Indexed OCR Text

Pages 221-240

لشهرته فى كلام العرب، فيكون وصف العبد بالتقرب إليه شبراً وذراعا، وإتيانه، ومشيه، معناه
التقرب إليه، بالطاعة، وأداء الفرائض والنوافل،، ويكون تقربه سبحانه وتعالى من عبده، وإتيانه،
ومشيه، عبارة عن إثابته على طاعته وتقريبه من رحمته، ويكون قوله ((أتيته هرولة)) أى أتاه ثوابى
مسرعًا.
ونقل عن الطبرى: أنه إنما مثل القليل من الطاعة بالشبر، ومثل مضاعفته الأجر والثواب بالذراع،
فجعل ذلك دليلا على مبلغ كرامته، لمن أدمن على طاعته.
وقال ابن التين: القرب هنا نظير قوله تعالى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْن أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] فإن
المراد به قرب الرتبة، وتوفير الكرامة، والهرولة كناية عن سرعة الرحمة إليه، ورضا اللَّه عن العبد،
وتضعيف الأجر، قال: والهرولة ضرب من المشى السريع، وهى دون العدو.
وقال صاحب المشارق: المراد فى هذا الحديث سرعة قبول توبة العبد، وتيسير طاعته، وتقويته
عليها، وتمام هدايته وتوفيقه.
وقال الخطابي: الباع معروف، وهو قدر مد اليدين، وأما البوع بفتح الباء فهو مصدر باع يبوع بوعاً،
قال: ويحتمل أن يكون بضم الباء جمع باع، مثل دار، ودور. وقال الباجى: الباع طول ذراعى الإنسان
وعضديه وعرض صدره، وذلك قدر أربعة أذرع، وهو من الدواب قدر خطوها فى المشى، وهو مابين
قوائمها. اهـ
وفى الرواية الثانية ((إذا تلقانى عبدى بشبر، تلقيته بذراع، وإذا تلقانى بذراع تلقيته بباع، وإذا
تلقانى بباع أتيته بأسرع)) وزاد فى بعض الروايات ((ومن أتانى بقراب الأرض خطيئة، لم يشرك بى
شيئًا جعلتها له مغفرة)» وستأتى هذه الرواية بعد أربعة أبواب.
قال النووى: فى رواية ((وإذا تلقانى بباع جئته أتيته)» هكذا هو فى أكثر النسخ ((جئته أتيته)» وفى
بعضها ((جئته بأسرع)) فقط، وفى بعضها ((أتيته)) وهاتان ظاهرتان، والأول صحيح أيضاً، والجمع
بينهما للتوكيد، وهو حسن، لا سيما عند اختلاف اللفظ.
( جبل يقال له: جمدان ) بضم الجيم، وإسكان الميم.
( سبق المفردون ) بفتح الفاء وكسر الراء المشددة، قال النووى: هكذا نقله القاضى عن متقنى
شيوخه، وذكر غيره أنه روى بتخفيفها وإسكان الفاء، يقال: فرد الرجل، وفرد، بالتخفيف والتشديد،
وأفرد. وقد فسرهم رسول اللَّهِل.
(قال: الذاكرون اللَّه كثيرا، والذاكرات) أى والذاكرات اللّه كثيرًا، فحذف المفعول، كما
٢٢١

حذف فى القرآن، لمناسبة رءوس الآى، ولأنه مفعول يجوز حذفه للعلم به، قال ابن قتيبة وغيره: وأصل
المفردين، الذين هلك أقرانهم، وانفردوا، فبقوا يذكرون الله تعالی.
وجاء فى رواية ((هم الذين اهتزوا فى ذكر الله)) أى لهجوا به، وقال ابن الأعرابى: يقال: فرد
الرجل، إذا تفقه واعتزل وخلا بمراعاة الأمر والنهى.
فقه الحديث
استدلت المعتزلة ومن وافقهم بهذا الحديث على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، صلوات اللَّه
وسلامه عليهم أجمعين، واحتجوا أيضا بقوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَرَرْقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتٍ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [افسراء: ٧٠] فالتقييد بالكثير
احتراز من الملائكة.
قال النووى: ومذهب أصحابنا وغيرهم أن الأنبياء أفضل من الملائكة، لقوله تعالى فى بنى
إسرائيل ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦] والملائكة من العالمين. اهـ
قال ابن بطال: هذا نص فى أن الملائكة أفضل من بنى آدم، وهو مذهب جمهور أهل العلم، وعلى
ذلك شواهد من القرآن، مثل ﴿ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] والخالد
أفضل من الفانى، فالملائكة أفضل من بنى آدم. اهـ وفى كلامه نظر. إذ لوصحت المقارنة لكان
إبليس - وهو من المنظرين أفضل.
قال الحافظ ابن حجر: وتعقب بأن المعروف عن جمهور أهل السنة أن صالحى بنى آدم أفضل
من سائر الأجناس، والذين ذهبوا إلى تفضيل الملائكة الفلاسفة، ثم المعتزلة، وقليل من أهل السنة،
من أهل التصوف، وبعض أهل الظاهر، فمنهم من فاضل بين الجنسين، فقال: حقيقة الملك أفضل من
حقيقة الإنسان، لأنها نورانية، وخيرة، ولطيفة، مع سعة العلم، والقوة، وصفاء الجوهر، وهذا لا يستلزم
تفضيل كل فرد على كل فرد، لجواز أن يكون فى بعض الأناس مافى ذلك وزيادة، ومنهم من خص
الخلاف بصالحى البشر والملائكة، ومنهم من خصه بالأنبياء، ثم منهم من فضل الملائكة على غير
الأنبياء، ومنهم من فضلهم على الأنبياء أيضاً، إلا على نبينا محمد صل.
قال: ومن أدلة تفضيل النبى على الملك أن اللَّه أمر الملائكة بالسجود لآدم، على سبيل التكريم له،
حتى قال إبليس ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦] ومنها قوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ
بيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] لما فيه من الإشارة إلى العناية به، ولم يثبت ذلك للملائكة، ومنها قوله تعالى ﴿ إِنَّ
اللَّهَ اصْطَفَى آدَمٌ وَنُوحًا وَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] ومنها قوله تعالَى
﴿وَسَخَّرَلَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الجاثية: ١٣] فدخل فى عمومه الملائكة، والمسخرله
أفضل من المسخر، ولأن طاعة الملائكة بأصل الخلقة، وطاعة البشر - غالباً - مع المجاهدة للنفس،
٢٢٢

