Indexed OCR Text
Pages 321-340
(٧٥٩) باب قبول التوبة من الذنوب
وإن تكررت الذنوب والتوبة
٦٠٧١ - ٣٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٩)، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ِّ، فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «قَالَ
أَذْلَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا. فَقَالَ: اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَّبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنًْا، فَعَلِمَ أَنَّ
لَهُ رَّا يَغْفِرُ الذّنبَ، وَيَأْخُذُ بِالذّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ. فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَّبَّا يَغْفِرُ الذّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذّنْبِ. ثُمَّ عَادٌ فَأَذْتَبَ
فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَّبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْتَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَّا يَغْفِرُ
الذّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذّنْبِ. اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ». قَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: لا أَذْرِي أَقَالَ فِي
الثِّفَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: «اعْمَلْ مَا شِئْتَ».
٢٠٧٢- ٣٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ﴾(٣٠) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ مَ﴿ يَقُولُ: «إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ
ذْبًا» بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّادٍ بْنِ سَلَمَةَ. وَذَكَرَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَفِي الثَّلِئَةِ: «قَدْ
غَفّرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءٌ».
٦٠٧٣ - ٣١ عَنْ أَبِي مُوسَى ﴾(٣١)، عَنِ النّبِيِّ ﴿ قَالَ: «إِنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ
بِاللَّيْلِ، لِيُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ. وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ، لِيُتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ. حَتْى تَطْلُعَ الشَّمْسُ
مِنْ مَغْرِبِها».
المعنى العام
تقدم ما يغنى عنه فى أبواب التوبة السابقة.
(٢٩) حَدََّتِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدْقَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ إِسْحَقَ بْنٍ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
- قَالَّ أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَتِي مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُويّةَ الْقُرَشِيُّ الْقُشَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّدٍ النَّرْسِيُّ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(٣٠) حَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ حَدَّثَبِي أَبُوِ الْوَلِيدِ حَدْفَنَا هَمَّمٌ حَدَّقْنَا إِسْحَقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلَّحَةً قَالَّ كَانَ بِالْمُّدِينَةِ قَاصِّ يُقَالُ لَّهُ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةً قَالَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيِّرَةَ يَقُولُ
(٣١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَ الْمُتِى حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةً قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةٌ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى
- وحَّدَّا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ حَدَّنَا أَبُو دَاوُدّ حَدَّثَنّاً شُعْبَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَخْوَهُ
٣٢١
المباحث العربية
( اعمل ماشئت، فقد غفرت لك ) قال النووي: معناه فقد غفرت لك مادمت تذنب ثم
تتوب. اهـ وفى ملحق الرواية ((قد غفرت لعبدى، فليعمل ما شاء)» ثم يستغفر.
( يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل،
حتى تطلع الشمس من مغربها ) قال المازري: المراد من بسط اليد قبول التوبة، وإنما ورد لفظ
((بسط اليد)» لأن العرب إذا رضى أحدهم الشىء بسط يده لقبوله، وإذا كرهه قبضها عنه، فخوطبوا
بأمر حسى يفهمونه، وهو مجاز، ويد الجارحة مستحيلة على اللَّه. اهـ
فقه الحديث
سبقت مسائل هذا الباب فى أبواب سابقة فى التوبة، وقال النووى: هذه الأحاديث ظاهرة فى .
الدلالة على قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة مائة مرة، أو ألف أو أكثر، ولو تاب
عن الجميع توبة واحدة، بعد جميعها، صحت توبته، ثم قال: ولا يختص قبول توبته بوقت دون وقت.
واللَّه أعلم
٣٢٢
(٧٦٠) باب غيرة اللّه تعالى، وتحريم الفواحش
٢٠٧٤ - ٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٣٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَّيْهِ الْمَدْحُ
مِنَ اللَّهِ. مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَّرَ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ حَرْمَ
الْفَوَاحِشَ».
٢٠٧٥ - ٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٣٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «لا أَحَدٌ أَغْيْرَ مِنَ
اللّهِ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَّنَ. وَلا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْخُ مِنْ
اللّهِ».
٦٠٧٦- تُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾(٣٤)، وَرَفَعَهُ، أَنْهُ قَالَ: «لا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ.
وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَّنَ. وَلا أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَّ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ
مَدَحَّ نَفْسَهُ».
٦٠٧٧- ٣٢ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾(٣٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبُّ
إِلَيْهِ الْمَدْعُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَ. مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلٍ
ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ. وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ. مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ
وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ».
٢٠٧٨ - ٣٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ه: «إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ. وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ
يَغَارُ. وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيّ الْمُؤْمِنُ مّا حَرَّمَ عَلَيْهِ».
(٣٢) حَذْقَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وقَالَ عُثْمَانُ حَدْفَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ
عَبْدِ اللهِ
(٣٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَّيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حْ وِحَدَّقْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَاللّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ اَلأَغْمِّشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ
(٣٤) حَدَّثَنَا مُحَّمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى وَأَبْنُ بَشَارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّقْنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنٍ مُرَّةً قَالَ سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ
سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ قُلْتُ لَهُ أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ تَعَمْ وَرَفَعَهُ أَنَّهُ قَالَّ
(٣٥) حَدََّا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُّ أَخْبُرَنَا وقَالَ الْآَخَرَانِ حَدَّقْنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ
عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مَسْغُوَّدٍ
(٣٦) حَدَّثَنَا عَمْرَّو النّاقِّدُ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنَّ إِبْرَاهِيَمَ ابْنٍ عُلَيَّةً عَنْ حَجَّاجٍ بْنِ أَبِي عُثْمَالْ قَالَ قَالَ يَحْتِى وَحَدَّتِي أَبُو سَلَّمَةً عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةً
٣٢٣
٦٠٧٩- ٣ْ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٠٠)؛ أَنْهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِعَل
يَقُولُ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَغْيَّرَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
٢٠٨٠- ٣ عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا (٣٧)، عَنِ الْبِيِّ ◌َ؛ أَنَّهُ قَالَ: «لا شَيْءٍ أَغْيَرُ مِنْ
اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ».
٢٠٨١- ٣٨ عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ عَ﴾ (٣٨)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يَغَارُ. وَاللَّهُ أَهْدُّ
غَيْرًا».
