Indexed OCR Text
Pages 441-460
ويؤخذ من الحديث
١ - غلظ تحريم حقوق المسلمين.
٢- وجوب النار لمقتطع الحقوق، وهو محمول على من مات من غير توبة، وشاء اللَّه أن يعذبه، أو على
المستحل لذلك إذا مات على ذلك، فإنه يكفر ويخلد فى النار، أو معناه فقد استحق النار، ويجوز
العفو عنه وقد حرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين.
وأما تقييده صلى الله عليه وسلم بالمسلم فلا يدل على عدم تحريم حق الذمى، بل معناه أن هذا
الوعيد الشديد لمن اقتطع حق المسلم، وأما الذمى فاقتطاع حقه حرام، لكن لا يلزم أن تكون فيه
هذه العقوبة العظيمة. هذا كله على مذهب من يقول بالمفهوم، أما من لا يقول به فلا يحتاج إلى
تأويل، قاله النووى.
وقال القاضى عياض: تخصيص المسلم لكونهم المخاطبين، وعامة المتعاملين فى الشريعة، لا أن
غير المسلم بخلافه، بل حكمه حكمه فى ذلك. والله أعلم.
٣- يدخل فى الوعيد من اقتطع حقاً غير مال، كجلد الميتة والسرجين وغيرهما مما ينتفع به، وكذا
سائر الحقوق، كنصيب الزوجة فى القسم والقذف.
٤- أنه لا فرق بين قليل الحق وكثيره لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإن قضيبا من أراك)» قاله النووى.
وقال الحافظ ابن حجر: كأن مراده عدم الفرق فى غلظ التحريم، لا فى مراتب الغلظ، وقد صرح
ابن عبد السلام فى «القواعد» بالفرق بين القليل والكثير، وكذا بين ما يترتب عليه كثير المفسدة
وحقيرها.
٥- وفيه المبادأة بالسماع من الطالب.
٦- ثم من المطلوب، هل يقر أو ينكر؟
٧- ثم طلب البيئة من المدعى.
٨- وأنه لا يطلب من المدعى غير البينة، ولا يطلب منه يمين الاستظهار لأن بينته شهدت له بحق، إذ
لو كانت اليمين من تمام الحكم له لقال له: بينتك ويمينك عن صدقها.
٩- أن البيئة تقدم على اليد.
١٠- أن المدعى عليه يلزمه اليمين إذا لم يقر.
١١- أنه لا يشترط فى الخصمين أن يكونا ممن يتهم، بل ولو كان فوق الشبه، فالبيئة على المدعى
واليمين على من أنكر.
١٢- أن وصف المدعى به وتحديده ليس بلازم لذاته، بل يكفى فى صحة الدعوى تمييز المدعى به.
١٣- وأنه إذا حلف المدعى عليه سقطت دعوى المدعى، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس
لك منه إلا ذلك».
٤٤١
١٤- أن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل، وتسقط عنه المطالبة.
١٥- وفيه بناء الأحكام على الظاهر وإن كان المحكوم له فى نفس الأمر مبطلاً.
١٦ - أن حكم الحاكم لا يبيح للإنسان ما لم يكن حلالا له، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن الحكم
لا يحل حراماً فى الباطن فى الأموال.
١٧ - أن يمين المدعى عليه لا تثبت له ملكية ما حلف عليه، وإنما تصرف دعوى المدعى لا غير، فإن
جاء مدع آخر نظرت دعواه، ولذلك ينبغى للحاكم إذا حلف المدعى عليه ألا يحكم له بملك المدعى
به: بل يقره فقط على حكم يمينه.
١٨ - أن كل مايجرى بين المتداعيين من تساب بخيانة وفجور هدر.
١٩ - وفيه موعظة الحاكم للمدعى عليه إذا أراد أن يحلف، خوفا من أن يحلف باطلا، لعله يرجع إلى
الحق بالموعظة.
٢٠ - استدل به على أن اليمين الغموس لا كفارة فيها.
٢١- وفيه إشارة إلى أن لليمين مكاناً يختص به لقوله: ((فانطلق ليحلف)» وقد عهد فى عهده صلى اللَّه
عليه وسلم الحلف عند منبره.
والله أعلم
٤٤
(٨١) باب من قتل دون ماله فهو شهيد
٢٣٨- ٢٢٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ﴾(٢٢٥) قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ! أَرَّأَيْتَ إِن جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ﴾ قَالَ: أَرَّأَيْتَ إِنْ قَاتَلِي؟ قَالَ
«قَائِلْهُ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَنِي؟ قَالَ «فَأَنْتَ شَهِيدٌ» قَالَ: أَرْأَيْتَ إِنْ قَلْتُهُ؟ قَالَ «هُوَ فِي النَّارِ».
المعنى العام
مما هو مستقر فى النفوس الأبية الدفاع عن المال، ومما جاءت به الشريعة الإسلامية حق المسلم
فى الذود عن ماله وعرضه ونفسه، وكأن هذا السائل فهم من العفو والإحسان اللذين دعا إليهما الإسلام
عدم المقاتلة دون المال، فسأل رسول اللّه ◌َ ﴿ فقال: أخبرنى يا رسول اللَّه عما أفعله إذا جاء معتد
لأخذ مالى، هل أدعه يأخذه ويمضى؟ قال: لا تمكنه من أخذه، قال: فماذا أفعل إن قاتلنى من أجله؟
قال: قاتله وامنعه، قال: فما حكم اللَّه فى أمرى إن قتلنى؟ قال: إن قتلك فأنت شهيد لك الجنة. قال:
فإن قاتلنى فقتلته فما حكم الله فى أمرى وأمره؟ قال: لا شىء عليك وهو فى النار.
المباحث العربية
( أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالى ) أى أخبرنى عما ينبغى أن أفعله فجواب الشرط
محذوف، تقديره: فماذا أفعل؟
( فلا تعطه مالك ) الفاء فى جواب شرط مقدر، أى إن جاء فلا تعطه مالك، ومعناه: لا يلزمك
أن تعطيه، وليس المراد تحريم الإعطاء.
( أرأيت إن قاتلنى ) فماذا أفعل؟
( قال: قاتله) هذا دليل الجواب، وليس جواب شرط وإلا لاقترن بالفاء، والتقدير:
قاتله إن قاتلك.
