Indexed OCR Text

Pages 101-120

أبا ذر يقول: سألت رسول اللَّه ◌َ ل، أى المساجد فى الأرض وضعها الله أولاً للناس للصلاة فيها؟، ومن
الطبيعى أن يكون أول مكان وضع للعبادة وقامت فيه العبادة أفضل الأماكن - قال رسول اللّه صل﴾.
أول مسجد وضع فى الأرض للعبادة هو المسجد الحرام بمكة، قال أبوذر: ثم ما هو المسجد الثانى؟
قال صلى الله عليه وسلم: المسجد الأقصى ببيت المقدس، قال أبو ذركم سنة كانت بينهما! قال
صلى الله عليه وسلم: أربعون سنة، وخشى صلى الله عليه وسلم أن تحرص أمته على السفر إلى هذين
المسجدين فأشار إلى أن الأرض كلها صالحة للصلاة عليها، ورب مصل بقلب خاشع وإخلاص فى
غير هذين المسجدين أفضل من بعض من يصلى فيهما بالليل والنهار.
وفى الحديث الآخر يسوق مسلم قول رسول اللّه ل﴾: فضلت على من سبقنى من الأنبياء بخصال:
لا أقول ذلك فخراً وكبراً إنما أتحدث بنعمة الله تعالى لأزداد شكراً، ولتشكر أمتى ربها على تكريمها
وتكريم نبيها، من هذه الخصائص: كان كل نبى يرسل إلى قوم محددين تنتهى رسالته عندهم وتنتهى
بعده وبعدهم، لكن محمداً # أرسل إلى أهل الأرض جميعاً من يوم بعثته إلى يوم القيامة، وكان من
قبله إذا غنموا لم تحل لهم الغنائم، بل كانت تترك فى العراء حتى تهلك فأحل الله له ولأمته الغنائم،
وكان من قبله لايصلون إلا فى كنائسهم ومعابدهم، ولا يصح طهورهم إلا بالماء فجعل اللّه لمحمد
وأمته الأرض كلها صالحة للصلاة عليها وترابها صالحاً للتيمم والتطهر، فأى مسلم أدركته الصلاة
وحان وقتها وكاد يخرج ولم يجد ماء فعنده مسجده وطهوره فليتيمم وليصل، ومن خصوصياته صلى
الله عليه وسلم أن اللَّه كان يلقى الرعب فى قلوب أعدائه، مما يسهل له النصر عليهم، وأنه أعطى
الشفاعة العظمى يوم القيامة، وختم به النبيون فلا نبى بعده، وأعطى القرآن وهو جوامع الكلم، قليل
اللفظ كثير المعنى، وبشره الله بأن أمته سيفتح اللّه عليها كنوز الأرض، فتصبح مالكة لكثير من
بقاعها، مالكة لكثير من كنوزها وخيراتها، وقد وقع ما أخبر به صلى اللّه عليه وسلم وما بشربه.
نسأل الله أن يجعل هذه الكنوز وهذه الخيرات فى خدمة الآخرة، إنه سميع مجيب.
المباحث العربية
( أى مسجد) فى بعض الروايات ((أى بيت)) والمراد من البيت المسجد، كما فى قوله تعالى
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ﴾ [آل عمران: ٩٦].
( وضع فى الأرض ) أى وضع للعبادة.
( أولا ) فى رواية البخارى ((أول)) بالبناء على الضم، لقطعه عن الإضافة، مثل قبل وبعد،
والتقدير: أول كل شىء، وروايتنا بالنصب والتنوين، ويجوز فيه المنع من الصرف.
( المسجد الحرام ) خبر مبتدأ محذوف. أى أول مسجد وضع فى الأرض المسجد
الحرام بمكة.
١٠١

( ثم أى )؟ بالتنوين، وبعدم التنوين، وقيل: الصواب أنه غير منون لأن السائل ينتظر الجواب،
والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة، ثم يؤتى بما بعده، وهو
مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوف لفظًا، والتقدير: ثم أى مسجد وضع بعد المسجد الحرام؟.
( المسجد الأقصى ) قيل: سمى الأقصى لبعده عن المسجد الحرام فى المسافة، وقال
الزمخشرى: سمى الأقصى لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبث، وهو
ببيت المقدس.
( كم بينهما )؟ أى من الزمن؟ أى كم سنة بين وضعهما فى الأرض؟.
( أينما أدركتك الصلاة فصل) ((أينما)) أداة شرط للمكان، و((ما)) زائدة، والمقصود إدراك
وقت الصلاة، أى فى أى مكان أدركك وقت الصلاة فصل.
( فهو مسجد ) فالمكان مسجد.
( ثم حيثما أدركتك الصلاة فصله) الهاء فى ((فصله)) هاء السكت، فهى بمعنى
رواية ((فصل».
( كنت أقرأ على أبى القرآن فى السدة ) بضم السين وتشديد الدال، واحدة السدد، وهى
المواضع التى تطل حول المسجد وليست منه، وليس لها حكم المسجد إذا كانت خارجة عنه.
( أعطيت خمسًا ) فى الرواية الرابعة ((فضلنا على الناس بثلاث)) وفى الرواية الخامسة
((فضلت على الأنبياء بست)) واختلاف الروايات فى العدد مشكل عند من يرى أن مفهوم العدد حجة،
وفى فقه الحديث نذكر الإجابات عن هذا الإشكال.
( لم يعطهن أحد قبلى ) أى من الأنبياء، بدليل قوله ((كان كل نبى)) إلخ.
( كان كل نبى يبعث ) أى كان كل رسول يبعث .... إلخ.
( وبعثت إلى كل أحمر وأسود ) قيل: المراد بالأحمر وبالأسود العرب، وقيل: الأحمر الإنس
والأسود الجن: والأولى جعل ذلك كناية عن الكل، كأنه قال: إلى كل لون، يؤكده رواية للبخارى («إلى
الناس عامة)) وروايتنا الخامسة، ((إلى الخلق كافة)).
( وأحلت لى الغنائم ) وفى رواية ((المغانم)).
( فأيما رجل ) أى مبتدأ فيه معنى الشرط، و(ما)) مزيد للتأكيد، وذكر الرجل للتغليب والحكم
يشمل النساء.
(وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا ) أى موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع،
١٠٢