المعنى العام
يراجع المعنى العام فى حديث سعد بن عبادة فى الغيرة كما يراجع فضل التسبيح والتحميد
والتكبير وبقية الأذكار ومجالس الذكر.
المباحث العربية
( ليس أحد أحب إليه المدح من اللَّه، من أجل ذلك مدح نفسه) فى أمثال قوله
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ وأمرنا
بمدحه، بمثل قوله ﴿ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةٌ وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢].
( وليس أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش) الغيرة بفتح الغين، وهى فى
حقنا الأنفة، أما فى حق اللَّه تعالى فقد فسرها بقوله ((وغيرة اللَّه أن يأتى المؤمن ما حرم عليه)) أى
غيرته تحريم المحرمات، ومنعه منها.
( وليس أحد أحب إليه العذر من اللَّه، من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل
الرسل) قال القاضى: يحتمل أن المراد الاعتذار، أى اعتذار العباد إليه من تقصيرهم،
(١٠) قَالَ يَحْتِى وَحَدَّتِي أَبُو سَلَّمَّةً أَنْ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدْقَهُ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ حَدَّقَتْهُ
- حَدَّنَا مُحَمَّدُ بِنَ الْمُشْىِ حَدَََّّا أَبُو دَاوُدَ حَدََّا أَبَانُ بْنُ يَزِيدٍ وَحَرَّبُ بِنَّ شَدَّادٍ عَنْ يَحْتِى بْنِ أَبِي كَثِرٍ عَنْ أَبِي سَلَّمَةَ عَنْ
أَبِي هُرِيْرَةَ عَنِ النّبِيِّ:﴿َ بِمِثْلِ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ خَاصَّةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ أَسْمَاءً
(٣٧) وَحَدَّثََّا مُحَمَّدُ بَنْ أَبِي بَكْرٍ اَلْمَّقَدّمِيُّ حَدََّا بِشْرُ بْنَ الْمُفَضَّلِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَخْتِى بْنٍ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةً عَنْ غُرْوَةٌ عَنْ
أَسْمَاءً
(٣٨) حَدََّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحّدُّنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثِى حَدْقَنَا مُحَّثَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ خَدَّثَنَا شَعْبَةُ قَالَ سَمِغَتُ الْعَلاَءَّ بِهَذَا الإِسْنَادِ
٣٢٤
وتوبتهم من معاصيهم، فيغفر لهم، ويقبل اعتذارهم، كما قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْيَةَ
عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥].
(واللَّه أشد غيراً) قال النووى: هكذا هو فى النسخ ((غيرا)) بفتح الغين وإسكان الياء، منصوب
بالألف، وهو الغيرة، قال أهل اللغة: الغيرة والغير والغار بمعنى.
فقه الحديث
إن مدح الله تعالى والثناء عليه يرجع خيره وفائدته إلى العبد نفسه، فالله سبحانه وتعالى
لاتنفعه طاعة، ولا تضره معصية، فالمادح والمثنى على اللَّه بما هو أهله يثاب على هذا الثناء، فينتفع
هو به.
وفى هذه الأحاديث فضل الثناء على الله سبحانه وتعالى، وفضل تسبيحه وتهليله وتحميده
وتكبيره، وسائر الأذكار.
والله أعلم
٣٢٥
(٧٦١) باب قوله تعالى:
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]
٦٠٨٢ - ٣٩٠ٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾(٣٩)؛ أَنَّ رَجُلا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةٌ. فَأَتَى النَّبِيَّ
*. فَذَكَّرَ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ فَنَزَّلَتْ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلْفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ
يُذْهِيْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذِهِ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ:
«لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمُّتِي».
٦٠٨٣- ٠ْ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾(٤٠)؛ أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيِّ ◌َ ﴾َ. فَذَكَرَ أَنَّهُ أَصَابٌ
مِنِ امْرَأَةٍ إِمَّا قُبْلَةٌ، أَوْ مَسَّا بِيّدٍ، أَوْ شَيْئًا. كَأنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ كَفَّارَتِهَا. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ يَزِيدٌ.
٢٠٨٤ - ٤١ُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الَّيْمِيّ(٤١)، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: أَصَابَ رَجُلٌ مِنِ امْرَأَةٍ
هَيْئًا دُونَ الْفَاحِشَةِ. فَأَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَعَظِّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَى أَبَا بَكْرٍ فَعَظْمَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَتَى
النّبِيِّ :﴿. فَذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ يَزِيدَ وَالْمُعْتَمِرٍ.
٢٠٨٥ - ٣ٍّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ ﴾(٤٢) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ :﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي
عَالَجْتُ امْرَأَةٌ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ. وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا. فَأَنَا هَذَا فَاقْضٍ فِيَّ مَا
شِئْتَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ سَعَرَكَ اللَّهُ، لَوْ سَتَرْتَ نَفْسَكَ. قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ◌ِ ◌ّ شَيْئًا. فَقَامَ
الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ. فَتْبَعَهُ النَّبِيُّ:﴿ رَجُلَا دَعَاهُ، وَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ
وَؤُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِيْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ:
يَا لَبِيَّ اللَّهِ! هَذَا لَهُ خَاصَّةٌ؟ قَالَ: «بَلْ لِلنَّاسِ كَافّةً».
(٣٩) حَدَّثَنَا قُقَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ كِلاهُمَّا عَنْ يَزِيدَ ابْنِ زُرَبِعٍ وَاللَّفْسُ لِأَبِي حَامِلٍ حَدََّا تَزِيدُ
حَدََّا الَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مَسْعُودٍ
(٤٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ
(٤١) حَدََّا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدََّا جَرِيرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ الْتَّيْمِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(٤٢) حَدَّقَّا يَحْتِى بْنُ يَخْتِى وَقُتَةُ بْنُ سَعِيَدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَاللَّفْظُ لِيَحْتِى قَالَ يُحْتِى أَخْبُرَنًا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثّنَا أَبُو
الأَخْوَصِ عَنْ سِمّاكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
٣٢٦
٦٠٨٦- ٣؟ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُعَاذٌ(٤٣) قَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ! هَذَا لِهَذَا خَاصَّةٌ، أَوْ لَّا عَامَّةٌ؟ قَالَ:
«بَلْ لَكُمْ عَامَّةٌ».
٦٠٨٧ - تُُّ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٤٤) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ : ﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَصَبْتُ
حَدَّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِّ. فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ. قَالَ: «هَلْ حَضَرْتَّ الصَّلاةَ مَعَنًا؟» قَالَ:
نَعَمْ. قَالَ: «قَدْ غُفِرَ لَكَ».