(أرأيت إن قتلنى ) جواب الشرط محذوف، أى فما حكم اللَّه فى أمرى؟
( قال: فأنت شهيد) أصل الشهادة التبيين، ومنه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: ١٨]
(٢٢٥) حَدَِّي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّقْنَا خَالِدٌ يَغْنِي ابْنٌ مَخْلَدٍ حَدََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٤٤٣
أى بين، وشهود الحق يتبين بهم الحكم، وسمى الشهيد شهيداً من ((شهد)» إذا حضر، لأنه يحضر دار
السلام قبل غيره، أو لأن اللَّه شهد له بالجنة، فشهيد بمعنى مشهود له، أو لأنه يشهد مع النبى { على
الأمم يوم القيامة، فشهيد بمعنى شاهد، وقيل: لأنه يشاهد عند موته ما أعد الله له من الكرامة، وقيل:
لأن ملائكة الرحمة يشهدون فيأخذون روحه، وقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بحسب
الظاهر، وقيل : لأن عليه شاهداً يشهد بكونه شهيداً ، وهو دمه، فإنه يبعث يوم القيامة وجرحه
یثعب دماً.
فقه الحديث
فى الحديث دليل على جواز قتال المحارب، وعلى جوازه عامة العلماء، لكن الخلاف فى قتالهم
إذا طلبوا الشيء اليسير، كالثوب والطعام، هل يعطونه أو يقاتلون دونه؟ جمهور العلماء على جواز
مقاتلة القاصد لأخذ المال بغير حق، وإن كان المال قليلا، لعموم الحديث، وشذ من أوجبه، وقال
بعض المالكية: لا يجوز إذا طلب المال الخفيف، قال القرطبى: سبب الخلاف عندنا: هل الإذن فى
ذلك من باب تغيير المنكر، فلا يفترق الحال بين القليل والكثير؟ أو من باب دفع الضرر، فيختلف
الحال. قال الأبى: والقول بمنع إعطائهم الشىء الخفيف هو المشهور.
وقال النووى: المدافعة عن المال جائزة غير واجبة، والمدافعة عن الحريم واجبة بلا خلاف، وفى
المدافعة عن النفس بالقتل خلاف.
وحكى ابن المنذر عن الشافعى قال: من أريد ماله، أو نفسه، أو حريمه فله الاختيار أن يكلمه (أى
يجرحه) أو يستغيث، فإن منع الصائل أو امتنع لم يكن لصاحب المال قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن
ذلك ولو أتى على نفسه وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة. لكن ليس له عمد قتله.اهـ
قال ابن المنذر: والذى عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر - إذا أريد ظلماً- بغير تفصيل،
إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان، للآثار الواردة بالأمر
بالصبر على جوره وترك القيام عليه
وفرق الأوزاعى بين الحال التى للناس فيها جماعة وإمام، فحمل الحديث عليها، وأما
فى حالة الفتنة والاختلاف والفرقة والغوغاء واختلاط الأمر، فليستسلم ولا يقاتل أجداً، وإذا
كان الحديث الذى معنا يعارض رأى الأوزاعى، لأن لفظه عام يشمل جميع الأحوال، فإن
مارواه أحمد من حديث ابن مسعود فى الفتن يقيد هذا الحديث ويؤيد الأوزاعى، إذ فيه
قلت: يا رسول الله، فما تأمرنى إن أدركت ذلك؟ قال: كف يدك ولسانك وادخل دارك.
قلت: يا رسول اللَّه، أرأيت إن دخل رجل على دارى؟ قال: فادخل بيتك (أى حجرتك)
قال: قلت: أفرأيت إن دخل على بيتى؟ قال: فادخل مسجدك (أى الركن الذى تصلى فيه
من حجرتك) - وقبض بيمينه على الكوع-وقل: ربى الله، حتى تموت على ذلك. وفى رواية
٤٤٤
((قال: أرأيت إن دخل على أحدنا بيته؟ قال ليمسك بيده، وليكن عبد اللَّه المقتول.
لا القاتل».
ولما كان مذهب أهل السنة أن المؤمن لا يخلد فى النار وإن كان صائلا فقد وجهوا قوله صلى اللّه
عليه وسلم: ((هو فى النار)» إلى أن معناه أنه يستحق ذلك، وقد يجازى، وقد يعفى عنه، إلا أن يكون
مستحلا لذلك بغير تأويل فإنه يكفر، ولا يعفى عنه، (وللحديث تتمة فى فقه الحديث الآتى فليراجع).
والله أعلم
٤٤٥
(تابع) باب من قتل دون ماله فهو شهيد
٢٣٩ - ٢٢٦ عَنْ ثَابِت ◌َوْلَى عُمَّرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ(٢٢٦) أنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ عَمْرٍو وَتَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنٍ أَبِي سُفْيَانِ مَا كَانَ. قَيَسِّرُوا لِلْفِتَّالِ. فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ
الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ. فَقَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرٍوٍ: أَمَا عَلِمْتَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ قَالَ «مَنْ قُتِلَّ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ».
المعنى العام
كان عنبسة بن أبى سفيان عاملا على الطائف من قبل أخيه معاوية، وكان لآل عمرو بن
العاص بستان وحائط فى الطائف، فأجرى عنبسة عينا من ماء ليسقى بها أرضا، فدنا من
حائط آل عمرو، فأراد أن يخرقه ليجرى العين منه إلى الأرض. فأقبل عبد الله بن عمرو
ومواليه بالسلاح يدافعون عن مالهم، وقالوا: واللَّه لا تخرقون حائطنا حتى لا يبقى منا أحد.
وتأهب الفريقان للقتال.
وعلم خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومى وكان عمر طه قد استعمله على
مكة، وكذا استعمله عثمان، ثم معاوية، فرأى باعتباره أقرب وال من الأزمة أن يركب من
مكة إلى الطائف، وتوجه إلى عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشى
السهمى، وأخذ ينصحه بالمسالمة والتسليم لعنبسة، باعتباره صاحب سلطة وأخا للسلطان
العام، فعز على عبد الله بن عمرو أن يخضع، وكبر عليه أن يستسلم لعنبسة - وأبوه عمرو
صاحب الفضل الأول فى ملك معاوية - إن كبرياءه وعزته تأنفان أن يخضع للجبروت، وإنه
ليؤثر الموت فى عزة وإباء على حياة الذل والهوان، وإنه يحس أن معاوية جرح كرامته
بعزله عن ولاية مصر، وولى مكانه أخاه عتبة بن أبى سفيان فلا يحتمل بطشاً وهواناً آخرين
على يد عنبسة بن أبى سفيان.
