Indexed OCR Text
Pages 401-420
(فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. فقالوا: ما رابكم إليه، لايستقبلكم بشىء
تكرهونه؟ فقالوا: سلوه، فقام إليه بعضهم، فسأله عن الروح ) قال النووى: هكذا فى جميع
النسخ ((ما رابكم إليه)) أى ما دعاكم إلى سؤاله؟ أو ما شككم فيه، حتى احتجتم إلى سؤاله؟ أو ما
دعاكم إلى سؤال تخشون سوء عقباه؟. اهـ
وقال الخطابى: الصواب: ((ما أريكم)) بتقديم الهمزة وفتحتين، من الأرب، وهو الحاجة، وفى
رواية للبخارى ((فقام رجل منهم، فقال: ياأبا القاسم. ما الروح؟)) وفى رواية عند الطبرى ((فقالوا:
أخبرنا عن الروح)) قال ابن التين: اختلف الناس فى المراد بالروح المسئول عنه فى هذا الخبر، على
أقوال: الأول روح الإنسان. الثانى: روح الحيوان، الثالث. جبريل، الرابع: عيسى، الخامس: القرآن،
السادس: الوحى، السابع: ملك يقوم وحده صفا يوم القيامة، الثامن: ملك له أحد عشر ألف جناح
ووجه. التاسع: خلق كخلق بنى آدم، لهم روح، يأكلون ويشربون. اهـ أما ألفاظ الروح الواردة فى القرآن
فمنها ﴿ نَزَّلَ بهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: ٥٢]
﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥] ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة ٢٢] ﴿يَوْمَ
يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيَهَا ﴾ [القدر: ٤] فالأول جبريل،
والثانى القرآن، والثالث الوحى، والرابع القوة، والخامس والسادس محتمل لجبريل ولغيره. وأطلق روح
اللَّه على عيسى، وثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح، أى لا يعين المراد به، والأكثرون على أن
اليهود سألوا عن الروح التى تكون بها الحياة فى الجسد، وقال أهل النظر: سألوه عن كيفية مسلك
الروح فى البدن، وامتزاجه به، وهذا هو الذى استأثر اللَّه بعلمه، وقال القرطبى: الظاهر أنهم سألوه عن
روح الإنسان، لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح اللـه، ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن الملائكة أرواح.
وقال الفخر الرازى: المختار أنهم سألوه عن الروح الذى هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على
أحسن الوجوه، وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيتها، وهل هى متميزة أم لا؟ وهل هى حالة
فى متميز أم لا؟ وهل هى قديمة أو حادثة؟ وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى؟ وما حقيقة
تعذيبها وتنعيمها؟ وغير ذلك من متعلقاتها، قال: وليس فى السؤال ما يخصص أحد هذه المعانى، إلا
أن الأظهر أنهم سألوه عن حقيقتها عن الماهية، والجواب يدل على أنها شىء موجود، مغاير للطبائع
والأخلاط وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرد، لا يحدث إلا بمحدث، وهو الله تعالى بقوله ((كن)). اهـ
فكأنه قال: هى موجودة، محدثة، بأمر الله وتكوينه، ولها تأثير فى إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم
من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيها، وفى الروح لغتان، تذكيرها وتأنيثها.
(فأسكت النبى ، فلم يرد عليه شيئاً ) أى سكت، وقيل: أطرق، وقيل: أعرض عنه، وفى
البخارى ((فأمسك النبى #، فلم يرد عليهم» زاد فى رواية له ((فقام متوكئا على العسيب، وأنا خلفه)».
( فعلمت أنه يوحى إليه) فى رواية للبخارى ((فظننت أنه يوحى إليه)) وفى أخرى له
((فقلت: إنه يوحى إليه)) وإطلاق العلم على الظن مشهور، وكذا إطلاق القول على ما يقع فى النفس،
وفى رواية ((فقام، وحنى من رأسه، فظننت أنه يوحى إليه)).
٤٠١
(فقمت مكانى) وفى رواية للبخارى ((فقمت مقامى)) وفى أخرى له ((فتأخرت عنه)) أى أدبا
معه، لئلا یتشوش بقربی منه.
( فلما نزل الوحى قال: ) فى رواية للبخارى ((حتى صعد الوحى، فقال: )) وفى رواية له
((فقمت فلما انجلى قال: )).
(﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِرَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَ قَلِيلاً﴾) قال
الإسماعيلى: يحتمل أن يكون جوابا، وأن الروح من جملة أمر الله، وأن يكون المراد أن الله اختص
بعلمه، ولا سؤال لأحد عنه، وفى ملحق الرواية ((وما أوتوا من العلم إلا قليلا)) و((إلا قليلا)) استثناء من
((العلم)) أى إلا علما قليلا، وقيل: الاستثناء من الإعطاء، أى إلا إعطاء قليلا، وقيل: الاستثناء من ضمير
المخاطبين، إلا قليلا منكم.
فقه الحديث
قال المازري: الكلام فى الروح والنفس مما يغمض ويدق، ومع هذا أكثر الناس فيه الكلام، وألفوا
فيه التآليف.
وقال أبو الحسن الأشعرى: هو النفس الداخل والخارج.
وقال ابن الباقلانى: هو متردد بين هذا الذى قاله الأشعرى، وبين الحياة.
وقيل: هو جسم لطيف، مشارك للأجسام الظاهرة، والأعضاء الظاهرة.
وقال الجمهور: هى معلومة، واختلفوا فيها على هذه الأقوال.
قال النووي: وليس فى الآية دليل على أنها لا تعلم، ولا أن النبى و لم يكن يعلمها، وإنما أجاب
بما فى الآية الكريمة، لأنه كان عندهم: أنه إن أجاب بتفسير للروح، فليس بنبى.
١- وفى الحديث أن العالم مهما أوتى من العلم، فعلمه قليل، وعليه أن يقول دائما: رب زدنى علما .:
٢- وفيه جواز سؤال العالم فى حال قيامه، ومشيه، إذا كان لا يثقل ذلك عليه.
٣- وفيه أدب الصحابة مع النبى ﴿.
٤- والعمل بما يغلب على الظن.
٥- والتوقف عن الجواب بالاجتهاد، لمن يتوقع النص.
٦- وأن بعض المعلومات، قد استأثر اللَّه بعلمه حقيقة.
٧- وما كان عليه النبى 8# حين يسأل عما لم ينزل عليه.
والله أعلم
٤٠٢
(٧٧١) باب فى مواقف للكفار والرد عليهم.
الذى قال: لأوتين مالا وولدا - وإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى-
الدخان - انشقاق القمر - ادعاء الند والولد
٢١٣٩ - ٣٥ عَنْ خَبَّابٍ(٣٥) قَالَ: كَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنٍ وَائِلٍ دَيْنٌ. فَتْتُهُ أَنْقَاضَاهُ. فَقَالَ
لِي. لَنْ أَقْضِيَكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي لَنْ أَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ خَتَّى تَمُوتُ ثُمَّ
تُبْعَثَ. قَالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ؟ فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَّدٍ. قَالَ
وَكِيعٌ: كَذَا قَالَ الأَعْمَشُ. قَالَ فَنَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الّْذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لِأُوتَيْنَّ
مَالًا وَوَلَدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿ وَيَأْتِيْنَا فَرْدًا﴾.
٦١٤٠- ٣٦. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الأَعْمَشِ(٣٦)، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ وَكِيعٍ، وَفِي حَدِيثٍ
جَرِيرٍ: قَالَ كُنْتُ قَيًّْا فِي الْجَاهِيَّةِ. فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ عَمّلا. فَأَيْتُهُ أَنْقَضَاهُ.
