Indexed OCR Text

Pages 181-200

والمعنى هنا: أن كل شىء يقع فى الوجود، قد سبق به علم اللَّه تعالى ومشيئته.
( حتى العجز والكيس - أو الكيس والعجز ) شك الراوى فى تقديم هذا أو ذاك. والعجز
عدم القدرة، وقيل: هو ترك ما يجب فعله، والتسويف به، وتأخيره عن وقته، ويحتمل أن يكون المراد
العجز عن الطاعات، ويحتمل العموم، أى العجز عن أمور الدنيا والآخرة.
و ((الكيس)) بفتح الكاف وسكون الياء، ضد العجز، ومعناه الحذق فى الأمور، والنشاط والعمل،
والمعنى أن العاجز قدر عجزه، والكيس بتشديد الياء، قدر كيسه.
وإنما جعلهما فى الحديث غاية لذلك، للإشارة إلى أن أفعالنا - وإن كانت معلومة لنا، ومرادة منا
لا تقع منا إلا بمشيئة الله.
قال القاضى عياض: رويناه برفع ((العجز والكيس)) عطفا على ((كل)) وبجرهما، عطفا على
« شیء)).
( جاء مشركو قريش يخاصمون رسول اللَّه فى القدر) أى يجادلونه ويناقشونه فى
ثبوته وعدم ثبوته.
( فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَهٍ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ
خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾) الآيتان [٤٩،٤٨] من سورة القمر، وقبلهما ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُحُرٍ﴾
وبعدهما ﴿ وَمَأَ أُمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أى إلا كلمة واحدة، وهى ((كن)) فيكون كلمح بالبصر
فى سرعة النفاذ.
فقه الحديث
فى الحديث والآية تصريح بإثبات القدر.
وتراجع أحاديث الأبواب السابقة واللاحقة.
١٨١

(٧٣٣) باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره
٥٨٧٣- ٢ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٠) قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَةَ بِاللَّمَمِ. مِمَّا قَالَ
أَبُو هُرَيّرَةَ، أَنَّ النّبِيِّل ◌َ قَالَ: «إِنَّ اللّهَ كْتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظْهُ مِنَ الرِّنَى. أَدْرَكَ ذَلِكَ لا
مَحَالَةَ. فَِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَى اللَّسَانِ النُّطْقُ. وَالنَّفْسُ تَمَّنّْى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ
ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ». قَالَ عَبْدٌ فِي رِوَايَتِهِ: ابْنٍ طَّاوُسٍ عَنْ أَبِهِ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ.
٥٨٧٤- ٣١٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢١)، عَنِ النّبِيِّ ◌ِ ﴾ قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ
الرِّنَى. مُدْرِكٌ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ. فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَّاهُمَا الاسْتِمَاعُ. وَاللَّسَانُ
زِنَاهُ الْكَلامُ. وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ. وَالرِّجْلُ زِنّاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَّنَّى. وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ
الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ.
المعنى العام
خلق اللَّه الإنسان، وخلق فيه شهوة الفرج، وحد لها حدوداً، ونظمها، ونظم لها طريق الحلال، وحذر
من طريق الحرام، وهو الزنى، بل حذر من القرب منه، مخافة الوقوع فيه، فمن حام حول الحمى
يوشك أن يقع فيه، قال تعالى ﴿وَلا تَقْرَدُوا الرَّنَى﴾ [الإسراء: ٣٢] والقرب من الزنى يكون بمقدمات
الحواس الظاهرة، والتوجهات النفسية، كالتفكير والتخيل، والهم، والقصد، والعزم، ويتمثل القرب من
الزنى بالحواس الظاهرة فى النظر الحرام، إلى المرأة الأجنبية، والسمع الحرام المثير للشهوة، والمس
الحرام باليد أو بالشفاه، أو بأى جزء من البدن، وهذا القرب هو مقدمات يخشى منها أن تفضى إلى
الكبيرة.
ولما كانت هذه المقدمات مما تعم به البلوى، ويصعب التحرز منها، وكل ابن آدم يقع فيها أو فى
بعضها، جعلت صغائر، يعفى عنها، أو تغفر باجتناب فاحشة الزنى، مصداقا لقوله تعالى ﴿إِنْ
تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] أى الصغائر.
وقد سماها الحديث - على الرغم من صغرها - زنى، فزنى العين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنى
النفس التخيل والتمنى والتشهى.
(٢٠) حَدََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ وَاللَّفْظُ لِإِسْحَقَ فَلا أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدْقَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنٍ طَاوُسٍ عَنْ أَبِهِ عَنِ
ابن عبّاسِ
(٢١) حَّدَّثَنَا إِنَّسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبُرَنَا أَبُو هِشَامِ الْمَعْزُومِيُّ حَذَّنَا وُهَيْبٌ حَدََّا سُّهَبْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
١٨٢

وكما سبق كل حركة من حركات ابن آدم مكتوبة عليه، ومقدرة، قبل أن يخلق، فهذه الصغائر
مقدرة، كما أن الكبائر مقدرة. وكما وضحنا من قبل: التقدير والقضاء والكتابة لا تمنع المسئولية،
فعدم العلم بما كتب يمنح الحرية والاختيار عند الفعل ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا
وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَدِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
المباحث العربية
( ما رأيت شيئاً أشبه باللمم ما قال أبو هريرة ) قال النووى: معناه تفسير قوله تعالى
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] واللمم فى
الأصل، ما قل قدره، ومنه لمة الشعر، لأنها دون الوفرة، وقيل: معناه الدنو من الشىء، دون ارتكاب له،
من ألممت بكذا إذا نزلت به، وقاربته من غير مواقعة. قال النووى: معنى الآية - والله أعلم - الذين
يجتنبون المعاصى غير اللمم، يغفرلهم اللمم، كما فى قوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ
نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فمعنى الآيتين أن اجتذاب الكبائر يسقط الصغائر، وهى اللمم.
( إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا) كمّ، وكيفا، وزمنا.
( أدرك ذلك لا محالة) التعبير بالماضى لتحقق الوقوع، والأصل يدرك ذلك، ويقع فيه لا حيلة.
له فى ذلك.
( والنفس تمنى ) بحذف إحدى التاءين، أى تتمنى، وكل هذه أنواع الزنى المجازى، مجاز
المقاربة.
( والفرج يصدق ذلك، أو يكذبه ) معناه أنه قد يحقق الزنى، بالإيلاج الحرام، وقد لا يحقق
الزنى، فلا يولج الفرج فى الفرج الحرام.
فقه الحديث
يراجع فقه الحديث وشرح الأحاديث السابقة واللاحقة.
١٨٣

