Indexed OCR Text

Pages 581-600

( وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت) أى إلا أزيلت ومحيت، وحل محلها شىء آخر.
( حتى يكون آخر عاقبتها ملكاً) وقد كان، وتحولت الخلافة إلى ملك.
( فستخبرون ) بفتح التاء وسكون الخاء وضم الباء، أى ستختبرون الأمراء، وتختبرون بهم،
وترون منهم ما يذكركم أحوالنا، وما كنا عليه من إصلاح.
( ألم أكرمك وأسود له ) أى أجعلك سيداً، والاستفهام للتقرير.
(وأذرك ترأس، وتربع) ((أذرك)) بفتح الهمزة والذال وسكون الراء، من يذر، ذر، أى يدع دع،
و((ترأس)) بفتح التاء وسكون الراء وفتح الهمزة، بعدها سين، ومعناه رئيس القوم وكبيرهم، وأما
((تربح)) فبفتح التاء والباء، بينهما راء ساكنة، معناه تأخذ المرباع، الذى كانت ملوك الجاهلية تأخذه
من الغنمية، وهو ربعها، يقال: ربعتهم، أى أخذت ربع أموالهم، ومعناه ألم أجعلك رئيساً مطاعاً؟ وقال
القاضى: عندى أن معناه تركتك مستريحاً، لا تحتاج إلى مشقة وتعب، من قولهم: أربع على نفسك،
أى أرفق بها، وفى رواية ((ترتع)) بتاءين، ومعناه تنعم، وقيل: تأكل، وقيل: تلهو، وقيل: تعيش فى سعة.
( فيقول: ههنا إذا ) معناه قف ههنا، حتى تشهد عليك جوارحك.
( فيقال لأركانه: انطقى ) أى فيقال لجوارحه: انطقى.
( فعنكن كنت أناضل ) أى أدافع وأجادل.
(اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) وفى الرواية الثامنة عشرة ((اللهم اجعل رزق آل محمد
قوتاً)» وفى ملحقها ((كفافا)) قيل: المعنى: اجعل رزقهم كفاية من غير إسراف، وقيل: ((قوتاً)) أى
كفافاً، أى سد الرمق.
( ما شبع آل محمد / منذ قدم المدينة، من طعام بر، ثلاث ليال، تباعاً، حتى
قبض) فى الرواية العشرين ((ماشبع رسول اللّه# ثلاثة أيام تباعاً، من خبزبر، حتى مضى
لسبيله)) وفى الرواية الواحدة والعشرين ((ماشبع آل محمد {8* من خبز شعير، يومين متتابعين، حتى
قبض)) وفى الرواية الثالثة والعشرين ((من خبز البر، ثلاثاً)) وفى الرابعة والعشرين ((يومين من خبز بر،
إلا وأحدهما تمر)، وفى الرواية الثامنة والعشرين ((ماشبع من خبز وزيت فى يوم واحد مرتين)) وعند
ابن سعد ((كانت تأتى عليه أربعة أشهر مايشبع من خبز البر» وفى رواية «خرج رسول اللّه * من
الدنيا، ولم يشبع من خبز الشعير، فى اليوم الواحد، غداء وعشاء)» وعند ابن سعد («ماشبع من غداء أو
عشاء حتى لقى اللَّه)).
( إن كنا آل محمد لنمكث شهراً، ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء ) وفى
ملحق الرواية ((إن كنا لنمكث)) و((إن)) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الحال والشأن، محذوف،
٥٨١

والجملة بعدها خبرها، والتقدير: إنه كنا ... وزاد فى هذا الملحق ((إلا أن يأتينا اللحيم)) وفى الرواية
السابعة والعشرين ((إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة فى شهرين، وما أوقد
فى أبيات رسول اللَّه # نار، قال لها عروة ابن أختها: ياخالة. ماكان يعيشكم؟ قالت: الأسودان،
التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول اللَّه * جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى
رسول اللَّه# من ألبانها، فيسقيناه)). ((ما كان يعيشكم)) بضم الياء وفتح العين وكسر الياء المشددة،
قال النووى: وفى بعض النسخ المعتمدة ((فما كان يقيتكم)) وفى الرواية الثالثة والثلاثين ((لقد رأيت
نبيكم# وما يجد من الدقل)) بفتح الدال والقاف، وهو تمر ردىء ((ما يملأ به بطنه)) زاد فى ملحق
الرواية ((وما ترضون دون ألوان التمر والزيد)) وفى الرواية الرابعة والثلاثين ((لقد رأيت رسول اللَّه ◌ُ﴾.
يظل اليوم يلتوى، مايجد دقلا، يملأ به بطنه)».
(توفى رسول اللّه ، وما فى رفى من شىء، يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير، فى رف
لى، فأكلت منه، حتى طال على، فكلته، ففنى ) الرف بفتح الراء تجويف فى حائط، أو خشبة
توضع على جانبى حائط، ليوضع عليها الشىء، والشطرهنا معناه شىء من شعير، وقيل: معناه نصف
وسق، و((ذو كبد)» يشمل جميع الحيوان، و(«فكلته» بكسر الكاف.
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث
١- من الرواية الأولى مواساة أهل البلاء، بأن الدنيا سجن المؤمن.
٢- ومن الرواية الثانية أدب التابعين مع المتبوع، والإحاطة به من جانبيه.
٣- هوان الدنيا على الله، وتحقير شأنها، بالنسبة للآخرة ونعيمها.
٤- وجواز تمثيلها بالشىء الحقير، والميت النتن.
٥- ومن الرواية الثالثة الحث على التصدق بالمال، ومحاولة استخدامه للآخرة.
٦- ومن الرواية الخامسة أنه لا ينفع الميت إلا عمله.
٧- ومن الرواية السادسة خشيته صلى الله عليه وسلم على أمته من فتنة المال.
٨- وهو علم من أعلام النبوة، وقد وقع.
٩ - وفيها إشارة إلى أن مضرة الفقردون مضرة الغنى، لأن مضرة الفقر دنيوية، ومضرة الغنى دينية
غالباً.
١٠- وقد يستدل به على أن الفقر أفضل من الغنى.
٥٨٢

