Indexed OCR Text

Pages 421-440

ثم قال: واختلف العلماء فى جواز قراءة القرآن للجنب والحائض. فالجمهور على تحريم القراءة
عليهما جميعاً، ولا فرق عندنا بين آية وبعض آية، فإن الجميع يحرم، ولو قال الجنب: بسم اللّه أو
الحمد لله، ونحو ذلك، إن قصد به القرآن حرم عليه؛ وإن قصد به الذكر، أو لم يقصد شيئاً لم يحرم،
ويجوز للجنب والحائض أن يجريا القرآن على قلوبهما، وأن ينظرا فى المصحف، ويستحب لهما إذا
أرادا الاغتسال أن يقولا: بسم اللَّه، على قصد الذكر.
والله أعلم
٤٢١

(١٥١) باب ما يقول إذا دخل الخلاء
٢٦٥- ١٣٢ عَنِ آَنَسٍ ﴾(١٢٢) (فِي حَدِيثِ حَمَّادٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَ ﴿ إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ
وَفِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَبِيفَ) قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ
الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ».
٦٦٦- ١٠ عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ(١١) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ».
المعنى العام
يكتفى بما سيأتى فى فقه الحديث.
المباحث العربية
(اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث) ((الخبث)) بضم الباء وإسكانها وجهان
مشهوران، قال الخطابي: الخبث جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، قال: يريد ذكران
الشياطين وإناثهم. اهـ وقيل: الخبث الشباطين والخبائث المعاصى، وقيل: هما الشر. قال ابن
الأعرابى: الخبث فى كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو
الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار.
فقه الحديث
ويسن إذا دخل الخلاء أن يقول: اللهم إنى أعوذ بك من الخبث والخبائث، فقد روى الجماعة أن
رسول اللَّهَ ﴿ كان يقول ذلك. وهذا فى الأمكنة المعدة، وأما فى غيرها فيسن أن يقول ذلك فى أول
الشروع فى تشمير الثياب.
ويسن أن يقول عند الخروج من الخلاء: غفرانك، الحمد لله الذى أذهب عنى الأذى وعافاني،
فالاستغفار لترك الذكر حال قضاء الحاجة، ولما عساه أن يكون قد وقع من كشف أو خطأ. والحمد
للإشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنة عظيمة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك، فخروجه
(١٢٢) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَالَ يَحْتِي أَيْضًا أَخْبُرَنَا هُشَيْمٌ كِلاهُمَا عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنِ أَنَسٍ
(٠٠) وحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ) عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
٤٢٢

من النعم التى لا تتم الصحة بدونها، وحق على من أكل مايشتهيه، فسد به جوعته وحفظ به صحته
وقوته، ثم لما قضى غايته واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة خرج بسهولة، فزال الأذى، حق
على من هذا شأنه أن يستكثر من حمد الله جل جلاله وعظمت آلاؤه.
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
والله أعلم
٤٢٣

(١٥٢) باب نوم الجالس لا ينقض الوضوء
٦٦٧ - ١٣٣ عَنِ أَنَسٍ ضَ(١٢٣) قَالَ أَقِيمَتْ الصَّلاةُ وَرَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ نَجِيٌّ لِرَجُلٍ (وَفِي
حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ وَنَبِيُّ اللَّهِ ﴿ِ يُنَاجِي الرَّجُلَ) فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ.
٦٦٨ - ١٣٤ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ مْ﴾(١٢٤) قَالَ: أُقِيمَتْ الصَّلاةُ وَالنّبِيُّ ◌ِ﴿ يُنَّاجِي رَجُلا. فَلَمْ
يَزّلْ يُنَاجِيهِ حَتّى نَامَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ.
٦٦٩- ٣٥ّا عَنِ أَنَسٍ مَ﴾(١٢٥) قَالَ كَان أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَ يَّامُونَ. ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلا
يَتَوَضُِّونَ قَالَ قُلْتُ سَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسٍ قَالَ إِي وَاللَّهِ.
٦٧٠ - ١٣٦ عَنِ آَنَسٍ ﴾(١٣٩) أَنَّهُ قَالَ أَقِيمَتْ صَلاةُ الْعِشَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ لِي حَاجَةٌ فَقَامَ النَّبِيُّ
﴿ يُنَاجِيهِ حَتّى نَامَ الْقَوْمُ (أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ) ثُمَّ صَلَّوْا.
المعنى العام
كتب الله النوم على الإنسان راحة لبدنه من مشاق الحياة، وامتن عليه بهذه النعمة، فقال ﴿وَهُوَ
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ﴾ [الفرقان: ٤٧] وقال ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ
سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩] أى راحة وانقطاعاً عن العمل، وقطعاً لكمال الإحساس والحياة، كما قال ﴿وَهُوَ الَّذِي
يَتَوَقَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠].
ولما كان النوم بهذه المثابة كان شبيهاً بالإغماء فى ضعف الإدراك والإحساس، مما
يعلم بالبداهة والمشاهدة.
ولما كان كذلك كان النائم عرضة لأن يقع منه الحدث، وخروج الريح دون أن يشعر فمن باب
الحيطة للعبادة رأى بعض الفقهاء أن النوم ناقض للوضوء، ورأى الآخرون أنه لا ينقض الوضوء،
وأحاديث الباب مع الآخرين.
(١٢٣) حَدَّلَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ حِ وَحَدَّقْنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ كِلاهُمَا عَنِ
عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ أَنَسِ
(١٢٤) حَدََّنَا غَبَيْدُ اللَّهِ بْنٌ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ حَدْثَنَا أَبِي حَدْثَنَا شُعْبَةُ عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ
(١٢٥) وَحَدَّثَنِي يَحْتِى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِيُّ حَدَّثَا خَالِدٌ وَهُوَ ابْنُ الْحَّارِثِ حَدَّثْتَ شُغَّبَةُ عَنِ قَتَادَةَ قَّالَ سَمِعْتُ أَنْسًا يَقُولُ:
(١٢٦) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيَدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا حَبَّنُ حَدَّقْنَا حَمَّادٌ عَنِ ثَابِتٍ عَنِ أَنَسٍ
٤٢٤

