Indexed OCR Text
Pages 381-400
الذي فعلته، بقى فى يدى. فقص الطفيل رؤياه على رسول اللّه﴾ ﴿. فعلم منه أنها حق، فسأل رسولُ
اللَّه ◌َ﴿ رَبَّه أن تشمل المغفرة والرحمة اليدين، كما شملت الرجل كله، فقال اللهم وليديه فاغفر.
المباحث العربية
( هل لك فى حصن حصين ) الحصن: القصر المسور بسور خاص لحماية من به من الأعداء،
والوصف بحصين للتأكيد، فعيل بمعنى اسم الفاعل، أى محصن من بداخله.
( ومنعة ) بفتح الميم، وبفتح النون وإسكانها لغتان، والفتح أفصح، وهى: العز والامتناع ممن
يريده، فهى بمعنى الحصن الحصين، والعطف تفسيرى، وقيل: المنعة جمع مانع، كظلمة جمع ظالم،
أى جماعة يمنعونك ممن يقصدك بمكروه.
( قال: حصن كان لدوس فى الجاهلية ) أى قال الطفيل ذلك تكميلا لعرضه و))حصن)) خبر
لمبتدأ محذوف. أى ما أعرضه عليك حصن كان لدوس قبيلتى.
( فأبى ذلك ) أى لم يقبل العرض.
( للذى ذخر اللَّه للأنصار) اللام فى ((الذى)) لام العاقبة. أى رفض العرض لتكون العاقبة
[الفضل والشرف الذى ادخره اللَّه] لأهل المدينة (الأنصار).
(هاجر إليه الطفيل ) كانت هجرة الطفيل فى عمرة القضية، وقيل: قدم مع أبى هريرة
فى خيبر.
(وهاجر معه رجل من قومه ) لم أقف على اسمه. ولعل الرواة أغفلوا اسمه (كدأبهم) للستر
على أصحاب المعاصى.
( فاجتووا المدينة ) بفتح الواو الأولى وضم الثانية، وضمير الجمع يعود على الطفيل والرجل
المذكور ومن يتصل بهما، ومعناه: كرهوا المقام بها لضجر ونوع سقم. وأصله من الجوى وهو يصيب
الجوف، وقال أبو عبيد: اجتويت البلدة كرهت المقام بها، وإن وافقتك فى بدنك واستوبلتها إذا
أحببتها وإن لم توافقك فى بدنك. وفى رواية ((فاجتوى المدينة فمرض فجزع فأخذ)» بالإفراد فى
الجميع. وهى أنسب.
( فأخذ مشاقص له ) بفتح الميم والشين وبالقاف والصاد جمع مشقص، وهو سهم
فيه نصل عريض، وقيل: سهم طويل ليس بالعريض، والأول هو الظاهر هنا، لقوله ((فقطع
بها)» ولا يحصل ذلك إلا بالعريض، ولعله جرب مشقصا ثم مشقصا ثم مشقصا، حتى قطع،
ولهذا جاء بصيغة الجمع ((مشاقص)).
٣٨١
( فقطع بها براجمه ) البراجم بفتح الباء وبالجيم: مفاصل الأصابع واحدها برجمة. قال أبو
عبيد: الرواجب والبراجم مفصل الأصابع. وقال ابن العربى: الرواجب رءوس العظام فى ظهر الكف،
والبراجم المفاصل التى تحتها.
( فشخبت يداه ) بفتح الشين والخاء. أى سال دمها، وقيل: سال بقوة.
والذى أتصوره أنه شخبت يد واحدة قطع براجمها باليد الأخرى، والتثنية بناء على أنه أمسك اليد
المقطوعة باليد السليمة القاطعة، فسال الدم منهما، واحدة بالفعل وواحدة فى الصورة، أو بناء على أن
اليدين سال دمهما وخرج عن طريق يد واحدة، وهذا احتمال بعيد، كاحتمال أن يكون قد قطع بعضا
من براجم يده، ثم أمسك المشقص بما بقى فيها من أصابع فقطع براجم الأخرى، فشخبت اليدان.
(ورآه مغطياً يديه) تثنية ((يديه)) هنا وفى قوله ((مغطياً يديك)» وقول النبى وخل («اللهم وليديه
فاغفر)» ربما أيدت التصور الأخير: وأنه قطع بعض براجم كل من اليدين، فدعوى أن قبح اليدين
وأذاهما باعتبار أن إحداهما قاطعة فأوخذت وشوهت والأخرى مقطوعة مشوهة لم تصلح.
( فقصها الطفيل ) أى قص الرؤيا.
( اللهم وليديه فاغفر) الواو عاطفة على محذوف. أى اللهم فاغفر له وليديه.