١١- وفيها الاعتبار والتبصير بالأمم السابقة.
١٢ - ومن الرواية الثامنة والتاسعة فضيلة النظر إلى من هو فوقه فى الدين، والنظر إلى من هو دونه
فى الدنيا.
١٣ - والحث على شكر نعمة الله، وعدم ازدرائها.
١٤ - ومن الرواية العاشرة من قول الملك ((رجل مسكين)) استخدام المعاريض، وضرب الأمثال،
ليتيقظ المخاطب.
١٥- وفيها جواز ذكر ما وقع لمن مضى، ليتعظ به من سمعه، ولا يكون ذلك غيبة فيهم.
١٦ - والتحذير من كفران النعم.
١٧ - والترغيب فى شكرها، والاعتراف بها، وحمد الله عليها.
١٨ - وفيها فضل الصدقة.
١٩- والحث على الرفق بالضعفاء، وإكرامهم، وتبليغهم مآربهم.
٢٠- والزجر عن البخل، لأنه حمل صاحبه على الكذب، وعلى جحد نعمة اللَّه تعالى.
٢١ - وفى الرواية الحادية عشرة منقبة لسعد بن أبى وقاص.
٢٢ - والزهد فى الإمارة والمناصب.
٢٣- وفضيلة الخامل، المنقطع للعبادة، المشتغل بأمور نفسه.
٢٤ - قال النووى: وفيها حجة لمن يقول: الاعتزال أفضل من الاختلاط، وفى المسألة خلاف.
٢٥- وفيها جواز مدح الإنسان نفسه عند الحاجة، إذا أمن العجب.
قال ابن الجوزى: فإن قيل: كيف ساغ لسعد أن يمدح نفسه، ومن شأن المؤمن ترك ذلك،
لثبوت النهى عنه؟ فالجواب أن ذلك ساغ له، لما عيره الجهال بأنه لا يحسن الصلاة فاضطر إلى
ذکر فضله.
٢٦ - وفيها بيان ما كانوا عليه من الزهد فى الدنيا، والتقلل منها، والزهد، والصبر فى طاعة اللَّه على
المشاق الشديدة.
٢٧ - ومن الرواية الثالثة عشرة ما كانت عليه حالتهم فى أول الأمر، من شدة الحال، وخشونة العيش
والجهد، ثم إنهم اتسعت عليهم الدنيا بالفتوحات، وولوا الولايات.
٢٨ - ومن الرواية التاسعة عشرة، وما بعدها ما كان عليه صلى اللَّه عليه وسلم من الزهد فى الدنيا،
قال الطبرى: استشكل بعض الناس كون النبى ® وأصحابه، كانوا يطوون الأيام جوعاً، مع
ماثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع لأهله قوت سنة، وأنه قسم بين أربعة أنفس ألف بعير،
٥٨٣

مما أفاء الله عليه، وأنه ساق فى عمرته مائة بدنة، فنحرها، وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي
بقطيع غنم، وغير ذلك، مع من كان معه من أصحاب الأموال. كأبى بكر وعمر وعثمان وطلحة
وغيرهم، قال: والجواب أن ذلك كان منهم فى حالة، دون حالة، لا لعوز وضيق، بل تارة للإيثار،
وتارة لكراهة الشبع. ثم قال: وما نفاه مطلقاً فيه نظر، لما تقدم من الأحاديث. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: والحق أن الكثير منهم كانوا فى حال ضيق، قبل الهجرة، حيث كانوا
بمكة، ثم لما هاجروا إلى المدينة، كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار، بالمنازل والمنائح، فلما
فتحت لهم النضير وما بعدها، ردوا عليهم منائحهم. نعم كان النبى # يختار ذلك، مع إمكان
التوسع والتبسط فى الدنيا له، كما أخرج الترمذى، من حديث أبى أمامة ((عرض على ربى،
ليجعل لى بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا. يارب. ولكن أشبع يوماً، وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت
إليك، وإذا شبعت شكرتك )».
٢٩- ومن الرواية السادسة والعشرين قال ابن بطال: فيه أن الطعام المكيل، يكون فناؤه معلوماً، للعلم
بكيله، وأن الطعام غير المكيل، فيه البركة، لأنه غير معلوم مقداره. قال الحافظ ابن حجر: فى
تعميمه كل الطعام بذلك نظر، والذى يظهر أنه كان من الخصوصية لعائشة، ببركة النبى {9.
ونحوه ما وقع فى عكة المرأة. قال القرطبى: سبب رفع النماء عند الكيل، الالتفات بعين الحرص،
مع معاينة إدرار نعم الله، ومواهب كراماته، وكثرة بركاته، والغفلة عن الشكر عليها، والثقة بالذى
وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة، عند مشاهدة خرق العادة.
٣٠- ويستفاد منها أن من رزق شيئاً، أو أكرم بكرامة، أو لطف به فى أمر ما، فالمتعين عليه موالاة
الشكر، وإضافة المنة للّه تعالى.
واللَّه أعلم.
٥٨٤

