Indexed OCR Text

Pages 121-140

(١٩٧) باب النهى عن بناء المساجد على القبور
واتخاذ الصور فيها والنهى عن اتخاذ القبور مساجد
١٠٠١ - ٦ْجِ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٦) أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَبِيسَةٌ رَأَيْنَهَا
بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيِرُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِمَّ «إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ
الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
١٠٠٢ - ٣ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٧) أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ :﴿ فِى مَرَضِهِ
فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ كَبِيسَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ.
١٠٠٣ - ثُمٍ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٨) قَالَتْ: ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ◌َ﴿ُ كَنِيسَةٌ رَأَيْنَهَا
بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.
١٠٠٤ - ١٩ِ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٩) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ فِى مَرَضِهِ الْذِى لَمْ يَقُمْ
مِنْهُ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» قَالَتْ فَلَوْلا ذَاكَ أُبْرِزْ قَبْرُهُ.
غَيْرَ أَنْهُ خُشِيَ أَنْ يُتْخَذَ مَسْجِدًا. وَفِى رِوَايَةِ ابْنٍ أَبِى شَيْئَةَ: وَلَوْلا ذَاكَ لَمْ يَذْكُرْ: قَالَتْ.
١٠٠٥ - ٢٠ْ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَ﴾(٢٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ
أَنِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
١٠٠٦- ٣١ْ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ عَ﴾(٢١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِفَ﴿ قَالَ: «لَعَنَّ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالْنْصَارَى
اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
(١٦) وحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنِ عَائِشَةً
(١٧) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَا هِشَّامُ بْنَّ عُرْوَةً عَنِ أَبِهِ عَنٍ عَائِشَةً
(١٨) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيَّبٍ خَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنِ أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةً
(١٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَفَّرْو النّقِدْ قَالا حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ حَدََّنَا شَاهُ عَنِ هِلالِ بْنِ أَبِى حُمَيْدٍ عَنِ عُرْوَةً بْنِ
الزُّبَيْرِ عَنِ عَائِشَةَ
(٢٠) حَدَّثًَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِى يُونُسُ وَمَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ
(٢١) وحَدَِّى قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ خَذَّثَنَا الْفَزَارِيُّ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ
١٢١

١٠٠٧ - ٣ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٢)
قَالا لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ل ◌َفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةٌ لَهُ عَلَى وَجْهِهِ. فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا
عَنٍ وَجْهِهِ. فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ «لَغْنَةُ اللّهِ عَلَى الْهُودِ وَالنَّصَارَى. اتَّخَذُوا قُبُورَ
أَنِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا.
١٠٠٨- ٢٣ عَنِ جُنْدَبٍ عَظِ(٢٣) قَالَ سَمِعْتُ النّبِيَّ:﴿ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ
«إِنّى أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَن يَكُونُ لِى مِنْكُمْ خَلِيلٌ فَإِنَّ اللَّةَ تَعَالَى قَدْ اتَّخَذَنِى خَلِيلاً كَمَا اتَّخَذَ
إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِى خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتْخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلا فَلا تَنْخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّى
أَنْهَاكُمْ عَنِ ذَلِكَ».
المعنى العام
مرض رسول اللَّه ◌َ﴿ مرضه الأخير، ولم يستطع أن يدور على نسائه كل واحدة منهن فى ليلة،
ورغب أنْ يمرض فى بيت من بيوتهن، وأحب البيوت إليه بيت عائشة ولكن كيف يحصل على موافقة
الأزواج على أن يمرض فى بيت عائشة؟ فكان يسأل: أين أنا غدًا؟ أين أبيت غدًا؟ فى بيت من
سأكون غدًا، وفهم أمهات المؤمنين أنه صلى اللَّه عليه وسلم يسأل عن ليلة عائشة ويتشوف إلى بيت
عائشة فأذن له أن يمرض فى بيتها، ويجتمعن عنده صلى الله عليه وسلم فى كل يوم.
وكانت أم حبيبة وأم سلمة قد هاجرتا إلى الحبشة فيمن هاجر، ورأتا فى الحبشة فى كنيسة
تسمى «مارية» تماثيل مصورة يسجد عندها الناس على أنها معبودات أو على أنها رمز الصالحين
عابدين، يرجى خيرهم ونفعهم، رأتا كيف يقدس الناس هذه التماثيل فى الكنيسة وكيف يركعون لها،
ولا شك أنهما وبقية أمهات المؤمنين يفترضون وفاة النبى {₪ فى مرضه، وقد خطر فى نفس كل
منهن ولا ريب النهاية والمصير، وقد خطر فى نفوسهن ما يصير إليه الأمر بعده، وكيف يكون قبره؟
وكيف يصبح مسجده؟.
وبرزت صورة ما كان فى الكنيسة من تماثيل فى مخيلة أم حبيبة وأم سلمة، فقامت إحداهن
تروى ما رأت والأخرى تؤمن على ما تقول، قالت: يارسول الله، رأينا ونحن بالحبشة فى كنيسة
(٢٢) وحَدَّثَنِى هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَحِرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى قَالَ حَرْمَلَةُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ هَارُونُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ قَّالا
(٢٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لْأَبِى بَكْرٍ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ أَبُو بَكْرِ حَدَّثَنَا
زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيْ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوَ عَنِ زَيْدِ بْنِ أَبِى أَنَيْسَةً عُنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةً عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ
النَّجَرَانِيٌّ قَالَ حَدَّثَنِىَ جُنْدَبٌ قَالَ سَّمِعْتٌّ
١٢٢

تسمى مارية تماثيل كثيرة تمثل أشخاصًا وتصورهم كأنهم أجساد بشرية أحياء، ورأينا الناس
يعظمونها ويقدسونها ويسجدون عندها.
وكان فى عرض هذه الواقعة تنبيه لرسول اللّه * خشى على إثره أن يحدث معه بعد موته ما
حدث مع غيره، فقال صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم النبى أو
الرجل الصالح بنوا على قبره كنيسة يجتمع إليها الناس، وصوروا فيها هذه الصور تقديسًا وتعظيمًا
ولتكون ذكرى للصلاح ليقتدوا بهم، فلما طال عليهم الزمن سول لهم الشيطان أن أجدادهم كانوا
يعبدون هذه التماثيل فعبدوها. ألا وإنى أنهاكم أن يتخذ قبرى مسجدًا، ألا وإنى أنهاكم أن تصور
بعدى عند قبرى الصور والتماثيل. أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
ولم يفتأ رسول اللّه ◌َ ا طيلة مرضه يحذر الناس من مثل هذا الفعل، فكلما هدأت حرارة الحمى
غطى وجهه صلى الله عليه وسلم يفكر ويستعد للقاء ربه، وكلما اشتدت حرارتها كشف عن وجهه ليبرد
الحرارة بالماء، فإذا رأى بعض الصحابة بجواره حذرهم من اتخاذ قبره مسجدًا، وحذرهم من تقديسه
بعد موته، يقول: إن من كان قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا لاتتخذوا قبرى
مسجدًا. إنى أنهاكم عن ذلك وأبرأ إلى الله من فعل يزيد فى تقديسى، ثم أشار إلى الخلافة من بعده
فقال: إن الله قد اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت
أبا بكر خليلا. فصلى اللَّه وسلم عليه، بلغ الأمانة وأدى الرسالة ونصح الأمة وكشف الغمة فجزاه
الله خيرًا.
المباحث العربية
( أم حبيبة ) أم المؤمنين، واسمها رملة بنت أبى سفيان، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها
عبدالله بن جحش فتوفى هناك، فتزوجها رسول اللّه * وهى فى الحبشة سنة ست من الهجرة، وكان
النجاشى قد أمهرها من عنده عن رسول الله ﴿ وبعثها إليه.
( أم سلمة ) أم المؤمنين هند بنت أبى أمية المخزومى، هاجر بها أبو سلمة إلى الحبشة، فلما
رجعا إلى المدينة مات زوجها، فتزوجها رسول اللّه ﴿.
(ذكرتا كنيسة) («ذكرتا)» كذا لأكثر الرواة بلفظ التثنية للمؤنث من الماضى،
والضمير فيه يرجع إلى أم حبيبة وأم سلمة، والظاهر أن إحداهما ذكرت والأخرى أمنت
فنسب الذكر إليهما، وفى رواية ((ذكرا)»، وهو خلاف الأصل والأظهر أنه من النساخ،
والكنيسة معبد النصارى، وفى الرواية الثالثة ((يقال لها: مارية)) بكسر الراء وتخفيف
الياء التحتية، قال العينى: والمارية بتخفيف الياء البقرة.
( رأينها بالحبشة ) بصيغة جمع المؤنث من الماضى، أى هما ومن كان معهما. وفى رواية
((رأتاها)» على الأصل بضمير التثنية.
١٢٣

