Indexed OCR Text
Pages 21-40
وقد استشكل على هذا ما صدر من عائشة رضى الله عنها فى حق ابن الزبير، والقصة ساقها
البخارى وحاصلها أنه بلغ ابن الزبير - وقد بويع من أهل الحجاز بالخلافة - أن عائشة رضى الله
عنها، باعت دارا لها وتصدقت بثمنها، فسخط الإسرافها، وقال: أما والله لتنتهين عائشة عن بيع
رباعها أو لأحجرن عليها، وبلغ ذلك عائشة، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: للَّه على نذر
أن لا أكلم ابن الزبير أبداً، وطال هجرها له، واستشفع ابن الزبير إليها، فلم تقبل، وطال الهجر،
ودخل عليها بحيلة مع بعض من وسطهم، وبعد كثير من العتاب والنقاش والبكاء كلمته، وأعتقت
فى نذرها هذا أربعين رقبة.
وأجاب العلماء عن هذا الإشكال بأجوبة، أحسنها أن عائشة رضى الله عنها رأت أن ابن الزبير قد
ارتكب بما قال أمراً عظيماً، وهو قوله «لأحجرن عليها)» فإن فيه تنقيصا لقدرها، وقد نسب لها
ارتكاب مالا يجوز من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها الله تعالى، مع ما انضاف
إلى ذلك من كونها أم المؤمنين، وخالته، أخت أمه، ولم يكن أحد عندها فى منزلته، فكأنها رأت
أن فى ذلك الذى وقع منه نوع عقوق، والشخص يستعظم ممن يلوذ به، ما لا يستعظمه من
الغريب، فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته، كما نهى النبي 8 عن كلام كعب بن مالك
وصاحبيه، عقوبة لهما، لتخلفهم عن غزوة تبوك، بغير عذر، ولم يمنع من كلام من تخلف عنها من
المنافقين، مؤاخذة للثلاثة، لعظيم منزلتهم، وإزدرائه بالمنافقين، لحقارتهم، فعلى هذا يحمل ما
صدر من عائشة.
وقد ذكر الخطابى أن هجر الوالد ولده، والزوج زوجته، ونحو ذلك، لا يتضيق بالثلاث، واستدل بأنه
صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهراً.
والله أعلم
٢١
(٦٩١) باب تحريم ظلم المسلم، وخذله،
واحتقاره ودمه وعرضه وماله
٥٦٩٢ -٣٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣٢)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «لا تَحَاسَدُوا، وَلا
تَنَاجَشُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ!
إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ. لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُثِيرُ
إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُلُّ الْمُسْلِمِ
عَلَى الْمُسْلِمٍ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» .
٥٦٩٣- ٣٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ﴾(٣٣)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ دَاوُدّ.
وَزَادَ. وَقَصَ. وَمِمَّا زَادَ فِيهِ: «إِنَّ اللَّهِ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ
إِلَى قُلُوبِكُمْ)» وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ.
٥٦٩٤- ٣٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ (٢٤)؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى
صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ. وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ)).
المعنى العام
الظلم ظلمات يوم القيامة ومن أقبح الظلم ظلم المسلم لأخيه المسلم، لأن له حقين، حق الإنسانية
وحق الإسلام، وليس ذلك فحسب، من حق المسلم على المسلم أن يعينه حين يظلم، ويساعده على رفع
الظلم عنه، سواء طلب المساعدة أم لم يطلبها، بل من حق المسلم على المسلم عدم الاستهانة به، وعدم
تحقيره، وعدم الاستخفاف به، ولو كان فقيرا مغمورا، فرب أشعث أغبر هو عند اللَّه خير ممن له
مظهر العزوالجاه والسلطة، فإن الله تعالى لا ينظر ولا يحاسب على المظاهر، ولا ينظر للأجسام، وإنما
يعتمد القلوب، وما فى القلوب، ومن أعظم الذنوب وأكبر الشرور أن يحتقر المسلم المسلم لمظهره، أو
مهنته، أو ضعفه. فكل المسلم على المسلم حرام، دم المسلم على المسلم حرام، ومال المسلم على المسلم
حرام، كل ذلك إلا بحق الإسلام.
(٣٢) حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ فَعْتَبٍ حَدَّقْنَا دَاوُدُ يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عَامِرِ بْنٍ كُرِيْزِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٣٣) حَدََّتِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ حَدََّا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَسَامَّةً وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاً سَعِيدٍ قَوْلَى عَبْدِ اللّهِ بْنِ
عَامِرٍ بْنِ كُرَيْرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَّيْرَةَ يَّقُولُ
(٣٤) حَدَّثَّاً عَمْرٌوَ النَّقِدُ حَدََّا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّقَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانُ عَنْ يَزِيدُ بْنِ الأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٢٢
المباحث العربية
( المسلم أخو المسلم ) هذه أخوة الإسلام، فإن كل اتفاق بين شيئين، يطلق بينهما اسم
الأخوة، تقول: هذه الأسورة أخت هذه الأسورة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
( لايظلمه ) الظلم وضع الشيء فى غير موضعه الشرعى، والجملة خبر بمعنى الأمر: أى لا يظلم
مسلم مسلما، لأنه أخوه، فالجملة الأولى كالعلة للثانية وما بعدها.
( ولا يخذله ) الخذل ترك الإعانة والنصر، ومعناه: إذا استعان به فى دفع ظالم ونحوه، لزمه
إعانته، إذا أمكنه، ولم يكن له عذر شرعى فى التقاعس عن نصرته، وعند البخارى بدل ((ولا يخذله)).
((ولا يسلمه)) بضم الياء وسكون السين، أى لا يتركه مع من يؤذيه، ولا فيما يؤذيه، بل يساعده، ويدفع
عنه، ومن مجموع الروايتين يكون المطلوب من المسلم الناصر أن يعين إذا رأى أخاه مظلوما، أو فى
مصيبة، سواء استعان به، أم لم يستعن، وفى الطبرانى ((ولا يسلمه فى مصيبة نزلت به)) زاد البخارى
((ومن كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج اللّه عنه كربة من
كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة)) وعند الترمذى ((ستره الله فى الدنيا
والآخرة)) أى من رأى أخاه على قبيح، فلم يظهره للناس، أو ستره، وأنقذه من مصيبته، ستره الله فى
الدنيا، جزاء وفاقا، وفى الآخرة بالعفو عن زلاته، وعدم كشفها بين الخلائق، فيدنيه، ويذكره بذنوبه، ثم
يقول له: سترتها عليك فى الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم.
وعند البخارى ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: يارسول الله، هذا ننصره مظلوماً، فكيف
ننصره ظالما؟ قال: تأخذ فوق يديه)).
( ولا يحقره) بفتح الياء وكسر القاف، يقال: حقر الشيء بفتح الحاء والقاف، يحقره بكسر
القاف، حقرا، بسكونها، وحقرة بضم الحاء، وحقارة بفتح وكسر وضم الحاء، ومحقرة، أى استهان به،
واستصغره، واحتقره بمعنى حقره.
قال النووى: قال القاضى: ورواه بعضهم ((لا يخفره)) بضم الياء وسكون الخاء وكسر الفاء، أى لا
يغدر بعهده، ولا ينقض أمانه، قال: والصواب المعروف هو الأول، وهو الموجود فى غير كتاب مسلم،
بغير خلاف، وروى ((لا يحتقره)) وهذا يرد رواية ((لايخفره)).
