Indexed OCR Text
Pages 361-380
إن اللباس العربى يتكون من إزار ورداء، فالإزار ثوب طويل يلف حول الوسط ويغطى من فوق
السرة إلى ما تحت الركبة، والرداء ثوب يغطى الجسم من الكتفين إلى ما يقرب من القدمين غالبًا،
فالإزار زيادة فى الاحتياط والأمن والتوثيق من ستر العورة.
وقبل بعثة محمد * قامت قريش ببناء الكعبة، ومحمد فتى من فتيانها، عرف بالمروءة
والشهامة، وما كان لها أن تبنى دون مساهمة منه فى بنائها، ومشاركة فعلية قوية فى أعمالها، فقام
بحمل الحجارة على كتفه ونقلها، حتى جرح كتفه أو كاد، ورآه عمه يتأوه ويتضجر، فقال له: يا ابن
أخى. لو حللت إزارك فجعلته على كتفك، بين الحجارة وبين جسمك كان ألين وأيسر، فحل صلى اللّه
عليه وسلم إزاره، ولم يكن قد تعود حل الإزار، وتصور أنه عريان، وما هو بعريان، وتصور الناس ينظرون
إليه، ينتقصون بذلك من كرامته، فسقط على الأرض مغشياً عليه، وما أفاق إلا وهو يقول: إزارى
إزارى. أريد أن أربط إزارى، فريطه وما حله أمام الناس بعد.
بل كان إذا أراد قضاء حاجته ترك رفقته وأبعد، ولم يكتف بالبعد بل يتستربحائط أو كومة
شجر، ثم يقضى حاجته، ولم تكن الدور محكمة البناء ذات حجرات وحمام خاص، كما هو الحال
اليوم، فكيف كان يغتسل صلى الله عليه وسلم فى خيمته أو فى فناء داره؟ هذا ما تحدثنا عنه أم
هانئ، بنت عمه أبى طالب، والتى كان رسول اللَّه * يعزها ويستريح فى بيتها قبل الهجرة، ونزل فيه
لحظات يوم الفتح، ثم عاد إلى القبة التى ضربت له عند شعب أبى طالب حيث حصر هو وأهله،
جاءته أم هانئ يوم الفتح فى خيمته، فوجدته يغتسل وقد أقام ساترا تمسك به فاطمة ابنته، فسلمت
عليه، فرد السلام، وكان الساتر كثيفاً، فلم يعرف من التى تسلم، فقال: من هذه؟ قالت: أم هانئ.
فقال: مرحباً بأم هانئ. فلما فرغ من غسله، التحف فى ثوبه، ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى،
فلما انصرف من صلاته قالت: يا رسول اللَّه، أتانى يوم الفتح حموان لى فأجرتهما، فجاء ابن أبى
وأمى - تقصد عليا بن أبى طالب - يريد قتلهما [كانت زوجة لهبيرة وكان له أولاد من غيرها، منهم
ولدان قاتلا خالدا ولم يقبلا الأمان ولا إلقاء السلاح، فلما تم دخول مكة لجأ إلى أم هانئ يستجيران
بها، وذهب خلفهما أخوها على، يريد قتلهما فذهبت إلى رسول اللَّه {﴿] فقال لها رسول اللّه وَ ﴾ ((قد
أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت يا أم هانئ)).
أما حديثه عن محافظة إخوته الأنبياء على ستر العورة فيتمثل فى قصة موسى التلّة وقومه
بنى إسرائيل. لقد كانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى عورة بعض، وكان موسى التلّلا يغتسل وحده،
حتى لا يراه أحد، أو ينكشف على عورته إنسان. فقال بعضهم لبعض: ما لموسى لا يغتسل معنا؟ لا
نظنه إلا أنه يخفى عيباً علينا، إن به مرضاً فى خصيتيه يخشى أن نراه فنعيره به لوكان سليما لما
تحرج من مشاركتنا والاغتسال معنا، وشاءت حكمة الله أن يبرئ موسى مما قالوا، ويثبت لبنى
إسرائيل أن موسى كان عند اللَّه وجيهاً وأنه رسول الله، وعلى يديه تظهر المعجزات الخارقات،
شاءت حكمة الله أن يعوض موسى على صبره على إيذاء قومه خيرًا، شاءت حكمة الله أن يسخر
حجراً يقوم بمهمة دفع الأذى والطعن عن نبى اللَّه. ولقد قام الحجر بما أمر، فما إن خلع موسى ثيابه
٣٦١
ليغتسل فى النهر، وما إن وضعها عليه حتى جرى الحجر بالثياب، وجرى موسى خلفه ينادى. هات
ثوبى يا حجر. أعطنى ثوبى يا حجر، وكلما قرب موسى من الحجر كلما فر الحجر أمامه، يوهم موسى
أنه سيدركه حتى وصل به إلى الملأ الذين آذوا موسى باتهامهم له فى خلقته، ووقف الحجر بينهم،
ودخل موسى إلى الحجر عندهم، فرأوه سليما معافى خالياً من العيوب مبرأ من العاهات، وأخذ ثيابه
فلبسها، ثم أخذ يضرب الحجر مؤدباً، وراع بنى إسرائيل أن الضربات الست التى ضربها موسی
للحجر قد أثرت فيه وعلمت وهبطت أماكن الضرب عن غيرها، وغاصت فى الحجر الصلب، فصلى
الله عليه وسلم على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وهدانا الصراط المستقيم.
المباحث العربية
( عن أم هانئ ) أخت على بن أبى طالب شقيقته رضى الله عنهما، فهى ابنة عم النبى
أسلمت يوم الفتح، واسمها فاختة، وقيل: فاطمة، وقيل: هند كنيت بابنها هانئ بن هبيرة.
(أتيت رسول اللّه علّ وهو بأعلى مكة) دخل النبى { 1 مكة يوم الفتح من أعلاها من
الموضع المسمى ((كداء)» وضربت له قبة هناك، بدار أم هانئ فى هذه المنطقة، فاغتسل وصلى، ثم عاد
إلى قبته، فمجىء أم هانئ إليه من بيت آخرلها إلى بيتها الذى نزل فيه، وسبب مجيئها ما مرفى
المعنى العام من أنها جاءت تطلب منه أن يجير من أجارت.
(قام رسول اللَّه ◌َ﴿ إلى غسله) الراجح أنها جملة حالية بتقدير ((قد)) كما قيل فى قوله
تعالى ﴿أُوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] والتقدير: أتيت رسول اللَّه: ﴿ حالة كونه قائماً
إلى غسله، وكونها مستأنفة بعيد.
( ثم صلى ثمان ركعات ) بفتح النون، وفى رواية للبخارى ((ثمانى)) بفتح الياء مفعول
((صلى)) وتثبت ياء ((ثمانى)) عند الإضافة كما تثبت ياء القاضى، وتسقط مع التنوين عند الرفع
والجر، وتثبت عند النصب.
( سبحة الضحى ) السبحة بضم السين، وإسكان الباء، هى النافلة، سميت بذلك للتسبيح
الذى فيها.
( فصلى ثمان سجدات ) المراد ثمان ركعات، وسميت الركعة سجدة لاشتمالها عليها، من
إطلاق الجزء وإرادة الكل. مجاز مرسل.
(لاينظر الرجل إلى عورة الرجل) يجوز فى الفعل الجزم على أن ((لا)) ناهية، وتكسر الراء
للتخلص من التقاء الساكنين، ويجوز الرفع على أن ((لا)) نافية، وهى فى النهى أبلغ، إذ فيه ادعاء أن
المنهى عنه قد امتثل، وأصبح يخبر عنه بعدم الوقوع. و((العورة)) كل ما يستحى منه إذا ظهر، والمراد
منها هنا ما بين السرة والركبة، أو السوأتان على ما سيأتى فى فقه الحديث.
٣٦٢
( ولا يفضى الرجل إلى الرجل فى ثوب واحد) أى لا يخلو الرجل إلى الرجل ولا يدخل
معه فى ثوب واحد.
( لاينظر الرجل إلى عرية الرجل ) بضم العين وسكون الراء، وبكسر العين وإسكان الراء،
وبضم العين وفتح الراء وتشديد الياء، قال النووي: وكلها صحيحة.
( كانت بنو إسرائيل) أى جماعتهم، وهو كقوله تعالى ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾
[الحجرات: ١٤] فتأنيث الفعل على قول من يقول: حكم ظاهر الجمع مطلقا حكم ظاهر
المؤنث غير الحقيقى، وأما على قول من يقول: كل جمع مؤنث، إلا جمع السلامة المذكر
فتأنينه على خلاف القياس، أو باعتبار القبيلة.
( يغتسلون عراة) جمع «عار)) كقضاة وقاض، وانتصابها على الحال.