(٧٣٤) باب معنى كل مولود يولد على الفطرة
وحكم موتى أطفال الكفار، وأطفال المسلمين
٥٨٧٥- ٢٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٢)؛ أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾: «مَا
مِنْ مَوْلُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ. فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنْصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ. كَمَا تُنْتَجُ
الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةٌ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟» ثُمَّ يَقُولا أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَغُوا
إِنْ شِئْتُمْ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الْتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
٥٨٧٦- ١٠ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الزُّهْرِيّ(١٠)؛ بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: «كَمَا تُنْتَجُ
الْتَهِيمَةُ بَهِيمَةٌ)). وَلَمْ يَذْكُرْ: جَمْعَاءً.
٥٨٧٧ - - ◌ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ
إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ». ثُمَّ يَقُولُ اقْرَءُوا ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ
لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠].
٥٨٧٨ - -٣٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٢٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ
إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ. فَأَبَوَاهُ يُّهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُشَرِّكَانِهِ». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ! أَرَأَيْتَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمّا كَانُوا عَامِلِينَ».
٥٨٧٩- ٢٠٢٠ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الأَعْمَشِ(١٠٠٠)، بِهَذَا الإِسْنَادِ. فِي حَدِيثِ ابْنِ
ثُمَيْرٍ: «مَا مِنْ مَوُلُودٍ يُولّدُ إِلا وَهُوَ عَلَى الْمِلْةِ». وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي
مُعَاوِيَّةَ «إلا عَلَى هَذِهِ الْمِلْةِ، حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهُ لِسَانُهُ» وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْ أَبِي
مُعَاوِيَةَ: «لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ. حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ لِسَانُهُ».
٥٨٨٠- ٤ُلّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٤)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ .. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
(٢٢) حَدَّثَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٣) حَدَّثَاَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٠) حَدََّا أَبُو بَّكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حٍ وَ خَدَّثَنَا عَبْدُ بَّنُ حُمَّيَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ كِلاهُمَا عَنْ مَّغَمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ
(٠٠٠) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَّدُ بْنُ عِيسَى قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أُخْبَوَلِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ أَنْ أَبَا سِّلْمَةٌ بْنَ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنْ أَبَ هُرَيْرَةَ قَالَ
(٠٠٠٠) حَذََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالاَ حَدْقَا أَبُو مُعَاوِيَةً حٍ وَ حَدْقَا ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي كِلاهُمَا عَنِ الْأُعْمَشِ
(٢٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَّافِعٍ خَدْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّقْنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنٍ مُبَّهٍ قَالَّ هَذَا مَا حَدََّا أَبُو هُرَيْرَةً
١٨٤

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿َ: «مَنْ يُولَدُ يُولَدُ عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ. فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنْصِّرَانِهِ.
كَمَا تَنْتِجُونَ الإِيلَ فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ؟ حَتِى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا» قَالُوا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ صَغِيرًا؟ قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمّا كَانُوا عَامِلِينَ».
٥٨٨١- ٢٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٥)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌َ﴿ قَالَ: «كُلُّ إِنْسَانِ تَلِدُهُ
◌ُمُّهُ عَلَى الْفِطْرَةِ. وَأَبَوَاهُ بَعْدُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ. فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنٍ
فَمُسْلِمٌ. كُلُّ إِنْسَانٍ قَلِدُهُ أُمُّهُ يَلْكُرُهُ الشَّيْطَانُ فِي حِصْنَيْهِ إِلا مَرْيَمَ وَابْنَهَا».
٥٨٨٢- ٣٦ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٦)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ سُبْلَ عَنْ أَوْلادٍ
الْمُشْرِكِينَ. فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
٥٨٨٣- ٢ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الزُّهْرِيّ(١٠)، بِسْنَادٍ يُونُسَ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، مِثْلَ
حَدِيثِهِمَا. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ وَمَعْقِلٍ: سُئِلَ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ.
٥٨٨٤- ٢٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٧) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ عَنْ أَطْفَالِ
الْمُشْرِكِينَ. مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ صَغِيرًا. فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
٥٨٨٥-٢٨ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٨) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ عَنْ
أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ، إِذْ خَلْقَهُمْ».
٥٨٨٦- ٢٩ عَنْ أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ﴾(٢٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿: «إِنَّ الْغُلامَ
الْذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ طُبِعَ كَافِرًا. وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبُوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا)».
٥٨٨٧- ٣٠ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٣٠)، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: تُؤْفِيَ صَّبِيٍّ.
(٢٥) حَدَّثَّا فُقَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّقْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ
(٢٦) حَدََّا أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَّرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَيُوَنُسُ عَنِ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٠) حَدََّا عَبْدُ بْنُ خُمَيْدٍ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْرَنَا مَّعْمَرٌ ح وحَدْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ إِنَ بِهْرَامَ أَخْبُرَنَا أَبُوِ الْمَانِ
أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ح وحَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيْنَ حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ وَهُوَّ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ كُلَّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ
(٢٧) حَدََّا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٨) وحَدَّثَنَا يَخْتِ بْنُ يَخْتِى أَخْرَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنْ أَبِي بِشْرِ عِنْ سَعِيدٍ بَّنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(٢٩) حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ قَّغْتَبٍ حَدَّقَا مُعْتَمِرُ بَّنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِّهِ عَنَّ رَقْبَةَ بْنِ مَسْقَلَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عِنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
(٣٠) حَدَّثَنِيَ زُهَّرُ بْنُ خُرْبٍ حَدَّقَاَ جَرِيرٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسْبِ عَنْ فُضَيْلِ بْنٍ عَمْرٍوَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتٍ طَلْحَةً عَنْ عَائِشَةً
١٨٥

