Indexed OCR Text
Pages 41-60
( لا بارك اللَّه فيها، فقال: لا تسبى الحمى، فإنها تذهب خطايا بنى آدم) اعتبر
الدعاء عليها سبالها.
( كما يذهب الكير خبث الحديد) المراد من ((الكير)) النار التى تنفخ بالكير، وهو منفاخ
الحداد.
( ألا أريك امرأة من أهل الجنة) ((ألا)) بتخفيف فتحة اللام.
( هذه المرأة السوداء ) فى كتاب الصحابة للمستغفرى ((فأرانى حبشية صفراء عظيمة،
فقال: هذه سعيرة الأسدية)) بضم السين وفتح العين على التصغير.
( قالت: إنى أصرع، وإنى أتكشف، فادع الله لى ) أن يشفينى من الصرع، وهو بفتح
الصاد وسكون الراء، و((أصرع)) بضم الهمزة، مبنى للمجهول. والصرع علة فى الجهاز العصبى،
تصحبها غيبوبة وتشنج فى العضلات، وقولها ((إنى أتكشف)) بالتاء المفتوحة، وفى نسخة بالنون
الساكنة، والمراد أنها خشيت أن تظهر عورتها، وهى لا تشعر، وعند البزار («إنى أخاف الخبيث أن
يجردنى، فدعا لها، فكانت إذا خشيت أن يأتيها، تأتى أستار الكعبة، فتتعلق بها)) وقيل: إنها كانت
ماشطة خديجة، التى كانت تتعاهد النبى 8# بالزيارة.
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث
١- من الرواية الأولى والثانية أن الأنبياء أشد بلاء، وأن رسول الله * من أكثرهم، قال العلماء:
والحكمة فى كون الأنبياء أشد بلاء، ثم الأمثل فالأمثل، أنهم مخصوصون بكمال الصبر، وصحة
الاحتساب، ومعرفة أن ذلك نعمة من الله تعالى، ليتم لهما الخير، ويضاعف الأجر، ويظهر صبرهم،
ورضاهم.
٢- وتكفير الخطايا بالأمراض والأسقام ومصايب الدنيا وهمومها، وإن قلت مشقتها.
٣- ومن الرواية الثانية وما بعدها بشارة عظيمة للمسلمين، فإنه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من
شيء من هذه الأمور.
٤- وفيها رفع الدرجات بهذه الأمور، وزيادة الحسنات. قال النووي: وهذا هو الصحيح الذى عليه
جماهير العلماء، وحكى القاضى عياض عن بعضهم أنها تكفر الخطايا فقط، ولا ترفع درجة، ولا
تكتب حسنة، قال: وروى هذا عن ابن مسعود، قال: الوجع لا يكتب به أجر، لكن تكفر به الخطايا
فقط، واعتمد على الأحاديث التى فيها تكفير الخطايا، ولم تبلغه الأحاديث التى ذكرها مسلم،
المصرحة برفع الدرجات وكتابة الحسنات، اهـ
ومن الذين نفوا رفع الدرجات بالمصائب الشيخ عز الدين بن عبد السلام، حيث قال: ظن
٤١
بعض الجهلة أن المصاب مأجور، وهو خطأ صريح، فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب،
والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا.
وتعقب بأن الأحاديث الصحيحة صريحة فى ثبوت الأجر، بمجرد حصول المصيبة، وأما
الصبر والرضا فقدر زائد، يمكن أن يثاب عليهما، زيادة على ثواب المصيبة.
وظاهر كلام القرافى أن المصائب تكفر الذنوب، وأن الصبر والرضا أيضًا هما فى دائرة تكفير
الذنوب، وليس فيه زيادة أجر، حيث قال: المصائب كفارات جزما، سواء اقترن بها الرضا، أم لا،
لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل.
قال الحافظ ابن حجر: والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها، وبالرضا يؤجر على ذلك،
فإن لم يكن للمصاب ذنب، عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه.
وزعم القرافى أنه لا يجوز لأحد أن يقول للمصاب: جعل الله هذه المصيبة كفارة لذنبك، لأن
الشارع قد جعلها كفارة، فسؤال التكفير طلب لتحصيل حاصل، وهو إساءة أدب على الشارع. قال
الحافظ ابن حجر: وتعقب بما ورد من جواز الدعاء بما هو واقع، كالصلاة على النبى وال، وسؤال
الوسيلة له. وأجيب عنه بأن الكلام فيما لم يرد فيه شيء، وأما ما ورد فهو مشروع، ليثاب من
امتثل الأمر فيه على ذلك.
وعندى أنه ليس تحصيلالحاصل بكل حال، فالدعاء بالواقع المحقق دعاء بزيادته، أو
استمراريته كما قيل فى قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] وقوله ﴿وَلا تُطِعِ
الْكَافِرِينَ وَالْمُنَّافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١].
وقد أبى قوم أن تكون المصائب مكفرة بمفردها، ومنهم القرطبى، إذ قال فى المفهم: محل
ذلك إذا صبر المصاب واحتسب، وقال ما أمر الله به فى قوله تعالى ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ
قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] فحينئذ يصل إلى ما وعد الله ورسوله به من
ذلك.آهـ فكأنه حمل الأحاديث المطلقة على الواردة بالتقييد بالصبر، لكنها مقيدة بثواب
مخصوص، باعتبار الصبر فيها، ومثل ذلك أحاديث الطاعون، وفيها ((من صبر واحتسب فله أجر
شهيد )».
قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير ورفع
الدرجات، وإن لم يحصل الصبر نظر، إن حصل شيء من الجزع، لكن لم يحصل ما يذم عليه من
قول أو فعل، فالفضل واسع، ولكن المنزلة منحطة عن منزلة الصابر، وإن حصل ما يذم عليه كان
ذلك سببا لنقص الأجر الموعود به، أو التكفير، فقد يستويان، وقد يزيد أحدهما على الآخر، فبقدر
ذلك يقضى لأحدهما على الآخر.
٥- أن البلاء فى مقابلة النعمة، فمن كانت نعمة اللّه عليه أكثر، كان بلاؤه أشد.
٦- قال ابن الجوزى: كلما قويت المعرفة هان البلاء، ومن الناس من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه،
٤٢
وأعلى من ذلك درجة من يرى أن هذا تصرف المالك فى ملكه، فيسلم، ولا يعترض، وأرفع منه من
شغلته المحبة عن طلب رفع البلاء، وأعلى المراتب من يتلذذ بالبلاء.
٧- أخذ بعضهم من إطلاق تكفير الذنوب، أنه يشمل الكبائر والصغائر، لكن الجمهور خصوا ذلك
بالصغائر، والمراد بالتكفير ستر الذنب، أو محو أثره، المترتب عليه من استحقاق العقوبة.
٨- من الرواية الثالثة النهى عن الضحك من مثل هذا الذى حصل، إلا أن يحصل غلبة، لا يمكن دفعه،
أما تعمده فمذموم، لأن فيه شماته بالمسلم، وکسرا لقلبه.
٩- ومن الرواية الحادية عشرة النهى عن سب المرض والدعاء عليه.
١٠- ومن الرواية الثانية عشرة أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب. ذكره النووى.
