليمين والجماع فى نهار رمضان، فقال الشافعى ومالك والجمهور: لا يجزئه إلا
مؤمنة حملا للمطلق على المقيد فى كفارة القتل، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يجزئه للكافر
للإطلاق، لأنها تسمى رقبة.
١٥- ويؤخذ من الرواية الرابعة من قوله ((فسلمت عليه فأشار إلى)) أن السلام بالإشارة الخفيفة فى
الصلاة لا تضر خلافاً لأبى حنيفة وقد مرالحكم قريباً.
١٦ - ومن قوله فى الرواية الخامسة والسادسة ((إنه لم يمنعنى أن أكلمك ... إلخ)) أنه ينبغى لمن سلم
عليه ومنعه من رد السلام مانع، أو كلمه متكلم ومنعه من إجابته مانع أن يعتذر ويبين المانع،
لإزالة ما قد يحاك بصدر المسلم من الأفكار.
١٧ - ويؤخذ من الرواية السادسة جواز النافلة فى السفر على الراحلة حيث توجهت به، قال النووي:
وهو مجمع عليه.
١٨ - يؤخذ من قوله فى الرواية السادسة ((بعثنى فى حاجة)) حرص الصحابة على كتمان السر
والمحافظة عليه وعدم إفشائه. لذا لم يبين المأمورية التى أسندت إليه.
والله أعلم
١٥٣

(٢٠٢) باب جواز لعن الشيطان فى أثناء الصلاة
والتعوذ منه وجواز العمل القليل فى الصلاة
١٠٢٦ - ٣٩ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ ﴾(٣٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ«إِنَّ عِفْرِيْتًا مِنْ الْجِنِّ جَعَلَ
يَقْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمْكَتِى مِنْهُ فَذَعَتْهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ
إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى الْمَسْجِدِ حَتّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ (أَوْ كُلُّكُمْ) ثُمَّ
ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِى سُلَيْمَان: رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى. فَرَدَّهُ اللَّهُ
خَاسًِا». وقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ: شُعْبَةُ عَنٍ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ.
١٠٢٧ - ١٠ عَنِ شُعْبَةً(١٠) فِى هَذَا الإِسْنَادِ وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَوْلُهُ: فَذَعَتْهُ وَأَمَّا ابْنُ
أَبِى شَيْئَةً فَقَالَ فِى رِوَايَتِهِ: فَدَعَتْهُ.
١٠٢٨ - ٤٠ عَنِ أَبِى الدَّرْدَاءِ تَ﴾(٤١) قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِلَ فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ
مِنْكَ» ثُمَّ قَالَ: «أَلْعَنُكَ بِلَغْنَة اللَّهِ) ثَلاثًا. وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلاةِ
قُلْنَا: يَارَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِى الصَّلاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَرَأَيْنَاكَ
بَسَطْتَ يَدَكَ. قَالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارِ لِيَجْعَلَهُ فِى وَجْهِى. فَقُلْتُ: أَعُوذُ
بِاللَّهِ مِنْكَ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعُنُكَ بِلَغَّةِ اللَّهِ النَّامَّةِ. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ
أَرَدْتُ أَخْذَهُ. وَاللَّهِ لَوْلا دَعْوَةُ أَخِينًا سُلَيْمَانَ لِأَصْبَحَ مُوتَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَاهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ».