فَقُلْتُ: طُوبَى لَهُ، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَ: «أَوَ لا تَدْرِينَ
أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ النَّارَ. فَخَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلًا، وَلِهَذِهِ أَهْلا».
٥٨٨٨-٣١ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٣١)، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ لَ إِلَى
جَنَازَةِ صَّبِيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ طُوبَى لِهَذَا. عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ! لَمْ
يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ. قَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ، يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلا. خَلَقَهُمْ لَّهَا
وَهُمْ فِي أَصْلابِ آبَائِهِمْ. وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلا. خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلابِ آبَائِهِمْ)».
المعنى العام
أحاديث كتابة الرزق والأجل والعمل والشقاء والسعادة، والإنسان فى بطن أمه تثير فى النفس
سؤالا، لابد منه، وهو: فما ذنب الكافر؟ وما مآل من يموت قبل البلوغ؟ وتأتى هذه الأحاديث لتجيب
عن هذا التساؤل بأن الكتابة مبنية على سبق العلم الإلهى، الذى لا يتخلف، وقد خلق الله بنى آدم كلهم
على استعداد نفسى لقبول الإسلام، وطبيعة صالحة لأن تكون شقية أو سعيدة، فإذا خرج الطفل من
بطن أمه بين أبوين مسلمين عمقا فيه هذه العقيدة، وأكدا فيه هذه الصلاحية، أما إذا خرج من بطن
أمه بين أبوين كافرين صبغاه صبغة غير الصبغة التى طبع عليها، وحولا - هما والبيئة من إخوة
وأصدقاء - هذه الصفحة البيضاء الطاهرة النقية إلى تعاريج وخطوط غير مستقيمة خبيثة كدرة، فكل
مولود من بنى آدم يولد على فطرة الإسلام، وأبواه هما اللذان يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، أو
يشَرِّكانه، تماما كبقية المخلوقات، تخرج من بطون أمهاتها سليمة الآذان، فيشق أذنها أصحابها.
أما من يموت قبل البلوغ من أولاد المسلمين فهم فى الجنة، ومن يموت قبل البلوغ من أبناء
الكفار، فهم فى مشيئة الله، إن شاء عذبهم، باستجابتهم لآبائهم فترة ما بين التمييز والبلوغ، وإن شاء
عفا عنهم حيث لم يصلوا إلى سن التكليف، وإن شاء عاقب بعضهم على أساس ما علم عنهم لو أنهم
عاشوا، ونعَّم بعضهم على أساس أنهم لوعاشوا لأحسنوا، والله أعلم بما كانوا سيفعلون بعد بلوغهم
وتكليفهم، فغلام الخضر عليه السلام، لو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا.
المباحث العربية
( ما من مولود إلا يولد على الفطرة) وفى ملحق الرواية الثالثة ((ما من مولود يولد، إلا وهو
(٣١) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ طَلْحَةً بْنِ يَحْتِي عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةً بِنْتٍ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةً أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ
- حَدَّقْنَا مُحَمَّدٌّ بْنُ الصَّحِ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءٌ عَنْ طَلَّحَةٌ بْنٍ يَحْتِى حِ وَ حَدْفِي سُلَيْمَانُ بِنَّ مَعْبَدٍ حَدََّنَا الْحُسَيْنُ بْنُ
خَفْصٍ ح وحَدَّتِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُوَرٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ كِلاَهُمَا عَنْ سُفْيَانِ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يُحَى بِإِسْنَادٍ وَكِيمٍ
نَحْوَ حَدِيثِهِ
١٨٦

على الملة)) وفى ملحقها الثانى ((ليس من مولود يولد، إلا على هذه الفطرة)) وفى الرواية الرابعة ((من
يولد يولد على هذه الفطرة» والمراد ما من مولود يولد من بنى آدم، وصرح به فى الرواية الخامسة،
ولفظها ((كل إنسان تلده أمه على الفطرة»، وفى رواية عن أبى هريرة ((كل بنى آدم يولد على الفطرة))
وفى الرواية الثالثة ((ما من مولود إلا يُلدَ على الفطرة)) قال النووى: هكذا هو فى جميع النسخ ((يلد))
بضم الياء وكسر اللام، فعل ماض، على وزن («ضرب)» مبنى للمجهول، حكاه القاضى عن رواية
السمرقندى، قال: وهو صحيح، على إبدال الواوياء، لانضمامها، وأصله ولد بضم الواو، وكسر اللام، قال:
وقد ذكر الهجرى فى نوادره: يقال: وُلِدَ، ويُلِدَ بمعنى. اهـ
وزاد فى ملحق الرواية الثالثة ((حتى يعبر عنه لسانه)» تعبير مسئولية وتكليف، أى حتى يبلغ.
وفى المراد بالفطرة أقوال كثيرة، نذكرها هنا باختصار، ونفصلها فى فقه الحديث:
قيل: المراد منها الإسلام، وهو قول الأكثرين، وقيل: العهد الذى أخذه اللَّه على ذرية آدم فى عالم
الذر ﴿ أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فالمراد الربوبية. وقيل: المآل فى علم اللَّه من شقاوة أو
سعادة، وقيل: المعرفة، وقيل: الخلقة القابلة للتشكل، وقيل: اللام للعهد، والمراد فطرة أبويه ودينهما.
(فأبواه يُهَوِّدَنِه، وينصرانه، ويمجسانه) وفى الرواية الثالثة ((ويشركانه)) بدل
((ويمجسانه)) بضم الياء وفتح الشين وكسر الراء المشددة، والواو بمعنى ((أو)) والفاء إما للتعقيب أو
السببية، أو فى جزاء شرط مقدر، أى إذا تقرر ذلك، فمن تغير كان بسبب أبويه، إما بتعليمهما إياه، أو
بترغيبهما فيه، وخص الأبوين بالذكر - مع أن التغيير قد يكون من غيرهما - لأنه الغالب.
واستشكل على هذا التركيب بأنه يقتضى أن كل مولود يقع له التهويد وغيره مما ذكر، مع أن
البعض يستمر مسلماً، ولا يقع له تهويد أو تنصير. والجواب أن فى التركيب قيدا ملاحظاً، أى فإذا
حصل له تهويد أو تنصير فأبواه ... ، فالمقصود من التركيب إفادة أن الكفر إذا حصل ليس من ذات
المولود، ولا من مقتضى طبعه، فإذا وقع كان بسبب خارجى، فإن سلم من ذلك السبب استمر على
الحق.
( كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟) ((تنتج))
بضم التاء الأولى، وفتح الثانية بينهما نون ساكنة، مبنى للمجهول، و((البهيمة)) مرفوع نائب
فاعل، و((بهيمة)) بالنصب حال، و((جمعاء)) صفة ((بهيمة)) أى مجتمعة الأعضاء، لم يذهب
من بدنها شىء، يقال: نتج الله الناقة، بفتح التاء، ينتجها بفتح الياء وكسر التاء، أى
يولدها، فهو ناتج، والناقة منتوجة، وبناء الفعل للمجهول، يقال: نتجت الناقة، تنتج الناقة،
وهذه روايتنا، وفى الرواية الرابعة ((كما تنتجون الإبل، فهل تجدون فيها جدعاء؟ حتى
تكونوا أنتم تجدعونها؟)) فتنتجون بفتح التاء الأولى وكسر الثانية، أى تولدونها، والجدعاء
مقطوعة الأذن، ومعنى ((هل تحسون))؟ من الإحساس، والمراد به العلم بالشىء والاستفهام
إنكارى، بمعنى النفى، أى لا تجدون فيها جدعا، يريد أنها تولد، لا جدع فيها، وإنما يجدعها
١٨٧