( فيها تصاوير) المراد من التصاوير هنا التماثيل.
( إن أولئك ) بكسر الكاف، ويجوز فتحها.
( بنوا على قبره مسجدًا ) معبد النصارى يسمى بيعة بكسر الباء وكنيسة، فالتعبير عنه
بمسجد أى مكان سجود، وليس المراد المسجد المعروف للمسلمين.
(وصوروا فيه تلك الصور) وفى رواية ((تيك الصور))، والكاف فيها الكسر والفتح.
( أولئك شرار الخلق ) الشرار بكسر الشين جمع الشر كالخيار جمع الخير والبحار جمع
البحر، وأما الأشرار فقيل واحداها شر أيضاً، وقيل شرير كيتيم وأيتام.
( ذكرن أزواج النبي # كنيسة) قال النووى: هكذا ضبطناه ((ذكرن)» بالنون، وفى بعض
الأصول ((ذكرت بالتاء، والأول أشهر، وهو جائز على تلك اللغة القليلة لغة أكلونى البراغيت، ومنها
((يتعاقبون فيكم ملائكة)) اهـ.
(لعن الله اليهود والنصارى. اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ((اتخذوا)) جملة مستأنفة
على سبيل البيان لموجب اللعن: كأن سائلا سأل: ما سبب لعنهم؟ فأجيب ((اتخذوا)) وقد استشكل
ذكر النصارى فى الحديث مع أنهم ليس لهم نبى بين عيسى والرسول غير عيسى عليه السلام
وليس له قبر، وأجيب عنه بأنه كان فيهم أنبياء لكنهم غير مرسلين كالحواريين ومريم فى قول،
وكالثلاثة الذين أرسلوا إلى إنطاكية وجاء ذكرهم فى سورة يس ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا .. ﴾
[يس: ١٤] الآية. على أن الرواية الأولى وفيها ((إذا كان فيهم الرجل الصالح)) والثامنة وفيها ((اتخذوا
قبور أنبيائهم وصالحيهم» ترفع الإشكال، وتحمل هذه الرواية عليهما.
( غير أنه خشى أن يتخذ مسجدًا) قال النووى: ضبطناه ((خشى)) بضم الخاء
وفتحها، وهما صحيحان.
(قاتل اللَّه اليهود) أى قتلهم، فهو دعاء بالقتل، و((فاعل)) يأتى بمعنى فعل، ويقال: معناه
لعنهم الله، ويقال: عاداهم الله، ويقال: القتال هنا عبارة عن الطرد والإبعاد عن الرحمة، فمؤداه ومؤدى
اللعن واحد، وإنما خص اليهود هنا بالذكر بخلاف ما تقدم لأنهم أسسوا هذا الاتخاذ وابتدءوا به، فهم
أظلم، أو لأنهم أشد غلوا فيه.
( لما نزلت برسول اللَّه) هكذا هو فى أكثر الأصول ((نزلت)) بفتح الحروف الثلاثة، وبتاء
التأنيث، أى لما حضرت الميتة والوفاة، ولم يسبق لها ذكر اعتماداً على العهد الذهنى. وفى بعض
الروايات ((نزل)) قال النووى: ضبطناه بضم النون وكسر الزاى بالبناء للمجهول، وفى رواية لأبى ذر
((نزل)) بالبناء للمعلوم، فالفاعل محذوف اعتماداً على العهد الذهنى. أى الموت أو ملك الموت.
١٢٤

( طفق يطرح خميصة له على وجهه) ((طفق)) جواب ((لما)) وهو من أفعال المقاربة، ويدل
على الشروع فى الخبر، ويعمل عمل ((كان)) إلا أن خبره يجب أن يكون جملة وهو من باب ضرب وعلم،
والثانى أشهر وأفصح، وبه جاء القرآن، والخميصة كساء له أعلام سوداء مربعة.
( فإذا اغتم كشفها عن وجهه ) أى إذا تسخن وحمى، ولعله كان فى وقت هدوء الآلام يغطى
وجهه ليشتغل بنفسه وما يستقبله وما يفكر فيه من نصائح أخيرة لأمته، فإذا ملأته الحمى بحرارتها
وشدتها كشف وجهه يتنسم الراحة فى الهواء.
( فقال - وهو كذلك) ((وهو كذلك)) جملة معترضة من كلام الراوى بين القول والمقول، أى
قال وهو على هذه الحال - حال الطرح والكشف - وهدف ذكر هذه الصفة الإشعار بأهمية هذا الأمر
حيث لا يشتغل الإنسان فى شدة البلوى إلا بعظائم الأمور. وقال الحافظ ابن حجر: وفائدة التنصيص
على زمن النهى وأنه كان فى مرض موته وقبل أن يتوفى بخمس الإشارة إلى أنه من الأمر المحكم
الذى لم ينسخ، لكونه صدر فى آخر حياته.
( يحذر ما صنعوا ) («يحذر)) ينصب مفعولين. قال تعالى ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾
[آل عمران: ٢٨] فالمفعول الأول هنا محذوف، أى يحذر الرسول المسلمين ما صنع هؤلاء،
والجملة مستأنفة، وهى من كلام الراوى، كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك فى ذلك الوقت،
فأجاب بذلك.
( قبل أن يموت بخمس ) أى بخمس ليال.
( إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل) أى أمتنع من هذا وأنكره. والخليل هو
المنقطع إليه، وقيل: المختص بشىء دون غيره، قيل: مشتق من الخلة بفتح الخاء، وهى الحاجة،
وقيل من الخلة بضم الخاء، وهى تخلل المودة فى القلب، ينفى صلى الله عليه وسلم أن تكون حاجته
وانقطاعه إلى غير الله تعالى، وقيل: الخليل من لايتسع القلب لغيره، قاله الإمام النووى فى
شرح مسلم.
فقه الحديث
قال الحافظ ابن حجر: إنما بنى الأوائل على قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، وصوروا صورهم
فيها ليأتنسوا برؤية تلك الصور، ويتذاكروا أحوالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف من
بعدهم خلوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها،
فعبدوها، فحذر النبى * عن مثل ذلك سداً للذريعة المؤدية إلى ذلك.اهـ
وظاهر كلام الحافظ أن الخوف الحقيقى منشؤه الصور والتماثيل وليس بناء المساجد على
القبور، على معنى أنه لو وضعت هذه التماثيل على القبور من غير مساجد، أو على أماكن أخرى غير
١٢٥