وإنه ليؤمن بأنه فى موقفه لكريم، له إحدى الحسنيين، إن عاش عاش عزيزاً مرفوع الرأس، وإن
مات مات شهيداً وله الجنة. فقال لخالد بن العاص يرد عليه نصيحته: ألم تعلم يا خالد أن رسول الله
# قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد»؟
(٢٢٦) حَدَّتِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيّ الْحُلْوَانِيُّ وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَأَلْفَاظُهُمْ مُتْقَارِبَةٌ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَّنَا وَقَالَ الآخْرَانِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَّنًا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبُرَبِي سُلَّيَّمَانُ الأَخِوَلُ أَنْ قَابِتًا مَوْلَى عُمِّرَ بَّنٍ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ أَخْيُرَهُ
- وحَذََّتِهِ مُحَمَّدٌّ بْنُ حَاتِمٍ حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ حِ وحَدَّقَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْقَلِيُّ خَدََّا أَبُو عَاصَمٍ كِلاهُمَا عَنِ ابْنٍ
جُرَيْجٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
٤٤٦
المباحث العربية
( لما كان ... ماكان) ((كان)) تامة، و))ما)) فاعل ((كان)) الأولى، وفاعل الثانية ضمير يعود على
((ما)) و((لما)) بتشديد الميم حرف وجود لوجود، وبعضهم يقول: حرف وجوب لوجوب تدخل على
الماضى، فتقتضى جملتين، وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما.
( تيسروا للقتال ) أى تأهبوا وتهيئوا له، عنبسة وأتباعه، وعبد الله بن عمرو ومواليه.
( فركب خالد بن العاص ) بن هشام بن المغيرة المخزومى. فليس عم عبد الله بن عمرو كما
يوهمه تشابه الأسماء قال النووي: ضبطناه («فركب)» بالفاء وفى بعض الأصول ((وركب)» بالواو، وفى
بعضها ((ركب)» من غير فاء ولا واو، وكله صحيح ا.هـ أما بالفاء أو الواو فإعرابه واضح، وأما بدونهما
فعلى أن الجملة بدل من جملة ((تيسروا للقتال)) والمعنى: لما كان ... ما كان ركب خالد .. إلخ.
والفصيح فى العاص إثبات الياء. ويجوز حذفها، وهو الذى يستعمله معظم المحدثين، أو كلهم.
( أما علمت ) ((أما)) حرف استفتاح للتنبيه على الاهتمام بما بعدها.
( من قتل دون ماله) قال القرطبى: ((دون)» فى أصلها ظرف مكان بمعنى تحت، وتستعمل
للسببية على المجاز، ووجهه أن الذى يقاتل عن ماله غالباً إنما يجعله خلفه أو تحته ثم يقاتل
عليه.اهـ فالمعنى من قتل بسبب الدفاع عن ماله فهو شهيد.
فقه الحديث
فى معنى هذا الحديث روى أبو داود والترمذى ((من أريد ماله بغير حق، فقاتل فقتل فهو شهيد»
وروى الترمذى وبقية أصحاب السنن الحديث السابق مع زيادة ذكر الأهل والدم والدين، وروى ابن
ماجه ((من أريد ماله ظلماً فقتل فهو شهيد)» وقد تقدم فى فقه الحديث السابق كثير مما يتعلق
بهذا الحديث.
ولا يعترض على موقف عبد الله بن عمرو بحديث البخارى ((لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة فى
جداره)) لأنه قد يقال: إنه خاص بالجار للضرورة، وعنبسة لم يكن جارا، ثم إن النهى المذكور للتنزيه،
وهو مشروط بإذن المالك، فإن امتنع لم يجبر عند الحنفية وبعض الشافعية جمعا بين الحديث وبين
الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه.
ثم إن من ألزم الجار بقبول غرز خشبة جاره اشترط عدم الإضرار بالمالك، إذ الخشبة تقوى
الجدار ولا تضعفه، حتى لو ثقب الجدار فإن الخشبة تسد الثقب، بخلاف ثقب الحائط لمرور الماء
منه، فإن الضرر محقق. والله أعلم.
٤٤٧
وفى المراد من الشهادة هنا قال النووي:
أعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام: أحدها المقتول فى حرب الكفار بسبب من أسباب القتال، فهذا له
حكم الشهداء، فى ثواب الآخرة، وفى أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسل، ولا يصلى عليه.
والثانى: شهيد فى الثواب دون أحكام الدنيا، وهو المبطون والمطعون، وصاحب الهدم، ومن قتل
دون ماله، وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيداً، فهذا يغسل ويصلى عليه، وله فى
الآخرة ثواب الشهداء، ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
والثالث: من غل فى الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفى تسميته شهيدا إذا قتل فى حرب
الكفار، فهذا له حكم الشهداء فى الدنيا فلا يغسل، ولا يصلى عليه، وليس له ثوابهم الكامل فى الآخرة.
والله أعلم
٤٤٨
(٨٢) باب الوالى الغاش لرعيته
٢٤٠ - ٢٣٧ عَنِ الْحَسَنِ(٢٢٧) قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيّادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارِ الْمُزنِيَّ فِي مَرَضِهِ
الَّذِي مَاتَ فِيهِ. قَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدَّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿ِ. لَوْ عَلِمْتُ أَنْ لِي
حَيّاةٌ مَا حَدَّفْتُكَ. إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةٌ، يَمُوتُ
يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌ لِرَعِيَّتِهِ، إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».
٢٤١ - ٢٣٨ عَنِ الْحَسَنِ(٢٢٨)، قَالَ: دَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقَلٍ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ
وَجِعٌ. فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَهُ. إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿إِ قَالَ « لا
يَسْتَرْعِي اللَّهُ عَبْدًا رَعِيَّةٌ، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشرٌّ لَهَا، إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»
قَالَ: أَلَا كُنْتَ حَدَّقَتِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ مّا حَدَّقْتُكَ، أَوْ لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّفَكَ.
٢٤٢- ٢٢٩ عَنْ الْحَسَنِ(٢٢٩)، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ تَعُودُهُ، فَجَاءً عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ
زِيّادٍ ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي سَّأُحَدَّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ . . ثُمَّ ذَكَرَ
بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا.
٢٤٣ - ٢٠ْ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ(١٠٠)؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ.
فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ لَوْلا أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّْكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ
اللّهِ﴿ يَقُولُ «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلا لَمْ يَدْخُلْ
مَعَهُمُ الْجَنَّةَ ».