(٧٩٣) باب النهى عن الدخول على أهل الحجر
إلا من يدخل باكيا
٢٤٩١- ٣٨ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٣٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ،
لأَصْحَابِ الْحِجْرِ: «لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذِّبِينَ. إِلا أَنْ تَكُولُوا بَاكِينَ. فَإِنْ لَمْ
تَكُونُوا بَاكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ».
٦٤٩٢ - ٣٩ عَنِ ابْنِ هِهَابٍ(٣٩)، وَهُوَ يَذْكُرُ الْحِجْرَ، مَسَاكِنَ ثَمُودَ، قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ: إِنَّ عَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: مَرَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ عَلَى الْحِجْرِ. فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ
◌َ *: «لا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسّهُمْ، إِلا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ. حَذَرًا أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ
مَا أَصَابَهُمْ» ثُمَّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتَّى خَلَّفَهَا.
٦٤٩٣ - ٣٠ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٤٠)؛ أَنَّ النَّاسَ تَزَّلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مَّ
عَلَى الْحِجْرِ، أَرْضٍ ثَمُودَ. فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا. وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ. فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِمَا أَن
يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا وَيَعْلِفُوا الإِيلَ الْعَجِينَ. وَأَمَوَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِخْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا
النَّاقَةُ.
٦٤٩٤ - - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاسْتَقَوْا مِنْ بِثَارِهَا
وَاغْتَجْنُوا بِهِ.
المعنى العام
فى طريق المسلمين إلى غزوة تبوك، وقبل الشام من أرض الحجاز، مروا على آبار ثمود، قوم
صالح، وقد قطعوا صحراء واسعة قليلة الماء، فلما وصلوا إلى آبار ثمود، وكانوا فى حاجة إلى الماء،
استقوا من آبارها، وعجنوا دقيقهم بمائها، وخاف رسول اللّه * على أصحابه من آثار غضبة الله
تعالى، فأمر أصحابه أن لا يأكلوا خبزاً عجنوه بماء قوم صالح. وليطعموا الخبز الذى عجنوه بمائهم
(٣٨) حَدَُّا يَخْتِى بْنُ أَيُوبَ وَقْتَبِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ حَدََّا إِسْمَعِيلُ بْنُ جَعْفٍ أُخْبَوَنِي
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمْوَ يَقُولُ
(٣٩) حَدََّيِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أُخْبَرَِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
(٤٠) حَدَّتِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى أَبُوِ صَالِحٍ حَدْتَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَقَّ أَخْتَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَّرَ أَخْبُرَهُ
- وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ حَدَّقَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ حَدَّقَتِي عُبَيْدُ اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ
٥٨٥

الدواب والأنعام، وقال لهم: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا مضطرين، على أن تدخلوا
باكين، تائبين، خائفين من أن يصيبكم مثل ما أصابهم، خائفين من أن تحل عليكم غضبة اللّه التى
حلت بهم، واجتهدوا أن تسرعوا السفر ومجاوزة ديار الظالمين.
المباحث العربية
(قال رسول اللَّه ﴿ لأصحاب الحجر) أصحاب الحجر ثمود قوم صالح، وقد هلكوا جميعاً
لتكذيبهم رسولهم، وعقرهم الناقة، أخذتهم الصيحة مصبحين، فاللام فى قوله ((لأصحاب الحجر))
بمعنى ((عن)) أى قال لأصحابه عن أصحاب الحجر وشأنهم:
( لاتدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين ) أى لا تدخلوا على آثارهم، ولا تدخلوا بيوتهم
وطرقاتهم.
( إلا أن تكونوا باكين) متضرعين إلى الله أن يحفظكم من غضبه، وأن يحميكم من أن
يصيبكم مثل ما أصابهم.
( أن يصيبكم مثل ما أصابهم) بفتح همزة ((أن)) أى خشية أن يصيبكم، أو حذر أن يصيبكم.
( ثم زجر، فأسرع، حتى خلفها) مفعول ((زجر» محذوف للعلم به، أى زجر ناقته، وساقها
سوقاً شديداً، حتى خلف الديار، وجعلها خلفه، وجاوزها.
فقه الحديث
فيه الحث على المراقبة والخشية والخوف عند المرور بديار الظالمين، ومواضع العذاب، قال
النووى: ومثلة الإسراع فى وادى محسر، لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك، وقد مضى فى كتاب الحج.
فينبغى للمارفى هذه المواضع التذكر والاعتبار، والخوف، والبكاء، وأن يستعيذ بالله من غضب الله.
والله أعلم
٥٨٦

(٧٩٤) باب فضل الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم
٦٤٩٥- ٤١ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٤١)، عَنِ النّبِيِّ: ﴿ قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ
وَالْمِسْكِينٍ، كَالْمُجَاهِدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَكَالْقَائِمٍ لا يَفْتُرُ؛ وَكَالصَّائِمِ لا
يُفْطِرُ».
٦٤٩٦ - ٤٢٣ٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ ﴾ (٤٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿: «كَافِلُ الْيَتِيمِ، لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ،
أَنَا وَهُوَ كَهَاَيْنِ فِي الْجَنَّةِ» وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.
المعنى العام
الإسلام دين التكافل الاجتماعى، ومثل المؤمنين كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى والمؤمن
للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا، ومثل المؤمنين كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى
له سائر الجسد بالسهر والحمى.
· وعلى الرغم من الصدقة الواجبة لمستحقيها يدعو الإسلام الصدقات أخرى فوق الواجبة إلى
المستحقين والمحتاجين من المسلمين، وعلى رأسهم الأرملة والمسكين واليتيم.
وإذا كان الحديث قد شبه المحسن إلى الأرملة والمسكين بالمجاهد فى سبيل اللّه من حيث
الأجر، ومن حيث إحياء الدين، فكلاهما إحياء، فإن المنفلوطى قد بالغ، وجعل المحسن أفضل من
المجاهد، إذ يقول ما معناه: إن الإحسان إلى الفقير خير من الجهاد فى سبيل الله، وإن شرح القلوب
خير من شق الصدور، وكم بين من يحيى الميت ومن يميت الحى. اهـ وإن كان فى كلامه مغالطة
كبيرة، لكنه الأدب والبيان، وإن من البيان لسحرا.
المباحث العربية
(السعى على الأرملة والمسكين ) («الأرملة)) التى لا زوج لها، سواء كانت تزوجت أم لا،
وقيل: هى التى فارقت زوجها، قال ابن قتيبة: سميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال، وهو الفقر
وذهاب الزاد بفقد الزوج، يقال: أرمل الرجل إذا فنى زاده، و((المسكين)) مِفعيل من السكون، فكأنه من
(٤١) حَدَّْا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَّةَ بْنٍ قَغْنَبٍ حَدََّا مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٤٢) حَدَِّي زُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّا إِسْحَقُ بْنُ عِيسَى حَدََّا مَالِّكَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ قَالَّ سَمِعْتُ أَبَا الْغَيْثِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةً
٥٨٧