المعنى العام
الجن خلق من خلق الله يعيش معنا على هذا الكوكب، يرانا من حيث لا نراه، شاء الله فى خلقته
أن يكون قادرًا على التشكل بأشكال مختلفة، إذا قدر لابن آدم أن يراه، فإذا ظهر بصورة وقبض عليه
فيها لم يستطع الخروج منها والرجوع إلى أصل خلقته بل تحكم عليه الصورة حتى يطلقه القابض
عليه، وقل أن يراه إنسان خلا سيدنا سليمان عليه السلام وبعض أهل عصره. فقد سخر الله له
الشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين فى الأصفاد، حكمه اللّه فى الجن فسخر منهم فى البناء
(٣٩) حَدََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالا أَخْبُرْنَا النَّصْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَخْبُرَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ زِيّادٍ قَالَ
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ تَّقُولُ
(١٠) ح حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدََّا مُحَمَّدٌ هُوّ ابْنُ جَعْفَرِ قَالَ حِ وَحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْبَةً حَدَّثَنَا شَبَابَةُ كِلاهُمَا عَنٍ شُعْبَةً
(٤٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَّهْبٍ عَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ يَقُولَ حَدَّقَتِى رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ أَبِىَ إِذْرِيسَ
الْخَوْلانِيِّ عَنِ أَبِى الدَّرْدَاءِ
١٥٤

والغوص فى البحار لإخراج الجواهر والكنوز ما سخر، وحبس منهم وقيد ما حبس وما قيد، وقد رآهم
رسول اللّه # مرات وقرأ عليهم القرآن فى مكة، وآمن بعض الجن برسالته كما ثبت فى القرآن
والحديث، وروى أن أبا هريرة له قد رآه فى صورة لص سارق وأمسكه ثم أطلقه، وفى هذا الحديث
الشريف يحدثنا رسول اللّه* عن متمرد من الجن حاول شغله عن الصلاة وإخراجه منها، فتمثل له
وهو فى صلاته فى صورة قط يحمل فى يده صاروخًا من نار يشرعه فى وجه الرسول الكريم وهو يؤم
الناس ليلا، فقال صلى الله عليه وسلم بصوت سمعه بعض المصلين معه: أعوذ بالله منك. أعوذ بالله
منك. أعوذ بالله منك. ألعنك بلعنة اللّه التامة. ألعنك بلعنة اللّه التامة - يشير إلى قوله تعالى مخاطبًا
أبليس ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] وأمكن اللّه رسوله من هذا المتمرد، فلم
يستأخر وقفّز فى وجه الرسول، فقبض عليه وخلقه خنقًا شديدًا حتى خرج لسانه وأحس صلى الله
عليه وسلم برد لسانه على يده، وهم أن يربطه فى أحد أعمدة المسجد حتى يراه الناس ويلعب به
صبيان المدينة. لكنه ذكر أن التحكم فى الجن كان ملك أخيه سليمان عليه السلام، الذى سأل الله
تعالى أن لا يكون هذا الملك لأحد من بعده فرأى صلى اللّه عليه وسلم تواضعًا وأدبًا مع أخيه سليمان
أن يترك له هذه الجزئية من الملك وأن لا يشاركه فيها، فدفع المتمرد دفعًا شديدًا بعيدًا، فهرب
خاسئًا ذليلا، وقد رأى الصحابة المصلون معه تحركات يده بعد سماعهم استعاذته ولعنته للشيطان
فسألوه عما رأوا وسمعوا، فحكى لهم ما رأى وما قال، وما هم به وما رجع عنه وما فعله، صلوات الله
وسلامه عليه، ورضى الله عن صحابته أجمعين.
المباحث العربية
(إن عفريتًا من الجن ) قال ابن الحاجب وزنه فعليت من عفر، وفى المحكم: عفريت بين
العفارة خبيث منكر، وقال الزجاج: العفريت النافذ فى الأمر المبالغ فيه من خبث ودهاء، والجن نوع
من العالم، والجمع جنان وهم الجنة، والجنى منسوب إلى الجن، قال ابن دريد: الجن خلاف الإنس،
وكل شيء استترفقد جن عنك، وقال ابن عقيل: إنما سمى الجن جنًا لاستجنانهم واستثارهم عن
العيون، ومنه سمى الجنين جنيناً، فالمعنى المراد: إن متمردًا خبيثًا من الجن.
( جعل يفتك على البارحة) ((الفتك)) الأخذ فى غفلة وخديعة، وفى رواية البخارى ((تفلت
على البارحة)) أى تعرض لى فلتة أى بغتة، وفى المحكم أفلت الشيء إذا أخذ بغتة فى سرعة،
و((البارحة)) أقرب ليلة مضت، ويقال لكل زائل بارح، والبارحة منصوب على الظرفية.
(فذعته) بذال معجمة وتخفيف العين، وبعدها تاء مشددة، أى خنقته، وفى رواية ((فدعته))
بالدال بدل الذال، ومعناه دفعته شديدًا، والدعت والدع الدفع الشديد، قال النووى: والمعجمة [أى رواية
الذال] أوضح وأشهر.