٢٠٨٨-٢ٍ عَنْ أَبِي أَمَامَةَ﴾(٤٥) قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللّهِ:﴿ فِي الْمَسْجِدِ، وَنَحْنُ قُعُودٌ
مَعَهُ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا. فَأَقِمْهُ عَلَيِّ. فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ
*. ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا. فَقِمْهُ عَلَيَّ. فَسَكَتَ عَنْهُ. وَأُقِيمَتِ
الصَّلاةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ نَبِيُّ اللّهِ﴿ قَالَ أَبُو أَمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِلَ حِينَ انْصَرَفَ.
وَاتْبَعْتُ رَسُولَ اللّهِوَ أَنْظُرُ مَّا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ. فَلْحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا. فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «أَرََّيْتَ
حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ، أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأَتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءُ؟» قَالَ: بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ!
قَالَ: «ُمَّ شَهِدْتَ الصَّلاةَ مَعَنًا؟» فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِع ◌ِ:
«فَإِنَّ اللّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ - أَوْ قَالَ - ذَنْبَكَ)».
المعنى العام
الميزان يوم القيامة بالحسنات والسيئات، فمن ثقلت موازين حسناته فأولئك هم المفلحون،
ومن خفت موازين حسناته عن موازين سيئاته، فأولئك الذين خسروا أنفسهم، فإذهاب الحسنات
للسيئات إذهاب لعقوبتها، وإن ظلت مكتوبة فى كتاب صاحبها، لقوله تعالى ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا
يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلا كَبِيرَةً إلا أُحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩] ويحتمل أن الحسنات
تذهب السيئات، بمعنى أنها لا تكتب، حيث ورد أن الصغيرة إذا فعلت لم يكتبها كاتب السيئات
(٤٣) حَذْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَثْنَا أَبُوِ النَّعْمَانِ الْحُكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمّاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ سَمِعْتُ
إِبْرَاهِيمُ يُحَدِّثُ عَنْ خَالِهِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي الْأَخْوَصِ وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ
(٤٤) حَدْفَهَا الْحَسْنُ بْنَ عَلِيِّ الْخُلْوَابِيُّ حَدْثَنَا غَمْرُو بْنُّ عَصِمٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَقَ ابْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةٌ عَنْ أَنْسِ
(٤٥) حَدْفَنَا نَصْرُ بُنُّ عَلِيَّ الْجَهْضَمِيُّ وَزْهَيْرُ بْنْ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ قَالَا حَدْفَاَ عُمَرُ ابْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّقَا
شدادٌ حدّثنا أبو أمَامَةْ
٣٢٧
فوراً، بل ينتظر، لعل صاحبها، يستغفر أو يعمل من الحسنات ما يكفرها، فإذا فعل لم يكتبها، ويحتمل
أن الحسنات تذهب السيئات، حتى بعد كتابتها فتمحوها من الصحيفة، فلا تكون فى رصيد سيئاته
يوم القيامة.
وفى سبب نزول قوله تعالى ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزَلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ
السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] يأتى حديث الباب، وأن صحابياً أَلِمَّ ببعض الصغائر،
وبعض مقدمات الفاحشة بينه وبين امرأة، لكنه لم يزن بها، وجاء إلى رسول اللَّه { * يقر بما فعل
ويعترف، ويطلب تطهيره بالعقوبة الشرعية، ولعله كان يظن أن مقدمات الزنالها حكم الزنا، فطلب
إقامة الحد، وسكت صلى اللّه عليه وسلم فلم يرد عليه، انتظاراً لحكم الله، وأعاد الرجل السؤال،
وسكت صلى اللَّه عليه وسلم، وأقيمت الصلاة، فقاموا، فصلوا، وانصرف الرجل، ونزل الوحى بالآية،
فدعى الرجل، فبشر بالمغفرة وقرئت عليه وعلى الصحابة الآية الكريمة، وفرح بها المسلمون، وسأل
سائلهم ليتأكد من عموم البشرى، أهذه له خاصة أم لنا وله؟ قال صلى الله عليه وسلم بل للناس عامة
إلى يوم القيامة.
المباحث العربية
(﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾) هذا جزء من الآية (١١٤) من سورة هود، وهى قوله
تعالى ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَرْلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى
لِلذَّاكِرِينَ﴾ والمراد بالصلاة هنا المكتوبة، ومعنى إقامتها أداؤها على تمامها، ومعنى ﴿وَرُلَفًا مِنْ
اللَّيْل﴾ أى ساعات من الليل، قريبة من النهار، من أزلفه إذا قربه. قيل: المراد بها صلاة المغرب
والعشاء والفجر، وطرفا النهار الظهر والعصر.
( أن رجلا أصاب من امرأة قبلة) فى ملحق الرواية ((أنه أصاب من امرأة إما قبلة، أو مسا
بيد، أو شيئا، كأنه يسأل عن كفارتها)» وفى الملحق الثانى ((أصاب رجل من امرأة شيئا، دون
الفاحشة، فأتى عمر بن الخطاب)) أى فأخبره ((فعظم عليه)) أى كبر الجرم عليه ((ثم أتى أبا بكر))
فأخبره «فعظم عليه، ثم أتى النبي {#)) أى فنزلت الآية، فقرأها عليه، ونصحه بالصلاة، وفى الرواية
الثانية «إنى عالجت امرأة فى أقصى المدينة، وإنى أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا، فاقض
فىَّ ماشئت، فقال له عمر: لقد سترك اللَّه لوسترت نفسك)).
قال: فلم يرد النبى # شيئا، فقام الرجل، فانطلق، فأتبعه النبى { * رجلا دعاه، وتلا عليه هذه
الآية ﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَرْلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِدْنَ السَِّّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾
فقال رجل من القوم: يانبى اللَّه، هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة)) ومعنى قوله ((عالجت امرأة))
أى تناولتها، واستمتعت بها، ومعنى ((دون أن أمسها)) أى دون جماعها، أى استمتعت بها بأنواع
التمتع من لمسة وقبلة ومعانقة، غير الجماع، فالمراد من المس هنا الجماع، بدلالة المقام.