المباحث العربية
(أقيمت الصلاة ورسول اللَّه# نجى لرجل) أى يناجى رجلاً ويناجيه رجل، وفى الرواية
الرابعة ((أقيمت صلاة العشاء فقال رجل)) أى لرسول اللَّه ◌ُ ل ((لى حاجة)) أى لى مطلب أسر به إليك،
فاستجاب له صلى الله عليه وسلم فطالت المناجاة، ومازال يناجيه حتى نام القوم.
( فما قام إلى الصلاة ) أى فما وقف موقف الصلاة، واستعد لها.
فقه الحديث
سبق فى أول كتاب الطهارة وفي باب (١١٢) باب الوضوء من الحدث أن تكلمنا عن المذاهب
فى نقض النوم للوضوء، ونعيد ما قلناه هناك لطول العهد، فنقول: وقد اختلف العلماء فى النوم على
مذاهب ثمانية ذكرها النووى:
الأول: أنه لاينقض الوضوء على أى حال، وهو محكى عن أبى موسى الأشعرى وسعيد بن المسيب
والشيعة الإمامية، واستدلوا بما رواه أبو دواد ومسلم والترمذى عن أنس قال ((كان أصحاب رسول الله
* ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون)».
الثانى أن النوم ينقض الوضوء بكل حال: قليله وكثيره، وهو مذهب الحسن البصرى
والمزنى وابن المنذر، واستدلوا بما رواه أحمد والنسائى والترمذى عن صفوان بن عسال قال
((كان رسول اللَّه: ﴿ يأمرنا إذا كنا سفرا أن لاننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من
جذابة، لكن من غائط وبول ونوم)) فذكر الأحداث التى ينزع منها الخف، وعد من جملتها
النوم، وجعله مقترنا بالبول والغائط اللذين هنا ناقضان بالإجماع، كما استدلوا بما رواه
أحمد وأبو داود وابن ماجه عن علىَّه قال: قال رسول اللَّهِمَ﴾ ((العين وكاء السه فمن نام
فليتوضأ)» لم يفرق بين قليل النوم وكثيره ولا بين حال للنائم وحال أخرى.
الثالث: أن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لاينقض بكل حال، وهو مذهب الأوزاعى ومالك
وأحمد فى إحدى الروايتين عنه. واستدلوا بحديث أنس السابق، وحملوا ما فيه على قليل النوم.
الرابع: إذا نام على هيئة من هيئات المصلى كالراكع والساجد والقائم والقاعد مستلقيا على قفاه
انتقض، وهو مذهب أبى حنيفة وداود وهو قول غريب للشافعى، واستدلوا بما رواه البيهقى ((إذا نام
العبد فى سجوده باهى اللّه به الملائكة)»
الخامس: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، وهو مروى عن أحمد، ولعل وجهه أن الركوع
والسجود مظنة للانتقاض.
السادس: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد وهو مروى أيضاً عن أحمد.
٤٢٥

السابع: أنه لاينقض النوم فى الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة، ونسب إلى أبى حنيفة.
الثامن: أنه إذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لم ينقض، سواء قل أو كثر، وسواء كان فى
الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعى، وعنده أن النوم ليس حدثا فى نفسه، وإنما هو دليل على
خروج الريح، قال النووى: وهذا أقرب المذاهب عندى، وبه يجمع بين الأدلة.اهـ
والله أعلم
٤٢٦

كتاب الصلاة
١٥٣ - باب بدء الأذان.
١٥٤ - باب ألفاظ الأان والإقامة وشفع الأذان
وإيتار الإقامة.
١٥٥ - باب استحباب اتخاذ مؤذنين للمسجد
الواحد.
١٥٦ - باب ما يقول إذا سمع الأذان.
١٥٧ - باب فضل الأذان.
١٥٨ - باب استحباب رفع اليدين حذو
المنكبين مع تكبيرة الإحرام والركوع وفى
الرفع من الركوع.
١٥٩ - باب التكبير عند الرفع والخفض فى
الصلاة.
١٦٠ - باب قراءة الفاتحة فى كل ركعة.
١٦١ - باب البسملة.
١٦٢ - باب وضع اليدين على الصدر فى
الصلاة.
١٦٣ - باب التشهد فى الصلاة.
١٦٤ - باب الصلاة على النبى وَ بعد التشهد.
١٦٥ - باب التسميع والتحميد والتأمين.
١٦٦ - باب ائتمام المأموم بالإمام.
١٦٧ - باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر
ونسخ القعود خلف الإمام القاعد لعذر
ومرض رسول اللّه ◌ِ الدّ.
١٦٨ - باب تقديم الجماعة من يصلى بهم إذا
تأخر الإمام وتسبيح الرجال وتصفيق
المرأة إذا نابها شىء.
١٦٩ - باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها
والخشوع فيها.
١٧٠ - باب تحريم سبق الإمام بركوع أو
سجود ونحوهما ومتابعة الإمام والعمل
بعده.
١٧١ - باب النهى عن رفع البصر إلى السماء
فى الصلاة.
١٧٢ - باب الأمر بالسكون فى السلاة والنهى
عن الإشارة باليد فيها.
١٧٣ - باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل
الأول فالأول منها.
١٧٤ - باب أمر المصليات وراء الرجال أن لا
يرفعن رءوسهن من السجود حتى يرفع
الرجال.
١٧٥ - باب خروج النساء إلى المساجد إذا لم
يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة.
١٧٦ - باب التوسط فى القراءة فى الصلاة
الجهرية بين الجهر والإسرار إذا خاف من
الجهر مفسدة.
١٧٧ - باب الاستماع للقراءة.
١٧٨ - باب الجهر فى القراءة فى الصلاة
والقراءة على الجن.
٤٢٧