٦١٤١ - ٣ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٣٧) قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ! إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَنَّ
مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ انْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. فَنَزَلَتْ: ﴿ وَمَّا كَانُ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبُهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ
يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
٦١٤٢- ٣٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٣٨) قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلِ: هَلْ يُعَقِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ
أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَاتِ وَالْعُزَّى! لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَطَأَنَّ عَلَى رَقْتِهِ. أَوْ
لأُعَقَّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التِّرَابِ. قَالَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ﴿ وَهُوَ يُصَلِّي. زَعَمَ لِيَطَأْ عَلَى رَقْتِهِ. قَالَ:
فَمَّا فَجِتَهُمْ مِنْهُ إِلا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِيَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ. قَالَ فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ ◌َيْنِي
(٣٥) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي ◌َةً وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ الأَشُّ وَالَفْظُ لِعَبْدِ اللّهِ قَالَ حَدًِّا وَكِيمٌ حَدََّا الأَعْمَثُ عَنْ أَبِي الضُّحى
عَنْ مَسْرُوقِ عَنْ خَابٍ
(٣٦) حَدَّثْنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةٌ حٍ وَ حَدََّا ابْنُ ثُمَيْرٍ حَدََّا أَبِي حِ وحَدَّثَّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمْ أَخْبُرَّنَا جَرِيرٌ ح و حَدَّقَنَا
ابْنُ أَبِي عُمَّرَ حَدََّ سُفْيَاهُ كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَثِ بِهَذَا الإِسْنَاهِ
(٣٧) حَدَّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدََّا أَبِي حَدََّا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الزّيَادِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ
(٣٨) حَدََّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ قَالا حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِهِ حَدَّقِي ثُعَيْمُ بْنُ أَبِي مِنْدٍ عَنْ أَبِي
حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٤٠٣
وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهُوْلًا وَأَجْنِحَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «لَوْ دَنَا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ الْمَلائِكَةُ
عُضْوًا عُضْوًا». قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - لا تَدْرِي فِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ شَيْءٌ بَلَغَهُ -:
﴿كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴾ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴾
عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ﴾ أَوْ أَمَرَ بِالثّقْوَىِهِ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾
يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ كلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيّةِ نَاصِيَةٍ كَاذِيَةٍ
خَاطِئَةٍ ﴾ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ِ سَنّدْعُ الزََّائِيَةَ﴾ كَلا لا تُطِعْهُ﴾ زَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ قَالَ: وَأَمَرَهُ
بِمَا أَمَرَهُ بِهِ. وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾ يَعْنِي قَوْمَهُ.
باب الدخان
٦١٤٣ - ٣/٢٦ٍ عَنْ مَسْرُوقٍ(٣٩) قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ جُلُوسًا. وَهُوَ مُضْطَجِعٌ بَيْنَا. فَأَتَاهُ
رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! إِنَّ قَاصَّا عِنْدَ أَبْوَابِ كِنْدَةً يَقُصُّ وَيَزْعُمُ، أَنَّ آيَةَ الدُّخَانِ
تَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِأْفَاسِ الْكُفَّارِ. وَيَأْخُّذُ الْمُؤْمِيِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَجَلْسَ وَهُوَ
غَضْبَانُ: يَا أَيَّهَا الَّاسُ! الْقُوا اللَّةَ. مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ شَيْئًا، فَلْقُلْ بِمَا يَعْلَمُ. وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلْقُلٍ:
اللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنَّهُ أَعْلَمُ لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ، لِمَا لا يَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِّهِ
﴿: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُّكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكُلِّفِينَ﴾ إِنَّ رَسُولَ اللّهِلَ﴿ لَمَّا رَأَى مِنَ
النَّاسِ إِذْبَارًا. فَقَالَ: «اللَّهُمَّا سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ» قَالَ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ خَنِّى
أَكُلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْئَةَ مِنَ الْجُوعِ. وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ أَحَدُهُمْ فَيَرَى كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ. فَأَتَّاهُ أَبُو
سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدًا إِنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمٍ. وَإِنْ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا.
فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُون﴾ قَالَ: أَفَيُكْشَفُ عَذَابُ الآخِرَةِ؟ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ
الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ. وَقَدْ مَضَتْ آيَةُ الدُّخَانِ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللَّزَاءُ،
وَآيَةُ الرُّومِ.
٦١٤٤- ٢٠ْ عَنْ مَسْرُوقٍ(٤٠) قَالَ: جَاءً إِلَى عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ فَقَالَ: تَرَكْتُ فِي الْمَسْجِدِ رَجُلا
(٣٩) حَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقِ
(٤٠) حَدْثََّا أَبُو بَكْرِ بْنَّ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ حَ وَحَدَّفِي أَبُو سَعِيدِ الأشْجُّ أَخْبُرَنَا وَكِيعٍ حٍ وَحَدِّثْنَا غُْمَانُ بْنُ أَبِي
شَّةً حَدْقًّا جَِيَرٌ كُلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ حِ وحَدَّقَّا يَخْتَى بْنُ يَخْتِى وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِيَحْبَى قَالا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَّنٍ
الأَعْمَشِ عَنْ مَّسْلِمِ بْنِ صُبَنَّحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ
٤٠٤
يُفَسِّرُ الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ. يُفْسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. قَالَ: يَأْتِي النَّاسَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُخَادٌ فَيَأْخُذُ بِأَنْفَاسِهِمْ. حَتَّى يَأْخُذَهُمْ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَنْ عَلِمُ
عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ. وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلٍ: اللَّهُ أَعْلَمُ. مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ، لِمَا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ:
اللّهُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا كَانَ هَذَا؛ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَتْ عَلَى النّبِيِّ ◌ِ﴿٣، دَهَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كُسِبِي
يُوسُفَ. فَأَصَابَهُمْ قَخْطٌ وَجَهْدٌ. حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَسَيْرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَّهَيْئَةٍ
الدُّخَانِ مِنَ الْجَهْدِ. وَحَتَّى أَكُلُوا الْعِظَامَ. فَأَتَى النَّبِيِّ ◌ِ ﴿ رَجُلٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اسْتَغْفِرِ
اللَّةَ لِمُضَرَ فَإِنْهُمْ قَذْ هَلَكُوا، فَقَالَ: «لِمُضَرً؟ إِنْكَ لَجَرِيءٌ)» قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُمْ. فَأَنْزَّلَ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنْكُمْ عَائِدُونٍ﴾ قَالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ،
قَالَ: عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ. قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ
مُبِينٍ﴿ يَفْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾ قَالَ
يَعْنِي يَوْمَ بَدٍ.
٦١٤٥- ٤١ُ عَنْ عَبْدِ اللّهِ ﴾(٤١) قَالَ خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَاثُ، وَاللَّزَامُ، وَالرُّومُ،
وَالْبَطْشَةُ، وَالْقَمَرُ.
٦١٤٦ - ٣ عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ﴾(٤٢)، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلْنُذِيقَتْهُمْ مِنَ الْعَذَابِ
الأَذْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ قَالَ: مَصَائِبُ الدُّنْيَا، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، أَوِ الدُّخَانُ (ِشُعْبَةُ
الشَّاكُ فِي الْبَطْشَةِ أَوِ الدُّخَانِ).
باب انشقاق القمر
٦١٤٧ - ٤٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٤٣) قَالَ: الْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ بِشِقْتَيْنِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴾: «اشْهَدُوا».