( ينظر بعضهم إلى سوأة بعض) الجملة فى محل النصب على الحال و((السوأة)) العورة
المغلظة، أى القبل والدبر، سميت بذلك لأن صاحبها يسوؤه كشفها.
(وكان موسى التلئلا يغتسل وحده) أى منفردا، فلفظ ((وحده)» حال على التأويل.
( إلا أنه آدر) بهمزة ممدودة؛ ثم دال ثم راء مخففتين. قال فى المنتخب: الأدرة فتق يكون فى
إحدى الخصيتين، وفى المخصص لابن سيده: الأدرة الخصية العظيمة، وفى المحكم: الآدر والمأدور
هو الذى يصيبه فتق فى إحدى الخصيتين.
( فجمح موسى بإثره ) قال ابن سيده: يقال: جمع الفرس بصاحبه جمحاً وجماحاً ذهب
يجرى جريا عاليا، وكل شىء مضى ليس على وجهه فقد جمع، والإثر بكسر الهمزة وسكون التاء،
وبفتح الهمزة والثاء: البقية وما تخلف عن الشىء، أى مضى موسى مسرعاً مقتفياً الححر، ومتتبعاً
آثاره قبل أن يغيرها الريح، كناية عن السرعة وعدم الإمهال.
( يقول: ثوبى حجر. ثوبى حجر) ((ثوبى)) مفعول به لفعل محذوف أى أعطنى ثوبى، أو رد
لى ثوبى، و((حجر)) منادى مبنى على الضم فى محل نصب، وفى رواية البخارى «ثوبی یا حجر»
والجملة فى محل نصب مقول القول، وجملة ((يقول)) فى محل النصب على الحال من فاعل ((جمع))
قال الحافظ ابن حجر: وإنما خاطبه لأنه أجراه مجرى العقلاء، لكونه فر بثوبه، فانتقل عنده من حكم
الجماد إلى حكم الحيوان فناداه.
(والله ما بموسى من بأس) ((بموسى)) خبر مقدم، و((بأس)) مبتدأ مؤخر و((من)) زائدة،
والبأس: الشدة والضر، والمقصود ليس به ما كنا نظنه فيه من عيب خلقى.
( فقام الحجر حتى نظر إليه ) أى توقف الحجر عن الجرى حتى نظر القوم إلى موسى
٣٦٣
وسوأته، أى لم يكتف برؤيتهم لموسى وهو يجرى، بل أوقف اللَّه الحجر وموسى عندهم ليتأكدوا من
براءته مما آذوه به.
( فطفق بالحجر ضربا ) ((طفق)) بكسر الفاء وفتحها، لغتان، وهى من أفعال المقاربة وتدل
على الشروع، والباء زائدة، و((الحجر)) مفعول به لفعل محذوف أى يضرب الحجر ضربا، والجملة خبر
((طفق)) والمعنى جعل وأقبل وصار ملتزما بضرب الحجر، قيل: يحتمل أنه أراد بضربه إظهار
المعجزة بتأثير ضربه فيه، ويحتمل أنه أوحى إليه أن يضربه لإظهار المعجزة.
(إنه بالحجر ندب) اسم ((إن)) ضمير الحال والشأن، و((بالحجر ندب)) خبر ومبتدأ والجملة
خبر ((إن)) والندب بفتح النون والدال هو الأثر.
( ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر) ((ستة أو سبعة)) خبر مقدم و(«ضرب موسى
بالحجر)» مبتدأ مؤخر، والباء زائدة فى مفعول المصدر.
( لما بنيت الكعبة ) أى لما بدأ بناؤها، والكعبة ذاك البيت المبنى فى الحرم المكى، سميت
بذلك لعلوها وارتفاعها، ومنه الكعب للعظم البارز فى القدم، وقيل: لاستدارتها وعلوها، ومنه قيل:
للفتاة كاعب، إذا برز ثديها واستدار، وقيل: لأنها مكعبة الشكل طولها مثل عرضها مثل ارتفاعها.
( اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة) وفى رواية ((على عنقك)) وفى رواية ((على
منكبك)» والعاتق ما بين المنكب والعنق، وهو مذكر، وبعض العرب يؤنثه، وأنكره بعضهم، وقال: هذا لا
يعرف. وقد أنشد ابن عصفور فى ذكر الأعضاء التى تذكر وتؤنث:
يؤنث أحيانا وحينا يذكر
وهاك من الأعضاء ما قد عددته
وعاتقه. والمتن والضرس يذكر
لسان الفتى، والعنق، والإبط، والقنا
وعجز الفتى، ثم القريض المحبر
وعندى ذراع، والكراع، مع المعا
سوى سيبويه وهو فيهم مكبر
كذا كل نحوى حكى فى كتابه
يرى أن تأنيث الذراع هو الذى
أتى، وهو للتذكير فى ذاك منكر
(فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء) أى فسقط رسول اللّهوَل إلى الأرض
مغشيا عليه، أى مغمى عليه، وذلك لظنه انكشاف عورته، و((طمحت عيناه)) بفتح الطاء والميم أى
ارتفعت إلى السماء.
( لوحللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة ) ((المنكب)) بفتح الميم وسكون
النون وكسر الكاف مجتمع رأس الكتف مع العضد، وجواب ((لو)) محذوف إن كانت شرطية،
وتقديره: لكان أسهل عليك، وإن كانت للتمنى فلا حذف، والمراد: وضع الإزار على المنكب ليكون
حائلا بين الحجارة والكتف تخفيفاً لصلابة الحجارة على الكتف.
٣٦٤
(أقبلت بحجر أحمله ثقيل ) ((ثقيل)) صفة ((حجر)) وجملة ((أحمله)) صفة أخرى، والصفة
المفردة أولى بالتقديم من الجملة، لكنه هنا على خلاف الأولى.
( هدف ) بفتح الهاء والدال: كل مرتفع من بناء أو كثيب رمل أو جبل.
( أوحائش نخل ) قال النووى: بالحاء والشين، وقد فسره فى الكتاب بحائط النخل وهو
البستان، وهو تفسير صحيح، ويقال فيه أيضاً: حش بفتح الحاء وضمها.
فقه الحديث
يؤخذ من هذه الروايات
١- حرمة كشف العورة أمام الناس، وعورة الرجل مع الرجل ما بين السرة والركبة، وعورة المرأة مع
المرأة ما بين السرة والركبة. قال النووى: وفى السرة والركبة نفسيهما ثلاثة أوجه لأصحابنا:
أصحها: ليستا بعورة، والثانى: هما عورة. والثالث: السرة عورة، والركبة ليست بعورة.
وعورة المرأة مع محرمها - وهو الذى لا يباح له نكاحها - ما بين السرة والركبة على الصحيح،
وقيل: لا يحل له إلا ما يظهر فى حال الخدمة والتصرف.
وعورة الرجل أمام محارمه ما بين السرة والركبة، وأما عورة المرأة مع الأجنبى فجميع بدنها،
وعورة الرجل مع المرأة الأجنبية جميع بدنه كذلك. قاله النووى.اهـ
وهذا الذى ذكره هو مذهب الشافعية، لم يشذ منهم عن ذلك إلا الإصطخرى، حيث قال: إن عورة
الرجل هى القبل والدبر.
كما أنه هو مذهب أبى حنيفة، ومالك فى أصح أقواله، وأحمد فى أصح روايتيه وأبى يوسف
ومحمد وزفر.
وعن أحمد فى إحدى الروايات، ومالك فى رواية عنه أن عورة الرجل هى القبل والدبر فقط.
وبه قال أهل الظاهر وابن جرير، قال ابن حزم فى المحلى: والعورة المفروض سترها عن الناظر
وفى الصلاة من الرجال الذكر وحلقه الدبر فقط، وليس الفخذ منه عورة، وهى من المرأة جميع
جسدها، حاشا الوجه والكفين فقط. اهـ ومما احتجوا به الرواية السادسة والسابعة من روايات
الباب، وفيهما أن النبى ﴿ حل إزاره، ووضعه على عاتقه، فكشف بذلك عن فخذيه.
كما احتجوا بما رواه البخارى ((عن أنس أن رسول اللّه # غزا خيبر فأجرى نبى اللَّهِ﴾ ﴿ فى
زقاق خيبر، وإن ركبتى لتمس فخذ النبى * ثم حسر الإزار عن فخذه، حتى أنى أنظر إلى بياض
فخذ نبى اللَّهِ ﴿)).
قالوا: ظاهره أن المس كان بدون حائل، ومس العورة بدون حائل لا يجوز وحيث جازالمس لم
تكن عورة، وقالوا: لو كانت الفخذ عورة ما حسر الإزار عنها.