أهلها بعد ذلك، وفى رواية للبخارى ((كمثل البهيمة، تنتج البهيمة)) فالبهيمة الثانية
بالنصب على المفعولية، وقوله ((كما تنتج)) تشبيه لتهويد المولود بعد فطرته وسلامته،
بقطع أذن الناقة بعد ولادتها كاملة الأعضاء سليمتها، قال الطيبى: قوله ((كما)) حال من
الضمير المنصوب فى ((يهودانه)) أى يهودان المولود، بعد أن خلق على الفطرة، شبيها
بالبهيمة التى جدعت، بعد أن خلقت سليمة أو هو صفة لمصدر محذوف، أى يغيرانه تغييرا
مثل تغييرهم البهيمة السليمة، وقد تنازعت الأفعال الثلاثة [يهودانه وينصرانه ويمجسانه]
((كما)) على التقديرين. اهـ
( ثم يقول: اقرءوا ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ ... )) هذا صريح فى أن هذه الجملة من كلام أبى
هريرة، مدرجة فى الحديث، خلافاً لرواية من طريق يونس، أوهمت أنها من الحديث
المرفوع.
( فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت لومات قبل ذلك؟) أى قبل أن يهوداه أو ينصراه أو
يمجساه، أى قبل أن يتحمل مسؤولية ذلك، أى قبل البلوغ، وفى الرواية الرابعة «أفرأيت من يموت
صغيراً))؟ أى أخبرنا عمن يموت من أبناء اليهود والنصارى والمجوس صغيراً قبل البلوغ، وفى الرواية
السادسة ((سئل عن أولاد المشركين)) أى إذا ماتوا قبل البلوغ، وفى ملحقها ((سئل عن ذرارى
المشركين)» وفى الرواية السابعة ((سئل رسول اللّه * عن أطفال المشركين، من يموت منهم صغيراً))
أى قبل البلوغ.
(اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) أى لو أبقاهم، فلا نحكم عليهم بشىء، أى هو
سبحانه وتعالى يعلم ماذا كانوا سيفعلون لو عاشوا لما بعد البلوغ، كما قال ﴿وَلَوْرُدُّوا
لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ولكنه مع ذلك لا يجازيهم على ما كانوا سيفعلونه، لأن
العبد لا يجازى بما لم يعمل.
وفى الرواية الثامنة ((الله أعلم بما كانوا عاملين، إذ خلقهم)).
وسيأتى الكلام عنهم فى فقه الحديث.
( كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان فى حضنيه، إلا مريم وابنها ) قال النووى: هكذا
هو فى جميع النسخ ((فى حضنيه)) بحاء مكسورة، ثم ضاد، ثم نون، ثم ياء، تثنية ((حضن)» وهو
الجنب، وقيل: الخاصرة، قال القاضى: ورواه ابن ماهان ((خصيبه)) بالخاء والصاد، وهو الأنثيان، قال
القاضى: وأظن هذا وهما، بدليل قوله ((إلا مريم وابنها)».اهـ
واللكز: الضرب بمجموع الكف، يقال: لكزه بفتح الكاف يلكزه بضمها لكزا بسكونها.
( إن الغلام الذى قتله الخضر طبع كافرا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا
وكفرا ) ((الخضر)) بفتح الخاء وكسر الضاد، وقد سبق الكلام عنه فى آخر كتاب الفضائل.
١٨٨

فقه الحديث
يتعرض الحديث لقضيتين أساسيتين:
الأولى: تفصيل القول فى الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
الثانية: مصير من مات من المسلمين، أو الكافرين قبل البلوغ.
أما عن القضية الأولى فأشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام، قال ابن عبد البر: وهو المعروف
عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الإسلام، واحتجوا بقول أبى هريرة - فى روايتنا الأولى: ((اقرءوا إن شئتم ﴿فِطْرَةً
اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾))، وبحديث ((إنى خلقت عبادي حنفاء كلهم)) وفى رواية ((حنفاء
مسلمين)» ورجحه بعض المتأخرين بقوله تعالى ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ لأنها إضافة مدح، وقد أمر الله نبيه
بلزومها، بقوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾، فعلم أنها الإسلام.
ودلل الطيبى على أن المراد بها الإسلام بأن التعريف فى ((ما من مولود يولد إلا على الفطرة)»
إشارة إلى معهود، وهو قوله ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وبأن بعض الروايات جاءت بلفظ
الملة بدل الفطرة [ملحق روايتنا الثالثة] وجاء القرآن الكريم بلفظ ((الدين)) فى قوله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَءَ
لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ والدين هو عين الملة، قال تعالى ﴿دِينًا قِيّمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ [الأنعام: ١٦١].
ومعنى أنه يولد على الإسلام أنه يولد متمكنا من الهدى فى أصل الجبلة، والتهيؤ لقبول الدين، فلو
ترك المرء، بدون مؤثرات خارجية لاستمر على لزوم الإسلام، ولم يفارقه إلى غيره، لأن حسن هذا الدين
ثابت فى النفوس، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية، كالترغيب عنه إلى غيره، والتقليد. قال
القرطبى فى المفهم: المعنى أن الله خلق قلوب بنى آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم
وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت
الحق، ودين الإسلام هو الدين الحق، وقد دل على هذا المعنى بقية الحديث، حيث قال ((كما تنتج
البهيمة)) يعنى أن البهيمة تلد الولد كامل الخلقة، فلو ترك كذلك كان بريئاً من العيب، لكنهم تصرفوا
فيه، بقطع أذنه مثلاً، فخرج عن الأصل.
وقال ابن القيم: ليس المراد بقوله ((يولد على الفطرة)» أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين، لأن اللّه
تعالى يقول ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] ولكن المراد أن فطرته
مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته، فنفس الفطرة تستلزم الإقرار والمحبة، وليس المراد مجرد قبول
الفطرة لذلك، لأنه لا يتغير بتهويد الأبوين مثلاً، بحيث يخرجان الفطرة عن القبول، وإنما المراد أن
كل مولود يولد على إقراره بالربوبية، فلو خلى وعَدِمَ المعارض لم يعدل عن ذلك إلى غيره، كما أنه يولد
على محبة مايلائم بدنه، من ارتضاع اللبن، حتى يصرفه عنه الصارف، ومن هنا شبهت الفطرة
باللبن. اهـ
١٨٩