ويصح أن يراد بالمسجد المعروف، والكلام على التشبيه، أى جعلت لنا الأرض كلها كالمسجد فى
صحة الصلاة عليها.
(وجعلت تربتها لنا طهورًا ) تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره.
(وذكر خصله أخرى) اعتبر جعل الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا خصلة واحدة، فلم يذكر
الراوى سوى ثنتين من ثلاث. وهذه الخصلة المبهمة بينها ابن خزيمة والنسائى ((وهى)) وأعطيت هذه
الآيات من آخر سورة البقرة من كنزتحت العرش ».
( أتيت بمفاتيح خزائن الأرض ) كناية عما فتح اللَّه لأمته من المال والدنيا.
( فوضعت فى يدى ) بلفظ التثنية، وهو كناية عن امتلاكها، والمراد امتلاك أمته لها.
( وأنتم تنتثلونها ) أى تستخرجون ما فى خزائن الأرض وتنتفعون بها.
فقه الحديث
تتناول هذه الأحاديث مسألتين أساسيتين:
الأولى: وهى المقصودة بكتاب المساجد، جعل الأرض لنا مسجدًا وطهورًا.
الثانية: خصائصه صلى اللّه عليه وسلم وخصائص أمته.
وفيما يتعلق بالمسألة الأولى يتشعب البحث إلى أفضل بقاع الأرض من حيث العبادة، ثم
صلاحية عامة الأرض للصلاة عليها وللتيمم من ترابها.
والرواية الأولى والثانية تنصان على فضل المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى من حيث تقدم
وضعهما فى الأرض لعبادة الناس.
والروايتان تصرحان بأن المسجد الحرام أول مسجد وضع للناس فى الأرض، وهو موافق لقوله
تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لََّّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٩٦] ولا خلاف
فى ذلك، وإنما الخلاف فى أول من بناه، ففى بعض الآثار أن أول من بناه الملائكة، ثم آدم ثم شيث،
ثم غمره طوفان وأزال معالمه، ثم بوأ اللَّه مكانه لإبراهيم وعرفه إياه فيناه.
والروايتان تصرحان بأن بين بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى أربعين عاما، وهذا مشكل
بالنسبة لما هو مشهور من أن بانى البيت الحرام إبراهيم عليه السلام، وبانى المسجد الأقصى داود ثم
ابنه سليمان عليهما السلام، وبين بناء إبراهيم وبنائهما مدة تزيد على الأربعين بأمثالها، حتى قيل:
إن بينهما أكثر من ألف عام، وأجيب عن هذا الإشكال بأجوبة كثيرة، منها: أن الحديث يشير إلى أول
بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وأول من وضع أساسهما، وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة،
١٠٣

ولا سليمان أول من بنى المسجد الأقصى، يصرح بذلك القرطبى حيث يقول: إن الحديث لا يدل على
أن إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتداً وضعهما، بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما.
وقيل: إن إبراهيم عليه السلام هو الذى بنى المسجد الحرام والمسجد الأقصى وبين بنائه لهما
أربعون سنة، وما حصل من داود وسليمان تجديد لا تأسيس، قال الحافظ ابن حجر: والأول أوجه.
هذا من ناحية أولية الوضع والبناء، أما من ناحية الأجر وثواب العبادة فإن مسجد الرسول 3 #
بالمدينة أصبح فى الدرجة الثانية بعد المسجد الحرام، فقد روى الإمام أحمد وصححه ابن حبان
((صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة فى
المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فى هذا)» وعند ابن ماجه («صلاة فى مسجدى أفضل من ألف
صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه))
وروى البزار والطبرانى ((الصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة فى مسجدى بألف
صلاة، والصلاة فى بيت المقدس بخمسمائة صلاة)).
ولأفضلية العبادة فى هذه المساجد روى البخارى عن النبى 8 قال ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة
مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول (8، ومسجد الأقصى)) وأما صلاحية الأرض عامة للصلاة
عليها وللتيمم من تربتها فهى المقصود الأساسى لإيراد أحاديث الباب، وقد استدل بقوله ((وأينما
أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد)) على جواز الصلاة فى جميع المواضع التى لانتيقن نجاستها، مع
مراعاة ما استثناه الشرع كالصلاة فى المقابر والمزابل والمجازر، وأعطان الإبل وقارعة الطريق،
والحمام، وغير ذلك مما ورد النهى بها على خلاف فى المذاهب.
كما استدل المالكية والحنفية بقوله فى الرواية الثالثة ((وجعلت لى الأرض طيبة طهورًا
ومسجدًا)) على أنه يجوز التيمم بجميع أجزاء الأرض، ولا يختص التيمم بالتراب، فالتعبير بأن الأرض
طهور - أى مطهر - عام فى جميع أجزائها، فإن قيل لهم: إن المراد بالطهور فى هذه الرواية الطاهرة،
أى صالحة للصلاة عليها، قالوا: إن معنى ((طيبة)) طاهرة، فلوكان معنى ((طهورا)) طاهرة للزم التكرار
وتحصيل الحاصل، لكن المعنى على تفسيرنا: طاهرة مطهرة، ويؤيد هذا القول رواية البيهقى ((فأيما
رجل من أمتى أتى الصلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طهورًا ومسجدًا))، وعند أحمد ((فعنده طهوره
ومسجده)» وفى رواية ((فأينما أدركتنى الصلاة تيممت وصليت)) فكل هذه الألفاظ فى مطلق الأرض ولا
خصوص التراب.
واستدل الشافعية والحنابلة بالرواية الرابعة، وفيها ((وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت
تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء)) فهذه الرواية مقيدة لما يطهر من الأرض، وهو التراب، ويحمل
المطلق فى الروايات السابقة على المقيد فإن قيل لهم: إن التعبير بالتربة لايقتصر على التراب، فقد
قيل: إن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره قالوا: بل ورد فى الحديث المذكور بلفظ ((التراب))
أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفى حديث على أخرجه أحمد والبيهقى بإسناد حسن وجعل التراب لى
طهورًا، والله أعلم.
١٠٤

والمتحصل من روايات الباب عشر خصال اختص بها النبى وُ # هى:
١- كان كل نبى يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود.
٢- أحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى.
٣- جعلت لى الأرض طيبة طهورًا ومسجدًا.
٤ - نصرت بالرعب بين يدى مسيرة شهر.
٥- أعطيت الشفاعة.
٦ - جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة.
٧- أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنزتحت العرش [وهى الخصلة
المبهمة فى الرواية الرابعة].
٨- أعطيت جوامع الكلم.
٩- ختم بى النبيون.
١٠ - أتيت بمفاتيح خزائن الأرض.
وفى كتب أخرى روايات بها زيادات، منها:
١ - وسميت أحمد [رواها أحمد].
٢- وجعلت أمتى خير الأمم [رواها أحمد].
٣- غفر لى ماتقدم من ذنبى وما تأخر [رواها البزار].
٤- وأعطيت الكوثر [رواها البزار].
٥- وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه [رواه البزار].
٦ - وكان شيطانى كافراً فأعاننى الله عليه فأسلم [رواه البزار].
فينتظم بهذا ست عشرة خصلة، قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن
التتبع، وقد ذكر النيسابورى فى كتاب ((شرف المصطفى)) أن عدد الذى اختص به نبينا {8 * على
الأنبياء ستون خصلة. اهـ
والذى يعنينا الآن ما ورد فى روايات الباب، وسأقتصر فى الكلام عليه.
ولا إشكال فى قوله ((خمساً)) وقوله ((بثلاث)) وقوله ((بست)) مع وصول العدد إلى ما وصل إليه،
لأن بعضهم يقول: إن مفهوم العدد ليس بحجة. والبعض يرفع الإشكال بأنه صلى الله عليه وسلم اطلع
أولا على بعض ما اختص به، فأخبر عنه، ثم اطلع على غيره فأخبر عنه.
١٠٥