٣٦٥
كما احتجوا بما رواه الطحاوى عن حفصة قالت ((كان رسول الله { # ذات يوم قد وضع ثوبه بين
فخذيه، فجاء أبو بكر، فاستأذن، فأذن له صلى الله عليه وسلم على هيئته ثم جاء عمر بمثل هذه
الصفة، ثم جاء أناس من أصحابه والنبى و على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه فأذن له،
ثم أخذ رسول اللَّه ◌َ* ثوبه فجلله، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه. جاء أبو بكر وعمر وعلى وأناس من
أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان جللت بثوبك، فقال: ((أو لا أستحى ممن تستحى
منه الملائكة »؟.
وأجاب الجمهور عن هذه الأدلة بأن روايتى بناء الكعبة كانت قبل النبوة، فقد قال ابن بطال:
كان عمره صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة، وقال الزهرى: لما بنت قريش الكعبة لم يبلغ
النبى الحلم، وقال هشام: بين بناء الكعبة والمبعث خمس سنين، والمشهور أن بناء الكعبة
بعد تزوج خديجة بعشر سنين، فيكون عمره صلى الله عليه وسلم إذ ذاك خمسا وثلاثين، فبناء
الكعبة قبل البعثة، ولا يستدل بمثل هذا العمل فى التشريع.
وأجابوا عن حديث أنس فى خيبر بأنه ليس فيه التصريح بأن المس كان بدون حائل فلا يصح
الاستدلال به لتطرق الاحتمال إليه، ولو سلم أنه كان بدون حائل فتلك كانت حالة زحام وشدة،
فانكشاف الفخذ كان على غير قصد، يدل لذلك رواية مسلم ((فانحسر الإزار عن فخذ رسول الله
حُ :((وفى بعض روايات البخارى ((فحسر الإزار عن فخذ رسول اللّه)) بالبناء للمجهول ولو سلم
القصد فإن هذه قضية معينة فى وقت خاص وحالة خاصة، يتطرق إليها من الاحتمال ما لا
يتطرق للأحاديث الآتية التى تعطى حكما كليا بأن الفخذ عورة.
وأجابوا عن حديث الطحاوى بأنه على هذا الوجه غريب. قال أبوعمر: الحديث الذى رووه عن
حفصة فيه اضطراب، وقال البيهقى: قال الشافعى: والذى روى فى قصة عثمان من كشف
الفخذين مشكوك فيه. وقال الطبرى: والأخبار التى رويت عن النبى - أنه دخل عليه أبوبكر
وعمر، وهو كاشف فخذه واهية الأسانيد، لا يثبت بمثلها حجة فى الدين، والأخبار الواردة بالأمر
بتغطية الفخذ والنهى عن كشفها أخبار صحاح. اهـ
وقد روى جماعة من أهل البيت حديث الطحاوى على غير الوجه الذى رواه. فقد أخرج مسلم عن
سعيد بن العاص أن عائشة زوج النبى * وعثمان به حدثاه أن أبا بكر استأذن على رسول الله
*، وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبى بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم
انصرف ثم استأذن عمر ظه، فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال
عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس، وقال لعائشة: اجمعى عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجتى ثم
انصرفت. فقالت عائشة: يا رسول الله، مالى لم أرك فزعت لأبى بكر وعمر، كما فزعت لعثمان؟
قال رسول اللَّه ﴿: إن عثمان رجل حيى، وإنى خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ
إلى فى حاجته)).
وأخرجه الطحاوى أيضاً، وقال: فهذا أصل هذا الحديث، ليس فيه ذكر كشف الفخذين أصلا. اهـ
٣٦٦
قال العينى: فإن قلت: روى مسلم أيضاً فى صحيحه، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة
قالت: كان رسول اللَّه ﴿﴿ مضطجعاً فى بيته، كاشفا عن فخذيه - أو ساقيه- فاستأذن أبو بكر،
فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فتحدث ثم استأذن
عثمان، فجلس رسول اللّه ، وسوى ثيابه فلما خرج قالت عائشة: دخل أبوبكر فلم تهش له، ثم
دخل عمر فلم تهش له ولم تباله، فلما دخل عثمان جلست وسويت ثيابك؟ فقال: ألا أستحى من
رجل تستحى منه الملائكة))؟ قلت: قال الشافعى: إن هذا مشكوك فيه، لأن الراوى قال: ((فخذيه
أو ساقيه)) وقال أبو عمر: هذا حديث مضطرب.
والأحاديث التى استدل بها الجمهور على عورة الفخذين كثيرة، منها ما أخرجه مالك في الموطأ
وابن حبان فى صحيحه، والترمذى وحسنه وصححه عن ابن جرهد الأسلمى عن أبيه أن النبى وال اث
مربه وهو كاشف عن فخذه، فقال النبى ®® («غط فخذك فإنها من العورة)» ومنها ما رواه أحمد
فى مسنده والحاكم فى مستدركه عن أبى كثير مولى محمد بن جحش مه قال «كنت أصلى مع
النبى *، فمر على معمر وهو جالس عند داره بالسوق، وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا معمر. غط
فخذيك فإن الفخذين عورة)» ومنها ما رواه الترمذى عن عبد الله بن عباس أن النبى { إث قال
((الفخذ عورة )».
أما مذاهب العلماء فى عورة المرأة فقد قال القاضى عياض من المالكية: وعورة المرأة على
الأجنبى ما عدا الوجه والكفين. وقيل: ما عدا الوجه. اهـ وقال الأبى: قال أبو عمر: وقيل: ما عدا
الوجه والكفين والقدمين.
قال القاضى عياض: وعورتها على ذى المحرم ما سوى الذراعين، وما سوى ما فوق المنحر،
وعورتها على المرأة المسلمة عورتها على ذى محرم، وقيل كالرجل مع الرجل. ثم قال: وتستر الحرة
فى الصلاة ما سوى الوجه والكفين وقال أحمد: تسترحتى الظفر وأجمعوا على أنها تعيد الصلاة
إن صلت منكشفة الرأس. واختلفوا فى كشف بعضه، فقال الشافعى: إن كشفت بعضه تعيد،
وقال أبو حنيفة: إن كشفت أقل من ربعه لم تعد، وكذلك أقل من ربع بطنها أو فخذها، وقال
أبويوسف: لا تعيد فى أقل من النصف، وقال مالك: تعيد فى الوقت فى القليل والكثير من ذلك،
وكذا لوصلت منكشفة الصدر والقدمين.
وعند المالكية خلاف طويل فى ستر العورة فى الصلاة، قيل: السترفيها واجب وشرط فى صحة
الصلاة، والكشف حرام، وقيل: الستر واجب وليس شرطاً فى صحة الصلاة، وقيل: كشفها فى
الصلاة مكروه.
أما الشافعية والحنفية وعامة الفقهاء وأهل الحديث فإن ستر العورة عندهم فرض فى الصلاة،
وشرط فى صحتها، فرضها ونفلها.
وأما كشف العورة فى حال الخلوة ففيه خلاف. قال النووي: كشف الرجل عورته فى حال الخلوة
٣٦٧
بحيث لا يراه آدمى، فإن كان لحاجة، كحالة الاغتسال والبول ومعاشرة الزوجة ونحو ذلك جاز.
قال العلماء: والتستر بمئزر ونحوه فى حال الاغتسال فى الخلوة أفضل من التكشف، وخالف فيه
ابن أبى ليلى، وحرم التكشف فى الخلوة، وكأنه تمسك بما رواه أبو داود أن النبى { ل رأى رجلا
يغتسل عريانا وحده، فقال ((إذا اغتسل أحدكم فليستتر» وبما أخرجه أصحاب السنن وحسنه
الترمذى وصححه الحاكم عن بهزبن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا نبى اللَّه، عوراتنا، ما
نأتى منها وما نذر؟ قال ((احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك)» قلت: يا رسول اللَّه
أحدنا إذا كان خالياً؟ قال ((الله أحق أن يستحيا منه من الناس)).
وحمله الجمهور على الندب والأفضل، واستدلوا على جواز الكشف خالياً بحديث موسى القلبيئات،
ووجه الدلالة منه - على ما قال ابن بطال - أنه ممن أمرنا بالاقتداء به وقد اغتسل وحده عريانا.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا إنما يتأتى على رأى من يقول: شرع من قبلنا شرع لنا، والذى يظهر
أن وجه الدلالة منه أن النبى و قص القصة، ولم يتعقب فدل على موافقتها لشرعنا، وإلا فلو كان
فيها شىء غير موافق لبينه، فعلى هذا يجمع بين الحديثين، فيحمل حديث بهزبن حكيم على
الأفضل، ورجح بعض الشافعية تحريم الكشف خالياً لغير حاجة. قال النووي: والزيادة على قدر
الحاجة حرام على الأصح. قال الحافظ ابن حجر: والمشهور عند متقدميهم كغيرهم الكراهة
فقط.اهـ. وتستر الرسول ول# فى الغسل كما فى الرواية الأولى والثانية، وفى البول كما فى الرواية
التاسعة محمول على الأفضل والكمال، أو على حالة خشية رؤية الناس.