القبور، كما كانت على الصفا والمروة، أو فى البيوت والنوادى لكان النهى، لأن المحذور المخيف هو
التماثيل وبالتالى بناء المسجد على القبر بدون التصاوير لايؤدى إلى هذا المحذور، وبالتالى يحذر
النبى ﴿ أن يفعل معه بعد موته مثل ما صنع مع أنبياء اليهود من تصويره صلى الله عليه وسلم.
وقد يؤيد هذا الاتجاه أن عمر له لما قدم الشام ودعى إلى الكنيسة قال: إنا لاندخل كنائسكم من
أجل التماثيل التى فيها الصور، وكان ابن عباس يصلى فى البيعة إلا بيعة فيها تماثيل. ذكر ذلك
البخارى ولم يبحث أى منهما ولم يبن فعله على كون الكنيسة بها قبر أولا.
لكن الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة أوعدت باللعن والقتل لاتخاذهم
القبور مساجد دون ذكر للتماثيل والصور مما يفيد أن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد معرض
للعن والطرد من رحمة الله، ومما لاشك فيه أنهم لم يكونوا يتخذون القبر وحده مسجداً بل كان القبر
جزء مسجد، وعلى ذلك فلا فرق بين أن يكون القبر فى زاوية من المسجد أو فى وسطه غاية الأمر أن
الحرمة تشتد، والجرم يعظم إذا جعل القبر فى القبلة بحيث يستقبله المصلون، وكذا لا فرق بين أن
يسبق بناء المسجد أو العكس، فكل من الوضعين فى النهاية يؤدى إلى تعظيم صاحب القبر مما يهدد
مستقبلا بالمحظور، وإذا كانت العلة فى المنع أن يؤدى إلى تعظيم وتقديس صاحب القبر
مما يؤدى إلى عبادته أو إلى احتمال عبادته ولو بنسبة واحد فى الألف كان ممنوعاً، كذلك كل
مظهر من مظاهر التعظيم كبناء القبة والمقام ولو بغير مسجد استصحابا للعلة وإغلاقًا لباب الفتنة
وسدا للذرائع. واللَّه أعلم.
ومن المعلوم أن رسول اللَّه { قد دفن بحجرة عائشة هو وصاحباه، وكانت خارجة عن المسجد،
ولما احتاج الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون إلى الزيادة فى مسجد رسول اللّه * حين كثر
المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة رضى الله
عنها بنوا على القبر حوائط مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر فى المسجد فيصلى إليه العوام، ويؤدى
للمحذور، ثم بنوا جدارين من ركنى القير الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من
استقبال قبره صلى الله عليه وسلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- جواز حكاية مايشاهده المؤمن من العجائب.
٢ - وجوب بيان حكم ذلك على العالم به.
٣ - ذم فاعل المحرمات.
٤- أن الاعتبار فى الأحكام بالشرع لا بالعقل.
٥- النهى عن اتخاذ القبور مساجد، وبناء المساجد على القبور، ومقتضاه التحريم، حيث ثبت اللعن
عليه، وذهب الشافعى وأصحابه إلى القول بالكراهة. وقال البيضاوى: لما كانت اليهود والنصارى
يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون فى الصلاة نحوها، واتخذوها
١٢٦

أوثانا لعنهم النبى {®، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجدًا فى جوار صالح،
وقصد التبرك بالقرب منه لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه فلا يدخل فى الوعيد المذكور. اهـ هذا
وليس معنى عدم دخوله فى الوعيد المذكور عدم حرمته أو عدم كراهته، بل بعده عن أن يكون من
الكبائر، حيث قيل فى تحديدها: ما أنذر فيها بلعن أو بوعيد شديد. والله أعلم.
٦- وفى الحديث دليل على تحريم التصوير، قال الحافظ ابن حجر: وقد حمل بعضهم الوعيد
على ما كان فى ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا: وقد أطنب ابن
دقيق العيد فى رد ذلك.
والله أعلم
١٢٧

(١٩٨) باب فضل بناء المساجد والحث عليها
١٠٠٩- ٤ِّّ عَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عِْ(٢٤) عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ لَ ◌ّ
إِنْكُمْ قَدْ أَكْثَرُمْ وَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ «مَن بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى (قَالَ بُكَيْرٌ:
حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللَّهِ) بَنَّى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ» وَقَالَ ابْنُ عِيسَى فِى رِوَايَتِهِ
«مِثْلَهُ فِى الْجَنّةِ».
١٠١٠ - ٥ٍ عَنِ عُثْمَانُ بْنِ عَفَّالَ مْ﴾(٢٥) أَنَّهُ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ فَأَحُبُّوا مَن
يَدَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ،وَ يَقُولُ «مَن بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَّى اللَّهُ لَهُ فِى
الْجَنَّةِ مِثْلَهُ».
المعنى العام
بنى رسول الله:﴿ مسجده بالمدينة كما سبق، من اللبن وسقفه بجريد النخل وجعل أعمدته
جذوع النخل وارتفاع حوائطه قامة أو تزيد، وظل المسجد كذلك فى عهد أبى بكر، وفى عهد عمر رأى
الجريد قد نخر وتساقط، والحوائط قد تهشمت فأعاد بناءه على الهيئة التى بناه عليها رسول اللّه عَ ل
باللبن وجريد النخل، غير أنه زاد فى سعته حيث دعت الضرورة إلى هذه الزيادة، وفى عهد عثمان وفى
سنة ثلاثين من الهجرة فكر عثمان فى إعادة بناء المسجد، وكان التقدم العمرانى غير ما سبق،
فاتصال المسلمين بالفرس والروم وكثرة الأموال حدا بالمسلمين إلى عمران آخر فى بيوتهم يستغلون
فيه الحجارة بأنواعها والجص والألوان والأخشاب الثمينة، ورأى عثمان أن المسجد ينبغى أن
يساير التقدم البنائى، وأن يكون بآلات حديثة كالحجارة والأخشاب لما لها من طول بقاء وحسن
منظر وهيبة وجلال، فجلب للمسجد نوعاً مشهوراً من الخشب يسمى بالساج، جلبه من بلاد الهند
ليسقف المسجد به، وجلب أنواعاً جيدة من الحجارة المنقوشة ليبنى بها حوائطه، ويقيم بها أعمدته،
وجلب القصة والجص والجير ليطلى به البناء بعد تمامه، وشعر بعض المسلمين أن فى هذا التغيير
الشكلى لبناء المسجد إسرافاً لاداعى له، وأن إعادة بنائه بالوضع السابق يذكر الناس بما كان عليه
رسول اللَّه ﴿ وصاحباه من الزهد والتقشف وخصوصاً فى وقت وأماكن العبادة، وخشوا أن يفتح هذا
العمل باب التنافس فى المظاهر وفى عمارة المساجد على حساب التنافس فى البواطن والإيمان
والعبادة وفى عمارة المساجد بالورود عليها والإقبال والإقامة.
(٢٤) حَدَّثَنِى هَارُوِنُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالا حَذََّنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِى عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ
قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلانِيَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّان
(٢٥) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِّى قَالا حَدََّنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ
حَدَّثَنِى أَبِى عَنِ مَحْمُودٍ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّالْ أَرَادَ
١٢٨