والذى أميل إليه هو الأول، لأن قولنا: فيك عشر خصال لايعتبر فى اللغة العربية من أساليب
القصر، ولا يمنع أن يكون فيك خصال أخرى، ويمكن أن أقول: خصصت بخمس فلا تمنع العبارة أن
أكون خصصت بغيرها، وكل ما تدل عليه العبارة أن كل واحدة مما اختص به صلى الله عليه وسلم لم
تكن لأحد قبله. والمتمعن فى الخصال العشر يرى أن بعضها خاص به صلى الله عليه وسلم، لاتشاركه
فيها أمته كالخصلة الأولى والرابعة والثامنة والتاسعة، وبعضها تشترك معه فيها أمته، كحل الغنائم،
وطيب الأرض، وآخر سورة البقرة، ومفاتح خزائن الأرض، وبعضها خصوصية لأمته كجعل صفوفها
كصفوف الملائكة. فإسناد الخصوصيات إليه صلى الله عليه وسلم فى حالة كونها للأمة إسناد
تشريف وتكريم، لأنها إنما خصت بذلك من أجله تكريماً له فهى خصوصية له صلى الله عليه وسلم،
ولنعرض بشىء من التفصيل للخصوصيات العشر:
١ - فعموم رسالته صلى الله عليه وسلم للناس كافة منذ بعثته إلى يوم القيامة محل إجماع المسلمين،
وكونها خاصة به لم تعط لنبى قبله أمر واضح، لكنه أشكل عليه أولا بأن نوحًا التَّئة دعا على أهل
الأرض بالهلاك بقوله ﴿ رَبِ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَیَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ولو لم یکن مرسلا
إليهم ما دعا عليهم، وثانيًا بأن نوحًا بعد الطوفان كانَ مرسلاً إلى الناجين، وهم الأحياء على
الأرض، وثالثًا أنه صح أن أهل الموقف يوم القيامة يسألون نوحًا الشفاعة بقولهم أنت أول رسول
إلى أهل الأرض. إذ كل ذلك يوهم عموم رسالة نوح عليه السلام.
وأجيب عن الشبهة الأولى بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم فى أثناء مدته، وعلم نوح بأنهم لم
يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه ومن غيرهم، فأجيب، ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى
التوحيد بلغ بقية الناس، فتمادوا على الشرك، فاستحقوا العقاب، ويحتمل أنه لم يكن فى الأرض
عند إرسال نوح إلا قوم نوح فبعثته خاصة، لكونها إلى قومه فقط، وهى عامة فى الصورة، لعدم
وجود غيرهم، لكن لواتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثًا إليهم، ويمكن أن يكون هذا جوابًا للإشكال
الثانى، وهو أن نوحًا بعد الطوفان كان مرسلا إلى الناجين، وهم الأحياء على الأرض، كما يمكن
أن يكون جوابًا للإشكال الثالث وهو قول أهل الموقف لنوح عليه السلام: ((أنت أول رسول إلى
أهل الأرض)» على أنه يمكن أن يكون مرادهم من هذا القول إثبات أولية إرساله لا عموم بعثته.
وإذن لادليل على عموم رسالة نوح عليه السلام، وكل ما استدل به على ذلك تطرق إليه
الاحتمال فسقط به الاستدلال، على أن القرآن الكريم صرح فى غير موضع على أن
إرسال نوح كان إلى قومه.
٢- وأما الغنائم فقد قال الخطابي: كان من تقدم على ضربين، منهم من لم يؤذن له فى الجهاد، فلم
تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئاً لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت
نار فأحرقته.
وقيل: المراد أنه خص بالتصرف فى الغنيمة يصرفها كيف شاء. قال الحافظ ابن
حجر: والأول أصوب.
١٠٦

٣- وأما الخصوصية فى جعل الأرض طهورًا ومسجدًا فقال ابن التيمى: قيل: المراد جعلت لى الأرض
مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيرى مسجدًا ولم تجعل له طهورًا، لأن عيسى عليه السلام كان يسيح
فى الأرض، ويصلى حيث أدركته الصلاة، وقيل: إنما أبيح لهم الصلاة فى موضع يتيقنون طهارته،
بخلاف هذه الأمة فأبيح لها فى جميع الأرض إلا فيما تيقنوا نجاسته. قال الحافظ ابن حجر:
والأظهر ما قاله الخطابى، وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلوات فى أماكن مخصوصة،
كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية ((وكان من قبلى إنما كانوا يصلون فى كنائسهم)) وما أخرجه
البزار بلفظ (ولم يكن من الأنبياء أحد يصلى حتى يبلغ محرابه» قال الحافظ ابن حجر: وهذا
نص فى موضع النزاع.
٤- وأما خصوصية النصر بالرعب ففى رواية أحمد زيادة ((يقذف فى قلوب أعدائى)» قال الحافظ ابن
حجر مفهوم رواية ((نصرت بالرعب مسيرة شهر)) أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب فى هذا المدة،
ولا فى أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن رواية ((ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بينى وبينهم
مسيرة شهر)) ظاهرها اختصاصه به مطلقاً، وإنما جعل الغاية شهراً لأنه لم يكن بين بلده وبين
أحد من أعدائه أكثر منه. وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى ولوكان وحده بغير
عسكر، ثم قال: وهل هى حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال. اهـ وهذا الاحتمال إنما يصح إذا
كانت أمته قائمة على شريعته وسنته. والله أعلم.
٥- وأما الشفاعة فقد قال ابن دقيق العيد: الأقرب أن اللام فيها للعهد، والمراد بها الشفاعة العظمى
فى إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف فى وقوعها، وكذا جزم النووى وغيره.
وقيل: الشفاعة التى اختص بها أنه لا يرد فيما يسأل، وقيل: الشفاعة لخروج من فى قلبه مثقال
ذرة من إيمان ، لأن شفاعة غيره تقع فيمن فى قلبه أكثر من ذلك، وفيها أقوال أخرى. والأول
هو الصواب.
٦- وأما صفوف الملائكة فالمقصود الصفوف فى صلاة الجماعة، ووجه الشبه الاستقامة فى
المساجد صفاً صفاً كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُّ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] والاستدارة حول
الكعبة كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِّهِمْ ﴾ [غافر: ٧].
٧- وخواتيم سورة البقرة إشارة إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا ولا تَحْمِلْ
عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْلَنَا
وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٨- وأما جوامع الكلم فقيل المراد بها القرآن الكريم، لأنه قليل اللفظ كثير المعانى، وقيل: كلامه صلى
الله عليه وسلم، حيث أوتى الحكمة وفصل الخطاب.
٩- وأما ختمه للنبيين فهو صريح قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ
وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
١٠٧

١٠- وأما مفاتيح خزائن الأرض فهو إخبار منه صلى الله عليه وسلم بفتح البلاد لأمته، ووقع كما
أخبر، فهو علم من أعلام النبوة. قاله النووی.
ويؤخذ من الحديث فوق ماتقدم
١ - مشروعية تعديد نعم الله.
٢ - وإلقاء العلم قبل السؤال.
٣- واستدل به على كرامة الآدمى، لأنه خلق من ماء وتراب وكل منهما طهور كذا قيل.
واللَّه أعلم
١٠٨