١٥٥

( فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد ) السارية هى
الأسطوانة أى العمود المستدير.
( حتى تصبحوا ) أى تدخلوا فى الصباح، فهى تامة لا تحتاج إلى خبر.
( تنظرون إليه أجمعون - أوكلكم) ((أجمعون)) أو ((كلكم)) تأكيد للضمير المرفوع
فى ((تنظرون)).
( قول أخى سليمان ) الأخوة بينهما بحسب أصول الدين.
( فرده اللّه خاسئًا) أى ذليلا صاغرًا مطرودًا مبعدًا، يقال: خسأت الكلب طردته، وخسأ
الكلب يخسأ ذل.
( ألعنك بلعنة الله التامة) قال النووي: قال القاضى: يحتمل تسميتها تامة أى لا نقص
فيها، ويحتمل الواجبة له المستحقة عليه أو الموجبة عليه العذاب سرمدا.
( يلعب به ولدان أهل المدينة ) قال النووى: المراد من الولدان الصبيان.
فقه الحديث
قال النووى: فى الحديث دليل على أن الجن موجودون، وإنهم قد يراهم بعض الآدميين، وأما قول
اللّه تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فمحمول على الغالب، فلو
كانت رؤيتهم محالا لما قال النبى # ما قال من رؤيته إياه، ومن أنه كاد يربطه لينظروا كلهم إليه
ويلعب به ولدان أهل المدينة. قال القاضى: وقيل: إن رؤيتهم على خلقهم وصورهم الأصلية ممتنعة
لظاهر الآية، إلا للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن خرقت له العادة. وإنما يراهم بنو
آدم فى صور غير صورهم كما جاء فى الآثار. قال النووي: هذه دعوى مجردة فإن لم يصح لها مستند
فهى مردودة. قال الإمام أبو عبد الله المازرى: الجن أجسام لطيفة روحانية فيحتمل أنه تصور بصورة
يمكن ربطها معها، ثم يمتنع من أن يعود إلى ما كان عليه حتى يتأتى اللعب به. اهـ ويؤيد هذا القول
رواية عبد الرزاق ((عرض لى فى صورة هر)).
وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم ((ثم ذكرت قول أخى سليمان إلى آخره ... )) أنه صلى الله عليه
وسلم كان قادرًا على ربطه، وكان ربطه ممكنا لكنه صلى اللّه عليه وسلم تركه ليحقق لسليمان عليه
السلام استجابة دعوته، ويبدولى أن ذلك لم يكن يؤثر فى دعوة سليمان، فملك سليمان كان أكبر
بكثير من التحكم فى جنى واحد متفلت فقد كان الجن والريح مسخرين له وعلم لغة الطير وسخر
الطيرله وأوتى من كل شىء، ودعوته أن يكون هذا الملك الواسع خاصًا به لا يعطى لغيره، وهذا
لا يمنع من حصول الغير على بعضه، وما قيمة التحكم فى جنى بجوار هذا الذى كان لسليمان، وأعتقد
١٥٦

أن ذلك من النبى# زيادة تقدير وأدب لأخيه سليمان عليهما وعلى جميع الأنبياء السلام. ولست مع
القاضى عياض فى قوله: معناه أنه مختص بهذا فامتنع صلى الله عليه وسلم من ربطه، إما لأنه لم
يقدر عليه لذلك، وإما لكونه لما تذكر ذلك لم يتعاط ذلك لظنه أنه لم يقدر عليه. اهـ
قال النووى: وفى الحديث دليل لجواز دعاء المصلى لغيره وعلى غيره بصيغة المخاطبة لقوله فى
الحديث ((ألعنك بلعنة الله)) ثلاثًا. وجمهور العلماء على خلافه والأحاديث السابقة فى الباب الذى
قبله فى السلام على المصلى تؤيد الجمهور ويحمل هذا الحديث على أنه كان قبل تحريم الكلام فى
الصلاة. واستدل بهذا الحديث أن العمل القليل لا يبطل الصلاة أخذاً من دعه صلى الله عليه وسلم
للعفريت، وليس من محاولة ربطه لأنه يحتمل أن يكون ربطه بعد تمام الصلاة.