المعنى العام
قدم عبيد الله بن زياد أميرًا على البصرة من قبل معاوية، قدم غلامًا سفيها، يسفك الدماء سفکا
شديدًا، ولا يرعى حرمات الناس: ولا يقيم حدود اللَّه، وخشى الناس من ظلمه وبطشه، ولم يجرؤ أحد
(٢٢٧) حَذََّنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّا أَبُو الْأَشْهَبِ عَنِ الْحَسَنِ
(٢٢٨) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرْنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ
(٢٢٩) وَحَدَِّى الْقَاسِمُ بْنُ زَكْرِيَّاءٌ حَدَّثْنَا حُسَيْنٌ يَعْنِي الْجُعْفِيِّ عَنْ زَائِدَةً عَنْ هِشَامٍ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ:
(٠٠٠) وحَّدَّا أَبُو غَسَّانِ الْمِسْمَّعِيُّ وِّمُحَمَّدُ بْنُ الْمُغْنِى وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحْقُ أَخْبُرَّنَا وَقَالَ الآخْرَانِ حَدَّقْنَا مُعَاذِ بْنُ
هِشَامٍ قَالَ حَدَِّي أَبِي عَنْ قَّادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِحِ
٤٤٩
أن يصارحه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلا من قربت منيته، روى أن عبد الله بن مغفل
المزنى دخل عليه ذات يوم فقال له: انته عما أراك تصنع. فقال له: وما أنت وذاك؟ فلما خرج ابن
مغفل إلى المسجد قال له أصحابه: لم صنعت ما صنعت؟ ولم كلمت هذا السفيه على رءوس الناس؟
فقال: إنه كان عندى علم، فأحببت ألا أموت حتى أقول به على رءوس الناس. ثم قام، فما لبث أن
مرض مرضه الذى توفى فيه فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فوعظه بمثل الحديث الذى معنا.
وهذا معقل بن يسار، الصحابي الجليل، قد مرض مرضه الأخير يعوده أصحابه وفيهم الحسن
البصرى، ثم يدخل عليهم عبيد الله بن زياد يعوده ويسأله الدعاء له، فيقول له معقل: سأحدثك حديثاً
ما حدثتك به من قبل، ولولا أنى فى عداد الموتى ما حدثتك به. سمعت رسول اللّه# يقول: ما من
وال يلى رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة. قال له عبيد الله بن زياد
موبخاً ومهدداً: لم لم تحدثنى بهذا قبل اليوم؟ قال له: لم أكن لأفعل، ولو علمت أن حياتى ستمتد بعد
مرضى هذا ما حدثتك به، فخرج عبيد الله يضحك ساخراً من معقل، غير عابئ بما حدث به، وبلغ
معقل الأمانة، ولقى ربه راضياً مرضياً.
المباحث العربية
( عن الحسن ) البصرى.
(عاد عبيد الله بن زياد) ابن أبيه، الذى يقال له: زياد بن أبى سفيان.
( فى مرضه الذي مات فيه ) كانت وفاة معقل بالبصرة فيما بين الستين إلى السبعين من
الهجرة، فى خلافة يزيد بن معاوية.
( قال معقل ) مخاطبا عبيد الله بن زياد.
( إنى محدثك حديثاً) ((حديثاً)) مفعول به ثان لمحدث.
( لوعلمت أن لى حياة ما حدثتك ) أى لو علمت أن حياتى تطول بعد مرضى هذا ما
حدثتك خوفاً من بطشك.
( ما من عبد) ((ما)) نافية، و((من)) زائدة، لتأكيد النفى و(«عبد)» مبتدأ.
( يسترعيه الله رعية) السين والتاء للصيرورة، أى يصيره اللَّه راعيا لرعية، والجملة صفة
((عبد)) وفى رواية ((استرعاه)).
( يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته ) جملة ((وهو غاش)) فى محل النصب على الحال من
«يموت)» وهذا القيد هو المقصود فى الجملة وجملة ((يموت)) صفة ثانية لعبد.
٤٥٠
( إلا حرم الله عليه الجنة) (((إلا)) ملغاة، والجملة خبر ((عبد).
(وهو وجع) بفتح الواو وكسر الجيم، أى متألم من مرضه، والجملة حال من ((معقل)).
(فسأله) أى سأل عبيد اللَّه معقلاله عن حاله، والأولى أن يقال: سأله الدعاء له، فإن معقلا
كان من أهل الفضل الذين يزارون ويطلب دعاؤهم.
(قال: ألا كنت حدثتنى هذا قبل اليوم)؟ ((ألا» فى الأصل للتحضيض وهى هنا للتوبيخ.
( كنا عند معقل بن يسار نعوده) جملة ((نعوده)) فى محل النصب على الحال من الضمير
المستكن فى خبر (كان)).
( لولا أنى فى الموت ) فى الكلام مضاف محذوف، أى فى مرض الموت وفى مقدماته.
( ثم لا يجهد لهم ) ((يجهد)) بفتح الياء وسكون الجيم وفتح الهاء أى يجتهد، وفى القاموس:
جهد كمنع جد واجتهد، وفى رواية ((ثم لا يجد)) بكسر الجيم وتشديد الدال من الجد ضد الهزل.
( وينصح ) فى القاموس: نصحه ونصح له. وقال المازرى: النصيحة مشتقة من نصحت العسل
إذا صفيته، يقال: نصح الشىء إذا خلص، ونصح له القول إذا أخلصه له، أو مشتقة من النصح وهى
الخياطة بالمنصحة وهى الإبرة، والمعنى: أنه يلم شعث رعيته بالنصح كما تلم المنصحة، ومنه التوبة
النصوح، كأن الذنب يمزق الدين، والتوبة تخيطه. وقال الخطابى: النصيحة كلمة جامعة، معناها
حيازة الحظ للمنصوح له.
فقه الحديث
فى سبب عدم تحديث معقل قبل مرضه. قال القاضى عياض رحمه اللَّه تعالى: إنما فعل هذا لأنه
علم قبل هذا أنه ممن لا ينفعه الوعظ، كما ظهر منه مع غيره، ثم خاف معقل من كتمان الحديث،
ورأى تبليغه، أو فعله لأنه خافه لو ذكره فى حياته، لما يهيج عليه هذا الحديث ويثبته فى قلوب الناس
من سوء حاله. اهـ
قال النووى: والاحتمال الثانى هو الظاهر، والأول ضعيف، فإن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر
لا يسقط باحتمال عدم قبوله. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: سبب ذلك هو ما وصفه به الحسن البصرى من سفك الدماء، إذ جاء فى
بعض الروايات ((لولا أنى ميت ماحدثتك)) فكأنه كان يخشى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن
يكف بذلك بعض شره عن المسلمين.اهـ
وهذا هو السبب الراجح، ويضم إليه الرغبة فى براءة الذمة من كتمان العلم، وبذل النصيحة، والأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر بكل ما يستطيع المؤمن.
٤٥١
أما تحريم الجنة على الراعى الغاش لرعيته ففيه التأويلان المتقدمان فى أمثاله.
أحدهما: أنه محمول على المستحل.