هذه المخاوف دفعت الكثير من الصحابة أن ينتقد عثمان ، فى هذا العزم ويحاول إثناءه عن
تنفيذه، لكن الخليفة الثالث كان مقتنعاً فروى للقوم حديث رسول اللّه # من بنى وشيد مسجداً
يصلى فيه الناس يبتغى بهذا العمل وجه اللَّه ومرضاته بنى اللَّه له بيتاً مثله فى الجنة، ورضى كثير
من الصحابة وأقروا عثمان على عزمه ووافقوه، ولم تبق المعارضة طويلا، وتم لعثمان ما قصد، وبنى
المسجد النبوى بناء متيناً كريماً. جزاه الله خير الجزاء ورضى عن الصحابة أجمعين، لقاء حرصهم
على تعاليم الشرع ودفاعهم ضد ما يمس الإسلام.
المباحث العربية
( عند قول الناس فيه ) أى فى عثمان، وذلك أن بعضهم أنكر عليه تغييره بناء المسجد
وتكلموا فى عثمان يخطئونه ويلومونه، والجار والمجرور ((عند قول الناس فيه)) متعلق بقال المحذوفة
أى قال عثمان فى هذه الحالة.
(حين بنى مسجد الرسول ) فى الكلام مجاز المشارفة، أى حين أراد أن يبنى، لأن النقد
والإنكار توجه إليه حين خطط للبناء وأعد أدواته قبل أن يبنى، ويوضح ذلك ما جاء فى الرواية
الثانية، أن عثمان أراد بناء المسجد فكره الناس)) قال البغوى فى شرح السنة: لعل الذى كرهه
الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة لا مجرد توسيعه. اهـ. ولم يبن عثمان المسجد إنشاءً،
وإنما وسعه وشيده، فيؤخذ منه إطلاق البناء فى حق من جدده كما يطلق فى حق من أنشأه أو المراد
بالمسجد هنا بعض المسجد من إطلاق الكل على البعض.
( إنكم قد أكثرتم ) هذا مقول عثمان، ومفعول ((أكثرتم)) محذوف تقديره أكثرتم الكلام والإنكار
على فعلی.
( من بنى مسجدًا لله) التنكير فيه للشيوع، فيدخل فيه الكبير والصغير، ووقع عند الترمذى،
((صغيرًا أو كبيرًا)) والمراد بالمسجد ما يتبادر إلى الذهن، وهو المكان الذى يتخذ للصلاة فيه، ويمكن
أن يراد به موضع السجود وهو ما يسع الجبهة، لكن قوله ((بنى)) يشعر بوجود بناء على الحقيقة،
ويؤيده رواية ((من بنى للَّه بيتًا)) ويؤيد الثانى رواية ((ولو كمفحص قطاة)) والقطاة طائر صغير
ومفحصه وعشه الذى يضع فيه البيض قدر مكان سجود الجبهة. وسيأتى مزيد إيضاح لهذه المسألة
فى فقه الحديث.
( قال الراوى: حسبت أنه قال يبتغى به وجه الله) أصل السند: ((عن بكير بضم الباء أن
عاصم بن عمر بن قتادة حدثه أنه سمع عبد الله الخولانى أنه سمع عثمان بن عفان يقول .... )) قال
الحافظ ابن حجر: قال بكير: حسبت أنه أى شيخه عاصماً قال: يبتغى به وجه الله، أى يطلب به
رضا الله، والمعنى بذلك الإخلاص، وهذه الجملة لم يجزم بها بكير فى الحديث ولم أرها إلا من طريقه
١٢٩

هكذا كأنها ليست فى الحديث بلفظها، فإن كل من روى حديث عثمان من جميع الطرق إليه لفظهم
(( من بنى للَّه مسجدًا ((فكأن بكيرا نسيها فذكر بالمعنى مترددًا فى اللفظ الذى ظنه، فإن قوله ((للَّه))
بمعنى قوله ((يبتغى به وجه الله)) لاشتراكهما فى المعنى المراد وهو الإخلاص.
( بنى الله له بيتا فى الجنة) إسناد البناء إلى اللَّه تعالى مجاز قطعًا، وإبراز الفاعل فيه
لتعظيم ذكره جل اسمه، و «فى الجنة)) يتعلق ببنى.
( بنى الله له بيتاً مثله فى الجنة) لاشك أن المماثلة لا يقصد منها المساواة من كل وجه،
إذ موضع شبر فى الجنة خير من الدنيا ومافيها، وبناء الجنة من دَّروياقوت وسعة الملك فيها مد
البصر، ولهذا يكاد العلماء يتفقون أن المماثلة فى الكم غير مرادة، واختلفوا فى التوجيه على أقوال
شتى، فمن قائل: مثله فى الجودة والحصانة وطول البقاء، ومن قائل: مثله فى مسمى البيت. وأما
صفته فى السعة وغيرها فمعلوم فضلها، فإنها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر،
ومن قائل مثله أى مثل فضله أى بمقدار فضل المسجد على بيوت الدنيا يكون فضل البيت الذى
يجزى به على بيوت الجنة إلى آخر ما قالوا.
ولعل المماثلة فى أصل الصفات لا فى مقدارها، فالمسجد الواسع يجازى ببيت واسع وليس فى
مقدار السعة، والمسجد المشيد يجازى ببيت مشيد بقطع النظر عن ماهية ومدى التشييد، والمسجد
فى موقع يحتاج إليه ويؤمه الكثيرون يجازى ببيت يتطلع إليه أهل الجنة ويغبطونه عليه. وهكذا،
استنبط هذا الفهم من قول بعض شراح الترمذى: يحتمل أنه أراد أن ينبه بقوله ((مثله)) على الحض
على المبالغة فى إرادة الانتفاع به فى الدنيا فى كونه ينفع المصلين ويكنهم عن الحر والبرد، ويكون
فى مكان يحتاج إليه ويكثر الانتفاع به، ليقابل الانتفاع به فى الدنيا انتفاعه هو بما يبنى له فى
الجنة، اهـ وهو كلام حسن.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- حرص الصحابة على الشريعة وحمايتهم لها وإنكارهم على ولى الأمر ما يرونه منكرًا لا يخشون فى
الله لومة لائم، وإذا عرفنا حال المسجد فى عهد الرسول{ وما زاده عليه عمر حيث لم نجد
إنكارًا، عرفنا القدر الذى أنكر على عثمان له.
بنى رسول اللّه# مسجده باللبن على أساس قليل من الحجارة، وجعل ارتفاع الجدار قامة
وبسطة، أى قامة، وزيادة، وجعل طول الضلع مائة ذراع وأضلاعه متساوية، وجعل عمده من جذوع
النخل، وسقفه من جريد النخل، مما يمنع الشمس ولايقى من المطر، حتى رأيناه صلى اللّه عليه
وسلم ليلة القدر يسجد فى ماء وطين، ولم يغير فيه أبو بكر شيئاً فقد كانت مدة خلافته قصيرة
١٣٠