(١٥٣) بدء الأذان
٦٧١- ١٣ِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١) أَنَّهُ قَالَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا
الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيُّنُونَ الصَّلَوَاتِ وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ فَتَكَلِّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ
بَعْضُهُمْ اتَّخِذُوا نَقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَرَّنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيُهُودِ فَقَالَ عُمَرُ أَوَ
لا تَبْعُونَ رَجُلا يُنَادِي بِالصَّلاةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ «يَا بِلالُ قُمْ فَنَادٍ بِالصَّلاةِ».
المعنى العام
كان المسلمون بمكة قليلى العدد، يستخفون كثيراً فى صلاتهم، ولايكادون يجتمعون، وإذا
اجتمعوا ترقبوا دخول الوقت، وقدروا حينه وزمنه، ثم قاموا إلى الصلاة، دون أذان أو إقامة، فلما هاجر
رسول اللَّه : ﴿ وبنى المسجد النبوى، وكثر الناس، ولم يعودوا يخشون الجهر بالعبادات استشار رسول
اللَّه ◌َ﴿ أصحابه فى وسيلة يجمع بها الناس للصلاة، فقال بعضهم: نرفع راية، فإذا رآها المسلمون
علموا أنه قد حان وقت الصلاة فجاءوا، ورد هذا الاقتراح، لأن الذين يرون الراية قلة من المسلمين، ثم
هى لا ترى بالليل فلا تنفع للإعلان عن وقت العشاء والفجر، قال بعضهم: نوقد ناراً عند حلول وقت
الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: إن رفع النار من فعل المجوس، ولا نحب أن نقتدى بهم، قال آخر:
نتخذ بوقاً، ننفخ فيه، فيرتفع الصوت، فيسمعه من يريد الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: اتخاذ
البوق من فعل اليهود ولا نحب أن نفعل مثلهم. قال رابع: نتخذ ناقوساً، نضريه عند حلول وقت
الصلاة قال صلى الله عليه وسلم: اتخاذ الناقوس من فعل النصارى، وسكت صلى الله عليه وسلم
يفكر، أليس النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا ؟ أليست المشابهة فى عمل من أعمالهم أقل
خطراً على المسلمين من مشابهة غيرهم؟ لم لا نتخذ ناقوسا حتى يأتى أمر اللَّه؟ فأمر صلى اللّه عليه
وسلم بصنع ناقوس، قال عمر: لا نتشبه بالمجوس ولا باليهود ولا بالنصارى، وينبغى أن نبعث رجلا
إلى مكان مرتفع، أو إلى باب المسجد، ينادى، يجمع الناس للصلاة. ورضى رسول اللّه وَل* بهذه
المشورة، فقال: يا بلال. قم وناد بالصلاة، فقام بلال إلى باب المسجد ونادى بأعلى صوته الحسن:
الصلاة جامعة. الصلاة جامعة. وانصرف الصحابة إلى بيوتهم تلك الليلة، وهم مشغولون بما دار من
حديث، وفيهم عبد الله بن زيد، قال: انصرفت وأنا مهتم لهم رسول اللّهَ﴿، فرأيت فى منامى، وأنا
بين النائم واليقظان رجلاً يحمل ناقوساً فى يده، فقلت ياعبد الله. أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع
به؟ فقلت: ندعوبه إلى الصلاة قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. فقال: تقول:
(١) حَدَّثَّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ حِ وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالا أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ
ح حَدْثَّا هَارُونُ بَّنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَ حَدَّثَنَا حَجََّجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيِّجٍ أَخْبَرَِّي نَافِعٌّ مَوْلَى ابْنٍ عُمَرَ عَنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
٤٢٩

اللَّه أكبر. الله أكبر الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا اللَّه. أشهد أن لا إله إلا اللَّه. أشهد أن
محمدًا رسول اللّه. أشهد أن محمدًا رسول اللَّه. حى على الصلاة. حى على الصلاة. حى على الفلاح.
حى على الفلاح. الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا اللَّه [وعلمه الإقامة أيضاً] فلما أصبح عبد الله بن زيد
أتى رسول اللّه *. فأخبره بما رأى، وكان الوحى قد نزل مؤيداً الأذان، فقال صلى الله عليه وسلم
لعبد الله بن زيد: إنها لرؤيا حق قم مع بلال، فألق عليه ما رأيت. فليؤذن به، فإنه أندى منك صوتا،
فقام، فجعل يلقى، وبلال يؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطاب، وكان قد رأى نفس ما يسمع، فخرج
يجرى يجر رداءه، فقال: يارسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل هذا، فقال صلى الله عليه
وسلم: وما منعك أن تخبرنا؟ قال: سبقنى عبد الله، قال. صلى الله عليه وسلم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانًا
لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
المباحث العربية
( كتاب الصلاة ) الصلاة لغة الدعاء، وقيل الرحمة، وعرفاً أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير
مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة. وهل هى مأخوذة من الصلاة بمعنى الدعاء لاشتمالها عليه؟ أو
من الصلاة بمعنى الرحمة لأنها سببها؟ الأول قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم، وقيل:
مشتقة من الصلة، لأنها صلة بين العبد وربه، ويرد هذا بأن الصلة معتلة الفاء، لأنها مصدر ((وصل))
والصلاة معتلة اللام، وقيل: مشتقة من صليت العود على النار إذا أقمته وقومته، لأنها تقوم العبد على
الطاعة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، ورد هذا بأن صليت
العود على الناريائى والصلاة واوى.
وقيل مشتقة من الصلوين، وهما عرقان من الردف، أو عظمان ينحنيان فى الركوع والسجود،
قالوا: ولهذا كتبت الصلاة بالواو فى المصحف، ورد هذا بأنه والحالة هذه من الجوامد، وقيل غير ذلك
مما هو بعيد.
( بدء الأذان ) أصل الأذان الإعلام، يقال فيه الأذان والأذين والتأذين قاله الجوهرى.
وقال الأزهرى: يقال أذن المؤذن تأذيناً وأذاناً، أى أعلم الناس بوقت الصلاة، فوضع الاسم موضع
المصدر، قال: وأصله من الأذن كأنه يلقى فى آذان الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة.
(كان المسلمون حين قدموا المدينة) مهاجرين من مكة.
( فيتحينون الصلوات ) أى يقدرون أحيانها، ليأتوا إليها، والحين الوقت والزمان.
(وليس ينادى بها أحد) الجملة حالية من ((الصلوات)) ورواية البخارى ((ليس ينادى لها)»
واسم ((ليس)) ضمير الحال والشأن والجملة خبرها.
٤٣٠

( اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى ) كان ناقوس النصارى أولا خشبة طويلة تضرب
بخشبة أصغر منها، فتحدث صوتاً، ثم صاروا إلى الناقوس المعروف اليوم فى الكنائس والمدارس.
(وقال بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود) ((قرناً)) مفعول به لفعل محذوف، أى اتخذوا قرناً،
والقرن والبوق أسطوانة واسعة من الطرف البعيد ، ضيقة من الطرف الذى ينفخ فيه، تضخم الصوت
وترفعه، وهو مستعمل فى الجيش، وفى بعض النداءات الشعبية، ويقال له ((الصور)) و(الشابور)).
( أولا تبعثون رجلاً) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، أى أتقتدون بالنصارى
واليهود ولا تبعثون رجلا؟ فالهمزة لإنكار الجملة الأولى وتقرير الجملة الثانية، توبيخا على القول
بالاقتداء بأهل الكتاب، وحثا وبعثا على الاستقلال بالنداء. ومراده من النداء الإعلام بالصلاة بأى
لفظ، لا بلفظ الأذان، وسيأتى فى فقه الحديث زيادة إيضاح.
( يا بلال: قم فناد بالصلاة) قال القاضى عياض: المراد الإعلام المحض بحضور وقت
الصلاة، لا بخصوص الأذان المشروع، اهـوهذا قول حسن، لأن هذا القول كان قبل رؤيا الأذان، وهل
المراد من الأمر بـ))قم)) الوقوف؟ أو الذهاب إلى البعد؟ خلاف يأتى توضيحه.
فقه الحديث
ذكرنا فى حديث الإسراء أن جماعة من العلماء ذهبوا إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة
إلا ما كان وقع الأمربه من صلاه الليل من غير تحديد، وأن بعضهم ذهب إلى أن الصلاة كانت
مفروضة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشى، وذكرنا أن المحققين من العلماء يرون أن الصلاة فرضت
فى الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول اللّه * المدينة واطمأن زيد فى صلاة الحضر
ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار، ثم بعد أن استقر
فرض الرباعية خفف منها فى السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ
الصَّلاةِ ﴾ [النساء: ١٠١].
واختلف فى السنة التى شرع فيها الأذان، والراجح أن ذلك كان فى السنة الأولى، وقيل: كان فى
الثانية، أما الأحاديث التى وردت بأن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة فهى ضعيفة لا تصح، وقد ذكر
الطبرانى منها عن ابن عمر عن أبيه قال: ((لما أسرى بالنبى ﴿ أوحى الله إليه الأذان، فنزل به،
فعلمه بلالا)) وذكر الدارقطنى منها: ((عن أنس أن جبريل أمر النبى { بالأذان حين فرضت الصلاة)»
وذكر ابن مردويه منها عن عائشة مرفوعا ((لما أسرى بى أذن جبريل، فظنت الملائكة أنه يصلى بهم،
فقدمنى، فصليت)) وذكر البزار منها من حديث على قال ((لما أراد اللَّه أن يعلم رسوله الأذان أتاه
جبريل بدابة يقال لها البراق، فركبها .... الحديث، وفيه، ((إذ خرج ملك من وراء الحجاب، فقال: اللَّه
أكبر .. الله أكبر ... وفى آخره، ثم أخذ الملك بيده، فأم أهل السماء)).
٤٣١

قال الحافظ ابن حجر: والحق أنه لايصح شىء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر
بأنه كان يصلى بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن
وقع التشاور فى ذلك. اهـ
وجمع القرطبى بأنه لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعا فى حقه، وجمع بعضهم
بحمل الأذان فيها على المعنى اللغوى، وجمع آخرون بتعدد الإسراء، والحق أن كل ذلك تكلف
وتعسف، والأخذ بما صح أولى، وحديث ابن عمر المذكور فى هذا الباب ظاهر فى أن الأذان إنما شرع
بعد الهجرة: فإنه نفى النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقا.
وظاهر حديث الباب أن النداء الأول للصلاة الذى قام به بلال بنى على كلامهم فى طريقة الإعلام،
وفى جلسة تشاورهم فى ذلك، وعقب قول عمر الصادر عن رأيه ((أو لا تبعثون رجلا ينادى بالصلاة))
وهذا الظاهر حسن على أن يكون المراد بالنداء الإعلام المحض بحضور الوقت، لا خصوص الأذان
المشروع، وقد أخرج ابن سعد فى الطبقات أن اللفظ الذى كان ينادى به بلال للصلاة قوله ((الصلاة
جامعة)» لكن الحديث على هذا لا يتعرض لبدء الأذان المشروع المعروف، بمعنى أنه لا يتعرض
لألفاظه كيف جاءت؟ ومن جاء بها؟ وكيف أقرت؟ وإن تعرض للبدء به فى الجملة.
والأحاديث التى تعرضت لذلك كثيرة، منها ما رواه أبو داود: ((اهتم النبى و للصلاة، كيف يجمع
الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا، فلم يعجبه ذلك،
قال: فذكر له: القُنْع - يعنى الشبور - وقال زياد شبور اليهود فلم يعجبه ذلك [والشبور هو القرن]
وقال: هو من أمر اليهود، فذكر له الناقوس، فقال هو من أمر النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد، وهو
مهتم لهم رسول اللّه ◌َ، فأرى الأذان فى منامه، فغدا على رسول الله صل﴾، فأخبره، فقال: يارسول اللَّه،
أنى لبين نائم يقظان إذا أتانى آت، فأرانى الأذان - وكان عمر بن الخطاب ه قد رآه قبل ذلك،
فكتمه عشرين يوما، ثم أخبر النبي # فقال له: «ما منعك أن تخبرنى؟ فقال: سبقنى عبد اللّه بن
زيد، فاستحييت فقال رسول اللّه 8# *: يابلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله
فأذن بلال )».
وما رواه أبو داود أيضا عن عبد الله بن زيد قال: لما أمر رسول اللّه{ * بالناقوس، يعمل ليضرب
به للناس لجمع الصلاة، طاف بى وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا فى يده، فقلت: ياعبد اللَّه، أتبيع
الناقوس. فقال: وما تصنع به. فقلت له: ندعوبه إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟
فقلت له: بلى. قال: تقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا اللَّه. أشهد أن لا
إله إلا اللَّه. أشهد أن محمداً رسول اللَّه. أشهد أن محمدا رسول اللّه. حى على الصلاة. حى على
الصلاة. حى على الفلاح. حى على الفلاح. اللَّه أكبر. الله أكبر، لا إله إلا اللّه. قال: ثم استأخر عنى غير
بعيد، ثم قال. ثم تقول: إذا أقمت الصلاة: اللَّه أكبر. الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا اللَّه. أشهد أن محمدا
رسول اللَّه. حى على الصلاة. حى على الفلاح. قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة. الله أكبر الله أكبر.
لا إله إلا الله. فلما أصبحت. أتيت رسول اللّه ﴿ فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها لرؤيا حق، فقم مع
٤٣٢

بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك، فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه، ويؤذن به.
قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب به، وهو فى بيته، فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحق يا
رسول الله لقد رأيت مثل ما أرى. فقال صلى الله عليه وسلم: فلله الحمد)).
وروى ابن ماجه هذا الحديث غير أن فيه ((وأمر بالناقوس فنحت)) ولا تعارض بين هذه الرواية
وبين قوله فى الرواية السابقة ((هو من أمر النصارى)» لأن هذا القول كان ابتداء، ولما اضطر إلى اتخاذ
شىء يجمع الناس به إلى الصلاة أمر أن يعمل، ولعله : * اختار ناقوس النصارى لأنهم أكثر طواعية
له﴿، وأكثر مودة إليه من اليهود، قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ
أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المنادة: ٨٢].
قال الحافظ ابن حجر: قوله ((وكان عمر قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوما، ثم أخبر النبى { {))
لا يخالفه أن عبد الله بن زيد لما قص منامه، فسمع عمر الأذان ((فجاء، فقال: لقد رأيت ..... )) لأنه
يحمل على أنه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبدالله، بل متراخيا عنه لقوله ((ما منعك أن تخبرنا)»؟ أى
عقب إخبار عبد الله. فاعتذر بالاستحياء، فدل على أنه لم يخبر بذلك على الفور. اهـ
ويبعد هذا الجمع الذى جمع به الحافظ ابن حجر سياق الرواية، إذ فيها ((فكتمه عشرين يوما، ثم
أخبر النبي ، فقال له: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقنى عبد الله بن زيد، فاستحييت، فقال
رسول اللّه ®: يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد، فافعله فأذن بلال)).
فهذا السياق صريح فى أن إخبار عمر لم يكن متراخيا عن إخبار عبد الله، والأولى أن يقال: لعل
عمررآه فلم يحفظه، فتردد وكتمه، وانتظر لعله يراه مرة أخرى أو ينزل به الوحى، وأشار على القوم
بالنداء، أى نداء، حتى إذا سمعه خرج يؤيده، فعاتبه صلى الله عليه وسلم على عدم الإخبار فاعتذر بأن
اللَّه أراد لعبد الله بن زيد أن يسبقه، فحصل له حينئذ الحياء من التأخير والخجل من التردد.
ويكون قوله ((وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً ثم أخبر النبى { ®، فقال:
ما منعك أن تخبرنى؟ فقال سبقنى عبد الله بن زيد، فاستحييت)) هذا القول معترض بين كلام عبد
اللَّه، إذ أتانى آت، فأرانى الأذان، وبيّن فقال الرسول :﴿: يابلال، قم فانظر ما يأمرك به عبدالله .... إلخ
ولو أنه أخر هذا الكلام المعترض لم يكن هناك توهم الإشكال.
وقد حاول القرطبى أن يجعل حديث الباب فى بدء الأذان المعروف المشروع، وأن يجعل بالنداء
فى قول عمر ((أو لا تبعثون رجلا ينادى بالصلاة)) أى ينادى بالأذان المعروف، فقال: يحتمل أن يكون
عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه، وصدقه النبى ® بادر عمر فقال: أو لاتبعثون رجلا ينادى أى يؤذن
للرؤيا المذكورة؟ فقال النبى 08 «قم يا بلال)) فعلى هذا فالفاء فى سياق حديث ابن عمر هى
الفصيحة، والتقدير فافترقوا، فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النبى®، فقص عليه، فصدقه فقال
عمر ... إلخ. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: إن سياق حديث عبد الله بن زيد الذى رواه أبو داود يخالف ذلك، فإنه يدل
٤٣٣

على أن عمر لم يكن حاضرا لما قص عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادى
للصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك. اهـ
ولم يخرج البخارى ومسلم حديث عبد الله بن زيد كما أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه
وغيرهم لأنه ليس على شرطهما وإن كان صحيحا. والله أعلم.
وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، حيث إن رؤيا غير الأنبياء لا ينبنى عليها
حكم شرعى إذ لا يؤمن عليها الخطأ، وأجيب باحتمال مقارنة الوحى لذلك، أو لأنه { 9 أمر
بمقتضاها، لينظر أيقر على ذلك أم لا؟ ولاسيما لما رأى أن نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، وهذا
ينبنى على القول بجواز اجتهاده * فى الأحكام، وهو القول الراجح فى الأصول.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا أصح مما حكى الداودى عن ابن إسحاق ((أن جبريل أتى النبي و *
بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام)).اهـ
والحكمة فى إعلام الناس بالأذان على غير لسانه صلى الله عليه وسلم التنويه بقدره
والرفع لذكره على لسان غيره. ليكون أقوى لأمره، وأفخم لشأنه، قاله السهيلى، وقال عنه
الحافظ ابن حجر: حسن بديع.
وقد ذكر العلماء فى حكمة الأذان أربعة أشياء: إظهار شعائر الإسلام وكلمة التوحيد، والإعلام
بدخول وقت الصلاة، ويمكانها، والدعاء إلى الجماعة.
والحكمة فى اختيار القول له دون الفعل، سهولة القول وتيسره لكل أحد، فى كل زمان ومكان.
وأما السبب فى تخصيص بلال بالنداء والإعلام فقد جاء مبيناً فى سنن أبى داود والترمذى
وغيرهما فى الحديث الصحيح، حديث عبد الله بن زيد، أن النبى ﴿ قال له: ((ألقه على بلال، فإنه
أندى صوتاً منك)) قيل معناه أرفع صوتا، وقيل أطيب، وقيل أرفع وأطيب.
وذكر بعضهم مناسبة حسنة فى اختصاص بلال بالأذان، فقال: إنما خص بذلك دون غيره؛ لأنه
كان لما عذب ليرجع عن الإسلام كان يقول: أحد. أحد. فجورى بولاية الأذان المشتملة على التوحيد
فى ابتدائه وانتهائه. اهـ
ومما كثر السؤال عنه.هل باشر النبى # الأذان بنفسه؟ قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع عند
السهيلى ((أن النبى * أذن فى سفر، وصلى بأصحابه، وهم على رواحلهم، السماء من فوقهم، والبلة من
أسفلهم)) أخرجه الترمذى وقواه. ولكن وجدناه فى مسند أحمد من الوجه الذى أخرجه الترمذى،
ولفظه ((فأمر بلالا فأذن)) فعرف أن فى رواية الترمذى اختصارا، وأن معنى قوله ((أذن)) أمر
بلالا به.اهـ.
وفى حكم الأذان قال النووى: الأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس بالنصوص الصحيحة
والإجماع، ولا يشرع الأذان ولا الإقامة لغير الخمس بلا خلاف، سواء كانت منذورة، أو جنازة، أو سنة،
٤٣٤