لما طبعت عليه من الشهوة والحرص والهوى والغضب، فكانت عبادتهم أشق، وأيضاً فطاعة الملائكة
بالأمر الوارد عليهم، وطاعة البشر بالنص تارة، وبالاجتهاد تارة، وبالاستنباط تارة، فكانت أشق، ولأن
الملائكة سلمت من وسوسة الشياطين، وإلقاء الشبه والإغواء، الجائزة على البشر، ولأن الملائكة
تشاهد حقائق الملكوت، والبشر لا يعرفون ذلك إلا بالإعلام.
وأجابوا على أدلة الآخرين بأن الخبر المذكور، أى حديثنا، ليس نصاً، ولا صريحاً فى المراد، بل
يطرقه احتمال أن يكون المراد بالملأ الذين هم خير من الملأ الذاكر، الأنبياء والشهداء، فإنهم أحياء
عند ربهم، فلم ينحصر ذلك فى الملائكة.
وجواب آخر، أقوى من الأول بأن الخيرية إنما حصلت بالذاكر والملأ الأعلى معا، فالجانب الذى
فيه رب العزة، خير من الجانب الذى ليس هو فيه، بلا ارتياب، فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع
على المجموع.
ثم قال الحافظ ابن حجر: ومن أدلة المعتزلة تقديم الملائكة فى الذكر، فى قوله تعالى ﴿ مَنْ كَانَ
عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٩٨] وقوله ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل
عمران: ١٨] وقوله ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُّلا وَمِنْ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وتعقب بأن مجرد
التقديم فى الذكر، لا يستلزم التفضيل، لأنه لم ينحصر فيه، بل له أسباب أخرى، كالتقديم بالزمان فى
مثل قوله ﴿ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الأحزاب: ٧] فقدم نوحاً على إبراهيم، لتقدم زمان نوح، مع أن
إبراهيم أفضل، ومنها قوله تعالى ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾
[النساء: ١٧٢]. اهـ
وهناك أدلة وردود أخرى يضيق عنها المقام.
وعندى أن هذا البحث ليس من ورائه كبير فائدة، وعلمه عند الله تعالى يفضل ما يشاء على ما
يشاء من غير مزية أو خصوصية، فهو الواهب للمزايا والخصوصيات.
وفى الحديث فضيلة الذكر.
وقال الكرمانى: فى الحديث إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء على الخوف، وكأنه أخذه من جهة
التسوية، فإن العاقل إذا سمع ((أنا عند ظن عبدى بى)) لا يعدل إلى ظن إيقاع الوعيد، وهو جانب
الخوف، لأنه لا يختاره لنفسه، بل يعدل إلى ظن وقوع الوعد، وهو جانب الرجاء، قال أهل التحقيق:
هذا التغليب مطلوب عند الاحتضار، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن
الظن بالله)».
والله أعلم
٢٢٣

(٧٤١) باب فى أسماء اللّه تعالى، وفضل من أحصاها
٥٩١٨- ٤ُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٤)، عَنِ الْبِيِّ:﴿ قَالَ: «إِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا. مَنْ حَفِظَهَا
دَخَّلَ الْجَنَّةَ. وَإِنَّ اللّهَ وِفْرٌ يُحِبُّ الْوِقْرَ» وَفِي رِوَايَةِ ابْنٍ أَّبِي عُمَرَ «مَنْ أَحْصَاهَا».
٥٩١٩- ° عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٥)، عَنِ النّبِيِّ ﴿ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةٌ إِلا
وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)). وَزَادَ هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﴾: «إِنَّهُ وِتْرٌ
يُحِبُّ الْوِتْرَ».
المعنى العام
كثرة الأسماء تدل على عظم المسمى، والاسم غير الصفة، ومن المعلوم أن اللَّه تعالى يتصف بكل
كمال، ويتنزه عن كل نقص، وقد اختلف العلماء قديماً وحديثاً فى إطلاق أسماء عليه تعالى، مأخوذة
من الأوصاف الكمالية، غير واردة فى أسمائه تعالى المنصوص عليها فى الكتاب أو فى السنة
الصحيحة والتحقيق أن أسماء اللَّه توقيفية، فلا يجوز أن نسمى الله إلا بما سمى به نفسه فى قرآنه،
أو على لسان نبيه
وقد ورد فى هذا الحديث أن لله تسعة وتسعين اسما، ذكرت فى بعض كتب السنن، وحث على
حفظها رسول اللَّه، فقال: من حفظها دخل الجنة، ومن أحصاها عدا، وذكراً، ودعاء فى الصلاة أو
غيرها كثر أجره وثوابه، فاستحق الجنة إن شاء الله.
المباحث العربية
( لله تسعة وتسعون اسما) كذا فى معظم النسخ ((اسما)» بالنصب على التمييز، وفى الرواية
الثانية ((إن للَّه تسعة وتسعين اسماء مائة إلا واحدا)) بتذكير ((واحدا)) قال ابن بطال: وهو الصواب،
وفى رواية عند البخارى ((إلا واحدة)) بالتأنيث، وخرجت على إرادة التسمية، أى إلا تسمية واحدة،
وقال السهيلى: بل أنت الاسم لأنه كلمة، أى إلا كلمة واحدة، وقال ابن مالك: أنت باعتبار معنى
التسمية أو الصفة أو الكلمة، وفائدة هذه الزيادة ((مائة إلا واحدا)» بعد ((تسعة وتسعين)) التقرير فى
(٤) حَدَّنَا عَمْرٌوِ النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَّرَ جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو حَدَّنَا سُفْيَاهُ بْنُ عُبَيْنَةٌ عَنْ أَبِي الرِّنَادِ
عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٥) حَدَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدََّا عَبْدُ الرَّزَاقِ حَدَِّنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ هَمَّامٍ بْنٍ مُنَبِّهِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ
٢٢٤

نفس السامع جمعا بين الإجمال والتفصيل، أو رفعا للتصحيف الخطى والسمعى، ووقع فى رواية
الحميدى ((مائة اسم غير واحد)) وعند ابن ماجه ((قال الله تعالى: لى تسعة وتسعون اسما)).
قال النووى: واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى، فليس
معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود هذا الحديث أن هذه التسعة
والتسعين، من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر
الأسماء. وسيأتى تتمة هذه المسألة فى فقه الحديث.
( من حفظها دخل الجنة) وفى الرواية الثانية ((من أحصاها دخل الجنة)) قال النووي:
فاختلفوا فى المراد بإحصائها، فقال البخارى وغيره من المحققين: معناه حفظها، وهذا هو الأظهر،
لأنه جاء مفسرًا فى الرواية الأخرى، وقيل: أحصاها عدها فى الدعاء بها، وقيل: أطاقها، أى أحسن
المراعاة لها، والمحافظة على ما تقتضيه، وصدق بمعانيها، وقيل: معناه العمل بها، والطاعة بكل
اسمها، قال: والإيمان بها لا يقتضى عملا، وقال بعضهم: المراد حفظ القرآن، وتلاوته كله، لأنه
مستوف لها، قال: وهو ضعيف، والصحيح الأول.
(وإن اللَّه وتريحب الوتر) الوتر الفرد، ومعناه فى حق اللّه تعالى، الواحد الذى لا شريك له
ولا نظير، ومعنى يحب الوتر، تفضيل الوتر فى الأعمال، وكثير من الطاعات، وقيل: إن المعنى يحب
أن يعبد ويذكر بما يفيد الوحدانية والتفرد مخلصاً له.
فقه الحديث
حكى ابن بطال عن المهلب: أن المراد بالحديث الدعاء بهذه الأسماء، لأن الحديث مبنى على
قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] فذكر النبى أنها تسعة وتسعون،
فيدعى بها، ولا يدعى بغيرها.
وتعقب بأنه ثبت فى أخبار صحيحة الدعاء بكثير من الأسماء التى لم ترد فى القرآن، كما فى
حديث ابن عباس فى قيام الليل ((أنت المقدم، وأنت المؤخر)» وغير ذلك.
وقال الفخر الرازى: لما كانت الأسماء من الصفات، وهى إما ثبوتية حقيقية، كالحى، أو إضافية
كالعظيم، وإما سلبية كالقدوس، وإما حقيقية إضافية كالقدير، أو سلبية إضافية، كالأول والآخر، وإما
من حقيقية وإضافية سلبية، كالملك، والسلوب غير متناهية، لأنه عالم بلا نهاية، قادر على مالا نهاية،
فلا يمتنع أن يكون له من ذلك اسم، فيلزم أن لا نهاية لأسمائه. وحكى القاضى أبو بكرابن العربى عن
بعضهم أن للَّه ألف اسم، قال ابن العربى: وهذا قليل فيها. ونقل الفخر الرازى أن اللَّه أربعة آلاف اسم،
استأثر بعلم ألف منها، وأعلم الملائكة بالبقية، والأنبياء بألفين منها، وسائر الناس بألف. اهـ وهذه
دعوى بغير دليل، فلا يلتفت إليها، واستدل أيضاً بعدم الحصر، بأنه مفهوم عدد، ومفهوم العدد ضعيف
لا یعمل به.
٢٢٥