٣٢٨
وقوله ((فاقض فىّ ماشئت)) أى من حد أو تعزير، وربما ظن الرجل أن ما فعله يستوجب حد الزنا،
إذ جاء فى الرواية الثالثة ((أصبت حداً، فأقم فىّ كتاب الله)). والجمع بين قول عمرهنا، وبين
تعظيمه، أنه فى أول الأمر عظمه، وشدد على الرجل، مستقبحا الفعل، فلما رأى رسول اللَّه# لم يعظم
على الرجل خف عنده الجرم، وطبق قاعدة ستر المسلم على نفسه، وإنما لم يرد صلى الله عليه وسلم
لأنه انتظر الوحى والجواب من الله، وقد بدت له بشائر الوحى فى الحال، والسبب فى انطلاق الرجل
دون انتظاره، أن أدب الإسلام علمهم أن عدم رد النبى # انصراف عن السؤال وعن صاحبه، وعدم
رضا عليه، فكانوا يخشون سوء عاقبة الإلحاح، وقوله ((فأتبعه النبى (18® رجلا دعاه)) معطوف على
محذوف، أى فأوحى إليه بالآية، فأرسل خلف الرجل، وقد بين ملحق الرواية أن الذى سأل عن عموم
الآية أو خصوصها هو معاذ بن جبل، فلعله هو الذى أرسل النبى { لإعادة الرجل.
قال النووى: هكذا تستعمل «كافة)» حالا، أى كلهم، ولا يضاف، فلا يقال كافة الناس، ولا الكافة
بالألف واللام، وهو معدود فى تصحيف العوام.
وتوضح الرواية الرابعة أن الرجل سأل سؤاله قبل الصلاة، ثم بعد أن صلى، فقوله فى الرواية (ثم
أعاد)» أى بعد أن صلى، فذكر بعض الرواة ما لم يذكر الآخر، وقدم بعض الرواة ما أخر الآخر.
وأحداث القصة - حسبما أرجح - أن الرجل سأل، فسكت رسول الله:﴿. وأقيمت الصلاة، فصلى
وصلوا، فلما انصرف صلى الله عليه وسلم من الصلاة تبعه الرجل، فأعاد السؤال، فسكت صلى الله
عليه وسلم، وانطلق الرجل، فأوحى إلى رسول اللّه: # بالآية، فأرسل من يحضر الرجل، فجاء، فأعاد
السؤال، وأبو أمامة والصحابة ينظرون ويرقبون الجواب، فقال رسول اللّه ◌َ* أتوضأت فأحسنت
الوضوء قبل أن تخرج من بيتك؟ قال: نعم. قال: وشهدت معنا الصلاة؟ قال: نعم، يارسول الله، قال:
إن من أحسن الوضوء فصلى غفر له ما قدم من صغائر الذنوب، وقد غفر الله لك، وأنزل قرآنا بشأنك
وشأن أمثالك، ثم قرأ الآية.
فقه الحديث
قال النووى: الحد الوارد فى الحديث معناه معصية من المعاصى الموجبة للتعزير، وهى
هنا من الصغائر، لأنها كفرتها الصلاة، ولو كانت كبيرة، موجبة لحد، أو غير موجبة له، لم
تسقط بالصلاة، فقد أجمع العلماء على أن المعاصى الموجبة للحدود لا تسقط حدودها
بالصلاة.
هذا هو الصحيح فى تفسير هذا الحديث، وحكى القاضى عن بعضهم: أن المراد بالحد الحد
المعروف، قال: وإنما لم يحده، لأنه لم يفسر موجب الحد، ولم يستفسره النبى 8 عنه، إيثارا للستر،
بل المستحب تلقين الرجوع عن الإقرار بموجب الحد صريحا. اهـ
وقال: الحديث صريح فى أن الحسنات تكفر السيئات، واختلفوا فى المراد بالحسنات هنا، فنقل
٣٢٩
الثعلبى عن أكثر المفسرين أنها الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير وغيره من الأئمة، وقال مجاهد:
هى قول العبد: سبحان اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ويحتمل أن المراد الحسنات
مطلقًا.
وقد قدمنا فى كتاب الإيمان تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر، وتقسيم الكبائر إلى كبائر وأكبر
الكبائر، وحققنا القول بأن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر، وأن الصلاة إلى الصلاة، والوضوء إلى
الوضوء، والجمعة إلى الجمعة، والعمرة إلى العمرة، كل ذلك يكفر ما قبله من الصغائر.
والله أعلم
٣٣٠
(٧٦٢) باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله
٢٠٨٩- ٤٢٦ٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ﴾(٤٦)؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ﴿ قَالَ: «كّانٌ فِيمَنْ كَان
قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ بِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمٍ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ. فَأَتَاهُ
فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا. فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لا. فَقْتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةٌ، ثُمَّ سَأَلَ
عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَالَ مِائَةَ نَفْسٍ. فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ:
نَعَمْ. وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّوْبَةِ؟ الْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا. فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونِ اللَّهَ
فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ. وَلا تَرْجِعْ إِلَّى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَالْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَِّيقَ أَتَاهُ
الْمَوْتُ. فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ. فَقَالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءٌ تَاِبًا
مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُ. فَأَتَاهُمْ مَلَكَ فِي صُورَةٍ
آدَمِيِّ. فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ. فَإِلَى أَتِهِمَا كَانَ أَذْنَى، فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ
فَوَجَدُوهُ أَذْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ. فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ». قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الْحَسَنُ.
ذُكِرَ لَنَا أَنْهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ.
٢٠٩٠- ٣ٍّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ﴾(٤٧)، عَنِ النّبِيِّ﴾؛ أَنَّ رَجُلا قَتْلَ تِسْعَةٌ وَتِسْعِينَ
نَفْسًا. فَجَعَلَ يَسْأَلُ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ. فَقْتَلَ الرَّاهِبَ.
ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ، ثُمَّ خَرَجٌ مِنْ قَرْيَتِهِ إِلَّى قَرْيَةٍ فِيهَا قَوْمٌ صَالِحُونَ. فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطّرِيقِ
أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ. فَتَأَى بِصَدْرِهِ. ثُمَّ مَاتَ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذَابِ.
فَكَانَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ أَقْرَبَ مِنْهَا بِشِبْرٍ. فَجُعِلَ مِنْ أَهْلِهَا».
٦٠٩١ - ٨؛ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ قَتَادَةً(٤٨)، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ مُعَاذٍ بْنِ مُعَاذٍ. وَزَادَ فِيهِ
«فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ: أَنْ تَبَاعَدِي. وَإِلَى هَذِهِ، أَنْ تَقَرَّبِي».