وسواء سن لها الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء أم لا، كالضحى، ولكن ينادى للعيد
والكسوف والاستسقاء: الصلاة جامعة، وكذا ينادى للتراويح: الصلاة جامعة، إذا صليت فى جماعة،
ولا يستحب ذلك فى صلاة الجنازة على أصح الوجهين.
ثم قال: وفى الأذان والإقامة ثلاثة أوجه: أصحهما أنهما سنة. والثانى: فرض كفاية، والثالث:
فرض كفاية فى الجمعة، سنة فى غيرها، ومما احتجوا به لكونهما سنة قوله صلى الله عليه وسلم
للأعرابى المسىء صلاته، افعل كذا وكذا، ولم يذكرهما، مع أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الوضوء،
واستقبال القبلة، وأركان الصلاة، قال أصحابنا: فإن قلنا فرض كفاية فأقل ما يتأدى به الفرض أن
ينتشر الأذان فى جميع أهل ذلك المكان، فإن كانت قرية صغيرة، بحيث إذا أذن أحد سمعوا كلهم
سقط الفرض بواحد، وإن كان بلداً كبيراً وجب أن يؤذن فى كل موضع واحد، بحيث ينتشر الأذان فى
جميعهم، فإن أذن واحد فقط سقط الحرج عن الناحية التى سمعوه، دون غيرهم.
وحكى إمام الحرمين عن صاحب الإبانة أن فرض الكفاية يسقط بالأذان الصلاة واحدة فى كل
يوم وليلة، ولا يجب لكل صلاة، وقال ولم أر لأصحابنا إيجابه لكل صلاة. قال: ودليله أنه إذا حصل مرة
فى كل يوم وليلة لم يندرس الشعار. قال النووى: وهذا الذى ذكره خلاف ظاهر كلام جمهور أصحابنا،
فإن مقتضى كلامهم وإطلاقهم أنه إذا قيل: إنه فرض كفاية وجب لكل صلاة، وهذا هو الصواب، وإذا
قلنا: إن الأذان سنة حصلت بما يحصل به إذا قلنا فرض كفاية، والقول فى الإقامة كالقول فى الأذان
فى جميع ما ذكرناه.
ثم قال: والمشهور فى مذهب الشافعية أنهما سنة لكل الصلوات فى الحضر والسفر، للجماعة
والمنفرد، لايوجبان بحال، فإن تركهما صحت صلاة المنفرد والجماعة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه
وجمهور العلماء، وقال ابن المنذر: هما فرض فى حق الجماعة فى الحضر والسفر.
قال: وقال مالك: تجب فى مسجد الجماعة، وقال عطاء والأوزاعى: وإن نسى الإقامة أعاد الصلاة،
وقال العبدرى: هما سنة عند مالك، وفرض كفاية عند أحمد، وقال داود: هما فرض لصلاة الجماعة،
وليسا بشرط لصحتها.
قال الحافظ ابن حجر: ومنشأ الخلاف أن مبدأ الأذان لما كان عن مشورة أوقعها صلى الله عليه
وسلم بين أصحابه حتى استقربرؤيا بعضهم فأقره كان ذلك بالمندوبات أشبه، ثم لما واظب على
تقريره، ولم ينقل أنه تركه، ولا أمر بتركه، كان ذلك بالواجبات أشبه. اهـ
ثم قال النووى: وهل يسن للفوائت؟ ثلاثة أقوال: قال فى الأم: يقيم لها ولا يؤذن، لأن الأذان
للإعلام بالوقت، وقد فات الوقت، والإقامة لاستفتاح الصلاة، وذلك موجود: وقال فى القديم: يؤذن
ويقيم للأولى وحدها، ويقيم للتى بعدها، لأنهما صلاتان، جمعهما وقت واحد فكانتا بأذان وإقامتين،
كالمغرب والعشاء بالمزدلفة فإن النبى # صلاهما بأذان وإقامتين. وقال فى الإملاء: إن أمل اجتماع
الناس أذن وأقام، وإن لم يؤمل أقام، لأن الأذان يراد لجمع الناس، فإذا لم يؤمل الجمع لم يكن للأذان
٤٣٥

وجه، وإذا أمل له وجه قال أبو إسحاق: وهذا يقال للصلاة الحاضرة أيضا، إذا أمل الاجتماع لها أذن
وأقام، وإن لم يؤمل أقام ولم يؤذن. اهـ
وهذا الخلاف مبنى على الخلاف فى: هل الأذان حق الوقت، أوحق الفريضة؟ أو حق الجماعة؟
ثم قال النووى: والمنفرد فى صحراء أو بلد يؤذن على المذهب، وقيل: لا يؤذن وقيل: إن رجا حضور
جماعة أذن، وإلا فلا، وإذا قلنا يؤذن، فهل يرفع صوته؟ نظر. إن صلى فى مسجد قد صليت فيه جماعة
لم يرفع، لئلا يوهم دخول وقت صلاة أخرى، وإن لم يكن كذلك فوجهان.
وإن جمع بين صلاتين، فإن جمع بينهما فى وقت الأولى منهما أذن وأقام للثانية، كما فعل النبى
وَ بعرفة، وإن جمع بينهما فى وقت الثانية فهما كالفائتتين، لأن الأولى قد فات وقتها والثانية
تابعة لها.
ولا يجوز الأذان لغير الصبح قبل دخول الوقت، لأنه يراد للإعلام بالوقت، فلايجوز قبله، وأما
الصبح فيجوز أن يؤذن له بعد نصف الليل، لقول النبى ₪ ((إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى
يؤذن ابن أم مكتوم)) لأن الصبح يدخل وقتها والناس نيام، وفيهم الجنب والمحدث، فاحتيج إلى
تقديم الأذان، وأما الإقامة فلا يجوز تقديمها على الوقت، لأنها تراد لاستفتاح الصلاة، فلا تجوز قبل
الوقت. وبهذا قال مالك وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة ومحمد: لايجوز قبل الفجر.
ويؤخذ من الحديث
١- مشروعية التشاور فى الأمور، لاسيما المهمة، وذلك مستحب فى حق الأمة بإجماع العلماء.
قال النووى واختلف أصحابنا: هل كانت المشاورة واجبة على رسول الله:﴿؟ أم كانت سنة فى
حقه صلى الله عليه وسلم، كما فى حقنا؟ والصحيح عندهم وجوبها، وهو المختار، قال اللَّه تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فى الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] والمختار الذى عليه جمهور الفقهاء، ومحققو أهل الأصول
أن الأمر للوجوب.
٢ - وأنه ينبغى للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده، ثم صاحب الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة.
٣- وأنه لا حرج على أحد من المتشاورين إذا أخبر بما أدى إليه اجتهاده ولو أخطأ.
٤ - وفيه أن المطلوب مخالفة أهل الباطل فى أعمالهم.
٥- وفيه منقبة عظيمة لعبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب - رضى الله عنهما.
٦- وأن رؤيا المؤمن قد تكون حقا وصريحة.
٧- وفيه مراعاة المصالح، والعمل بها، وذلك أنه لما شق عليهم التبكير إلى الصلاة، فتفوتهم أشغالهم،
أو التأخير فيفوتهم وقت الصلاة نظروا فى ذلك .
٨- قال القاضى عياض: فى قوله ((يا بلال. قم فناد بالصلاة)» حجة لشرع الأذان من قيام،
٤٣٦