ومن قوله ((والله لولا دعوة أخى سليمان ... )» أخذ جواز الحلف من غير استحلاف لتفخيم ما يخبر
به الإنسان وتعظيمه والمبالغة فى صحته وصدقه. قال النووي: وقد كثرت الأحاديث بمثل هذا.
واستدل به البخارى على جواز ربط الأسير والغريم بالمسجد، وقال المهلب: إن فى الحديث جواز
ربط من خشى هروبه بحق عليه أودين والتوثق منه فى المسجد أو غيره.
وقال العينى: فى الحديث دليل على أن الجن ليسوا باقين على عنصرهم النارى، لأنه صلى اللّه
عليه وسلم قال ((إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله فى وجهى)) ولو كانوا باقين على
عنصرهم النارى وأنهم نار محرقة لما احتاجوا إلى أن يأتى الشيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار،
ولكانت يد الشيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه كما تحرق الآدمى النار
الحقيقية بمجرد اللمس، فدل على أن تلك النارية انغمرت فى سائر العناصر حتى صار إلى البرد،
ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((حتى وجدت برد لسانه على يدى)).
والله أعلم
١٥٧

(٢٠٣) باب جواز حمل الصبيان فى الصلاة
وأن ثيابهم محمولة على الطهارة حتى تتحقق نجاستها
وأن الفعل القليل لا يبطل الصلاة وكذا إذا فرق الأفعال
١٠٢٩ - ٤٢١ُ عَنِ أَبِى قَتَادَةَ عَُّ(٤١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ كَانَ يُصَلِّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةً بِنْتَ
زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَلِأَّبِى الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا؟ قَالَ
يَحْبَى: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ.
١٠٣٠ - ٤٢٣ْ عَنِ أَبِى قَادَةَ الأَنْصَارِيِّرَ﴾(٤٢) قَالَ رَأَيْتُ الَِّيَّلَ﴿ه ◌َؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِى الْعَاصِ
وَهِيَ ابْنَةُ زَيْتَبَ بِنْتِ النَِّّ ﴿ عَلَى عَاتِهِ فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا وَإِذَا رَفَعَ مِنْ السُّجُودِ أَعَادَهَا.
١٠٣١ - ٤٣ْ عَنِ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّرَ﴾ (٤٣) قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ،﴿ يُصَلَّى لِلَّاسِ وَأُمَامَةُ
بِنْتُ أَبِى الْعَاصِ عَلَى عُقِهِ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا.
١٠٣٢ - لْ عَنِ أَبِى قَتَادَةَ عَ﴾(١١) قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِى الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ
اللَّهِلَّ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنْهُ أَمَّ النَّاسَ فِى ◌ِلْكَ الصَّلاةِ.
المعنى العام
أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف من رجال مكة المعدودين مالا
وأمانة وتجارة، وأمه هدلة وقيل هند بنت خويلد أخت خديجة زوج النبى وُ ل# لأبيها وأمها، ومن
المعلوم أن خديجة ولدت لرسول اللّه * ثلاثة من الذكور ماتوا جميعاً أطفالا وولدت له أربع إناث
كبرا هن زينب وصغرا هن فاطمة وبينهما رقية وأم كلثوم.
