Indexed OCR Text
Pages 521-540
وقال ابن عبد البر: اختلفوا فى التربع فى النافلة وفى الفريضة للمريض فأما الصحيح فلا يجوز له
التربح فى الفريضة بإجماع العلماء، قال العينى: وهذا يشعر بتحريمه عنده، ولكن المشهور عند أكثر
العلماء أن هيئة الجلوس فى التشهد سنة. اهـ قال الحافظ ابن حجر: لعل ابن عبد البر أراد بنفى
الجواز إثبات الكراهية.اهـ
هذا وللقعود فى الصلاة زيادة بسط فى باب صفة الصلاة الآتى بعد ستة وعشرين بابًا، والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - استحباب الدعاء بعد التشهد، والدعاء فى قوله ((ثم يتخير من المسألة ما شاء)» ورد فى البخارى
بصيغة الأمر، ولفظه ((ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه)) قال ابن رشد: ليس التخيير فى آحاد
الشيء بدال على عدم وجوبه، فقد يكون أصل الشيء واجبا، ويقع التخيير فى وصفه.
قال الزين ابن المنير: ادعى بعضهم الإجماع على عدم الوجوب، وفيه نظر فقد روى عن طاوس ما
يدل على أنه يرى وجوب الاستعاذة المأمور بها فى حديث أبى هريرة الوارد فى مسلم مرفوعا
ولفظه ((إذا فرغ أحدكم من التشهد ليتعوذ باللّه)) وبه قال أهل الظاهر، وأفرط ابن حزم، فقال
بوجوبها فى التشهد الأول أيضا. وقال ابن المنذر: لولا حديث ابن مسعود ((ثم ليتخير من الدعاء)»
لقلت بوجوبها. اهـ
٢- استدل بالحديث على جواز الدعاء فى الصلاة بما اختار المصلى من أمر الدنيا والآخرة. قال ابن
بطال: خالف فى ذلك النخعى وطاوس وأبو حنيفة فقالوا: لا يدعو فى الصلاة إلا بما يوجد فى
القرآن. قال الحافظ ابن حجر: كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبى حنيفة، والمعروف فى كتب
الحنفية أنه لا يدعوفى الصلاة إلا بما جاء فى القرآن أو ثبت فى الحديث، وعبارة بعضهم ((ما
كان مأثورًا)) قال قائلهم: والمأثور أعم من أن يكون مرفوعاً أو غير مرفوع، لكن ظاهر حديث
الباب يرد عليهم، وكذا يرد على ابن سيرين فى قوله: لا يدعو فى الصلاة إلا بأمر الآخرة، واستثنى
بعض الشافعية ما يقبح من أمر الدنيا، فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل، فلاشك أن الدعاء
بالأمور المحرمة مطلقا لايجوزاهـ
[ومراد الشافعية بما يقبح من أمر الدنيا نحو قوله: اللُّهم أعطنى امرأة جميلة عينها كذا، وشعرها
كذا، وخصرها كذا. إلخ، وهذا فى خارج الصلاة غير محرم لكنه غير مستساغ].
وقال الكرمانى: قالت الشافعية: يجوز الدعاء فى الصلاة بما يشاء من أمر الدنيا والآخرة؛ ما لم
يكن إثما، قال ابن عمر: إنى لأدعو فى صلاتى حتى بشعير حمارى وملح بيتى. اهـ واستدل
الحنفية بحديث ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير
وقراءة القرآن)) ويجاب عنه بأن المراد من كلام الناس غير الدعاء، والدعاء والتوجه إلى اللّه
بطلبه من قبيل العبادة، ولاشك أن الدعاء بالوارد والمأثور أفضل. وقد ورد فيما يقال بعد التشهد
أخبار. قال الحافظ ابن حجر من أحسنها ما رواه سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبى شيبة من
طريق عمير بن سعد قال: «كان عبد اللَّه [يعنى ابن مسعود] يعلمنا التشهد فى الصلاة ثم يقول
٥٢١
إذا فرغ أحدكم من التشهد فليقل: اللَّهم إنى أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ
بك من الشركله، ما علمت منه وما لم أعلم، اللَّهم إنى أسألك من خير ما سألك منه عبادك
الصالحون، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبادك الصالحون. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى
الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
قال: ويقول: لم يدع نبى ولا صالح بشىء إلا دخل فى هذا الدعاء. اهـ
وقد ورد فى صحيح البخارى عن عائشة زوج النبى { 4*((أن رسول اللّهَ ﴿ كان يدعو فى
الصلاة: اللَّهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ
بك من فتنة المحيا وفتنة الممات. اللَّهم إنى أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل:
ما أكثر ما تستعيذ من المغرم، فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف،
قال الحافظ ابن حجر: الذى يظهر لى أن البخارى أشار [حيث ذكر هذا الحديث تحت
باب ((الدعاء قبل السلام))] إلى ما ورد فى بعض الطرق من تعيينه بهذا المحل، فقد
روى بلفظ «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فذكر الحديث، فهذا فيه تعيين هذه
الاستعاذة بعد الفراغ من التشهد فيكون سابقا على غيره من الأدعية، وما ورد الإذن فيه
أن المصلى يخير من الدعاء ما شاء بعد هذه الاستعاذة، وقبل السلام. اهـ
ومن الأدعية المأثورة ما رواه البخارى ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبى بكر
الصديق ، أنه قال لرسول اللَّه ﴿ ((علمنى دعاء أدعوبه فى صلاتى. فقال: قل: اللّهم إنى
ظلمت نفسى ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفرلى مغفرة من عندك، وارحمنى، إنك
أنت الغفور الرحيم».
٣- وفى الرواية الرابعة أمر بإقامة الصفوف. قال النووى: وهو مأمور به بإجماع الأمة، وهو أمر ندب،
والمراد تسويتها، والاعتدال فيها، وتتميم الأول فالأول منها، والتراص فيها، وسيأتى بسط الكلام
فيها بعد تسعة أبواب إن شاء الله.
٤- استدل الجمهور بروايات الحديث على أن الصلاة على النبى 18# فى التشهد الأخير ليست واجبة،
وخالف فى ذلك الشافعى وأحمد وبعض أصحاب مالك، وسيأتى إيضاح المسألة فى الباب الآتى
إن شاء الله.
٥- استدل بقوله ((ثم ليؤمكم أحدكم» على وجوب صلاة الجماعة، وقد اختلف العلماء فى أنه
أمرندب أو أمر إيجاب على أربعة مذاهب حكاها النووى، فقال: الراجح فى مذهبنا،
وهو نص الشافعى -رحمه الله تعالى- وقول أكثر أصحابنا أنها فرض كفاية، إذا فعله
من يحصل به إظهار هذا الشعار سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم،
وقالت طائفة من أصحابنا: هى سنة، وقال ابن خزيمة من أصحابنا: فرض عين، لكن
ليست بشرط، فمن تركها وصلى منفرداً بلا عذر أتم وصحت صلاته، وقال بعض أهل
٥٢٢
الظاهر: هى شرط لصحة الصلاة، وقال بكل قول من الثلاثة المتقدمة طوائف من
العلماء، وستأتى المسألة فى بابها بعد أربعة وسبعين باباً إن شاء الله.
٦- استدل بقوله ((فإذا كبر فكبروا)» على وجوب كون تكبيرة الإحرام للمأموم عقب تكبيرة
الإمام، قال النووى: ويتضمن الأمر مسألتين: إحداهما أنه لا يكبر قبله ولا معه، بل بعده،
فلو شرع المأموم فى تكبيرة الإحرام ناويا الاقتداء بالإمام، وقد بقى للإمام منها حرف لم
يصح إحرام المأموم بلا خلاف لأنه نوى الاقتداء بمن لم يصر إماما بل بمن سيصير
إماما إذا فرغ من التكبير، والثانية أنه يستحب كون تكبيرة المأموم عقيب نكبيرة
الإمام، ولا يتأخر، فلو تأخر جاز، وفاته كمال الفضيلة.
٧- وفيه وجوب متابعة المأموم للإمام فى الركوع والسجود وغيرهما من أفعال الصلاة، وسيأتى بسط
المسألة بعد بابين إن شاء الله.