(٤١) حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْقْنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ
- حَدََّا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ حَدَّقْتَا وَكِيغَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
(٤٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ قَالا حَدََّنَا مَحَمَّدُ بَنُ جَعْفَرٍ حَدَّنَا شُعْبَةُ حِ وَ حَدَّقْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَاللّفْظُ
لَّهُ حَدََّا غْدَرٌ عَنْ شُعْبَةً عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَزْرَّةً عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَبِيِّ عَنْ يَخْتِى بْنِ الْجَزَّارِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِّي لَيْلَى عَنْ أُبَيِّ
ابْنِ کغْبٍ
(٤٣) خَدَّثَنَا عَمْرٌوِ النّاقِدُ وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً عَنِ ابْنٍ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
٤٠٥
٦١٤٨- ت٤ٍُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾(٤٤) قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ بِمِنْى، إِذَا
الْفَلَقَ الْقَمَرُ لِلْقَتَيْنِ. فَكَانَتْ فِلْقَةٌ وَرَاءَ الْجَبْلِ، وَفِلْقَةٌ دُوّهُ. فَقَالَ لَّا رَسُولُ اللَّهِ:
«اشْهَدُوا».
٦١٤٩- °٢ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مُسْعُودٍ ﴾(٤٥) قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدٍ رَسُولِ اللَّهِ﴾
فِلْقَيْنِ فَسَعَرَ الْجَبْلُ فِلْقَةً. وَكَانَتْ فِلْقَةٌ فَوْقَ الْجَبَلِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ».
٦١٥٠- ١١ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ شُعْبَةً(١٠). بِسْنَادِ ابْنِ مُعَاذٍ عَنْ شُعْبَةً نَحْوَ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي
حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ. فَقَالَ: «اشْهَدُوا. اشْهَدُوا».
٢١٥١ - ٤٢ْ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٤٦)؛ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةٌ. فَأَرَاهُمُ
الْشِقَاقَ الْقَمَّرِ، مَرَّيْنِ.
٢١٥٢- ٤٧َ عَنْ آَنَسٍ ﴾ (٤٧) قَالَ: الْشَقَّ الْقَمْرُ فِرْقَتَيْنٍ. وَفِي حَدِيثٍ أَبِي دَاوُدّ: انْشَقَّ
الْقَمَّرُ عَلَى عَهْدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ .
٦١٥٣ - ٤ُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٤٨) قَالَ: إِنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ عَلَى زَمَانِ رَسُولٍ
اللَّهِ عِ﴾ .
(٤٤) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيّةً ح وِ حَدَّنَا عُمَّرُ بْنُ حَفْصٍ بُنِ غِيَّاتٍ
حَدََّا أَبِي كِلَاهُمَّا عَنِ الأَعْمَشِ حِ وحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُّ الْحَارِثِ التّمِيمِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ أَخْبُوَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ
إِنراهِیمَ عَنْ أُبي معمرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ ئْنٍ مُسْعُودٍ
(٤٥) حَدََّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثْنَا أَبِي حَدَّقَنَا شَعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمِّرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مَسْعُودٍ
- حَدَّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَََّّا أَبِي حَدَّثَنَا شَعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِْ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ عَنِ الِّيِّ ﴿ مِعْلَ ذَلِكَ.
(٠٠) وحَدَّقَيِهِ بِشْرُ ابْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِحِ وَحَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ حَذََّا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ كِلاهُمَا عَنْ شَعْبَةً
(٤٦) حَدَّثَتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالا حَدَّثََّا يُؤنُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدْقَا شَيْبَانُ حَدَّْا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ
- وحَدَِّيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدََّا عَبْدُ الرََّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنْسٍ بِمَغْنَى حَدِيثِ شْيَاهُ
(٤٧) وحَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَأَبُو دَاوُدٌ ح وحَدََّا ابْنُ بَشَارٍ حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ
وَأَبُو دَاوُدَ كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةً عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَّبٍ
(٤٨) حَدْقًّا مُوسَى بْنُ فُرَيْشِ التَّحِيحِيُّ حَدَّثَنَا إِسْخَقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ حَدَِّي أَبِي حَدََّا جَعْفَرُ بْنُ رَبِعَةٌ عَنْ عِرَاكِ بْنٍ مَالِكٍ عَنْ
◌ُبَيْدِ اللّهِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنٍ مَسْعُوٍ عَنِ ابْنٍ عَّاسٍ
٤٠٦
بَاب لا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَنَّى مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
٦١٥٤- ٣ٍّ عَنْ أَبِي مُوسَى(٤٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «لا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذِى
يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ، وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ، ثُمَّ هُوَ يُعَافِهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ)».
٦١٥٥ - :: عَنْ أَبِي مُوسَى(١٠)، عَنِ النّبِيِّ ﴾. بِمِثْلِهِ. إِلا قَوْلَهُ: «وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ» فَإِنَّهُ
لَمْ يَذْكُرْهُ.
٦١٥٦- جْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ قَيْسٍ ﴾(٥٠): قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى
أَذِى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا، وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْزُقُهُمْ
وَيُعَافِيهِمْ وَيُعْطِيهِمْ».
المعنى العام
لقد لاقى الرسول # وكثير من صحابته الذين أسلموا قديماً، أنواعاً من الأذى والعنت
والاضطهاد، وقد خصصنا باباً سبق لما لاقاه صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين.
وفى هذا الباب نجد ألواناً أخرى، وصوراً أخرى.
فهذا خباب بن الأرت، كان عبداً حداداً، يسلم سادس ستة، فيضطهده عتاة قريش، ويستخدمونه
فى صناعة سيوفهم، ولايدفعون أجره، بل يسخرون منه، ويستهزئون به وبعقيدته فى اليوم الآخر.
يذهب إلى العاص بن وائل، يطلب منه أجره، فيقول له: لن أعطيك أجرك، حتى تكفر بمحمد، فيقول
له خباب: لن أكفر بمحمد، حتى لومت ثم بعثت، فيقول له: وهل هناك بعث؟ إن هى إلا أرحام
تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر، إن صدقت ياخباب أن هناك بعثاً، فانتظر بأجرك يوم أبعث،
ويبعث مالى وأولادى، فأقضيك دينك. فينزل قوله تعالى ﴿أَفْرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا
وَوَلَدَاهِ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ كلا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَتَمَّدُّلَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدَّاهِ
وَذَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٧-٨٠].
(٤٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدْقَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَأَبُو أُسَامَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَّبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ
آبي مُوسَی
(٠٠) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَبْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَ حَدَّقَا وَكِيعٌ حَدْنَ الأَعْمَشُ حَدََّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ
الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى
(٥٠) وِحَدَّثَفِي غَيْدُ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ حَدََّا أَبُو أُسَامَةٌ عَنِ الأَعْمَشِ حَدَّقَا سَعِيدُ بْنُّ جُبْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَّنِ السُّلَمِيِّ قَالْ قَالَ عَبْدُ
اللّهِ بْنُ قَيْسٍ
٤٠٧
وهذا أبو جهل وعصابته، يسخرون من الوعيد بالعذاب، فيقولون: اللهم إن كان هذا هو الحق من
عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فينزل القرآن الكريم بقوله تعالى ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
ويحاول أبو جهل أن يمنع الرسول{ من صلاته، فينزل ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ أَنْ رَآهُ
اسْتَغْنَى﴾ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَىِ ﴾ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾
أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىِ﴾ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بَأَنَّ اللَّهَ يَزَّى ﴾ كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَّهِ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَّةِ﴾
نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ فَلْيَدْعُ نَادِيَهِ سَنَّدْعُ الرَّبَانِيَةَ ﴾ [العلق: ٦ -١٨].