والثانى: معناه حرم اللَّه عليه دخولها مع الفائزين السابقين، ومعنى التحريم هنا المنع.
قاله النووى.
ويؤيد التأويل الثانى الرواية الرابعة، إذ فيها ((إلا لم يدخل معهم الجنة)).
وهذا مبنى على أن اللَّه سينفذ عليه وعيده، ولا يرضى عنه المظلومين.
وأما حقيقة غش الرعية فتحصل بظلمه لهم بأخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم،
أو حبس حقوقهم، أو ترك تعريفهم ما يجب عليهم فى أمر دينهم ودنياهم أو بإهمال إقامة الحدود
فيهم وردع المفسدين منهم، أو ترك حمايتهم وحماية حوزتهم، أو مجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل
فيهم، فإنما استرعاه الله ليرعى شئونهم ويعينهم، ويستر عوراتهم، ويسد خلاتهم، ويدفع المضار عنهم،
ويجلب المنافع لهم، ويوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم ، ويحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما
يكره لنفسه.
فمن قلب القضية وضيع ما استرعاه الله أو خانهم أو ظلمهم فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد
يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً*ِ يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي
لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًّا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٨].
والله أعلم
٤٥٢
(٨٣) باب رفع الأمانة
٢٤٤ - ٢٣٠ عَنْ حُذَيْفَةَ ﴾ (٢٣٠) قَالَ: حَدََّا رَسُولُ اللَّهِع ◌َّ حَدِيقَيْنٍ قَدْ رَأَيْتُ
أَحْدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ. حَدَّثَنَا « أَنَّ الأَمَالَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرٍ قُلُوبِ الرِّجَالِ. ثُمَّ
نَزَلَ الْقُرْآنُ. فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ». ثُمَّ حَدَّثْنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ قَالَ
« يَّامُ الرَّجُلُ النّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ. فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ. ثُمَّ يَنَامُ
النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ. فَظَلُّ أَفَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ. كَجَمْرٍ دَخْرَجْتَهُ عَلَى
رِجْلِكَ. فَتَفِطَ فَتْرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ (ثُمَّ أَخَذَ حَصِّى فَدَخْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ)
فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتْبَايَعُونَ. لا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ حَنْىٍ يُقَالَ: إِنَّ فِي يَنِي فُلانِ
رَجُلا أَمِينًا، حَتِّى يُقَالَ لِلرَّجُلٍ: مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ
حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانِ». وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمّانٌ وَمَا أَبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ. لَيْنْ كَانٌ
مُسْلِمَا لَيْرُدِّنْهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَائِيًّا أَوْ يَهُودِيَّا لَيَرُدَّهُ عَلَيِّ سَاعِيهِ. وَأَمَّا
الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لِأُبَابِعَ مِنْكُمْ إِلا ◌ُلاًّا وَقُلانًا.
المعنى العام
من علامات الساعة رفع الأمانة بين الأفراد، وإهدارهم حقوق بعضهم بعضا، وبين الحكام
والمحكومين وسيطرة الولاة على حقوق الرعية.
وقد ورد فى الصنف الثانى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قيل:
كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)» وفى الصنف الأول
حديث حذيفة الذى يربط الأمانة بقوة الإيمان، فحيث نزل الإيمان فى القلوب، وثبت فى النفوس،
واستوثق بقراءة القرآن والتفقه فيه، ورسخ بالسنة والعمل بها، تحققت الأمانة، وتمكنت، وأصبح
الدين مانعاً من الخيانة، وحائلا بين شهوات النفس والشيطان وبين حقوق الآخرين.
أما حيث يضعف الدين، وتغلب الشهوات، وتسيطر المادية، فإن الأمانة ترتفع من النفوس، كما
يرتفع النور من القلوب، ويحل محل هذا النور الإلهى الران والغشاوة، وينكت فى القلب نكتة سوداء،
وكما بدأ الإسلام غريبا سيعود غريبا، وستقل الأمانة، حتى لا يكاد الأمين يوجد، وحتى تسرى بذكره
(٢٣٠) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّقْنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيمٌ ح وحَدََّا أَبُو كُرَّيْبٍ حَدَّقْنَا أَبُو مُعَاوِيّةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَنْدِ بْنِ
وَهْبٍ عَنْ حُذَيْفَةً
- وِحَدَّنَا ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدَّقْنَا أَبِي وَوّكِيعٌ ح وحَذَّقْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ حَدَّقْنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ
بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
٤٥٣
الركبان، وحتى يقال إن فى مكان كذا رجلا أميناً، وترى الرجل فيعجبك منظره وقوته وذكاؤه، فإذا ما
عاملته وجدته خائنا غير أمين.
إن الخيانة مرض ووباء ينتقل بالعدوى، وإذا كانت بعض المواطن الإسلامية اليوم لا تزال
تحتفظ بقدر من الأمانة، فإن اتصالها بالخائنين سيؤدى بها عما قريب إلى رفعها، وإن من العجيب
أن الأمانة ارتفعت بين المسلمين، بينما تمسك بها وحافظ عليها كثير من الكفار فى عصرنا
الحديث، حتى أصبح المسلمون صورة سيئة للإسلام، وما الأمانة المادية المالية إلا صورة من صور
الأمانة المشروعة، التى تتمثل فى أمانة اللَّه لدى خلقه، فالعين أمانة، والأذن أمانة واللسان أمانة،
والتكاليف الشرعية أمانة، كل ذلك طلب صاحبها وخالقها أن يحافظ عليها، وأن توضع وتستعمل فى
مواضعها المشروعة، فمن خالف فقد ضيع الأمانة وإذا كان حذيفة ه وهو المتوفّى سنة ست
وثلاثين من الهجرة قد أسف على الأمانة ونعى على المسلمين ضياعها، فمن لها اليوم ينعاها ويبكى
عليها؟ اللهم رحمتك وهدايتك وتوفيقك فليس لنا اليوم سواك.
المباحث العربية
( عن حذيفة) بن اليمان، ولاه عثمان على المدائن، وقُتل عثمان وهو عليها، وبايع لعلى،
وحرض على المبايعة له، والقيام فى نصره، ومات فى أوائل خلافته، وحديثه هذا إنما ساقه -والله
أعلم- بالمدائن وليس بالمدينة لكثرة الأمناء بها حينئذ من الصحابة والتابعين، وكانوا يتجرون فلا
يصح أن يقال: إلا فلانا وفلانا.