(التقوى ههنا - ويشير إلى صدره، ثلاث مرات ) أى يقولها ثلاث مرات، ويشير إلى
صدره فى كل مرة، والتقوى الخشية والخوف، وتقوى اللَّه خشيته وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه،
والمعنى أن حقيقة التقوى تحصل فى القلب، وما يظهر من الجوارح قد يكون دليلا على وجودها، وقد
يكون رياء ونفاقا، فالعبرة عند الله بما فى القلب، ويؤكد هذا المعنى قوله فى الرواية الثانية ((إن اللّه
لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) وفى ملحق الرواية الأولى ((إن اللَّه لا
٢٣
ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)) أى الأعمال الظاهرة لا يحصل بها
التقوى الأخروية، قال النووى: ومعنى نظر اللَّه هنا مجازاته ومحاسبته، أى إنما يكون ذلك على ما فى
القلب، دون الصورة الظاهرة، ونظر الله محيط بكل شيء. قال: ومقصود الحديث أن الاعتبار فى هذا
كله بالقلب، وهو من نحو قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن فى الجسد مضغة، إذا صلحت صلح
الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب)».
(بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) ((حسب)) بفتح الحاء وسكون السين،
اسم بمعنى كاف، يقال: مررت برجل حسبك من رجل، أى كافيك، واسم فعل، يقال: حسبك هذا، أى
اكتف به، وفى المثل: حسبك من شر سماعه، أى يكفيك أن تسمعه لتشمئز منه. والمعنى هنا أن
احتقار المسلم للمسلم يبلغ فى شره الكثير الذى يكفى كل شرير.
( كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه) ((دمه وماله، وعرضه)) بدل من
((كل)) أى دم المسلم حرام، ومال المسلم حرام، وعرض المسلم حرام، والعرض موضع المدح والذم من
الإنسان، سواء كان فى نفسه، أو فى سلفه، أو من يلزمه أمره. والجملة كالتذييل لما قبلها.
فقه الحديث
فى الحديث حرمة دم المسلم وماله وعرضه، والحث على مساعدة المسلم للمسلم على رفع الظلم،
وتخفيف البلاء والحث على الاهتمام بالقلوب وأن يصدر المسلم فى أعماله عن تقواها وخوفها من
الله، فيأتمر بالأوامر ظاهراً وباطناً، ويجتنب النواهى ظاهرا وباطنا، وفى الحديث الحث على عدم
احتقار المسلم للمسلم، لا يحتقر عمله، ولا يحتقر كلامه، ولا يحتقر مظهره، ولا يحتقر عطاءه وهويته،
ولا يحتقر فقره، فكل ذلك شر وظلم، عاقبته وخيمة، وفيه قصاص يوم القيامة.
والله أعلم
٢٤
(٦٩٢) باب النهى عن الشحناء
٥٦٩٥- ٣٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣٥)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ:﴿ قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ
الاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ. فَيُعْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللّهِ شَيْئًا، إِلاَ رَجُلا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ
شَحْنَاءُ، فَيَّقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنٍ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنٍ حَتَّى يَصْطَلِحًا. أَنْظِرُوا هَذَّيْنٍ خَتِّى
يَصْطَلِحًا».
٥٦٩٦ - - وَفِي رواية عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِسْنَادٍ مَالِكٍ. نَحْوَ حَدِيثِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِي
حَدِيثِ الدَّرَاوَرْدِيِّ: «إِلا الْمُتَّهَاجِرَيْنٍ)» مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ. وَقَالَ قُتِيَةُ: «إِلا
الْمُهْتَجِرَيْنِ».
٥٦٩٧ - ٣٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ (٣٦)؛ رَفَعَهُ مَرَّةٌ قَالَ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمٍ
خَمِيسٍ وَالْنٍ، فَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلا
امْرَأْ كَانَّتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَخْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنٍ حَتَّى يَصْطَلِحًا. ارْكُوا هَذَيْنٍ خَنّى
يَصْطَلِحًا».
٥٦٩٨ - شْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَه (١٠)؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ قَالَ: «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النّاسِ فِي
كُلِّ جُمُعَةٍ مَرََّيْنٍ، يَوْمَ الاْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ. فَيَغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ. إِلَا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
أَخِيهِ شَخْنَاءُ. فَيْقَالُ: اتْرُكُوا، أَوِ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيفًا».
المعنى العام
ما زلنا مع أحاديث السلامة والمودة والتآلف بين المسلمين، وقد مضى قريبا النهى عن التباغض
والتحاسد والتدابر، والتقاطع، والظن السيئ والتحسس والتجسس والتنافس، والهجر والخصام فوق
ثلاثة أيام، والنهى عن البيع على البيع، والنهى عن ظلم المسلم، والتخاذل عن نصرته ومساعدته، وعن
(٣٥) حَدَّثَّا قُتَيْئَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ فِيمَا قُرِئٌ عَلَيْهِ عَنْ سُهَيْلِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- حَدََّيِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيْرٌ حٌ وَ حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَِّيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَزْدِيِّ كِلاهُمَا
عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ
(٣٦) حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِيَ عُمَّرَ حَدَّثَنَا سُفْيَادُ عَنْ مُسِلِمٍ يْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي صَالِحِ سّمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً
(١٠) حَدَّثَا أَبُوِ الْطَّاهِرِ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ قَالا أَخْبُرْنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بَّنُ أَنَسٍ عَنْ مُسْلِمٍ بْنٍ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةً
٢٥
تحقيره، وأن كل المسلم على المسلم حرام. دمه وماله وعرضه، وسبقت الدعوة للمسلمين أن يكونوا
عباد الله إخوانا، وإن الله لا ينظر إلى الصور والأجسام ولكن ينظر إلى القلوب، وهو بها عليم.
وليس المقصود من أحاديث الباب النهى عن الشحناء - كما تبعنا فى هذا العنوان الإمام النووى
رحمه اللّه، لأن النهى عن الشحناء قد سبق بألفاظ كثيرة، ولكن المقصود منها التخويف والوعيد من
عاقبة عدم الانتهاء عما نهى الله عنه، وكأنه تعالى يقول: انتهوا عن الشحناء، لتغنموا مغفرة الله
لذنوبكم، فإن المتشاحنين لا تغفر ذنوبهما حتى يصطلحا.
المباحث العربية
( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس ) يحتمل أن المراد بأبواب الجنة
أسباب دخولها، وهى العفو والمغفرة، والمراد من فتحها اتساعها، واستيعاب داخليها، والمعنى تتسع
رحمة اللَّه وإحسانه وفضله فى يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، أكثر من اتساعها وشمولها فى
الأيام الأخرى.
قال الباجى: معنى فتح الجنة كثرة الصفح والغفران، ورفع المنازل، وإعطاء الثواب الجزيل، وقال
القاضى: ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن فتح أبوابها علامة لذلك. اهـ وهذا على القول بأن الجنة
والنار موجودتان الآن، والرأى الأول هو الصواب ففى الرواية الثانية ((تعرض الأعمال فى كل يوم
خميس واثنين)) وفى الرواية الثالثة ((تعرض أعمال الناس)) - أى على اللَّه - ((فى كل جمعة)) أى فى
كل أسبوع، ((مرتين)) أى مرة ((يوم الاثنين)) ومرة ((يوم الخميس)).
(فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا) فى الرواية الثانية ((فيغفر الله عز وجل فى ذلك
اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا)» وفى الرواية الثالثة ((فيغفر لكل عبد مؤمن)».
( إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء) لفظ ((رجل)) ليس قيدا، وكذلك المرأة، ولفظ
((كانت)) ليس المراد منه المعنى، بل المراد تكون، والمراد من الأخ الأخ فى الإسلام، لأن الكلام عن
المؤمنين الذين لا يشركون بالله شيئا، والشحناء الحقد والعداوة والبغضاء، لأنها تشحن النفس
والصدر بالضيق من الآخر، والشحنة بكسر الشين وسكون الحاء ما يشحن به الشيء، وتطلق هنا على
العداوة والبغضاء.
( فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا. أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين
حتى يصطلحا ) كررت الجملة للتأكيد، والإنظار التأخير، والمراد تأخير النظر فى المغفرة لهما،
وهذا إذا اشتركا فى غرسها، وفى عدم محاولة إزالتها ، فإن كان غرسها من جانب واحد، كمن يبغض
ويعادى عالما لعلمه، أو صالحا لصلاحه، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، أو اشتركا فى غرسها،
لكن حاول أحدهما إزالتها، وبذل وسعه فى الإصلاح فلم يفلح، فالظاهر أن يتوجه الوعيد للطرف
الآخر.
٢٦
ففى ملحق الرواية ((إلا المتهاجرين)) أو ((إلا المهتجرين)) مما يدل على أن الوعيد لمن اشتركا فى
أسباب الهجر، وفى استدامته. يقال: تهاجر الرجلان، أى اعتزل كل منهما الآخر، وبعد عنه، وأعرض
عنه، و ((اهتجر الرجلان)» أى تكلف كل منهما معاداة صاحبه.
وفى الرواية الثانية ((فيقال: اركوا هذين، حتى يصطلحا، اركوا هذين، حتى يصطلحا)) مرتين
للتأكيد.
ومعنى ((اركوا)) بهمزة وصل، وسكون الراء وضم الكاف، أى أخروا. قال النووي: والهمزة فى أوله
همزة وصل، وقال صاحب التحرير: يجوز أن تكون همزة قطع مفتوحة، من قولهم: أركيت الأمر، إذا
أخرته.اهـ
وفى كتب اللغة: ركا على فلان، يركو، ركوا، وركا بالمكان بقية يومه، أى أقام، وأركى الأمر أخره،
وفى الرواية الثالثة ((فيقال: اتركوا - أو اركوا - هذين، حتى يفيئا)) شك الراوى فى النص ((اتركوا)) أو
(اركوا))، ومعنى ((حتى يفيئًا)) حتى يرجعا إلى الصلح والمودة.
فقه الحديث
فى الحديث
١ - سعة رحمة الله ومغفرته.
٢- فضيلة يوم الاثنين والخميس.
٣- الحث على الإكثار من العبادة والبعد عن المعاصى فى هذين اليومين، وصيامهما، ليرفع عمل
المسلم، وهو صائم.
٤- التحذير من الشحناء، والحث على الإسراع بإزالتها، إن حصلت.
٥- أن الله تعالى يخاطب ملائكته بما يشاء.
٦- وأن الملائكة تسجل المغفرة فى هذين اليومين، أو ترجئ التسجيل.
٧- أن أعمال ما بين الاثنين والخميس، وما بين الخميس والاثنين، تعرض على الله مجتمعة فى
هذين الوقتين، والظاهر أن الذى يعرضها رقيب وعقيد اللذان كتباها فى الصحف فى وقتها، وأن
القائل هو الله، والمقول له الموكلان بذلك.
والله أعلم
٢٧
(٦٩٣) باب فضل الحب فى الله تعالى
٥٦٩٩- ٣٧ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣٧)؛ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿٣: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:
أَيْنَ الْمُتَحَابُونَ بِجَلالِي. الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي. يَوْمٌ لا ظِلَّ إِلا ظِلّي».
٥٧٠٠- ٣٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٣٨)؛ عَنِ النّبِيِّ ﴾؛ «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخْا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى.
فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ، عَلَى مَدْرَجَتِهِ، مَلَكًا. فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخْا لِي فِي هَذِهِ
الْقَرْيَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرِبُّهَا؟ قَالَ: لا، غَيْرَ أَنّي أَخْبَيْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ:
فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْبَّكَ كَمَا أَحْبَيْئَهُ فِيهِ».
المعنى العام
الحب الميل إلى الشيء، وهو نوعان: جبلى يغرسه اللَّه فى القلب، بأسباب أو بدون أسباب،
فيحس صاحبه بميل لا سلطان له على دفعه، ولا على الحد منه، والنوع الثانى مكتسب بتناول
أسبابه، وتوافر دواعيه، فحسن الصورة، وجمال الصوت، وحسن المعاملة، والصلاح، والنفع، ورفع
الضر، كل ذلك من أسبابه غالبا، فحب الصالحين حب مكتسب، ناشئ من حب الصلاح نفسه، وكما
قالوا: إن أى شيء لا يحب لذاته، بل لصفة فيه، وإذا كان حب الصالحين حبا لصلاحهم كان حبا للَّه
تعالى، وحبا لطاعاته، وحب المسلم للَّه يؤدى إلى حب اللَّه للمسلم، وإكرامه له، ففى الحديث القدسى
((من تقرب إلى شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب إلى ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتانى يمشى
أتيته هرولة، وما تقرب إلى عبدى بشىء أحب إلى مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى
بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التى يبطش
بها، ورجله التى يمشى بها، ولئن استعاذ بى لأعيذنه، ولئن سألنى لأجيبنه)» وفى السبعة الذين يظلهم
الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله «ورجلان تحابا فى الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه».
المباحث العربية
(إن الله يقول يوم القيامة ) أى فى الموقف العظيم يوم القيامة، فيوم القيامة أطوار
وأحوال.
(٣٧) حَدََّّا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِىّ عَلَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ مَعْمَرٍ عَنْ أَبِي الْحُبَّابِ سَعِيدِ بْنِ
يَسَارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٣٨) حَدَّثَتِي عَبَّدُ الأَعْلَّى بْنُ حَمَّدٍ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَائِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- قَالَ الشَّيْخُ أَبُوَ أَحْمَدْ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَنْجُويَةَ الْقُشْرِيُّ حَدَّقْنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا حُمَّادُ بْنُ سَلَمَةٌ
بِهِذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ
٢٨
( أين المتحابون بجلالى؟ ) الاستفهام نداء لهم، وليس استفهاما عن مكانهم، فهو أعلم بهم.
و((المتحابون)) بتشديد الباء، وأصله المتحابون، أى الذين اشتركوا فى جنس المحبة، وأحب
كل منهما الآخر حقيقة، لا إظهارا فقط، والباء فى ((بجلالى)) للتعليل، أى من أجل طاعتى وعظمتى، لا
للدنيا.
( اليوم أظلهم فى ظلى، يوم لا ظل إلا ظلى ) ظاهره أن هناك ظلا ووقاية من الحر
والشمس، وهو كذلك، ففى الأحاديث أن الشمس تدنو من الرءوس، حتى يغرق بعض الناس فى العرق،
وإذا كانت الشمس المعلومة قد كورت قبل ذلك، فلا حجر على القدرة من إعادتها، أو خلق شمس
أخرى، قال القاضى: ظاهره أنه فى ظله من الحر والشمس ووهج الموقف وأنفاس الخلق، قال: وهذا
قول الأكثرين. اهـ وقيل: إن التعبير كناية، ولا ظل، ولا حر، ولا شمس، والمراد حمايته من المكاره،
وجعله فى كنفه، وإكرامه وستره، فهو من قبيل: السلطان ظل اللَّه فى الأرض ويحتمل أن يكون كناية
عن الراحة والنعيم، كما يقال: هو فى عيش ظليل، أى طيب.