وليس معنى أنه يولد على الإسلام أن تجرى عليه أحكام المسلم لولم يهوده أبواه، بأن مات أبواه
اليهوديان قبل ولادته مثلا، كما روى هذا عن الإمام أحمد، حيث قال ابن القيم: جاء عن أحمد أجوبة
كثيرة يحتج فيها بهذا الحديث على أن الطفل إنما يحكم بكفره بأبويه، فإذا لم يكن بين أبوين
کافرین فهو مسلم. اهـ
القول الثانى: فى المراد بالفطرة هنا أنها ما يصير إليه من الشقاوة أو السعادة، فمن علم اللَّه أنه
يصير مسلماً ولد على الإسلام، ومن علم أنه يصير كافرا ولد على الكفر، وتعقب أنه لوكان كذلك لم
يكن لقوله «فأبواه يهودانه ... إلخ)» معنى، لأنهما فعلا به ما هو الفطرة التى ولد عليها، فينافى التمثيل
بحال البهيمة.
القول الثالث: أن المراد بها هنا العهد الذى أخذه اللَّه على الذرية، فقالوا جميعا: بلى، أما أهل
السعادة فقالوها طوعا، وأما أهل الشقاوة فقالوها كرها، فكل مولود يولد على ما أقر عليه فى الميثاق،
فإن كان طوعا ولد على الإسلام، وإن كان قد قالها كرها ولد على الكفر. وتعقب بأنه يحتاج إلى نقل
صحيح، فإنه لا يعرف هذا التفصيل عند أخذ الميثاق إلا عن السدى، ولم يسنده، وكأنه أخذه من
الإسرائيليات.
القول الرابع: أن المراد بالفطرة هنا الخلقة غير المطبوعة على شىء، الصالحة للسعادة والشقاوة،
أى يولد سالما، لا يعرف كفرا، ولا إيمانا، ثم يعتقد إذا بلغ التكليف، ورجحه ابن عبد البر، وقال: إنه
يطابق التمثيل بالبهيمة. وتعقب بأن لوكان كذلك لم يقتصر فى أحوال التبديل على ملل الكفر
[يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه] دون ملة الإسلام، ولم يكن لاستشهاد أبى هريرة بالآية معنى.
القول الخامس: أن المراد بها فطرة أبويه، وهو متعقب بما تعقب به ما قبله.
قال ابن القيم: والقدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعصية ليسا بقضاء الله،
بل بما ابتدأ الناس إحداثه. والجواب أن معنى ((فأبواه يهودانه)) محمول على أن ذلك يقع بتقدير اللّه
تعالی.
أما عن القضية الثانية أولاد المسلمين وأولاد الكافرين: فالجمهور على أن أولاد المسلمين فى
الجنة، قالوا: لأنهم سبب فى حجب آبائهم عن النار، كما سبق فى باب ((من مات له ولد، فاحتسب)»
ومن كان سببا فى حجب النار عن أبويه، فأولى به أن يحجب النار عن نفسه، لأنه أصل الرحمة
وسببها، قال النووى: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين
فهو من أهل الجنة، وتوقف بعضهم فى مآلهم، لحديث عائشة -روايتنا العاشرة والحادية عشرة - قال:
والجواب عنه أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن
أطفال المسلمين فى الجنة. اهـ
وقال المازري: الخلاف فى غير أولاد الأنبياء. اهـ وفيه نظر، فأولاد الأنبياء ينطبق عليهم ما
ينطبق على غيرهم، وقد كان بعض أولاد الأنبياء كافراً كابن نوح، أما من ثبت دخوله الجنة منهم
١٩٠

كقوله صلى الله عليه وسلم عن ولده إبراهيم عليه السلام: «إن له مرضعا فى الجنة» فبالنص، لا
بالقاعدة. والله أعلم.
أما أولاد الكفار فروايتنا السادسة والسابعة، وفيها ((اللَّه أعلم بما كانوا عاملين)) ظاهرهما
التوقف. قال الحافظ ابن حجر: واختلف العلماء قديماً وحديثاً فى هذه المسألة على أقوال:
أحدها: أنهم فى مشيئة الله تعالى. وهو منقول عن الحمادين وابن المبارك وإسحاق، ونقله
البيهقى فى الاعتقاد، عن الشافعى فى حق أولاد الكفار خاصة، قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع
مالك. وليس عنده فى هذه المسألة شىء منصوص، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين فى
الجنة، وأطفال الكفار خاصة فى المشيئة.
ثانيها: أنهم تبع لآبائهم، فأولاد المسلمين فى الجنة، وأولاد الكفار فى النار. حكاه ابن حزم عن
الأزارقة من الخوارج، واحتجوا بقوله تعالى ﴿ رَبِّ لا تَذَّرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]
وتعقب بأن المراد قوم نوح خاصة، وإنما دعا بذلك لما أوحى الله إليه ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا
مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وأما حديث ((هم من آبائهم أو منهم)) فذاك ورد فى حكم الحربى. وروى أحمد،
من حديث عائشة («سألت رسول اللّه *. لم يدركوا الأعمال؟ قال: ريك أعلم بما كانوا عاملين، لو
شئت أسمعتك تضاغيهم فى النار)). قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث ضعيف جداً، لأن فى إسناده
أبا عقيل مولى بهية، وهو متروك. اهـ
ثالثها: أنهم يكونون فى برزخ بين الجنة والنار، لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا
سيئات يدخلون بها النار.
رابعها: أنهم يكونون خدم أهل الجنة، وفيه حديث ضعيف، أخرجه الطيالسى وأبو يعلى
والطبرانى والبزار.
خامسها: أنهم يصيرون ترابا.
سادسها: أنهم يمتحنون فى الآخرة، بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن
أبى عذب، وتعقب بأن الآخرة ليست دار تكليف، فلا عمل فيها، ولا ابتلاء.
سابعها: أنهم فى الجنة. قال النووى: وهو المذهب الصحيح المختار، الذى صار إليه المحققون
لقوله تعالى ﴿وَمَاكُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم
تبلغه الدعوة، فلأن لا يعذب غير العاقل من باب أولى.
والله أعلم
١٩١