وممن ذهب إلى الحصر فى العدد المذكور ابن حزم - وهو وإن كان لا يقول بالمفهوم أصلا - لكنه
احتج بالتأكيد فى قوله صلى الله عليه وسلم ((مائة إلا واحداً)) كما احتج بقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] قال أهل التفسير: من الإلحاد
فى أسمائه تسميته بما لم يرد فى الكتاب أو السنة الصحيحة.
وقال غيره: المراد بالأسماء الحسنى فى قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ما جاء
فى الحديث ((إن لله تسعة وتسعين اسما)) فإن ثبت الخبر الوارد فى تعيينها، وجب المصير إليه، وإلا
فيتتبع من الكتاب العزيز، والسنة النبوية الصحيحة، فإن التعريف فى الأسماء للعهد، فلابد من
المعهود، فإنه أمر بالدعاء بها، ونهى عن الدعاء بغيرها، فلا بد من وجود المأمور به.
وهذا سردها لتحفظ:
الله - الرحمن - الرحيم - الملك - القدوس - السلام - المؤمن - المهيمن - العزيز - الجبار -
المتكبر - الخالق - البارئ - المصور - الغفار - القهار - التواب - الوهاب - الخالق - الرازق -
الفتاح - العليم - الحليم - العظيم - الواسع - الحكيم - الحى - القيوم - السميع - البصير - اللطيف
- الخبير - العلى - الكبير - المحيط - القدير - المولى - النصير - الكريم - الرقيب - المجيب -
الوكيل - الحسيب - الحفيظ - المقيت - الودود - المجيد - الوارث - الشهيد - الولى - الحميد -
الحق - المبين - القوى - المتين - الغنى - المالك - الشديد - القادر - المقتدر - القاهر - الكافى -
الشاكر - المستعان - الفاطر - البديع - الغافر - الأول - الآخر - الظاهر - الباطن - الكفيل - الغالب
- الحكم - العدل - الرفيع - الحافظ - المنتقم - القائم - المحيى - الجامع - المليك - المتعالى -
النور - الهادى - الغفور - الشكور - العفو - الرءوف - الأكرم - الأعلى - البر - الحفى - الرب، الإله -
الواحد - الأحد - الصمد.
( الذى لم يلد - ولم يولد - ولم يكن له كفوا أحد ).
هذا. وقد استدل بالحديث على صحة استثناء القليل من الكثير، وهو متفق عليه وأبعد من استدل
به على جواز الاستثناء مطلقاً، حتى يدخل استثناء الكثير، حتى لا يبقى إلا القليل، وأغرب الداودى،
فنقل الاتفاق على الجواز، وأن من أقر، ثم استثنى عمل باستثنائه، حتى لوقال: على ألف إلا تسعمائة
وتسعة وتسعين، أنه لا يلزمه إلا واحد، وتعقب باستبعاد الاتفاق، فالخلاف ثابت فى مذهب مالك.
واستدل بالحديث على أن الاسم هو المسمى، إذ لو كان غيره، كانت الأسماء غيره، لقوله تعالى
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ قال: والمخلص من ذلك أن المراد بالاسم هنا التسمية.
وقال الفخر الرازى: المشهور من قول أصحابنا أن الاسم نفس المسمى، وغير التسمية، وعند
المعتزلة الاسم نفس التسمية وغير المسمى، واختار الغزالى أن الثلاثة أمور متباينة. قال الحافظ ابن
حجر: وهو الحق عندى.
وفى المبحث طول لا يليق بهذا المقام، فمن أراده فليراجعه فى فتح البارى.
٢٢٦

قال النووى: وفيه دليل على أن أشهر أسمائه سبحانه وتعالى ((الله)) لإضافة هذه الأسماء إليه،
وإليه ينسب كل اسم له، فيقال مثلا: الرءوف والكريم من أسماء الله تعالى، ولا يقال: من أسماء
الرءوف أو الكريم اللَّه.
وقد جرى فى بحوثهم عبارة ((اسم الله الأعظم)) وقد أنكره قوم، كأبى جعفر الطبرى، وأبى الحسن
الأشعرى، وجماعة بعدهما، كأبى حاتم بن حبان، والقاضى أبى بكر الباقلانى، فقالوا: لا يجوز تفضيل
بعض الأسماء على بعض - ونسب ذلك لمالك. وحملوا ما ورد من ذكر ذلك على أن المراد بالأعظم
العظيم، وأن أسماء اللَّه كلها عظيمة.
وقال آخرون بوجوده، ثم اختلفوا. فمنهم من قال: استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحدا
من خلقه، وقيل: الاسم الأعظم ((هو)): نقله الفخر الرازى عن بعض أهل الكشف .. وقيل: ((الله)). لأنه لم
يطلق على غيره، ولأنه الأصل فى الأسماء الحسنى، ومن ثم أضيفت إليه، وقيل: ((الرحمن الرحيم».
وقيل: ((الحى القيوم))، وقيل: ((الحنان المنان)). وقيل غير ذلك مما أوصله الحافظ ابن حجر إلى أربعة
عشر قولا.
واللَّه أعلم
٢٢٧