قلة المال سكنت حركاته، ولذا قال تعالى ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أى لاصق بالتراب. وفى
حد الغنى والفقير والمسكين خلاف طويل، تقدم فى مصارف الزكاة.
ومعنى الساعى الذى يذهب ويجىء فى تحصيل ما ينفع الأرملة والمسكين.
( كالمجاهد فى سبيل الله - وأحسبه قال- وكالقائم لايفتر، وكالصائم لا يفطر)
هكذا بالشك هنا، وفى رواية للبخارى ((الساعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله، أو
كالذى يصوم النهار، ويقوم الليل)» والقائل ((أحسبه)) فى روايتنا القعنبى، وقد أخرجه ابن ماجه بلفظ
البخارى، لكنه بالواو، لا بلفظ ((أو)».
( كافل اليتيم له أولغيره، أنا وهو كهاتين فى الجنة، وأشار بالسبابة والوسطى )
كافل اليتيم القائم بأموره، من نفقة وكسوة وتأديب وتربية وغير ذلك. واليتيم الصغير الذى مات أبوه.
وقوله ((له أو لغيره)» الذى له أن يكون قريباً، كجده وأمه وجدته وأخيه وعمه وخاله، وغيرهم من
أقاربه، والذى لغيره أن يكون أجنبياً.
فقه الحديث
فيه فضيلة الساعى والمعين للأرملة والمسكين، وعظم أجره، لأنه بذلك من المجاهدين فى سبيل
اللَّه، الجهاد الأكبر، وهو مغالبة النفس والهوى والشيطان. وفى الحديث الثانى فضيلة كافل اليتيم،
وهذه الفضيلة تحصل لمن كفله من مال نفسه، أو من مال اليتيم بولاية شرعية على أن يقوم بالكفالة
على الوجه الشرعي الكامل.
والله أعلم
٥٨٨

(٧٩٥) باب فضل بناء المساجد
٦٤٩٧- ٣ ٤ عَنْ عُثْمَان بْنِ عَفَّا عَ﴾(٤٣)، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَّنّى مَسْجِدَ الرَّسُولِ
﴿: إِنَّكُمْ قَدْ أَكْفَرُثُمْ. وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «مَنْ بَنّى مَسْجِدًا - قَالَ بُكَيْرٌ
حَسِبْتُ أَنْهُ قَالَ - يَيْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنْةِ». وَفِي رِوَايَةٍ هَارُونَ: «بَنَى
اللَّهُ لَهُ بَيْئًا فِي الْجَنْةِ».
٦٤٩٨- ٤َ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَقَّانَ عُ﴾(٤٤)، حين أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدٍ، فَكَرِةِ النَّاسُ ذَلِكَ.
وَأَحْبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْتِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «مَنْ بَنَّى مَسْجِدًا لِلّهِ، بَنّى
اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ».
٦٤٩٩ - - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنٍ جَعْفَرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: «بَنَّى
اللَّهُ لَهُ بَيْئًا فِي الْجَنَّةِ».
هذان الحديثان بلفظهما سبق شرحهما فى باب خاص بعنوان باب فضل بناء
المساجد، والحث عليها، من كتاب المساجد.
(٤٣) حَدَّْتِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسِى قَالا حَدَّقْنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي عَمْرٌو وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّفَهُ أَنَّ
عَاصِمَ بْنَ عُمَّرَ بْنِ قَتَادَةً حَدَّقَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلائِيَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَانْ
(٤٤) حَدَّْا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى كِلَاهُمَا عَنِ الضَّحْاكِ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا الصَّحَاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَخْبَرَنًا عَبْدُ
الْحَمِيدِ ابْنُ جَعْفَرِ حَدَّفَیِي أَبِي عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ غَفْمَانِ بْنَ عَفّا أَرَاد
- وحَدََّهَ إِسْحَقُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ حَدََّنَا أَبُو بَكْرِ الْحَفِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّاحِ كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنٍ جَعْفَرٍ
٥٨٩

(٧٩٦) باب فضل الإنفاق على المسكين وابن السبيل
٦٥٠٠- ٤٢٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٤٥)، عَنِ الْبِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنَ الأَرْضِ،
فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقٍ حَدِيقَةً فُلانٍ. فَتَتَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ. فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ. فَإِذَا
شَرْجَةٌ مِنْ ◌ِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلُّهُ. فَتَبَّعَ الْمَاءَ. فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي
حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلانٌ، لِلاسْمِ الْذِي
سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ: لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي
السَّحَابِ الْذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقٍ حَدِيقَةَ فُلانٍ لاسْمِكَ. فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ
هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِ ثُلْفًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُفَهُ».
٦٥٠١ - - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ وَهْبُ بْنِ كَيْسَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَأَجْعَلُ ثُلُفَهُ فِي
الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ».
المعنى العام
رجل فيمن كان قبلنا، ولعله من عباد بنى إسرائيل، سمع صوتاً آمراً ملك السحاب والمطر يقول
له: حول السحاب فوق أرض فلان بن فلان، فتحولت السحابة إلى جهة، تتبعها سامع الصوت من
بنى إسرائيل، فإذا هى تمطر فوق أرض، ووجد رجلا يعمل فى هذه الأرض بفأسه، فسأله: ما اسمك؟
فقال الرجل: اسمى فلان بن فلان. لماذا تسأل عن اسمى؟ قال له: سمعت اسمك فى السماء.
فأخبرنى؟ كيف وصلت إلى هذه الدرجة، وماذا تفعل فى ثمراتها؟ قال له: ماكنت أحب أن أذكر
شيئاً من هذا، فهو بينى وبين الله، ولكن ما دمت بهذا القصد الصالح فاعلم أننى أقسم الثمرة أثلاثاً
أتصدق بثلثها، وآكل أنا وعيالى ثلثها، وأستخدم الثلث بذراً أعيد به زراعتها.
وهكذا نرى كيف يخلف اللَّه على المتصدق، واللَّه يقبض ويبسط، وإليه ترجعون.
المباحث العربية
( بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتاً فى سحابة ) أى سمع صوتا يأمر، صادراً
لأذن الرجل من جهة سحابة.
(٤٥) حَدَُّا أَبُو بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْيَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ فَالا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّقَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلّمَةً
عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُبَيْدٍ بْنِ عُمَّيْرِ اللَّيْشِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
- وِحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَِّيُّ أَخْبُرْنَا أَبُو دَاوُدَ خَّدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَّمَةٌ حَدَّثْنَا وَهْبُ بْنُ كَيْسَانُ
٥٩٠