ومعنى ((يوم لا ظل إلا ظلى)) أى لا يكون شيء له ظل، حتى يكون هناك ظل منفى فالمنفى
حقيقة مصدر الظل، ومن المعلوم أن الظل فى الدنيا أثر للشمس أو الضوء مع جرم، وعليه يحمل ما
ورد في غير مسلم بلفظ ((ظل عرشى)» ولا يقال: إن كل ظل فى الدنيا هو ملك لله، فهو ظله تعالى على
الحقيقة، فإن المنفى الظل الذى ينسبه ابن آدم فى الدنيا إلى المخلوقات، من حيث الاختصاص
المجازى.
( أن رجلا زار أخاله فى قرية أخرى ) المراد من الأخوة أخوة الدين، إذالم يذكر بينه وبين
الآخر نسبا، بل حصر دافع الزيارة فى الحب فى اللّه، وذكر القرية الأخرى، لبيان المشقة، والتحمل فى
هذه الزيارة.
(فأرصد اللَّه له على مدرجته ملكا) معنى ((أرصد)) أقعد، يقال: رصده بفتح الصاد، يرصده
بضمها، رصدا بفتحها وسكونها، قعد له على الطريق، والمدرج المسلك، والمدرجة ممر الأشياء على
الطريق، وتطلق على الطريق، يقال: اتخذوا داره مدرجة.
( فلما أتى عليه ) فاعل ((أتى)) للزائر، وضمير ((عليه)) للملك، فلما مر الزائر على الملك القاعد
قال الملك:
( أين تريد؟ ) السؤال بأين عن المكان، وكان الأصل أن يقول: ماذا تريد؟ أو من تريد؟ لكنه
مفهوم من المقام، لذا كان الجواب:
( أريد أخالى فى هذه القرية ) فى الكلام مضاف محذوف، أى أريد زيارة أخ لى.
( قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ ) يقال: رب الشىء بفتح الراء والباء المشددة، يربه
٢٩
بضم الراء، رباء أى تولاه وتعهده بما ينميه ويصلحه، والمراد من النعمة ما يحتاج إلى التعهد من
الأموال كالأرض والحيوان والآلات، و((عليه)) بمعنى ((عنده)) أى هل لك عنده من عمل تقوم به
وتصلحه؟ وفى بعض النسخ ((هل له عليك من نعمة تربها))؟ أى هل له عليك يد وفضل تقوم بشكره
عليها، ورد جميله بزيارته.
(قال: لا. غير أنى أحببته فى اللَّه عز وجل) أى ليس بينى وبينه مصلحة إلا المودة لله
وفى اللّه.
( قال: فإنى رسول اللَّه إليك بأن الله قد أحبك، كما أحببته فيه) الفاء فى ((فإنى))
فصيحة فى جواب شرط مقدر، إذا كان حالك كذلك، وإذا أفصحت عن قصدك، فإنى أقوم بتبليغك
رسالة ربى إليك، وهى: إن اللَّه قد أحبك لحبك أخاك فى اللَّه، والمراد من حب اللَّه رضاه وكرمه.
فقه الحديث
قال النووى
١- فى هذا الحديث فضل المحبة فى اللَّه تعالى.
٢- وأنها سبب لحب اللَّه تعالى العبد، وإكرامه.
٣- وفيه فضيلة زيارة الصالحين، والأصحاب.
٤ - وفيه أن الآدميين قد يرون الملائكة. أقول: فى صورة غير صورتهم الحقيقية، بل يرونهم فى صورة
بشر مثلا، كما كان جبريل يراه الصحابة فى صورة دحية الكلبى، أو أعرابى.
هذا وقد سبق كثير من مسائل هذا الباب فى كتاب الإيمان، فى حديث ((ثلاث من كن فيه
وجد حلاوة الإيمان))، وفيه ((وأن يحب المرء لا يحبه إلا اللَّه)) ومما ذكرناه هناك:
حب المرء أخاه للَّه معناه حب من يحبه اللَّه، لا لشيء إلا للصلة باللّه، فكأنه من لوازم حب
الإنسان للَّه. وهذا القصر فى ((لايحبه إلا لله)) يخرج ما كان الحب فيه مشتركا بين الله ونفع
دنيوى، كمحبة الصالحين، لأنهم صالحون، وللانتفاع منهم بالمعاملات الدنيوية، فهذا الحب، وإن
كان حسنا وممدوحا شرعا، ومثابا عليه، لكنه لا يصل بصاحبه إلى المرتبة المطلوبة، التى بها.
يجد المؤمن حلاوة الإيمان وجودا كاملا.
وظاهر من هذا أن المراد بالأخ المحبوب الأخ المسلم الصالح، فإن الفاسق والكافر ينبغى أن
يبغضا فى اللَّه، مصداقا لقوله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مِنْ حَادَّاللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَلَوْكَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
والله أعلم
٣٠
(٦٩٤) باب فضل عيادة المريض
٥٧٠١ -٣٢٩ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ ﴾(٣٩)؛ رَفَعَهُ إِلَى النّبِيِّ ◌َ. وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ :﴿: «عَائِدُ الْمَرِيضِ فِي مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ».
٥٧٠٢-٤٠ عَنْ قَوْبَانَ﴾(٤٠) مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ {﴿ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴾: «مَنْ عَادَ
مَرِيضًا، لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنّةِ حَتَّى يَرْجِعَ».
٥٧٠٣ - ١٤ُّ عَنْ قَوْبَانَ عِ (٤١)؛ عَنِ النَّبِيِّ:﴿ قَالَ: «إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادٌ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، لَمْ
يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنْةِ حَتَّى يَرْجِعَ».
٥٧٠٤- ١٣ُ عَنْ قَوْبَانٌ﴾(٤٢)؛ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِعَ﴿، عَنْ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ قَالَ: «مَنْ عَادّ
مَرِيضًا، لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) وَمَا خُرْفَةُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «جَنَاهَا».
٥٧٠٥ - ٤٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٤٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجْلَّ يَقُولُ،
يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ! مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي. قَالَ: يَا رَبِّ! كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ
الْعَالَمِينَ. قَالَ: أَمَّا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ. أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَ جَدْتَتِي
عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ! اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي. قَالَ: يَا رَبِّ! وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ
الْعَالَمِينَ. قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنْكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ
لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ! اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي. قَالَ: يَا رَبِّا كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ
رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي».
المعنى العام
الصحة تاج على رءوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى، وهكذا نجد المريض ينظر إلى الأصحاء نظرة
(٣٩) حَدَّا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الرَّبِعِ الزَّهْرَانِيُّ فَالا حَدْقَا حَمَّاذٌ يَعْنِيَانِ ابْنَ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءً عَنْ
ثَوِّبَانَ قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ
(٤٠) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَخَّتِى الْمِيمِيُّ أَخْبُرَنَا مُشَيْمٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءً عَنْ ثَوْبَانٌ
(٤١) حَدََّا يَحْتِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَّا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قَلَابَةً عِنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَّوْبَانُ
(٤٢) حَدَّثَنَا أَبُوِ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْيَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ خَرْبٍ جَمِيعًاً عَنْ يَزِيدٌ وَاللَّفْظُ لِزَّهَيْرِ حَدْثَمَا يَزِيَدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا عَاصِمُ الأَحْوَلُ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ وَهُوَ أَبُو قِلابَةَ عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ أَبِي أَسْمَاءُ الرَّحَبِيَّ عَنْ ثَوْبَان
- حَدَّثَِّي سُوَيْدَ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا مَرْوَانُ بَّنُ مُعَاوِيَةً عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَّلَ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(٤٣) حَدَّثَتِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنٍ مَيْمُونٍ حَدََّا بَهْرٌ حَدَّقْنَا حَمَّادُ بَّنُ سَلَمَةً عُنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَائِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٣١
فاقد النعمة إلى المتمتع بها، وينظر إلى معارفه ومحبيه نظرة أمل فى مساعدته أو مواساته، أو
تخفيف آلامه، ولو بكلمة تسأل عن صحته، وتشعره بنوع من المشاركة فى ابتلائه.