وكان مشغولا بحروب الردة، فلما كان عمر وكثر الناس أعاد بناءه على بنيانه {* باللبن
وبالارتفاع وغير جريد السقف المتآكل بجريد جديد وبدل جذوع النخل المتآكلة التى كانت عمداً
بعمد من خشب، وزاد فيه ووسعه طولا وعرضًا، فكانت الهيئة التى تم عليها بناء عمر مشابهة
للهيئة التى بناها رسول اللّه﴿، لاتكاد تفترق إلا فى السعة.
وفى عهد عثمان كان بناء عمر قد تداعى، جريد النخل نخر، واللبن تهدم بالأمطار والرياح وعوامل
الزمن، ورأى عثمان أن الناس قد غيروا بناء بيوتهم جريا على سنة التطور وسعة الرزق، فجلب
لبناء المسجد حجارة منقوشة ليبنى بها الحوائط والأعمدة، وعزم على رفع البناء ليتمشى مع
ارتفاع البيوت وأحضر له القصة وهى الجص (الجير أو المصيص) ليطلى به الجدران بعد البناء
وجلب من الهند خشباً خاصاً يسمى بالساج للسقف، وعزم على الزيادة فى المسجد زيادة كبيرة،
ومن هنا يتضح أن الإنكار لم يتوجه إلى إعادة البناء ولا إلى التوسع وإنما توجه إلى الغلو فى
الآلات وعدم القصد فى البنيان.
٢ - محاولة الحاكم إقناع المحكومين بوجهة نظره مع استمساكه بشرع الله ولم أر فيما قرأت من
شفى غلتى فى مطابقة رد عثمان للإنكار، وكيف صلح ردًا مقنعًا؟ هم ينكرون الغلو ولاينكرون
البناء وفضله، وعثمان يدلل على فضل البناء، فكيف التقى الرد مع الإنكار؟.
ولو أننا تعلقنا بالمثلية الواردة فى بعض الروايات كالرواية الثانية فى حديثنا وأن المماثلة فى
التشييد والمغالاة لتنافس المسلمون فى ذلك بدرجة لا يقول بها أحد من العلماء، ويبدولى أن
عثمان ه أقنع الناس بما لم يذكر فى الحديث لعله قال لهم: إن عمر الحجارة يفوق بكثير عمر
اللبن، وأن خشب الساج يفوق متانة الجريد، فطول البناء بهما يعادل زيادة تكاليفهما، على أن
زيادة التكاليف فى تلك الأيام لم تكن ليحسب عند القوم حسابها، فقد امتلأت خزائن الدولة
وخزائن الناس بما يستهان معه بهذه النفقات، لعله قال لهم: إن المسجد يجب أن يجد المصلى
فيه راحته وأمنه من الحر والبرد ليتفرغ قلبه ومشاعره للتوجه إلى الله تعالى، لعله قال لهم أمثال
ذلك مما يقنع فمما لاشك فيه أن القوم اقتنعوا بفعل عثمان، أو اقتنع أكثرهم على الأقل، وإلا ما
فعل رضابه ما فعل.
٣- وفيه إنكار زخرفة المساجد، فإن الصحابة إذا كانوا قد أنكروا التشييد بالخشب والجص مع
فائدتهما للمصلى، فإن الإنكار للزخرفة لاشك فيه لعدم وجود الفائدة، بل للإضرار بالخشوع
ولانشغال المصلى بها ومن ذلك الزركشة بالألوان المختلفة وكتابة الآيات والأحاديث على
الجدران، وطلاء السقف بالنقوش المستوردة، كل ذلك بدع سيئة، أول من بدعها الوليد بن عبد
الملك بن مروان فى أواخر عصر الصحابة رضى الله عنهم. قال الحافظ ابن حجر: وسكت كثير
من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفًا من الفتنة، وقال: ورخص فى ذلك بعضهم - وهو قول
أبى حنيفة - إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال،
وقال ابن المنير: لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صوتًا لها عن
١٣١

الاستهانة وتعقب بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف فى ترك الرفاهية فهو كما قال، وإن
كان لخشية شغل بال المصلى بالزخرفة فلا، لبقاء العلة. اهـ
وقد حاول البدر العينى - وهو حنفى المذهب - أن يوهن من القول الذى نسب إلى أبى حنيفة
فقال: مذهب أصحابنا أن ذلك مكروه، وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش المسجد معناه تركه
أولى، ولا يجوز من مال الوقف، ويغرم الذى يخرجه، سواء كان ناظرًا أو غيره، إما لاشتغال
المصلى به، وإما لأنه إخراج المال فى غير وجهه، اهـ
والحق أن المنع من الزخرفة للعلتين معا، شغل المصلى ووضع المال فى غير وجهه، وكلام ابن
المنير مردود، فعدم الزخرفة لا يؤدى إلى الاستهانة، وما أكثر العمارات الخالية من الزخرفة
المشيدة كأحسن تشييد وهى تدعو إلى التقدير والإعجاب والإكبار فلنشيد المساجد بما يغيظ
الكفار وبما يريح المصلى ويحفظ عليه خشوعه وخضوعه ويحبب إليه المساجد وطول
الإقامة فيها.
لقد كان عمر قادرًا على زخرفة المسجد، ولكنه قال للصانع: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر
أو تصفر فتفتن الناس، رواه البخارى. وقال ابن عباس لتزخرفن المساجد كما زخرفت اليهود
كنائسهم والنصارى بيعهم، قال الخطابي: وإنما زخرفت اليهود والنصارى كنائسها وبيعها حين
حرفت الكتب وبدلتها، فضيعوا الدين، وعرجوا على الزخارف والتزيين، وقال محى السنة: إنهم
زخرفوا المساجد عندما بدلوا دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم: وسيصير أمركم إلى المراءاة
بالمساجد والمباهاة بتزيينها.
٤- ويؤخذ من قوله ((للَّه)) أو ((يبتغى به وجه الله)) توقف الجزاء على الإخلاص، أما من يقصد ببناء
المسجد المباهاة أو المراءاة فإن عمله محبط، وهل يدخل فى ذلك من شهر مسجدًا باسمه، أو
كتب اسمه عليه؟ يقول ابن الجوزى: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا
من الإخلاص.
٥- ويؤخذ من قوله ((من بنى)) أن الجزاء المذكور مرتبط بالبناء، أما من جعل بقعة الأرض مسجدًا
واكتفى بتحويلها من غير بناء، أو من عمد إلى بناء كان يملكه فوقفه مسجدًا فظاهر اللفظ أنه
لا يستحق الجزاء المذكور، وإن استحق جزاء آخر. قال الحافظ ابن حجر: لكن لو نظرنا إلى
المعنى والحكمة فنعم يحصل الجزاء نفسه، وهو المتجه، اهـ
وهل يحصل الأجر نفسه من أمر بالبناء ولم يباشره؟ ومن أنفق على البناء؟ ومن اشترك فيه
متطوعًا؟ ومن عمل فيه بأجر؟ ظاهر كلام العلماء أن اللَّه يمنح هذا الأجر بواسع فضله لكل هؤلاء،
فقد روى أصحاب السنن وابن خزيمة والحاكم من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا ((إن اللَّه يدخل
بالسهم الواحد ثلاثة الجنة. صانعه المحتسب فى صنعته [وهو أعم من أن يكون متطوعًا أو بأجرة
مادام يقصد بذلك إعانة المجاهد] والرامى به، والممد به ».
١٣٢

٦- ويؤخذ من قوله ((مسجدًا)) بالتنكير أن الثواب المذكور يحصل على المسجد الكبير والمسجد
الصغير، وهو كذلك فقد جاء فى بعض الروايات ((من بنى للَّه مسجدًا ولو كمفحص قطاة)) أى
عش طائر صغير ((بنى الله له بيتا فى الجنة)) نعم حمل كثير من العلماء هذا التشبيه على
المبالغة لا على حقيقته، إذ مفحص القطاة لا يتسع لوضع الجبهة لكنه على كل حال يشير إلى
الصغر واستحقاق صاحبه الأجر المذكور، قال الحافظ ابن حجر: وقد شاهدنا كثيرًا من المساجد
فى طرق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة وهى فى غاية الصغر وبعضها لا تكون أكثر من قدر
موضع السجود، وروى البيهقى فى الشعب من حديث عائشة نحو الحديث الذى معنا، وزاد ((قلت
وهذه المساجد التى فى الطرق؟ قال: نعم)).
وهل يدخل معنا من أعد لنفسه فى بيته مكانًا للصلاة فيه أولا؟ الظاهر لا؛ لأن المقصود الحث
على مكان يجمع الناس للصلاة، وإن كان فاعل ذلك يثاب ثوابًا آخر غير المذكور.
٧- ويؤخذ من الحديث أن الجزاء فى الآخرة من جنس العمل فى الدنيا وقد سبق الكلام فى المباحث
العربية عن المماثلة الواردة فى بعض الروايات.
٨- وفى الحديث إشارة إلى أن فاعل ذلك يدخل الجنة، إذ المقصود بالبناء له أن يسكنه وهو لا
يسكنه إلا إذا دخل الجنة.
والله أعلم
١٣٣