١١ - وأن الصبر على بلايا الدنيا، يورث الجنة.
١٢- وأن الأخذ بالشدة، أفضل من الأخذ بالرخصة، لمن علم من نفسه الطاقة، ولم يضعف عن التزام
الشدة.
١٣ - وفيه دليل على جواز ترك التداوى.
١٤ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن علاج الأمراض كلها، بالدعاء، والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من
العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وانفعال البدن به أعظم من تأثير الأدوية البدنية، ولكن إنما ينجع
بأمرين: أحدهما من جهة العليل، وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوى، وهو قوة توجهه،
وقوة قلبه بالتقوى والتوكل.
والله أعلم
٤٣
(٦٩٦) باب تحريم الظلم
٥٧١٩- ° عَنْ أَبِي ذَرْ ضِ﴾(٥٥)، عَنِ النّبِيِّ :﴿، فِيمًا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
«يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجْعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا. فَلا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي!
كُلُكُمْ ضَّالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ. فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ.
فاستطْعِمُوني ◌ُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي! ◌ُلُكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ حُسَوُ. فَاسْتَكْسُونِي أُْسُكُمْ یَا
عِيّادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعًا. فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا
عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي. وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ
وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنْكُمْ، كَانُوا عَلَى أَنْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي
شَيْئًا. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنْ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنْكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرٍ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ،
مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوْلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنْكُمْ، قَامُوا فِي
صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانِ مَسْأَلَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلا كَمّا
يَنْقُصُ الْمِخْيُطُ إِذَا أُدخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُخْصِيهَا لَكُمْ. ثُمَّ أَوْقِيَكُمْ إِيَّاهَا.
فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ. وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ». قَالَ سَعِيدٌ: كَانَ أَبُو
إِذْرِيسَ الْخَوْلائِيُّ، إِذَا حَدَّثَ بِهِذَا الْحَدِيثِ، جَئًا عَلَى رُكْبَيْهِ.
٥٧٢٠ - - وَفِي رواية عَنْ أَبِي ذَرِّ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِل ◌َ﴿ِ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَّبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
«إِي حَرَّمْتُ عَلَى نَفْسِي الظُّلْمَ وَعَلَى عِبَادِي. فَلا تَظَالَمُوا». وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِنَحْوِهِ. وَحَدِيثُ أَبِي
إِذْرِيسَ الَّذِي ذَكَرْنَهُ أَتَمُّ مِنْ هَذَا.
٥٧٢١ - ٢٦ْ عَنْ حَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٥٦)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَالَ: «اتّقُوا الظُّلْمَ. فَإِنَّ
الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَاتَّقُوا الشُّحَّ. فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا
دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ».
(٥٥) حَدَّنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَهْرَامَ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّشْقِيِّ حَدََّا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ
رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَالِيِّ عَنْ أَبِيّ ذَرٍّ
- حَدَّثَيِّهِ أَبُو بَكْرِ بَّنْ إِسْحَقَ حَدَّثَنَا أَبُوْ مُسْهِرَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِهَذَا الْإِسْنَادٍ غَيْرَ أَنَّ مَرْوَانٌ أَتَمُّهُمَا حَدِيثًا
- قَالَ أَبُو إِسْحَقَّ حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْحَسَّنَّ وَالْحُسَيْنُ ابْنَا بِشْرٍ وَمُتَّمَّذٌ بْنُ يَخَّتِى قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ فَذَكَرُوا الْحَدِيثَ
بطولِهِ
ـ حَدَّثَنَا إِسْحَقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى كِلاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ حَدََّا هَمَّامٌ حَدَّقْنَا فَتَادَةُ عَنْ أَبِي
قِلَابَةٌ عَنْ أَبِي أَسْمَاءً عَنْ أَبِي ذَرّ
(٥٦) حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَّةُ بْنٍ قَعْنَبِ حَدَّثْنَا دَاوُدُ يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ
٤٤
٥٧٢٢ - ٣َبْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٥٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ْ: «إِنَّ الظُّلْمَ
ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٥٧٢٣- ١ْ عَنْ سَالِمْ(٥٨)، عَنْ أَبِيهِ ﴿؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِنَ﴿ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ،
لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ. مَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ، كَانَ اللّهُ فِي حَاجَتِهِ. وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ
كُرْبَةٌ، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةٌ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ».
٥٧٢٤-٥٩ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٥٩)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا:
الْمُفْلِسُ فِيْنَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ. فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَّةِ بِصَلاةٍ
وَصِيَامٍ وَزَكّاٍ، وَيَأْنِي، قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ
هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ. وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ قَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ،
أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ. ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».
٥٧٢٥ - ٠ٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَِّ(٦٠)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ قَالَ: «ٌؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ. حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ».
٥٧٢٦ - ٦١َ عَنْ أَبِي مُوسَى ﴾(٦١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي
◌ِلظَّالِمِ. فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِنْهُ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ
أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
المعنى العام
حدد اللَّه تعالى الحقوق والواجبات لصالح الفرد، وصالح المجتمع فى الدنيا والآخرة، وكل اعتداء
على هذه الحقوق ظلم، يبارز به جل شأنه، ومن أظلم الظلم ظلم الإنسان نفسه، وإيباقها وإهلاكها
وتعريضها للنار يوم القيامة، وكيف لا؟ وكل ظلم للآخرين هو إهلاك للظالم، ودافع به إلى نارجهنم،
هذه الحقيقة يظلم الظالم وهو جاهل بها، غافل عنها، يأخذه الإحساس بالقوة للاندفاع فى الشر، وقد
تكون قوته قوة خداع وكذب ونفاق ومكر وخبث ودهاء وغش للمظلومين ويطمعه عدم إسراع اللَّه
(٥٧) جَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ حَدَّثْنَا قَابَةٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَاحِشُونُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٥٨) حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ خُدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّفَرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ
(٥٩) حَدَّثَا قُتَبِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالا حَدَّثَنَا إِسْمَّعِيلُ وَهُوَ ابْنُّ جَعْفَرِ عَنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرِّيْرَةَ
(٦٠) حَدَّثَا يَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُقْبَةُ وَابْنُ خَجْرٍ قَالُوا حَدَّثْنَا إِسْمَعِيلُ يَغُونِ ابْنَّ جَغْفَرِ عَنِ الْعَلَاءَ عِنْ أَبِهَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٦١) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً خَدََّا بُرَيِّدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَبِيهِ عَنَّ أَبِي مُوسَى
٤٥
تعالى فى عقوبته، ناسيا أن اللَّه تعالى يمهل، ولا يهمل، يملى له ليزداد إثما، يملى له، حتى إذا أخذه لم
يفلته، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤْخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ مُهْطِعِينَ
مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ وَأَنْذِرِ النَّاسِّ يَوْمَ يَأْتِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ
ظَلَّمُوا رَبَّنَا أَخْنَا إِلَى أَجَّلِ قُرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَتَتَّبِعِ الرُّسُلَّ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ
رَوَالِ﴾ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِّنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَّبِيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَيْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ﴾ وَقَدْ
مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ فَلا تَحَسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ نُوَ انْتِقَامٍ* يَوْمَ تُبَّدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَيَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِهِ وَتَرَى
الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِيَّنَ فِي الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانِ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُهِ لِيَجْزِيَّ اللَّهُ كُلَّ
نَفْسِ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ هَذَا بلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَةٌ وَاحِدٌ
وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابَ﴾ [إبراهيم: ٤٢-٥٢].