ويطلب طغاة قريش من رسول اللَّه # آية كبرى حسية، فينشق القمر نصفين، فيقول لهم:
اشهدوا. اشهدوا، فیشهدون، ثم ینکرون.
وهكذا نجد الكافرين يحاربون ربهم الذى خلقهم ورزقهم، ويشركون به، وينسبون له الند والولد،
ومع ذلك يملى لهم، ويحلم عنهم، ويرزقهم، حتى إذا كان يوم القيامة عاقبهم بنارلم يروا مثلها، يهون
أمامها كل نعيم تنعموا به فى دنياهم، حتى يتمنى الواحد منهم أن يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه
وصاحبته وأخيه، وفصيلته التى تؤويه. ومن فى الأرض جميعاً ثم ينجيه. كلا. يقولون: لو أن لذا كرة
فنكون من المؤمنين. ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون. فيقال لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون،
لقد أمركم فى الدنيا بكلمة سهلة أن توحدوه، فعصيتم، ولو رددتم لعدتم لما نهيتم عنه. إنكم لظالمون.
المباحث العربية
( عن خباب قال: كان لى على العاص بن وائل دين ) فى ملحق الرواية («كنت قينا فى
الجاهلية، فعملت للعاص بن وائل عملا (القين)) بفتح القاف الحداد، وخباب بن الأرت، بتشديد
التاء، سبى فى الجاهلية، فبيع بمكة، فكان مولى أم أنمار الخزاعية. من السابقين إلى الإسلام، قيل
إنه أسلم سادس ستة، وكان من المستضعفين، وعذب عذاباً شديداً لأجل ذلك، وكان حداداً، يعمل
السيوف، وجاهد جهاداً كبيراً. شهد بدراً وكل المشاهد بعدها، ونزل الكوفة ومات بها سنة سبع
وثلاثين، والعاص والد عمرو بن العاص، وكان له قدر فى الجاهلية، وكان من حكام قريش، ولم يوفق
للإسلام، وكان موته بمكة، قبل الهجرة.
( لن أكفر بمحمد حتى تموت، ثم تبعث ) ليس مراده أن يكفر بعد هذه الغاية، بل لن أكفر
بمحمد أبداً، لأنه بعد البعث لاكفران بمحمد أبداً، وفى كلامه إثبات للبعث الذى ينكره العاص.
( قال: وإنى لمبعوث من بعد الموت؟ ) الكلام على الاستفهام الاستبعادى، أو الإنكارى.
( فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد ) يستهزئ ويسخر من البعث، وكأنه يربط
قضاء الدين بالمستحيل فى نظره.
٤٠٨
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا هِ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَا﴾
كَلَا سَنَّكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَّمُذٌّلَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدَّا ﴾ وَذَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٧-٨٠].
( قال أبوجهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من
السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) نسب هذا القول إلى جماعة كثيرة من سفهاء قريش، فلعله أول
من قالها، وتبعه الآخرون أو رضوا به، فنسب إليهم.
(فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسَّجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [الأنفال: ٣٣-٣٤]) روى ابن
جرير «أنهم قالوا ذلك، ثم لما أمسوا ندموا، فقالوا: غفرانَك اللهم، فَأَنزل اللَّهِ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ
وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾)) وأخرج الطبرى أيضاً ((كان رسول اللَّه ◌َ﴿ بمكة، فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ ثم خرج إلى المدينة، وبقى من بقى بمكة من المسلمين يستغفرون، فأنزل الله
تعالى ﴿وَمَا كَانَ اَللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ فلما خرجوا أنزل اللّه تعالى ﴿وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ
وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فأذن اللَّه فى فتح مكة، فهو العذاب الذى وعدهم اللَّه تعالى)).
( عن أبى هريرة قال: قال أبوجهل ) هذا مرسل، إذ لم يدرك أبو هريرة أبا جهل.
( هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ ) أى بسجوده على الأرض قالوا: نعم.
( فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك، لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه
فى التراب، فأتى رسول اللَّه : وهو يصلى زعم ليطأ على رقبته ) تنفيذا لتهديده أى فذهب
نحوه.
( فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه) بكسر الجيم، ويقال أيضاً((فجأهم)) بفتح
الجيم، لغتان، فى رواية النسائى ((فلم يفجأهم منه .... )) و((ينكص)) بكسر الكاف، رجع على عقبيه،
یمشی علی ورائه.
( قال: إن بينى وبينه لخندقاً من نار، وهولا، وأجنحة ) قال النووى: لهذا الحديث أمثلة
كثيرة فى عصمته صلى الله عليه وسلم من أبى جهل وغيره، ممن أراد به ضرراً.
( لودنا منى لأختطفته الملائكة عضوا عضوا) عند البلاذرى ((نزل اثنا عشر ملكاً من
الزبانية، رءوسهم فى السماء، وأرجلهم فى الأرض)) وفى رواية ((فبلغ النبى 8#. أى ما قال أبو جهل،
فقال: لو دنا ... )) إلخ.
( إن قاصاً عند أبواب كندة يقص، ويزعم أن آية الدخان تجىء، فتأخذ بأنفاس
الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام ) باب كندة باب من أبواب الكوفة، والقاص هو
٤٠٩
الحاكى الذى يعظ بالقصص والحكايات، وظاهر مراد القاص أن آية الدخان تقع فى الآخرة وأنها
ستكون يوم القيامة.
( فقال عبد اللَّه، وجلس وهو غضبان: ياأيها الناس، اتقوا الله. من علم منكم شيئاً،
فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم، فليقل: اللَّه أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم:
اللّه أعلم. فإن الله عز وجل قال لنبيه :﴿ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِوَمَا أَنَا مِنْ
الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] إِن رسول اللّهِ:﴿ لما رأى من الناس إدباراً فقالَ: اللهم سبع
كسبع يوسف. قال: فأخذتهم سنة حصت كل شىء [أى استأصلته] حتى أكلوا الجلود
والميتة من الجوع، وينظر إلى المساء أحدهم، فيرى كهيئة الدخان ) إلى آخر الحديث.
وهكذا يرى ابن مسعود أنها فى الدنيا، وأنها وقعت فعلا فى السنين الماضية. ويستدل ابن مسعود
على رأيه بقوله:
( أفيكشف عذاب الآخرة؟ ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾
[الدخان: ١٦]؟ فالبطشة يوم بدر، وقد مضت آية الدخان والبطشة واللزام وآية
الروم) واللزام المراد به قوله تعالى ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَّامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] أى يكون عذابهم
لازما، قالوا: وهو ما جرى عليهم يوم بدر، من القتل والأسر، وهى البطشة الكبرى.
(انشق القمر على عهد رسول اللّه:# بشقتين) فى الرواية التاسعة ((فكانت فلقة وراء
الجبل، وفلقة دونه)) وفى الرواية الحادية عشرة ((أن أهل مكة سألوا رسول اللَّه ﴿ أن يريهم آية،
فأراهم انشقاق القمر مرتين)» وفى الرواية العاشرة ((فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل))
وجمهور العلماء، على أن ذلك الانشقاق كان بمكة، قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وقبيل هجرة
الحبشة.
( لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّه، إنه يشرك به، ويجعل له الولد، ثم يعافيهم
ويرزقهم) وفى الرواية الرابعة عشرة «إنهم يجعلون له ندا، ويجعلون له ولدا، وهو مع ذلك يرزقهم
ويعافيهم ويعطيهم)».