( حدثنا رسول اللَّه # حديثين) معناه: حدثنا حديثين فى الأمانة، وإلا فروايات حذيفة
كثيرة فى الصحيحين وغيرهما، قال صاحب التحرير: وعنى بأحد الحديثين قوله: حدثنا أن الأمانة
نزلت فى جذر قلوب الرجال، وبالثانى قوله: ثم حدثنا عن رفع الأمانة .. إلخ، وقيل: هذان حديث
واحد، ولعل الثانى فى حديث عرض الفتن الآتى في الباب التالى.
( فنزلت فى جذر قلوب الرجال ) («الجذر)) بفتح الجيم وكسرها، الأصل فى كل شىء، وذكر
الرجال للتغليب، ونزولها فى جذر قلوب الرجال كناية عن خلق اللّه تعالى فى تلك القلوب قابلية
التزام حفظها.
( فعلموا من القرآن وعلموا من السنة) فى رواية البخارى ((علموا من السنة)) والمراد من
السنة ما يتلقونه عن النبى {8#، واجبا كان أو مندوبا.
( ثم حدثنا عن رفع الأمانة ) المراد برفع الأمانة إذهابها وحدها أو إذهاب الأمناء وقبضهم،
بحيث يكون الأمين معدوما أو شبه معدوم. والأمانة ضد الخيانة، وقيل الفرائض والتكاليف، وسيأتى
توضيح هذا البحث فى فقه الحديث.
٤٥٤
( ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة ) بعض القبض، وذكر النوم كناية عن ذهابها فى
الغفلة وضعف العقيدة والإيمان، وليس المراد أنها تقبض فى الليل دون النهار، وفى القاموس: قبض
مبنى للمجهول: مات، فشبه ذهاب الأمانة بالموت.
( فيظل أثرها مثل الوكت ) بفتح الواو وسكون الكاف، الأثر اليسير، وقيل: السواد اليسير،
وقيل: أثر النار من السواد فى اللون. وأصل ((يظل)) معناه يعمل بالنهار، ثم أطلق على كل وقت، وهى
هنا على بابها، لأنه ذكر الحالة التى تكون بعد النومة، والمعنى: أن الأمانة تذهب حتى لا يبقى منها
إلا الأثر الخفيف الذى يشبه الوكت فى ظاهر البدن.
( فيظل أثرها مثل المجل ) بفتح الميم وسكون الجيم وفتحها، لغتان، والمشهور الإسكان،
يقال: مجلت يده بكسر الجيم تمجل بفتحها مجلا بفتحها أيضاً ومجلت يده بفتح الجيم تمجل
بضمها مجلا بسكونها لغتان مشهورتان، والمجل: ارتفاع فى الجلد يظهر فى اليد من العمل بفأس أو
نحوها، وفى الرجل بسبب الحذاء ونحوه، ويصير مثل القبة، ويمتلئ بالماء.
( كجمر د حرجته على رجلك ) أى كأثر جمر، أو كمكان جمر، ففى الكلام مضاف محذوف.
( فنفط فتراه منتبراً ) نفط بفتح النون وكسر الفاء: انتفخ، وانتبر الجرح وانتفط إذا ورم
وامتلأ ماء، قال النووى: ولم يقل نفطت مع أن الرجل مؤنثة، إما أن يكون ذكر ((نفط)) إتباعا للفظ
الرجل، وإما أن يكون إتباعا لمعنى الرجل، وهو العضواهـ. ولكننا قلنا سابقا: إن فى الكلام مضافاً
محذوفا، تقديره: كمكان جمر دحرجته على رجلك فنفط، ففاعل نفط يعود على مكان دحرجة الجمر
وليس على الرجل.
قال صاحب التحرير: معنى الحديث أن الأمانة تزول عن القلوب شيئا فشيئاً، فإذا زال أول جزء
منها زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت، وهو اعتراض لون مخالف للون الذى قبله، فإذا زال شىء آخر
صار كالمجل وهو أثر محكم لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق التى قبلها، ثم شبه زوال ذلك
النور بعد وقوعه فى القلب، وخروجه بعد استقراره فيه واعتقاب الظلمة إياه بجمريدحرجه على
رجله، حتى يؤثر فيها، ثم يزول الجمر، ويبقى التنفط، وأخذه الحصى ودحرجته إياه أراد به زيادة
البيان وإيضاح المذكور.
( فيصبح الناس يتبايعون ) أى يبيعون ويشترون.
( لا يكاد أحد يؤدى الأمانة ) تصوير لقلة الأمانة وندرتها، وقرب رفعها نهائياً.
(حتى يقال: إن فى بنى فلان أمينا) فى رواية البخارى ((فيقال)) وهذا تصوير ثان وكناية
عن ندرة الأمين.
(حتى يقال للرجل ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله) ((ما أجلده)) أى ما أقواه وأصلبه،
٤٥٥
و(« ما أظرفه)) أى: ما أحسن وجهه وهيئته ولسانه، و(«ما أعقله)) أى: ما أقوى عقله وذهنه وتفكيره
وتمييزه الحسن من القبيح.
( وما فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ) الخردل نبات له حب أسود مقرح، صغير
جداً، يضرب به المثل فى الصغر بين الحبوب والواحدة خردلة، وليس المقصود من حبة الخردل هنا
وزنها على الحقيقة، بل المراد المبالغة فى الصغر. وهل المراد من الإيمان الأمانة باعتبارها لازمة له،
أو حقيقة الإيمان؟ سيأتى توضيحه فى فقه الحديث.
( ولقد أتى على زمان ) يقصد زمان الصدر الأول فى الإسلام.
( وما أبالى أيكم بايعت ) من المبايعة بالخلافة، أو من البيع والشراء.
التحقيق سيأتي بيانه فى فقه الحديث، و((أيكم)) بالنصب مفعول مقدم لبايعت، والجملة معمول
((أبالى)) والمعنى: كنت فى هذا الزمان لوثوقى بوجود الأمانة فى الناس، أقدم على مبايعة من اتفق،
من غير بحث عن حاله.
( لئن كان مسلماً ) أى لئن كان من بايعته مسلماً، وأخذ حقى خطأً.
( ليردنه على دينه ) أى ليرجعنه دينه وأمانته إلى بحقى، ويحول بينه وبين الخيانة.
( ليردنه على ساعيه) أى الوالى عليه، فإنه أيضاً كان يقوم بالأمانة فى ولايته،
فيستخرج حقى منه، وأكثر ما يستعمل الساعى فى ولاة الصدقة ويحتمل أن يراد به هنا
الذى يتولى قبض الجزية.
( وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً) يحتمل أن يكون ذكره بهذا اللفظ،
وأبهم لعدم جرح المخاطبين بما يعادل اتهامهم بالخيانة، ويحتمل أن يكون قد سمى اثنين من
المشهورين بالأمانة إذ ذاك، فأبهمهما الراوى، والأول، هو الظاهر، لأنهم إنما يبهمون فى الذم، أما فى
الوصف بالمدح فلا داعى للإبهام، ولكن إبهامه هوليحسن كل من المخاطبين الظن بنفسه، والمعنى:
لست أثق بأحد أأتمنه على بيع ولا شراء إلا فلانا وفلانا.
فقه الحديث
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَّهَا وَأَشْفَفْنَ
مِنْهَا وَحَمَّلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً ﴾ [الأحزاب: ٧٣].
قال صاحب التحرير: الأمانة المذكورة فى الحديث هى الأمانة المذكورة فى الآية، وهى عين
الإيمان، فإن استمكنت فى القلب قام بأداء ما أمر به، واجتنب ما نهى عنه.
٤٥٦
وقال ابن التين: الأمانة كل مايخفى ولا يعلمه إلا الله من المكلف، وعن ابن عباس: هى الفرائض
التى أمروا بها ونهوا عنها، وقيل: هى الطاعة، وقيل: هى التكاليف، وقال ابن العربى: المراد بالأمانة
فى حديث حذيفة الإيمان، وتحقيق ذلك فيما ذكر من رفعها: أن الأعمال السيئة لا تزال تضعف
الإيمان، حتى إذا ما تناهى الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف
فى ظاهر القلب، وقال حذيفة هذا القول لما تغيرت الأحوال التى كان يعرفها على عهد النبوة
والخليفتين فأشار إلى ذلك بالمبايعة، وكنى عن الإيمان بالأمانة، وعما يخالف أحكامه بالخيانة. اهـ
فالأمانة فى قول جميعهم: الطاعة والفرائض التى يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب.
وما الأمانة فى الأموال إلا جزئية من جزئيات الأمانة فى معناها الشرعى العام.
أما المبايعة المذكورة فى الحديث فالمراد منها المبادلة بالبيع والشراء. قال النووي: حمل بعض
العلماء المبايعة هنا على بيعة الخلافة وغيرها من المعاقدة والتحالف فى أمور الدين. قال صاحب
التحرير، والخطابى: وهذا خطأ من قائله، وفى الحديث مواضع تبطل قوله، منها قوله: ((ولئن كان
نصرانياً أو يهوديا)) ومعلوم أن النصرانى واليهودى لا يعاقد على شىء من أمور الدين. اهـ
وقد يشكل على حديث حذيفة أن ظاهر قوله: ((وأنا أنتظر الآخر)» يفيد أن الأمانة لم
ترفع، وأنه ينتظر رفعها، وقوله: ((أما اليوم فما كنت لأبايع إلا فلانا وفلانا)» يفيد أنها قد
رفعت، وفى هذا تعارض.
وقد أجاب عن هذا الحافظ ابن حجر، فقال: إن آخر الحديث يدل على قلة من ينسب للأمانة
بالنسبة إلى حال الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله: ((ما كنت لأبايع إلا فلانا وفلانا)» هم من أهل
العصر الأخير الذى أدركه، والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقل، وأما الذى ينتظره، فإنه حيث
تفقد الأمانة من الجميع إلا النادر.
والله أعلم
٤٥٧
(٨٤) باب الفتن التى تموج موج البحر
٢٤٥ - ٢٣١ عَنْ حُذَيْفَةَ ﴾(٢٣١) قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ. فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ لِمَُّ
يَذْكُرُ الْفِتْنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ. فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَغْنُونٌ فِْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا:
أَجَلْ. قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصِّيَّامُ وَالصَّدَقَّةُ. وَلَكِنْ أَيّكُمْ سَمِعَ النّبِيِّ :﴿ يَذْكُرُ الْفِتِّنَ
الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَّ الْقَوْمُ. فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلْهِ أَبُوكَ! قَالَ
حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِمِ﴿ يَقُولُ «تُعْرَضُ الْفِتِّنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرٍ عُودًا عُودًا.
فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْنَةٌ سَوْدَاءُ. وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْنَّةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ
عَلَى قَلْبَيْنٍ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا. فَلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ. وَالآخَرُ
أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُّ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا. إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ».
قَالَ خُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ؛ أَنَّ ◌َبَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ. قَالَ عُمَرُ: أَكَسْرًا، لا أَبَا
لَكَ فَلَوْ أَنْهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ، قُلْتُ: لا بَلْ يُكْسَرُ. وَحَدَّقْتُهُ؛ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ
يَمُوتُ. حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. قَالَ أَبُو خَالِدٍ: فَقُلْتُ لِسَعْدٍ: يَا أَبَا مَالِكٍ! مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًّا؟
قَالَ: شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ. قَالَ قُلْتُ: فَمَا الْكُوزُ مُجْخِّبًا؟ قَالَ: مَنْكُوسًا.
٢٤٦- ١٩٠ْ عَنْ رِنِعِيِّ(٢٠٠٠؛ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ حُلَيْفَةُ مِنْ عِنْدٍ عُمَرَ ، جُلّسَ فَحَدَّقْنَا. فَقَالَ:
إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِينَ أَمْسٍ لَمَّا جَلَسْتُ إِلَيْهِ سَأَلَ أَصْحَابَهُ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِع ◌َ فِي
الْفِتَنِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ تَفْسِيرَ أَبِي مَالِكٍ لِقَوْلِهِ
«مُرْبَادًّا مُجَخْيًا».
٢٤٧- شْد عَنْ حُذَيْفَةَ عَ﴾(١٠٠١) أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ يُحَدِّثْنَا، أَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحَدِّثُنَا
(وَفِيهِمْ خُذَيْفَةُ) مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ
كُنَحْوٍ حَدِيثٍ أَبِي مَالِكٍ عَنْ رِنِعِيٍّ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ
بِالأَغَالِيطِ. وَقَالَ: يَعْنِي أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِع ◌ِ﴾.