( فتنحى ذلك السحاب ) أى غير وجهته، يقال: تنحيت الشىء وانتحيته ونحوته إذا
قصدته، ومنه سمى علم النحو، لأنه قصد كلام العرب. كذا قال النووى.
( فأفرغ ماءه فى حرة ) بفتح الحاء، وهى الأرض الصلبة الملبسة بالحجارة السوداء.
( فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله ) الشرجة بفتح الشين
وسكون الراء طريق سيلان السيل من الهضاب ونحوها إلى السهل، أى أخذت الماء كله لتوزعه على
أرض الرجل.
( يحول الماء بمسحاته ) المسحاة معروفة، تشبه الفأس.
( وابن السبيل ) هو المسافر المنقطع عن ماله، وألحق به كل من هو غائب عن ماله.
فقه الحديث
١- فى الحديث فضل الصدقة والإحسان إلى المساكين وأبناء السبيل.
٢- وفضل أكل الإنسان من كسبه.
٣- وفضل الإنفاق على الأهل والعيال.
٤- وفضل الزرع.
والله أعلم
٥٩١

(٧٩٧) باب تحريم الرياء
٢٥٠٢ - ٤٢٦ٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٤٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «قَالَ اللَّهُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَّى:
أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ. مَنْ عَمِلَ عَمّلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
٦٥٠٣ - ٤٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٤٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ جِ: «مَنْ سَمَّعَ
سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ. وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ».
٦٥٠٤- ◌ٍُ عَنْ جُنْدُبِ الْعَلَقِيِّ ﴾(٤٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾: «مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ
بِهِ. وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللّهُ بِهِ».
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ [الزمر: ٢] ويقول ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾
واللَّه تعالى غنى عن العبادة التى يشرك العابد فيها غير الله، يكره أن نقصد الناس بعبادتنا، فيتركنا
لهم، ويحيلنا فى الثواب والأجر والجزاء عليهم، قال جل شأنه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ
بالْمَنِّ وَالأَنَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثْلُهُ كَمَثَل صَفْوَانِ عَلَيْهِ تُرَابٌ
[أى كمثل حجر أملس عليه ترابَ] فَأَصَابَهُ وَابِلٌ [مطَرٍ] فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] أى أملس خاليا
من التراب وأثره، ولا يقتصر أثر الرياء على إحباط الأجر، بل هناك من الوزر والعقوبة ما هناك، فالله
تعالى يقول ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾
[الماعون: ٤-٧].
المباحث العربية
( أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عملا عملاً أشرك فيه معى غيرى، تركته وشركه)
(٤٦) حَدِّثْنِي زُهْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدْقَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِهِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٤٧) حَدَّثَنَا عُمَّرُ بْنُ خَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّتِي أَبِي عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنٍ سُمْعٍ عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُمْرٍ عَنِ ابْنِ عَّاسٍ
(٤٨) حَدَّقَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيّ هَةٌ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عِنْ سُفْيَّانِ عَنْ سَلَّمَةً بْنِ كُهَيْلٍ قَالَّ سَمِعْتَ جُنْدُبَّا الْعَلَقِيَّ قَالَ
- وحَدَّنَا إِسْخِّقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّقْنَا الْمُلَائِيُّ حَدََّا سُفْيَانُ بِهَذَا الإِنْنَادِ وَّزَادَ وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا غَيْرَةُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾
- حَدْفَنَا سَّعِيدُ بْنُ عَغَرِوَ الْأَشْعَنِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ حَرَّبٍ قَالَ سَعِيدٌ أَظُنَّهُ قَالَ ابْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ
سَمِعْتُ سَلَمَّةٌ بْنَ كُهَيْلَّ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدُبًا وَلَمْ أَسْمَّعْ أَحَدًا يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِلَ﴿ غَيْرَهُ يَقُولٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِخَ
يَقُولُ بِمِثْلٍ حَدِيثِ الْوَِّيِّ
- وحَّدََّهَ ابْنُ أَبِي عُمَّرَّ حَدْنَا سُفْيَانُ حَدََّا الصَّدُوقُ الْأَمِينُ الْوَلِيدُ بْنُ حَرْبٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ
٥٩٢