(٧٣٥) باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها
لاتزيد ولا تنقص عما سبق به القدر
٥٨٨٩ - -٣٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ(٣٢) قَالَ: قَالَتْ أُّ حَبِيبَةَ، زَوْجُ النَّبِيِّلِ﴿ّ: اللَّهُمَّا أَمْتِغْنِي بِزَوْجِي،
رَسُولِ اللَّهِ ﴾. وَبِأَبِي، أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي، مُعَاوِيّةَ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ:﴿: «قَدْ سَأَلْتِ اللَّهِ
لآجَالِ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ. لَنْ يُعَجِّلُ شَيْئًا قَبْلَ حِلّهِ. أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ
جِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتٍ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، كَانَ خَيْرًا
وَأَفْضَلَ». قَالَ: وَذُكِرَتْ عِنْدَهُ الْقِرَدَّةُ. قَالَ مِسْعَرٌ: وَأَرَاهُ قَالَ وَالْخَنَازِرُ مِنْ مَسْخٍ. فَقَالَ:
«إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِمَسْخٍ نَسْلاً وَلا عَقِبًا، وَقَدْ كَانَتِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِرُ قَبْلَ ذَلِكَ».
٥٨٩٠ - -- وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مِسْعَرٍ (١٠)، بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ بِشْرٍ وَوَكِيعٍ
جَمِيعًا: «مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ ».
٥٨٩١- ٣ عَنْ أُمِّ حَبِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٣٣): اللَّهُمَّا مَّغِي بِزَوْجِي، رَسُولِ اللَّهِع ◌َ .
وَبِأَبِي: أَبِي سُفْيَانَ. وَبِأَخِي، مُعَاوِيّةَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِلَ: «إِنَّكِ سَأَلْتِ اللَّهِ لَآجَالِ
مَضْرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوْطُوءَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَفْسُومَةٍ. لا يُعَجِّلُ شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ حِلِّهِ، وَلا يُؤَخِّرُ مِنْهَا شَيْئًاً
بَعْدَ حِلّهِ. وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النّارِ، وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، لَكَانَ خَيْرًا
لَكٍ». قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيِرُ، هِيَ مِمَّا مُسِخَ؟ فَقَالَ النّبِيُّ ◌ِلْ:
«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أَوْ يُعَذِّبْ قَوْمًا، فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلا, وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ
كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ».
٥٨٩٢- ١١٠ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سُفْيَادُ(١٠١)، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «وَآثَارٍ مَبْلُوغَةٍ» قَالَ
ابْنُ مَعْبَدٍ: وَرَوَى بَعْضُهُمْ «قَبْلَ حِلِّهِ» أَيْ نُزُولِهِ.
(٣٢) حَذََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِأَبِي يَكْرٍ فَالا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ عَلْقَمَةُ بْنِ مَرَّقَدٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكّرِيِّ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ
(١٠) حَدََّهِ أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرِ عَنْ مِسْعَرٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(٣٣) حَدََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَحَجَاجُ بْنَّ الشَّاعِرِ وَاللَّفْظُ لِحَجَّاجٍ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وقَالَ حَجَّاجٌ حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ
أَخْبُرَنَا الّوْرِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنٍ مَرَدٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَشْكُرِيِّ عَنْ مَعْرَورِ بْنِ سُوَّيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:
قَالَتْ أُمُّ حَبَيْبَةً
(٠٠٠) حَدْقَبِيهِ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعبَدٍ حَدِّقَا الْحُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ جَدََّا سُفْيَاهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ
١٩٢

المعنى العام
يراجع المعنى العام فى أحاديث القدر.
وفى أحاديث صلة الرحم وعلاقتها بطول العمر.
المباحث العربية
( أم حبيبة زوج النبى #) بنت أبى سفيان، كانت زوجة لعبيد اللّه بن جحش، خرج بها
مهاجراً من مكة إلى أرض الحبشة مع المهاجرين، وولدت له هناك حبيبة، وبها كانت تكنى، ثم
افتتن وتنصر، ومات نصرانيا، وأبت أم حبيبة أن تتنصر، وثبتها اللَّه على الإسلام والهجرة، فخطبها
النبى من النجاشى، فزوجه إياها، والعاقد عثمان بن عفان، وهى بنت عمته، تزوجها رسول الله
** سنة ست، وتوفيت سنة أربع وأربعين.
قال ابن سعد: قدم أبو سفيان المدينة قبل انتهاء الهدنة، يريد تجديد العقد، فدخل على أم حبيبة
فلما ذهب ليجلس على فراش رسول اللّه * * طوته دونه، فقال: يابنية. أرغبت بهذا الفراش عنى؟ أم
رغبت بى عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول اللّه الر، وأنت امرؤنجس مشرك. فقال: لقد أصابك بعدى
شر.
( اللهم أمتعنى بزوجى رسول اللّه و﴿) يقال: متّع اللَّه فلانا بكذا، بفتح التاء مخففة، أى
أطال له الانتفاع به، وملأه به، ويقال: أمتع الله فلانا بكذا، ومتعه بكذا بتشديد التاء، أى أبقاه، لينتفع
به، ويسر بمكانه، والرواية هنا بهمزة قطع.
(قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة) الإمتاع يشمل كل
ذلك وإن لم تطلبه تفصيلا. و((مضروبة)) أى محددة، يقال: ضرب له أجلا وموعدا، إذا حدده وعيَّنه.
( لن يعجل شيئا قبل حله، أو يؤخر شيئا عن حله) قال النووي: أما ((حله)) فضبطناه
بوجهين، بفتح الحاء وكسرها فى المواضع الخمسة من هذه الروايات [فقد ذكر كلمة ((حله)) فى
رواياتنا خمس مرات]، وذكر القاضى أن جميع الرواة على الفتح، ومراده رواة بلادهم، وإلا فالأشهر عند
رواة بلادنا الكسر، وهما لغتان، ومعناه وجوبه وحينه، يقال: حل الأجل يحل حلا وحَلا. اهـ
وفى الرواية الثانية (( إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يعجل
شيئاً منها قبل حله، ولا يؤخر منها شيئاً بعد حله « والمراد من الآثار الموطوءة ما يخلف من بعده من
الأعمال التى عملها. وفى ملحق الرواية الثانية ((وآثار مبلوغة)» أى أعمال لابد له من بلوغها وعملها.
(وذكرت عنده القردة، والخنازير، من مسخ) ((من)) بيانية، بمعنى ((أى)) أى ذكر عنده
١٩٣