(١٩٥) بناء مسجد المدينة - والصلاة فى مرابض الغنم
٩٧٤-١° عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَ﴾(٩) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ فِى عُلْوِ الْمَدِينَةِ فِى
حَيِّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلإِ يَنِى الْجَّارِ
فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ قَالَ فَكَأَنِى أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ْ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ
وَمَلَأُ بَنِى النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِى أَيُّوبَ قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يُصَلِّى حَيْثُ
أَذْرَكَتْهُ الصَّلاةُ وَيُصَلِّى فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدٍ قَالَ فَأَرْسَلَ إِلَى مَلٍ بَنِى النَّجَّارِ
فَجَاءُوا فَقَالَ: «يَا بَنِى النَّجَّارِ ثَامِنُونِى بِخَائِطِكُمْ هَذَا﴾ قَالُوا: لا وَاللَّهِ لا نَطْلُبُ ثَمَّنَهُ إِلا إِلَى
اللَّهِ. قَالَ أَنَسّ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ: كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَخِرَبٌ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ
◌َ* بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ. وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فُبِشَتْ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ. قَالَ فَصَفُوا النَّخْلَ قِبْلَةٌ.
وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةٌ. قَالَ فَكَانُوا يَرْتَجِزُونُ وَرَسُولُ اللَّهِوَ﴿ مَعَهُمْ. وَهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ
إِنَّهُ لا خَيْرَ إِلا خَيْرُ الآخِرَةْ فَانْصُرْ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةِ.
٩٧٥- ١٢ عَنِ أَنَسِ رُ(١٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانُ يُصَلَّى فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ. قَبْلَ أَث
يُبْنَى الْمَسْجِدُ.
المعنى العام
تواترت الأخبار بورود النبى # قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول وله من العمر ثلاث
وخمسون سنة، فنزل على كلثوم بن هدم فى حى بنى عمرو بن عوف، ونحر جزوراً، وأقام فى قباء أربع
عشرة ليلة، ثم أرسل إلى أشراف بنى النجار فى المدينة وهم أخوال جده عبد المطلب فجاءوا
متقلدين سيوفهم معلقيها على أكتافهم استعدادًا للدفاع ورمزاً للنجدة، وركب رسول اللّه {* ناقته
القصواء وأردف أبا بكر خلفه عليها، وملأ بنى النجار ووجهاؤهم حوله يحيطون بركبه تكريماً
وتشريفاً، وسار الركب حتى دخل المدينة، وكل يريد أن يشرف بنزول رسول اللَّه مَ ﴿ فى داره أو
بجوارها، يحاولون إيقاف الناقة فيقول صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها مأمورة حتى وصلوا إلى
بيت أبى أيوب، وفى فناء البيت بركت الناقة، فأخذ جبار بن صخر ينخسها برجله لتقوم يبغى أن
(٩) حَذََّا يَحْثَى بْنُ يَحْتَى وَشَيْيَاهُ بْنُ فَرُّوخَ كِلاهُمَا عَنِ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ يَحْتَى أَخْبُرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ أَبِى النَّاحِ
الضُّبَعِيِّ حَدَّثَنَا أَنْسُ بْنُ مَالِكٍ
(١٠) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَِّى أَبُو الْيَّاحِ عَنِ أَنْسٍ
- حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ حَبِيبٍ أُخْرَا خَالِدٌ يَعْنَى ابْنَ الْحَارِثِ حَذََّنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِى أَلْتَّاحِ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
عَل* بِمِثْلِهِ.
١٠٩

تصل إلى داره، ورآه أبو أيوب، فقال: ياجبار، أعن منزلى تنخسها؟ أما والذى بعثه بالحق لولا الإسلام
لضربتك بالسيف.
وكان رسول اللَّه * يعتزم بناء مسجد، ووقع اختياره على أرض لبنى النجار فيها نخل وفيها قبور
المشركين وفيها آثار بناء محطم وبها حفر، فقال: يابنى النجار. ساومونى على هذه الأرض لأشتريها
فأقيم عليها مسجدًا نصلى فيه. قالوا: لا، واللَّه لا نأخذ لها ثمنًا إنما هى للَّه تعالى.
فأمر رسول اللَّه# أصحابه بقطع النخل فقطعوه، وأمر بقبور المشركين فنبشت، وجمع عظامها
وترابها وغيبت فى باطن الأرض، وأمر بآثار الهدم والحجارة فسويت ومهدت الأرض واستوت ثم بنى
المسجد، صفوا النخل حائطا جهة القبلة، جهة القدس بطول مائة ذراع، وبنيت جدارته باللبن بعد
أساس من الحجارة، وجعل ارتفاع الجدار قامة وبسطة، وجعل طول الضلع مائة ذراع، فهو مربع،
وجعل له ثلاثة أبواب: باب فى مؤخره، وباب يقال له باب الرحمة، وهو الباب الذى يدعى باب
العاتكة، والثالث الذى يدخل منه عليه الصلاة والسلام، وهو الباب الذى يلى آل عثمان، وجعل جانبى
الباب من الحجارة، وجعل عمد المسجد من جذوع النخل وسقفه من جريد النخل، وكان النبى وَ *
ينقل معهم الحجارة واللبن بنفسه وهو ينشد معهم: اللَّهم لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار
والمهاجرة. ولم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه فى عهد النبى { * باللبن والجريد،
وأعاد عمده خشبًا. ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بحجارة منقوشة والقصة، وجعل
عمده حجارة منقوشة، وسقفه بالساج وكان صلى الله عليه وسلم يصلى على الأرض حيث أدركته
الصلاة فى أى مكان، وبعد أن بنى المسجد لم يكن يصلى إلا فى المسجد حيث أمكنه صلى الله عليه
وسلم وكان يصلى فى مرابض الغنم وأماكن نومها ومبيتها، فالأرض كلها مسجد وطهور. والله أعلم.
المباحث العربية
( قدم المدينة ) المنورة فى الهجرة.
( فنزل فى علو المدينة ) قال النووي: هو بضم العين وكسرها لغتان مشهورتان. اهـ وعلو
المدينة هو العالية، وفى رواية للبخارى ((فنزل فى أعلى المدينة)).
( فى حى ) بتشديد الياء وهى القبيلة.
(فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ) هذه رواية الأكثرين، وفى رواية ((بضع عشرة ليلة)) ولا خلاف
بينهما، لكن فى رواية المستعلى والحموى ((أربعًا وعشرين ليلة)) قال الحافظ ابن حجر: والأول
هو الصواب.
( ثم أرسل إلى ملإبنى النجار) فى رواية البخارى ((إلى ملا من بنى النجار)) والملأ
الجماعة، والملأ أشراف القوم ورؤساؤهم، وهو المراد هنا، وبنو النجارهم بنو تيم اللات بن ثعلبة، وتيم
١١٠