المعنى العام
ومازال الكلام مع سعة رحمة اللَّه، وأنها تشمل الطائع والعاصى، وأنه لا يبأس منها إلا القوم
(٤٦) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ وَاللّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنِى قَالًا حَدْقَا مُعَاذُ ابْنُ هِشَامٍ حَدَِّي أَبِي عَنْ قَنَادَةَ عَنْ أَبِي
الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِئِّ
(٤٧) حَدَّثَنِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَثْنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ أَنْهُ سَمِعَ أَبَا الصِّدِّيقِ النّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
(٤٨) حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ حَدَّقَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ حَدََّنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةً بِهَذَا الإِسْنَادِ
٣٣١
الكافرون، فهذا رجل كان سفاكا للدماء، فى الأمم التى قبلنا، وفى بنى إسرائيل، وفيما بعد عيسى عليه
السلام، يقتل تسعة وتسعين إنساناً، ثم تداركه رحمة من ربه، فيرغب فى التوبة، ويعزم على الرجوع
إلى الله، ويسأل الناس: هل له من توبة، ويدله العامة على راهب فى صومعة، يظنونه مصلحاً لغيره،
حيث أصلح نفسه، فيذهب إليه، ويحكى له قصته، وأنه يريد أن يتوب، وبحاسة العبادة والرهبانية
يستبشع الراهب هذه الجرائم، ويقول للرجل: اخرج عنى، لاتحرقنى بنارك، أين كان ضميرك حين
قتلت عشرة، ثم عشرة، ثم عشرة، حتى وصلت إلى تسعة وتسعين. اخرج. لا توبة لك، ويئس الرجل من
قبول الله له، واستوى عنده تسعة وتسعون، ومائة، فضرب الراهب بحجر، فقتله، ثم خرج يسأل: قتلت
مائة، فهل لى من توبة، فدلوه هذه المرة على عالم، فذهب إليه، وحكى له ما جرى، وسأله: هل لى من
توبة؟ قال العالم: ومن يملك إغلاق باب التوبة عنك؟ وعمن هو أعظم جرما منك، لكن أدلك على
طريق التوبة. اذهب إلى قرية كذا، ففيها عباد ورعون. فاسلك مسلكهم، وعش معهم، وتب، وسيقبل
الله توبتك، واتجه الرجل نحو القرية، وفى الطريق أدركه الموت، فكان من أهل المغفرة والجنة،
برحمة الله تعالی وفضله.
المباحث العربية
( كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا) فى رواية البخارى ((كان فى
بنى إسرائيل رجل، قتل تسعة وتسعين إنسانا)».
(فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه ) فى الرواية الثانية ((فجعل يسأل،
هل له من توبة؟ فأتى راهبا)» ففيها إشعار بأن ذلك كان بعد عيسى عليه السلام، لأن الرهبانية، إنما
ابتدعها أتباعه، كما نص عليه فى القرآن.
( فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ ) فى الأسلوب تجريد، أو
التفات، لأن حق السياق أن يقول: إننى قتلت ... فهل لى من توبة؟.
( فقال: لا. فقتله، فكمل به مائة ) وفى الرواية الثانية ((فقال: ليست لك توبة، فقتل
الراهب»
( ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم ) فى الرواية الثانية ((ثم جعل يسأل،
ثم خرج من قريته إلى قرية )».
( فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين
القوية؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا، يعبدون اللَّه، فاعبد الله معهم، ولا
ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق، حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت) فى
٣٣٢
الرواية الثانية ((ثم خرج من قريته إلى قرية فيها قوم صالحون، فلما كان فى بعض الطريق أدركه
الموت، فناء بصدره، ثم مات)) ((ناء)) بفتح النون مع المد، أى بعد بصدره، أى مال به، ومده نحو
القرية الصالحة، وضبطه بعضهم ((نأى)) أى بعد عن الأرض التى خرج منها.
( فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، فقالت: ملائكة الرحمة: جاء
تائبا، مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك
فى صورة آدمى، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا مابين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى،
فهو له، فقاسوا، فوجدوه أدنى إلى الأرض التى أراد، فقبضته ملائكة الرحمة) فى الرواية
الثانية ((فكان إلى القرية الصالحة، أقرب منها بشبر، فجعل من أهلها)) وفى رواية البخارى ((فأوحى
الله إلى هذه)) أى القرية الصالحة ((أن تقربى، وأوحى الله إلى هذه)) أى القرية السوء ((أن تباعدى))
فقاسوه، فوجدوه أدنى إلى الأرض التى أراد بشبر. ومن هذه الروايات يعلم أن قوله فى الرواية الأولى
((حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت)) فيه مجاز المشارفة والمقاربة، أى حتى إذا كاد الطريق
ينتصف، أتاه مقدمات الموت.
فقه الحديث
قال النووى: مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً، ولم يخالف أحد
منهم إلا ابن عباس، معتمداً على ظاهر قوله تعالى ﴿إِوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ
خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] قال النووى: وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا، فمراد
قائله الزجر عن سبب التوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته. والحديث وإن كان شرعاً لمن
قبلنا، وفى الاحتجاج به خلاف، فليس موضع الخلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد فى شرعنا
ما يوافقه ويقرره، فإن ورد كان شرعاً لنا بلا شك، وهذا قد ورد شرعنا به، وهو قوله تعالى ﴿
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقّ.) إلى قوله
تعالى ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا .. ﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠] الآيَةَ، وأما قوله تعالى ﴿
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَّعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣] فالصواب فى معناها أن
جزاءه جهنم، وقد يجازى به، وقد يجازى بغيره، وقد لايجازى، فيعفى عنه، فإن قتل عمداً
مستحلاله، بغير حق، ولا تأويل، فهو كافر مرتد، يخلد به فى جهنم بالإجماع، وإن كان غير
مستحل، بل معتقداً تحريمه، فهو فاسق عاص، مرتكب كبيرة، جزاؤه جهنم خالداً فيها، لكن
بفضل اللَّه تعالى ويخبره الصادق أنه لا يخلد من مات موحداً فيها، فلا يخلد هذا، ولكن قد
يعفى عنه، فلا يدخل النار أصلا، وقد لا يعفى عنه، بل يعذب كسائر العصاة الموحدين، ثم.