(٧٤٢) باب العزم فى الدعاء، ولا يقل: إن شئت
٥٩٢٠- { عَنْ أَنَسِ رَ﴾(٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعِ﴿ِ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ،
وَلا يَقُلٍ: اللَّهُمَّا إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِي. فَإِنَّ اللَّهَ لا مُسْتَكْرِهَ لَهُ».
٥٩٢١- ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ ﴾(٧)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلا يَقُلٍ:
اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ. وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ. فَإِنَّ اللَّهَ لا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ
أُعْطَاءُ».
٥٩٢٢- ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٨) قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :﴿: «لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ: اللَّهُمَّا اغْفِرْ لِي
إِنْ شِئْتَ. اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمْ فِي الدُّعَاءِ. فَإِنَّ اللَّهَ صَائِعٌ مَا شَاءً لا مُكْرِةٍ لَهُ».
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ فَدَّ﴾ٍ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
[الكهف: ٢٣_٢٤] لأن الإنسان لا حول له، ولا قوة له إلا بحول الله وقوته، أمر بتعليق
كل تحركاته، وكل أفعاله المستقبلة على إرادة الله ومشيئته، أما فى الدعاء، وفى
الطلب من الله، فيكره له أن يعلق هذا الطلب على المشيئة، وإن كان فعلا موقوفاً
إجابته على المشيئة، لأن الطلب من الكريم الجواد لا يصح أن يعلق على شىء،
إذ التعليق يتنافى مع الإيمان بالسخاء، مع الأمل والرجاء والطمع في رحمة الله،
وإن طالب الحاجة من الكريم الذى لا ينقص ملكه بالعطاء، يجزم بالإجابة،
ويتأكد ويثق أن اللَّه الكريم سيستجيب، فقد وعد متفضلا بذلك، إذ يقول فى
القرآن الكريم ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
المباحث العربية
( إذا دعا أحدكم فليعزم فى الدعاء ولا يقل: اللهم إن شئت فأعطنى ) وفى الرواية
(٦) حَدَّثََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَةً وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنٍ عُلَّةً قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّْنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنٍ
صُهّيْبٍ عَنْ آنْسِ
(٧) حَدَّثَا يَحْتِى بْنُ أَيُّوبٌ وَقْتَهُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدِّنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنُوِنِ ابْنَ جَعْفَرِ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٨) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ حَدَّقًَّا أَلَسُ بْنُ عِيَاضٍ حَدَّقْنَا الْحَارِثُ وَهُوَّابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِيَ ذُبَابٍ عَنْ عَطَّاءِ بْنٍ
مِنَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٢٢٨

الثانية ((إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لى، إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة )» وفى
الرواية الثالثة ((لا يقولن أحدكم: اللهم اغفرلى، إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت، ليعزم فى الدعاء»
وعند البخارى ((إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطنى ... )) والمراد من
المسألة السؤال والدعاء، ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا يعلق ذلك بمشيئة
اللَّه تعالى، وإن كان مأموراً فى جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى، وقيل: معنى العزم أن
يحسن الظن بالله فى الإجابة. وقوله ((اللهم اغفرلى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت)) أمثلة، ففى
رواية للبخارى زيادة ((اللهم ارزقنى إن شئت)) ومعنى قوله فى الرواية الثانية ((ليعظم الرغبة)» أى
يبالغ فى ذلك بتكرار الدعاء والإلحاح فيه، ويحتمل أن يراد به الأمر بطلب الشىء العظيم الكثير،
ويؤيده قوله فى آخر الرواية الثانية ((فإن اللَّه لا يتعاظمه شىء)) وطلب الشىء العظيم إنما يكون من
العظيم.
(فإن اللَّه لا مستكره له) بضم الميم وكسر الراء، وفى الرواية الثالثة ((لا مكره له)) وهما
بمعنى، أى لا أحد يكرهه، والذى يحتاج إلى التعليق بالمشيئة من إذا كان المطلوب منه يتأتى
إكراهه على الشىء، فيخفف الطالب الأمر عليه، ويعلمه بأنه لا يطلب منه ذلك الشيء إلا برضاه، وأما
اللَّه تعالى فمنزه عن ذلك، فليس للتعليق فائدة، ويحتمل أن التعليق على المشيئة فى حالة الطلب
يوهم اعتقاد البخل، فإن البخيل هو الذى يتردد فى الإعطاء والإجابة، ويحتمل أن فى التعليق على
المشيئة إيهاما بالاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه، والأول أولى، ففى الرواية الثالثة ((فإن اللَّه
صانع ما شاء، لا مكره له ».
فقه الحديث
قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول: اللهم أعطنى إن شئت، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا،
لأنه كلام مستحيل، لا وجه له، لأنه لا يفعل إلا ما شاءه. اهـ
وظاهره أنه حمل النهى عن التحريم، قال الحافظ ابن حجر: وهو الظاهر، وحمل النووى النهى فى
ذلك على كراهة التنزيه، وهو أولى، ويؤيده حديث الاستخارة.
وقال ابن بطال: فى الحديث أنه ينبغى للداعى أن يجتهد فى الدعاء، ويكون على رجاء الإجابة ولا
يقنط من الرحمة، فإنه يدعو کریمًا.
وقد قال ابن عيينة: لا يمنعن أحدًا الدعاء، ما يعلم فى نفسه، يعنى من التقصير، فإن اللّه قد
أجاب دعاء شرخلقه، وهو إبليس، حين قال: ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُّونَ﴾ [الأعراف: ١٤]. وقال
الداودى: معنى قوله ((ليعزم المسألة)) أن يجتهد ويلح، ولا يقل: إن شئت، كالمستثنى، ولكن دعاء
البائس الفقير. قال الحافظ ابن حجر: وكأنه أشار بقوله: المستثنى، إلى أنه إذا قالها على سبيل
التبرك لا يكره. وهو كلام جيد. اهـ
واللَّه أعلم
٢٢٩

(٧٤٣) باب كراهة تمنى الموت لضر نزل به
٥٩٢٣- ١ عَنْ أَنَسٍ﴾(٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «لا يَتَمَنْيُنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرِّ
نَوَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ مُتَمِّيًا، فَلْيَقُلِّ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَلْيِي إِذَا
كَانَتِ الْوَّفَاةُ خَيْرًا لِي».
٥٩٢٤- ١٠ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ ﴾(١٠)، عَنِ النَّبِيِّ ﴾. بِمِعْلِهِ، غَيْرَ أَنْهُ قَالَ:
«مِنْ ضُرِّ أَصَابَهُ».
٥٩٢٥ - ١٣ عَنِ النّصْرِ بْنِ آَنَسٍ (١٠) - وَأَنَسّ يَوْمَئِذٍ حَيٍّ - قَالَ أَنَسّ: لَوْلا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
◌ِ* قَالَ: «لا يَعْمَنَيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ» لَعَمَنَّيْتُهُ.
٥٩٢٦ - -١١ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ(١١) قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى خَبَّابٍ، وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعَ كَيَّاتٍ
فِي بَطْيِهِ، فَقَالَ: لَوْ مَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿َ تَهَنَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتٍ، لَدَعَوْتُ بِهِ.
٥٩٢٧- ١٣ عن أبي هُرَيْرَةَ﴾(١٢)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «لا يَتْمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ. وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلٍ أَن يَأْتِيَهُ. إِنَّهُ إِذَا مَاتَ
أَحَدُكُمُ الْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا».
المعنى العام
الدنيا مزرعة الآخرة، وكلما اتسعت هذه المزرعة كلما تهيأت الفرصة للاستفادة منها، ولما كان
الدعاء معرضاً للإجابة، كان الدعاء بتضييق الفرص، دعاء ليس فى صالح صاحبه، وكان الدعاء
بالموت أو تمنيه دعاء منهيا عنه ((لايتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، ولا يدع بالموت لضر نزل به)).
(٩) حَدَّثَّا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدْقََّا إِسْمَعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةً عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ آَنَسِ
(٥٠) حَدَّمَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ حَدََّا زَوْعٌ حَدََّا شُعْبَةُ حِ وَ حَدَّتِي زُهَيْرَ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَََّّا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَّمَةً كِلَاهُمَا
عَنْ قَابِتٍ عِنْ أَسِّ
(١٠) حَدَّقِيٍ حَامِّدُ بْنُ عُمَرَ حَدْقْنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّقْنَا عَاصِمٌ عَنِ النّصْرِ بْنِ أَنَسٍ
(١١) حَدْثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَنْيَةٌ حَدْثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسٌ عَنَّ إِسْمَعِّلَ بَّنِ أَبِيَ خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ آَبِي حَازِمٍ
- حَدَّثَنَاهُ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْئَةٌ وَجَرِيرُ بَّنُ عَبْدِ الْخِّمِيَدِ وَوَكِيعٌ حِ وَحَدْقْنَا ابْنُ نَّمَّيْرِ حَدَّقْنَا أَبي ح و
حَدَّقْنَا عُبَيْكَ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ وَيَخْتِى بْنُ حَبِيبٍ قَالا حَدََّّا مُعْتَمِرٌ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَّةً كُلَهُمْ عَنْ إِسْمَعِيلَ
بهذا الإسنادِ
(١٢) حَدَّثَنَاً مُحَمَّدُ بْنُ رَائِعٍ حَدََّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَعْيُوَّنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنٍ مُنَّهِ قَالَ هَذَا مَا حَدََّا أَبُو هُرَيْرَةً
٢٣٠