(١٩٩) باب وضع الأيدى على الركب فى الركوع
١٠١١ - ٦ْجِ عَنِ الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ قَالا أَتْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَ﴾(٢٦) فِى دَارِهِ فَقَالَ أَصَلَّى
هَؤُلاءِ خَلْفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لا، قَالَ فَقُومُوا فَصَلُّوا فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ، قَالَ وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ
خَلْفَهُ فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنِ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنِ شِمَالِهِ، قَالَ فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أَيْدِيَّنَا
عَلَى رُكَبِنًا، قَالَ فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا وَطَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، قَالَ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ
إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخْرُونَ الصَّلاةَ عَنٍ مِيقَاتِهَا وَيَخْتُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى، فَإِذَا
رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَصَلُوا الصَّلاةَ لِمِيقَاتِهَا وَاجْعَلُوا صَلاَتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً، وَإِذَا كُنْتُمْ
ثَلاثَةٌ فَصَلُوا جَمِيعًا وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلُفْرِشْ
ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَلْيَجْنَأُ وَلْيُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ فَلَكَأَنّى أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلافٍ أَصَابِعٍ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَأَرَاهُمْ.
١٠١٢ - ◌َجْ عَنِ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ(٢٧) أَنَّهُمَا دَخَلا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِى مُعَاوِيَةً وَفِى
حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ وَجَرِيرٍ فَلَكَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلافٍ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ رَاكِعٌ
١٠١٣ - ثٍ عَنِ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَرِ (٢٨) أَنَّهُمَا دَخَلا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَصَلَّى مَن خَلْفَكُمْ؟ قَالَ
نَعَمْ. فَقَامَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنِ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنِ شِمَالِهِ، ثُمَّ رَكَعْنَا فَوَضَعْنَا أَيْدِيَّنَا عَلَى
رُكَبِنَا فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ هَكَذَا فَعَلَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴾.
١٠١٤ - ٣٩ِ عَنِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ (٢٩) قَالَ صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبٍ أَبِى قَالَ وَجَعَلْتُ يَدَيَّ بَيْنَ رُكْبَتَيَّ
فَقَالَ لِى أَبِى اضْرِبْ بِكَفّيْكَ عَلَى رُكْبَيْكَ، قَالَ ثُمَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَرَّةٌ أُخْرَى فَضَرَبَ يَدَيَّ وَقَالَ
إِنَّا نُهِيْنَا عَنِ هَذَا وَأُمِرْنَا مَن نَضْرِبَ بِالأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ.
(٢٦) حَدَّثَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدٍ وَعَلْقَمَةَ قَالا أَيْنًا
عَبْدَاللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ
(٢٧) وحَذَّثَنَا مِنْجَابٌ بْنُ الْحَارِثِ التِّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ قَالَ حِ وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْئَةَ حَدََّا جَرِيرٌ قَالَ حِ وَحَدَّقَيِى
مُحَمَّدُ بْنُ وَافِعٍ حَدَّثَنَا يَخْتَّى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌّ كُلَّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنٍ عَلْقَمَةً وَالأَسْوَدِ
(٢٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبُرَنَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَّ مُوَسَّى عَنِ إِسَّرَائِيلَ عَنِ مَنْصُورٍ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ
عَلْقَمَةً وَالأَسْوَد
(٢٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو ◌َكَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ قَالا حَدَّثْنَا أَبُو عَوَانَةً عَنٍ أَبِى يَعْفُورٍ عَنِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ
١٣٤

١٠١٥ - الْعَنٍ أَبِى يَعْفُورٍ (١١) بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ فُهِينًا عَنْهُ وَلَمْ يَذْكُرَا هَا بَعْدَهُ.
١٠١٦ - ٣٢٠ عَنِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ (٣٠) قَالَ رَكَعْتُ فَقُلْتُ بِيَدَيَّ هَكَذَا يَعْنِى طَبَّقَ بِهِمَا
وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَقَالَ أَبِى قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا ثُمَّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ.
١٠١٧ - ٣١ عَنِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ (٣١) قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِى فَلَمَّا
رَكَعْتُ شَبَّكْتُ أَصَابِعِى وَجَعَلْتُهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَّيَّ فَضَرَبَ يَدَيَّ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ قَدْ كُنًا
نَفْعَلُ هَذَا ثُمَّ أُمِرْنًا مَن نَرْفَعَ إِلَى الرُّكَبِ.
المعنى العام
عبد الله بن مسعود إمام أهل الكوفة وقارئها، يجتمع به أصحابه يتداولون الشريعة ويأخذون عنه
علومها، ويرجعون إليه فى أمورهم المهمة.
رأى الأسود وعلقمة أن الجماعة لا تقام فى المدينة وفى مسجد الجماعة فى أول وقت الصلاة،
وأن الأمير يتأخر فتتأخر الجماعة حتى قرب الوقت التالى، فقاما إلى بيت شيخهما عبد الله بن
مسعود يشكوان إليه، فقال لهما أصلى القوم وصليتما؟ قالا: لا. لم يصل القوم ولم نصل، فقام يصلى
بهما وأوقفهما حسبما يرى أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله مع أن السنة عند العلماء أن يقف
الاثنان صفاً خلف الإمام، فلما ركع وضعا أكفهما على ركبهما حسب السنة المشروعة عن جمهور
العلماء، لكن ابن مسعود يذهب مذهباً آخر كان قبل أن ينسخ وهو تطبيق الكفين بعضهما على بعض
ووضعهما أثناء الركوع بين الفخذين، فنزع ابن مسعود يدى صاحبيه من فوق الركب وأشار لهما
بيديه وطبقهما ووضعهما بين فخذيه، فلما انتهوا من الصلاة قال لهما: هذه الهيئة من تطبيق اليدين
ووضعهما بين الفخذين هى الهيئة التى رأيت رسول الله﴿: يفعلها، وقال لهما: إذا تأخر الأمراء عن
الصلاة فى أول الوقت فصلوا لتنالوا فضيلة أول الوقت ثم صلوا معهم تحسب صلاتكم معهم نافلة.
ثم ساق مسلم حديث مصعب بن سعد بن أبى وقاص: وفيه أن تطبيق اليدين فى الركوع قد نسخ
وأن السنة هى وضع الأكف على الركب، وقد أخذ سعد بيدى ابنه مصعب المطبقتين أثناء الركوع
ووضعهما على الركب، ولما انتهى من الصلاة قال له: كانت السنة التطبيق لكنا نهينا عنه وأمرنا
بوضع الأكف على الركب، فرضى الله عن الصحابة حملة الشريعة الناشرين للسنة المعلمين لها ومن
تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(١٠) حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا أَبُوِ الأَخْوَصِ قَالَ ح وحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عُمَرٌ حَدَثّا سُفْيَاهُ كِلاهُمَا عَنٍ أَبِى يَعْفُورِ
(٣٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى ◌ّشَيْبَةً حَدَّثَا وَكِيعٌ عَنِ إِسْمَعِيلِ بْنِ أَبِى خَالِدٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنِ مُصْعَبٍ بَّنِ سَعْدٍ
(٣١) حَدَّثَنِى الْحَكْمَّ بْنُ مُّوَسَى حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونِّسَ حَدَّثَنَا إِسَّمَعِيلُ بْنُ أَبِى خَالِدٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيْ عَنِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ
١٣٥