مسخ القردة والخنازير، والمصدر مضاف للمفعول، والتقدير: مسخ اللَّه لنا قردة وخنازير. وفى الرواية
الثانية ((فقال رجل: يا رسول اللَّه، القردة والخنازير، هى مما مسخ؟)) والمعنى: هل القردة والخنازير
التى نراها اليوم، هى مما مسخ من بنى إسرائيل؟.
(فقال: إن اللَّه لم يجعل لمسخ نسلا، ولا عقبا، وقد كانت القردة والخنازير قبل
ذلك) أى الجواب بالنفى من وجهين الأول: أن الممسوخ لا ينسل ولا يكون له عقب، وهذا أمر يرجع
إلى الوحى، وحكمة اللَّه تعالى. الثانى: أن القردة والخنازير مخلوقة قبل بنى إسرائيل، وقبل مسخ
بنى إسرائيل.
وفى الرواية الثانية ((وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك)) بضمير الذكور العقلاء فى ((كانوا))
مجازا لكونه جرى فى الكلام ما يقتضى مشاركتهما للعقلاء، كما فى قوله تعالى ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِي
سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
فقه الحديث
قال النووى: هذا الحديث صريح فى أن الآجال والأرزاق مقدرة، لا تتغير عما قدره الله تعالى
وعلمه فى الأزل، فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقة عن ذلك، وأما ما ورد فى حديث ((صلة الرحم تزيد
فى العمر»، ونظائره فقد سبق تأويله فى باب صلة الرحم واضحا، قال المازري هنا: قد تقرر بالدلائل
القطعية أن اللَّه تعالى أعلم بالآجال والأرزاق وغيرها، وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه،
فإذا علم اللَّه تعالى أن زيدا يموت سنة خمسمائة، استحال أن يموت قبلها أو بعدها، لئلا ينقلب
العلم جهلا، فاستحال أن الآجال التى علمها اللَّه تعالى تزيد وتنقص، فيتعين تأويل الزيادة أنها
بالنسبة إلى ملك الموت أو غيره، ممن وكله اللَّه تعالى بقبض الأرواح، وأمره فيها بآجال محدودة،
فإنه بعد أن يأمره بذلك، أو يثبته فى اللوح المحفوظ، ينقص منه أو يزيد على حسب ما سبق به علمه
فى الأزل، وهو معنى قوله تعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] وعلى ما ذكرناه يحمل
قوله تعالى ﴿ ثُمَّ قَضَى أَجَلَا وَأَجَلّ مُسَمَّى عِنْدَهُ ﴾ [الأنعام: ٢].
قال النووى: واعلم أن مذهب أهل الحق أن المقتول مات بأجله، وقالت المعتزلة: قطع أجله. ثم
قال: فإن قلت: ما الحكمة فى نهيها عن الدعاء بالزيادة فى الأجل؟ وندبها إلى الدعاء بالاستعاذة من
العذاب مع أنه مفروغ منه كالأجل؟ فالجواب أن الجميع مفروغ منه، لكن الدعاء بالنجاة من عذاب
النار ومن عذاب القبر ونحوهما عبادة، وقد أمر الشرع بالعبادات، وأما الدعاء بطول الأجل فليس
عبادة، وكما لا يحسن ترك الصلاة والصوم اتكالا على القدر، فكذلك الدعاء بالنجاة من النار ونحوه.
والله أعلم
١٩٤

(٧٣٦) باب الإيمان بالقدر والإذعان له
٥٨٩٣ - ٣٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ
وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الصَّعِيفِ. وَفِي كُلِّ خَيْرٌ. اخْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ.
وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ.
وَمَا شَاءً فَعَلَ. فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمْلَ الشَّيْطَانِ».
المعنى العام
قد يظن البعض أن القوة المطلوبة هى القوة فى العبادة والطاعة وأعمال الآخرة، فيهمل
الدنيا، فيذله الأعداء، ويستهين به الناس، ويصبح مسوداً لا سيداً، بل قد يكبله الأعداء عن
العبادة ويحولون بينه وبين الطاعة، كما حدث للمسلمين فى الاتحاد السوفيتى قبل تفككه،
وكما يحدث للأقليات المسلمة فى البلاد غير المسلمة، والحق أن القوة شرعاً مطلوبة من
المؤمن فى كل اتجاه، لم يخالف الشريعة، حتى الزراعة وفلاحة الأرض، لا يأكل من نتاجها
إنسان أو طير أو بهيمة - ولو رغم أنف مالكها- إلا كان له به صدقة، وما عز الإسلام وانتصر،
وانتشر إلا بالقوة، قوة العقيدة، وقوة السلاح، استجابة لقوله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَّطَعْتُمْ
مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِيّاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّاللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ
يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] وقوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَّانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ
فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب ... ))
الحديث المشهور، فكانوا كما وصفهم اللَّه ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَّاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]
فسادوإ الدنيا، وملكوا خزائن كسرى وقيصر. حرصوا على ما ينفعهم، واستعانوا بالله فى
أمور دنياهم، وأمور أخراهم، ولم يعجزوا، ولم يتواكلوا، وقل ندمهم على ما فاتهم، فكانوا خيرا
من غيرهم عند ربهم، كانوا خيرا من مؤمنين ضعفوا، وتواكلوا، وأسفوا على ما فاتهم،
وفتحوا الباب للشيطان يزيدهم ضعفا، ويزيدهم أسفا، وكلما تأخروا نسبوا تأخرهم
للشيطان، وغواية الشيطان، حيث لاينفعهم الأسف، ولا يفيدهم الندم.
المباحث العربية
( المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) القوة لها اتجاهات دنيوية
(٣٤) حدثَّا أَبُو بِكْرِ بْنُ أَبِي شَّةَ وَابْنُ ثُمَّيْرٍ فَالا حَدَّا غَيْدُ اللَّهِ بْنَ إِدْرِيسَ عَنْ رَبِعَةُ ابْنِ عُثْمَانْ عَنْ مُحْمَّدٍ بْنِ يَحَّْى بْنِ حَّان
عْنِ الأَعْرْجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
١٩٥