فقه الحديث
استدل به أهل السنة على أن من قتل نفسه، أو ارتكب كبيرة غيرها ومات من غير توبة فليس
بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو فى حكم المشيئة يجوز أن يعفو الله عنه، ويجوز أن يعاقبه على ذنبه.
فإن قيل: هل هذا الرجل عوقب أو لم يعاقب؟ إن كان عوقب فكيف التوفيق مع قوله ((غفرلى
بهجرتى)) وإن كان لم يعاقب فكيف بيديه.
قلنا إنه لم يعاقب على قتل نفسه، إذ عقوبة القتل نار حامية، وإنما غفرله تلك المعصية وغيرها
بهجرته، وأخذ مؤاخذة خفيفة بالأذى فى يديه.
فإن قيل: هل قبلت دعوة الرسول 8* بمغفرة يديه، أو لم تقبل؟ إن كان الأول فكيف التوفيق بينه
وبين قوله ((لن نصلح منك ما أفسدت)).
قلنا: الظاهر قبول دعوته صلى الله عليه وسلم، وأنه غفر لجميعه وعفى عنه، ومعنى ((لن نصلح
منك ما أفسدت)) أى ما لم يدع لك رسول اللَّه®، أولن نصلح منك الآن ما أفسدت.
وفى الحديث رد على المعتزلة فى قولهم بتخليد العاصى فى النار، وعلى الخوارج فى قولهم بكفر
مرتكب الكبيرة، وعلى المرجئة فى قولهم: لا يضر مع الإيمان شىء.
٣٨٢
فإن قيل: كيف يحتج برؤيا غير النبى 8 على حكم شرعى؟
قلنا: إن الاحتجاج ليس بالرؤيا، وإنما بتقرير النبى *، فقد أقرصلى الله عليه وسلم ما جاء
فيها، وبنى عليه طلبه المغفرة ليديه.
وفى الحديث منقبة عظيمة، وفضل كبير للطفيل بن عمرو فى حرصه على سلامة الرسول الا
ورغبته فى حمايته والتشرف به فى دياره، وفيه حرص الصاحب على صاحبه وشفقته عليه، وشفقة
الرسول * بأمته.
واللَّه أعلم
٣٨٣
(٧٠) باب الريح التى تكون قرب القيامة
١٩٨ - ١٨٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ (١٨٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِفَ﴿هَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنَ
الْيَمْنِ، أَلْبَنَ مِنَ الْحَرِيرِ، فَلا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ (قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ: مِثْقَالُ حَبَّةٍ. وَقَالَ عَبْدُ
الْعَزِيزِ: مِثْقَالُ ذَرَّقٌ مِنْ إِيمَانٍ إِلاَ قَبَضَتْهُ».
المعنى العام
فى الحديث عن أشراط الساعة وعلاماتها، يخوف صلى اللّه عليه وسلم منها، ويطمئن المؤمنين
الصالحين من شرورها فيقول: ستظل طائفة من أمتى متمسكين بالحق، قابضين على دينهم
كالقابض على الجمر، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتى أمر اللَّه، فيبعث الله ريحا لينة طيبة من قبل
اليمن، فتخرج أرواحهم مع نسيمها سهلة يسيرة، فيخلصون بذلك من نكد الحياة، ومن معايشة
الأشرار، إلى رضوان ربهم راضين مرضيين فيدخلون فى عباده، ويدخلون جنته، مخلفين الدنيا إلى
شرار الخلق، وإلى حثالة الناس، يعيثون فى الأرض الفساد، يقتل بعضهم بعضا، ويركب قويهم
ضعيفهم، لا علم ولا دين يردعهم، ولا خلق ولا ضمير يحول دون سفاهتهم، يكثر فيهم الهرج، وينتشر
بينهم الفجور، وعليهم تقوم الساعة بغته فتأخذهم وهم يخصمون، أعاذنا الله من هذا البلاء، ووقانا شر
ذلك اليوم ولقانا نضرة وسرورا.
المباحث العربية
( ريحا من اليمن ) أى من جهة اليمن، ففى الكلام مضاف محذوف، وهذا بالنسبة لسكان
الجزيرة العربية، أما المسلمون الذين هم شرق اليمن وجنوبه فيحتمل أن تأتيهم الريح من الجنوب
الشرقى، ويحتمل أن تأتيهم من اليمن، فتكون اليمن مصدر نشر الرياح اللينة إلى جميع الاتجاهات،
والظاهر: أن المقصود الريح اللينة بقطع النظر عن مصدرها، وذكر جهة اليمن فى الحديث لما عهد
عند العرب من لين ريحها.