قال النووى: قال العلماء: معناه أن اللَّه تعالى واسع الحلم، حتى على الكافر الذى ينسب إليه
الولد والند. وقال المازري: حقيقة الصبر منع النفس من الانتقام أو غيره، فالصبر نتيجة الامتناع،
فأطلق اسم الصبر على الامتناع، فى حق اللّه تعالى لذلك، قال القاضى: والصبور من أسماء الله
تعالى، وهو الذى لا يعاجل العصاة بالانتقام، وهو بمعنى الحليم فى أسمائه سبحانه وتعالى، والحليم
هو الصفوح، مع القدرة على الانتقام.
٤١٠
فقه الحديث
ويؤخذ من الأحاديث
١- من الرواية الأولى مدى ما لاقى أصحاب رسول اللَّه ◌َ ﴿ الأولون من العنت والقهر.
٢- واستهزاء الكفار بالبعث، والسخرية من المؤمنين به.
٣- وأن القرآن رد عليهم بالتهديد والوعيد.
٤- ومن الرواية الثالثة محاربة أبى جهل وطغيانه مع رسول اللّه ﴾.
٥- وحماية اللَّه لرسوله، ودفاعه عنه.
٦- وتهديد القرآن الكريم لأبى جهل، وقد أنجز الله الوعيد فى بدر وبقى له الوعيد بالزبانية.
٧- معجزة الدخان.
٨- ومعجزة انشقاق القمر. قال القاضى: انشقاق القمر من أمهات معجزات نبينا ®®، وقد رواها عدة
من الصحابة، رضى الله عنهم، مع ظاهر الآية الكريمة وسياقها. قال الزجاج: وقد أنكرها بعض
المبتدعة المضاهين، المخالفى الملة، وذلك لما أعمى الله قلبه، ولا إنكار للعقل فيها، لأن القمر
مخلوق للَّه تعالى، ويفعل فيه ما يشاء، كما يفنيه، ويكوره فى آخر أمره.
وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا لنقل متواتراً، واشترك أهل الأرض كلهم فى معرفته، ولم
يختص بها أهل مكة، فأجاب العلماء بأن هذا الانشقاق حصل فى الليل، ومعظم الناس نيام
غافلون، والأبواب مغلقة، وهم متغطون بثيابهم، فقل من يتفكر فى السماء، أو ينظر إليها إلا الشاذ
النادر، ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر وغيره من العجائب والأنوار الطوالح والشهب
العظام وغير ذلك مما يحدث فى السماء فى الليل، يقع، ولا يتحدث بها إلا الآحاد، ولا علم عند
غيرهم، لما ذكرناه، وكان هذا الانشقاق آية حصلت فى الليل، لقوم سألوها، واقترحوا رؤيتها، فلم
يتنبه غيرهم لها، قالوا: وقد يكون القمر كان حينئذ فى بعض المجارى والمنازل التى تظهر لبعض
الآفاق، دون بعض، كما يكون ظاهراً لقوم، غائباً عن قوم، كما يجد الكسوف قوم دون قوم، وأهل
بلد، دون أهل بلد.
واللَّه أعلم
٤١١
(٧٧٢) باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهباً
٢١٠٠٦١٥٧ْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٥١)، عَنِ النّبِيِّ : ﴿ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
لأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ كَانَتْ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ:
قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَةٌ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَنْ لا تُشْرِكَ (أَحْسِبُهُ قَالَ) وَلا أُدْخِلَكَ
النَّارَ. فَأَبَيْتَ إِلا الشِّرْكَ».
٦١٥٨- ١٠ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١١)، عَنِ النَّبِيِّ﴾. بِمِفْلِهِ، إِلا فَوْلَهُ «وَلا
أُدْخِلَكَ النَّارَ» فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ.
٦١٥٩- ٣ْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٥٢)؛ أَنَّ النّبِيِّ :﴿ قَالَ: «يُقَالُ لِلْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:
أَرَأَيْتَ لَوْ كَانٌ لّكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا، أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ
أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ».
٦١٦٠- ٣°ْ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٥٣)، عَنِ النّبِيِّ ◌َ. بِمِثْلِهِ غَيْرَ أَنْهُ قَالَ: «فَيُقَالُ لَهُ: كَذَّبْتَ.
قَدْ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ».
٦١٦١- شُرْ عَنْ آنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٥٤)؛ أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ
الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْفِيَامَةِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، قَادِرًا عَلَى أَن
يُمْشِيَةُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى. وَعِزَّةٍ رَبِّنَا.
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ
(٥١) حَدَّا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّقَا أَبِي حَدْقَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانُ الْجَوْلِيِّ عَنْ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ
(٠٠) حَدََّاه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَنْسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ
(٥٢) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ الْقَوَارِبِرِيُّ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ وَمُحَمِّدُ بْنُ الْمُغْنِى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَّنًا وقَالَ الآخَرُونَ
حَدْثََّا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَّا أَبِي ◌َنْ قَتَادَةَ حَدَّثََّا عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
(٥٣) وحَدََّا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ حَدَّثْنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةً ح وَحَدَّفِي عَمْرُو بْنُ زُوَارَةَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ يَعْنِي ابْنَ عَطّاءٍ كِلاهُمَا عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ
(٥٤) حَدَّثَِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ وَاللَّفْظُ لِؤُهَيْرٍ قَالا حَدَّثَمَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَيْيَانُ عَنْ قَتَادَةً حَدَّثَنَا أَنْسُ بْنُ
مَالِكٍ
٤١٢
افْتَدَى بهِ﴾ [آل عمران: ٩١] ويقول ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُّونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] ويقول ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ
يَفْتَدِي مِنْ عَذَابٍ يَوْمِئِذٍ بِبَذِهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ
· يُنجِيهِ﴿ كَلاَ﴾ [المعارج: ١١ - ١٥].
إن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة تصغر الدنيا كلها أمام هول ما يلاقى، فكيف بمن عظمت
ناره، واشتد عذابه. إن اللَّه تعالى سيبكت الظالمين والكافرين يوم القيامة، لإيلامهم النفسى مع
آلامهم الجسمية، فيقول لهم: لو أن لكم ملك الأرض كلها، ورجعتم إلى الدنيا، وطلب منكم أن تفدوا
أنفسكم بما تملكون، أكنتم تفدون أنفسكم بما تملكون؟ فيقولون: نعم، فيقال لهم: كذبتم فقد طلب
منكم طلب يسير جداً، ليكون فداء لعذابكم، أن لا تشركوا بالله شيئاً، فأشركتم، ولو رددتم لعدتم.
المباحث العربية
( قد أردت منك أهون من هذا ) قال النووى: المراد بأردت، طلبت منك، وأمرتك، وقد
أوضحه فى الروايتين الأخيرتين، بقوله ((قد سئلت أيسر)) فيتعين تأويل ((أردت)) على ذلك جمعا بين
الروايات، لأنه يستحيل - عند أهل الحق - أن يريد اللَّه تعالى شيئًا، فلا يقع.
( كذبت ) معناه أن يقال له: لورددناك إلى الدنيا، وكانت لك كلها، أكنت تفتدى بها؟ فيقول:
نعم، فيقال له: كذبت، قد سئلت أيسر من ذلك، فأبيت، ويكون هذا من معنى قوله تعالى ﴿ وَلَوْ رُدُّوا
لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ولابد من هذا التأويل، ليجمع بينه وبين قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ
ظَلّمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوء الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٤٧] أى لو
كان لهم يوم القيامةَ ما فى الأرض جميعاً، ومثله معه، وأمكنَهم الافتداء، لافتدوا.