وأنه لا يجوز الأذان قاعدا، قال: وهو مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور، فإنه جوزه، ووافقه
أبو الفرج المالكى. قال النووي: وهذا الذى قاله ضعيف لوجهين، أحدهما: أنا قدمنا عنه
أن المراد بهذا الإعلام بالصلاة، لا الأذان المعروف، والثانى: أن المراد ((قم)) فاذهب إلى
موضع بارز، فناد بالصلاة ليسمعك الناس من البعد، وليس فيه تعرض للقيام فى حال
الأذان لكنه يحتج للقيام فى الأذان، بأحاديث معروفة غير هذا، وأما قوله: مذهب
العلماء كافة أن القيام واجب، فليس كما قال بل مذهبنا المشهور أنه سنة، فلو أذن
قاعدا بغير عذر صح أذانه، لكن فاتته الفضيلة، وكذا لو أذن مضجعا مع قدرته على
القيام صح أذانه على الأصح، لأن المراد الإعلام، وقد حصل، ولم يثبت فى اشتراط
القيام شيء. اهـ
وقال الأبى: أجاز مالك الأذان قاعدا لمن به علة، أو أذن لنفسه. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: والمشهور عند الحنفية كلهم أن القيام سنة، وأنه لو أذن قاعدا صح،
والصواب ما قاله ابن المنذر من أنهم اتفقوا على أن القيام من السنة. اهـ
٩- قد يؤخذ من الحديث أن الأذان للرجال، وأنه لا يصح أذان المرأة. قال النووى فى المجموع: لا
يصح أذان المرأة للرجال. هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور، ونقل إمام الحرمين الاتفاق عليه،
وهناك وجه ضعيف بأنه يصح كما يصح خبرها، وأما إذا أراد جماعة نسوة الصلاة استحب لهن
الإقامة، وكره لهن الأذان. لأن فى الأذان ترفع الصوت وفى الإقامة لا ترفع، وقيل لا تستحب
الإقامة لهن.
وقيل يستحب لهن الأذان والإقامة بشرط ألا ترفع صوتها فوق ما تسمع صواحبها، فإن رفعت
فوق ذلك حرم كما يحرم تكشفها بحضرة الرجال، لأنه يفتتن بصوتها، وممن صرح بتحريمه إمام
الحرمين والغزالى والرافعى، وقال السرخسى: رفع صوتها مكروه. اهـ
١٠- ويؤخذ من اختيار بلال وتعليل ذلك بحسن صوته فى بعض الروايات استحباب كون المؤذن
رفيع الصوت وحسنه.
قال النووي: وهذا متفق عليه.
والله أعلم .
(ملحوظة) للحديث صلة قوية بالحديث الآتى، وشرح كل منهما يتمم الآخر فليراجع.
٤٣٧

(١٥٤) باب ألفاظ الأذان والإقامة
وشفع الأذان وإيتار الإقامة
٦٧٢- ٣ عَنِ أَنَسِ﴾(٢) قَالَ أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَادَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ زَادَ يَحْيَى فِي
حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ فَحَدَّثْتُ بِهِ أَيُّوبَ فَقَالَ إِلا الإِقَامَةَ
٦٧٣- ٣ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٣) قَالَ ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا وَقْتَ الصَّلاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ
فَذَكَرُوا أَنْ يُنَوِّرُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا فَأُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانُ وَيُوتِّرَ الإِقَامَةَ.
٦٧٤- ٤ حَدَّقَا خَالِدٌ الْحَذّاءُ(٤) بِهَذَا الإِسْنَادِ لَمَّا كَثُرَ النّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعْلِمُوا بِمِثْلٍ
حَدِيثِ الثّقَفِيُّ غَيْرَ أَنْهُ قَالَ أَنْ يُورُوا نَارًا
٦٧٥- ° عَنِ أَنَسٍ ◌َ﴾(٥) قَالَ أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِّرَ الإِقَامَةَ
٦٧٦ - ٣ عَنِ أَبِي مَحْذُورَةَ﴾(٦) أَنَّ نَبِيَّ اللّهِعَ﴿ عَلَّمَهُ هَذَا الأَذَانَ «اللّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ
أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَةَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولُ اللَّهِ»، ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ «أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ (مَرَّتَيْنِ) حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ (مَرََّيْنِ)
زَادَ إِسْحَقُ «اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ».
المعنى العام
لزيادة الإعلام بوقت الصلاة، شرع تكرير ألفاظ الأذان، وأن تنطق كلماته مرتين وتعددت الجمل
فى الأذان ولم يكتف بجملة أو جملتين للمبالغة فى تحقيق الغرض منه، واختيرت هذه العبارات من
الشرع الحكيم لما فيها من معان سامية يقول عنها القاضى عياض:
(٢) حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُّ هِشَامٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ح وَحَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْبَى أَخْبُرَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ جَمِيعًا عَنِ خَالِدِ الْحَذَاءِ عَنِ
أَبِي قِلابَةً عَنِ آَنَسٍ
(٣) وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنٌ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ حَدَثْنَا خَالِدٌ الْخَذَاءُ عَنِ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ أَنَسٍ
(٤) وحّدََّتِيَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ حَدَّثْنَا بَهْزٌ حَدَّثْنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذّاءُ
(٥) وحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَّارِيرِيُّ حَدََّا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ قَالا حَدَّثَنَا أَيُوبُ عَنِ أَبِي
قلابة عن أُنّسِ
(٦) حَدَّثَبِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَبُو غَسَّالْ حَدَّثَنَا مُعَاذٌ وَقَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ
هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيِّ وَحَدَثَبِي أَبِي عَنِ عَامِرِ الأُخَوَّلِ عَنِ مَكْحُولٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيرٍ عَنِ أَبِي مَحْذُورَةً
٤٣٨