( إلا قبضه) أى إلا قبضه الله بواسطة ملك الموت بسببها، فالريح لا تقبض الأرواح، وفى
الكلام مجاز عقلى.
(١٨٥) حَدِّنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَِّيُّ حَدْقَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو عَلْقَمَةَ الْقَرْوِيُّ قَالا حَذْقَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
سَلْمَانِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٣٨٤
فقه الحديث
هدف الحديث يتلخص فى نقطتين:
الأولى: قبض الصالحين برفق قبل قيام الساعة.
الثانية: أن الساعة تقوم على شرار الخلق، وفيهما وردت أحاديث كثيرة: تؤكد وتوضح المعنيين:
ففى مسلم: قال النبى # «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم
يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم
السمن)»، وفيه ((يبعث الله ريحا طيبة تتوفى كل من فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى
من لا خير فيه)) وفيه أيضاً ((فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة، فتأخذهم من تحت آباطهم،
فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر [يفحش الرجال
بالنساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير] فعليهم تقوم الساعة)) وفيه ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى
الأرض اللَّه اللَّه)) وفى رواية: ((لا تقوم الساعة على أحد يقول: اللَّه الله)) وفى البخارى ((لا يأتى عليكم
زمان إلا الذى بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) وفيه «يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة
كحفالة الشعير أو التمر (ما يتساقط من قشور الشعير والتمر) لا يبالهم اللَّه باله)» وفى بعض
الروايات («تذهبون الخير فالخير، حتى لا يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمر، ينزو بعضهم على بعض
نزو المعز، على أولئك تقوم الساعة)) وفى البخارى ((من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء))
ومن مجموع هذه الأحاديث نفهم أن الصالحين سيقبضون شيئاً فشيئاً، وأنهم سيتناقصون تدريجيا،
حتى يكونوا فى آخر الزمان قلة تموت عند هذه الريح اللينة الطيبة.
وظاهر هذه الأحاديث يتعارض مع ما جاء فى الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم ((لاتزال
طائفة من أمتى على الحق حتى تقوم الساعة)). وفى رفع هذا التناقض قال النووى: هذه الأحاديث
على ظاهرها، وأما الحديث الآخر ((لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة))
فليس مخالفا لهذه الأحاديث، لأن معنى هذا أنهم لا يزالون على الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة
قرب القيامة وعند تظاهر أشراطها، فأطلق فى هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة، على أشراطها
ودنوها المتناهى فى القرب. اهـ
ورفع ابن بطال هذا التناقض بتقييد هذه الأحاديث السابقة وتخصيص عمومها، فقال إنها وإن
كان لفظها لفظ العموم المراد بها الخصوص، ومعناها أن الساعة تقوم أيضا فى الأكثر والأغلب على
شرار الناس، بدليل قوله: «لاتزال طائفة من أمتى على الحق حتى تقوم الساعة» فدل هذا الخبر على
أن الساعة تقوم أيضا على قوم فضلاء. اهـ
والتحقيق: أن توجيه الإمام النووى أصح وأولى بالقبول، لأن ألفاظ العموم وصيغ القصر فى تلك
الأحاديث تبعد تقييدها بما قيد به ابن بطال. والله أعلم.
٣٨٥
كما جمع النووى بين قوله صلى الله عليه وسلم: «ريحا من اليمن)» وبين حديث آخر رواه مسلم
((ريحا من قبل الشام)) بوجهين: أحدهما يحتمل أنهما ريحان: شامية ويمانية، ويحتمل أن مبدأها
من أحد الإقليمين ثم تصل الآخر، وتنتشر عنده.
ويؤخذ من الحديث
١- أن موت الصالحين من أشراط الساعة.
٢- فيه إشارة إلى رفق اللَّه بهم، وإكرامه لهم عند موتهم.
٣- انقراض أهل الخير فى آخر الزمان حتى لا يبقى إلا أهل الشر.
٤- فيه تأييد للمذهب الصحيح القائل: إن الإيمان يزيد وينقص.
٥- فيه من أعلام النبوة الإخبار بالغيب وبما سيأتى عند قيام الساعة.
والله أعلم
٣٨٦
(٧١) باب الحث على المبادرة بالأعمال
١٩٩- ١١٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٨٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتْنًا كَقِطَعِ
اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا. أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا. ◌َبِعُ دِينَهُ
بِعَرَضٍ مِنّ الدُّنْيَا ».