يخرج معهم إلى الجنة، ولا يخلد فى النار، فهذا هو الصواب فى معنى الآية، ولا يلزم من
كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة، أن يتحتم ذلك الجزاء، وليس فى الآية إخبار
٣٣٣
بأنه يخلد فى جهنم، وإنما فيها أنها جزاؤه، أى يستحق أن يجازى بذلك، وقيل: إن المراد
من قتل مستحلا، وقيل: وردت الآية فى رجل بعينه، وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا
الدوام، وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة، فالصواب ما قدمناه.
ويؤخذ من الحديث فوق ماتقدم
١- مشروعية التوبة من جميع الكبائر، ويحمل قبول توبة القاتل على أن الله تعالى يتكفل برضا
خصمه.
٢- وفيه أن المفتى قد يجيب بالخطأ. كذا قيل، والأولى أن يقال: إن الراهب أو العابد، قد لا يكون
عالماً، فيفتى بغير الصواب.
٣- وفيه إشارة إلى قلة فطنة الراهب، لأنه كان من حقه التحرز ممن تجرأ على القتل، حتى صارله
عادة، بأن لا يواجهه بخلاف مراده، وكان حقه أن يستعمل معه المعاريض، مداراة عن نفسه.
٤ - وفيه استحباب مفارقة التائب المواضع التى أصاب فيها الذنوب، والأصدقاء الذين ساعدوه على
المعاصى، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين، ومن يقتدى
بهم، وينتفع بصحبتهم، وتتأكد بذلك توبته.
٥- وفيه أن الملائكة الموكلين ببنى آدم يختلف اجتهادهم، بالنسبة إلى من يكتبونه مطيعاً أو عاصياً.
٦- وأنهم يختصمون فى ذلك، حتى يقضى الله بينهم.
٧- وفيه فضل العالم على العابد.
٨- واستدل به على أن فى بنى آدم من يصلح للحكم بين الملائكة إذا تنازعوا، لأنهم قبلوا حكمه وهو
فى صورة آدمی.
٩- وفيه حجة لمن أجاز التحكيم.
١٠- وأن من رضى الفريقان حكمه، فحكمه جار عليهم.
والله أعلم
٣٣٤
(٧٦٣) باب سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين
وفداء كل مسلم بكافر من النار
٢٠٩٢ - ٤ْ٦ْ عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ﴾(٤٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿هَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، دَفَعَ
اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَائِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فِكَّاكُكَ مِنَ النَّارِ».
٦٠٩٣- ° عَنْ أَبِي بُرْدَةً(٥٠)، يُحَدِّثُ عُمّرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ :﴿ قَالَ:
«لا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ، النَّارَ، يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَائِيّا» قَالَ: فَاسْتَحْلَفَهُ عُمَرُ
ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِاللَّهِ الْذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ .
قَالَ: فَحَلَفَ لَهُ. قَالَ: فَلَمْ يُحَدِّثْنِي سَعِيدٌ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ. وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى عَوْنِ قَوْلَهُ.
٦٠٩٤- لْ عَنْ أَبِي بُرْدَةً(٥١)، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النِّيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: «يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ بِذْنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ. وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى». فِيمًا
أَحْسِبُ أَنَا. قَالَ أَبُو رَوْحٍ: لا أَدْرِي مِمَّنِ الشَّكُّ. قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّقْتُ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدٍ
الْعَزِيزِ فَقَالَ: أَبُوكَ حَدََّكَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ :﴿؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
٢٠٩٥ - ٣ٍ عَنْ صَفْوَاتَ بْنِ مُحْرِزٍ (٥٢) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عُمَّرَ: كَيْفٌ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ يَقُولُ فِي الْنّجْوَى؟ قَالَ سَمِعْتُ يَقُولُ: «يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. حَتَّى
يَضّعَ عَلَيْهِ كَتَفَهُ. فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ. فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّا أَغْرِفُ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ
سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. فَيُعْطَى صَحِيفَةٌ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الْكُفْارُ
وَالْمُنَافِقُونَ فَيْنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللّهِ».
(٤٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّقَا أَبُوِ أُسَامَةً عَنْ طَلْحَةَ بْنٍ يَحْتَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى
(٥٠) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّقْنَا هَمَّمٌ حَدَّثَنَا فَتَادَةُ أَنْ عَوْنًا وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي بُرْدَةً حَدََّاهُ أَنْهُمَا شَهِدًا
أَبَا بُرْدَةَ يُحَدِّثْ عُمَرَ بْنَ عَبْدٍ الْعَزِيزِ
- حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمٌ وَمُخْمَّدُ بْنُ الْمُفِى جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ أَخْبُرَنَا هَمَّامٌ حَدًَّا قْتَادَةُ بِهَذَا
الإِسْنَادِ نَخَوَ حَدِيثٍ عَفَانْ وَقَالَ عَوْنُ بْنُ عُتْبَةَ.
(٥١) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنٍ جَيْلَةَ بْنٍ أَبِي رَوَّادٍ حَذْثَنَا حَرَبِيُّ بْنُ عُمَارَةٌ حَدَّقْنَا شَدَّادٌ أَبُو طَلْحَةُ الرَّاسِيُّ عَنْ غَيْكَانُ بْنِ
جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةً
(٥٢) خَدَّثَا زُهَيَّرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنٍ مُخْرِزٍ
٣٣٥
المعنى العام
خلق الله الجنة، تتسع لجميع أفراد الإنس والجن، ومن شاء من المخلوقين، وخلق النار تتسع
لجميع أفراد الإنس والجن، ومن شاء من المخلوقين. وكأن لكل من المخلوقين مكانا فى الجنة،
ومكانا فى النار، لكن شاءت حكمته أن يكون للجنة أهلها من الطائعين، وللنار أهلها من العاصين،
ونتيجة لذلك يحتل أهل الجنة فى الجنة مكان العاصين الذين أدخلوا النار، ويحتل أهل النار فى
النار مكان الطائعين الذين أدخلوا الجنة، وكأن أهل النار فكوا أهل الجنة من سجنهم الذى كان
ينتظرهم فى النار، وكأن أهل الجنة حملوا أهل النار أوزارهم وسيئاتهم التى غفرها اللّه لهم.
هذا ما تصوره الأحاديث فى توريث الجنة والنار، وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي
أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢].