قال النووى: ويتساهل كثير من الناس بالاجتماع فى الحمام، فيجب على الحاضر فيه أن يصون
بصره ويده وغيرها عن عورة غيره، وأن يصون عورته عن بصر غيره ويد غيره، ويجب عليه إذا رأى
من يخل بشىء من هذا أن ينكر عليه، قال العلماء: ولا يسقط عنه الإنكار بكونه يظن أن لا يقبل
منه، بل يجب عليه الإنكار إلا أن يخاف على نفسه وغيره فتنة اهـ
وقد نقل ابن بطال عن أئمة الفتوى أن من دخل الحمام بغير مئزر تسقط شهادته بذلك، وهذا قول
مالك والثورى وأبى حنيفة وأصحابه والشافعى - رضى الله عنهم- واختلفوا فيما إذا نزع مئزره
ودخل الحوض وبدت عورته عند دخوله، فقال مالك والشافعى تسقط شهادته، وقال أبو حنيفة
والثورى: لا تسقط شهادته، ويُعَذَّر، لأنه لا يمكن التحرز عنه. والله أعلم.
وأما نظر أحد الزوجين لعورة الآخر فقد قال النووى: لكل واحد من الزوجين النظر إلى عورة
صاحبه جميعها إلا الفرج نفسه، ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: أصحها أنه مكروه لكل واحد منهما
النظر إلى فرج صاحبه من غير حاجة، وليس بحرام، والثانى أنه حرام عليهما، والثالث أنه حرام
على الرجل مكروه للمرأة، والنظر إلى باطن فرجها أشد كراهة وتحريماً.اهـ
وفى نظر عورة الأجنبى والأجنبية يقول النووى: ويحرم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى
عورة المرأة، وكذلك نظر الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل بالإجماع. ونبه صلى الله
عليه وسلم بنظر الرجل إلى عورة الرجل على نظره إلى عورة المرأة، وذلك بالتحريم أولى، فيحرم
٣٦٨
عليه النظر إلى أى شىء من بدنها، وكذلك يحرم عليها النظر إلى أى شىء من بدنه، سواء كان
نظره ونظرها بشهوة أم بغيرها، وقال بعض أصحابنا: لا يحرم نظرها إلى وجه الرجل بغير شهوة.
وكذلك يحرم على الرجل النظر إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة سواء كان نظره بشهوة أم
لا، وسواء أمن الفتنة أم خافها، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين، نص
عليه الشافعى وحذاق أصحابه -رحمهم الله تعالى- ودليله أنه فى معنى المرأة، فإنه يشتهى كما
تشتهى، وصورته فى الجمال كصورة المرأة، بل ربما كان كثير منهم أحسن صورة من كثير من
النساء، بل هم فى التحريم أولى لمعنى آخر، وهو أنه يتمكن فى حقهم من طرق الشرما لا يتمكن
من مثله فى حق المرأة. والله أعلم. قال: وهذا الذى ذكرناه من تحريم النظر هو فيما إذا لم تكن
حاجة، أما إذا كانت حاجة شرعية فبجوز النظر كما فى حالة البيع والشراء والتطبب والشهادة
ونحو ذلك، ولكن يحرم النظر فى هذه الحال بشهوة، فإن الحاجة تبيح النظر للحاجة إليه، وأما
الشهوة فلا حاجة إليها قال أصحابنا: النظر بالشهوة حرام على كل أحد غير الزوج والسيد، حتى
يحرم على الإنسان النظر إلى أمه وبنته بالشهوة. والله أعلم.اهـ
٢- ويؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم ((ولا يفضى الرجل إلى الرجل فى ثوب واحد، ولا تفضى المرأة
إلى المرأة فى الثوب الواحد)» تحريم لمس عورة غيره بأى موضع من بدنه، والنهى نهى تحريم
باتفاق، والمقصود من الإفضاء المنهى عنه الإفضاء بدون حائل، ولما كان التجرد مظنة مس
أحدهما عورة الآخرومس العورة حرام كالنظر نهى عن الإفضاء فى الثوب الواحد، سداً للذرائع.
٣- ومن الرواية الأولى والثانية يؤخذ جواز اغتسال الإنسان بحضرة امرأة من محارمه، إذا كان يحول
بينها وبينه ساتر من ثوب أو غيره.
٤- وجواز تستر الرجال بالنساء.
٥- ومن الرواية التاسعة يؤخذ استحباب الاستتار عند قضاء الحاجة بحائط أو هدف أو شجر أو
وهدة أو نحو ذلك، بحيث يغيب جميع شخص الإنسان عن أعين الناظرين.
٦- ويستفاد من حديث أم هانئ سنة صلاة الضحى، وأنها ثمانى ركعات.
٧- ويؤخذ من قوله فى الرواية السادسة ((فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء)) بعض ما أكرم
اللَّه سبحانه وتعالى نبيه ورسوله، وأنه صلى الله عليه وسلم كان مصوناً محمياً فى صغره عن
القبائح وأخلاق الجاهلية.
٨- ومن نفس الرواية ما جبل عليه صلى الله عليه وسلم من الأخلاق الحسنة والحياء الكامل، حتى
كان أشد حياء من العذراء فى خدرها.
٩- ومن حديث موسى التليف أخذ بعضهم أن شريعة بنى إسرائيل كانت تجيز رؤية العورة، وإلا لما
أقرهم موسى على ذلك، وإنما اغتسل موسى وحده استحياء، وأخذا بالأفضل، وأغرب ابن بطال
فقال: هذا يدل على أنهم كانوا عصاة لموسى. اهـ وتبعه القرطبى على قوله، وأطال فى ذلك.
٣٦٩
١٠- قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن الأنبياء فى خلقهم وخلقهم على غاية من الكمال، وأن من نسب
نبياً من الأنبياء إلى نقص فى خلقته فقد آذاه ويخشى على فاعله الكفر.
١١ - وجواز المشى عريانا للضرورة. وقال ابن الجوزى: لما كان موسى فى خلوة وخرج من الماء فلم
يجد ثوبه تبع الحجر، بناء على أن لا يصادف أحدًا وهو عريان، فاتفق أنه كان هناك قوم، فاجتاز
بهم، كما أن جوانب الأنهار، وإن خلت غالبًا، لا يؤمن وجود قوم قريب منها، فبنى الأمر على أنه
لا يراه أحد لأجل خلاء المكان، فاتفق رؤية من رآه، والذى يظهر أنه استمر يتبع الحجر على ما
فى الخبر، حتى وقف على مجلس لبنى إسرائيل كان فيهم من قال فيه ما قال. وبهذا تظهر
الفائدة، وإلا فلوكان الوقوف على قوم منهم فى الجملة لم يقع فى ذلك الموقع. اهـ
ونقل ابن الجوزى عن النيسابورى أن موسى نزل إلى الماء مؤتزرًا، فلما خرج تتبع الحجر، والمئزر
مبتل بالماء، فعلموا عند رؤيته أنه غير آدر، لأن الأدرة تبين تحت الثوب المبلول بالماء. اهـ، قال
الحافظ ابن حجر: إن كان هذا على سبيل الاحتمال احتمل، لكن المنقول يخالفه، لأن رواية أنس
عند أحمد فى هذا الحديث ((أن موسى كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يوارى
عورته فى الماء)».
١٢ - استدل برؤيتهم جسد موسى على جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية لذلك، من مداواة أو
براءة من عيب، كما لوادعى أحد الزوجين على آخر البرص ليفسخ النكاح فأنكر.
١٣ - وفيه دلالة على معجزة موسى القلئلا من مشى الحجر بثوبه إلى ملأ من بنى إسرائيل، وندائه
للحجر، وتأثير ضربه فيه.
١٤ - وفيه ما غلب على موسى اللهالا من البشرية حتى ضرب الحجر.
١٥- وفيه ما كان عليه الأنبياء - عليهم السلام - من تحمل الأذى والصبر على الجهال وأن العاقبة لهم
على من آذاهم.
١٦ - ويؤخذ من حلف أبى هريرة جواز الحلف على الأخبار، وبخاصة الغريب منها.
٣٧٠
(١٤٤) باب وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل
٦١٦- ٨٠ُ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ أَبِهِ ﴾(٨٠) قَالَ: حَرَجْتُ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ يَوْمَ الاثْنَيْنِ إِلَى قُبَاءَ. حَتّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِمٍ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِنَّ ◌َ عَلَى
بَابِ عِثْبَانَ. فَصَرَخَ بِهِ. فَخَرَجَ يَجُرُّ إِزَارَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ه «أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ» فَقّالَ
عِثْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجُلُ عَنِ امْرَأْتِهِ وَلَمْ يُمْنِ. مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
◌َ *: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ».
٦١٧- ٨١ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(٨١) عَنِ النّبِيِّ : ﴿ أَنَّهُ قَالَ «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ».