٨- قال النووي: وفيه دلالة ظاهرة لما قاله أصحابنا وغيرهم أن تأمين المأموم يكون مع تأمين الإمام،
لا بعده فإذا قال الإمام، ولا الضالين، قال الإمام والمأموم معا آمين. وتأولوا قوله صلى الله عليه
وسلم، إذا أمن الإمام فأمنوا، قالوا: معناه إذا أراد التأمين ليجمع بينه وبين هذا الحديث، أهـ
وستأتى المسألة بعد باب واحد إن شاء الله.
٩- وفيه حث عظيم على التأمين، فيتأكد الاهتمام به.
١٠- قال النووى: وفيه دلالة لما قاله أصحابنا وغيرهم: أنه يستحب للإمام الجهر بقوله سمع الله لمن
حمده. وحينئذ يسمعونه، فيقولون. اهـ
١١- قال وفيه دلالة لمذهب من يقول: لا يزيد المأموم على قوله ربنا ولك الحمد، ولا يقول مع الإمام:
سمع الله لمن حمده، ومذهبنا أنه يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد، لأنه ثبت أنه صلى الله
عليه وسلم جمع بينهما وسيأتى بسط الكلام فيه بعد باب واحد إن شاء اللّه.
١٢ - استدل جماعة بقوله ((وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات)) على أنه يقول
فى أول جلوسه: التحيات، ولا يقول: بسم اللّه وليس هذا الاستدلال بواضح، لأنه قال («فليكن من
أول )) ولم يقل. فليكن أول. اهـ
١٣- استدل الأبى بقوله «فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم» على أن الإمام لا يتقدم إلا بعد إقامة
الصفوف. وفيه نظر.
١٤- فى قوله ((وإذا قرأ فأنصتوا)) حجة لمنع قراءة المأموم مع الإمام فى الجهرية، وقد سبق بيانه.
(فائدة) قال النووى فى المجموع: أجمع العلماء على الإسرار بالتشهدين، وكراهة الجهر بهما،
واحتجوا بحديث ابن مسعود قال ((من السنة أن يخفى التشهد)) رواه أبو داود والترمذى والحاكم فى
المستدرك، وقال: حسن صحيح على شرط البخارى ومسلم، قال الترمذى: والعمل عليه عند أهل العلم.
٥٢٣
(١٦٤) باب الصلاة على النبى ل بعد التشهد
٧٣٤- ٦٥ عَنِ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيّ(٦٥) قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ:﴿ وَتَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدٍ
ابْنِ عُبَادَةً فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نُصَلِّي
عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ،وَ﴿ِ حَتّى تَمَنْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِ: «قُولُوا
اللَّهُمَّ صَلٌّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ
وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِنْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَالسَّلامُ كَمَا
قَدْ عَلِمْتُمْ».
٧٣٥ - ٢٦ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى(٦٦) قَالَ لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةٌ خَرَجُ
عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ فَقُلْنَا قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلّمُ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا
اللَّهُمَّ صَلٌّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنْكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ
بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلٍ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
٦٧° مِثْلَهُ (٦٧).
٧٣٦ - ٦٨ْ عَنِ الْحَكَمِ(٦٨) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنْهُ قَالَ «وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَلَمْ
يَقُلْ اللَّهُمَّ».
٧٣٧- ٣٩ٍ عَنِ أَبِي حُمَّيْدِ السَّاعِدِيُّ ◌َ﴾(١٩) أَنْهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟
قَالَ «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرَيْتِهِ كَمَا صَلَيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ
عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرَّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
(٦٥) حَدَثّا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى الْمِيمِيُّ قَالَ قَرَّأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ نُعَيْمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ الأَنْصَارِيّ
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ الْذِي كَانٌ أُرِيّ النّدَاءَ بِالصَّلاةِ أَخْرَهُ عَنْ أَبِّي مَسْعُودِ الأنْصَارِيِّ
(٦٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى وَمُحَمَّدُ بَّنُ بَشَارٍ وَالَلَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِى قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَنُ جَعْفَرٍ حَدَّقَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ
سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَیْلَی
(٦٧) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بَّنْ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدََّنَا وَكِيعٌ عَنِ شُعْبَةً وَمِسْعَرٍ عَنِ الْحَكْمِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَلَّيْسَ فِي حَدِيثِ مِسْعَرٍ
أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً.
(٦٨) حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْارٍ حَدَّتَّا إِسْمَعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ عَنِ الأَعْمَشِ وَعَنِ مِسْعَرٍ وَعَنِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلِ كُلُّهُمْ عَنِ الْحَكَمِ
(٦٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنُ نّافِعٍ حَ وحَذَّثَنَا إِسَّحَقُ بْنُ إِبَّرَاهِيمٌ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ
عَنِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَّبِي بَكْرٍ عَنِ أَبِيهِ عَنِ عَمْرِو بْنٍ سُلَيْمٍ أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَّدِ السَّاعِدِيُّ
٥٢٤
٧٣٨- ٠ْجِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَُّ(٧٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ قَالَ «مَنِ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةٌ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ عَشْرًا».
المعنى العام
علم رسول اللّه﴿ أصحابه التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، ومما علمهم فيه قوله ((السلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) وعرف الصحابة مشروعية السلام على نبيهم * فى التشهد،
وواظبوا عليه ونزل قوله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب٠ ٥٦] وتأكدوا أن للصلاة عليه صيغة مشروعة، قياساً على علمهم بصيغة
مخصوصة للسلام عليه، فما إن اجتمع بهم بعد نزول الآية حتى سألوه: يا رسول اللَّه، هذا السلام عليك
قد عرفناه، وقد أمرنا اللَّه بالصلاة عليك، فكيف نصلى عليك فى صلاتنا؟ وسكت رسول اللّه ،﴿، لم
يكن أمر بعد بصيغة معينة، وانتظر الوحى، وظن الصحابة أنهم بذلك السؤال أخطئوا، وأن الرسول صل﴿
لم يرض عنه. وكان شأنه صلى الله عليه وسلم السكوت عند رؤية أو سماع مالا يرضى، تألم الصحابة،
ولاموا أنفسهم، ونظر بعضهم إلى بعض آسفا ومعاتباً، وكان الوحى: وكان جواب الرسول {® قولوا:
اللَّهم صل على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد
وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم فى العالمين إنك حميد مجيد.
وبهذه الصلاة يدعو المؤمن لنبيه ﴾، ويكافئه على أن نصح الأمة وكشف الغمة، وأنار بدعوته
قلوب أتابعه، ورسم لهم الطريق المستقيم، طريق الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا
الضالين، جاءهم بالهدى ودين الحق، وهداهم إلى طريق الجنة، وإلى السعادة الأبدية، بهذه الصلاة
ينال المسلم عشر رحمات، وعشر صلوات من أكرم الأكرمين، ينال المسلم بالصلاة الواحدة عشر
صلوات، ويكتب له بها عشر حسنات، ويمحى عنه بها عشر سيئات، ويرفع بها عشر درجات فما
أجزل الأجر الكبير على اللفظ الصغير، وما أسهل طريق الثواب الجزيل.
المباحث العربية
( فقال له بشيربن سعد ) ذكر هذا الاسم بعد ذكر ((ونحن فى مجلس سعد بن عبادة، قد
يوهم أن بشير بن سعد بن عبادة، ولكنه والد النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن الجلاس
الخزرجى، وبشير هذا صحابى شهير من أهل بدر وشهد غيرها، وهو صاحب الحديث المشهور فى
تفضيل بعض الأولاد على بعض، توفى فى خلافة أبى بكر.