المباحث العربية
(إذا كان يوم القيامة) ((كان)) تامة، و(يوم القيامة)) فاعل، أى إذا جاء وحصل يوم القيامة.
( دفع اللَّه عز وجل إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا، فيقول: هذا فكاكك من النار )
وفى الرواية الثانية ((لا يموت رجل مسلم، إلا أدخل اللَّه مكانه النار يهودياً أو نصرانياً)).
وفى الرواية الثالثة ((يجىء يوم القيامة ناس من المسلمين، بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها اللَّه
لهم، ويضعها على اليهود والنصارى)) قال النووى: الفكاك، بفتح الفاء وكسرها، والفتح أفصح وأشهر،
وهو الخلاص والفداء.
قال: ومعنى هذا الحديث ما جاء فى حديث أبى هريرة ((لكل أحد منزل فى الجنة، ومنزل فى
النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة، خلفه الكافر فى النار، لاستحقاق ذلك بكفره، فمعنى أن يقال له ((هذا
فكاكك من النار)» أنك كنت معرضا لدخول النار، وهذا فكاكك، لأن الله تعالى قدرلها عددا يملؤها،
فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم، صاروا فى معنى الفكاك للمسلمين.
ثم قال: وأما معنى ((يجىء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب)» فهو أن اللّه تعالى يغفر تلك
الذنوب للمسلمين، ويسقطها عنهم، ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم، فيدخلهم النار
بأعمالهم، لا بذنوب المسلمين.
قال: ولابد من هذا التأويل، لقوله تعالى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وَرْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وأما قوله
((ويضعها)) فمجاز، والمراد يضع عليهم مثلها بذنوبهم، لكن لما أَسقط سبحانه وتعالى عن المسلمين
سيئاتهم، وأبقى على الكفار سيئاتهم، صاروا فى معنى من حمل إثم الفريقين، لكونهم حملوا الإثم
الباقى، وهو إثمهم، قال: ويحتمل أن يكون المراد آثاما كان للكفار سبب فيها، بأن سنوها، فتسقط
٣٣٦
عن المسلمين بعفو الله تعالى، ويوضع على الكفار مثلها، لكونهم سنوها، ومن سن سنة سيئة، كان
عليه مثل وزر كل من يعمل بها. والله أعلم.
فقه الحديث
نكتفى بما ذكرناه فى المباحث العربية والمعنى العام.
والله أعلم
٣٣٧
(٧٦٤) باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه
٦٠٩٦ - ٣° عَنِ ابْنِ شِهَابٍ(٥٣) قَالَ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِع ◌َ﴿َ غَزْوَةَ تَبُوكَ. وَهُوَ يُرِيدُ الرُّومَ
وَنَصَارَى الْعَرَّبِ بِالشَّامِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبُرَبِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بَنِ
مَالِكٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ كَانَ قَائِدَ كَعْبٍ، مِنْ بَنِيهِ، حِينَ عَمِيَ. قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنّ
مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيقَهُ حِينَ تَخَلْفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿ِ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ. قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: لَمْ
أَتَخَلْفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿َ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ. إِلا فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ. غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي
غَزْوَةِ بَدٍْ. وَلَمْ يُعَائِبْ أَحَدًا تَخَلِّفَ عَنْهُ إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ وَالْمُسْلِمُونِ يُرِيدُونَ عِيرَ
قُرَيْشٍ. حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيَْهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، عَلَى غَيْرٍ مِيعَادٍ. وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِع ◌َلِ
لَّيْلَةَ الْعُقْبَةِ، حِينَ تَوَالْقْنَا عَلَى الإِسْلامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ. وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ
فِي النَّاسِ مِنْهَا، وَكَانٌ مِنْ خَبَرِي، حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿ِ، فِي غَزْوَةٍ تَّبُوكَ، أَنِّي لَمْ
أَكُنْ قَطَّ أَقْوَى وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ. وَاللَّهِ مّا جَمَعْتُ قَبْلَهَا
رَاحِلَيْنٍ قَطُ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ. فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ فِي حَرِّ شَدِيدٍ. وَاسْتَقْبَلٌ
سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا. وَاسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا. فَجَلا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتْأَهِّبُوا أُهْبَةً غَزْوِهِمْ.
فَأَخْبُرَهُمْ بِوَجْهِهِمِ الْذِي يُرِيدُ. وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ﴿ كَثِيرٌ. وَلا يَجْمَعُهُمْ كِتَابُ
حَافِظٍ (يُرِيدُ بِذَلِكَ الدِّيوَانِ) قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ، يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخْفَى لَهُ،
مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ﴿ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثَّمَارُ
وَالظّلالُ. فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ. فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ. وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ
أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ. فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضٍ شَيْئًا. وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، إِذَا أَوَدْتُ. فَلَمْ
يَزّلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبِحَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ِ غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ
مَعَهُ. وَلَمْ أَقْضٍ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا. ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضٍ شَيْئًا. فَلَمْ يَزَّلْ ذَلِكَ يَتَّمَادَى
بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَفَارَطَ الْغَزْوُ. فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأَدْرِكَهُمْ. فَيَا لَيَْبِي فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ
ذَلِكَ لِي. فَطَفِقْتُ، إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ، بَعْدَ خُرُوجٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴾، يَحْزُّنُنِي أَنّي لا أَرَى
لِي أُسْوَّةُ، إِلا رَجُلاً مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النَّفَاقِ. أَوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ. وَلَمْ
يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِفَ﴿ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ فَقَالَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: «مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ
مَالِكٍ؟» قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَبْسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ. فَقَالَ لَهُ
(٥٣) حَدَِّي أَبُوِ الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنٍ سَرْحٍ مَوْلَى بَنِي أُمَّةَ أَخْبَرَبِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْهُوَلِي يُونُسُ عَنِ ابْنٍ
شھَابٍ
٣٣٨
مُعَاذُ بْنُ جَبْلٍ! بِئْسَ مَا قُلْتَ. وَاللَّهِ) يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴿ِ. فَيْنَّمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:
«كُنْ أَبَا خَيْئَمَةَ﴾ فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْئَمَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الْذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ الثَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ
الْمُنَافِقُونَ. فَقَالَ كَعْبُ ابْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَدْ تَوَجَّةَ قَافِلا مِنْ تَبُوكَ،
حَضَرَبِي بَنِّي. فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَّ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهٍ غَدًا؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ
كُلَّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي. فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ.