٦١٨ - ٢ْ عَنِ أَبِي الْعَلاءِ بْنِ الشِّخِيرِ صَ﴾ (٨٢) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَنْسَخُ حَدِيثُهُ بَعْضُهُ
بَعْضًا. كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
٦١٩ - ٣ٍ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ﴾(٨٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌َّ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ. فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ. فَقَالَ « لَعَلَّمَا أَعْجَلْنَاكَ؟ » قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «
إِذَا أُعْجِلْتَ أَوْ أَفْحَطْتَ. فَلا غُسْلَ عَلَيْكَ. وَعَلَيْكَ الْوُضُوءُ». وقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: « إِذَا أُعْجِلْتَ
أَوْ أَقْحِطْتَ)».
٢٢٠ - ◌َّجِ عَنِ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﴾(٨٤) قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنَ
الْمَرَّأَةِ ثُمَّ يُكْسِلُ؟ فَقَالَ «يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْمَرْأَةِ. ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي».
٦٢١- ٨٥ عَنِ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَلَّهِ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿(٨٥) أَنَّهُ قَالَ: «فِي الرَّجُلِ يَأْتِي أَهْلَهُ ثُمَّ
لا يُنْزِلُ قَالَ يَغْسِلُ ذَكَّرَهُ وَيَتَوَضَّأُ ».
(٨٠) وحَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْثَى وَيَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَنْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يُحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرُونَ حَدََّنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ
ابْنُ جَعْفَرِ عَنِ شَرِيكٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي نَمِرِ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ أَبِهِ
(٨١) حَدَّثَنَا هَارُونَ بْنَ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ خَدََّا أَبَّنُ وَّهْبٍ أَخْبَرَبِي عَمْرُوَ بْنُ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَمَةٌ بْنَ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ حَدْقَهُ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
(٨٢) حَدَّثْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بَنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ خَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلاءِ بْنِ الشِّغْرِ
(٨٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةٌ حَدَثْنَا غُنْدَرٌ عَنِ شُعْبَةً حٍ وخَدْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّقَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدََّا
شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ ذَكْوَانْ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
(٨٤) حَدَّنَا أَبو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا خَمَّدٌ حَدْقَا هِشَّامُ بْنُ عُرْوَةً حِ وَحَدَّقَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدِّقْنَا أَبُو
مُعَاوِيَةٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي أَيُوبَ عَنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
(٨٥) وخَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَِّ حَذْنَاَ مَحَمَّدُ بْنُ تَّعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ حَدَّتِي أَبِي عَنِ الْمَلِيِّ عَنِ الْمَلِيِّ يَعْنِي
بِقَوْلِهِ الْعَلِيِّ عَنِ الْمَلِيِّ أَبَّا أَيُّوبْ عَنِ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ
٣٧١
٦٢٢ - ٦ْ عَنِ زَيْدِ بْنٍ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ(٨٦) أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَقْانَ. قَالَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا
جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُمْنٍ؟ قَالَ عُثْمَانُ: «يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ. وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ« قَالَ
عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾.
:: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ(٠١) أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِ
٦٢٣ - ١٣ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ (٨٧) أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﴿ قَالَ «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ
جَهَدَهَا. فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ». وَفِي حَدِيثِ مَطَرٍ « وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ)». قَالَ زُهَيْرٌ مِنْ بَيْنِهِمْ
« بَيْنَ أَشْعُبِهَا الأَرْبَعِ».
٦٢٤ - بْعَنِ قَتَادَةً(١٠٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ « ثُمَّ اجْتَهَدَ» وَلَمْ
يَقُلْ « وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ».
٦٢٥ - ٨٨ عَنِ أَبِي مُوسَى رَ﴾(٨٨) قَالَ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ.
فَقَالَ الأَنْصَارِيُّونَ: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلا مِنَ الدَّفْقِ أَوْ مِنَ الْمَاءِ. وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: بَلْ إِذَا
خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ. قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: فَأَنَا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ. فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى
عَائِشَةَ. فَأَذِنَ لِي. فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّاه! (أَوْيَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ!) إِنّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنِ شَيْءٍ.
وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ. فَقَالَتْ: لا تَسْتَحْبِي أَنْ تَسْأَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ الْتِي وَلَدَْكَ. فَإِنَّمَا
أَنَا أُمُّكَ. قُلْتُ: فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ؟ قَالَتْ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ. قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ﴿: « إِذَا
جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانِ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ».
(٨٦) وحَدَّقَتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالا حَدََّنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ حِ وحَدَّثْنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمْدِ
وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ جَدِّي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانْ عَنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرِ أَخْرَبِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ
أَنَّ زَيْدَ بْنَّ خَالِدِ الْجُهَنِيَّ أَخْبُرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ غُثْمَاَن بْنَ عَفَان
(١٠) وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ جَدِّي عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَبِي أَبُو سَلَمَةٌ أَنْ عُرْوَةً
ابْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ
(٨٧) وحَدَّثَنِيَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ حَ وَحَدَّثَنَاهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالُوا حَدَّنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ
حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ قَتَادَةٌ وَمَطَرٌ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ أَبِي رَافِعٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٠٠٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنٍ جَبْلَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنْ أَبِي عَدِيٍّ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَى حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ
كِلاهُمَا عَنِ شُعْبَةً عَنِ قَتَادَةً
(٨٨)وحّدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلالِ عَنِ أَبِي بُرْدَةَ
عَنٍ أَبِيٍ مُوسَى الأَشْعَرِيِّحٍ وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَاَ عَبْدُ الأَعْلَى وَهَذَا حَدِيثُهُ حَدََّا هِشَامٌ عَنٍ حُمّيْدٍ بْنِ هِلَالٍ قَالَ
وَلاَ أَعْلَمُهُ إِلا عَنِ أَبِيَ بُرْدَةَ عَنِ أَبِي مُوسَى
٣٧٢
٦٢٦ - ٨٩ٍ عَنِ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِيِّ ◌َ﴿ّ رضى الله عنها (٨٩) قَالَتْ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ. هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
◌َ *: «إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ. أَنَا وَهَذِهِ. ثُمَّ تَغْتَسِلُ».
المعنى العام
كان العرب من المولعين بالنساء، وكانوا يكثرون من إتيانهن، وكان يشق على المسلمين اعتزال
النساء أسبوع المحيض، فأذن لهم بمباشرتهن فيما فوق السرة وتحت الركبة، وصعب عليهم اعتزالهن
فى رمضان، وعلم اللَّه أنهم كانوا يختانون أنفسهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأحل لهم ليلة الصيام
الرفث إلى نسائهم، وأباح للرجل جمع أربع من النسوة، ولم يحارب الإسلام هذه النزعة الشهوانية ما
دامت فى الحلال، اعتبرها مصدر الإعفاف للرجل والمرأة على السواء، وشرع الإسلام الغسل من دفق
المنى، وكثرت العملية الجنسية بإنزال وبغير إنزال، ولم يشأ الإسلام أول الأمر أن يوجب الغسل
لمجرد الإيلاج، تخفيفاً على الأمة، وتأليفاً للقلوب، وتدرجا فيما يشق من التكاليف، وهو يقدر قلة
الماء عند القوم وحاجتهم إلى ما عندهم منه فى الطعام والشراب وضرورات الحياة لكن بعضهم التزمه
ظنا أنه واجب على كل حال، وعملا بما فهم من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ [المائدة: ٦]
حيث يدرك تحقق الجنابة بالوطء ولو بدون إنزال لكن الرسول # بين لهم يسر الدين، وعدم وجوب
الغسل فى حالة الإكسال وتعددت الوقائع بخصوص هذا الأمر، تحكيها لنا روايات الحديث. ومنها ما
رواه الإمام مسلم، أنه خرج صلى الله عليه وسلم فى بعض الأيام، ومعه بعض أصحابه، يقصد ضاحية
من ضواحى المدينة، يقصد قباء، ومرفى طريقه بمنازل بنى سالم فى أطراف المدينة، ورأى نفسه
أمام منزل عتبان الأنصارى الصحابي الجليل، فناداه، وانتظر، وإذا به يخرج مسرعاً، ورأسه يقطر
ماء، وإزاره يجر خلفه، يحاول لفه حول وسطه قبل أن يصل، فنظر رسول اللّه * إلى أصحابه وقال:
لقد أعجلنا الرجل، وأخرجناه من حاجته قبل أن يقضيها، ثم التفت إليه وقال: لعلنا أعجلناك. قال:
نعم يا رسول الله إنى كنت مع أهلى، فلما سمعت صوتك أقلعت، فاغتسلت، أخبرنى يا رسول الله
102* لو أن الرجل أعجل عن أهله، فلم ينزل منيا، ماذا عليه؟ فقال صلى الله عليه وسلم لا غسل عليه؛
إنما الغسل من المنى.