( أمرنا الله تعالى أن نصلى عليك يا رسول اللَّه) يشير إلى أمر الله تعالى فى قوله: ﴿إنَّ
اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصِّلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
(٧٠) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ أَيُوبَ وَقْتَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدََّا إِسْمَعِيلُ وَهُوَّ ابْنُ تَعْفَرٍ عَنِ الْغَلاءِ عْنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
٥٢٥
( فكيف نصلى عليك)؟ «كيف) اسم استفهام حال مقدم، والفاء فى جواب شرط مقدر، أى
إذا كان اللَّه قد أمر بالصلاة عليك فكيف نصلى عليك؟ قال الحافظ ابن حجر: اختلف فى المراد
بقولهم: كيف؟ فقيل: المراد السؤال عن معنى الصلاة المأمور بها، بأى لفظ تؤدى؟ وقيل: عن صفتها،
لا عن جنسها، لأن لفظ ((كيف)» ظاهر فى الصفة، وأما الجنس فيسأل عنه بلفظ ((ما)» وبه جزم
القرطبى فقال: هذا سؤال من أشكلت عليه كيفية ما فهم أصله، وذلك أنهم عرفوا المراد بالصلاة،
فسألوا عن الصفة التى تلبق بها ليستعملوها. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: والحامل لهم على هذا السؤال أن السلام لما تقدم بلفظ مخصوص، وهو
((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)) فهموا منه أن الصلاة أيضا تقع بلفظ مخصوص،
وعدلوا عن القياس، لإمكان الوقوف على النص، ولا سيما فى ألفاظ الأذكار، فإنها تجىء خارجة عن
القياس غالباً، فوقع الأمر كما فهموا، فإنه لم يقل لهم: قولوا الصلاة عليك أيها النبى، ولا تقولوا:
الصلاة والسلام عليك إلح، بل علمهم صيغة أخرى.
(فسكت رسول اللَّه : ﴿ حتى تمنينا أنه لم يسأله) معناه كرهنا سؤاله مخافة أن يكون
النبى ® كره سؤاله، وشق عليه، وذلك لما تقرر عندهم من النهى عن ذلك، بقوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ
أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤُكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ووقع عند الطبرى من وجه آخر فى هذا الحديث ((فسكت
حتى جاءه الوحى فقال ... )».
(قولوا: اللَّهم صل على محمد) ((اللَّهم)) كثر استعمالها فى الدعاء، وهى بمعنى يا الله،
والميم عوض عن حرف النداء، وصلاة الله على نبيه # ثناؤه عليه عند ملائكته وتعظيمه، وصلاة
الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك له من اللَّه تعالى، والمراد طلب الزيادة، لا طلب أصل الثناء
والتعظيم، قال الحليمى: معنى الصلاة على النبى * تعظيمه، فمعنى قولنا: اللَّهم صل على محمد:
عظم محمداً والمراد تعظيمه فى الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفى الآخرة بإجزال
مثوبته وتشفيعه فى أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى ﴿صَلُّوا
عَلَيْهِ ﴾ ادعوا ربكم بالصلاة عليه. اهـ
وصلاة الملائكة عليه فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ كصلاتنا عليه، أى
طلب تعظيمه والثناء عليه 543 .
(وعلى آل محمد) صلاة الله على آل محمد رحمته لهم، وهى من قبيل صلاته جل
شأنه على غير الأنبياء من عباده، فى قوله تعالى: ﴿هُوَالَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ﴾
[الأحزاب: ٤٣] فدعاؤنا بالصلاة على آل محمد دعاؤنا لهم بالرحمة. وقيل معنى صلاة اللَّه
على عباده عموماً ثناؤه عليهم. وتعظيمه لهم، فالصلاة على الآل، وعلى الأزواج والذرية، وعلى
المتقين من المؤمنين من هذا القبيل، ولا يمتنع أن يدعى لهؤلاء بالثناء والتعظيم، كما يدعى
للرسول *، فإن تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به.
٥٢٦
و(«آل)) قيل: أصلها ((أهل)) قلبت الهاء همزة، ثم سهلت، ولهذا إذا صغررد إلى الأصل، فقيل: أهيل.
وقيل: بل أصله ((أول)) من ((آل)) بمعنى رجع، سمى بذلك من يؤول إلى الشخص، ويضاف إليه، وقد
يطلق آل فلان على نفسه وعلى من يضاف إليه جميعاً، وضابطه أنه إذا قيل: فعل آل فلان كذا دخل
هو فيهم إلا بقرينة، ومن شواهده قوله صلى الله عليه وسلم ((إنَّا آل محمد لا تحل لنا الصدقة)) وإن
ذكروا معاً فلا، ومنه رواية ((إن هذه الصدقة أوساخ الناس وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) واختلف
فى المراد بآل محمد 5 فى حديث الباب، والراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، وهم بنو هاشم
وبنو المطلب على أرجح أقوال العلماء، وهذا ما نص عليه الشافعي، واختاره الجمهور وقيل: المراد
بآل محمد أزواجه وذريته، ويساعده أن الرواية الأولى والثانية لفظها ((اللهم صل على محمد وعلى آل
محمد)) وفى الرواية الثالثة لفظها ((اللَّهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته)) فدل على أن المراد
بالآل الأزواج والذرية، وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة، فالمراد بالآل فى التشهد من حرمت عليهم
الصدقة والأزواج والذرية منه، وأفردوا بالذكر تنويهاً بشأنهم وقيل: المراد بالآل الذرية، أى فاطمة
خاصة وذريتها، حكاه النووي، وهو قول يميل نحو التشيع، وقيل: جميع أمة الإجابة، وقد مال إلى ذلك
مالك واختاره الأزهرى وحكى عن بعض الشافعية، ورجحه النووى فى شرح مسلم، وقيده القاضى
حسين والراغب بالأتقياء منهم، والله أعلم.
( كما صليت على آل إبراهيم ) جميع روايات الباب، كما صليت على آل إبراهيم، بذكر الآل.
وقد سبق القول: أن آل فلان يطلق على نفسه وعلى من يضاف إليه، فالمراد إبراهيم وآله، أى ذريته
من إسماعيل وإسحق، أى المسلمون منهم، بل المتقون، فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء
والصالحون، دون من عداهم، وفيه ما تقدم فى آل محمد 45.
قال الحافظ ابن حجر: اشتهر السؤال عن موقع التشبيه مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به،
والواقع هنا عكسه، لأن محمداً ® وحده أفضل من آل إبراهيم، ومن إبراهيم، ولا سيما وقد أضيف إليه
آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره،
وأجيب عن ذلك بأجوبة.
الأول: أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم، وتعقب بأنه لوكان كذلك لغير لهم صفة
الصلاة المطلوبة بعد أن علم أنه أفضل.
الثانى: أنه قال ذلك تواضعا، وشرع ذلك لأمته ليكتسبوا بذلك الفضيلة.
الثالث: أن التشبيه إنما هو الأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣]، وقوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
[البقرة: ١٨٣] وكقولك: أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان، تريد بذلك أصل الإحسان، لاقدره،
ورجح هذا الجواب القرطبى.
الرابع: أن المراد أن يجعله خليلا، كما جعل إبراهيم خليلا، وأن يجعل له لسان صدق فى الآخرين
٥٢٧
كما جعل لإبراهيم، وذلك بالإضافة إلى ما حصل لمحمد 3 38 من المحبة. وقريه بعضهم بأنه مثل
رجلين يملك أحدهما ألفاً، ويملك الآخر ألفين، فسأل صاحب الألفين أن يعطى ألفاً أخرى نظير الذى
أعطيها الأول، فيصير المجموع للثانى أضعاف ما للأول.
الخامس: أن قوله ((اللَّهم صل على محمد)) مقطوع عن التشبيه، فيكون التشبيه متعلقا بقوله
((وعلى آل محمد)) واستبعده ابن القيم.
السادس: أن التشببه إنما هو المجموع بالمجموع، فإن فى الأنبياء من آل إبراهيم كثرة، فإذا
قوبلت تلك الذوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصفات الكثيرة التى لمحمد أمكن انتفاء
التفاضل. قال الحافظ ابن حجر: ويعكر على هذا الجواب أنه وقع فى بعض روايات البخارى مقابلة
الاسم فقط، ولفظه: ((اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم».
السابع: رد قاعدة أن المشبه به يكون أرفع من المشبه، بأن ذلك ليس مطرداً، بل قد يكون التشبيه
بالمثل، بل وبالدون، كما فى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ﴾ [النور: ٣٥].
قال ابن القيم - بعد أن زيف أكثر الأجوبة إلا تشبيه المجموع بالمجموع - وأحسن منه أن يقال
هو صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم وقد ثبت ذلك عن ابن عباس فى تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] قال محمد من آل إبراهيم
فكأنه أمرنا أن نصلى على محمد وعلى آل محمد خصوصاً بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم
عموماً، فيحصل لآله ما يليق بهم، ويبقى الباقى كله له، وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل ابراهيم
قطعاً، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من الألفاظ.