من هنا شرع الإسلام عيادة المريض، وجعلها حقا على المسلم للمسلم. إن المريض كثيرا ما يشعر
أنه لم يعد له حول ولا قوة، وأنه لم يعد يخافه من كان يخافه، ولم يعد يأمل نفعه من كان يحرص على
الانتفاع منه، وقد يكون ذلك حقيقة، وتكون زيارته وعيادته استجابة لأوامر الله ورسوله، لا رغبة فى
خير دنيوى، ولا رهبة من أذى بشرى ولكنها الرغبة فى ثواب الله ، والعمل على طاعة أوامر الله، فيكون
أجره عظيما، تحسب له خطواته من حين يخرج من بيته إلى أن يصل حسنات، وتحيطه فى ذهابه
وإيابه ملائكة الرحمة، تستغفر له، وتدعوله، أما لحظات جلوسه مع المريض فستكون فى كنف الله
ورضاه، فتدخر له الدقائق والثوانى ثمارا من ثمار الجنة، يجنيها يوم القيامة.
إن المريض فى حاجة إلى المواساة، والنصيحة، والدعوة الصالحة، والوعظ، والتذكير، وليعلم الزائر
أنه يوما ما سيرقد رقدة المريض، ويحتاج مثل ما يحتاج، والجزاء من جنس العمل، فمن عاد المرضى
هيأ الله له عند مرضه من يعوده، ويواسيه، ويساعده وينصح له، ويدعوله، فإن اللّه مع المريض، وليس
جزاء الإحسان إلا الإحسان.
المباحث العربية
( عائد المريض ) سميت زيارة المريض عيادة، لما فيها من التكرار والعود غالبا، وهذا الثواب
لا يتوقف على التكرار.
( فى مخرفة الجنة، حتى يرجع) فى الرواية الثانية وما بعدها ((من عاد مريضا لم يزل فى
خرفة الجنة، حتى يرجع)) بضم الخاء، وسكون الراء، وفى الرواية الرابعة تفسير ((خرفة الجنة
بجناها))، مرفوعا هذا التفسير للنبى®، وفى الأدب المفرد هو من تفسير الراوى أبى قلابة، والجنا
اسم ما يجتنى من الثمر، وقيل: هو الثمرة إذا نضجت، شبه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما
يحوزه الذى يجتنى الثمر، وقيل: المراد بالمخرفة هنا الطريق، والمعنى أن العائد يمشى فى طريق،
تؤديه إلى الجنة.
والأول أولى، كذا قال الحافظ ابن حجر، وفى كتب اللغة: خرف فى بستانه، بفتح الراء، يخرف
بضمها، خرفا، أقام فيه وقت اجتناء الثمر فى الخريف، وخرف الزارع الثمر، جناه فى الخريف،
والخرفة ما يجتنى من الفواكه فى الخريف، والمخرفة البستان، والطريق الواضح، والسكة بين صفين
من النخيل. وجمعها مخارف. وعند البخارى ((من عاد مريضا خاض فى الرحمة)» أى طيلة طريقه
((حتى إذا قعد)) عند المريض ((استقرفيها)) فالمراد من الجنة فى حديثنا الرحمة المؤدية إلى الجنة.
( إن الله عز وجل يقول يوم القيامة ) لمن لم يقم بهذه الشعيرة، ولم يعد مرضى المسلمين.
٣٢
( يا ابن آدم. مرضت، فلم تعدنى) قال العلماء: إنما أضاف سبحانه وتعالى المرض إليه،
والمراد عبده تشريفا للعبد، وتقريبًا له.
( قال: يارب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ ) استفهام حقيقى، أو تعجبى.
( قال: أما علمت أن عبدى فلانا مرض، فلم تعده؟ ) الاستفهام إنكارى بمعنى النفى،
دخل على نفى ((ما)) ونفى النفى إثبات. أى علمت .... ، ويحتمل أن يكون تقريريا، أى حمل المخاطب
على الإقرار بما بعد النفى، ولفظ ((فلانا)) كناية عن الاسم الحقيقى الذى يذكر آنذاك.
( أما علمت أنك لوعدته لوجدتنى عنده) ((علمت)) أى اعلم أنك كذا، فهولم يكن يعلم، أو
المقصود: علمت، فلم تعمل بمقتضى علمك، فلم تعدنى، والمعنى من وجوده عنده وجود رحمته. وثوابه
وكرا مته.
( يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمنى ) أى يقول ذلك للبخيل الذى لم يطعم السائل
والمحروم.
والسين والتاء للطلب، أى طلبت منك إطعام عبدى، فلم تطعمه.
( أما علمت أنه استطعمك عبدى فلان، فلم تطعمه ) أى طلب منك مساعدته، وإطعامه،
فلم تفعل.
والضمير فى ((أنه)) للحال والشأن.
( أما علمت أنك لو أطعمته، لوجدت ذلك عندى؟ ) أى لوجدت ذلك الإطعام، أى ثوابه
وجزاءه، عندى. هذا ويقال فى السقى ما قيل فى الطعام.
فقه الحديث
قال النووي: اتفق العلماء على فضل عيادة المريض، وجزم بعضهم بالوجوب على ظاهر الأمر
بالعيادة فيما رواه البخارى ((أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العانى)) وفيما رواه البخارى
ومسلم ((حق المسلم على المسلم خمس ... )) فذكر منها ((عيادة المريض)) ووقع فى بعض روايات مسلم
((خمس تجب للمسلم على المسلم ... )) فذكرها منها.
قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب، بمعنى الكفاية كإطعام الجائع، وفك الأسير،
ويحتمل أن يكون للندب، للحث على التواصل والألفة، وجزم الداودى بالأول، فقال: هى فرض يحمله
بعض الناس عن بعض.
وقال الجمهور: هى فى الأصل ندب، وقد تصل إلى الوجوب فى حق بعض دون بعض، وعن
الطبرى: تتأكد فى حق من ترجى بركته، وتسن فيمن يراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك.
٣٣
ونقل النووى الإجماع على عدم الوجوب، أى عدم الوجوب العينى.
قال الحافظ ابن حجر: واستدل بقوله ((عودوا المريض)» على مشروعية العيادة فى كل مريض،
واستثنى بعضهم الأرمد، لكون عائده قد يرى من الأذى ما لا يراه هو، واستدل بحديث أخرجه البيهقى
والطبرانى مرفوعا ((ثلاثة ليس لهم عيادة: العين - أى مرض العين- والرمل، والضرس)) لكن البيهقى
صحح أنه موقوف.
ويؤخذ من إطلاقه أيضا عدم التقييد بزمان يمضى من ابتداء مرضه، وهو قول الجمهور، وجزم
الغزالى فى الإحياء، بأنه لا يعاد إلا بعد ثلاث واستند إلى حديث ابن ماجه ((كان النبى { لا يعود
مريضا إلا بعد ثلاث)) وهو حديث ضعيف جدا.
ويلتحق بعيادة المريض تعهده، وتفقد أحواله، والتلطف به، وربما كان ذلك فى العادة سببا لوجود
نشاطه، وانتعاش قوته.