(٢٣١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لُمَّيْرِ حَدََّا أَبُوٍ خَالِدٍ يَعْنِي سُلَيْمَانِ بْنَ حَيَّاهَ عَنْ سَعْدٍ بْنٍ طَارِقٍ عَنْ رِنِيِّ عَنْ حُذَيْقَةَ
(١٠٠) وحَدَّتِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَذْثَنَا مَرْوَّانُ الْفَزَارِيُّ حَدَّقْنَا أَبُوْ مَالِكِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ رِئْعِيّ
(١٠٠٠) وحّدَّثَفِي مُحَمِّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَعُقْبَةُ بْنَ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ فَالُوا حَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانُ النَّيْبِيِّ
عَنْ تُعَيْمٍ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِنْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَّيْفَةً
٤٥٨
المعنى العام
صورة رائعة لمجالس الحكام والأمراء، صورة خالية من الغيبة والنميمة والوشاية والإيقاع بالناس،
صورة يجتمع فيها الملك والدين والوعظ وملائكة الرحمة، صورة يفتتحها الخليفة عمربن الخطاب
ه بسؤال رعيته عما يحفظون من حديث رسول اللّه * فى الفتن، وصورة يجيب الصحابة فيها بما
يعلمون، يجيبون بفتنة الرجل وامتحانه فى زوجه وولده وماله وجاره، فيقول عمر: لست عن هذه
أسأل، ليس هذا أريد، لم أسأل عن فتنة الخاصة، ولكن عن التى تموج كموج البحر، فسكت
الحاضرون، حيث لم يكونوا يحفظون. قال حذيفة: أنا يا أمير المؤمنين، أحفظها كما قالها رسول
الله:﴿، قال له عمر: أنت تحفظها يا حذيفة؟ حسناً. لله أبوك، هات إنك على ذكرها لجرىء.
قال حذيفة: سمعت رسول اللّه: يقول: تعرض الفتن على القلوب فتنة فتنة، كما يعرض
ناسج الحصير على الخيط عوداً عوداً، فكل قلب يقبلها ينقط فيه نقطة سوداء، حتى يتحول نوره إلى
ظلام، وحتى يطبع عليه الران، وحتى يغلق عن سماع الخير والمعروف، وحتى ينصرف إلى الشر
والهوى، وحتى يندفع فى تيار الإيذاء وسفك الدماء.
وكل قلب ينكرها يزداد نوراً على نور، وإيماناً فوق إيمان، حتى يصبح الناس أمام الفتنة أحد
رجلين، رجل قلبه بياض ناصع، لا يقبل الدخن، كالحجر الأملس الذى لا يقبل الشر، ورجل قلبه أسود
لا يبصر ولا يعقل، فرفع عمر يديه، وقال: اللهم لا تدركنى، فقال حذيفة: لا تخف لا بأس عليك منها يا
أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا، يوشك أن يكسر، قال عمر: لا أب لك يا حذيفة، يكسر أو
يفتح؟ قال: لا يفتح، بل يكسر. قال: أكسراً؟ قال: نعم. قال إذا كسر لم يغلق، لو أنه فتح لعله كان
يعاد. قال: يكسر ولا يغلق إلى يوم القيامة.
ثم قال حذيفة: يا أمير المؤمنين، إن هذا الباب الذى بينك وبينها رجل يقتل أو يموت وكان عمر
﴿ه يعلم أنه هو الباب علماً مؤكداً، كما يعلم أن بعد النهار ليلاً فاستعاذ من الفتنة. نعوذ باللّه منها،
ونسأله العفو والعافية فى الدين والدنيا والآخرة رب العالمين.
المباحث العربية
( يذكر الفتن ) قال أهل اللغة: أصل الفتنة فى كلام العرب الابتلاء والامتحان
والاختبار، قال الراغب: أصل الفتن إدخال الذهب فى النار لتظهر جودته من رداءته
ويستعمل فى إدخال الإنسان النار، ويطلق على العذاب، كقوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾.
[الذاريات: ١٤]، وعلى الاختبار كقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فَتُونًا﴾ [طه: ٤٠] وفيما يدفع إليه الإنسان
من شدة ورخاء، وفى الشدة أظهر معنى، وأكثر استعمالا، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ
وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ﴾ [الأنبياء: ٣٥] ومنه قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] أى يوقعونك
٤٥٩
فى بلية وشدة فى صرفك عن العمل بما أوحى إليك، وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثم
استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه، أو آيل
إليه، كالكفر والإثم والتحريق والفضيحة والفجور وغير ذلك.
( لعلكم تعذون ) بفتح التاء، أى تريدون وتقصدون.
( فتنة الرجل فى أهله وجاره ) فتنة الرجل فى أهله وماله وولده ضروب من فرط محبته لهم،
وشحه عليهم، وانشغاله بهم عن كثير من الخير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾
[الأنفال: ٢٨] أو لتفريطه فى ما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم وتعليمهم، فإنه راع لهم ومسئول عن
رعيته، وكذلك فتنة الرجل فى جاره من هذا القبيل.
وذكر ((الرجل)) لأنه الغالب، وصاحب الحكم فى داره وأهله وإلا فالنساء شقائق الرجال
فى الحكم.
( قالوا: أجل ) حرف جواب مثل نعم، وعن الأخفش: هى بعد الخبر أحسن من نعم.
( التى تموج موج البحر ) أى تضطرب، ويرفع بعضها بعضاً، وشبهها بموج البحر لشدة
عظمها، وكثرة شيوعها، قال الحافظ ابن حجر: كنى بذلك عن شدة المخاصمة وكثرة المنازعة، وما
ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة.
(فأسكت القوم ) ((أسكت)) بهمزة قطع، كذا هو فى الأصول قال جمهور أهل اللغة: سكت
وأسكت لغتان بمعنى صمت، وقال الأصمعى: سكت صمت وأسكت أطرق.
وإنما سكت القوم لأنهم لم يكونوا يحفظون هذا النوع من الفتنة، بل حفظوا النوع الأول.
( فقلت: أنا) فى رواية البخارى: قلت: ((أنا كما قاله)) أى أحفظه كما قاله، وفى رواية أخرى
للبخارى ((أنا أحفظه كما قال)).
( قال: أنت؟ للَّه أبوك ) كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف
كبيت اللَّه وناقة اللَّه. قال صاحب التحرير: إذا وجد من الولد ما يحمد قيل: لله أبوك حيث أتى
بمثلك، وفى رواية البخارى ((هات إنك لجرىء)) وفى رواية أخرى ((إنك عليه [أى على الرسول وَ﴿] أو
عليها [على المقالة] لجرىء، فكيف قال؟ )».
(تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً) اختلف فى ضبط ((عوداً عودا)) على
ثلاثة أوجه: بضم العين وبالدال، وهو أظهرها وأشهرها، وبفتح العين وسكون الواو مع دال فى آخره،
أى تعاد وتكرر شيئاً بعد شىء، ويفتح العين وسكون الواو مع ذال معجمة بدل الدال، ومعناه سؤال
الاستعاذة منها، كما يقال غفراناً غفرانا، أى نسألك أن تعيدنا من ذلك، ومعنى تعرض تلصق بعرض
القلوب، أى جانبها كما يلصق الحصير بجذب النائم، ويؤثر شدة التصاقها به، وقال بعضهم: معناه:
٤٦٠