انتهى من فتح البارى مع بعض التصرف.
( وبارك على محمد ) المراد من البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة وقيل: المراد التطهير
من العيوب والتزكية. وقيل: المراد إثبات ذلك وتثبيته واستمراره من قولهم: بركت الإبل، أى ثبتت
على الأرض، وبه سميت بركة الماء - بكسر الباء وسكون الراء - لإقامة الماء فيها. والحاصل أن
المطلوب أن يعطى من الخبر أوفاه، وأن يثبت ذلك ويستمر دائما.
( فى العالمين ) قيل: هم أصناف الخلق، وقيل: ما حواه بطن الفلك، وقيل كل محدث، وقيل:
ما فيه روح، وقيل: العقلاء مما فيه روح، وقيل الإنس والجن فقط.
(إنك حميد مجيد) ((حميد)» فعيل من الحمد، بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو من حصل له
من صفات الحمد أكملها، وقيل: هو بمعنى الحامد، أى يحمد أفعال عباده. وأما ((مجيد)) فهو من
المجد، وهو صفة من كمل فى الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدل على صفة
الإكرام، ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه
عليه، والتنويه به وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففى ذلك إشارة إلى أنهما
كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له، والمعنى أنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة،
كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك. ذكره الحافظ ابن حجر.
٥٢٨
( والسلام كما قد علمتم ) معناه قد أمركم اللَّه تعالى بالصلاة والسلام عليَّ، فأما الصلاة على
فهذه صفتها، وأما السلام على فكما علمتم فى التشهد وهو السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركانه، ولفظ «كما قد علمتم)) روى بفتح العين وكسر اللام المخففة وروى بضم العين وتشديد اللام،
أى علمتكموه. قال النووي: وكلاهما صحيح.
( ألا أهدى لك هدية؟ خرج علينا رسول اللَّه عَ ل) فى هذا السياق إضمار، تقديره: قال
ابن أبى ليلى: نعم، وقد وقع ذلك صريحاً فى بعض الروايات ((قال: قلت: بلى)) وفى بعضها ((فقلت:
بل اهدها لی)».
( فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك ) قال الفكهانى: الظاهر أن السؤال صدر من بعضهم، لا
من جميعهم، ففيه التعبير عن البعض بالكل، ثم قال: ويبعد جدا أن يكون كعب هو الذى باشر السؤال
منفرداً فأتى بالنون التى للتعظيم، بل لا يجوز ذلك، لأن النبى {8 أجاب بقوله («قولوا)) فلوكان
السائل واحداً لقال له: قل، ولم يقل: قولوا.اهـ وهو كلام حسن من حيث إن الصحابى لا يأتى بالنون
التى للتعظيم، ولكنه لا يمنع أن يكون السائل واحداً، ويأتى بالنون لبيان أن السؤال كان له ولغيره،
فهو قائل لفظا، وغيره قائلون حكما، أى قد عرفت أنا وغيرى كيف نسلم عليك، وهذا هو الظاهر.
والمستبعد أن يسأل جماعة فى وقت واحد بلفظ واحد. إذ ليس ذلك من الأدب ولا من النظام فى
شىء، بل يصح أن يكون كعب بن عجرة قائلاً حكما. والناطق غيره، نعم رواية الطبري، ولفطها ((قمت
إليه، فقلت: السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ ترجح أنه المتلفظ بالسؤال،
أما الرواية الأولى، ولفظها ((فقال له ابن سعد ... )) فإنها تفيد أن المتلفط بالسؤال بشير، فإن صحت
الروايتان، ولم ترجح روايتنا على رواية الطبرى قلنا بتعدد المجالس والسؤال فإن كان فى مجلس
واحد قلنا: إن أحدهما سأل أولا وأيده الثانى بتأكد السؤال وإعادته والله أعلم.
فقه الحديث
لخص الحافظ بن حجر مذاهب العلماء فى حكم الصلاة على النبى # فى عشرة مذاهب.
أولها: قول ابن جرير الطبرى إنها من المستحبات مطلقاً. وادعى الإجماع على ذلك.
ثانيها: أنها تجب فى الجملة بغير حصر. نقل ابن القصار فيه الإجماع [ولعل مراده بالإجماع هو وابن
جرير إجماع أصحاب كل منهما، لا إجماع الأمة].
ثالثها: تجب فى العمر مرة، فى صلاة أو غيرها، وهى مثل كلمة التوحيد قاله أبوبكر الرازى من
الحنفية، وابن حزم وغيرهما، وقال القرطبى المفسر: لا خلاف فى وجوبها فى العمر مرة، وأنها
واحبة فى كل حين وجوب السنن المؤكدة.
رابعها: يجب الإكثار منها من غير نقييد بعدد. قاله أبوبكربن بكير من المالكية.
٥٢٩
خامسها: تجب فى كل مجلس مرة، ولو تكرر ذكره مراراً، حكاه الزمخشرى.
سادسها: تجب فى كل دعاء، حكاه الزمخشرى أيضا.
سابعها: تجب كلما ذكر، قاله الطحاوى وجماعة من الحنفية والحليمى وجماعة من الشافعية، وقال
ابن العربى من المالكية. إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشرى.
ثامنها: تجب فى الصلاة من غير تعيين المحل، نقل ذلك عن أبى جعفر الباقر.
تاسعها: تجب فى التشهد، وهو قول الشعبى وإسحق بن راهويه.
عاشرها: تجب فى القعود آخر الصلاة، بين قول التشهد وسلام التحلل، قاله الشافعى. ومن تبعه.اهـ
والذى يعنينا فى هذا المقام حكم الصلاة على النبى 8 فى الصلاة، بين التشهد وسلام التحلل،
وقد أجمل النووى مذاهب العلماء فيها فقال: ذهب أبو حنيفة ومالك - رحمهما اللَّه تعالى -
والجماهير إلى أنها سنة، ولو تركت صحت الصلاة. وذهب الشافعى وأحمد - رحمهما الله تعالى -
إلى أنها واجبة، ولو تركت لم تصح الصلاة، قال: وقد نسب جماعة الشافعى - رحمة الله تعالى - فى
هذا إلى مخالفة الإجماع، ولا يصح قولهم هذا، فإنه مذهب الشافعى، وهو مروى عن عمر بن الخطاب
وابنه عبد اللَّه رضى الله عنهما. اهـ
والعلماء يرون أن فى استدلال الشافعية على وجوبها خفاء، فهم يحتجون بحديث أبى مسعود
الأنصارى [روايتنا الأولى] ولفظه، «أمرنا الله أن نصلى عليك يا رسول الله فكيف نصلى عليك؟ ... قال
رسول اللَّه ◌َ﴿: قولوا: اللَّهم صلى على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على
محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم فى العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما علمتم))
قالوا: فقولهم أمرنا الله يشيرون به إلى أمر الله فى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قالوا والأمر للوجوب.
وقد اعترض على هذا الاستدلال بأنه إن دل على الوجوب، فإنه لا يدل على كون هذا
الوجوب فى الصلاة.
وأجابوا عن هذا الاعتراض برواية ابن حبان والحاكم لهذا الحديث، وفيه زيادة ((فكيف نصلى
عليك إذا نحن صلينا عليك فى صلاتنا)» وهذه الزيادة صحيحة، قال فيها الدارقطنى: إسناده حسن
متصل، وقال البيهقى: إسناده حسن صحيح، وصححه الترمذى وابن خزيمة.
قالوا: واحتمال كون ذلك التعليم ليصلى عليه خارج الصلاة بعيد، وقال بعضهم فى ذلك: إن
الصلاة عليه واجبة بالإجماع، وليست الصلاة عليه خارج الصلاة واجبة، فتعين أن تجب فى الصلاة.
وقالوا: إن قوله صلى الله عليه وسلم ((والسلام كما قد علمتم)) بعد تعليمهم الصلاة عليه وبعد
تعليمهم السلام عليه فى التشهد قرينة على أن المراد بالصلاة عليه الصلاة عليه فى الصلاة.
واعترض على هذا الجواب بأنه إن دل على طلب الصلاة عليه فى الصلاة فإنه لا يدل على تعين
إيقاعها بين التشهد والسلام.