اعلم أن الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان، مشتمل على نوعه من العقليات والسمعيات، فأوله
إثبات الذات، وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها وذلك بقوله ((الله أكبر)) وهذه اللفظة مع
اختصارها دالة على ما ذكرناه، ثم صرح بإثبات الوحدانية، ونفى ضدها من الشركة المستحيلة فى
حقه سبحانه وتعالى، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد، المقدمة على كل وظائف الدين، ثم صرح بإثبات
النبوة، والشهادة بالرسالة لنبينا ®®، وهى قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد
التوحيد وتلك المقدمات من باب الواجبات، وبعد هذه القواعد كملت العقائد العقليات فيما يجب
ويستحيل ويجوز فى حقه سبحانه وتعالى، ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات، فدعا إلى الصلاة،
وجعلها عقب إثبات النبوة لأن معرفة وجوبها من جهة النبى ( ٣، لا من جهة العقل، ثم دعا إلى
الفلاح، وهو الفوز والبقاء فى النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء، وهى آخر
تراجم عقائد الإسلام ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة، للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكيد الإيمان
وتكرار ذكره عند الشروع فى العبادة بالقلب واللسان، وليدخل المصلى فيها على بينة من أمره، وبصيرة
من إيمانه، ويستشعر عظيم ما دخل فيه، وعظمة حق من يعبده، وجزيل ثوابه. اهـ
((جعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك
هم ألو الألباب)».
المباحث العربية
( أمربلال ) بضم الهمزة وكسر الميم، مبنى للمجهول، أى أمره رسول اللّه ◌ُ ل* قال النووي: هذا
هو الصواب الذى عليه جمهور العلماء من الفقهاء وأصحاب الأصول وجميع المحدثين، وشذ بعضهم
فقال: هذا اللفظ وشبهه موقوف، لاحتمال أن يكون الأمر غير رسول اللّه وهذا خطأ والصواب أنه
مرفوع، لأن إطلاق ذلك إنما ينصرف إلى صاحب الأمر والنهى، وهو رسول اللّه®، ومثل هذا اللفظ
قول الصحابى: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، أو أمر الناس بكذا ونحوه فكله مرفوع، سواء قال الصحابى
ذلك فى حياة رسول اللّهم﴿، أو بعد وفاته، واللَّه أعلم.اهـ
( أن يشفع الأذان ) بفتح الياء معناه أن يأتى به مثنى، أى يكون ألفاظه مرتين مرتين، قال
الزين بن المنير: ذلك يقتضى أن تستوى جميع ألفاظه فى ذلك، لكن لم يختلف فى أن كلمة التوحيد
التى فى آخره «لا إله إلا الله)» مفردة، فقوله («يشفع» محمول على ما سواها.اهـ
( ويوتر الإقامة ) معناه يأتى بها وترا، ولا يثنيها، بخلاف الأذان.
( إلا الإقامة) معناه إلا لفظ الإقامة، وهى قوله ((قد قامت الصلاة)) فإنه لا يوترها، بل يثنيها،
فالمراد من لفظ الإقامة المثبت غير المراد من لفظ الإقامة المستثنى، فالمراد بالمثبت جميع الألفاظ
المشروعة عند القيام إلى الصلاة، والمراد من المستثنى خصوص قوله ((قد قامت الصلاة)) ففى الكلام
جناس تام، وسيأتى إيضاح الحكم فى فقه الحديث.
٤٣٩

( ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة) ((يعلموا)) بضم الياء وإسكان العين، أى يجعلوا له علامة
يعرف بها.
( فذكروا أن ينوروا نارا ) أى يظهروا نورها.
( أن يوروا نارا ) أى يوقدوها، يقال: ورى الزند إذا خرجت ناره وأوريته إذا أخرجته، ويقال:
أوريت النار أى أشعلتها. قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] ومعنى
الروايتين متقارب.
( عن أبى محذورة) هو قرشى، أسلم بعد حنين فى طريق عودة النبى 18# من حنين، وكان من
أحسن الناس صوتا، أمره رسول اللَّه * أن يؤذن بمكة، ولم يزل مقيما بها حتى توفى سنة تسع
وخمسين، وتوارثت ذريته الأذان - رضى الله عنهم.
(حى على الصلاة) ((حى)) اسم فعل أمر، بمعنى هلم وأقبل، وفتحت الياء لسكونها وسكون
الياء السابقة المدغمة، والمعنى تعالوا إلى الصلاة وأقبلوا إليها، قال الخليل: لا تأتلف العين والحاء
فى كلمة واحدة أصلية فى الحروف، لقرب مخرجيهما، إلا أن يتألف فعل من كلمتين، مثل ((حى
على)) فيقال: حيلة، ومثل الحيلة من المركبات ((البسملة)) فى ((بسم اللَّه)) ((والحمدله)) فى ((الحمد
للَّه)) و((الحوقلة)) فى ((لا حول ولا قوة إلا باللّه)) وأشباهها.
( حى على الفلاح ) أى تعالوا وأقبلوا على الفوز والنجاة، أى إلى سببهما، وهو الصلاة، وقيل:
المراد بالفلاح البقاء، أى أقبلوا إلى سبب البقاء فى الجنة.
فقه الحديث
ألفاظ الأذان
اختلف العلماء فى عدد ألفاظ الأذان، فذهب الشافعية إلى أن الأذان تسع عشرة كلمة، هى: الله
أكبر. الله أكبر الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا اللَّه. أشهد أن لا إله إلا اللّه. أشهد أن محمدا
رسول اللَّه. أشهد أن محمدا رسول الله. يسمع بالشهادتين نفسه، ثم يرجع فيمد صوته، ويقول: أشهد
أن لا إله إلا اللَّه. أشهد أن لا إله إلا اللَّه. أشهد أن محمدا رسول اللَّه. أشهد أن محمدا رسول اللّه.
[وذكر الشهادتين مرتين سرا قبل الجهر هو المسمى بالترجيع] حى على الصلاة. حى على الصلاة. حى
على الفلاح. حى على الفلاح. اللَّه أكبر. الله أكبر لا إله إلا اللّه.
وقال أبو حنيفة، هو خمس عشرة كلمة، فأسقط الترجيع، واحتج بحديث عبد الله بن زيد المذكور
فى شرح حديث الباب السابق، إذ ليس فيه ترجيع.
واحتج الشافعية والمالكية والحنابلة لإثبات الترجيع بحديث أبى محذورة المذكور فى هذا
٤٤٠