وأخروية، والاتجاهات الدنيوية متعددة، وكثير منها مشروع، والأخروية أيضاً متعددة، وكثير من
الاتجاهات الأخروية نافعة فى الدنيا، فتعميم القوة لأعمال الدنيا والآخرة، ما دامت مشروعة أولى،
مما ذهب إليه النووى حيث قال فى شرح مسلم: والمراد بالقوة هنا، عزيمة النفس والقريحة فى أمور
الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداماً على العدو فى الجهاد، وأسرع خروجاً إليه، وذهابا فى
طلبه، وأشد عزيمة فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والصبر على الأذى فى كل ذلك، واحتمال
المشاق فى ذات الله تعالى، وأرغب فى الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها،
ومحافظة عليها، ونحو ذلك.
( وفى كل خير) التنوين عوض عن المضاف إليه، والأصل: وفى كليهما خير، أى فى كل واحد
من المؤمن القوى والمؤمن الضعيف خير، بالإيمان، مع ما يأتى به الضعيف من العبادات، وكلمة
((خير)) استعملت فى أول الحديث بمعنى أخير، أفعل تفضيل، واستعملت هنا بمعنى الوصف الأصلى
بدون التفضيل.
( احرص على ما ينفعك ) بكسر الراء، من حرص بفتحها، يحرص بكسرها، أى زد تمسكا
ورغبة فيما ينفعك فى الدنيا والآخرة ...
( ولا تعجز) قال النووى: بكسر الجيم، وحكى فتحها، والمعنى احرص على طاعة الله تعالى،
والرغبة فيما عنده، واطلب الإعانة من اللَّه تعالى على ذلك، ولا تعجز، ولا تكسل على طلب الطاعة، ولا
عن طلب الإعانة.
( وإن أصابك شىء) من البلاء والآلام نتيجة فعل من أفعالك ...
( فلا تقل: لو أنى فعلت كان كذا وكذا) مفعول ((فعلت)) على هذه الرواية محذوف، أى لو
أنى فعلت كذا كان كذا. و((لو)) حرف يمتنع به الشىء لامتناع غيره، غالبا، وستأتى فى فقه الحديث
هذه القضية بالتفصيل.
( ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل) ((قدر اللَّه)) بفتح القاف والدال، خبر مبتدأ محذوف،
أى هذا قدر الله، ويحتمل أن تكون جملة فعلية، بتشديد الدال، ومفعولها محذوف، أى قدر الله وقوع
هذا الأمر، ومفعول المشيئة محذوف، كما هو الغالب.
فقه الحديث
. قال القاضى عياض: قال بعض العلماء: هذا النهى فى قوله ((فلا تقل: لو أنى فعلت كان كذا
وكذا)) إنما هو لمن قاله معتقداً ذلك حتما، وأنه لو فعل ذلك لم تصبه قطعاً، فأما من رد ذلك إلى
مشيئة الله تعالى، بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، وما شاء الله له، فليس من هذا، واستدل بقول
١٩٦

أبى بكر الصديق ه فى الغار: ((لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا)». قال القاضى: وهذا لا حجة فيه، لأنه
إنما أخبر عن مستقبل، وليس فيه دعوى لرد قدر، بعد وقوعه، قال: وكذا جميع ما ذكره البخارى فى
باب ما يجوز من ((اللو)) كحديث ((لولا حدثان قومك بالكفر، لأتممت البيت على قواعد إبراهيم» و«لو
كنت راجما بغير بينة لرجمت هذه)» و«لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك»، وشبه ذلك، فكله
مستقبل، لا اعتراض فيه على قدر، فلا كراهة فيه، لأنه إنما أخبر عن اعتقاده، فيما كان يفعل، لولا
المانع، وعما هو فى قدرته، فأما ما ذهب فليس فى قدرته، قال القاضى: فالذى عندى فى معنى
الحديث أن النهى على ظاهره وعمومه، لكنه نهى تنزيه، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن لو
تفتح عمل الشيطان)» أى يلقى فى القلب معارضة القدر، ويوسوس به الشيطان. اهـ
وقال النووى: قد جاء استعمال ((لو)) فى الماضى، فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لواستقبلت من
أمرى ما استدبرت، ما سقت الهدى)» وغير ذلك، فالظاهر أن النهى إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا .
فائدة فيه، فيكون نهى تنزيه، لا تحريم، فأما من قاله تأسفاً على ما فات من طاعة اللَّه تعالى، أو ما
هو متعذر عليه من ذلك، ونحو هذا فلا بأس به، وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود فى
الأحاديث.اهـ
وقال القرطبى فى المفهم: المراد من الحديث أن الذى يتعين بعد وقوع المقدور، التسليم لأمر اللّه،
والرضا بما قدر، والإعراض عن الالتفات لما فات، فإنه إذا فكر فيما فات من ذلك - فقال: لو أنى
فعلت كذا لكان كذا - جاءته وساوس الشيطان، فلا تزال به حتى يفضى إلى الخسران، فنهى عن
أسباب عمل الشيطان، بقوله: ((فلا تقل: ((لو)) فإن ((لو)) تفتح عمل الشيطان)) وليس المراد ترك
النطق بلو مطلقاً، إذ قد نطق النبى { بها فى عدة أحاديث. ولكن محل النهى عن إطلاقها، إنما هو
فيما إذا أطلقت معارضة للقدر، مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور، لا ما إذا
أخبر بالمانع على جهة أن يتعلق به فائدة فى المستقبل، فإن مثل هذا لا يختلف فى جواز إطلاقه،
وليس فيه فتح لعمل الشيطان، ولا ما يفضى إلى تحريم.
والله أعلم
١٩٧

كتاب العلم
٧٣٧٠ - باب النهى عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير من متبعيه، والنهى عن الاختلاف فى القرآن.
٧٣٨ - باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن فى آخر الزمان.
٧٣٩ - باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة.
١٩٩