٥٣٠
وأجابوا عن هذا الاعتراض، فقالوا: أخرج الحاكم بسند قوى عن ابن مسعود قال: ((يتشهد الرجل،
ثم يصلى على النبى، ثم يدعو لنفسه))، فإن ابن مسعود ذكر أن النبى و علمهم التشهد فى الصلاة،
وأنه قال: ((تم ليتخير من الدعاء ما يشاء)) فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء دل
على أنه اطلع على زيادة بين التشهد والدعاء ويتقوى هذا بما أخرجه الترمذى عن عمر موقوفاً:
((الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شىء حتى يصلى على النبى (*))، قال ابن العربى:
ومثل هذا لا يقال من قبل الرأى، فيكون له حكم الرفع.
واعترض على كل هذا بأن أقصى ما يدل عليه طلب الصلاة عليه ويكفى فى هذا
الاستحباب، ولا دلالة على الوجوب، وخصوصا أن الشافعية أنفسهم لم يوجبوا إلا ((اللَّهم
صل على محمد)» وما زاد على ذلك جعلوه سنة مع أن تعليمهم الصلاة عليه اشتمل على
الصلاة على الآل والذرية، وهى واجبة بالإجماع.
وأجيب عن هذا الاعتراض بما أخرجه البيهقى بسند قوى عن الشعبى وهو من كبار
التابعين قال: ((من لم يصل على النبى {₪ فى التشهد فليعد صلاته)» وبما قاله الشافعى: إن
النبى * كان يعلمهم التشهد فى الصلاة، وروى عنه أنه علمهم كيف يصلون فى الصلاة، فلا
يجوز أن نقول: التشهد فى الصلاة واجب والصلاة عليه فيه غير واجبة. اهـ ورد بأن هذا
رأى ومذهب للشعبى والشافعى خال من الدليل.
وقد شنع جماعات على مذهب الشافعية، ونسبوه فى ذلك إلى الشذوذ، ومنهم الطبرى والطحاوى
وابن المنذر والخطابي، وتصدى الحافظ ابن حجر للدفاع عن المذهب، فقال: إن فقهاء الأمصار لم
يتفقوا على مخالفة الشافعى فى ذلك، بل جاء عن أحمد روايتان، وعن إسحاق الجزم به فى العمد
فقال: إذا تركها يعيد والخلاف أيضا عند المالكية، ذكره ابن الحاجب فى سنن الصلاة، قال: على
الصحيح، فقال شارحه ابن عبد السلام: يريد أن فى وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام ابن المواز منهم،
وأما الحنفية فألزم بعض شيوخنا من قال منهم بوجوب الصلاة كلما ذكر، كالطحاوى ألزمهم بعض
شيوخنا أن يقولوا بوجوبها فى التشهد، لتقدم ذكره صلى الله عليه وسلم فى آخر التشهد.
كما انتصرابن القيم للشافعى فقال: اجمعوا على مشروعية الصلاة عليه فى التشهد، وإنما
اختلفوا فى الوجوب والاستحباب، وفى تمسك من لم يوجبه بعمل السلف الصالح نظر، لأن عملهم
كان بوفاقه، وقال: وأما قول عياض: إن الناس شنعوا على الشافعى فلا معنى له، فأى شناعة فى
ذلك؟ وهو لم يخالف نصًا ولا إجماعًا ولا قياسًا ولا مصلحة راجحة؟ بل القول بذلك من محاسن
مذهبه. اهـ
واختلف العلماء فى الصيغة المطلوبة سواء على وجه الوجوب أو الاستحباب، وبقى الخلاف على
اختلاف الروايات، وقد قال النووى فى شرح المهذب والأفضل فى صفة الصلاة أن يقول: «اللّهم صل
على محمد عبدك ورسولك النبى الأمى، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى
آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل
٥٣١
إبراهيم فى العالمين، إنك حميد مجيد. فيجمع بذلك ما فى الأحاديث الصحيحة. اهـ
وتعقبه الأسنوى فقال: لم يستوعب ما ثبت فى الأحاديث، ومع اختلاف كلامه فى شرح
المهذب، عنه فى الأذكار، وعنه فى التحقيق والفتاوى، فمرة أسقط (النبى الأمى)) فى ((بارك)) ومرة
زاد ((أمهات المؤمنين)) بعد قوله: ((أزواجه وزاد، أهل بيته)) بعد قوله ((ذريته)).
وقال الأوزاعى: لم يسبق النووى إلى ما قال، والذى يظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتى بأكمل
الروايات، ويقول كل ما ثبت، هذا مرة وهذا مرة. وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة فى التشهد لم
ترد مجموعة فى حديث واحداهـ
قال الحافظ ابن حجر: وكأن الأوزاعى أخذ كلامه من كلام ابن القيم، فإنه قال: إن الكيفية لم ترد
مجموعة فى طريق من الطرق. والأولى أن يستعمل كل لفظ ثبت على حدة. فبذلك يحصل الإتيان
بجميع ما ورد بخلاف ما إذا قال الجميع دفعة واحدة. فإن الغالب على الظن أنه صلى الله عليه وسلم
لم يقله كذلك. وقد نص الشافعى على أن الاختلاف فى ألفاظ التشهد ونحوه كالاختلاف فى
القراءات. ولم يقل أحد من الأئمة باستحباب التلاوة بجميع الألفاظ المختلفة فى الحرف الواحد من
القرآن. وإن كان بعضهم أجاز ذلك عند التعليم للتمرين. انتهى كلام ابن القيم.
قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر إن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر كما فى
((أزواجه)) و((أمهات المؤمنين)) فالأولى الاقتصار فى كل مرة على أحدهما. وإن كان اللفظ
يستقل بزيادة معنى ليس فى اللفظ الآخر البتة فالأولى الإتيان به، ويحمل على أن بعض
الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخراهـ
ولا يخفى أن هذا الخلاف إنما هو فى الصلاة على النبى ® ® فى الصلاة، أما الصلاة عليه خارج
الصلاة فللمصلى عليه أن يأتى بما يشاء من الألفاظ، ففى لفظ لابن مسعود ((اللَّهم اجعل صلواتك
وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك)»، أخرجه
ابن ماجة والطبرى، وفى لفظ لعلى كرم الله وجهه، اللَّهم داحى المدحوات ... اجعل شرائف صلواتك
ونواحى بركاتك. ورأفة تحيتك. على محمد عبدك ورسولك (أخرجه الطبرى والطبراني».
وادعى بعضهم أنه لا يقال: وترحم على محمد، وبالغ ابن العربى فى إنكار ذلك فقال: حذار من
زيادة «وترحم)) قال الحافظ ابن حجر: إن كان إنكاره لكونه لم يصح فمسلم. وإلا فدعوى من يدعى أنه
لا يقال: اللَّهم ارحم محمداً مردودة، لثبوت ذلك فى عدة أحاديث أصحها فى التشهد ((السلام عليك
أيها النبى ورحمة الله وبركاته)) ثم قال هذا فيما يقول مضموماً إلى السلام أو الصلاة. أما مفرداً فلا.
ونقل القاضى عياض عن الجمهور الجواز مطلقاً، وخالف غيره، ففى الذخيرة من كتب
الحنفية: عن محمد: يكره ذلك لإيهامه النقص، لأن الرحمة غالباً إنما تكون عن فعل ما يلام
عليه، وجزم ابن عبد البر بمنعه، فقال لا يجوز لأحد إذا ذكر النبى® أن يقول: رحمه اللّه،
لأنه قال: ((من صلى على)) ولم يقل: من ترحم على، ولا من دعالى، وإن كان معنى الصلاة
الرحمة، لكنه خص هذا اللفظ تعظيمًا له، فلا يعدل عنه إلى غيره، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لا
٥٣٢
تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. اهـ
واختلف العلماء فى حكم الصلاة على غير النبى 8 من الملائكة والأنبياء والمؤمنين.
أما الأنبياء فقد ثبت عن ابن عباس اختصاص الصلاة بالنبى 8*، فعن عكرمة عن ابن عباس قال
((ما أعلم الصلاة تنبغى على أحد من أحد إلا على النبى {8)»، أخرجه ابن أبى شيبة. وحكى القول به
عن مالك وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وعن مالك يكره.