أما زينب فقد تزوجت من أبى العاص بن الربيع قبل البعثة بناء على طلب خديجة من رسول
(٤١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالا حَدَّنَا مَالِكٌ عَنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ح وحَدَّثْنَا يَحْيَى بْنُ
يَحْبِى قَالَ قُلْتُ لِمَالِكِّ حَدَّثَكَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبِيْرِ عَنِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ عَنِ أَبِى قَتَادَةَ
(٤٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِىَ سُلَيْمَانَ وَابْنَ عَجْلَّانَ سَمِعَا عَامِرَّ بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ
عَنِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمَ الزُّرَقِيِّ عَنِ أَبِى قَتَادَةَ
(٤٣) حَدَّثَنِى أَبُو الَطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهَبٍ عَنِ مَخْرَمَةٌ بْنِ بُكَيْرِ قَالَ حٍ وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ حَدَّثَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى
مَخْرَمَةُ عَنِ أَبِيِهِ عَنِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَّفِيِّ قَالَ سَمِّعْتُ أَيَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِيّ يَقُولُ
(٠٠) حَدَّثْنَا قُتََّةٌ بْنُ سَعِيدٍ خَدَّثَا لَيْثَ قَالَ حْ وِحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ
جَمِيعًا عَنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنِ عَمْرِو بْنِ سُلَيِْ الزُّرَقِيِّ سَمِعَ أَبَا قَتَادَةً يَقُولُ
١٥٨

اللّه وكان لا يحب مخالفتها، فلما أوحى إلى رسول اللّه * آمنت به خديجة وبناته الأربع، وثبت
أبو العاص زوج زينب على شركه. أما رقية وأم كلثوم فكان قد تزوجهما قبل البعثة عتبة وعتيبة ابنا
أبي لهب، فلما أنذر صلى الله عليه وسلم عشيرته ونزل قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبی لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ فارق
عتبة وعتيبة رقية وأم كلثوم، وكانا لم يدخلا بهما، وتزوجت رقية عثمان بن عفان، وهاجرت معه
الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وتوفيت رقية عند عثمان أثناء غزوة بدر الكبرى، أما أم كلثوم
وفاطمة فقد هاجرتا إلى المدينة عقب هجرة النبى # فلما توفيت رقية تزوج عثمان أم كلثوم سنة
ثلاث من الهجرة، وماتت عنده سنة تسع من الهجرة، ولم تلد له وتزوج على فاطمة بعد مقدم النبي قال:
إلى المدينة، وهى الوحيدة من أولاده صلى الله عليه وسلم التى مات قبلها إذ ماتت بعده بستة أشهر.
ونعود إلى زينب وقد هاجر أبوها وأخواتها إلى المدينة، وبقيت مع زوجها المشرك بمكة. فلما
كان يوم بدر أسرزوجها أبو العاص بن الربيع ضمن أسرى بدر، وأرسل أهل الأسرى من قريش بفداء
أسراهم، وأرسلت زينب تفتدى زوجها، أرسلت مالا وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة رضى الله
عنها أدخلتها بها على أبى العاص حين تزوجها، تقول عائشة رضى الله عنها: فلما رآها رسول اللّه ◌ُ الد
رق رقة شديدة، وقال لأصحابه: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذى لها فافعلوا. قالوا:
نعم يا رسول اللّه، فأطلقوه وردوا عليها الذى لها. وأخذ عليه رسول اللّه العهد أن يخلى سبيل زينب
لتهاجر إلى المدينة، فوفى أبو العاص بعهده، ولحقت بأبيها فى المدينة ومعها طفلتها الرضيع
((أمامة)) صاحبة القصة.
ووقع أبو العاص مرة ثانية فى الأسر، وتذكرت زينب حسن عشرته ووفاءه، تذكرت أنه بعد أن
فارق عتبة وعتيبة أختيها ذهبت قريش إلى أبى العاص تقول له: فارق ابنة محمد وننكحك أى نساء
العرب شئت. فقال: لا أفارق صاحبتى، وما أحب أن لى بامرأتى امرأة من قريش. ذكرت أنه لم
يتزوج عليها على الرغم من كثرة زواج العرب، ذكرت وفاءه بعهده لرسول اللّه* وإرسالها إلى أبيها
وصبره على بعدها. ذكرت كل ذلك فبرزت من طاقة فى بيتها تطل على المسجد والمسلمون فى صلاة
الفجر، فقالت: أيها الناس. قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فلما انتهوا من الصلاة قال رسول الله
*: المسلمون ذمة واحدة يجير عليهم أدناهم، وأطلق سراح أبا العاص بن الربيع مرة ثانية، وكانت
عنده أمانات وأموال لقريش، فذهب إلى مكة ورد أمانات الناس وأموالهم ثم أعلن إسلامه وهاجر إلى
المدينة قبل الفتح، فرد رسول الله صل عليه زينب على النكاح الأول، وكان رسول اللّه لر يثنى عليه
فى مصاهرته، ولم تطل عشرة زينب معه فتوفيت سنة تسع من الهجرة، ولم يعش بعدها أبو العاص
طويلا. إذ توفى فى خلافة أبى بكر، أما ((أمامة)) صاحبة القصة فقد تزوجها ((على)) كرم الله وجهه
بعد وفاة فاطمة بوصية من فاطمة قبل وفاتها. قال الحافظ ابن حجر: ولم تعقب.