فقه الحديث
قال النووى: مذهب أهل الحق أن اللَّه تعالى مريد لجميع الكائنات، خيرها وشرها، ومنها الإيمان
والكفر، فهو سبحانه وتعالى، مريد لإيمان المؤمن، ومريد لكفر الكافر، خلافاً للمعتزلة، فى قولهم: إنه
أراد إيمان الكافر، ولم يرد كفره، تعالى الله عن قولهم الباطل، فإنه يلزم من قولهم، إثبات العجز فى
حقه سبحانه، وأنه وقع فى ملكه ما لم يرده.
قال: وأما هذا الحديث فقد بينا تأويله، وأن المراد من ((أردت منك)) أمرتك بدلالة الروايات
الأخرى.
قال: وفى هذا الحديث دليل على أنه يجوز أن يقول الإنسان: اللَّه يقول، وقد أنكره بعض السلف،
وقال: يكره أن يقول: اللَّه يقول: وإنما يقال: قال اللّه.
والصواب جوازه، وبه قال عامة العلماء من السلف والخلف، وبه جاء القرآن العزيز، فى قوله تعالى
﴿ وَاللَّهُ يُقوِّل الْحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤] وفى الصحيحين أحاديث كثيرة مثل هذا.
٤١٣
(٧٧٣) باب جزاء المؤمن بحسناته فى الدنيا والآخرة
وتعجيل جزاء حسنات الكافر فى الدنيا
٦١٦٢- °°ْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٥٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿لَ: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلٍ
الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ النَّارِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةٌ، ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ! هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا
قَطٌ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُ؟ فَيَقُولُ: لا. وَاللَّهِ: يَا رَبِّ] وَيُؤْثَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ
أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَيُصْبَغُ صَبْغَةٌ فِي الْجَنَّةِ فَيْقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ! هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ
شِدَّةٌ قَطِ؟ فَيَقُولُ: لا. وَاللَّهِ! يَا رَبِّا مَا مَرَّ بِي بُؤْسَ قَطُ. وَلا رَأَيْتُ شِدَّةٌ قَطُ)).
٦١٦٣ - ٦ْ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ﴾(٥٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِعَ﴿ّ: «إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا
حَسَّةً. يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتٍ مَا عَمِلَ بِهَا
لِلّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ. لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا».
٦١٦٤ - ٣ِبْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٥٧)؛ أَنْهُ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِف ◌َ: «إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا
عَمِلَ حَسَنَةٌ أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةٌ مِنَ الدُّنْيَا وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الآخِرَةِ
وَيُعْقِيُّهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا، عَلَى طَاعَتِهِ».
المعنى العام
يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، يوم القيامة، واختير الأنعم، لأن غير الأنعم سيكون جوابه
كجوابه من باب أولى.
: أما أن الجنة لمن آمن، والنار لمن كفر، وإن اللَّه لا يغفر أن يشرك به، ويغفرما دون ذلك لمن
يشاء، فهو أمر مقرر، وما يعطاه الكافر من نعيم فى الدنيا من مال وصحة وولد وراحة بال وعلو
منصب، ورفعة مقدار، إنما هو فى مقابل ما يعمل من حسنات، فإذا لم يكن قدم شيئاً من الحسنات،
فنعيمه الدنيوى يزيد من عذابه الأخروى، أما إذا نعم فى الدنيا فما له فى الآخرة من نصيب، ويقال
له: أذهبت طيباتك فى حياتك الدنيا واستمتعت بها، فاليوم تجزى عذاب الهون.
(٥٥) حَدَّثَّا عَمْرٌو النَّقِدُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبُرَنَا حَمَادُ بْنُ سَلَمَّةً عَنْ ثَابِتِ الُْنَّالِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(٥٦) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ قَالا حَدََّا يَزِيدُ أَبْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَاَ هَمَّامُ بْنُ يَحْتِى عَنْ قَتَادَةً عَنْ
أنس بن مالك
(٥٧) حَذْقَاَ عَاصِمُ بْنُ النَّصْرِ التَّيْهِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
- حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِيُّ أَخْبَرَنًا عَبْدُ الْوَّهْابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةً عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ُ بِمَعْنَى
حديثهمًا
٤١٤
المباحث العربية
( فيصبغ فى النار صبغة ) أى يغمس فى النار غمسة، والصبغة بفتح الصاد الغمسة.
( هل مربك نعيم قط؟ فيقول: لا واللَّه يارب ) لأنه أمام العذاب ينسى كل نعيم سابق.
( ويؤتى بأشد الناس بؤساً ) بالهمز، وهو الشدة.
( فيصبغ صبغة فى الجنة ) أى يمر به نسيم الجنة. فينسى كل شقاء مربه فى الدنيا.
( إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة، يعطى بها فى الدنيا، ويجزى بها فى الآخرة ) وقد
يحفظ الجزاء كله له للآخرة.
( وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها للَّه فى الدنيا، حتى إذا أفضى إلى
الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها ) أى ولا يظلم كافرا حسنة، فكل حسنة يعملها لله، يجزى
بها نعيماً ومتعه فى الدنيا، من غنى أوصحة أو أولاد أو نحو ذلك.
فقه الحديث
قال النووى: أجمع العلماء على أن الكافر، الذى مات على كفره، لا ثواب له فى الآخرة ولا يجازى
فيها بشىء من عمله فى الدنيا، متقرباً به إلى اللَّه تعالى.
وصرح فى هذا الحديث بأنه يطعم فى الدنيا بما عمله من الحسنات، أى مما فعله، متقرباً به إلى
اللَّه تعالى، مما لا يفتقر إلى النية، كصلة الرحم، والصدقة، والعتق، والضيافة وتسهيل الخيرات
ونحوها.
وأما المؤمن فيدخر له حسناته، وثواب أعماله فى الآخرة، ويجزى بها ذلك أيضاً فى الدنيا، ولا
مانع من جزائه بها فى الدنيا والآخرة، وقد ورد الشرع به، فيجب اعتقاده.
ثم قال: وأما إذا فعل الكافر مثل هذه الحسنات، ثم أسلم، فإنه يثاب عليها فى الآخرة على
المذهب الصحيح. اهـ
أقول: إن كان مرادهم أن الكافر لا ينتفع بما عمل من حسنات الدنيا نعيمًا فى الآخرة، فمسلم،
لأن حسناته الدنيوية مهما عظمت، فعقوبة الكفر أعظم، فلا جنة، ولا نعيمًا، وإن أرادوا أنه لا ينتفع
بها فى الآخرة إطلاقًا، ففيه نظر، لأنه قد لا ينتفع بها فى الدنيا، فمقتضى العدل أن ينتفع بها فى
الآخرة تخفيفًا من العذاب، وليس الكفار فى الآخرة فى نار واحدة، ودرجة تعذيب واحدة، وقد علمنا
أن أبا طالب يخفف عنه العذاب بما عمل فى الدنيا، فلا مانع من أن يخفف عنه شيئاً من العذاب
لقاء ما قدم.
٤١٥
(٧٧٤) باب مثل المؤمن كالزرع،
ومثل المنافق والكافر كالأرزة
٦١٦٥ - ٨°ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٥٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كْمَثَلٍ
الزِّرْعِ. لا تَزَالُ الرِّيحُ ثُمِيلُهُ، وَلا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلٍ شَجَرَةٍ
الأَرْزِ. لا تَهْتَزُّ حَتَّى تَسْتَحْصِدَ)».
٦١٦٦ - :﴿ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ(١٠)، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ عَبْدِ الرَّزَّاقِ - مُكَّانَ قَوْلِهٍ
تُمِيلُهُ - «تُقِيتُهُ».