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَائِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
يوم يقتص للشاة التى لا قرون لها من الشاة التى نطحتها، يقتص للمظلوم من الظالم، ليس
بالمال المسروق، ولا بالبطش باليد، ولكن بالحسنات والسيئات، فيؤخذ للمظلوم من حسنات الظالم
بقدر مظلمته، فإذا فنيت حسناته وأصبح مفلسا، ولم يقض مظالمه، أخذ من سيئات المظلومين،
وطرحت عليه، ثم طرح فى النار.
إن العاقل الكيس إذا أحس بقوته، وقدرته، تذكر قدرة اللَّه عليه، وإن العاقل الكيس إذا مسه
طائف من الشيطان، فظلم ذكر الله وعقابه، ورد المظالم فى الدنيا، وما أسهلها، وما أحقرها، مهما
بلغت، إذا قيست بالحسنات والسيئات يوم القيامة، يوم يحتاج الإنسان إلى ذرة من الحسنات يثقل
بها ميزانه، وإن العاقل الكيس إذا ظلم لجأ إلى المظلوم، فطلب منه العفو والمسامحة، وما أسهله فى
الدنيا، قبل أن يفرالمرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، فلا تسمح نفس أحد منهم أن ينزل
عن حسنة من حسناته، أو أن يحمل عنهم سيئة واحدة من سيئاتهم.
إن الظلم ظلمات يوم القيامة، يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم، وبأيمانهم.
عافانا الله من الظلم ومن الظلمات.
المباحث العربية
(عن النبى : فيما روى عن اللَّه تبارك وتعالى ) هذا حديث قدسي، أسند فيه القول إلى
اللَّه تعالى، ولفظه ومعناه من اللَّه تعالى، غير أنه لم يقصد به الإعجاز، ولا يتعبد به فى الصلاة مثلا
كالقرآن. والأحاديث النبوية. وإن كانت من اللَّه تعالى، لأنه صلى الله عليه وسلم ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ
الْهَوَى ﴾ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤،٣] - لا يسند القول فيها للَّه تعالى، وبعبارة أخرى
الأحاديث النبوية لفظها من عند الرسول : #، ومعناها من عند الله، كأن يقول اللَّه لرسوله: قراءة
٤٦
الفاتحة لازمة فى قيام الصلاة، فيقول صلى الله عليه وسلم لأمته ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب)) ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)) ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهى خداج)».
( يا عبادى) العبد المملوك، وكل خاضع للإله مكلف من الإنس والجن والملائكة، ومن شاء الله
فهو عبد الله، والمنادى هنا المكلفون من الإنس والجن.
( إنى حرمت الظلم على نفسى ) ((الظلم)) وضع الشيء فى غير موضعه الشرعى، أو مجاوزة
الحد الشرعى، وفى ملحق الرواية ((إنى حرمت على نفسى الظلم وعلى عبادى، فلا تظالموا)) قال
النووى: قال العلماء: وهو مستحيل فى حق الله سبحانه وتعالى، وكيف يجاوز سبحانه وتعالى حدا؟
وليس فوقه من يطيعه؟ وكيف يتصرف فى غير ملكه؟ والعالم كله فى ملكه وسلطانه؟ وأصل التحريم
فى اللغة المنع، فسمى تقدسه عن الظلم تحريما، لمشابهته للممنوع فى أصل عدم الشيء.
(وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا ) قال النووى: هو بفتح التاء وفتح الظاء مخففة، أى
لا تتظالموا، والمراد: لا يظلم بعضكم بعضا، وهذا توكيد لقوله تعالى ((يا عبادى ..... وجعلته بينكم
محرما)» وزيادة تغليظ فى تحريمه.
( يا عبادى، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدونى أهدكم ) أى اطلبوا الهداية منى،
وفى المسألة كلام طويل سنتعرض له فى فقه الحديث.
( إنكم تخطئون بالليل والنهار) كناية عن كثرة الخطايا، والرواية المشهورة بضم التاء، قال
النووى: وروى بفتحها وفتح الطاء، بينهما خاء ساكنة، يقال: خطئ يخطأ، إذا فعل ما يأثم به، فهو
خاطئ، ومنه قوله تعالى ﴿اسْتَغْفِرْلَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] ويقال فى الإثم أيضا:
أخطأ، فهما صحيحان.
(وأنا أغفر الذنوب جميعا) أى ما عدا الشرك، إذا شئت، مصداقا لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّه لا
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
( يا عبادى. إنكم لن تبلغوا ضري، فتضرونى) ((ضرى)) فى النسخ التى بين يدى بفتح
الضاد، وفى كتب اللغة: الضر - بفتح الضاد - وضمها لغتان، ضد النفع، وبالفتح المصدر، وبالضم
الاسم، وقيل: إذا جمعت بين الضرر والنفع فتحت الضاد، وإذا أفردت الضرضممت الضاد.
ومعنى ((لن تبلغوا ضري)) أى لن تصلوا إلى ضرى، يقال: بلغ الشيء بلوغا، أى وصل إليه ..
( يا عبادى ... لو أن أولكم وآخركم ) أى لو أنكم جميعا من أولكم إلى آخركم، وليس المراد
الأول والآخر.
( وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك فى ملكى
شيئا) فهوجل شأنه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية.
٤٧
( لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا فى صعيد واحد) ((الصعيد)) وجه الأرض،
أو الجزء المرتفع من وجه الأرض، والمعنى لو أن بنى آدم من أول أبناء آدم إلى اليوم وفى أى مكان
من الأرض، اجتمعوا فى وقت واحد فى مكان واحد.
( فسألونى ) أى سألنى كل واحد منهم ما يتمناه.
( فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندى، إلا كما ينقص المخيط، إذا
أدخل البحر) «المخيط بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الياء، وهو الإبرة، وظاهر العبارة إن إعطاء
كل واحد مسألته ينقص ما عند الله ولو نقصا يسيرا، مع أن المراد أنه لا ينقص شيئا مطلقا، لهذا قال
النووى: قال العلماء: هذا تقريب إلى الأفهام، ومعناه لا ينقص شيئا أصلا، كما قال فى الحديث الآخر
((لا يغيضها نفقة)) أى لا ينقصها نفقة، لأن ما عند الله لا يدخله نقص، وإنما يدخل النقص المحدود
الفانى، وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه، وهما صفتان قديمتان، لا يتطرق إليهما نقص، فضرب
المثل بالمخيط فى البحر، لأنه غاية ما يضرب به المثل فى القلة، والمقصود التقريب إلى الأفهام بما
شاهدوه، فإن البحر من أعظم المرئيات عيانا وأكبرها، والإبرة من أصغر الموجودات، مع أنها صقيلة،
لا يتعلق بها ماء.