اللات هو النجار، وإنما طلب بنى النجار لأنهم كانوا أخواله صلى الله عليه وسلم، لأن هاشما جده
صلى الله عليه وسلم تزوج من بنى النجار بالمدينة فولدت له عبد المطلب، فأراد النبى * النزول
عندهم لما تحول من قباء، ففى الكلام حذف، والأصل أقام فى حى عمر بن عوف أربع عشرة ليلة ثم
نزل المدينة، ثم أرسل إلى ملا بنى النجار.
( فجاءوا متقلدين بسيوفهم) منصوب على الحال، وفى رواية للبخارى ((مقلدى السيوف))
بالإضافة، وفى رواية الأكثرين ((متقلدين السيوف)) بنصب السيوف على المفعولية، وتقلد السيف،
جعل بجاده على المنكب، مظهر من مظاهر القوة والنجدة.
( على راحلته) الراحلة المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى وكانت راحلته صلى اللّه عليه
وسلم ناقة تسمى ((القصواء)».
( وأبوبكر ردفه ) جملة اسمية فى محل النصب على الحال، والردف بكسر الراء وسكون الدال
المرتدف وهو الذى يركب خلف الراكب، وكأن النبى # أردفه تشريفًا له وتنويها بقدره. وقد كان
لأبى بكر ناقة هاجر عليها، فلعلها كانت معهم وتركها لشرف الارتداف، أو لعله تركها فى بنى عمرو
ابن عوف لمرض أو غيره، أو لعله ردها إلى مكة ليحمل عليها أهله.
( وملأ بنى النجار حوله ) قال الحافظ ابن حجر: وكأنهم مشوا حوله ومعه أدبا.
( حتى ألقى ) أى ألقى رحله.
( بفناء أبى أيوب ) أى بفناء دار أبى أيوب، والفناء بكسر الفاء سعة أمام الدار، أوهو ما
امتد من جوانب الدار مكشوفًا: وأبو أيوب هو خالد بن زيد الأنصارى.
( ويصلى فى مرابض الغنم ) جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء، قال أهل اللغة: هى
مباركها ومواضع مبيتها ووضعها أجسادها على الأرض للاستراحة، ويقال ذلك أيضاً لكل دابة من
ذوات الحوافر والسباع قاله ابن دريد، وفى الصحاح: ربض الغنم والبقر والفرس والكلب مثل بروك
الإبل وجثوم الطير١ هـ
( ثم إنه أمر بالمسجد) قال النووى: ضبطناه ((أمر)) بفتح الهمزة والميم و((أمر)) بضم الهمزة
وكسر الميم، وكلاهما صحيح. اهـ وهمزة ((إنه)) مكسورة لأنه كلام مستقل بذاته، والضمير للنبى 8%
على رواية ((أمر)) بالبناء للمعلوم، وهو ضمير الشأن فى رواية بنائها للمجهول. قاله العينى، وهو مبنى
على أن المأمورين الصحابة والآمر المحذوف هو الرسول لكن لو قدرنا الآمر هو الله والمأمور هو
الرسول صح جعل الضمير فى ((إنه)) للرسول أيضًا كرواية البناء للمعلوم. والمسجد بكسر الجيم
وفتحها، هو الموضع الذى يسجد فيه، وفى الصحاح: المسجد بفتح الجيم موضع السجود وبكسرها
البيت الذى يصلى فيه، ومن العرب من يفتح كلا الوجهين، وعن الفراء: سمعنا المسجد بكسر الجيم،
والفتح جائز وإن لم نسمعه. اهـ. والمعنى أمر ببناء المسجد.
١١١

( ثامنونى بحائطكم هذا ) قال الكرمانى: معناه، بيعونيه بالثمن، وقال بعضهم: اذكروا لى
ثمنه، قال العينى: هو من ثامنت الرجل فى البيع أثامنه إذا قاولته فى ثمنه، وساومته على بيعه
وشرائه قال الحافظ ابن حجر: معناه: اذكروا لى ثمنه لأذكر لكم الثمن الذى أختاره. قال ذلك على
سبيل المساومة. فكأنه قال: ساومونى فى الثمن. والحائط هنا البستان بدليل وجود النخل فيه،
وفى رواية ((كان مريدًا)) وهو الموضع الذى يجعل فيه التمر ليجف، ولا مانع من أن يكون تجفيف
التمر فى بستان.
( لا نطلب ثمنه إلا إلى الله) قال الحافظ ابن حجر: تقديره لا نطلب الثمن، لكن الأمر فيه
إلى اللَّه، ف((إلا)) فيه بمعنى ((لكن)) - أو ((إلى)) بمعنى ((من)) ويقويه رواية الإسماعيلى ((لا نطلب ثمنه
إلا من الله)) وزاد ابن ماجه ((أبدا)).
( فكان فيه ما أقول ) أى كان فى الحائط ما سأقوله لكم.
( كان فيه نخل ) بيان ((ما أقول)) بإعادة الجملة.
(وقبور المشركين ) ((أل)) فى المشركين للعهد، أى مشركى هذه الديار.
(وخرب) فى رواية البخارى ((وفيه خرب)) بإعادة الجار والمجرور فى الكل. قال النووي:
((وخرب)) ضبطناه بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء، قال القاضى: رويناه هكذا، ورويناه بكسر الخاء
وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو ماتخرب من البناء، قال الخطابي: لعل صوابه بضم الخاء جمع
خربة بالضم، وهى الخروق فى الأرض، أو لعله حرف، قال القاضى: لا حاجة إلى هذا التكلف لأنه كما
أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخرب فرفعت رسومها وسويت مواضعها لتصير جميع الأرض
مبسوطة مستوية للمصلين، وكذا فعل بالقبور اهـ
( ويقبور المشركين فنبشت ) أى وأمر بقبور المشركين فنبشت، وأمر بالعظام أن تجمع وأن
يحفرلها وأن تغيب.
( فصفوا النخل قبلة ) أى جهة القبلة وكانت بيت المقدس، وليس المراد بالقبلة هنا
المحراب المعهود الذى يرمز إلى الجهة فى مساجد اليوم، فإنه لم يكن كذلك فى ذلك الوقت.
(وجعلوا عضادتيه حجارة ) أى وجعلوا عضادتى المسجد حجارة، فالضمير يعود على
معهود، ورواية البخارى أوضح، ولفظها ((فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة))
والعضادة بكسر العين جانب الباب، وعضادتا الباب ماكان عليهما يطبق الباب إذا أغلق، وفى
التهذيب للأزهرى: عضادتا الباب الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله وفوقهما
العارضة، وهو ما يسمى فى هذه الأيام بحلق الباب.
١١٢

( فكانوا يرتجزون ) أى يتعاطون نوعاً من ضروب الشعر، وأكثر العروضيين وأهل الأدب على
أن الرجز لايكون شعرًا. قال ابن التين: لايطلق على الرجز شعر، إنما هو كلام مرجز مسجع، بدليل أنه
يقال لصانعه راجز، ولا يقال أنشد شعرًا والتحقيق أنه من الشعر.
(فاغفر للأنصار والمهاجرة ) فى رواية المستعلى والحموى ((فاغفر الأنصار)» بحذف اللام،
قال الحافظ ابن حجر: ووجهه أن يضمن ((اغفر)) معنى ((استر)) وقد رواه أبو داود ((فانصر الأنصار))
وقال الكرمانى: واعلم أنه لو قرئ هذا البيت بوزن الشعر ينبغى أن يوقف على الآخرة والمهاجرة
بالهاء، إلا أنه قيل: إنه صلى الله عليه وسلم قرأهما بالتاء متحركة خروجاً عن وزن الشعر.
فقه الحديث
ذكر الحديث فى مسلم بدون ترجمة تابعًا لباب: الأرض كلها مسجد، ومقصوده الصلاة فى
مرابض الغنم، وصدر الحديث يناسب كتاب الهجرة وسنتعرض فى شرح الحديث إلى النقاط التالية:
١- الجمع بين رواية هبة أرض المسجد الواردة هنا وبين روايات شراء الرسول 58 للأرض.
٢ - حكم نبش القبور وبناء مساجد مكانها.
٣- الصلاة فى مرابض الغنم.
٤- ما يؤخذ من الحديث. وهذا هو التفصيل:
١ - ظاهر الحديث أن الرسول * أخذ أرض المسجد تبرعا من بنى النجار، محتسبين أجرها عند الله
تعالى، وهذا هو المشهور المروى فى الصحيحين، وذكر محمد بن سعد فى الطبقات عن الواقدى
أن النبى ◌ُ اشتراه منهم بعشرة دنانير دفعها أبوبكر الصديق، ويقال: كان ذلك مربد اليتيمين،
فدعاهما النبى ®، فساومهما ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يارسول الله، فأبى رسول الله
* حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك، وفى المغازى لأبى معشر
فاشتراه أبو أيوب منهما وأعطاهما الثمن، فبناه مسجداً، واليتيمان هما سهل وسهيل ابنا رافع
ابن عمرو من بنى النجار، كانا فى حجر أسعد بن زرارة، وقيل معاذ بن عفراء، وقال معاذ:
يا رسول الله، أنا أرضيهما فاتخذه مسجدًا، ويقال: إن بنى النجار جعلوا حائطهم وقفا، وأجازه
النبى *، واستدل ابن بطال بهذا على صحة وقف المشاع، وقال: وقف المشاع جائز عند مالك،
وهو قول أبى يوسف والشافعى خلافا لمحمد، والصحيح أن بنى النجارلم يوقفوا شيئًا، بل باعوه،
ووقفه النبى# فليس وقف مشاع. اهـ ذكره العينى، ويمكن الجمع بين روايات الشراء وروايات
الصحيحين بأن ما فى الصحيحين تعبير عن أول الأمروما ذكر فى غيرهما تعبير عما لحق، فبنو
النجار عرضوا التبرع به على أساس أن يعوضوا اليتيمين وهم أولياؤهما، فلما علم الرسول و #
ملكية اليتيمين أصر على الشراء وليس فى الروايات مايدل على أن أبا بكر دفع الثمن نيابة عن
١١٣