لأنه إن كان محسنًا فطول عمره يزيد رصيد حسناته، وإن كان مسيئا كان طول عمره فرصة لتوبته،
وتعديل مساره، فإن آلمه المرض، واشتدت به نكبات الحياة، ولم يكن له مفر من تمنى الموت،
فليلاحظ فى دعائه التسليم للقضاء، والرضا بالقدر، وليقل: اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرًا لى،
وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرًا لى.
بهذا يظل المؤمن حسن الظن بالله، راضيا بقضاء الله، صابرًا محتسبا ما يصيبه فى
دنياه.
المباحث العربية
( لايتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ) فى ملحق الرواية ((من ضر أصابه)» والخطاب -
ككل خطاب الشرع، إما للمخاطبين الحاضرين، وغيرهم ممن على شاكلتهم مكلفون بما كلفوا به،
ومخاطبون بما خوطبوا به عن طريق القياس، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتأتى خطابه فى كل
زمان ومكان.
وقوله ((من ضر أصابه)) حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوى، و((من)) فى قوله ((من ضر
أصابه)) سببية أى بسبب ضر أصابه، وفى الرواية الرابعة ((لايتمنى أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل
أن يأتيه».
( فإن كان لابد متمنيا ) الموت، وفى رواية للبخارى ((فإن كان لابد فاعلا» وفى رواية أخرى
له «فإن كان ولابد متمنيا للموت».
( فليقل: اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرًا لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرًا لى)
((ما)» فى ((ما كانت الحياة)) ظرفية دوامية، أى مدة كون الحياة خيراً، وعبر بها فى جانب الحياة،
لأنها حاصلة، فحسن أن يأتى بالصيغة المقتضية للاتصاف بالحياة، ولما كانت الوفاة لم تقع بعد،
حسن أن يأتى بصيغة الشرط.
( لولا أن الرسول # قال: لا يتمنين أحدكم الموت لتمنيته) فى الرواية الثالثة: ((لو ما
أن رسول اللَّه﴿ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به)) و(لوما)) مثل ((لولا)) حرف امتناع لوجود. أى
امتنع دعائی بالموت لوجود النھی.
( إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لن يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا ) هذا تعليل
للنهى، وإشارة إلى أن طول العمر خير من الموت، فإنه فرصة للعمل، ولفظ التعليل عند البخارى ((إما
محسناً، فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا، فلعله أن يستعتب)) ((يستعتب)) بضم الياء وفتح التاء
الأولى، وكسر الثانية، أى يرجع عن موجب العتب عليه.
٢٣١

فقه الحديث
قال النووي: فيه التصريح بكراهة تمنى الموت لضر نزل به، من مرض، أو فاقة، أو محنة من عدو،
أو نحو ذلك من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضرراً فى دينه، أو فتنة فيه، فلا كراهة فيه، لمفهوم هذا
الحديث وغيره. وقد فعل هذا الثانى خلائق من السلف، عند خوف الفتنة فى أديانهم، قال: وفيه أنه
إن خالف، ولم يصبر على حاله، فى بلواه بالمرض ونحوه، فليقل: اللهم أحينى، إن كانت الحياة خيراً
لى ... إلخ، والأفضل الصبر، والسكون للقضاء. اهـ
وقلنا: إن بعض السلف حملوا هذا الحديث على الضرر الدنيوى - كما أشار إلى ذلك النووى - قال
الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان ((لايتمنين أحدكم الموت لضر نزل به،
فى الدنيا)) على أن ((فى)) سببية، أى بسبب أمر من أمور الدنيا، وقول النووى: وقد فعل هذا الثانى
خلائق من السلف، يشير بذلك إلى ما فى الموطأ عن عمر عنه أنه قال: ((اللهم كبرت سنى، وضعفت
قوتى، وانتشرت رعيتى، فاقبضني إليك، غير مضيع ولا مفرط)). ويروى أن عابس الغفارى قال: ((يا
طاعون خذنى، فقال له عليم الكندى: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول اللَّه ◌ُ *: «لايتمنين أحدكم
الموت))؟ فقال: إنى سمعته يقول: ((بادروا بالموت ستا. إمرة السفهاء، وكثرة الشرط وبيع الحكم ... )).
وأخرج أبو داود، وصححه الحاكم حديث معاذ، وفيه ((وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنى إليك غير
مفتون)).
وقد استشكل الحديث بأن أوله نهى عن تمنى الموت، وآخره إجازة لتمنى الموت؟ وأجيب بأن
النهى موجه إلى التمنى المطلق، وفيه نوع اعتراض ومراغمة للقدر المحتوم، وفى آخره جواز التمنى
المقيد، وفيه نوع من التفويض والتسليم للقضاء، وفى الأمر بالقول ((اللهم أحينى ... )) إلخ أن الأمر
يصرف عن حقيقته من الوجوب والاستحباب إلى الإباحة، وخاصة إذا كان بعد حظر، فإنه يكون
لمطلق الإذن.
وقد أخذ بعضهم من مفهوم قوله فى روايتنا الرابعة ((من قبل أن يأتيه)) أنه إذا حل به لا يمنع من
تمنيه، رضا بلقاء الله، فقد قال صلى الله عليه وسلم ((اللهم اغفر لى، وارحمنى، وألحقنى بالرفيق
الأعلى)».
وقد استشكل على الحديث، وهو يفيد أن طول العمر خير، بأن طول العمر قد يكون شراً، فقد يرتد
عن الإيمان والعياذ بالله، وأجيب بأن ذلك نادر، وبأن من سبق عليه القدر بخاتمة السوء، فلا بد من
وقوعها، طال عمره، أو قصر، فتعجيله طلب الموت لا خير فيه.
والله أعلم
٢٣٢