قال النووى: هكذا وقع فى بعض الأصول ((وشركه)) وفى بعضها ((وشريكه)) وفى بعضها ((وشركته))
ومعناه: أنا غنى عن المشاركة وغيرها، فمن عمل شيئاً لى ولغيرى، لم أقبله، بل أتركه لذلك الغير،
والمراد أن عمل المرائي باطل، لا ثواب فيه، ويأثم فيه.
(من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به) وفى الرواية الثالثة ((من يسمع يسمع
الله به، ومن يرائى يرائى اللَّه به)) ((من سمع)) بفتح السين والميم المشددة، و((سمع الله به)) مثلها،
و((من راءى)) بمد الراء، بعدها همزة، و((من يرائى)) بضم الياء والمد وكسر الهمزة، و((يرائی)» الثانية
مثلها، وثبتت الياء فى آخر كل منهما، للإشباع، وهما مجزومان، أو التقدير - كما قال الحافظ- فإنه
يرائى، أى على الاستئناف، وهذا عن ((يرائى)) الثانية، أما الأولى فهى للإشباع فحسب.
وفى المعنى قال الخطابي: من عمل عملا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه
جوزى على ذلك، بأن يشهره الله ويفضحه، ويظهر ما كان يبطنه [وظاهر هذا أن الجزاء فى الدنيا،
ويحتمل أن يكون ذلك فى الدنيا والآخرة] وقيل: من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به
وجه اللَّه، فإن اللَّه يجعله حديثاً عند الناس، الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له فى الآخرة،
ومعنى «يرائى اللَّه به» يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم، لا لوجهه، ومنه قوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ إلى قوله ﴿ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦،١٥].
وقيل: المراد من قصد بعمله، أن يسمعه الناس ويروه، ليعظموه، وتعلو منزلته عندهم حصل له ما
قصد، وكان ذلك جزاءه على عمله، ولا يثاب عليه فى الآخرة.
وهذا القول قريب من سابقه، إلا أن يراد من السابق أن يضيع هدفه من الناس فلا يحصل له ما
قصد، كما يضيع أجره فى الآخرة.
وقيل: المعنى: من سمع بعيوب الناس، وأذاعها، ونقلها من سمع إلى سمع، أظهر اللّه عيوبه،
ونشر أسراره.
وقيل: المعنى: من نسب إلى نفسه عملا صالحا لم يفعله، وادعى خيراً لم يصنعه ونشر ذلك على
مسامع الناس، فإن اللَّه يفضحه، ويظهر كذبه.
وقيل: المعنى: من يرائى الناس بعمله، أراه الله ما كان يستحق بعمله من الثواب لولا المراءاة
وحرمه إياه.
وقيل: معنى ((سمع اللَّه به)) شهره، أو ملأ أسماع الناس، بسوء الثناء عليه، فى الدنيا أو فى
القيامة، بما ينطوى عليه من خبث السريرة.
أقول: واللفظ يحتمل كل هذه المعانى، فليشملها. والله أعلم.
٥٩٣

فقه الحديث
فى الحديث استحباب إخفاء العمل الصالح، قال الحافظ ابن حجر: لكن قد يستحب إظهاره
ممن يقتدى به، على إرادته الاقتداء به، ويقدر ذلك بقدر الحاجة.
قال ابن عبد السلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل، من يظهره ليقتدى به، أولينتفع به،
ككتابة العلم. قال: فمن كان إماماً يستن بعلمه، عالماً بما للَّه عليه، قاهرا لشيطانه، استوى ما ظهر
من عمله وما خفى، لصحة قصده، ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء فى حقه أفضل، وعلى ذلك جرى
عمل أهل السلف.
والله أعلم
٥٩٤

(٧٩٨) باب حفظ اللسان
٢٥٠٥- ٤٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ ﴾(٤٤)؛ أَنْهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَكُلُّمُ
بِالْكُلِمَّةٍ، يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ».
٢٥٠٦ - ٠ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ (٥٠)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَكُلِّمُ بِالْكَلِمَةِ،
مَا يَبِّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ».
المعنى العام
يراجع المعنى العام لحديث ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً، أو ليصمت))، فى باب
إكرام الجار والضيف وفضيلة حفظ اللسان فى كتاب الإيمان بالجزء الأول من هذا الكتاب.
المباحث العربية
(إن الرجل ليتكلم بالكلمة، مايتبين ما فيها ) ذكر ((الرجل)) لا مفهوم له، فالمرأة كذلك،
ومعنى ((مايتبين ما فيها)) أى لا يتدبرها، ولا يفكر فى قبحها، ولا يخاف ما يترتب عليها، كالكلمة
عند السلطان تقتل أو تؤذى إنساناً، وكلمة القذف، وكلمة نميمة وفتنة تثير معركة.
( یھوی بها فی النار) ینزل بها فى النار.
( أبعد مابين المشرق والمغرب ) كناية عن المسافة البعيدة، وعمق النار يقصد به شدة
إيلامها، كما وكيفاً.
(ملحوظة) يراجع الحديث الخاص باللسان فى باب ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه
ويده)) وفى باب إكرام الجار والضيف وفضيلة حفظ اللسان فى كتاب الإيمان.
واللَّه أعلم.
(٤٩) حَدْثًّا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا بَكْرٌ يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِنْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنٍ طَلْحَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٥٠) وِحَدََّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيَّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ
طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٥٩٥