ومنها ما رواه الطحاوى عن أبى هريرة من ((أن النبى 8 بعث إلى رجل من الأنصار، فأبطأ عليه،
فلما جاء قال له: ما حبسك؟ وما أخرك؟ قال: كنت حين أتانى رسولك على امرأتى، فقمت،
فاغتسلت، فقال: كان عليك أن لا تغتسل ما لم تنزل.
(٨٩) حَدِّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنِ جَابِ
ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ أُمِّ كُلُّومٍ عَنِ عَائِشَةً
٣٧٣
ومنها حديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه أبو يعلى ((أن رسول اللّه # انطلق ذات يوم فى
طلب رجل من الأنصار، فدعاه، فخرج الأنصارى ورأسه يقطر ماء، فقال رسول اللّهلم﴿: ما لرأسك؟
فقال: دعوتنى وأنا مع أهلى فخفت أن احتبس عليك، فعجلت فقمت وصببت على الماء، ثم خرجت.
فقال: هل كنت أنزلت؟ قال: لا. قال: إذا فعلت ذلك لا تغتسلن. اغسل ما مس المرأة منك. وتوضأ
وضوءك للصلاة، فإن الماء من الماء».
ومنها حديث رافع بن خديج أخرجه الطبرانى وأحمد قال: ((نادانى رسول اللّهم﴿ وأنا على بطن
امرأتى، فقمت، ولم أنزل منياً، فاغتسلت. فقال رسول اللَّه { ل: لا عليك إنما الماء من الماء)).
ومنها ما أخرجه ابن راشد فى جامعه ((أن النبى سلم على سعد بن عبادة فلم يأذن له كان
على حاجته، فرجع النبي {.، فقام سعد سريعا، فاغتسل، ثم تبعه، فقال: يا رسول الله. إنى كنت على
حاجة، فقمت فاغتسلت، فقال صلى الله عليه وسلم: الماء من الماء)).
ومضى الأمر على هذا حتى كانت أخريات أيام الرسول ®، وكان الإسلام قد أشرب فى قلوب
أهله، واستقرفى نفوسهم، وحرص أكثرهم على التطوع والمبالغة فى العبادات، ووسع اللَّه عليهم فى
الثياب والخير والمياه، فجاءت الشريعة بوجوب الغسل على من أولج ولولم ينزل، فقال صلى الله
عليه وسلم: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)). و«جاء رجل إلى رسول الله: ﴿، فقال: يا رسول اللّه،
ماذا يفعل الرجل الذى يجامع أهله، ثم يكسل ولا ينزل؟ - وعائشة جالسة - فقال 48* عليه الغسل،
إنى لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل)».
وتوفى رسول الله وهذا الحكم الجديد لم ينتشر بعد، مما جعل الأنصار وبعض الصحابة
يتمسكون بالحكم الأول، واتسعت دائرة الخلاف والجدل، واستفتى العامة الخاصة، فسأل زيد بن
خالد الجهنى عثمان بن عفان، فقال: أخبرنى عن حكم الرجل يجامع أهله ثم يكسل، ولم يمن، فقال:
يغسل ذكره ويتوضأ كما يتوضأ للصلاة. سمعته من رسول الله { وسئل على بن أبى طالب والزبير بن
العوام وطلحة بن عبيد الله، فأجابوا بما أحاب به عثمان، وسئل أبوهريرة فقال: إن نبى اللَّهِ: ﴿ قال:
إذا جلس الرجل بين شعب المرأة الأربع وتمكن منها وأولج وجب الغسل وإن لم ينزل، وسئلت عائشة
فقالت: إن النبى /* قال: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)»، وسئل أبي بن كعب فقال: إن رسول
الله :﴿ إنما جعل ذلك رخصة للناس فى أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل.
واتسعت دائرة الخلاف أكثر وأكثر، وتعصب كل لرأيه، ((فقد أخرج الطحاوى عن أبى سعيد
الخدرى أنه قال: قلت لإخوانى من الأنصار: اتركوا الأمر، ولا داعى لهذا الجدل والتعصب، أرأيتم لو
أننا اغتسلنا ونحن على ما نقول من أنه لا يجب الغسل؟ هل من ضرر؟ قالوا: لا واللَّه لا نغتسل ولا
تغتسل، حتى لا يكون فى نفسك حرج مما قضى الله ورسوله فى الرجل يأتى امرأته ولا ينزل.
واجتمع رهط من المهاجرين والأنصار، وحمى النقاش بينهما فى المسألة وبينهم أبوموسى
الأشعرى، فقال: لا ينبغى أن نختلف وبيننا من يعلم الأمر حق العلم، أنا أكفيكم المهمة، وأشفى داء
الخلاف، وقام وذهب إلى عائشة أم المؤمنين، فاستأذن، فأذنت له بالدخول: فقال: يا أم المؤمنين
٣٧٤
لقد شق على اختلاف أصحاب رسول الله:﴿ فى أمر، إنى أعظم أن استقبلك به، واستحيى أن
أسألك فيه. فقالت: ما هو؟ لا تستحى أن تسألنى عما كنت سائلا عنه أمك التى ولدتك، إننى أمك وأم
المؤمنين. فقال لها: الرجل يصيب أهله فيكسل ولا ينزل، فهل يجب عليه الغسل؟ قالت: إذا جاوز
الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال أبو موسى: لا أسأل أحداً عن هذا بعدك أبدا.
وبلغ القوم بما روى، لكن الجدل لم يتوقف، وبلغ عمر أن نساء الأنصار تدخلت فى نشر الفتوى
بعدم الغسل: فقام يخطب فقال: إن نساء الأنصاريفتين أن الرجل إذا جامع فلم ينزل فإن على
المرأة الغسل، ولا غسل عليه، وإنه ليس كما أفتين، وإذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل.
وكان المفروض أن ينتهى كل شىء بخطبة الفاروق، لكنه بلغه أن زيد بن ثابت يفتى الناس
برأيه فى الغسل من الجنابة، فقال علىَّ به. فجاء زيد، فلما رآه عمر قال: أى عدو نفسه. ((قد بلغت
أنك تفتى الناس برأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين. بالله ما فعلت، لكنى سمعت من أعمامى حديثاً
فحدثت به، من أبى أيوب ومن أبى بن كعب ومن رفاعة بن رافع، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع
فقال: وقد كنتم تفعلون ذلك؟ إذا أصاب أحدكم من المرأة فأكسل لم يغتسل؟ فقال: قد كنا نفعل
ذلك على عهد رسول اللّه*، فلم يأتنا فيه تحريم، ولم يكن من رسول اللّه ﴿ فيه نهى، قال عمر:
ويعلم رسول اللَّه# ذلك؟ فقال: لا أدرى، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فجمعوا له، فشاورهم،
فأشار كثير منهم: لا غسل، وقال معاذ وعلى: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال عمر:
هذا وأنتم أصحاب بدر، وقد اختلفتم، فمن بعدكم أشد اختلافا. فقال على: يا أمير المؤمنين. إنه ليس
أحد أعلم بهذا الأمر من أمهات المؤمنين. أزواج النبي ® *، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا علم إلى
بهذا، فأرسل إلى عائشة. فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال عمر : لا أسمع
برجل فعل ذلك ثم لم يغتسل إلا أوجعته ضربا، وجعلته نكالا. ولم ينكر ذلك عليه منكر، وصار إجماعا
من الأمة وحسم الخلاف، ولم يشذ عن الجماعة إلا الظاهرية. والله أعلم.
المباحث العربية
( يوم الاثنين إلى قباء ) مكان قريب من المدينة، وهو الذى استقبل فيه صلى الله عليه وسلم
من أهل المدينة يوم الهجرة، وفائدة ذكره وذكر يوم الاثنين فى الحديث التوثيق من الرواية، وأنه
متأكد من كل ما جاء فيها حتى الزمان والمكان ((وقباء)) بضم القاف ممدود مذكر مصروف، وفى لغة
مؤنث غير مصروف، وفى ثالثة مقصور.
( فصرخ به ) أى ناداه بصوت عال، وفى القاموس: الصرخة الصيحة الشديدة والصراخ
كغراب: الصوت، أو شديده، وعليه يرجح كون المعنى: فناداه بصوت معتدل لأنه المناسب لمقام
رسول اللَّه * ووقاره، ولا يقال: إن تعجل عتبان دليل على أن الصرخة كانت عالية مزعجة، لأنا
نقول: إن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يهتمون بلقائه، ويسارعون إليه، بمجرد العلم به
وبمكانه صلى اللّه عليه وسلم.
٣٧٥
( فخرج يجر إزاره ) قلنا: إن الإزار ثوب طويل، وإن شئت قلت: عرض من النسيج طويل،
يلف حول الوسط، أعلاه فوق السرة، وأسفله تحت الركبة، فمعنى ((خرج يجر إزاره)) أى لم يكمل لفه،
حتى إن طرفه الأخير يجر وراءه.