والجمهور على جواز الصلاة على الأنبياء، قال عياض: عامة أهل العلم على الجواز. قال سفيان:
ووجدت بخط بعض شيوخ مذهب مالك، لا يجوز أن يصلى إلا على محمد، وهذا غير معروف عن
مالك، وإنما قال. أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغى لنا أن تتعدى ما أمرنا به. اهـ
وبهذا يتبين أن عامة العلماء على جواز الصلاة على الأنبياء تبعاً واستقلالا فنقول: مثلا: موسى
عليه الصلاة والسلام، وقال شعيب عليه الصلاة والسلام ونحو ذلك، بل فى الأحاديث ما يدل على
مشروعيتها واستحبابها، فقد أخرج البيهقى عن بريدة رفعه «لا تتركن فى التشهد الصلاة على وعلى
أنبياء الله)) وأخرج الإسماعيلى من حديث أبى هريرة، رفعه ((صلوا على أنبياء الله)) وأخرج الطبرانى
عن ابن عباس، رفعه «إذا صليتم على صلوا على أنبياء الله فإن الله بعثهم كما بعثنى»، فهذه
الأحاديث وإن كانت ضعيفة الإسناد نقوى القول بالجواز على الأقل.
وأما الملائكة فقد قال عنهم الحافظ ابن حجر: لا أعرف فى الصلاة عليهم حديثاً نصاً،
وإنما يؤحد ذلك من الذى قبله، لأن الله تعالى سماهم رسلاً. اهـ فهو يرى أن حكم الصلاة
عليهم كحكم الصلاة على الأنبياء.
وأما المؤمنون فقد قال طائفة بجواز الصلاة عليهم مطلقاً، سواء كانت بطريق الاستقلال. أو
بطريق التبعية، واستدلوا بالرواية الأولى والثانية ولفظها «قولوا: اللَّهم صل على محمد وعلى آل
محمد)»، وبالرواية الثالثة ولفظها ((قولوا: اللَّهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما استدلوا
بقوله تعالى ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وبقوله ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ ﴾ [الأحزاب: ٤٣]
وبما رواه البخارى عن ابن أبى أوفي، قال ((كان إذا أتى رجل النبى® بصدقته قال: اللَّهم صل عليه.
فأتاه أبى بصدقته، فقال اللّهم صل على آل أبي أوفى)) وما رواه أبو داود عن قيس بن سعد بن عبادة
((أن النبى و رفع يده، وهو يقول اللّهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة))، وبما أخرجه
أحمد وصححه ابن حبان من حديث جابر أن امرأته قالت للنبى * صل على وعلى زوجى مفعل.
كما احتجوا بأن الصلاة دعاء بالرحمة ملا تمنع إلا بنص أو إجماع.
وهذا القول جاء عن الحسن ومجاهد، ونص عليه أحمد فى رواية أبى داود وبه قال إسحق وأبو
ثور وداود والطبری.
ويميل ابن القيم إلى هذا الرأى، لكنه يقيده بعض الشىء، فيقول: المختار أن يصلى على الأنبياء،
والملائكة، وأزواج النبى # وآله وذريته، وأهل الطاعة على سبيل الإجمال، وتكره فى غير الأنبياء
٥٣٣
لشخص مفرد بحيث يصير شعاراً، ولاسيما إذا ترك فى حق مثله، أو أفضل منه كما يفعله الرافضة؟
فلوا اتفق وقوع ذلك مفرداً فى بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعاراً لم يكن به بأس، ولهذا لم يرد
فى حق غير من أمر النبى 8₪ بقول ذلك لهم، وهم من أدى زكاته إلا نادراً كما فى قصة زوجة جابر
وآل سعد بن عبادة. اهـ
والجمهور عن منع الصلاة على غير الأنبياء والملائكة استقلالا، لا تبعاً، فلا يقال: قال أبو بكر
صلى الله عليه وسلم، وإن كان معناه صحيحا، يقال: صلى الله على النبى وعلى صديقه وعلى خليفته،
ونحو ذلك، والحجة فيه أنه صار شعاراً للنبى # فلا يشاركه غيره فيه. قالوا: وقريب من هذا أنه لا
يقال: قال محمد عز وجل وإن كان معناه صحيحاً. لأن هذا الثناء صار شعاراً للَّه سبحانه وتعالى، فلا
يشاركه غيره فيه.
قالوا: ولا حجة لمن أجاز ذلك منفرداً، استدلالا بالآيتين، ويحديث ابن أبى أوفى ويحديث جابر
السابقين، فإن ذلك كله وقع من النبى *، ولصاحب الحق أن يتفضل من حقه بما يشاء، وليس لغيره
أن يتصرف إلا بإذنه. ولم يثبت عنه إذن فى ذلك. ويقوى المنع أن الصلاة على غير النبى و313 فى بعض
البلاد صارت شعاراً لأهل الأهواء، يصلون على من يعظمونه من أهل البيت، والصلاة على غير الأنبياء
استقلالاً لم تكن من الأمر المعروف، وإنما أحدثت فى دولة بنى هاشم.
والخلاف بين الجمهور فى اعتبار هذا المنع حراماً، أو مكروها، أو خلاف الأولى، كما أن الخلاف
جارفى الصلاة على المؤمنين تبعاً، هل هى جائزة مطلقا أو فيمن ورد النص بهم؟
فقالت طائفة: لا تجوز الصلاة على المؤمنين استقالا - أى تحرم - وتجوز تبعا فيما ورد بالنص،
أو ألحق به، لقوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ﴾ لأنه لما علمهم
السلام قال ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحينَ)) ولما علمهم الصلاة قصر ذلك عليه وعلى أهل
بيته وهذا القول اختاره القرطبى وأبو المعالى من الحنابلة.
وقالت طائفة: لا تجوز الصلاة على المؤمنين استقلالا - أى تحرم - وتجوز تبعاً مطلقاً: وهذا قول
أبى حنيفة وجماعة.
وقالت طائفة: تكره استقلالا، لا تبعا، وهى رواية عن أحمد.
وقال النووى: هى خلاف الأولى.
والذى تميل إليه النفس أن الصلاة على المؤمنين استقلالا، إذا كانت على وجه التعظيم، ومعادلة
النبى ، أو على وجه رفع مفضول على فاضل حرمت أما إذا كانت على وجه الدعاء بالرحمة والبركة
فلا تحرم، والأولى أن يذكر غير الأنبياء بالرضا والغفران، دون الصلاة، ودون السلام، فقد قال الحوينى:
والسلام فى معنى الصلاة، فإن الله تعالى قرن بينهما فلا يفرد بالسلام غائب غير الأنبياء. أى لا يقال:
أبوبكر وعمر وعثمان وعلى عليهم السلام، وإنما يقال السلام خطابا للأحياء والأموات فيقال: السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته. والله أعلم.
٥٣٤
واستدل بالحديث برواياته الثلاث الأوليات على فضيلة الصلاة على النبى 8 1#، من جهة ورود
الأمربها، واعتناء الصحابة بالسؤال عن كيفيتها، وقد ورد فضلها صريحا فى الرواية الرابعة، ولفظها
((من صلى على واحدة صلى الله عليه عشراً)) قال القاضى عياض: أى رحمه، وضعف أجره، من باب
قوله تعالى ﴿مَنْ جَاءَ بالْحَسَنَّةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام. ١٦٠] الآية ويحتمل أن اللَّه يصلى عليه
حقيقة بكلام تسمعه الملائكة عليهم السلام كما جاء فى الحديث القدسى ((وإن ذكرنى فى ملأ ذكرته
فى ملأ خير منهم)». اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وقد ورد التصريح بفضل الصلاة على النبى ®® فى أحاديث قوية، منها ما
أخرجه مسلم ((من صلى على واحدة صلى الله عليه عشراً)) وله شاهد عند أحمد والنسائي، وعند
النسائى عن بردة ((من صلى على من أمتى صلاة مخلصاً من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات
ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات))، وعند الترمذى: ((إن
أولى الناس بى يوم القيامة أكثرهم على صلاة)) وعند البيهقى ((صلاة أمتى تعرض على فى كل يوم
جمعة: فمن كان أكثرهم على صلاة كان أقربهم منى منزلة)). وعند الترمذى والنسائى وابن حبان
والحاكم، ((البخيل من ذكرت عنده فلم يصل على)) وعند ابن ماجه والبيهقى ((من نسى الصلاة على
خطئ طريق الجنة)) وعند الترمذى ((رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليَّ)) وعند الحاكم ((بعد من
ذكرت عنده فلم يصل عليَّ)) وعند الطبرانى ((شقى عبد ذكرت عنده فلم يصل عليَّ) وعند عبد الرزاق
((من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلي».