٦١٦٧ - ٢٩ْ عَنِ ابْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِهِ ﴾(٥٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ
كَمَّثَلٍ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ. تُفِيُّهَا الرِّيحُ. تَصْرَعُهَا مَرَّةٌ وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى. خَتَّى تَهِيجَ. وَمَثَلُ الْكَافِرِ
كَمَثَلِ الأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا. لا يُفِيتُهَا شَيْءٌ. حَتَّى يَكُونُ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً».
٦١٦٨- ٣٠ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ(٢٠)، عَنْ أَبِيهِ ﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ
*: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ. تُفِيُهَا الرِّيَاحُ. تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا. حَتَّى يَأْتَهُ
أَجْلُهُ. وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ، الْتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ. خَتَّى يَكُونَ انْجِعَاقُهَا مَرَّةُ
وَاحِدَةً».
٦١٦٩ - ٦١ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِهِ عَ﴾(٦١)، عَنِ الْنِّيَّ ◌ِ ﴾.
غَيْرَ أَنَّ مَحْمُودًا قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ بِشْرٍ: «وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ». وَأَمَّا ابْنُ حَاتِمٍ
فَقَالَ: «مَثَلُ الْمُغَافِقِ» كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ.
(٥٨) حَدَّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٠) حَذْقَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمّيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مُعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(٥٩) حَدَِّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيَّ شَيْئَةٌ حَدْثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُمَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بِنُ بِشْرٍ قَالا حَدْقَا ذَكْرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمٌ
حَدَِّي ابْنُ كَعْبَ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ
(٦٠) حَدَّتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنْ سَعْدٍ بْنِ إِنْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِهِ
(٦١) وحَلْقَيِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانْ قَالا حَدََّا بِشْرُ بْنُ السَّرِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنْ سَعْدِ بْنٍ إِنْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ
٤١٦
٦١٧٠- ٦٣ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِهِ ﴾(٦٢)، عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴾. بِنَحْوٍ
حَدِيثِهِمْ. وَقَالَ جَمِيعًا فِي حَدِيثِهِمَا عَنْ يَحْيَى: «وَمَثَلُ الْكَافِرِ مَثَلُ الأَرْزَةِ».
المعنى العام
ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من
خطاياه، ورفع له بها من درجاته.
وقد روى ((أن رسول اللّه # طرقه وجع، فجعل يتقلب على فراشه، ويشتكى، فقالت له عائشة: لو
صنع هذا بعضناً لوجدت عليه؟ فقال: إن الصالحين يشدد عليهم، وإنه لا يصيب المؤمن نكبة، شوكة
فما فوقها، إلا كتب اللَّه له بها حسنة، ورفع له بها درجة)).
وهكذا نجد الأحاديث الصحيحة صريحة فى ثبوت الأجر، بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر
والرضا، فقدر زائد، يمكن أن يثاب عليه، زيادة على ثواب المصيبة.
وقد فتح اللَّه للمسلم أبواب تكفير السيئات ورفع الدرجات، فكان حال المسلم خيرا كله، إن
أصابته نعماء فشكر، كان خيراً له، وإن أصابته ضراء، فصبر، كان خيراً له.
فالمؤمن حيث جاءه أمر الله انطاع له، أما الكافر، والفاجر والمنافق، فقد يمدهم الله بالنعم
الكثيرة مداً، لكنه - كما قال جل شأنه ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا
نُمْلِي لَهُمْ لِيَرْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [آل عمران: ١٧٨].
وكثيراً لا يتفقد اللَّه الكافر باختباره، بل يهيئ له التيسير فى الدنيا، ليتعسر عليه الحال فى المعاد،
حتى إذا أراد إهلاكه قصمه، فيكون موته أشد عذاباً عليه.
المباحث العربية
( مثل المؤمن كمثل الزرع ) المثل هنا يراد به الصفة، أى صفة المؤمن، كصفة الزرع، أى
صاحب العود الضعيف اللين، وفى الرواية الثانية والثالثة ((مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع))
و((الخامة)) بالميم المخففة الطاقة والقصبة اللينة من الزرع، وألفها منقلبة عن واو.
(٦٢) وحَدَّثََّاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِم قَالا حَدَّثَنَا يَحْتِى وَهُوَ الْقَطِّدُ عَنْ سُفْيَانُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ابْنُ هَاهِمٍ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ كَعْبِ بْنِّ مَالِكٍ عَنْ أَبِهِ وَقَالُّ ابْنُ بَشَّارٍ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ
٤١٧
( لايزال الريح تميله ) أى تميل الزرع يمينا وشمالا، وفى الرواية الثانية ((كمثل الخامة من
الزرع، تفيئها الريح)) أى تميلها الريح ((تصرعها مرة، وتعدلها أخرى)) أى تخفضها مرة، وترفعها أخرى
((حتى تهيج)) أى حتى تستوى ويكمل نضجها، وتيبس. وفى الرواية الثالثة ((تفيئها الرياح، تصرعها
مرة، وتعدلها)).
( ولايزال المؤمن يصيبه البلاء ) هذه هى حالة المشبه، أى شبهنا المؤمن فى كثرة أمراضه
وابتلائه وهمومه وأحزانه، بالزرعة الضعيفة فى كثرة تأثرها بالرياح.
( ومثل المنافق، كمثل شجرة الأرز، لاتهتز، حتى تستحصد ) بفتح التاء الأولى والثانية،
وكسر الصاد، قال النووى: كذا ضبطناه، وكذا نقله القاضى عن رواية الأكثرين، أى يقوم بها الحصد،
وعن بعضهم بضم أوله وفتح الصاد، على ما لم يسم فاعله، أى حتى يقع عليها الحصد، قال: والأول
أجود، أى لا تتغير، حتى تنقلع مرة واحدة، وفى الرواية الثانية ((ومثل الكافر)) وفى رواية للبخارى
((ومثل الفاجر)» والأرزة بفتح الهمزة، وراء ساكنة، ثم زاى، قال النووى: هذا هو المشهور فى ضبطها
وهو المعروف فى الروايات وكتب الغريب، وذكر الجوهرى وصاحب نهاية الغريب أنها تقال أيضاً
بفتح الراء، وقال بعضهم: هى الآرزة بالمد وكسر الراء، على وزن الفاعلة، وأنكرها أبو عبيد، وقد قال
أهل اللغة: الآرزة بالمد، هى الثابتة، قال النووي: وهذا المعنى صحيح هنا، فإنكار أبى عبيد محمول
على إنكار روايتها كذلك، لا إنكار صحة معناها، قال أهل اللغة والغريب: الأرز شجر معروف، يقال له
الأرزن، يشبه شجر الصنوبر، بفتح الصاد يكون بالشام وبلاد الأردن، وقيل: هو الصنوبر.
وفى الرواية الثانية ((ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذبة على أصلها)) أى الثابتة المنتصبة على
جذرها، و((مجذبة)) بضم الميم وسكون الجيم وكسر الذال، وفتح الباء، يقال: جذب يجذب، وأجذب
يجذب.
( لايفيئها شىء، حتى يكون انجعافها مرة واحدة ) والانجعاف الانقلاع.
فقه الحديث
المؤمن كثير الآلام فى بدنه وأهله وماله، وذلك مكفر لسيئاته، ورافع لدرجاته، وأما الكافر فقليل
الآلام، وإن وقع به شىء لم يكفر شيئاً من سيئاته، بل يأتى بها يوم القيامة كاملة، وهذه الحال هى
الغالبة والكثيرة فى حال الاثنين.