(٧٩٩) باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله
وينهى عن المنكر ويفعله
٦٥٠٧- ٥١ْ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَ﴾(٥١) قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَان
فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ أَتَرَوْنُ أَنّي لا أُكَلِّمُهُ إِلا أُسْمِعُكُمْ؟ وَاللَّهِ! لَقَدْ كَلِّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ.
مَا دُونَ أَن أَفْتَتِحَ أَمْرًا لا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ. وَلا أَقُولُ لِأَحَدٍ، يَكُونُ
عَلَيَّ أَمِيرًا: إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ. بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلٍ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَيُلْقَى فِي النَّارِ. فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ. فَيَدُورُ بِهَا كَمَّا يَدُورُ الْحِمَارُ
بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ. فَيَقُولُون: يَا قُلاهُ! مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ،
وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكّرٍ وَآتِيهِ».
٦٥٠٨- ١١ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي وَآئِلٍ(١٠) قَالَ: كُنَا عِنْدَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ
رَجُلٌ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فِيمَا يَصْنَعُ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِعْلِهِ.
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ كَبُرَ مَقْنًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا
تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢-٣].
إن القدوة الحسنة العملية أدخل فى الوعظ من الكلمة، والكلمة الحسنة مع القدوة الحسنة هما
الغاية المؤثرة فى الوعظ والإرشاد، وهما ركنان متكاملان.
نعم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب شرعى، والعمل بما يأمر به، والبعد عما ينهى عنه
واجب شرعى، فإن قصر فى الواجبين عوقب عليهما، وإن قصر فى أحدهما عوقب على ما قصر فيه،
وحديثنا فيمن قصر فى أحدهما، وقد كانت عقوبته فظيعة مخيفة، فما بالنا بمن قصر فى الأمرين؟
نسأل الله - العفو والعافية فى الدين والدنيا والآخرة - رب العالمين.
(٥١) حَدَّثَنَا يُحْتِى بْنُ يُخْتِى وَأَبُو بَكْرِ بْنُّ أَبِي شَيْئَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ثُمَّيْرِ وَإِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمٌ وَأَبُوٍ كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ بِأَبِي
كُرَيْبٍ قَالْ يُخْتَى وَإِسْحَقُّ أَخْبُوَنَاً وَقَالَّ الآخَرُونَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةٌ حَدَّنَا الْأَغَمَثُ عِنْ شَقِيقٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ
(١٠) حَدَّثَنَا غُفْمَانُ بْنُ أَبِي شََّةٌ حَدَّقَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ
٥٩٦

المباحث العربية
( قيل لأسامة بن زيد: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ ) فى ملحق الرواية ((كنا عند
أسامة بن زيد، فقال رجل: مايمنعك أن تدخل على عثمان، فتكلمه فيما يصنع»؟ أسامة بن زيد
الحبيب بن الحبيب، أمَّره رسول اللَّه ◌َ على بعث فيه أبوبكر وعمر قبيل وفاته، وأنفذ أبو بكر هذا
البعث أول خلافته، وكان عمر يجله ويحترمه، وله بين الصحابة مكانته، من هنا حرصوا على أن يكلم
عثمان : فيما أخذ عليه فى أواخر خلافته، فحضوا أسامة أن يكلمه.
( فقال: أترون أنى لا أكلمه إلا أسمعكم ) ((ترون)) بفتح التاء أى أتعلمون وتعتقدون أنى
لم أكلمه؟ والاستفهام إنكارى توبيخى بمعنى نفى الانبغاء، أى لا ينبغى أن تعتقدوا ذلك، فإنى
أكلمه، أو كلمته دون أن أسمعكم. قال النووي: وفى بعض النسخ ((إلا سمعكم)) والاستثناء مفرغ من
عموم الأحوال، أى أترون أنى لا أكلمه فى حال من الأحوال إلا فى حال سمعكم. وقال: وفى بعض
النسخ («أسمعكم)) بضم الهمزة. وكله بمعنى، أى أتظنون أنى لا أكلمه إلا وأنتم تسمعون؟.
( والله لقد كلمته فيما بينى وبينه، ما دون أن أفتتح أمراً، لا أحب أن أكون أول
من فتحه) الظاهر أن ((ما)» زائدة، والمعنى: كلمته دون أن أجاهر بالإنكار على الأمراء فى الملأ،
ودون أن أكون أول من فتح باب الخروج على الحاكم.
( ولا أقول لأحد يكون علىَّ أميراً: إنه خير الناس) الظاهر أن اللام فى ((لأحد)» بمعنى
((عن)) أى ولا أقول لكم عن أحد يكون أميراً: إنه خير الناس، نفاقاً وتزلفاً، أو على أصلها، والمعنى ولم
أقل له: إنه خير الناس، فأكون بذلك مخادعاً أقول مالا أعتقد، ولكن قلت له ما عندى.
( فتندلق أقتاب بطنه) قال النووى: ((تندلق)» بالدال، والاندلاق خروج الشىء من مكانه،
والأقتاب جمع قتبة، أوقتب، وهى الأمعاء، وقال ابن عيينة: هى ما استدار فى البطن، وهى الحوايا
والأمعاء.
( فيدوربها، كما يدور الحمار بالرحى ) أى يدور حولها فى النار، كما يدور الحمار حول
الرحی.
( فيقولون: يافلان! ما لك؟ ) القائلون أصحابه، ومن كان يعرفه فى الدنيا معرفة سطحية
غير واقعية، و(«ما لك)» مبتدأ وخبر، والاستفهام حقيقى، أو تعجبى، أى نتعجب من حالك.
فقه الحديث
١- فيه عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله، ومن ينهى عن المنكر ويفعله.
٥٩٧

٢- وفيه أن الناس فى الآخرة يعرف بعضهم بعضًا.
٣- ويسأل بعضهم بعضاً عما أدى بهم إلى النتيجة.
٤- وأن الصدق أسلوب يوم القيامة، حتى من هو فى النار.
٥- وفيه منقبة ظاهرة لأسامة بن زيد.
٦- وأمره الحاكم بالمعروف ونهيه عن المنكر.
٧- وأدبه مع الأمراء، ولطفه بهم، ووعظهم سرًّا، وتبليغهم ما يقول الناس فيهم، لينكفوا عنه، وهذا كله
إذا أمكن، قال النووى: فإن لم يكن الوعظ سرًّا، والإنكار خفية، فليفعله علانية، لئلا يضيع أصل
الحق.
والله أعلم
٥٩٨