( إنما هى أعمالكم أحصيها لكم ) المقصود أعمال الخير والشر، فإن غلبنا أعمال الخير،
قيل: ((أحصيها لكم)) وإن غلبنا أعمال الشر، قيل ((أحصيها عليكم)) كما فى بعض النسخ.
( ثم أوفيكم إياها ) فى الكلام مضاف محذوف، أى أوفيكم جزاءها.
( فمن وجد خيرا ) أى من وجد فى كتابه زيادة الحسنات على السيئات.
( فليحمد الله ) أى فسيحمد الله، الذى وفقه فى الدنيا لعمله، وشمله فى الآخرة بعفوه.
(ومن وجد غير ذلك ) من زيادة السيئات على الحسنات.
( فلا يلومن إلا نفسه ) أى فسيلوم نفسه، حيث لا ينفع اللوم ولا الندم.
( إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه ) إعلانا للتسليم بما فى هذا الحديث مع الذلة
والخضوع.
( اتقوا الظلم ) أى اجعلوا بينكم وبينه وقاية، فلا تباشروه.
( فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) قال القاضى: قيل: هو على ظاهره، فيكون ظلمات على
صاحبه، لا يهتدى يوم القيامة سبيلا، حين ترى المؤمنين يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، قال:
ويحتمل أن المراد من الظلمات هنا الشدائد، وبه فسروا قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيَكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] أى شدائدها، قال: ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات. اهـ
٤٨
وعند أحمد ((يا أيها الناس، اتقوا الظلم .... )) وفى رواية ((إياكم والظلم)) وفى رواية ((أظلم الناس من
ظلم لغيره ».
( واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم ) قيل: الشح أشد البخل، وأبلغ فى المنع
من البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: البخل فى أفراد الأمور، والشح بالمال والمعروف، فهو
أعم، وقيل: الشح الحرص على ما ليس عنده، والبخل على ما عنده. والأول أكثر استعمالا، قال تعالى
﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب: ١٩].
قال القاضى: يحتمل أن هذا الهلاك دنيوى بسفكهم دماءهم، ويحتمل أنه هلاك الآخرة، وهذا
الثانى أظهر، ويحتمل أنه أهلكهم فى الدنيا والآخرة، اهـ أقول: وهذا الأخير هو الأظهر، فإن سفك
الدماء هلاك فى الدنيا والآخرة.
ومناسبة التحذير من الشح بعد التحذير من الظلم، أن الشح نوع من الظلم، فهو من قبيل ذكر
الخاص بعد العام، لمزيد عناية بالخاص، والشح غالبا دافع الظلم، فكلاهما ينشأ عن حب الذات،
وحب السيطرة، وحب التملك، والشحيح ظالم لنفسه، وظالم لغيره، ظالم لنفسه، ومجهدها ومتعبها
بالإفراط فى الحرص وموبقها ومهلكها يوم القيامة، ظالم لنفسه ببعثه الحقد والحسد، والبغض فى
نفوس الآخرين، حتى يصبح منبوذا فى مجتمعه، وظالم لغيره بمنعه حق الغير فى ماله وفى صحته
وصنعته، ففى كل عضو من أعضاء الإنسان صدقة يومية، يعين أخاه ويحمل له، أو يعمل ويتصدق، أو
يصنع الأخرق.
( حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم ) هذه الجملة بيانية، مستأنفة
استئنافا بيانيا، أو تعليليا، فهى فى جواب سؤال نشأ عن الجملة الأولى، إن قدرناه: كيف أهلكهم.؟
فهو بيانى، وإن قدرناه لم أهلكهم؟ كان تعليليا، والأول أوضح، وضمير ((حملهم)) وفى (استحلوا)) غير
الضمير فى ((دماءهم)) و((محارمهم)» أى حمل بعضهم على سفك دماء بعض، واستحل بعضهم محارم
بعض، ويحتمل المجاز، فسفك الإنسان لدم أخيه كأنه سفك لدم نفسه، واستحلاله لمحارم أخيه كأنه
استحلال لمحارم نفسه.
والمحارم جمع محرم بفتح الميم وسكون الحاء، وهو صاحب الحرمة من النساء والرجال، أى
الذى يحرم التزوج به، لرحمه وقرابته، ويطلق على كل ما حرم الله.
( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه) سبق قبل أربعة أبواب، بلفظ ((المسلم أخو
المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره)».
( من كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته ) أى من صار معينا لأخيه، كان اللَّه فى
عونه . .
( ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة) قال
٤٩
النووى: يدخل فى كشف الكرية وتفريجها، من يزيلها بماله أوجاهه أو يساعده على تفريجها، قال:
والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته ونصحه.
( ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ) ستر المسلم يشمل كل ما سبق، يشمل ستره
عن الإهانة والذلة، فلا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكشف عوزه وضيقه وحاجته وكربه، كما يشمل ستره عن
الزلات وعدم كشف سوءاته وسيئاته، وخص النووى لفظ ((مسلم)» فجعل المراد منه مسلما مطيعا، غير
معروف بالعصيان، فقال: وأما الستر المندوب إليه هنا، فالمراد به السترعلى ذوى الهيئات ونحوهم،
ممن ليس هو معروفا بالأذى والفساد.
قال: فأما المعروف بذلك، فيستحب ألا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولى الأمر، إن لم يخف من
ذلك مفسدة، لأن السترعلى هذا يطمعه فى الإيذاء والإفساد، وانتهاك الحرمات، وجسارة غيره على
مثل فعله.
قال: هذا كله فى ستر معصية وقعت وانقضت، أما معصية رآه عليها، وهو بعد متلبس بها، فتجب
المبادرة بإنكارها عليه، ومنعه منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها، فإن عجز لزمه رفعها إلى
ولى الأمر، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة. أهـ
وعندى أن هناك فرقا بين الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وبين الستر، وكل منهما مأمور به
وبينهما عموم وخصوص مطلق، فيجتمعان فى الستر، وعدم الإشاعة، مع الأمر بالمعروف بينه وبينه
لأن النصيحة فى الملأ فضيحة، وينفرد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، دون الستر فى الجهر به،
وكشف سره، ونصحه أمام الناس، أو رفع أمره إلى الحاكم، مع إمكان الإصلاح دون كشف، وينفرد
الستر كثيرًا، حتى يصل إلى اللامبالاة.
( أتدرون ما المفلس؟) الاستفهام للتقرير، وإخراج الجواب من المخاطب، ليبنى عليه
الحكم المراد، ولما كان المقصود السؤال عن الوصف، وليس عن الذات، عبر بـ ((ما)) بدل ((من)).
( قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ) أجابوا بأوصاف المفلس فى العادة
والعرف الدنیوی.
( فقال: إن المفلس من أمتى يأتى يوم القيامة ... ) ((من أمتى)) ليس قيدا للاحتراز،
فالأمر كذلك فى جميع الديانات.