(٧٤٤) باب من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه
ومن كره لقاء الله ، كره الله لقاءه
٥٩٢٨- ١٣ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ﴾(١٣)؛ أَنَّ نَّبِيَّ اللَّهِعَ﴿ قَالَ: «مَنْ أَحَبُّ لِقَاءَ اللَّهِ،
أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ. وَمَنْ كَرِةٍ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِهَ اللّهُ لِقَاءَهُ».
٥٩٢٩- ١٣ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٤) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «مَنْ أَحَبُّ لِقَاءٌ
اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ. وَمَنْ كَرِةٍ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِةَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». فَقُلْتُ: يَا نَّبِيَّ اللَّهِ: أَكَرَاهِيَةٌ
الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَةُ الْمَوْتَ. فَقَالَ: «لَيْسَ كَذَلِكِ. وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ
وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ، أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ،
حَرِةٍ لِقَاءَ اللَّهِ، وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».
٥٩٣٠- ١٥ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا (١٥) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ
اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ. وَمَنْ كَرِةٍ لِقَاءَ اللَّهِ، كَّرِةَ اللَّهُ لِقَاءَهُ. وَالْمَوْتُ قَبْلٌ لِقَاءِ اللَّهِ».
٥٩٣١ - -١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ ﴾(١٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «مَنْ أَحَبْ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ
اللَّهُ لِقَاءَهُ. وَمَنْ كَرِةٍ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِةِ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قَالَ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ. فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِينَ!
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ حَدِيثًا، إِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَقَدْ هَلَكْنَا. فَقَالَتْ: إِنَّ
الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ بِقَوْلٍ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ِ، وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «مَنْ أَحْبَّ
◌ِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ. وَمَنْ كَرِةٍ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِةِ اللَّهُ لِقَاءَةُ». وَلَيْسَ مِنْا أَحَدٌّ إِلا وَهُوَ
يَكْرَةُ الْمَوْتَ. فَقَالَتْ: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِع ◌َّ. وَلَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ. وَلَكِنْ إِذَا شَخَصَ
(١٣) حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّمٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
- وحَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّارِ قَالا حَدََّا مُحَمِّذَ ابْنَّ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ عَنْ قَتَادَةً قَالَ سَمِعْتُ أَنْسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ مِثْلَهُ
(١٤) حَدْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّزَيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ حَدََّا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةً عَنْ زُرَارَةً عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ
عَائِشَةً
- وحَدَّثْنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ حَدًَّا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ حَدَّثًّا سَعِيدٌ عَنْ قَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ
١٥) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ زَكِرِيَّاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ شَّرِّيْحِ بْنِ هَالِيٍ عَنْ عَائِشَةَ
- حَدَّثَّاهِ إِسْحَقُ بْنَّ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيْسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ حَدَّثَنِيَ شَرَّيْحُ ابْنُ هَانِيٍ أَنَّ عَائِشَةً أَخْبُرَتْهُ أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ ﴾ قَالَ بِمِثْلِهِ
(١٦) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمَّرِوَ الأَشْعَنِيُّ أَخْبِرَنَا عَبْشَرٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ شُرَيْحٍ بْنِ هَالِيٍ عَنْ أَبِيٍ هُرَيْرَةً
- وحَدََّه إِسْحَقُ بْنٌ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبُرَبِي جَرِيرٌ عَنْ مُطَوِّفٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ تَخْوَ خَّدِيثٍ غَبْقٍَ
٢٣٣

الْبَصَرُّ، وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ، وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ وَتَشَنّجَتِ الأَصَابِعُ. فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللّهِ،
أَحَبّ اللَّهُ لِقَاءَهُ. وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ، حَرِةِ اللَّهُ لِقَاءَهُ.
٥٩٣٢ - -ّ! عَنْ أَبِي مُوسَى ﴾(١٧)؛ عَنِ النَّبِيِّ:﴿ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، أَحَبَّ اللَّهُ
لِقَاءَهُ. وَمَنْ حَرِةٍ لِقَاءَ اللَّهِ، كَرِةِ اللَّهُ لِقَاءَهُ» .
المعنى العام
الدنيا سجن المؤمن، جعلها الله مزرعة الآخرة، فمن يعمل فيها مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل
فيها مثقال ذرة شراً يره، والموت هوباب الخروج من السجن إلى الدار الأخرى، لكن قد تكون الدار
التى بعد السجن دار عذاب وشقاء وجحيم، وقد تكون دار سعادة وهناء ونعيم، نتيجة لما زرع الزارع
فى سجنه، وما عمل العامل فى دنياه، فمن زرع حصد، ومن زرع قمحا حصد قمحا، ومن زرع شوكاً
ومراً لم يحصد إلا شوكاً ومراً، والشقى يلهو فى دنياه ناسيا أخراه، ينعم بما يأكل ويشرب، ويتمتع كما
تأكل الأنعام، ويغتر بطول الليالي والأيام، لا يعرف حقيقتها، وأنها ساعة النهاية تكون كفيلم شاهده،
مرت أحداثه فى دقائق من ليل أو نهار، عند النهاية، ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ ﴾ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ
تَنْظُرُونَ﴾ ولا تملكون له شيئاً ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنَّ لا تُبْصِرُونَ﴾ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ
مَدِينِينَ﴾ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣-٨٧] هل يستطيع أحد منكم مهما بلغ من الطب
أن يرجعها إلى الجسد إذا بلغت الحلقوم؟ وهل يستطيع المحتضر أن يخبركم بما يرى، إنه يرى
مقعده من الجنة، أو مقعده من النار، لكنه قد ختم على لسانه وعلى قلبه، فلا ينطق ولا يشير، إنه إن
كان شقياً كره المصير، وكره الدار الآخرة، وقال: أخرونى. أخرونى. إلى أين أذهب؟ لا أحب أن
أذهب، لا أحب أن أذهب إلى قبرى، إنه حفرة من حفر النار، وأما إن كان من المقربين فروح
وريحان وجنة نعيم، يراها فى انتظاره، فيحب لقاء الله، ويحب التقدم للآخرة، ويقول لمن حوله - وإن
كانوا لا يسمعون أسرعوا بى. أسرعوا بى، أسرعوا بى إلى قبرى، إلى روضة من رياض الجنة، ويقول
كما قال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم الرفيق الأعلى)).
فى هذه الساعة الحرجة، وفى هذه اللحظات الدقيقة، من أحب لقاء اللَّه، أحب الله لقاءه، وفتح
له أبواب رحمته، ومن كره لقاء اللَّه كره الله لقاءه، وأعد له جزاء ما قدمت يداه. جعلنا الله ممن
يحبون لقاءه، ويحب لقاءهم.
المباحث العربية
( من أحب لقاء اللَّه، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه) لقاء الله
(١٧) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَّبِي شَيْئَةَ وَأَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا حَدََّا أَبُو أُسَامَةً عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي ◌ُرْدَةً عَنْ أَبِي مُوسَى
٢٣٤