وفى إطلاق الأحاديث أن العيادة لا تتقيد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها أن تكون فى
طرفى النهار، ونقل ابن الصلاح عن الفزارى أن العيادة تستحب فى الشتاء ليلا، وفى الصيف نهارا،
قال الحافظ ابن حجر: وهو غريب.
قال: ومن آدابها أن لا يطيل الجلوس، حتى يضجر المريض، أو يشق على أهله، فإن اقتضت ذلك
ضرورة فلا بأس.
وفى عيادة النساء للرجال الأجانب، والرجال للنساء الأجنبيات خلاف، والجمهور على جوازها
بشرط التستر وأمن الفتنة.
وعيادة الصبيان مشروعة، ففيها جبر لخاطر أهليهم.
وعيادة المشرك فيها خلاف، قال ابن بطال: إنما تشرع عيادته، إذا رجى أن يجيب إلى الدخول
فی الإسلام، فأما إذا لم يطمع فى ذلك فلا.
قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة
أخرى، وقال الماوردى: عيادة الذمى جائزة، والقربة موقوفة على نوع حرمة، تقترن بها من جوار، أو
قرابة.
والله أعلم
٣٤
(٦٩٥) باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أوحزن
أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها
٥٧٠٦- ٤٤° عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٤٤) قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَجُلا أَشْدَّ عَلَيْهِ الْوَجْعُ مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ُ. وَفِي رِوَايَةٍ عُثْمَانَ - مَكَانَ الْوَجَعِ - وَجْعًا.
٥٧٠٧ -٢°٤ْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ(٤٥) قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ:﴿ وَهُوَ يُوعَكُ. فَمَسِسْتُهُ
بِيَدِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَلِ: «أَجَلْ. إِنِّي
أَوَعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:
«أَجَلْ)» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ه: «هَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذِى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ، إِلا حَطَّ اللَّهُ
بِهِ سَيَِّاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ زُهَيْرٍ. فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي.
٥٧٠٨ - - وَفِي رواية، عَنِ الأَعْمَشِ يإِسْنَادٍ جَرِيرٍ، نَحْوَ حَدِيثِهِ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةً
قَالَ: «لَعَمْ. وَالْذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ)».
٥٧٠٩ - ٦َّ عَنِ الأَسْوَدِ (٤٦) قَالَ: دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ، وَهِيَ بِمِنْى، وَهُمْ
يَضْحَكُونَ، فَقَالَتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ، فَكَادَتْ عُقُهُ أَوْ عَيْنُهُ
أَن تَذْهَبَ. فَقَالَتْ: لا تَضْحَكُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ
شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إِلا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِفَةٌ)».
٥٧١٠ - ٤٧َ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهَا (٤٧) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ
مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا، إِلا رَفَعَهُ اللّهُ بِهَا دَرَجَةٌ، أَوْ خَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِئَةٌ)».
(٤٤) حَدْثَنَا غُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ عُثْمَانُ حَدََّا جَزِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ
مَسْرُوق قَالَ: قَالَّتَ عَائِشَةٌ
- حَدْثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ أَخْبَرَنِي أَبِي ح وِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارِ قَالإِ حَدَّقَا ابْنُ أَبِيٍ عَدِيٌّ ح وَحَدَّفِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ
أَخْبَرَنًا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرِ كُلُّهُمْ غَنْ شُعْبَةَ عَنِ الأَعْمَشِ حَ وَحَدَّتِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَ وَحَدَّقَهَا ابْنُ
نُمَّيْرِ حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَّامِ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَاتَ عَنِ الْأَغْمَشِ يإِسْنَادِ جَرِيرٍ مِثْلَ حَدِيثِهِ
(٤٥) حَدَّثَنَا عُثْمَانِ بْنُ أَبِي شَبِيَةً وَزَّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بَّنُ إِبْرَاهِيَّمَ قَالَ إِسْخَقُّ أَخْبَرْنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدََّا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ
عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنِ الْحَارِثِ ابْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ
- خَدْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُوَ كُرَيْبٍ قَالا حَدَّقَا أَبُو مُعَاوِيَةً حِ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ
ح وحَدََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَيَحْتِى بَّنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَبِي غَيَّةً كُلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ
(٤٦) حَدْفَنَا زُهَيْرَّ بْنُّ حَرْبٍ وَإِسْخْقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثْنَا جَرِّيْرَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِمَ عَنِ الأَسْوَدِ
(٤٧) وحَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيَ شَيَّةً وَأَبُوَ كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لَهُمَّا وَ حَدًَّا إِسْحَقُ الْحَنْظَلِّيُّ قَالْ إِسْحَقُّ أَخْبَرَنًا وَقَالَ الأَخْرَانِ حَدَّثَنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأُسْوَدِ عَنْ عَائِشَةً
٣٥
٥٧١١ - ٤٨َ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٤٨) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «لا تُصِيبُ الْمُؤْمِنَ
شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلا قَصَّ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطِيَتِهِ».
٥٧١٢-٤٢٩ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٤٩)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ يُصَابُ
بِهَا الْمُسْلِمُ إِلا كُفّرَ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا)».
٥٧١٣- شْعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٥٠)، زَوْجِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿َ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «لا
يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ، حَتَّى الشَّوْكَةِ، إِلا قُصَّ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ، أَوْ كُفِّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ)» لا
يَدْرِي يَزِيدُ أَتُهُمَا قَالَ عُرْوَةُ.
٥٧١٤- ١ ° عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٥١) قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «مَا مِنْ
شَيْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ، حَتَّى الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، إِلا كَعَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ، أَوْ حُطْتْ عَنْهُ بِهَا
خَطِئَةٌ».
٥٧١٥- ٣ْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٥٢)؛ أَنْهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِلَهُ
يَقُولُ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلا نَصَبٍ وَلا سَقَمٍ وَلا حَزَنٍ، حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلا
كُفْرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ».
٥٧١٦- ٢١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٠) قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بَلَغَتْ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغًا شَدِيدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ه: «قَارِبُوا، وَسَدِّدُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ
الْمُسْلِمُ كَفّارَةٌ. حَتَّى النّكْبَةِ يُنْكَبُّهَا، أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا». قَالَ مسْلِم: هُوَ عُمَرُ ابْنُ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ. مِنْ أَهْلِ مَكْةً.
٥٧١٧-٣° عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيّ اللّهُ عَنْهُمَا(٥٣)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿َ دَخَلَ عَلّى أُمّ
السَّائِبِ، أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ. فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ! أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ! تُرَفْرِفِينَ؟ قَالَتِ:
(٤٨) حَدَّثَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَيْرِ حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةً
- حَدْثَا أَبُو كُرِّيْبٍ حَدِّثْنَا أَبُوَ مُعَاوِيَّةَ حَدَّقْنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ
(٤٩) حَدَِّيِي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرِّنَا ابْنُ وَهَبٍ أَخْبَرَبِي مَالِكَ بْنُ أَنَسٍَّ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ ابْنِ الزُّبِيْرِ عَنْ عَائِشَةً
(٥٠) حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنْسٍ عَنْ يِزِيدَ بْنِ خْصَيْفَةً عَنْ عُرْوَةٌ بْنِ الزُّبِيْرِ عَنْ عَائِشَةٌ
(٥١) حَدَِّي حَرْمَلَةُ بْنَّ يَحْتِى أَخْبُوَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَاْ حَيْوَةُ خَدَّثَنَا أَبْنُ الْهَادِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةً
(٥٢) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَِّةً وَأَبُو كُرَيْبٍ فَالا حَدًَّا أَبُوَ أُسَامَةً عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنَ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَطَاءٍ
ابْنِ يَسّارِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ
(١٠) حَدْقَا قْبَةُ بُنَّ سَعِيدٍ وَأَبُوَ بَكْرِ بْنُ أَنْيٍ شَيْئَةَ كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ وَاللَّفْظُ لِقْتَيْبَةَ حَدَّقْنَا سُفْيَاهُ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ شَيْخٍ مِنْ
قُرَيْشِ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةً يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٥٣) حَدَّبِي ◌ُبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَّارِيرِيُّ حَدََّا يَزِيدُ بْنَّ زُرَيْعٍ حَدَّقْنَا الْحَجَّاجُ الصَّوَّافُ حَدَِّي أَبُو الزُّبِيْرِ حَدَّقَا جَابِرُ بْثُّ
عبدالله
٣٦
الْحُمَّى. لا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا. فَقَالَ: «لا تَسُبِّي الْحُمَّى. فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ
الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدٍ».