الرسول ﴿، بل كل ما فيها أن رسول اللّه﴿ أمر أبابكر بالدفع، فيحتمل أن أبا أيوب قام بالدفع
فيكون هو الذى اشترى وأوقف، وليس فى الروايات ما يمنع من أن اليتيمين أخذا الثمن من أية
جهة، ولا يؤخذ منها أن أشراف بنى النجار أخذوا الثمن، فلا تعارض.
٢- أما نبش قبور المشركين فجائز لأنهم لا حرمة لهم، وإقامة المساجد عليها جائزة إذا لم يسجد
المصلى على تراب أجسامهم أو عظامهم، بأن غيبت العظام وستر تراب الأجساد بتراب طاهر
جديد، وليس فى اتخاذ قبور المشركين مساجد بهذه الصفة تعظيم لهم، لأنه بعد النبش وتغييب
العظام وتراب الرفات لم تعد قبوراً ويصير سطح الأرض طاهراً منهم، والأرض كلها مسجد.
أما نبش قبور المسلمين فلا يجوز لأن حرمة المسلم لا تزول حيا وميتا، نعم القبور الدارسة التى
لا يعرف حائزوها إذا دعت مصلحة لنبشها وتغييب ترابها وعظامها جاز.
وقد استشكل على الحديث بأنه كيف جاز إخراج المشركين من قبورهم والقبر مختص بمن دفن
فيه، وقد حازه، فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه، وأجاب العينى عن هذا الإشكال بأن تلك القبور التى
أمر النبي # بنبشها لم تكن ملكاً لمن دفن فيها، بل لعلها غصبت. فلذلك باعها ملاكها، وعلى
تقدير التسليم أنها حبست فليس بلازم، إنما اللازم تحبيس المسلمين لا الكفار، ولهذا قالت
الفقهاء: إذا دفن المسلم فى أرض مغصوبة يجوز إخراجه، فضلا عن المشرك، وقد يجاب بأنه
دعت الضرورة والحاجة إلى نبشهم فجاز اهـ
ثم قال: فإن قلت: هل يجوز فى هذا الزمان نبش قبور الكفار ليتخذ مكانها مساجد؟ قلت: أجاز
ذلك قوم محتجين بهذا الحديث، وليست حرمتهم موتى بأعظم منها وهم أحياء، وإلى جواز نبش
قبورهم ذهب الحنفية والشافعى. وقال الأوزاعى: لا يفعل. اهـ
ثم قال: فإن قلت: هل يجوز أن تبنى المساجد على قبور المسلمين؟ قلت: قال ابن القاسم: لو أن
مقبرة من مقابر المسلمين عفت فبنى عليها قوم مسجداً لم أر بذلك بأسًا، وذلك لأن المقابر وقف
من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم لا يجوز لأحد أن يملكها، فإذا درست واستغنى عن الدفن فيها
جاز صرفها إلى المسجد، لأن المسجد أيضًا وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تملكه لأحد،
فمعناهما على هذا واحد، وذكر أصحابنا أن المسجد إذا خرب ودثر ولم يبق حوله جماعة،
والمقبرة إذا عفت ودثرت تعود ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكاً يجوز أن يبنى موضع المسجد دارًا
وموضع المقبرة مسجدًا وغير ذلك، فإذا لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال. اهـ
والكلام فى بناء المساجد على القبور يجرنا إلى الكلام عن حكم بناء المساجد بجوار القبور، أو
دفن بعض الموتى الصالحين فى ناحية من المسجد أو قريبا منه، وفى هذا يقول البندنيجى، يكره
أن يبنى عند القبر مسجد فيصلى فيه إلى القبر، وأما المقابر الكثيرة إذا بنى فيها مسجد ليصلى
فيه فلم أرفيه بأسًا. وقال البيضاوى: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما
لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون فى الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانا لعنهم النبى 348 ومنع
١١٤

المسلمين عن مثل ذلك ، فأما من اتخذ مسجدًا فى جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه
لا للتعظيم له ولا للتوجه إليه فلا يدخل فى الوعيد المذكور اهـ
والحق أنه وإن لم يدخل فى الوعيد المذكور المصحوب باللعن إلا أنه لا يحل هذا الفعل شرعًا
خصوصًا إذا وضع القبرجهة القبلة، وكذا إذا أدى إلى تعظيم صاحب القبر والتوجه إليه بالدعاء،
فعلة النهى تعظيم الميت المقبور مما أدى مع تطاول الأزمان إلى عبادته، ولا يخفى أن سد
الذرائع أصل شرعى واجب الاتباع، فبناء المسجد ملاصقاً لقبر، أو بناء قبر صالح فى ناحية من
المسجد لا يجوز. والله أعلم.
أما الصلاة فى المقابر فمكروهة، سواء أكانت بجانب القبر، أو عليه أو إليه، استدلالا بما رواه
البخارى عن النبى 8# قال ((اجعلوا فى بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا » وبما رواه أبو داود
والترمذى عن أبى سعيد الخدرى مرفوعا ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)).
وقال النووى فى المجموع: إن تحقق أن المقبرة منبوشة لم تصح صلاته فيها إذا لم يبسط تحته
شىء لأنه قد اختلط بالأرض صديد الموتى، وإن كانت جديدة لم تنبش صحت صلاته مع
الكراهة، هذا مذهب الشافعية، وذهب أبو حنيفة إلى كراهة الصلاة فى المقابر مطلقاً، وعن مالك
روايتان أشهرهما لا يكره ما لم يعلم نجاستها، وقال أحمد: الصلاة فيها حرام، وفى صحتها
روايتان وإن تحقق طهارتها.
٣- ومورد الحديث فى هذا الباب الصلاة فى مرابض الغنم، وفى الرواية الثانية منه ((كان النبى *
يصلى فى مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد)» قال الحافظ ابن حجر: أى بعد بناء المسجد صار
لا يحب الصلاة فى غيره إلا لضرورة، وقال ابن بطال: هذا الحديث حجة على الشافعى فى قوله
بنجاسة أبوال الغنم وأبعارها، لأن مرابض الغنم لا تسلم من ذلك، فدل على أنهم كانوا يباشرونها
فى صلاتهم فلا تكون نجسة، وتعقب بأن الطهارة هى الأصل، وعدم السلامة منها غالب، وإذا
تعارض الأصل والغالب قدم الأصل ورد بأن التعبير بكان يدل على الملازمة والكثرة والدوام مما
تتحقق معه حالة وجود البول والروث وقد حاول البعض أن ينازع هذا الدليل باحتمال وضعهم
حائلا بينهم وبين مواضع البول والروث، وهو احتمال بعيد، فإنهم لم يكونوا يفرشون بينهم وبين
الأرض، وحاول ابن حزم أن يجعل الإباحة منسوخة بقوله ((قبل أن يبنى المسجد)) قال الحافظ
ابن حجروفيه نظر، لأن إذنه صلى الله عليه وسلم فى الصلاة فى مرابض الغنم ثابت عند مسلم،
((عن جابر بن سمرة أن رجلا سأل النبى # قال: أصلى فى مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال أصلى
فى مبارك الإبل؟ قال: لا)). ولم يقل أحد بالفرق بين أبوال الغنم وأبوال الإبل وأرواتهما، فدل على
أن الإذن فى مرابض الغنم والنهى فى مبارك الإبل لشيء لا يتعلق بالطهارة ولا النجاسة، وهو أن
الغنم ذات سكينة - لا يخاف من نفارها بخلاف الإبل.
والحق أن الحديث دليل قوى للقائلين بطهارة بول وروث ما يؤكل لحمه وهم المالكية وأحمد
ومحمد بن الحسن، والأصطخرى والرويانى من الشافعية، وهو قول الشعبى وعطاء والنخعى
١١٥