( أعجلنا الرجل ) بندائنا، أى جعلناه يعجل، أى يسرع، والمراد من الرجل عتبان بكسر العين،
وقيل بضمها، ولعل التعبير عنه بالرجل للإشارة إلى أنه كان فى مهمة الرجولة مع الأنوثة، كأنه قال:
أعجلنا رجولته.
( أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ) ((يعجل)) بضم الياء وسكون العين وفتح الجيم، مضارع
((أعجل)) بالبناء للمجهول، أى يدفع إلى العجلة والإسراع و((أرأيت)) معناها أخبرنى، عن طريق
مجازين: أحدهما فى همزة الاستفهام بإرادة مطلق الطلب بدلا من طلب الفهم، والثانى فى الرؤية
بإرادة المسبب عنها، وهو الإخبار، فآل الأمر إلى طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ ((أخبرنى)) وجملة
((يعجل)) فى محل النصب على الحال، وفى الكلام مضافان محذوفان، والمعنى: أخبرنى عن حكم
الرجل يضطر إلى العجلة والإسراع عن جماع امرأته.
( ولم يمن) الرواية بضم الياء وسكون الميم وكسر النون مضارع ((أمنى)) أى ولم ينزل
المنى، وهذه اللغة هى الأفصح والأشهر، وبها جاء القرآن الكريم، قال اللّه تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمْ
مَا تُمْنُونَ﴾؟ [الواقعة: ٥٨]
وهناك لغة ثانية ((يمنى)) بفتح الياء، مضارع ((منى)) ولغة ثالثة ((يمنى)) بضم الياء وفتح الميم
وتشديد النون، مضارع ((منى)) بفتح الميم وتشديد النون. حكاها أبو عمرو.
( ماذا عليه ) أى ما الذى يجب عليه؟ الغسل؟ أم الوضوء؟
(إنما الماء من الماء ) المراد من الماء الأول ماء الغسل، ومن الماء الثانى المنى فـ((أل)) فيه
للعهد الذهنى، وفيه جناس تام، و((من)) للسببية، والمعنى: إنما يجب الغسل بسبب إنزال المنى،
والقصر المستفاد من ((إنما قصر)) إفراد، أى إثبات الحكم لشىء، ونفيه عن شىء آخر، لأن المخاطب
كان يعتقد أن الغسل واجب بسبب الجماع وبسبب الإنزال، وليس قصراً حقيقياً، حتى ينفى الغسل
عن الأسباب الأخرى كالحيض والنفاس.
( عن أبى العلاء بن الشخير) بكسر الشين والخاء المشددتين، وهو تابعى، ومراد مسلم
بروايته هذا الكلام عن أبى العلاء أن حديث ((الماء من الماء)) منسوخ.
( ينسخ حديثه بعضه بعضاً) ((حديثه)) بالرفع، فاعل ((ينسخ)» و«بعضه» بدل بعض من كل
والتقدير: ينسخ بعض حديثه بعضاً.
( كما ينسخ القرآن بعضه بعضاً) الكاف بمعنى ((مثل)) صفة لمصدر محذوف و((ما)»
مصدرية، والتقدير نسخاً مثل نسخه بعض القرآن بعضاً.
٣٧٦
( فخرج ورأسه يقطر) ماء، وهو كناية عن الغسل العجل، والخروج السريع قبل التنشيف.
(إذا أعجلت أو أقحطت) قال النووى: أما ((أعجلت)) فهو فى الموضعين بضم الهمزة،
وإسكان العين، وكسر الجيم، و((أما)) ((أقحطت)) فهو فى الرواية الأولى بفتح الهمزة والحاء، وفى
الرواية الثانية بضم الهمزة وكسر الحاء، مثل ((أعجلت)) والروايتان صحيحتان، ومعنى الإقحاط هنا
عدم الإنزال، وهو استعارة من قحوط المطر، وهو انحباسه، وقحوط الأرض ، وهو عدم
إخراجها النبات.اهـ.
( يصيب من المرأة ثم يكسل ) قال النووى: ضبطناه بضم الياء، ويجوز فتحها، يقال: أكسل
الرجل فى جماعه إذا ضعف عن الإنزال، وكسل أيضاً بفتح الكاف وكسر السين والأول أفصح. اهـ
و((من)) فى ((يصيب من المرأة)» زائدة داخلة على المفعول، أو المفعول محذوف، والتقدير: يصيب لذة
من جماع المرأة.
( يغسل ما أصابه من المرأة ) أى يغسل الرطوبة التى أصابت عضوه من فرج المرأة.
( قال فى الرجل يأتى أهله ) كناية عن جماع الزوجة.
( سمعته من رسول اللّه) الضمير المنصوب فيه يرجع إلى ما ذكره عثمان من قوله
((يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره)» وذلك بتقديره بالمذكور، قال العينى: وهذا سماع ورواية،
وقوله أولاً فتوى. اهـ
(إذا جلس بين شعبها الأربع) بضم الشين وفتح العين جمع ((شعبة)) وفى
الرواية الأخرى ((أشعبها)) جمع الجمع، والشعبة الطائفة من كل شىء، والقطعة منه،
والشعب النواحى. قاله ابن الأثير.
واختلفوا فى المراد بالشعب الأربع، فقيل: هى اليدان والرجلان، وقيل: الفخذان والرجلان، وقيل:
الفخذان والشعران، واختار القاضى عياض أن المراد من الشعب الأربع نواحيها الأربع، واختار ابن
دقيق العيد أن المراد بها اليدان والرجلان، أو الرجلان والفخذان، ويكون التعبير كناية عن الجماع،
واكتفى بما ذكر عن التصريح، لأن القعود كذلك مظنة الجماع، وما قاله ابن دقيق العيد أرجح، لأنه
أقرب إلى الحقيقة فى الجلوس بينها، والضمير فى ((إذا جلس)) يعود إلى الرجل الواطئ المفهوم من
المقام، وإن لم يسبق ذكره، كما فى قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] كذلك الضمير
فى «شعبها)» يعود إلى المرأة الموطوءة.
( ثم جهدها ) بفتح الجيم والهاء، أى بلغ جهده فيها، وقيل: بلغ مشقتها يقال: جهدته وأجهدته
إذا بلغت مشقته، قال القاضى عياض: الأولى أن يكون ((جهدها)) بلغ جهده فى عملها، وإلا فأى مشقة
تلحقها؟ وصححه بعضهم بقوله: إن المعنى أجهدها وكدها بحركته، وقيل: المعنى نكحها وجامعها،
والجهد من أسماء النكاح.
٣٧٧
وفى ملحق الرواية السابعة ((ثم اجتهد)) وهى تؤيد المعنى الأول، وأن الكد والمشقة للرجل.
(اختلف فى ذلك رهط ) الإشارة إلى وجوب الغسل بالإجماع وإن لم ينزل و((الرهط)»
الجماعة من الناس، من ثلاثة إلى عشرة.
( لا يجب الغسل إلا من الدفق أو الماء) ((أو)) للشك فى أى اللفظين وقع عند الاختلاف،
والمراد من كل من اللفظين المنى، و((من)) سببية.
( بل إذا خالط فقد وجب الغسل ) المخالطة كناية عن المبالغة فى الجماع واختلاط
العضوين، قال الحربى: والخلط من أسماء الجماع.
( قال أبوموسى: فأنا أشفيكم من ذلك ) الفاء فى جواب شرط مقدر أى إذا كنتم
مختلفين فأنا أشفيكم من الخلاف، فالإشارة إلى الاختلاف فى هذا الموضوع، كأنه داء، ورفعه دواء.
( يا أماه) منادى مضاف إلى ياء المتكلم، وأصله: يا أمى: قلبت ياء المتكلم ألفا
وألحق به هاء السكت.
( وإنى أستحييك ) فى القاموس: واستحيا منه واستحياه. اهـ يتعدى بنفسه، ويحرف الجر،
والمعنى: وإنى ذو حياء منك.
( لا تستحيى أن تسألنى ) الرواية ((تستحيى)) بياءين، و((لا)) نافية، والفعل مضارع
((استحيا)) مرفوع، والمصدر ((أن تسألنى)) مفعول به، أو مجرور بحرف جر محذوف، كما سبق.
( قلت: فما يوجب الغسل؟ ) الفاء فى جواب شرط مقدر، أى إذا أذنت ورفعت حيائى فما
موجبات الغسل للرجل؟
( قالت: على الخبير سقطت ) معناه: صادفت خيبراً بحقيقة ما سألت عنه عارفا بخفيه
وجليه، حاذقا فيه، وهذا القول منها يدل على أنها فهمت أن سؤاله عما يوجبه من الجماع، لفهمها
ذلك عن طريق اختلاف الصحابة فى المسألة وأصل المثل لأحد حكماء العرب، وبه تمثل الفرزدق
حين لقيه الحسين، وهو يريد العراق للبيعة، وقال للفرزدق: ما وراءك؟ فقال: على الخبير سقطت،
قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بنى أمية، والأمر ينزل من السماء، فقال الحسين: صدقتنى.