يطلق، ويراد به معان مختلفة، فيطلق ويراد به البعث، ومنه قوله تعالى ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاء اللَّهِ﴾
[يونس: ٤٥] ويطلق ويراد به الموت، ومنه قوله تعالى ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُولِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَآتٍ﴾
[العنكبوت: ٥] وقوله ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] وليسا مرادين هنا،
ولكن المراد منه هنا المصير إلى الدار الآخرة، وطلب ما عند الله، وليس الغرض منه الموت، فعائشة
تقول فى روايتنا الثالثة ((والموت قبل لقاء الله)) أى إن الموت غير اللقاء، ولكنه معترض دون الغرض
المطلوب، فيجب أن يصير عليه، ويحتمل مشاقه، حتى يصل إلى الفوز باللقاء.
وتنفى عائشة أن المراد بلقاء الله الموت، فتقول فى الرواية الرابعة لمن قال لها: ليس منا أحد إلا
ـر)) بفتح الشين والخاء، أى
وهو يكره الموت، تقول: ((ليس بالذى تذهب إليه، ولكن إذا شـ
فتح المحتضر عينيه إلى فوق، فلم يطرف - ((وحشرج الصدر)) بفتح الحاء وسكون الشين وفتح الراء،
أى ترددت الروح فى الصدر، وعلا، وانخفض، واضطرب الشهيق والزفير - ((واقشعر الجلد)) أى قام
شعره - ((وتشنجت الأصابع)) بفتح التاء والنون المشددة بينهما شين، أى تقبضت، وهذه الأمور هى
حالة المحتضر، وهذه الزيادة من كلام عائشة، ذكرتها استنباطاً، فكراهة الموت وشدته ليس المراد
بلقاء الله، فإن هذا لا يكاد يخلو عنه أحد، ولكن المذموم من ذلك إيثار الدنيا، والركون إليها، وكراهية
أن يصير إلى الله، والدار الآخرة، وقد عاب اللَّه قوماً بحب الحياة، فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنًا
وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُوا بِهَا﴾ [يونس: ٧] وقال النووى: معنى الحديث أن المحبة والكراهة
التى تعتبر شرعاً، هى التى تقع عند النزع، فى الحالة التى لا تقبل فيها التوبة، حيث ينكشف الحال
للمحتضر، ويظهر له ما هو صائر إليه. اهـ
وفى البخارى ((قالت عائشة - أو بعض أزواجه - إنا لنكره الموت، قال صلى الله عليه وسلم: ليس
ذاك، ولكن المؤمن، إذا حضره الموت، بشر برضوان الله وكرامته، فليس شىء أحب إليه مما أمامه،
فأحب لقاء الله، وأحب اللَّه لقاءه، وإن الكافر إذا حضر، بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شىء أكره
إليه مما أمامه، فكره لقاء الله، وكره اللَّه لقاءه))، فهذا حديث آخر غير أحاديثنا، وقصة أخرى حضرها
عبادة بن الصامت وبعض أمهات المؤمنين، وبعض الصحابة.
ولما كان الشرط سبباً فى الجواب غالباً، ذهب بعضهم إلى أن ((من)) فى قوله «من أحب لقاء
اللَّه)) موصولة، وليست شرطية، والمعنى عليها: الذى يحب لقاء اللَّه يحب اللَّه لقاءه، قال الكرمانى:
ليس الشرط هنا سبباً للجزاء، بل الأمر بالعكس، ولكنه على تأويل الخبر، أى من أحب لقاء الله أخبره
اللَّه بأنه يحب لقاءه، كذا الكراهة. وقال ابن عبد البر: ((من)» هنا خبرية، وليست شرطية، فليس معناه
أن سبب حب اللَّه لقاء العبد، حب العبد لقاء الله، ولا الكراهة، ولكنه صفة حال الطائفتين فى
أنفسهم عند ربهم، والتقدير: من أحب لقاء الله، فهو الذى أحب الله لقاءه، وكذا الكراهة.
قال الحافظ ابن حجر: ولا حاجة إلى دعوى نفى الشرطية، فسيأتى فى التوحيد، من حديث أبى
هريرة، رفعه ((قال الله عز وجل: إذا أحب عبدى لقائى، أحببت لقاءه)) الحديث، فتعين أن ((من)) فى
حديث الباب شرطية، وتأويلها كما سبق فى قول الكرماني، أى التأويل فى خبر ((من)) وليس فى
((من)) وفى العدول عن الضمير إلى الظاهر فى قوله ((أحب الله لقاءه))، ولم يقل: أحب لقاءه، تفخيم
٢٣٥

وتعظيم، ودفع لتوهم عود الضمير على الموصول، لئلا يتحد فى الصورة المبتدأ والخبر، ففيه إصلاح
اللفظ، لتصحيح المعنى، وأيضاً فعود الضمير على المضاف إليه قليل.
فقه الحديث
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - البداءة بأهل الخير فى الذكر، لشرفهم، وإن كان أهل الشر أكثر.
٢- وأن المجازاة من جنس العمل، فإنه قابل المحبة بالمحبة، والكراهة بالكراهة.
٣- وأن المؤمنين يرون ربهم فى الآخرة، على أن المراد من اللقاء الرؤية، وهو غير لازم، فاللقاء أعم من
الرؤية.
٤- وفيه أن المحتضر، إذا ظهرت عليه علامات السرور كان ذلك دليلا على أنه بشر بالخير، وكذا
: بالعكس.
٥- وفيه أن محبة لقاء الله لا تدخل فى النهى عن تمنى الموت، السابق حديثه، لأنها ممكنه مع عدم
تمنى الموت، كأن تكون المحبة حاصلة، لا يفترق حاله فيها، بحصول الموت، ولا بتأخره، قاله
الحافظ ابن حجر.
٦- وأن النهى عن تمنى الموت محمول على حالة الحياة المستمرة، وأما عند الاحتضار والمعاينة فلا
تدخل تحت النهى، بل هى مستحبة.
٧- وفيه أن فى كراهة الموت فى حال الصحة تفصيلا، فمن كرهه إيثاراً للحياة على ما بعد الموت
من نعيم الآخرة، كان مذموماً، ومن كرهه خشية أن يفضى إلى المؤاخذة - كأن يكون مقصراً فى
العمل، لم يستعد له بالأهبة، بأن يتخلص من التبعات، ويقوم بأمر الله. كما يجب، فهو معذور،
لكن ينبغى لمن وجد ذلك أن يبادر إلى أخذ الأهبة، حتى إذا حضره الموت لا يكرهه، بل يحبه،
لما يرجو بعده من لقاء الله تعالى.
والله أعلم
٢٣٦