المباحث العربية
( أصلى هؤلاء خلفكم) كان حقه أن يقول ((خلفكما)) لأن المخاطب اثنان
والإشارة بهؤلاء إلى الأمير وأتباعه، والمعنى أصلى الأمير وأتباعه الذين هم خلفكم ومن
ورائكم والذين تركتموهم وراءكم؟.
( قال: قوموا فصلوا) كان من حقه أيضًا أن يقول ((قوما فصليا)) لأن الخطاب لهما أيضًا
وسيصف أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله.
( قال: وذهبنا ... إلخ) كان الأصل أن يقول: ((قالا)) كما هو السابق لكنه هنا، وفيما بعد أفرد
القائل، وهذا هو الأصل واحد يتكلم والآخر موافق فيسند القول إليهما، لكن المفروض أن يسير
الأسلوب على وتيرة واحدة بالإفراد أو بالتثنية.
( فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا ) فى الكلام حذف اعتمادًا على المقام، والأصل: فلما
ركع ركعنا ووضعنا أيدينا على ركبنا، والمراد من اليد الكف من إطلاق الكل وإرادة الجزء، أى وضع
كل كف على كل ركبة.
( وطبق بين كفيه ) أى ألصق بطن الكف اليمنى ببطن الكف اليسرى.
( ثم أدخلهما بين فخذيه ) أى أدخل كفيه الملصقتين بين رجليه، بين فخذيه
قريبًا من ركبتيه.
( ستكون عليكم أمراء ) أنت الفعل لأن الفاعل جمع تكسير، وهو جائز، والشائع التذكير.
والظاهر أنه لم يقصد التسويف والمستقبل ويقصد الحال: أى عليكم أمراء يفعلون كذا وكذا لكنه
استخدم أسلوب المستقبل سياسة وتقية.
( يؤخرون الصلاة عن ميقاتها ) أى يؤخرونها عن وقتها المختار، وهو أول وقتها، لا عن
جميع وقتها.
( ويخنقونها ) بضم النون، أى يضيقون وقتها، ويؤخرون أداءها، يقال: هم فى خناق من كذا
أى فى ضيق.
( إلى شرق الموتى ) أى حالة تشبه حالة شرق الموتى، وشرق الموتى هى الفترة التى لا تبقى
الموتى بعدها إلا يسيرًا. أى قرب خروج الروح، أى إلى قرب انتهاء وقت الصلاة.
( واجعلوا صلاتكم معهم سبحة) أى نافلة، أى صلوا قبلهم حفاظًا على وقت الصلاة ثم
صلوا معهم، خوف الفتنة، وصلاتكم معهم تعتبر نافلة. وسيأتى الحكم فى فقه الحديث.
١٣٦

( وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا ) أى جماعة فى صف واحد. وهذا مخالف لما أجمعت عليه
الأمة. وسيأتى الحكم فى فقه الحديث.
( وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم ) أى ليتقدم عليكم وتكونوا صفًا خلفه.
( وليجنا ) بفتح الياء وإسكان الجيم آخره همزة، ومعناه ولينعطف وليحن ظهره ولا يصلبه إلى
أعلى، وضبطه كثير من الشيوخ ((وليحن)) بضم النون وكسرها، من حنا يحنو، وحنى يحنى، ومعناهما
الانعطاف والانحناء.
( فكأنى أنظر إلى اختلاف أصابع رسول الله﴿ فأراهم) كان حقه أن يقول ((فأراها))
ويقصد بهذه الجملة التوثيق بالرواية وأن الحالة التى يرويها وإن كانت غائبة فهى كالحاضرة، ولما
كان نظر الشىء قد يكون عارضًا غير مستقيم فى النفس لانشغالها بآخر عطف عليها الرؤية لإفادة
الوثوق والاستقرار والتيقظ لما نظر. ومراده من اختلاف أصابعه صلى الله عليه وسلم تطبيقها.
( فضرب يدى وقال ) أى ضرب يدى فى الصلاة، وقال بعد انتهاء الصلاة كما تصرح بذلك
الرواية إذ لا يصح أن يقول ذلك فى الصلاة.
فقه الحديث
يتعرض الحديث إلى نقطتين أساسيتين جمهور العلماء على خلافهما.
الأولى تطبيق اليدين ووضعهما بين الفخذين فى الركوع والثانية وضع الاثنين مع الإمام فى صلاة
الجماعة، وإلى نقط تابعة أخرى.
أما عن النقطة الأولى فيقول الإمام النووى: مذهبنا ومذهب العلماء كافة أن السنة وضع اليدين
على الركبتين وكراهة التطبيق إلا ابن مسعود وصاحبيه علقمة والأسود، فإنهم يقولون: إن السنة
التطبيق، لأنهم لم يبلغهم الناسخ، وهو رواية سعد بن أبى وقاص [وهو روايتنا الثالثة والرابعة
والخامسة وما كان بينه وبين ابنه مصعب] والصواب ما عليه الجمهور لثبوت الناسخ الصريح، اهـ
وقال الحافظ ابن حجر فى شرحه لحديث مصعب بن سعد، عند قوله ((كنا نفعله ونهينا عنه
وأمرنا)) قال: استدل به على نسخ التطبيق المذكور، بناء على أن المراد بالآمر والناهى فى ذلك هو
النبى #، وهذه الصيغة مختلف فيها، والراجح أن حكمها الرفع، وهو مقتضى تصرف البخارى، وكذا
مسلم إذ أخرجه فى صحيحه ... ثم قال الترمذى: التطبيق منسوخ عند أهل العلم لاخلاف بين العلماء
فى ذلك إلا ما روى عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون. وحمل الحافظ روايتنا الأولى
والثانية على أن ابن مسعود لم يبلغه الناسخ. ثم قال: وقد روى ابن المنذر عن ابن عمر بإسناد قوى
قال: إنما فعله النبى 28 مرة. يعنى التطبيق. ثم ساق الحافظ ابن حجر روايات أخرى تؤكد نسخ
١٣٧