ثم قال الحافظ ابن حجر: فهذا الجيد من الأحاديث الواردة فى ذلك، وفى الباب أحاديث ضعيفة
وواهية، وأما ما وضعه القصاص فى ذلك فلا يحصى كثرة، وفى الأحاديث القوية غنية عن ذلك، ثم
قال: وقد تمسك بالأحاديث المذكورة من أوجب الصلاة عليه كلما ذكر، لأن الدعاء بالرغم والإبعاد
والشقاء، والوصف بالبخل والجفاء يقتضى الوعيد، والوعيد على الترك من علامات الوجوب، من
حيث المعنى،: وإن فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه، وإحسانه مستمر، فيتأكد إذا ذكر،
وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة: منها أن الوجوب قول مخترع، لم يعرف عن أحد من الصحابة
والتابعين، ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا أذن، والسامع والقارئ إذا مر بذكره، ولكان الثناء
على اللَّه كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبى { ₪ فقال:
يارسول الله صلى الله عليك، وأجابوا عن الأحاديث المذكورة بأنها خرجت مخرج المبالغة فى تأكيد
ذلك، وطلبه، وفى حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا، وفى الجملة لا دلالة على وجوب تكرر ذلك
بتكرر ذكره صلى الله عليه وسلم.
قال الأبى: ومقتضى الوعد بمضاعفة الأجر عشرا. أنه يحصل بأى لفظ كانت الصلاة، وإن كان
الراجح ما تقدم من الصفة الواردة سابقا، وما يستعمل من لفظ السيد والمولى حسن، وإن لم يرد
[فيقال مثلا: اللّهم صل على سيدنا ومولانا محمد *] والمستند فيه ما صح من قوله صلى الله عليه
وسلم ((أنا سيد ولد آدم)) ثم قال: وانظر لو قال: اللَّهم صل على محمد عدد كذا. هل يثاب بعدد ما ذكر؟
أو يثاب ثواب من صلى أكثر من واحدة؟ واستشهد الأبى لفضيلة هذه الصيغة بحديث ((من قال
٥٣٥
سبحان اللَّه عدد خلقه ... )) من حيث دلالته على أن للتسبيح بهذا اللفظ مزية، وإلا لم تكن له فائده)».
قال الحليمى: والمقصود بالصلاة على النبى : التقرب إلى الله بامتثال أمره وقضاء حق النبى
علينا، وتبعه ابن عبد السلام فقال: ليست صلاتنا على النبى * شفاعة له، فإن مثلنا لا يشفع
لمثله، ولكن الله أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء، فأرشدنا الله لما علم
عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه. وقال ابن العربى: فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذى يصلى
عليه، لدلالة ذلك على نصوع العقيدة، وخلوص النية، وإظهار المحبة والمداومة على الطاعة والاحترام
للوساطة الكريمة صلى الله عليه وسلم.اهـ
ومن المواطن التى يتأكد فيها طلب الصلاة على النبى 18 سواء على طريق الوجوب أو
الاستحباب: التشهد الأول، وخطبة الجمعة وغيرها من الخطب وصلاة الجنازة، وتتأكد عقب إجابة
المؤذن، وأول الدعاء وأوسطه وآخره، وفى آخر القنوت، وفى أثناء تكبيرات العيد، وعند دخول المسجد
والخروج منه وعند الاجتماع والتفرق، وعند السفر والقدوم وعند القيام من الليل، عند ختم القرآن،
وعند الهم والكرب، وعند التوبة من الذنب، وعند قراءة الحديث وتبليغ العلم والذكر، وعند نسيان
الشيء، وعند استلام الحجر، وعند طنين الأذن، وعند البلبلة، وعقب الوضوء، وورد الأمر بالإكثار منها
يوم الجمعة. والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبى الأمى وعلى آله وصحبه ورضى عن التابعين
وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
٥٣٦
(١٦٥) باب التسميع والتحميد والتأمين
٧٣٩ - ٣١ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ (٧١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَالَ «إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَإِنْهُ مَن وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
٧٤٠- ٣٢٣ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾ (٧٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِفَ﴿ قَالَ «إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِنُوا فَإِنْهُ مَن
وَفَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لِ
يَقُولُ «آمِينَ».
٧٤١- ٣٣ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٧٣) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ بِمِثْلٍ حَدِيثِ مَالِكٍ وَلَمْ
يَذْكُرْ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ.
٧٤٢ - ٤َِّ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ(٧٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،﴿ قَالَ «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ
آمِينَ وَالْمَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)».
٧٤٣- ٥ٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ضْ(٧٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ
وَالْمَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
٧٤٤ - ٧٦ عَنِ أَبِي هُرَّيْرَةَّ ◌َ﴾(٧٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَلِقَالَ «إِذَا قَالَ الْقَارِعُ غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فَقَالَ مَن خَلْفَهُ آمِينَ فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ
غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
(٧١) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ سُمَيِّ عَنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
- حَدَّثَنَا قَتْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ سُهَيْلٍ عَنِ أَبِيهِ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ عْنِ النّبِيِّ 20
بِمَعْنَى حَدِيثٍ سُمَّى.
(٧٢) حَدَّثْنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى قَالَ فَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْهُمَا أَخْبُرَاهُ
عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(٧٣) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبُرَنِي ابْنُ الْمُسَيْبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ
أَبَا هُرَيْرَةَ
(٧٤) حَدَّثِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى حَدْنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي عَمْرٌوَ أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّلَهُ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٧٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنِيُّ حَدََّا الْمُغِيرَةُ عَنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
- حَدَّثْنَا مُحَمِّدُ بْنُ وَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَغَمَرَّ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَهِ عَنِ النّبِيِّ ◌ِتَ بِمِثْلِهِ.
(٧٦) حَدَّثَ قِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ خَدََّا يَعْقُوبُ يَعْنِي أَبَّنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ سُهَيْلٍ عَنِ أَبِيهَ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
٥٣٧
المعنى العام
من أهم أهداف صلاة الجماعة واقتداء المأموم بالإمام، وربط أقواله وأفعاله بأقوال
الإمام وأفعاله تعليم النظام والدقة فى التسليم للقيادة، إن متابعة الحركات قد تكون مع
الغفلة، فلا تؤتى الإمامة ثمارها، ولا تحقق الغاية المنشودة منها، ومن هنا تنبه الأحاديث
على يقظة المأموم لأقوال إمامه، ليضع قوله فى المكان والزمان المشروع، إن الملائكة
تتابع أقوال الإمام، وتوافقه حين يقول فى نهاية الفاتحة ((آمين)» تدعوله ولمن خلفه
بإجابة الدعاء الوارد فى الفاتحة، وتوافقه عند رفعه من الركوع فى قوله ((سمع الله لمن
حمده ربنا لك الحمد)» فتدعو له ولمن خلفه بأن يسمع اللَّه حمدهم ويثيبهم عليه.
ومن هنا تنبه الأحاديث إلى استحباب اليقظة ومتابعة الإمام حين يقول: سمع الله لمن حمده
ربنا لك الحمد فنقول عقب قوله مثلما يقول.
وإلى استحباب اليقظة للإمام حين يقرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾ فنقول معه
((آمين)) ليوافق قولنا قول الإمام والملائكة، فمن وافق قوله قول الملائكة، ولم يسبقه أو يتأخر عنه غفر
اللَّه له ما تقدم من ذنوبه. كلمات سهلة يسيرة يمحو الله بها الخطايا.
فسبحان الغفور الرحيم، واسع الفضل والجود. وهنيئا للمؤمنين الطائعين ما ينالهم من
ثواب عظيم.
المباحث العربية
( سمع الله لمن حمده ) يحتمل أن يكون خبرا، والمراد من سمع الحمد الإثابة
عليه. والمعنى يسمع اللَّه حمد الحامد. ويثيبه عليه. ويحتمل أن يكون دعاء. والمعنى اللَّهم
اقبل حمدى لك: وأثبنى عليه.