قال النووى: معناه أن هذا حقيقة المفلس، وأما من ليس له مال، ومن قل ماله، فالناس يسمونه
مفلسا، وليس هو حقيقة المفلس، لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته، وربما ينقطع بيسار، يحصل له بعد
ذلك فى حياته، وإنما حقيقة المفلس هذا المذكور فى الحديث، فهو الهالك الهلاك التام، والمعدوم
الإعدام القاطع، فتؤخذ حسناته لغرمائه، فإذا فرغت حسناته، أخذ من سيئاتهم، فوضع عليه، ثم ألقى
فى النار، فتمت خسارته وهلاكه وإفلاسه. اهـ وليس مقصود الحديث نفى الإفلاس عمن لا درهم عنده،
٥٠
بل نفى الكمال والحقيقة التى تستحق هذا الوصف، كحديث ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد
الذى يملك نفسه عند الغضب».
( بصلاة وصيام وزكاة ) هذا ليس للحصر، بل هو تمثيل، يشمل جميع الطاعات.
( ويأتى قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا ) وهذا
تمثيل أيضا، والمقصود جميع حقوق العباد، والواو فيها لمطلق العطف والجمع ولا ترتيب بين ما ذكر.
( فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته ) قال العلماء: المراد بالحسنات هنا
الثواب عليها، وسيأتى فى فقه الحديث مزيد إيضاح.
( فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه )
((يقضى)) بضم الياء وسكون القاف وفتح الضاد، مبنى للمجهول.
( ثم طرح فى النار) لفناء الحسنات، وزيادة الخطايا وسيأتى فى فقه الحديث مزيد إيضاح.
(لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ) اللام فى جواب قسم مقدر، أى واللَّه ليؤدين كل
واحد منكم حقوق الآخرين يوم القيامة، والخطاب للخلائق.
(حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ) ((الجلحاء)» بجيم، ثم حاء بينهما لام، وهى
الجماء، التى لا قرن لها، والمراد يقاد ويقتص من القرناء التى نطحت فى الدنيا أختها التى لا قرن
لها، وللمسألة مزيد إيضاح فى فقه الحديث، والمقصود إبراز القصاص بين المكلفين فى صورة التأكيد
والمبالغة، لأنه إذا حصل القصاص بين ما لا تكليف عليه حصل بين المكلفين من باب أولى.
( إن اللَّه يملى للظالم) أى يمهله، ويؤخر عقابه، ويطيل فى مدة عدم معاقبته، وهو مشتق من
الملوة، بضم الميم وكسرها وفتحها، وهى المدة، يقال: أقام عنده ملوة من الدهر، وفى القرآن الكريم
﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أى زمنا ومدة.
( فإذا أخذه لم يفلته ) أى لم يطلقه، ولم ينفلت منه، أى لم يجعله ينفلت، يقال:
أفلته، إذا أطلقه.
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث
١- من الرواية الأولى، ومن قوله صلى الله عليه وسلم ((كلكم ضال إلا من هديته)) قال المازري: ظاهر
هذا أنهم خلقوا على الضلال، إلا من هداه اللَّه تعالى، لكن فى الحديث المشهور ((كل مولود يولد
على الفطرة)) - أى مما يثير إشكالا، أجاب عنه بقوله: قد يكون المراد بالأول وصفهم بما كانوا
٥١
عليه قبل مبعث النبى *، وأنهم لوتركوا وما فى طباعهم، من إيثار الشهوات والراحة وإهمال
النظر لضلوا. اهـ أى كلكم كنتم ضالين، قبل رسالة محمد ®، فهديت برسالته من هديت،
فلتطلبوا منى الهداية، واعملوا لها أهدكم.
قال النووى: وفى هذا دليل لمذهب أصحابنا وسائر أهل السنة أن المهتدى هو من هداه الله،
وبهدى الله اهتدى، وبإرادة اللَّه تعالى، وأنه سبحانه وتعالى، إنما أراد هداية بعض عباده، وهم
المهتدون، ولم يرد هداية الآخرين، ولو أرادها لاهتدوا، خلافا للمعتزلة فى قولهم الفاسد: أنه
سبحانه وتعالى أراد هداية الجميع جل اللّه أن يريد ما لا يقع، أو يقع ما لا يريد.
٢- وفيها الحث على الدعاء بما يحتاجه الإنسان، حتى المأكل والكسوة، ولا يعتمد على المسعى وحده.
٣- وأن اللَّه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية.
٤- ولا تنفد خزائنه، بل ولا تنقص بالعطاء.
٥- وفيها التحذير من الظلم.
٦- وفى الرواية الثانية التحذير من الشح.
٧-وفى الرواية الرابعة فضل إعانة المسلم، وتفريج كربه.
٨- والستر على المسلم، وعدم التشهير به، ونقل أخبار زلاته، قال النووي: وأما جرح الرواة والشهود
والأمناء على الصدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم، فيجب جرحهم عند الحاجة، ولا يحل الستر
عليهم، إذا رأى منهم ما يقدح فى أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة
الواجبة، وهذا مجمع عليه.
٩- ومن الرواية الخامسة الوعيد بالمقاصة، وعند أبى نعيم ((يؤخذ بيد العبد، فينصب على رءوس
الناس، وينادى مناد: هذا فلان ابن فلان، فمن كان له حق فليأت، فيأتون، فيقول الرب: آت
هؤلاء حقوقهم. فيقول: يا رب، فنيت الدنيا، فمن أين أوتيهم؟ فيقول للملائكة: خذوا من أعماله
الصالحة، فأعطوا كل إنسان بقدر مظلمته، فإن كان ناجيا، وفضل من حسناته مثقال حبة من
خردل، ضاعفها الله، حتى يدخله بها الجنة)). وعند أحمد والحاكم ((لاينبغى لأحد من أهل الجنة
أن يدخل الجنة، ولأحد، من أهل النار عنده مظلمة، حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قلنا: يارسول
اللَّه، كيف؟ وإنما نحشر حفاة عراة؟ قال: بالسيئات والحسنات)).
وقد استشكل إعطاء الحسنات سدادا للحقوق، مع أن الحسنات تضاعف إلى سبعمائة
ضعف إلى أضعاف كثيرة، والحقوق محدودة، وأجيب بأنه محمول على أن الذى يعطاه صاحب
الحق من الثواب ما يوازى السيئة من الأصل، وأما مازاد على الأصل فهو بفضل اللَّه، فيبقى
لصاحبه. اهـ وهذا إن صلح فيمن يبقى عنده حسنات بعد المقاصة، لايصلح فيمن يشير إليه
حديثنا، ممن تنفد حسناته، ويطرح فى النار.
٥٢
وحاول البيهقى الإجابة، فقال: وجه الحديث عندى - والله أعلم - أنه يعطى خصماء المؤمن
المسيء من أجر حسناته ما يوازى عقوبة سيئاته، فإن فنيت حسناته أخذ من خطايا خصومه
فطرحت عليه، ثم يعذب إن لم يعف عنه، فإذا انتهت عقوبة تلك الخطايا أدخل الجنة، بما كتب
له من الخلود فيها بإيمانه، ولا يعطى خصماؤه مازاد من أجر حسناته على ما قابل العقوبة، یعنی
من المضاعفة، لأن ذلك من فضل الله، يختص به من وافى يوم القيامة مؤمنا. اهـ
وقال الحميدى فى كتاب الموازنة: الناس ثلاثة. من رجحت حسناته على سيئاته، أو
بالعكس، أو من تساوت حسناته وسيئاته، فالأول فائز بنص القرآن، والثانى يقتص منه بما فضل
من معاصيه على حسناته، من النفخة إلى آخر من يخرج من النار، بمقدار قلة شره وكثرته،
والثالث أصحاب الأعراف. اهـ ويقيد بمشيئة الله تعالى وعفوه.