حَتَّى عَرَفْتُ أَنِي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا. فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ. وَصَبْحَ رَسُولُ اللَّهِعَلَ قَادِمًا.
وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بِالْمَسْجِدٍ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَيْنٍ. ثُمَّ جُلَسَ لِلنَّاسِ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ
جَاءَهُ الْمُخَلِّفُونَ. فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ. وَيَحْلِفُونَ لَهُ. وَكَانُوا بِضْعَةٌ وَلَمَانِينَ رَجُلًا. فَقَبِلَ مِنْهُمْ
رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ عَلَائِيَهُمْ. وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، حَتَّى جِئْتُ، فَلْمَّا
سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ» فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلّسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ
لِي: «مَا خَلْفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْوَكَ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي، وَاللّهِ! لَوْ
جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَوْأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ. وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدّلا.
وَلَكِنِّي، وَاللَّهِ! لَقَدْ عَلِمْتُ، لَئِنْ حَدَّقْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّيٍ، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَن
يُسْخِطَكَ عَلَيَّ. وَلَئِنْ حَدَّقْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيْ فِيهِ، إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ. وَاللَّهِ!
مَا كَانٌ لِي عُذْرٌ. وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُ أَقْوَى وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلِّفْتُ عَنْكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
◌َ *: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ. فَقُمْ خَتِى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ» فَقُمْتُ. وَقَارَ رِجَالٌ مِنْ يَنِي سَلِمَةً
فَاْبَعُونِي. فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ! مَا عَلِمْنَاكَ أَذْتَبْتَ ذَلْبًا قَبْلَ هَذَا. لَقَدْ عَجَزْتَ فِي أَنْ لا تَكُونَ
اغْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ، بِمَا اغْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلِّفُونَ. فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَلْبَكَ. اسْتِغْفَارٌ
رَسُولِ اللَّهِ :﴿ لَكَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ! مَا زَالُوا يُؤْتِبُونَبِي حَتْى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِع ◌ِلِ.
فَأُكَذِّبَ تَفْسِيٍ. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِيٍ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ. لَقِيَهُ مَعَكَ
رَجُلانِ. قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ. فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بنُ
الرَّبِيعَةَ الْعَامِرِيُّ، وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِيُّ. قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنٍ قَدْ شَهِدًا بَدْرًا،
فِيهِمَا أُسْوَةٌ. قَالَ: فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمّا لِي. قَالَ: وَلَهَى رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ
كَلامِنَا، أَيّهَا الثّلاثَةُ، مِنْ بَيْنٍ مَنْ تَخَلْفَ عَنْهُ. قَالَ: فَاجْتَبَنَا النَّاسُ. وَقَالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى
تَنَكْرَتْ لِي فِي نَفْسِيّ الأَرْضُ. فَمَا هِيَ بِالأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةٌ.
فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانًا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيّانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ.
فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاةَ وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ. وَآتِي رَسُولَ اللَّهِع ◌ُِّ
٣٣٩
فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ. فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ، أَمْ
لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ. فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاِي نَظَرَ إِلَيَّ. وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ
أَغْرَضَ عَّي. حَتّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيٍّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ
خَائِطٍ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَوَاللَّهِ! مَا رَدَّ عَلَيَّ
السَّلامَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةً أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ! هَلْ تَعْلَمَنَّ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ:
فَسَكَتَ. فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُ. فَسَكَتَ. فَعُدْتُ فَنَاشَدْتُ. فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ
عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ، حَتّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ. فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نَبْطٍ
أَهْلِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِعُهُ بِالْمَدِينَةِ. يَقُولُ مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: فَطَّفِقَ
النَّاسُ يُثِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ. حَتِى جَاءَلِي فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانِ. وَكُنْتُ كَاتِبًا. فَقْرَأْتُهُ فَإِذَا
فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ. وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيَعَةٍ.
فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ، حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضَا مِنَ الْبَلاءِ. فَتَاهَمْتُ بِهَا الَُّّورَ
فَسَجَرْتُهَا بِهَا. حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ، إِذَا رَسُولُ رَسُولٍ
اللَّهِ ﴿ يَأْتِي فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ،﴿ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ. قَالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا
أَفْعَلُ؟ قَالَ: لا. بَلِ اغْتَِّلْهَا. فَلا تَقْرَيَنْهَا، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِيَّ بِمِثْلٍ ذَلِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ
لا مْرَأْتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ خَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ. قَالَ: فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ
هِلالِ بْنٍ أَمَّةَ رَسُولَ اللّهِع ◌َ﴿َ. فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هِلالَ بْنَ أُمَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ
لَهُ خَادِمٌ. فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَةُ؟ قَالَ: «لا. وَلَكِنْ لا يَفْرَبِنْكِ» فَقَالَتْ: إِنَّهُ، وَاللَّهِ! مَا بِهِ حَرَكَةٌ
إِلَى شَيْءٍ. وَاللَّهِ! مَا زَالَ يَيْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ. إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ لِي بَعْضُ
أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فِي امْرَأَبِكَ؟ فَقَدْ أَذِنَ لامْرَأَةِ هِلالِ بْنِ أُمَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ.
قَالَ: فَقُلْتُ: لا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ِ. وَمَّا يُدْرِينِي مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿، إِذَا
اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ. قَالَ: فَلَبْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ. فَكَمُّلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةٌ مِنْ
حِينَ نُهِيَ عَنْ كَلامِنًا. قَالَ: ثُمَّ صَلَيْتُ صَلاةَ الْفَجْرِ صَّبَاحٌ خَمْسِينَ لَيْلَةٌ، عَلَى ظَهْرٍ بَيْتٍ مِنْ
بُيُوتِنَا. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَّا. قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي
وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَي عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ، بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
يَا كَعْبَ ابْنَ مَالِكٍ! أَبْثِرْ. قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا. وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءً فَرَجٌ. قَالَ: فَآذَنْ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ النَّاسَ بَِوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا، حِينَ صَلَّى صَلاةَ الْفَجْرِ. فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشْرُونَا
فَذَهَبَ قِلَ صَاحِيَّ مُّبَشِّرُونَ. وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا. وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ لِيَلِي. وَأَوْفَى
الْجَبْلَ. فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ. فَلَمَّا جَاءَِّي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُّبِي. فَنَزَعْتُ
٣٤٠