(اللَّهم ربنا لك الحمد) قال الحافظ ابن حجر: ثبت فى أكثر الطرق ((اللَّهم)) وفى بعضها
بحذفها، وكلاهما جائز، وثبوتها أرجح، لأن فيه تكرير النداء. كأنه قال ياربنا.
وقد ثبت فى طرق كثيرة ((اللَّهم ربنا ولك الحمد)) بزيادة الواو، وفى بعضها - كما هنا - بحذفها،
قال النووي: المختار أنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر وقال ابن دقيق العيد: كأن إثبات الواو دال
على معنى زائد، لأنه يكون التقدير مثلا: ربنا استجب، ولك الحمد، فيشتمل على معنى الدعاء ومعنى
الخبر. اهـ وقيل: عاطفة على محذوف أى رينا حمدناك ولك الحمد، وقال الأصمعى: سألت أبا عمر
عن الواو فى ((ربنا ولك الحمد)) فقال: هى زائدة، تقول العرب بعنى هذا الثوب، فيقول المخاطب: نعم
وهولك بدرهم، فالواوزائدة.
٥٣٨
( فإنه من وافق قوله قول الملائكة ) قيل: معناه الموافقة فى الوقت بداية ونهاية، وقيل:
معناه الموافقة فى الصفة والخشوع والإخلاص، والأول هو الصحيح والصواب، واختلف فى هؤلاء
الملائكة، فقيل: هم الحفظة، ورد بالرواية الثالثة والرابعة والخامسة، وهى تصرح بأنهم أهل السماء،
وأجيب بأنه إذا قالها الحاضرون من الحفظة قالها من فوقهم، وحتى ينتهى إلى أهل السماء قاله
النووى: وهذا الجواب فى الحقيقة رجوع عن أن المراد بهم الحفظة إلى أن المراد ما يعم الحفظة
وغيرهم، وهذا هو الأولى، ومثل ذلك يقال فى التأمين.
( إذا أمن الإمام فأمنوا ) يقال: أمن يؤمن إذا قال: آمين والمراد إذا قال الإمام:
آمين. بعد قراءة الفاتحة فقولوا: آمين. ولما كان ظاهر العبارة يؤدى إلى كون تأمين المأموم
يكون عقب تأمين الإمام مع أن الجمهور يقول بموافقتهما قالوا: إن المراد إذا أراد أن
يؤمن الإمام فأمنوا ليكون تأمينكم وتأمينه فى وقت واحد، ولما كان بعضهم يرى أن الإمام
لايؤمن قال معنى ((أمن الإمام)) بلغ موضع التأمين، أى وصل فى قراءته الفاتحة إلى ﴿غَيْر
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ كما يقال: أحرم وأنجد إذا دخل فى الحرم أو بلغ نجداً، أو
أن معنى ((أمن الإمام)) دعا بقوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ والداعى يسمى مؤمناً، كما
أن المؤمَّن يسمى داعياً. وسيأتى البحث مبسوطاً فى فقه الحديث.
( إذا قال أحدكم فى الصلاة: آمين ) وزن آمين ليس من أوزان كلام العرب، وهو مثل هابيل
وقابيل، وهو اسم فعل، ويوقف عليه بالسكون فإن وصل بغيره حرك لالتقاء الساكنين، ويفتح طلبا
للخفة لأجل البناء كأين وكيف، إذ الكسرة بعد الياء ثقيلة، وأما معناه فقيل: ليكن كذلك، وقيل: اقبل.
وقيل: لا تخيب رجاء. وقيل: لايقدر على هذا غيرك. وقيل: هو اسم من أسماء الله، حذف منه حرف
النداء. والأصل: ياآمين استجب دعاءنا، وهو أبعد الأقوال عن القبول.
( فوافقت إحداهما الأخرى ) أى فوافقت إحدى المقالتين المقالة الأخرى والمراد مقالة
المؤمنين ومقالة الملائكة: آمين.
فقه الحديث
يتعرض الحديث لمسألتين منفصلتين: التسميع والتحميد، ثم التأمين، وقد قدم الإمام مسلم وكثير
من المحدثين أحاديث التسميع والتحميد، على أحاديث التأمين، مع أن التأمين مقدم فى الصلاة
على التسميع والتحميد، ولعلهم لم يلتزموا ترتيب أفعال الصلاة، فقد قدموا التشهد والصلاة على النبى
* فيه على التسميع والتحميد والتأمين.
وموافقة لترتيبهم نقول:
إن ظاهر الرواية الأولى - ولفظها ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)) -
٥٣٩
أن الإمام لايقول: ربنا لك الحمد، وإن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده. وهو مذهب مالك وأبى
حنيفة ومن تبعهما، ووجه هذا الدليل بأنه قسم التسميع والتحميد، فجعل التسميع للإمام والتحميد
للمأموم، والقسمة تنافى الشركة، واحتجوا كذلك بأن معنى ((سمع الله لمن حمده)) طلب التحميد،
فيناسب حال الإمام، وأما المأموم فتناسبه حال الإجابة بقوله «ربنا لك الحمد» ويقويه حديث أبى
موسى الأشعرى المذكور قبل قليل فى باب التشهد، ولفظه ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقالوا:
اللَّهم ربنا لك الحمد يسمع اللَّه لكم».
وقال الثورى والأوزاعى وأبو يوسف ومحمد وأحمد: يجمع الإمام الذكرين ويقتصر المأموم على
((ربنا لك الحمد)».
ومذهب الشافعية أنه يستحب لكل من الإمام والمأموم أن يقول فى حال ارتفاعه: سمع الله لمن
حمده، فإذا استوى قائماً قال: ربنا لك الحمد فيستحب للإمام والمأموم الجمع بين هذين الذكرين،
وبهذا قال عطاء وإسحق وداود واستدلوا بأنه صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين التسميع والتحميد،
ففى البخارى ومسلم فى باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع - وسيأتى بعد أبواب - عن ابن أبى
أوفى قال ((كان رسول اللَّه { إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده اللَّهم ربنا لك
الحمد)) وقال ((صلوا كما رأيتمونى أصلى)) فيقتضى هذا مع ما قبله أن كل مصل يجمع بينهما، قالوا:
ولأنهما ذكر كالتسبيح، فيستحب للإمام وغيره، لأن الصلاة مبنية على أن لايفتر عن الذكر فى شىء
منها، فإن لم يقل بالذكرين فى الرفع والاعتدال بقى أحد الحالين خالياً عن الذكر.
وأجابوا عن الرواية الأولى فى بابنا بأنها ليس فيها ما يدل على النفى، بل فيها أن قول المأموم
((ربنا ولك الحمد)» يقول عقب قول الإمام ((سمع الله لمن حمده)) والواقع فى التصوير ذلك، لأن الإمام
يقول التسميع فى حال انتقاله، والمأموم يقول التحميد فى حال اعتداله، فقوله يقع عقب قول الإمام.
وكأن المعنى: قولوا ((ربنا ولك الحمد)) مع ما قد علمتموه من قول ((سمع الله لمن حمده)) وإنما خص
هذا بالذكر لأنهم كانوا يسمعون جهر النبى { بـ((سمع الله لمن حمده)) فإن السنة فيه الجهر، ولا
يسمعون قوله ((ربنا لك الحمد)» لأنه يأتى به سراً، وكانوا يعلمون قوله صلى الله عليه وسلم ((صلوا كما
رأيتمونى أصلي)) مع قاعدة التأسى به صلى الله عليه وسلم مطلقاً، وكانوا يوافقون فى ((سمع الله لمن
حمده)) فلم يحتج إلى الأمر به، ولا يعرفون ((ربنا لك الحمد)) فأمروا به. قاله النووى فى شرح
المذهب. اهـ
وأجابوا عما احتج به المالكية والحنفية من حيث المعنى بأنه لا يدل على أن الإمام لايقول ((رينا
لك الحمد)»، إذ لا يمتنع أن يكون طالباً ومجيباً.
هذا حكم الإمام والمأموم، أما المنفرد فهو عند الشافعية كالإمام والمأموم يجمع بين
الذكرين، وعند مالك وأبى حنيفة: يقول كما يقول الإمام ((سمع الله لمن حمده)) فقط، وفى
قول للحنيفة: يجمع المنفرد بين الذكرين، وحملوا عليه الحديث الذى استدل به الشافعية
٥٤٠