١٠- وظاهر الحديث أن سيئات المظلوم يحملها الظالم، وهذا الظاهر يتعارض مع قوله تعالى ﴿وَإنْ
تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] ومع ظاهر قوله تعالى ﴿وَلا تَزِدُ وَازِرَةٌ وِنْدَ
أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قال النووي: وهذا الاعتراض غلط، لأنه إنما عوقب بفعله، ووزره، وظلمه،
فتوجهت عليه حقوق لغرمائه، فدفعت إليهم من حسناته، فلما فرغت، وبقيت لخصومه بقية،
أخذ قدرها من سيئات خصومه فوضع عليه، فحقيقة العقوبة إنما هى بسبب ظلمه، ولم يعاقب
بغير جناية وظلم منه.
١١ - قال النووى: وفى الحديث تصريح بحشر البهائم يوم القيامة، وإعادتها يوم القيامة، كما يعاد
أهل التكليف من الآدميين، وكما يعاد الأطفال والمجانين، ومن لم تبلغه الدعوة، وعلى هذا
تظاهرت دلائل القرآن والسنة، قال الله تعالى ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُثِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] قال: وإذا ورد
لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع، وجب حمله على ظاهره. قال العلماء:
وليس من شرط الحشر والإعادة فى القيامة المجازاة والعقاب والثواب، والقصاص من القرناء
ليس من قصاص التكليف، بل هو قصاص المقابلة.
١٢ - وفى الرواية السابعة التحذير من أخذ اللّه تعالى للظالمين.
والله أعلم
٥٣
(٦٩٧) باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا
٥٧٢٧- ٦٢ عَنْ جَابِ ﴾(٦٢) قَالَ: اقْتَعَلَ غُلامَانِ. غُلامٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَغُلامٌ مِنَ الأَنْصَارِ.
فَنَادَى الْمُهَاجِرُ أَوِ الْمُهَاجِرُونَ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ: وَنَادَى الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ! فَخَرَجَ رَسُولُ
اللَّهِل ◌َ فَقَالَ: «مَا هَذَا دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ؟» قَالُوا: لا. يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلا أَنَّ غُلامَيْنِ اقْتَلا
فَكْسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، قَالَ: «فَلا بَأْسَ. وَلْيْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا. إِنْ كَانَ ظَالِمًا
قَلْهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصْرٌ. وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ».
٥٧٢٨ - -٣ٍ عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٣) قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َ فِي غَزَاةٍ.
فَكْسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ! وَقَالَ
الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َ﴿: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ
اللَّهِ! كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ: «دَعُوهَا. فَإِنَّهَا مُنِْنَةٌ» فَسَمِعَهَا عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ أَبَيِّ فَقَالَ: قَدْ فَعَلُوهَا. وَاللَّهِ! لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأُعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. قَالَ
عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ: «دَعْهُ. لا يَتْحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ
أُصْحَابَهُ».
٥٧٢٩ - ٤ٍَّّ عَنْ جَابِرِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٤) قَالَ: كَسَّعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ. فَأَتَى النَّبِيِّ ◌ِ﴿ فَسَأَلَهُ الْقَوَدَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «دَعُوهَا. فَإِنْهَا مُنِْنَةٌ». قَالَ
ابْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا.
المعنى العام
فى سنة ست من الهجرة، وبعد النصر فى غزة بنى المصطلق، استراح جند المسلمين، عند بئر
لبنى خزاعة، يسمى «المريسيع» ونفث المنافقون سمومهم فى هذه الغزوة مرتين، المرة الأولى، وهى
التى تحكيها قصة حديثنا تتلخص فى أن بئر المريسيع كان قليل الماء، فكان الصحابة يبتدرون
(٦٢) حَدَّثَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ يُونُسَ حَدََّا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبِيْرِ عَنْ جَابِرٍ
(٦٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةُ الْعَّبِيُّ وَابْنُ أَبِيٍ عُمِّرَ وَاللَّفْظُ لِابْنٍ أَبِي شَيْئَةً قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ
أَخْبَرَنَا وقَالَ الََّخَرُونَ حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً قَالَ سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
(٦٤) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقُ بْنُ مَّنْصُورٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا وقَالَ الآخْرَانِ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ
أَخْبَرَنَا مَغَمَرٌ عَنْ أَيْوَبَ عَنْ غَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ
٥٤
الماء، فيملأ الواحد حوضه، ثم يجعل عليه نطعا، يغطيه، حتى يسقى منه هو وأصحابه، وعلى الآخرين
أن يدلوا بدلائهم ويملئوا أحواضهم، فسبق إلى البئر جهجاه بن قيس الغفارى من المهاجرين خادم
عمر، فملأ حوضه، وغطاه، فجاء الأنصارى سنان بن وبرة الجهنى، وأرخى زمام ناقته، لتشرب من
حوض جهجاه.
فضربه جهجاه برجله على عجيزته، فلطمه سنان، وتشابكا، وتصارعا، واستغاث كل منهما بقومه
قال المهاجرى: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وسمع النبى 8 هاتين الاستغاثتين وهو
فى خبائه، فخرج مغضبا، وقال: ما هذه العصبية القبلية؟ وما هذه الدعوة الجاهلية؟ ما سببها؟ قالوا
له: تضارب غلامان، مهاجری وأنصارى، وانقضت المشكلة، فقال: لا بأس أن انتهت عند هذا الحد،
فقد خشيت أن تثار فتنة بين المهاجرين والأنصار، ولكن احذورا هذه الدعوى، فإنها منتنة، وقد
أنقذكم اللّه منها، حسنا أن تنصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: حسنا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره
ظالما؟ قال: تكفونه عن ظلمه، وبلغ عبد الله بن أبىّ زعيم المنافقين ما حصل، وأن المهاجرى ضرب
الأنصارى على دبره، فكبر ذلك عليه وغضب، فبرزما فى صدره من البغضاء للمسلمين ولرسولهم 8 %
على لسانه أمام أصحابه المنافقين فقال: قد عظم شأن المهاجرين، ونحن الذين قويناهم وساعدناهم،
وما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، ثم قال لأصحابه: لئن رجعنا إلى المدينة لنخرجنهم
منها، ((ليخرجن الأعز منها الأزل)» وكان الصبى زيد بن أرقم قريباً منهم، فسمع، فأخبر عمه، فقام عمه
بإخبار رسول اللَّهِ ، فدعاه صلى الله عليه وسلم وسأله، فأنكر، وحلف أن لم يحصل، وقال أصحابه
لرسول اللّه ◌َ﴾: أتصدق صبيا لا يضبط ما يسمع، وتكذب سيدنا وكبيرنا؟ فصدقه صلى الله عليه
وسلم، ونزل القرآن الكريم يصدق زيدا، ويكشف المنافقين فقال عمر: دعنى يا رسول الله أضرب عنق
هذا المنافق. قال: دعه. لئلا يقول الناس: إن محمدا يقتل أصحابه.