(٨٠٠) باب النهى عن هتك الإنسان ستر نفسه
٢٥٠٩ - ٣° عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٥٢) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ يَقُولُ: «كُلُّ أَمَّتِي مُعَفَاةٌ
إِلا الْمُجَاهِرِينَ. وَإِنَّ مِنَ الإِجْهَارِ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحُ قَدْ سَتْرَةُ رَّهُ فَقُولُ:
يَا قُلاُ! قَدْ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا. وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ وَيُّهُ. فَبِيِيتُ يَسْتُرَّهُ رَيُّهُ، وَتُصْبِحُ
يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ». قَالَ زُهَيْرٌ: «وَإِنَّ مِنَ الْهِجَارِ».
المعنى العام
إن الحياء فى الإنسان ميزان رقيه الإنسانى، وهو الحاجر للمؤمن عن فعل القبيح، وإذا وقع منه
القبيح كان الحياء الشرعى مانعا من الجهر والتبجح بارتكابه، ومن يجاهر بارتكاب القبيح، سواء
بفعله أمام آخرين، وعدم اكتراثه بمن يراه، أو بالإخبار عن فعله بعد أن ستره اللَّه هو مستهتر بالناس،
وبصالحيهم، وبحكامهم، وبأولياء أمورهم، ثم هو فوق ذلك مستهتر بالدين، مستهتر بخالقه القادر على
إخراسه وشل حركته، مجابه له جل شأنه بالمجاهرة، وكأنه لا يهتم بمن عصاه، ولا يخاف منه فى
الدنيا ولا فى الآخرة.
من هنا كان كل الناس قابلين للعفو والعافية، والرحمة والسلام إلا المجاهرين.
المباحث العربية
( كل أمتى معافاة إلا المجاهرين ) قال النووى: هكذا هو فى معظم الأصول ((معافاة))
بالهاء فى آخره، والضمير يعود إلى الأمة. اهـ وفى رواية البخارى وبعض النسخ ((معافى)) بفتح الفاء،
مقصور، اسم مفعول، من العافية، بمعنى، عفا الله عنه، أو بمعنى سلمه الله وسلم منه، وقوله ((إلا
المجاهرين)) بالنصب على الاستثناء، والكلام تام موجب، قال المحققون: كذا للأكثر، ولبعضهم (( إلا
المجاهرون)» بالرفع، قال ابن بطال: كذا وقع، وصوابه عند البصريين بالنصب، وأجاز الكوفيون الرفع
فى الاستثناء المنقطع، فتكون ((إلا)) بمعنى ((لكن)) ويكون المعنى: لكن المجاهرون بالمعاصى لا
يعافون، فالمجاهرون مبتدأ، خبره محذوف. وقال الكرمانى: حق الكلام النصب، إلا أن يقال: العفو
بمعنى الترك، وهو نوع من النفى. اهـ فالكلام تام منفى.
(٥٢) حَدَّتِي زُهَيْرُ بُنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالَ عَبْدٌ حَدَّثَتِي وَقَالَ الآخَرَانِ حَدََّا يَعْقُوبُ بْنُ إِنْرَاهِيمٌ حَدَّقَنَا
ابْنُ أَخِي ابْنٍ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ قَالَ سَأَلِمٌ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةٌ يَقُولا
٥٩٩

والمجاهر الذى يظهر معصيته، ويكشف ماستر اللَّه عليه، فيحدث بها، لغير ضرورة، ولا حاجة،
و((المجاهر)) اسم فاعل من ((جاهر» بكذا، بمعنى جهر به، يقال: جهر بأمره، وأجهر به، وجاهر به،
وتكون المفاعلة هنا للمبالغة، أو المفاعلة على ظاهرها من الجانبين، ويكون المراد بالمجاهرين الذين
يفاخر بعضهم بعضاً بالمعاصى.
( وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملا .. إلخ) قال النووى: كذا هو فى جميع
النسخ ((الإجهار)) إلا نسخة ابن ماهان، ففيها «وإن من الجهار)) وهما صحيحان، الأول من أجهز،
والثانی من جھر.
وأما قول مسلم: قال زهير: ((وإن من الهجار)) بتقديم الهاء على الجيم، فقيل: إنه خلاف الصواب،
قال النووى: وليس كذلك، بل هو صحيح، قال القاضى عياض: هو الفحش والخنا وكثرة الكلام، وهو
قريب من معنى المجانة الواردة فى بعض الروايات ((وإن من المجانة)) بدل المجاهرة، والماجن هو
الذى يستهتر فى أموره، ولا يبالى بما قال، وما قيل له.
بل رجح الحافظ ابن حجر رواية ((وإن الهجار» بتقديم الهاء، فقال: بل الذى يظهر رجحان هذه
الرواية، لأن الكلام المذكور بعده، لايرتاب أحد أنه من المجاهرة، فليس فى إعادة ذكره كبير فائدة،
وأما الرواية بلفظ المجانة [أو معناها] فتفيد معنى زائداً، وهو أن الذى يجاهر بالمعصية يكون من
جملة المجان، والمجانة مذمومة شرعاً وعرفاً، فيكون الذى يظهر المعصية قد ارتكب محذورين،
إظهار المعصية، وتلبسه بفعل المجن.
وأما قول عياض [وأما لفظ الهجار فبعيد لفظاً ومعنى، لأن الهجار الحبل أو الوتر، تشد به يد
البعير، ولا يصح له هنا معنى] فقد رده الحافظ ابن حجر بقوله: بل له معنى صحيح أيضاً، فإنه يقال:
هجر، وأهجر، إذا أفحش فى كلامه، فهو مثل: جهر وأجهر، فما صح فى هذا صح فى هذا، ولا يلزم من
استعمال الهجار فى معنى الحبل، أن لا يستعمل مصدراً من الهجر، بضم الهاء.
فقه الحديث
أخرج الحاكم عن ابن عمر، رفعه «اجتنبوا هذه القاذورات، التى نهى اللَّه عنها، فمن أَلَمَّ بشىء
منها، فليستتر بستر اللَّه)).
قال ابن بطال: فى الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله، وبصالحى المؤمنين، وفيه
ضرب من العناد لهم، وفى الستربها السلامة من الاستخفاف، لأن المعاصى تذل أهلها، وإذا تمحص
حق الله، فهو أكرم الأكرمين، ورحمته سبقت غضبه، فلذلك إذا ستره فى الدنيا لم يفضحه فى الآخرة،
والذى يجاهر يفوته كل ذلك. اهـ
والحديث صريح فى ذم من يجاهر بالمعصية، وهذا يستلزم مدح من يستتر.
واللّه أعلم
٦٠٠