والزهرى وابن سيرين والحكم والثورى، وردود المانعين لاتنهض على المعارضة، وهم الشافعى
وأبوحنيفة وأبو يوسف وأبو ثور وآخرون. والله أعلم.
٤- ويوخذ من الحديث
١- جواز الإرداف.
٢- جواز التصرف فى المقبرة المملوكة بالهبة والبيع. قاله الحافظ ابن حجر، وقال النووى: فيه
. أن الأرض التى دفن فيها الموتى ودرست يجوز بيعها وأنها باقية على ملك صاحبها وورثته
من بعده إذا لم توقف.
٣- جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة، أخذاً من قوله ((وأمر بالنخل فقطع)) قال الحافظ ابن
حجر: وفيه نظر لاحتمال أن يكون النخل بما لا يثمر، إما بأن تكون ذكوراً، وإما أن يكون
طرأ عليه ماقطع ثمرته، وقال النووى: فيه جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة والمصلحة
لاستعمال خشبها، أو ليغرس موضعها غيرها أو لخوف سقوطها على شىء تتلفه، أو لاتخاذ
موضعها مسجداً أو قطعها فى بلاد الكفار إذا لم يرج فتحها، لأن فيه نكاية وغيظا لهم
وإضعافًا وإرغامًا، اهـ وماذكره النووى من حالات عدا بناء المسجد مكانها لا يؤخذ من
الحديث وإنما هو على سبيل القياس أو لأدلة أخرى، ويبقى اعتراض الحافظ ابن حجر قائمًا.
٤- قال النووي: وفيه جواز نبش القبور الدارسة وأنه إذا أزيل ترابها المخلط بصديدهم ودمائهم
جازت الصلاة فى تلك الأرض: قال الحافظ ابن حجر: إذا لم تكن القبور محترمة. وهو
قيد حسن.
٥- جواز الصلاة فى مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها.
٦- وجواز بناء المساجد فى أماكنها.
٧- قال النووى: فيه جواز الارتجاز وقول الأشعار فى حال الأعمال والأسفار ونحوها لتنشيط
النفوس وتسهيل الأعمال والمشى عليها، اهـ
ولما كان إنشاد الشعر محرما على النبى ® لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ﴾
[يس: ٦٩] قال بعض العلماء: إن الرجزليس من الشعر وعلى هذا القول يحمل تناوله صلى الله
عليه وسلم فى هذا الموضع، وقال القرطبى: الصحيح فى الرجز أنه من الشعر، وإنما أخرجه
من الشعر من أشكل عليه إنشاد النبى * إياه، فقال، لو كان شعراً لما علمه قال: وهذا ليس
بشىء، لأن من أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق اسم
شاعر، ولا يقال فيه إنه يعلم الشعر ولا ينسب إليه. اهـ
٨- وفيه جواز الصلاة فى مرابض الغنم.
والله أعلم
١١٦

(١٩٦) باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة
٩٧٦ - ١١ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَ﴾(١١) قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ النَّبِيِّ:﴿ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِنَّةً
عَشَرَ شَهْرًا حَتّى نَزَلَّتْ الآيَةُ الَّتِى فِى الْقَرَةِ ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَّلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾
[البقرة: ١٤٤] فَنَزَلَتْ بَعْدَمَا صَلَّى النّبِيُّ:﴿ فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنْ الأَنْصَارِ
وَهُمْ يُصَلُّونَ فَحَدَّثَهُمْ فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ.
٩٩٧ -١٣ عَنِ الْبَرَاءِ رَ﴾(١٢) قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ تَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِئَّةً عَشَرَ
شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ.
٩٩٨- ٣ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٣) قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِى صَلاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءِ إِذْ
جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ ﴿ قَدْ أَنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ وَقَدْ أُمِرَ أَن يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ
فَاسْتَقْبَلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.
٩٩٩ - ١َ٤ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما (١٤) قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِى صَلاةِ الْغَدَاةِ إِذْ جَاءَهُمْ
رَجُلٌ بِمِثْلٍ حَدِيثِ مَالِكٍ.
١٠٠٠ - ﴿عَنٍ أَنَسٍ ﴾(١٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يُصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَنَزَلَتْ ﴿قَدْ
نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيِّكَ قِيْلَةٌ تَرْضَاهَا فَوَلٌّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِى صَلاةِ الْفَجْرٍ وَقَدْ صَلُّوْا
رَكْعَةٌ فَنَادَى أَلا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوَّلَتْ فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ.
المعنى العام
كان رسول اللّه # فى مكة يصلى مستقبلا بيت المقدس جاعلا الكعبة بينه وبينه، فلما هاجر
(١١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو الأُخْوَصِ عَنِ أَبِى إِسْحَقَ عَنِ الْرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
(١٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ الْمَثَنِّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَادٍ جَمِيعًا عَنِ يَخََّى قَالَ ابْنُ الْمُثْنِّى خَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ سُفْيَانٌ حَدَّيِى
أَبُو إِسْحَقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ
(١٣) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ حَدََّا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ح وحَدْقَا قَبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَاللّفْظُ
لَّهُ عَنِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(١٤) حَدََّيِّي سُوَيْدٌ بْنُ سَعِيدٍ حَدََّيِى حَّفْصٌ بِنَّ مَيْسْرَةً عَنِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةً عَنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
دِينَارٍ حَنِ ابْنِ عُمَرَ
(١٥) حَدَّثَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدْثَنَا عَفَّاهُ حَدَّثَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ تَابِتٍ عَنِ أَنَسٍ
١١٧