وجاء عبد الله بن عبد الله بن أُبىّ إلى رسول اللَّهِ:﴿، يقول له: بلغنى يا رسول اللَّه، أنك تريد قتل
أبى، فمرنى يا رسول اللَّه أن أتيك برأسه، ووالله لو أمرتنى لأتيتك بها، فقال له صلى الله عليه وسلم:
بل نحسن صحبته.
وقبل دخول المسلمين المدينة بمرحلة، ألقى ابن أبى لأصحابه المنافقين القنبلة الثانية، قنبلة
حديث الإفك، حين رأى عائشة رضى الله عنها - وقد تأخرت عن الجيش - تأتى يقود ناقتها صفوان،
فقال بين أصحابه، والله ما نجت منه، ولانجا منها، وأخذوا ينفخون النار فى عرض عائشة بالمدينة.
أما عبد الله بن عبد الله بن أبى - وهو المؤمن الخالص، فقد وقف لأبيه على باب المدينة، مشهرا عليه
سيفه، يقول له: والله لأغمدن سيفى، ولا أدعك تدخلها حتى تقول: محمد الأعز، وأنا الأذل، فلم يبرح
حتى قال ذلك، قال له: والله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول اللّه { بدخولها، فرجع، حتى لقى رسول
اللَّهِ ﴾، فشكا إليه ما صنع ابنه، فأرسل إليه النبى : أن خل عنه يدخل، ففعل رضى الله عنه
وأرضاه.
٥٥
المباحث العربية
( اقتتل غلامان، غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار) فى الرواية الثانية ((كسع
رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار» والكسح ضرب الدبر والعجيزة بيد، أو رجل، أو سيف، أو غيره،
وذلك عند أهل اليمن شديد، والتعبير عنهما بالغلامين لما أنهما كانا تابعين كخادمين، فالمهاجري
هو جهجاه بن قيس الغفارى، وكان مع عمر بن الخطاب، يقود له فرسه، والأنصاری هو سنان بن وبرة
الجهنى، حليف الأنصار، وكانا على بئر المريسيع، يستقيان، ومعنى اقتتالهما تضاربهما.
( فنادى المهاجر - أو المهاجرون - يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار)
قال النووى: هو فى معظم النسخ ((يال)) بلام مفصولة فى الموضعين، وفى بعضها ((يا للمهاجرين)»
و«يا للأنصار» بوصلها، وفى بعضها ((يا آل المهاجرين» بهمزة، ثم لام مفصولة،واللام مفتوحة فى
الجميع، وهى لام الاستغاثة، والصحيح بلام موصولة، ومعناه أدعو المهاجرين، وأستغيث بهم.
وقوله ((أو المهاجرون)) صحيح على اعتبار أن رجلين أو ثلاثة من المهاجرين لحقوه أولا، فنادوا
معه.
( فخرج رسول اللَّه ) من خيمته التى كانت قد ضربت، قريبة من البئر، فى غزوة بنى
المصطلق.
( فقال: ما هذا؟ دعوى أهل الجاهلية؟ ) أى ما هذا النداء؟ وما هذه الاستغاثة؟ أتكون
الاستغاثة بألفاظ الجاهلية، والعصبية القبلية، لا ينبغى أن يحصل هذا، بل ينبغى أن تكون الاستغاثة
باسم الإسلام ووحدة الإسلام، فالاستفهام إنكارى توبيخى. وفى الرواية الثانية ((ما بال دعوى
الجاهلية)»؟ أى ما حال دعوى الجاهلية؟ وما شأنها؟ لا ينبغى أن تعود.
قال النووي: وأما تسميته صلى الله عليه وسلم ذلك دعوى الجاهلية، فهو كراهة منه ذلك، فإنه مما
كانت عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل فى أمور الدنيا ومتعلقاتها، وكانت الجاهلية تأخذ حقوقها
بالعصبات والقبائل، فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وفصل القضايا بالأحكام الشرعية، فإذا اعتدى
إنسان على آخر، حكم القاضى بينهما، وألزمه مقتضى عدوانه، كما تقرر من قواعد الإسلام.
( قالوا: لا. يارسول الله) أى ليست دعوة جاهلية، ولن نستجيب لها، ولن نرجع إليها.
( إلا أن غلامين اقتتلا، فكسع أحدهما الآخر، قال: فلا بأس) أى لم يحصل من هذه
القصة بأس، مما كنت خفته، فإنه خاف أن يكون حدث أمر عظيم، يوجب فتنة وفسادا، وليس المراد
رفع كراهة الدعاء بدعوى الجاهلية.
(دعوها، فإنها منتنة ) أى دعوا دعوى الجاهلية، لا تلجئوا إليها مهما حصل خلاف، ولا
تستجيبوا لها إن سمعتموها، فإنها قبيحة كريهة مؤذية.
٥٦
( ولينصر الرجل أخاه، ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه، فإنه له نصر، وإن
كان مظلوما، فلينصره ) وفى رواية للبخارى ((قالوا: يارسول اللَّه، هذا ننصره مظلوماً، فكيف
ننصره ظالما؟ قال: تأخذ فوق يديه)) وفى روايه له أيضا ((فقال رجل: يارسول اللَّه، أنصره إذا كان
مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما. كيف أنصره؟ قال: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره)). قال ابن
بطال: النصر عند العرب الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم، من تسمية الشيء بما يئول
إليه، وهو من وجيز البلاغة.
وذكر بعضهم أن أول من قال: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم،
وأراد بذلك ظاهره، وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسره النبى 8/*، وفى ذلك يقول
شاعرهم:
.· على القوم لم أنصر أخى حين يظلم
إذا أنا لم أنصر أخى وهو ظالم
(فسمعها عبد الله بن أبى، فقال: قد فعلوها؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة
ليخرجن الأعز منها الأذل ) أى سمع ابن أبى قصة كسع المهاجر للأنصارى فقال: قد فعلها
المهاجرون؟ أى تعالوا علينا ونحن الذين آويناهم لئن رجعنا من هنا، من دياربنى المصطلق، إلى
المدينة ليخرجن الأعز - يعنى نفسه والأنصار - الأذل - يعنى رسول اللّهل:﴿ والمهاجرين.
( قال عمر: دعنى. أضرب عنق هذا المنافق، فقال: دعه. لا يتحدث الناس أن
محمدا يقتل أصحابه ) كان ابن أبى والمنافقون معدودين فى أصحابه صلى الله عليه وسلم،
ويجاهدون معه، إما حمية، وإما لطلب دنيا، وكان المسلمون مأمورين بالحكم بالظاهر، والله يتولى
السرائر.
كان كلام عمر بعد أن علم النبى 08 بقول ابن أبى، وبعد أن أرسل النبي # إليه فجحد، وحلف،
وصدقه النبى ®#، فنزلت الآيات تكذبه.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- ما عانى رسول اللّه # والمؤمنون من المنافقين.
٢- وأن القرآن فضحهم فى هذه الحادثة.
٣- وصدق الناقل للخبر، زيد بن أرقم، الصحابي الجليل، وكان صبيا.
٤- وأن نقل حديث الآخرين للمصلحة العامة، ليس من الغيبة المحرمة، بل نقل إيذاء المنافقين
للمسلمين واجب، ومن المصلحة الكبرى.