(٧٤٥) باب فضل الذكر، والدعاء والتقرب إلى الله،
وحسن الظن به
٥٩٣٣- ١٨٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ
ظَنِّ عَبْدِي بِي. وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي».
٥٩٣٤- ١٣٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٩)، عَنِ النّبِيِّ:﴿ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجْلَّ: إِذَا تَقَرَّبَ
عَبْدِي مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا. وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّيٍ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا - أَوْ بُوعًا -
وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي، أَتَيْتُهُ مَرْوَلَةٌ».
٥٩٣٥ - - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِهِ(١١). بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ «إِذَا أَتَانِي يَمْثِي،
أَيْتُهُ مَرْوَلَةٌ ».
٥٩٣٦- ٣٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٢٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنّا
عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي. وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي. فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَّرُهُ فِي نَفْسِي. وَإِنْ ذَكَرَنِي
فِي مَلٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُ. وَإِنِ افْتَرَبَ إِلَيَّ شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا. وَإِنِ اْخَرَبَ إِلَيُّ
ذِرَاعًا، اقْتَرَبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي، أَيْتُهُ هَرْوَلَةٌ)».
٥٩٣٧ - -١ٍ عَنْ أَبِي ذَرَّ ﴾(٢١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ل: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ جَاءً
بِالْحَسَّنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ. وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ، فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا. أَوْ أَغْفِرُ. وَمَنْ تَقَرَّبَ
مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا. وَمَنْ تَقَرَّبَ مِّي ذِرَاعًا، تَقَرِّْتُ مِنْهُ بَاعًا. وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي،
أَثْتُهُ مَرْوَلَةٌ. وَمَنْ لَقِيَّنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةٌ لا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَّقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةٌ». قَالَ
إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثْنَا وَكِيعٌ. بِهَذَا الْحَدِيثِ.
(١٨) حَدَّا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا وَكِعٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنٍ بُرْقَالْ عَنْ يَزِيدَ ابْنِ الْأَصِمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٩) حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنٍ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنًا يَحْتِى يَغْنِي أَبْنَ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيَّمَانَ وَهُوَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(٢٠) حَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْيَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَّيْبٍ قَالا حَدْقَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةٌ
(٢١) حَدَّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدََّنَا الأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرِّ
٢٣٧

٥٩٣٨- ١٢٠ْ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الأَعْمَشِ(١٠١)، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «فَلّةُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا، أَوْ أَزِيدُ».
المعنى العام
يراجع باب الحث على ذكر الله تعالى قبل أربعة أبواب
المباحث العربية
( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وأزيد ) فى ملحق الرواية ((أو أزيد)) بأوبدل الواو،
قال النووى: معناه أن التضعيف بعشرة أمثالها لابد، بفضل الله ورحمته ووعده، الذى لا يخلف،
والزيادة بعد بكثرة التضعيف إلى سبعمائة ضعف، وإلى أضعاف كثيرة، يحصل لبعض الناس، دون
بعض، على حسب مشيئته، سبحانه وتعالى. اهـ وهذا المعنى على لفظ ((أو)).
(ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها، أو أغفر) أى أو أغفرها، وفى رواية ((فجزاء
سيئة بمثلها».
( ومن لقينى بقراب الأرض خطيئة، لا يشرك بى شيئا، لقيته بمثلها مغفرة )
((قراب)) بضم القاف على المشهور، وهو ما يقارب ملأها، وحكى كسر القاف، نقله القاضى وغيره.
( وتراجع بقية المباحث العربية قبل أربعة أبواب. باب الحث على ذكر اللّه تعالى).
فقه الحديث
يراجع قبل أربعة أبواب، باب الحث على ذكر الله تعالى.
(٠٠٠) حَدََّا أَبُو كُرَيْبٍ حَدََّا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ
٢٣٨

(٧٤٦) باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة فى الدنيا
٥٩٣٩- ٢٣ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٢٢)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ عَادَ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفْتَ
فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِلَ#: «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟» قَالَ:
نَعَمْ. كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّا مَا كُنْتَ مُعَاقِي بِهِ فِي الآخِرَةِ، فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا. فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴿: «سُبْحَانَ اللَّهِ! لا تُطِيقُهُ - أَوْ لا تَسْتَطِيعُةُ - أَفَلا قُلْتَ: اللَّهُمَّ! آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ
وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟» قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُ. فَشَفَاةُ.
٥٩٤٠ - - وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ حُمَّيْدٌ(١٠)، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: «وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ». وَلَمْ
يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ.
٥٩٤١- ٢٣ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٢٣)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِع ◌َ﴿ِ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعُودُهُ.
وَقَدْ صَارَ كَالْفَرْخٍ، بِمَغْنَى حَدِيثِ حُمَيْدٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «لا طَاقَةَ لَكَ بِعَذَابِ اللَّهِ» وَلَمْ يَذْكُرْ:
فَدَعَا اللَّهَ لَهُ. فَشَفَاهُ.
المعنى العام
إذا عجز الإنسان عن العمل بسبب المرض وقرب الأجل، ينبغى أن يغلب الرجاء على الخوف،
وأن يطمع أكثر فى عفو الله ورحمته، ويسأله العفو والعافية، ولا يسأله العقوبة العاجلة حتى لوكان
نادماً على ذنبه، راغبا فى تطهير نفسه، ففضل اللَّه أوسع، وليطلب من اللَّه الصفح، وأن يمنحه فى
الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، وأن يقيه عذاب النار.
هذا ما أوصى به النبى # رجلا مريضاً، خاف عقوبة الآخرة، وفضل عليها عقوبة الدنيا، فدعا ربه:
قائلا: اللهم إن كنت معاقبى بذنبى فى الآخرة، فعجله لى فى الدنيا. وسمع الرسول الكريم همس هذا
المريض، وهو يعوده، فقال له: ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول كذا. قال له: عجبا لك هل تعرف
مقدار العقوبة الدنيوية؟ إنها لو وقعت، وجوزيت بقدر جرمك ما استطعت، وقد أصبحت لا تطيق
القليل، فاسأل الله العفو والعافية.
٢٢) حَدََّا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْتِى الْحَسَّائِيُّ حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٌّ عَنْ حُمَّيْدٍ عَنْ قَابِتٍ.
(١٠) حَدَّثَّه عَاصِمُ بْنُ النّصْرِ التَّيْمِيُّ حَدَّقَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ
(٢٣) وحَّدَّثَتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدْلَنَا حَمَّدٌ أَخْبَّرَنَا قَابِتٌ عَنْ أَنْسِ
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَّى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدََّا سَالِمُ بْنُ نُوَحِ الْعَطَّارُ عَنْ سَعِيدٍ بْنٍ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ الْبِيِّ
* بِهَذَا الْحَدِيثِ
٢٣٩

المباحث العربية
( عاد رجلا من المسلمين قد خفت، فصار مثل الفرخ ) يقال: خفت بفتح الفاء يخفت
بكسرها وضمها خفتا بسكونها وخفوتا وخفاتا سكن وضعف، وخفت المريض انقطع كلامه، والأصل
فى الفرخ ولد الطائر. والمراد هنا تشبيهه به فى الضعف، وفى ملحق الرواية ((دخل على رجل من
أصحابه یعوده، وقد صارکالفرخ)».
(هل كنت تدعو بشىء؟ أو تسأله إياه؟) مفعول ((تسأله)) يعود على الله، ولم يسبق له
ذكر، لكنه معلوم والظاهر أن رسول اللّه # سمع همساً من الرجل، أو رأى تحريك لسانه.
( لا تطيقه، أو لا تستطيعه ) الضمير يعود على العقاب الذى يطلبه، وفى ملحق الرواية ((لا
طاقة لك بعذاب الله)).
( أفلاقلت: ) حض على أن يقول.
فقه الحديث
١- قال النووى: فى هذا الحديث النهى عن الدعاء بتعجيل العقوبة.
٢- وجواز التعجب بقول: سبحان اللَّه !.
٣- واستحباب عيادة المريض، والدعاء له.
٤- وفيه كراهة تمنى البلاء، لئلا يتضجر منه ويسخطه، وربما شکا.
٥- وفضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وسيأتى فضل هذا الدعاء بعد باب واحد.
والله أعلم
٢٤٠