٥٧١٨- ٤ ° عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ(٥٤) قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلا أُرِيكَ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلٍ
الْجَنّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َ ﴿ قَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ. وَإِنّي
أَتَكْشَفُ. فَادْعُ اللَّةَ لِيٍ. قَالَ: «إِنْ شِئْتٍ صَبَرْتٍ وَلَكِ الْجَنَّةُ. وَإِنْ شِئْتٍ دَعَوْتُ اللّهَ أَنْ
يُعَافِيَكِ» قَالَتْ: أَصْبِرُ. قَالَتْ: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ. فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لا أَتْكَشْفَ، فَدَعَا لَهَا.
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَبِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]
نعم. إن زيادة الرجاء فى عفو الله تخلق الأمانى فى غفران الذنوب، وزيادة الأمانى تزيد الطمع،
وتفضى إلى الاستهانة بالمعاصى، والاستهتار بها، والوقوع فيها، فكانت آيات الخوف والوعيد ليكون
المؤمن بين الخوف والرجاء.
لقد أزعجت هذه الآية القلوب الوجلة، وقالوا: لو أنا جوزينا بكل ما نعمل من سوء إذاً لهلكنا،
فأزال النبى # خوفهم، وأعاد الرجاء إلى نفوسهم، نعم إنهم سيجزون بسيئاتهم، وهم بالفعل يجزون
بها صباح مساء، كما يقعون فى السيئات صباح مساء، لا يخلو واحد منهم من المصائب البدنية، أو
المصائب النفسية، فحياة الإنسان كد وتعب وكبد، أمراض وأسقام، وكفاح وآلام، وحزن وهم وغم، لا
يكاد يخلو من ذلك فى اليقظة، بل وفى النوم، وكل ذلك جزاء وتكفير لما يعمل من سيئات، وصدق اللَّه
العظيم إذ يقول ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرُ﴾ [الشورى: ٣٠] من
أحبه اللَّه كفر عنه سيئاته فى الدنيا ليلقاه يوم القيامة، وليس عليه ذنب، فمصائب الدنيا تنقية
للمؤمن، وتطهير له، لذا كان الحديث الصحيح ((مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، من حيث أتتها
الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء، والفاجر كالأرزة)) شجرة ضخمة ((صماء معتدلة، حتى
يقصمها اللَّه إذا شاء)) و((من يرد الله به خيرا يصبه)) ((وعجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن
أصابته سراء، فشكر اللَّه، فله أجر، وإن أصابته ضراء، فصبر، فله أجر، فكل قضاء اللَّه للمسلم خير»
وفى الحديث ((من أعطى فشكر، وابتلى فصبر، وظَلَم فاستغفر، وظُّلِمٍ فغفر، أولئك لهم الأمن، وهم
مهتدون)). وقد رأى بعض الصالحين فى المصائب نعما أربع، يحمد الله عليها، الأولى أنها لم تكن فى
دينه، الثانية أنها لم تكن أكبر منها، فكل مصيبة فوقها ما فوقها، الثالثة: أن الله أقدره عليها، الرابعة:
أنه سيؤجر عليها فى الدنيا والآخرة.
(٥٤) حَدََّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمّرَ الْقَوَارِبِيُّ حَدَّقْنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ وَبِشْرُ بْنُ الْمُفْصِّلِ قَالا حَدَّثَنَا عِمْرَانُ أَبُو بَكْرٍ حَدَّقَيِي عَطّاءُ بْنُ
أَبِي رّبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ
٣٧
المباحث العربية
( ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول اللّه﴿) ((أشد)) مفعول ثان لرأيت،
منصوب و((الوجع)) فاعل ((أشد)) التى هى أفعل تفضيل، وفى ملحق الرواية ((وجعا)) بالنصب على
التمييز.
قال النووى: قال العلماء: الوجع هنا المرض، والعرب تسمى كل مرض وجعا. اهـ
وفى رواية الإسماعيلى ((مارأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول اللَّه ◌ِ﴿)).
(عن عبد اللَّه ع قال: دخلت على رسول الله :﴿، وهو يوعك) عبد اللَّه هوابن مسعود،
وكان يدخل على رسول اللَّه كثيرا، كما سبق فى مناقبه، وفى رواية للبخارى ((أتيت النبى فى
مرضه)) أى الأخير، والوعك بسكون العين مع فتح الواو، الحمى، وقد تفتح العين، وقيل: ألم الحمى،
وقيل: تعبها، وقيل: إرعادها المريض، وتحريكها إياه، وعن الأصمعى: الوعك الحر، أى حرارة الحمى ..
( فمسسته بيدى ) المس اللمس باليد، أى فأحسست حرارة شديدة، قال الأبى: لا يبعد أن
يكون من آداب العيادة الأخذ بيد المريض، حتى لو كان الآخذ ليس من أهل الطب. قلت: إذا كان
المريض يتقبل ذلك.
(أجل. إنى أوعك، كما يوعك رجلان منكم) وجه الشبه مقدار الألم. و((أجل)) مثل ((نعم))
وزنا ومعنی.
( فقلت: ذلك أن لك أجرين؟) ((أن)) وما دخلت عليه فى تأويل مصدر، مجرور بحرف جر
محذوف، ظهر فى رواية البخارى، ولفظها ((قلت: إن ذاك بأن لك أجرين))؟ أى بسبب أن لك أجرين.
( ما من مسلم يصيبه أذى من مرض، فما سواه ) فى ملحق الرواية ((ما على الأرض
مسلم ... )) وفى الرواية الرابعة ((ما يصيب المؤمن، من شوكة فما فوقها)) وفى الرواية السادسة ((ما من
مصيبة يصاب بها المسلم)) وفى الرواية السابعة ((لا يصيب المؤمن من مصيبة، حتى الشوكة ..: )) وفى
الرواية الثامنة ((ما من شيء يصيب المؤمن، حتى الشوكة تصيبه ... )) وفى الرواية التاسعة ((ما يصيب
المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه .... )) وفى الرواية العاشرة ((فى كل ما
يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها )).