٥٧
٥- وأن استخدام الألفاظ الموهمة لغير مراد المتكلم، تحتاج إلى توضيح المراد، وترخص للمخاطب
استيضاحها.
٦- وان الأخذ على يد الظالم، ومنعه من الظلم نصر له، وعون له على حماية نفسه.
٧- وفي الحديث تنفير من العصبية القبلية، ووصفها بالخبث والنتن.
٨- وفيه الحث على نصر المظلوم، والحث على نصر الظالم بمنعه من الظلم.
٩- ومن الرواية الثانية حكمة الرسول # وحلمه على المنافقين. قال القاضى عياض: واختلف
العلماء: هل بقى حكم الإغضاء عن المنافقين؟ وترك قتالهم؟ أو نسخ ذلك عند ظهور الإسلام،
ونزول قوله تعالى ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؟ [التوبة: ٧٣] وهناك قول ثالث، وهو
العفوعنهم ما لم يظهروا نفاقهم، فإذا أظهروه قتلوا. اهـ والراجح معاملتهم معاملة المسلمين ما.
أظهروا الإسلامِ، ففى أواخر أيامه صلى الله عليه وسلم أعطى ابن أبى قميصا له، يكفن فيه، وما
عوتب صلى الله عليه وسلم إلا على أن صلى عليه، فنزل ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أُبَدًا وَلا تَقُمْ
عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
أما معاملتهم معاملة المسلمين فظلت إلى نهاية نزول تشريعات الإسلام.
والله أعلم
٥٨
(٦٩٨) باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتوادهم
٥٧٣٠- ٦٥ عَنْ أَبِي مُوسَى ﴾(٦٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنٍ كَالْمَانِ.
يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».
٥٧٣١ - لّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ ﴾(٩٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿هَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي
تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ
بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
٥٧٣٢ - ٣٢ٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﴾ (٦٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِ: «الْمُؤْمِنُونُ كَرَجُلٍ
وَاحِدٍ. إِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ».
٥٧٣٣- ١٣ْ وَفِي رواية عَنِ النَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﴾(١١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِه ◌ِ:
«الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ. إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ، اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ، اشْتَكَى كُلُّهُ».
حَدََّا ابْنُ نُمَّيْرٍ.
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرِ وَأَنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقْبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] والإنسان مدنى اجتماعى بطبعه، محتاج إلى غيره، بقدر
احتياج غيره له، وكلما تكاتف مجتمع صار قويا، وكلما عطف بعضه على بعض، وأحس
بعضه بآلام البعض صارفى منعة وحصانة.
لقد نشأ الإسلام فى بيئة عربية قبلية، تتناحر بطونها، وتتعادى شعوبها، ويغير قويها على
ضعيفها، حتى قال شاعرهم:
.. إذا ما لم نجد إلا أخانا
وأحيانا على بكر أخينا
(٦٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي هَيْبَةً وَأَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ قَالا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَأَبُوِ أُسَامَةَ حْ وَ حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو
كُرّيْبٍ حَدَّثَنَ ابَّنُ الْمُبَّارَكِ وَابْنُ إِذْرِيسَّ وَأَبُوِ أُسَّامَةً كُلُّهُمْ عَنْ يُرَيْدٍ عَنْ أَبِيَ بُرَّدَةٍ عَنْ أَبِي مُوسَى
(٦٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ حَدَّثَا أَبِي حَدَّثَنَا ذَكَرِيَّاءُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ النَّعْمَانِ بْنِ نِشِیٍ
- حَدََّنَا إِسْحَقُ الْحَنْظَلِيُّ أَعْبُرْنَا جَرِيرٌ عَنْ فّظَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ ◌َنِ النَّغْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ تَ بِنَحْوِهِ
٦٧) حَدَّثَنَا أَبُوَ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُوٍ سَعِيدِ الأَشَجُّ قَالا حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ عَنِ الْأَغْمَشِ عَنِ الْشَّغْيِيِّ عِنِ النَّعْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ
(١٠) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ حَدَّثَا خُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ عَنِ الأَعْمَّشِ عَنْ خَيْفَمَةً عَنِ النَّعْمَانِ بَّنِ بَشْرٍ
- حَدَّثَنَا حُمَّيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الشَّغْبِيِّ عَنِ التَّغْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ عَنِ النِّ ◌ِ﴿ نَخْوَهُ
٥٩
وقال قائلهم: أنا وأخى على ابن عمى، وأنا وابن عمى على الغريب. جاء الإسلام إلى هذه البيئة
المتناحرة المفككة، فغرس فيها عناصر الترابط، وأول هذه العناصر وأقواها تأثيرا التراحم والتعاطف
والتوادد، فأكثر من الدعوة إلى التراحم بأساليب مختلفة.
((من لا يرحم لا يرحم)) ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)) «ارحم من فى الأرض يرحمك من فى
السماء)) ((ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء)) ((من لم يرحم الناس لم يرحمه الله)).
وأكثر من الدعوة إلى التعاون ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ
وَالْعُذْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) ((واللَّه فى عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)».
((مثل المؤمنين كمثل اليدين، تغسل إحداهما الأخرى، اشفعوا تؤجروا )».
واستجاب المسلمون لتوجيهات شريعتهم، فأحب بعضهم بعضا، وعطف بعضهم على بعض،
وأعان بعضهم بعضا، حتى نزل فيهم قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بحَبْل اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةً
اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءٌ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] بل بلغوا،
وبالغوا درجة إيثار بعضهم على أنفسهم، حتى نزل فيهم قوله تعالى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
المباحث العربية
(المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا) ((أل)) فى ((المؤمن)) للجنس، والإخبار عما
ينبغى أن يكون عليه كل مؤمن مع كل مؤمن، لا عن الواقع، ويحتمل أن يكون إخبارا عن الواقع،
و(( أل)) فى المؤمن الأول للكمال، أى المؤمن الكامل هو الذى يشد ويساعد ويعاون المؤمن، والأول
أظهر، لأن البنيان يشد كل لبنة فيه الأخرى.
قال الحافظ ابن حجر: اللام فيه للجنس، والمراد بعض المؤمنين للبعض، وقوله ((يشد بعضه
بعضا)» بيان لوجه التشبيه، وقال الكرمانى: نصب ((بعضا)» بنزع الخافض، وقال غيره: بل هو مفعول
((يشد)» وكلاهما صحيح، والثانى أظهر. زاد البخارى ((ثم شبك بين أصابعه)) وهو بيان لوجه التشبيه
أيضا، أى يشد بعضهم بعضا، مثل هذا الشد، مبالغة فى بيان الأقوال، عن طريق الحركات، لتكون
أوقع فى نفس السامع.
( مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه
عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) وفى الرواية الرابعة ((المسلمون كرجل واحد،
إن اشتكى عينه، اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه، اشتكى كله» وعند البخارى «ترى المؤمنين فى
تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم» والتواد بتشديد الدال،، أصله التوادد، فأدغم، وهو من المودة، والود،
والوداد بمعنى، وهو تقرب شخص من آخر بما يحب.
٦٠