إلى المدينة لم يعد من الممكن استقبال الكعبة وبيت المقدس معًا لأن بيت المقدس فى الشمال
والكعبة فى الجنوب، ومستقبل أحدهما مستدبر الآخر، فاستقبل بيت المقدس بوحى من اللّه
وخصوصاً أنه فى أول هجرته كان يحب موافقة اليهود تأليفاً لهم، فلما استقر الإسلام بالمدينة
وقويت شوكته وبرزت شخصيته كان صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يؤمر بالتوجه فى صلاته إلى
الكعبة قبلة أبيه إبراهيم وأول بيت وضع للناس، وكان يقلب وجهه فى السماء ينتظر أمر اللّه بذلك
ويتعجله، حتى نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَّنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ كان ذلك بعد ستة عشر شهراً من قدومه المدينة أو تزيد قليلا، نزل هذا الأمر
والنبى # يصلى الظهر بمسجده بالمدينة وقد صلى ركعتين إلى بيت المقدس فاستدار وصلى
الركعتين الأخيرتين إلى الكعبة، وصلى معه رجال خرج أحدهم إلى مسجد بنى حارثة فوجد
المسلمين يصلون العصر مستقبلين القدس فأعلن لهم ما علم وقال أشهد بالله أن النبى # أنزل عليه،
وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستدار المصلون نحو الكعبة، وخرج رجل آخر فجرا إلى قباء فوجدهم
يصلون الصبح مستقبلين الشام وقد صلوا ركعة فأخبرهم، فاستداروا نحو الكعبة وأكملوا صلاتهم،
وصدق الله العظيم ﴿يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢].
المباحث العربية
(صليت مع النبى إلى بيت المقدس ) قال النووى: المقدس فيه لغتان مشهورتان،
إحداهما فتح الميم وإسكان القاف، والثانية ضم الميم وفتح القاف، ويقال فيه أيضاً إيلياء وإلياء،
وأصل القدس والتقديس من التطهير. اهـ
( فانطلق رجل من القوم ) قال الحافظ ابن حجر: واسمه عباد بن بشربن قيظى، وقيل:
عباد ابن نهيك.
( فمربناس من الأنصاروهم يصلون ) قيل: هم من بنى سلمة، وقيل أهل قباء.
( بينما الناس فى صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت) ((بينما)) أصله ((بين)» فأشبعت
الفتحة فصارت ((بينا)» وزيدت الميم، فصارت ((بينما)) وهى ظرف زمان بمعنى المفاجأة وتضاف
إلى جملة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، وتحتاج إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح فى جوابها أن
لا يكون فيه ((إذ)) و((إذا)) وقد جاء بإذ وإذا كثيراً، وأضيفت هنا إلى المبتدأ والخبر، وجوابها قوله ((إذ
جاءهم آت)) وأل فى ((الناس)) للعهد الذهنى، لأن المراد أهل قباء ومن حضر معهم فى الصلاة،
و((قباء)) فيها ست لغات المد والقصر، والتذكير والتأنيث، والصرف والمنع، وأفصحها المد.
(إن رسول اللَّه ◌َ* قد أنزل عليه الليلة) أطلق الليلة على بعض اليوم الماضى
وما يليه مجازاً.
١١٨

(وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ) قال النووى: روى ((فاستقبلوها)) بكسر الباء
وفتحها والكسر أصح وأشهر، وهو الذى يقتضيه الكلام بعده، اهـ فالكسر على صيغة الأمر، والآمر
الرجل الآتى لهم من مسجد الرسول #، ويؤيده رواية البخارى فى التفسير ((ألا فاستقبلوها)) وفتح
الباء رواية الأكثر فعل ماض، يحكى الراوى استجابتهم وتنفيذهم للتشريع، والفاعل يصح أن يقصد به
الرسول . وأصحابه، ويصح أن يقصد به أهل قباء.
(وكانت وجوههم إلى الشام ) هو من كلام ابن عمر، لا من كلام الرجل المخبر.
( فاستداروا إلى الكعبة ) وقد وقع بيان كيفية التحول فى بعض الروايات، وفيها، (فتحول
النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء)) قال الحافظ: وتصويره أن الإمام تحول من مكانه فى
مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد، لأن من استقبل الكعبة فى المدينة استدبر بيت المقدس، وهو لو
دار فى مكانه لم يكن خلفه الصفوف.
( فى صلاة الغداة ) صلاة الصبح.
فقه الحديث
ظاهر الحديث أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة لكن أخرج الإمام
أحمد عن ابن عباس ((كان النبى # يصلى بمكة نحوبيت المقدس والكعبة بين يديه» قال الحافظ
ابن حجر: ويمكن الجمع بينهما بأن يكون صلى الله عليه وسلم قد أمر لما هاجر بأن يستمر على
الصلاة لبيت المقدس. وأخرج الطبرانى من طريق ابن جريج قال: صلى النبى $ أول ما صلى إلى
الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه
المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه اللَّه إلى الكعبة.
وما رواه الطبرانى لا يتنافى مع ما رواه أحمد لجواز أن يكون الاستقبال بدأ إلى الكعبة ثم صرف
إلى بيت المقدس فحدث ابن عباس عن الحالة الثانية:
قال الحافظ ابن حجر: وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل
بيت المقدس، ثم نسخ قال: وهذا ضعيف، والأول أصح لأنه جمع بين القولين. اهـ
واختلف العلماء فى أن استقبال بيت المقدس هل كان ثابتًا بالقرآن أو باجتهاد النبى ﴿، والذى
ذهب إليه أكثر العلماء أنه كان بسنة لا بقرآن، فعلى هذا يكون فيه دليل لقول من قال: إن القرآن
ينسخ السنة، وهو قول أكثر الأصوليين المتأخرين، والقول الثانى وبه قال الشافعى وآخرون لا يجوز أن
ينسخ القرآن السنة، لأن السنة مبينة للكتاب فكيف ينسخها؟ وهؤلاء يقولون: لم يكن استقبال بيت
المقدس بسنة، بل كان بوحى، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ
الرَّسُولَ ... ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية، وفى تحرير القول بالمدة التى استقبل بها بيت المقدس فى المدينة
١١٩

قال الحافظ ابن حجر: وقع الشك فى الرواية الثانية، وفى الرواية الأولى وبعض الروايات ((ستة عشر))
من غير شك، ووقع فى بعض الروايات ((سبعة عشر شهرًا من غير شك، والجمع بين الروايتين سهل
بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهراً وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة
عشر شهرًا عدهما معًا، ومن شك تردد فى ذلك. وذلك أن القدوم كان فى شهر ربيع الأول بلا خلاف،
وكان التحويل فى نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح.
ويؤخذ من الحديث
١ - جواز النسخ ووقوعه.
٢- وفيه قبول خبر الواحد.
٣- وفيه دليل على أن النسخ لا يثبت فى حق المكلف حتى يبلغه. قال النووي: فإن قيل: هذا نسخ
لمقطوع به بخبر الواحد، وذلك ممتنع عند أهل الأصول؟ فالجواب أنه احتفت به قرائن
ومقدمات أفادت العلم، وخرج عن كونه خبر واحد مجردًا، اهـ
٤- وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين، وهذا هو الصحيح عند الشافعية، فمن صلى إلى جهة
بالاجتهاد ثم تغير اجتهاده فى أثنائها فيستدير إلى الجهة الأخرى، حى لو تغير اجتهاده أربع
مرات فى الصلاة الواحدة فصلى كل ركعة منها إلى جهة صحت صلاته على الأصح، لأن أهل هذا
المسجد المذكور فى الحديث استداروا فى صلاتهم واستقبلوا الكعبة ولم يستأنفوها وبهذا قال
أحمد وجمهور العلماء.
٥- وفيه جواز تعليم من ليس فى الصلاة من هو فيها.
٦- وفيه أن استماع المصلى لكلام من ليس فى الصلاة لا يضر صلاته.
٧- وفيه أن ما يؤمر به النبى /3 يلزم أمته.
٨- وفيه أن العمل الذى هو فى مصلحة الصلاة لا يضر الصلاة، لأن التحول وتغيير الصفوف وانتقال
النساء أعمال كثيرة، وقيل: يحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير، ويحتمل أن يكون قد
اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة.
والله أعلم
١٢٠