وفى الحديث تشبيه المعقول بالمحسوس للإيضاح، وليستقر فى النفس فضل استقرار.
واللَّه أعلم .
٤١٨
(٧٧٥) باب مثل المؤمن مثل النخلة
٦١٧١ - ٦٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٦٣) يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَلَ: «إِنَّ
مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لا يَسْقُطُ وَرَقُّهَا. وَإِنْهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ. فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي
شَجَرِ الْبَوَادِي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنْهَا النَّخْلَةُ. فَاسْتَحْتَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا
هِيَ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ فَقَالَ: «هِيَّ النَّخْلَةُ)) قَالَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ. قَالَ: لِأَنْ تَكُون قُلْتَ:
هِيَّ النّخْلَةُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
٦١٧٢ - ٤ُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٦٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ يَوْمًا لأَصْحَابِهِ:
«أَخْبِرُونِي عَنْ شَجَرَةٍ، مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنٍ». فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَذْكُرُونٌ شَجَرًا مِنْ شَجَرِ الْبَوَادِي.
قَالَ ابْنُ عُمّرَ: وَأُلْقِيَ فِي نَفْسِي أَوْ رُوعِيَ، أَنَّهَا النَّخْلَةُ. فَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهَا. فَإِذَا أَسْنَاكُ
الْقَوْمِ، فَأَهَابُ أَنْ أَتَكَلَّمَ. فَلَمَّا سَكَنُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ : «هِيِّ النَّخْلَةُ».
٦١٧٣ - :١ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُجَاهِدٍ(١٠) قَالَ: صَحِيْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى الْمَدِيّةِ، فَمَا سَمِعْتُهُ
يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ إِلا حَدِيفًا وَاحِدًا. قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النّبِيِِّ ﴾. فَأْتِيَ بِجُمَّارٍ. فَذَكَّرَ
بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا.
٦١٧٤ - :" وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٠٠) قَالَ: أَتِيَ رَسُولُ اللَّهِ
بِجُمَّارٍ. فَذَكَّرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
٦١٧٥- ٠٠: عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٠٠٠٠، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِل ◌َ﴿ فَقَالَ:
«أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ شِئْهِ، أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لا يَتَحَاتُّ وَرَقُّهَا». قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَعَلَّ مُسْلِمًا
قَالَ: وَتُؤْتِي أَكْلَهَا. وَكَذَا وَجَدْتُ عِنْدَ غَيْرِي أَيْضًا. وَلا تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ. قَالَ ابْنُ عُمَّرَ:
فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لا يَتَكُلِّمَاٍ. فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكُلُّمٌ أَوْ أَقُولَ
شَيْئًا. فَقَالَ عُمَّرُ: لِأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذًا.
(٦٣) حَدَََّّا يَحْتِى بْنُ أَيُوبٍ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ وَاللَّفْظُ لِيَحْبَى قَالُوا حَدْقْنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ
أَخْبُرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ أَنْهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ
(٦٤) حَدَّثَنِي مُحَمِّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبَرِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ الصُّبَعِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ
(١٠) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ بْنُ عُبَيْنَةً عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ
(٠٠٠) وحَدَّثََّا ابْنُ نُمَّيْرٍ خَدْقَّا أَبِي حَدْثَنَا سَيْفٌ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ سَمِّعْتَ ابَّنَ عُمَّرَ يُّقُولُ
(٠٠٠٠) حَدََّا أَيُو بَكْرِ بْنُ أَبِي ◌َيْبَةٌ حَدْثََّا أَبُو أُسَامَةً حَدَّقْنَا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ تَائِعٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرٌ
٤١٩
المعنى العام
أرقى أساليب التربية تحصر طرق التدريس فى طريقتين. الطريقة الإلقائية، والطريقة
الاستنباطية، وقد استعملهما صلى الله عليه وسلم فى التدريس لأمته، فاستعمل الطريقة الإلقائية فى
خطبة الجمعة والعيدين والاستسقاء وفى الحج، وفى المناسبات، واستعمل طريقة الاستنباط،
والسؤال والجواب فى دروس العلم، وكان تاره يقول: اسألونى، ويجيب على أسئلتهم، وتارة يسأل
وينتظر جوابهم، ليثير فيهم حب البحث والفهم، كما فى هذا الحديث، وتارة يسأل، ولا ينتظر الجواب
بل يجيب هو، وفائدة سؤاله فى هذه الحالة إثارة انتباههم للجواب، ليتمكن فى نفوسهم.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم كثيراً مايشبه المعقول بالمحسوس، مستخدماً وسائل الإيضاح
الميسورة فى البيئة، وأكثر مايشد انتباههم، ويعمق استفادتهم واستيعابهم، فيمثل المؤمن فى أنه
خير لمجتمعه ولنفسه من وجوه كثيرة بالنخلة، ويقلب التشبيه المقصود، فيشبه النخلة بالمؤمن
ليجعل المؤمن أصلا، وأقوى فى وجه الشبه. صلى الله وبارك على من أوتى الحكمة وفصل الخطاب.
المباحث العربية
(إن من الشجر شجرة، لايسقط ورقها، وإنها مثل المسلم. فحدثونى ماهى؟) فى
الرواية الثانية ((أخبرونى عن شجرة، مثلها مثل المؤمن)) وفى الملحق الثالث ((أخبرونى بشجرة شبه
- أو كالرجل المسلم - لايتحات ورقها - وتؤتى أكلها)) وفى رواية ((ولا تؤتي أكلها كل حين)) وكلمة
((مثل)» ضبطت بكسر الميم وسكون الثاء، وبفتح الميم والثاء، وهما بمعنى، قال الجوهرى: مِثْله ومَثَّله
كلمة تسوية، كما يقال: شِبْهِه وشَبّهه، بمعنى، ومعنى ((لايتحات ورقها)) بتشديد التاء الأخيرة،
لا يسقط، كما فى الرواية الأولى، وكأن وجه الشبه بين النخلة وبين المؤمن، عدم ضياع شىء منه، ففى
رواية عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال «كنا عند رسول اللَّهُ ﴾، ذات يوم، فقال: إن مثل المؤمن،
كمثل شجرة، لاتسقط لها أنملة، أتدرون ماهى؟ قالوا: لا. قال: هى النخلة، لاتسقط لها أنملة، ولا
تسقط لمؤمن دعوة ».
وعند المحققين أن وجه الشبه أعم من ذلك بكثير، وأنه البركة، وعموم النفع، والبركة فى النخلة
فى جميع أجزائها، ومستمرة فى جميع أحوالها، فمن حين تطلع، إلى أن تيبس تخرج ثمراً، يؤكل فى
مراحل مختلفة ثم يدخر، حتى النوى، ينتفع به فى علف الدواب، والليف فى الحبال، والسعف
والخوص وغير ذلك ما لا يخفى، وكذلك بركة المسلم عامة فى جميع الأحوال، ونفعه مستمر، له ولغيره،
حتى بعد موته، ويؤيد هذا العموم رواية البخارى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: ((كنا عند رسول
اللَّهِ﴿، فقال: أخبرونى بشجرة، كالرجل المسلم، لا يتحات ورقها، ولا .. ولا .. ولا ... )) كذا ذكر النفى
ثلاث مرات، فقيل فى تفسيره: ((ولا ينقطع ثمرها، ولا يعدم فيؤها، ولا يبطل نفعها)) ووقع فى الملحق
الثالث ((لايتحات ورقها - قال إبراهيم: لعل مسلماً قال- وتؤتى أكلها، وكذا وجدت عند غيرى أيضاً:
٤٢٠