التطبيق، ثم قال: واستدل ابن خزيمة بقوله ((فنهينا عنه)) على أن التطبيق غير جائز، وفيه نظر
لاحتمال حمل النهى على الكراهة، ويدل على أنه ليس بحرام كون عمر وغيره ممن أنكره لم يأمر من
فعله بالإعادة، اهـ قال الشوكانى: والظاهر ما قاله ابن خزيمة لأن المعنى الحقيقى للنهى على ما هو
الحق التحريم. اهـ والمحقق فى المسألة يرى أن التطبيق لا يتعدى الكراهة، فإن هيئات الصلاة من
رفع اليدين عند الهوى أو وضع اليمنى على اليسرى عند القراءة أو وضع اليدين على الفخذين فى
الجلوس إلخ، هيئات فى درجة السنن، ومخالفة السنة مكروهة، فما بالنا وقد طلب التطبيق فترة من
الزمن وفعله النبى ؟ يؤكد أنها سنن ما أخرجه الترمذى ولفظه ((قال لنا عمر بن الخطاب رضله: إن
الركب سنت فخذوا بالركب)) وفى رواية له ((سنت لكم الركب فأمسكوا بالركب)).
ولست مع القائلين بأن الحكم فى هذه المسألة التخيير استدلالا بما رواه ابن أبى شيبة فى
مصنفه عن على ه قال: إذا ركعت فإن شئت قلت: هكذا - يعنى وضعت يديك على ركبتيك - وإن
شئت طبقت.
فقد قال عنه الحافظ ابن حجر: هو ظاهر فى أن علياً كان يرى التخيير، فإما أنه لم يبلغه النهى،
وإما حمله على كراهة التنزيه. اهـ. وأرجح أنه لم يبلغه النهى لأن حمله على كراهة التنزيه لا يجيزله
أن يخير بين الأمرين. واللَّه أعلم.
وأما عن النقطة الثانية: فقد قال الإمام النووى: وقوف أحد الاثنين على يمين الإمام والآخر عن
يساره مذهب ابن مسعود وصاحبيه، وخالفهم جميع العلماء من الصحابة فمن بعدهم إلى الآن،
فقالوا: إذا كان مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفاً لحديث جابر قال: ((قمت عن يسار رسول اللَّه ◌ُ﴾
فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا حتى أقامنا خلفه)) رواه مسلم. ولحديث أنس قال: قام رسول اللَّه ◌ُ لّ
وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى بنا ركعتين رواه البخارى ومسلم.
وفى الحديث أنه لم يؤذن للصلاة ولم يقم لها، قال النووي: هذا مذهب ابن مسعود له وأصحابه
وبعض السلف من غيرهم وهو أنه لايشرع أذان ولا إقامة لمن يصلى وحده فى البلد الذى يؤذن فيه
ويقام لصلاة الجماعة العظمى، بل يكفى أذانهم وإقامتهم، وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف
إلى أن الإقامة سنة فى حقه ولا يكفيه إقامة الجماعة، واختلفوا فى الأذان، فقال بعضهم: يشرع له،
وقال بعضهم لا يشرع، ومذهبنا الصحيح أنه يشرع له الأذان إن لم يكن سمع أذان الجماعة، وإلا
فلا یشرع، اهـ
والتحقيق أن الحادثة الواردة فى الحديث إنما هى فى قوم يصلون وحدهم فى دار بعيدة عن
مسجد الجماعة، ثم إن الجماعة لم يقيموا الصلاة بعد لتأخيرهم لها، فكيف يعتمد المصلى على إقامة
لاحقة لصلاته؟ والرأى فى ذلك أنهم يقيمون، والمخالف فى ذلك ابن مسعود وأصحابه، أما الأذان
فالخلاف فى: هل يؤذن المنفرد فى بيت أو فى صحراء أو لا يؤذن؟ سمع أذان الجماعة أو لم يسمع؟
هذا الخلاف مبنى على أن الأذان هل هو عبادة من حق الصلاة نفسها أو هو إعلام لجمع الناس؟ فمن
قال بالأول قال يؤذن ولو سمع أذان الجماعة لكن لا يرفع صوته، ومن قال بالثانى قال لا يؤذن إلا إذا
١٣٨

ظن إقبال من يسمع الأذان للصلاة معه. وجوز الإمام أحمد الأمرين، ففى المغنى: ومن دخل مسجداً
قد صلى فيه فإن شاء أذن وأقام، نص عليه أحمد، وإن شاء صلى من غير أذان ولا إقامة، وهذا قول
الحسن والشعبى والنخعى، إلا أن الحسن قال: كان أحب إلىّ أن يقيم، واللَّه أعلم.
ومن قوله ((فصلوا الصلاة لميقاتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة)» نستفيد مشروعية إعادة الصلاة
مع الإمام إذا كانت قد صليت بدونه مفردة أو جماعة وذلك خوف الفتنة وخوف الاتهام بفرقة
الجماعة، وظاهر كلام ابن مسعود أن الصلاة الثانية تقع موقع النافلة وأن الفريضة تسقط بالأولى،
ويؤيده ما رواه الترمذى وأبو داود من أن النبى و# صلى صلاة الغداة فى مسجد الخيف، فرأى فى آخر
القوم رجلين لم يصليا معه، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله، قد صلينا فى
رحالنا، قال: ((فلا تفعلا، إذا صليتما فى رخالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها
لكما نافلة)».
وفى الحديث إنكار تأخير الصلاة عن وقتها المفضل، والظاهر أن ابن مسعود اكتفى بالإنكار
القلبى وصلى فى بيته هو وأصحابه، ولم ينكر على الأمراء مواجهة.
ومن الرواية الأولى والثانية، من قوله ((فضرب أيدينا)) ومن الرواية الثالثة والخامسة من قوله
((فضرب يدى)) يؤخذ مشروعية تعديل أحوال المصلى الآخر بالأفعال ولا تضر الحركات القليلة.
(ملحوظة) فى الرواية الأولى ((أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا)) وفى الرواية الثانية ((أصلى من
خلفكم؟ قالا: نعم)) هذا التناقض فى جواب الأسود وعلقمة لا يمكن حمله على تعدد الواقعة، إذ من
المستبعد أن يوضع أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال فى يوم ويعودا للمخالفة فى يوم آخر، ومن
المستبعد أن يؤمرا بالتطبيق وينهيا عن وضع اليد على الركب ثم يعودا لما نهيا عنه فى يوم آخر.
فالحادثة واحدة، ولا توجيه لهذا التناقض إلا أن تكون الرواية الثانية خاطئة من النساخ أو من الطبعة
التى فى يدى [وهى طبعة المطبعة المصرية بسوق الأوقاف أرض شريف بالقاهرة] وصحتها ((قالا:
لا)) لأن سبب الصلاة مع ابن مسعود تأخير الأمراء للصلاة، ولو أنهما صليا مع الأمراء ما صلى بهما
ابن مسعود.
واللَّه أعلم
١٣٩

(٢٠٠) باب جواز الإقعاء على العقبين
١٠١٨ - ٣٢ عَنِ طَاوُس قَالَ(٣٢) قُلْنَا لابْنٍ عَبَّاسٍ فِى الإِفْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ هِيَ السُّنَّةُ
فَقُلْنَا لَهُ إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِّكَ لِ.
المعنى العام
مازال حرص الصحابة والتابعين على التوصل إلى السنة وإلى الأفضل فى أفعال الصلاة وهيئاتها
مضرب الأمثال وموطن العجب، فهذا طاووس وقد سمع فى الإقعاء قولا يكرهه فى الصلاة يسأل عنه
ابن عباس حبر الأمة يقول له: ماذا ترى فى حكم الإقعاء ووضع الإليتين على القدمين فى الصلاة؟
فيقول ابن عباس: هذا الوضع هو سنة نبيكم فى الصلاة، فيقول له طاووس: إنا لنراه جفاء بالرجل غير
لائق بالمسلم لأنها قعدةٍ مذمومة فى نظرنا، فيقول ابن عباس: بل هى سنة نبيك محمد {#، ويخضع
طاووس للحكم ويسلم لأمر الشريعة تسليما.
المباحث العربية
( فى الإقعاء ) قال النووى: الصواب الذى لامعدل عنه أن الإقعاء نوعان أحدهما أن يلصق
إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، كإقعاء الكلب. هكذا فسره أبو عبيد معمر بن
المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذى ورد فيه
النهى، والنوع الثانى أن يجعل إليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: سنة
نبيكم لد.
( إنا لنراه جفاء بالرجل ) الجفوة هى الغلظة وعدم اليسر وعدم اللين، وقد ضبط لفظ
((الرجل)) فى الحديث بفتح الراء وضم الجيم أى الإنسان، والمعنى أن الإقعاء صعب وشديد على
الإنسان المصلى، وضبط كذلك بكسر الراء وسكون الجيم، والمعنى أن الإقعاء صعب وشديد على أرجل
الإنسان، قال ابن عبد اللَّه: والصواب ضم الجيم وهو الذى يليق به إضافة الجفاء إليه.
فقه الحديث
قال النووى: نص الشافعى ه على استحباب الإقعاء فى الجلوس بين السجدتين [بمعنى وضع
(٣٢) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حٍ وَحَدََّنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ وَتَفَّارَبَا فِى اللَّفْظِ قَالا
جَمِيعًا أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبُرَنِى أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَّاوُسًا يَقُولُ
١٤٠