«من مرض فما سواه)) من الأذى الكبير أو الصغير، وقوله ((من شوكة فما فوقها)» صريح فى أن
الشوكة غاية الأذى الأدنى الأقل، والتعبير بالمؤمن فى بعض الروايات مراد به المسلم، فإنما نحكم
نحن بالظاهر، وهو الإسلام، والوصب بفتح الواو والصاد المرض وزنا ومعنى، وقيل: هو المرض اللازم،
ومنه قوله تعالى ﴿وَلَّهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] أى لازم ثابت، والنصب بفتح النون والصاد هو
٣٨
التعب، وزنا ومعنى، والسقم بفتح السين والقاف، وبضم السين وإسكان القاف لغتان، وهو طول
المرض، والحزن بفتح الحاء والزاى، وبضم الحاء وسكون الزاى، الغم، قال تعالى ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنَ﴾ [فاطر: ٣٤] وقال ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] فهو حزن بفتح
الحاء وكسر الزاى، وحزين ، وفى رواية للبخارى ((ولا غم)) وهو من أمراض الباطن، كالهم والحزن، وقد
قيل فى هذه الأشياء الثلاث إن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به، والغم كرب
يحدث للقلب بسبب ما حصل، والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده، وقيل: الهم والغم بمعنى
واحد، وقال الكرمانى: الغم يشمل جميع أنواع المكروهات، لأنه إما بسبب ما يعرض للبدن، أو
النفس، والأول إما بحيث يخرج عن المجرى الطبيعى أولا، والثانى إما أن يلاحظ فيه الغير أو لا، وإما
أن يظهر فيه الانقباض أو لا، وإما بالنظر إلى الماضى، أو لا. اهـ
وقوله فى الرواية التاسعة ((حتى الهم يهمه)) قال القاضى: بضم الياء وفتح الهاء، على البناء
للمجهول، وضبطه غيره بفتح الياء وضم الهاء، أى يغمه. قال النووى: وكلاهما صحيح.
وقوله فى الرواية العاشرة ((حتى النكبة ينكبها)) قال النووى: وهى مثل العثرة برجله، وربما
جرحت أصبعه، وأصل النكب الكب والقلب.
وقوله فى الرواية السادسة ((ما من مصيبة يصاب بها المسلم .... حتى الشوكة، يشاكها)) وفى
الرواية السابعة ((لا يصيب المؤمن من مصيبة، حتى الشوكة)) جوزوا فى ((الشوكة)) الحركات الثلاث
فالجر بمعنى الغاية، أى حتى ينتهى إلى الشوكة، أو عطفا على لفظ مصيبة، فإنها مجرورة بحرف
الجر الزائد، والنصب بتقدير عامل، أى حتى وجدانه الشوك، والرفع على الابتداء، وأما ((يشاكها))
فبضم الياء، أى يشوكه غيره بها، وفيه وصل الفعل، لأن الأصل: يشاك بها، أى يدخلها غيره، أو تدخل
من غير إدخال أحد.
وأصل المصيبة الرمية بالسهم، ثم استعملت فى كل نازلة، وقال الراغب: أصاب يستعمل فى
الخير والشر، قال تعالى ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤُهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [التوبة: ٥٠] وقيل: الإصابة فى
الخير مأخوذ من الصوب، وهو المطر الذى ينزل بقدر الحاجة، من غير ضرر، وفى الشر مأخوذة من
إصابة السهم، وقال الكرمانى: المصيبة فى اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقا، وفى العرف ما نزل به من
مكروه خاصة، وهوالمراد هنا.
( إلا حط اللَّه به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها) يقال: حط الرجل الشيء أنزله
وألقاه، وحط من الدين كذا أى أسقط وأنزل، وحط اللَّه وزره، وضعه عنه، والمضارع يحط بضم الحاء.
وقد اختلف العلماء فى المصائب، وهى تكفر الخطايا بلا خلاف. هل ترفع الدرجات أو لا؟ وفى
رواياتنا ما يؤيد القول بنعم، ففى الرواية الثالثة ((إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة))
وفى الرواية الرابعة ((إلا رفعه الله بها درجة، أو حط عنه بها خطيئة)) وفى الرواية الثامنة ((إلا كتب
اللَّه له بها حسنة، أو حطت عنه بها خطيئة)» وسيأتى تفصيل القول فى فقه الحديث.
٣٩
وفى الرواية السابعة ((إلا قص بها من خطاياه)) بضم القاف، مبنى للمجهول، قال النووى: هكذا
هو فى معظم النسخ ((قص)) وفى بعضها ((نقص)) وكلاهما صحيح متقارب المعنى، اهـ والقص القطع
وفى رواية للبخارى ((إلا حات اللّه عنه خطاياه، كما تحات ورق الشجر)) ((حات)) بتشديد التاء، ((كما
تحات)) بتشديد التاء أيضا، يقال: حت الورق عن الشجريحت بضم الحاء، حتا، سقط، وتحات
الشيء تناثر، والورق عن الغصن سقط، ويقال: تحاتت الشجرة بتشديد التاء الأولى، تساقط ورقها،
وتحاتت عنه ذنوبه، أى محيت وسقطت، كناية عن إذهاب الخطايا وغفرانها.
( دخل شباب من قريش على عائشة، وهى بمنى، وهم يضحكون، فقالت:
مايضحككم؟ قالوا: فلان خر على طنب فسطاط) ((خر)) أى سقط ووقع، وطنب الفسطاط،
بضم الطاء والنون، وبإسكان النون، هو الحبل الذى يشد به الفسطاط، والفسطاط الخباء أو الخيمة،
ويقال له: فستاط بالتاء قبل الطاء، وفساط بحذف الطاء الأولى مع تشديد السين، والفاء مضمومة
ومكسورة فيهن، فصارت ست لغات.
( فكادت عنقه، أوعينه أن تذهب ) هذا من قبيل قولهم: علفتها تبنا وماء بارد ((بحذف
عامل)»، أى وسقيتها ماء، وهنا حذف معمول ((كادت)) أى كادت عنقه تدق، وعينه تذهب.
( لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَبهِ﴾ بلغت من المسلمين مبلغا شديدا ) أى بلغت
هذه الآية من خوف المسلمين مبلغا كبيرا، أى خافوا من عقوبات الآخرة، لكثرة ما يعملون من السوء،
فإن الآية تتوعد كل من عمل سوءا كبيرا أو صغيرا بالمجازاة عليه بالنار، فدفع رسول اللّه * خوفهم
بأن الكثير من السوء يكفر ويغفر بسبب ما يصيب المسلم من البلاء.
( قاربوا وسددوا ) أى اقتصدوا، فلا تغلوا، ولا تقصروا، بل توسطوا، و((سددوا)) أى اقصدوا
الصواب والسداد.
( دخل على أم السائب أو أم المسيب ) قال الحافظ ابن حجر فى الإصابة: أخرج أبو نعيم
عن جابر قال: أتى رسول اللَّه ﴿ على امرأة من الأنصار، يقال لها: أم المسيب، فذكر نحو الحديث.
وعند ابن منده ((أم السائب)) قال الحافظ: ولم أرفى شيء من طرق الحديث أنها أنصارية، بل
ذكرها ابن كعب فى قبائل العرب بين المهاجرين والأنصار.
( فقال: مالك يا أم السائب تزفزفين؟ ) بزاءين وفاءين، مع ضم التاء، قال القاضى: تضم
وتفتح. اهـ وعند فتحها تكون إحدى التاءين محذوفة تخفيفا، أى تتزفزفين، ووقع فى بعض النسخ
بالراء والفاء، ورواه بعضهم فى غير مسلم بالراء والقاف. قال النووي: ومعناه تتحركين حركة شديدة،
أى ترعدين. اهـ يقال: رفرف المحموم براءين وفاءين: أى ارتعد، ورفرف الطائر بسط جناحيه
وحركهما، ويقال: رفرفت الريح إذا هبت فى مضى، ورفرف فلان أى ارتعد.
( قالت: الحمى ) خبر لمبتدأ محذوف، أى سبب زفزفتى الحمى.
٤٠