لقد أطلت فى ذكر الظروف المحيطة بالحديث، وبدون شعور أجدنى منساقاً إلى السيرة العطرة
كلما طرقت بابها، وأجدنى آثما لو حاولت حذف شيء مما كتبت عنها. ومن هذه الظروف يتضح لنا
كيف ومتى وصلت ((أمامة)) لرسول اللّه ◌َ ل بعد غيبة وإشفاق على أمها؟ ومدى ما يتصوره قلب والد
١٥٩

أوجد من عطف على أطفال بنته وحب لهم فضلا عمن قال فيه ربه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيرٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: ١٢٨] أضف إلى ذلك أنه معلم
البشرية يحب أن يستأصل من عادات الجاهلية تفضيل الذكور وحبهم دون الإناث، فيضرب لهم
المثل الأعلى فى عطفه وحبه للبنت حتى يضعها فوق رقبته وهو يعبد اللّه ويصلى بالناس، ولو أنه
استطاع أن لا يزعجها وأن لا يكسر بخاطرها لحظة لفعل، ولكن حركات الصلاة تحول دون ذلك
فكان صلى اللّه عليه وسلم إذا أراد أن يركع أخذها بيديه من عاتقه ووضعها على الأرض بين يديه ثم
ركع ثم رفع ثم سجد ثم جلس بين السجدتين ثم سجد الثانية ثم وضعها على عاتقه وقام بها، وهكذا
حتى انتهت الصلاة. ورأى الصحابة المثل الأعلى فى الرحمة والحب والعطف والشفقة والتكريم
والإكرام فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
المباحث العربية
( كان يصلى) هذه العبارة تشعر بتكرار الفعل بخلاف ما لو قال ((صلى)) لكن هذا التعبير غير
مراد به التكرار وإن أشعر بذلك، حيث لم يتكرر منه صلى الله عليه وسلم ذلك.
(وهو حامل أمامة) قال الحافظ ابن حجر: المشهور فى الروايات بتنوين ((حامل))
ونصب ((أمامة)) وروى بالإضافة، كما قرئ ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] و((أمامة)) بضم
الهمزة وتخفيف الميمين.
(بنت زينب بنت رسول اللّه ) («بنت)) الأولى منصوب صفة لأمامة و((بنت)) الثانية
مجرور صفة لزينب.
(ولأبى العاص بن الربيع ) أى ((أمامة)) بنت لزينب وبنت لأبى العاص بن الربيع، فالإضافة
فى ((بنت زينب)) بمعنى اللام التى ظهرت فى المعطوف، وأبو العاص بن الربيع اسمه لقيط وقيل
مقسم وقيل القاسم، وهو مشهور بكنيته أسلم قبل الفتح وهاجر وكانت وفاته فى خلافة أبى بكر،
وأشارابن العطار إلى الحكمة فى نسبة أمامة أولا إلى أمها على غير المعتاد، فقال: الحكمة فى ذلك
كون والد أمامة كان إذ ذاك مشركا، فنسبت إلى أمها، تنبيها على أن الولد ينسب إلى أشرف أبويه
دينًا ونسبًا، ثم بين أنها من أبى العاص تبيينًا لحقيقة نسبها. اهـ وهذا الكلام فى ظاهره حسن
وجميل حسب الحكم الشرعى الذى استقر أخيرًا بالمدينة، ولكن من المستبعد أن يقصد أبو قتادة هذا
المقصد حيث كان آنذاك كثير من أبناء المشركين الذين أسلمت أمهاتهم وفرق الإسلام بين
الأمهات والآباء بعد نزول سورة الممتحنة وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ
حِلٌّ لَهَمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] لم يعرف أن أبناء هؤلاء المؤمنات نسبوا إليهن آنذاك ولم
ينسبوا لآبائهم الكفار، والذى أراه أن السبب فى ذلك هو أن زينب آنذاك كانت عند أبيها بالمدينة
١٦٠