( ومس الختان الختان ) الختان للرجل قطع قطعة الكمرة المغطية للحشفة وللمرأة قطع
جلدة من أعلى الفرج، تشبه عرف الديك، مجاورة لمخرج البول بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة.
قيل: يطلق الختان للرجل والمرأة، بخلاف ((الخفاض)) فلا يقال إلا للمرأة وقيل: الختان للرجل
والخفاض للمرأة ، وعليه فالتثنية على سبيل التغليب وقاعدته رد الأثقل إلى الأخف والأدنى
إلى الأعلى.
٣٧٨
والمراد هنا الموضع الذى قطعت عنه الجلدة، فإن كان الختان يطلق على القطع، وعلى مكانه -
كما قيل - فلا حذف، وإن كان معناه المصدر فالكلام على حذف مضاف، أى موضع الختان.
ومس الختان الختان كناية عن مغيب الحشفة، وليس المقصود حقيقة المس لأن ختان المرأة -
كما قلنا - فى أعلى الفرج، لا يمسه الذكر فى الجماع، ولو وضع عليه فمسه، ولم تغيب الحشفة لا
يجب الغسل بالإجماع، فمس الختان كناية عن إدخال الحشفة، ومثل هذا يقال فى رواية ((إذا التقى
الختانان)» ورواية ((إذا جاوز الختان الختان)) ورواية ((إذا التقى الرفغان)) - والرفع ما حول فرج
المرأة والأنثيين من الرجل - ورواية ((إذا التقى المواسى)) أى موضع المواسى، جمع موسى، آلة
القطع وسيأتى إيضاح هذا الحكم فى فقه الحديث.
فقه الحديث
قال النووى فى شرح مسلم: اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن
معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال. ثم قال: فإيجاب الغسل لا يتوقف على نزول المنى، بل متى غابت
الحشفة فى الفرج وجب الغسل على الرجل والمرأة، وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف
لبعض الصحابة ومن بعدهم، ثم انعقد الإجماع على ما ذكرنا. قال أصحابنا: ولو غيب الحشفة فى دبر
امرأة أو دبر رجل أو فرج بهيمة أو دبرها وجب الغسل، سواء كان المولج فيه حيا أو ميتا، صغيراً أو
كبيراً، وسواء كان ذلك عن قصد أم نسيان وسواء كان مختاراً أو مكرها أو استدخلت المرأة ذكره وهو
نائم وسواء انتشر الذكر أم لا، وسواء كان مختونا أم أغلف، فيجب الغسل فى كل هذه الصور على
الفاعل والمفعول به، إلا إذا كان الفاعل أو المفعول به صبيا أو صبية، فإنه لا يقال وجب عليه، لأنه
ليس مكلفا، ولكن يقال: صارجنبا، فإن كان مميزا وجب على الولى أن يأمره بالغسل، كما يأمره
بالوضوء، فإن صلى من غير غسل لم تصح صلاته، وإن لم يغتسل، حتى بلغ وجب عليه الغسل وإن
اغتسل فى الصباثم بلغ لم يلزمه إعادة الغسل قال أصحابنا والاعتبار فى الجماع بتغييب الحشفة من
صحيح الذكر بالاتفاق، فإذا غيبها بكمالها تعلقت به جميع الأحكام ولا يشترط تغييب جميع الذكر
بالاتفاق ولو غيب بعض الحشفة لا يتعلق به شىء من الأحكام بالاتفاق، إلا وجها شاذا منكرا
متروكا، وأما إذا كان الذكر مقطوعا فإن بقى منه دون الحشفة لم يتعلق به شىء من الأحكام، وإن
كان الباقى قدر الحشفة فحسب تعلقت الأحكام بتغييبه بكماله، وإن كان زائداً على قدر الحشفة،
ففيه وجهان مشهوران لأصحابنا: أصحهما أن الأحكام تتعلق بقدر الحشفة منه، والثانى لا يتعلق
شىء من الأحكام إلا بتغيب جميع الباقى، ولولف على ذكره خرقة، وأولجه فى فرج امرأة، ففيه ثلاثة
أوجه لأصحابنا: الصحيح منها والمشهور أنه يجب عليهما الغسل، والثانى لا يجب، لأنه أولج فى
خرقة، والثالث إن كانت الخرقة غليظة تمنع وصول اللذة والرطوبة لم يجب الغسل وإلا وجب، ولو
استدخلت المرأة ذكر بهيمة وجب عليها الغسل، ولو استدخلت ذكراً مقطوعا فوجهان أصحهما يجب
عليها الغسل. والله أعلم.
٣٧٩
وهذا الذى ذكره النووى تعبير عن مذهب الشافعية، أما غيره من المذاهب فيقول الأبى عن
المالكية: وفى سماع ابن القاسم ورواه مطرف: لا غسل على الوطء فى الدبر، وروى إسماعيل: لا غسل
على نائمة أو مكرهة إلا أن تلتذ، ولا تغتسل الكبيرة بوطء غير المراهق، واختلف فى غسل الصغيرة من
وطء الكبير؟ والصحيح الغسل. اهـ
وقال أبو حذيفة: لا يجب الغسل بوطء البهيمة أو الميتة إلا بالإنزال. والله أعلم.
هذا وروايات الباب تصرح بخلاف وقع حول هذه المسالة بين الصحابة، بل اتخذ الخلاف مظهراً
طائفياً، فبرز بين المهاجرين والأنصار، ومرجع هذا الخلاف الأحاديث التى لا توجب الغسل،
كالروايات الأولى والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة، والأحاديث التى توجبه كالروايات السابعة
والثامنة والتاسعة.
ومن المجموعة الأولى ما أخرجه الطحاوى وابن ماجه عن أبى أيوب قال ((بعث رسول اللَّه عَ لّ
إلى رجل من الأنصار، فأبطأ، فقال: ما حبسك؟ قال: كنت قد أصبت من أهلى فلما جاءنى رسولك
اغتسلت من غير أن أحدث شيئاً، فقال رسول اللّه : الماء من الماء والغسل على من أنزل)) ومنها
حديث رافع بن خديج ((نادانى رسول الله :﴿ وأنا على بطن امرأتى، فقمت، ولم أنزل فاغتسلت،
فأخبرته أنك دعوتنى وأنا على بطن امرأتى، فقمت ولم أمن فاغتسلت، فقال رسول اللَّه فَط﴿ لا عليك
الماء من الماء)) أخرجه الطبرانى وأحمد، ومنها حديث عبد الله بن عبد الله بن عقيل، قال ((سلم
النبى * على سعد بن عبادة، فلم يأذن له، كان على حاجته، فرجع النبي ، فقام سعد سريعاً
فاغتسل، ثم تبعه، فقال: يا رسول الله إنى كنت على حاجة، فقمت فاغتسلت فقال النبى { الماء
من الماء)».
ومن المجموعة الثانية ما أخرجه الطحاوى والترمذى عن عائشة قالت ((إذا جاوز الختان الختان
وجب الغسل، فعلته أنا ورسول اللَّه ◌َ له.
وممن رأى أنه لا غسل من الإيلاج فى الفرج إن لم يكن هناك إنزال عثمان بن عفان وعلى بن
أبى طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبى وقاص وابن مسعود ورافع بن خديج
وأبوسعيد الخدرى وأبى بن كعب وأبو أيوب الأنصارى وابن عباس والنعمان بن بشير وزيد بن ثابت
وجمهرة الأنصار - رضى الله عنهم - وهو قول عطاء بن أبي رباح، وأبى سلمة بن عبد الرحمن وهشام
ابن عروة والأعمش والظاهرية ووجهة نظرهم الأحاديث الكثيرة الصريحة فى عدم إيجاب الغسل إلا
من الإنزال، ووجهة نظر الآخرين الأحاديث الموجبة للغسل إذا التقى الختانان، قالوا: والآية تعضد
المنطوق فى إيجاب الغسل فإنه تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ قال الشافعى: إن كلام
العرب يقتضى أن الجذابة تطلق بالحقيقة على الجماع وإن لم يكن فيه إنزال. قال: فإن كان من
خوطب بأن فلانا أجنب عن فلانة عقل أنه أصابها وإن لم ينزل، ولم يختلف أن الزنا الذى يجب به
الحد هو الجماع، ولو لم يكن معه إنزال، فتعاضد الكتاب والسنة على إيجاب الغسل من الإيلاج. اهـ
وقالوا عن أحاديث عدم الغسل إنما كان ذلك رخصة للناس، فقد روى أبو داود عن أبي بن كعب
٣٨٠