المعنى العام
يلهب رسول الله ﴿ عزائم المؤمنين إلى العمل الصالح، ويحذرهم من التراخى مع التمكن،
ويخوفهم من تأخير طاعات اليوم إلى الغد، فلا يدرى المسلم ما يأتى به غده، فما أكثر الأمراض بعد
الصحة، وما أكثر الفقر بعد الغنى، وما أسرع الشيب بعد الشباب، وما أكثر مشاغل الدنيا بعد الفراغ،
ويخوف رسول اللّه ◌َ بما هو أدهى من كل ذلك، بمستقبل للمسلمين مظلم ظلام الليل، لا يميزون فيه
الخطأ من الصواب، ولا يحققون فيه الأمور، بل ينجرفون وراء تيارات الفتن، وينزلقون وراء الهوى،
وينقادون لأهواء الحياة وزينتها، فيبيعون دينهم بعرض حقير، ويخسرون آخرتهم بدنياهم. يخوف
رسول اللّه# من هذا المستقبل الغامض، الذى تتطاير فيه الفتن تطاير النار والشرر، فتحرق من
تحرق، وتزعج من تزعج، هنالك يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسى مؤمنا فتحرقه الفتنة
فيصبح کافرا.
فليحذر المؤمن، وليبادر الكيس بالعمل الصالح، وليسابق الزمن بفعل الحسنات قبل أن يفوت
الأوان، فيقول: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] أو
يقول: لو أن لى عمراً لأكونن من العاملين. أو يقول: لولا أخرنى ربى إلى أجل قريب فأصدق وأكون
من الصالحين. ﴿وَلَنْ يُؤْخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجْلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١].
المباحث العربية
( بادروا بالأعمال فتنا ) أى: سابقوا بالأعمال الصالحة فتنا، فاسبقوا بأعمالكم هذه الفتن،
والفتنة هى الابتلاء والاختبار، ووسائله كثيرة متعددة، يأتى توضيحها فى فقه الحديث.
( كقطع الليل المظلم ) كناية عن شدتها، وهول الخوف منها، وإبهام الأمر فيها، وضعف
الوصول إلى الحق، وسرعة الوقوع فى الباطل، ووصف الليل بالمظلم للتأكيد.
(١٨٦) حَدَِّي يَحْتِىِ بْنُ أَيُوبٍ وَقُتِبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنٍ جَعْفَرٍ قَالَّ ابْنُ أَيُّوبَ حَدَّقْنَا إِسْمَعِيلُ قَالَ أَخْبَرَبِي الْعَلاءُ
عَنْ أَبِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٣٨٧
( يصبح الرجل مؤمناً ويمسى كافراً، أو يمسى مؤمنا ويصبح كافرا ) شك
من الراوى فى أى اللفظين صدر عن الرسول *، وكل من اللفظين يدل على تحول من حالة
الإيمان إلى حالة الكفر فيما بين الليل والنهار، وليس الليل والنهار مقصودين، بل هما كناية
عن سرعة التحول، إذ يمكن أن يكون بين الصبح والظهر، أو بين الظهر والعصر مثلا، وذكر
الرجل ليس للاحتراز فالمرأة كذلك.
( يبيع دينه بعرض من الدنيا ) جملة تعليلية لتحوله إلى الكفر.
فقه الحديث
قال النووى: معنى الحديث الحث على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها
بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر، ووصف صلى
الله عليه وسلم نوعا من شدائد تلك الفتن، وهو أنه يمسى مؤمنا ثم يصبح كافراً، أو عكسه، وهذا أعظم
الفتن، ينقلب الإنسان فى اليوم الواحد هذا الانقلاب. اهـ
فالحديث من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم: ((اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك،
وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك)).
وللفتن وسائل كثيرة، منها المال والبنون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلائُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
[التغابن: ١٥] والصحة فتنة، وكل خير فتئة، بل وكل شر فتنة، وفى ذلك يقول تعالى: ﴿ وَتَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ
وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
ومن هنا يتبين أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن حال المؤمن خير كله، إن أصابه خير فشكر كان
خيراً له، وإن أصابه شرفصبر كان خيراً له، وعلى المؤمن ألا يزهد فى قليل من الخير أن يفعله، ولا
فى قليل من الشرأن يجتنبه.
ويؤخذ من الحديث
١- أن على المؤمن أن يبادر بفعل الطاعات والاجتناب عن المعاصى ولا يمهل، ولا يؤخر عمل اليوم
إلى غد، ولا عمل الساعة إلى ما بعدها فإنه لا يدرى متى يموت؟ فإن الساعة تقوم وقد نشر
الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن
لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع
أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها. كذا ورد فى الحديث.
وليس المقصود من المبادرة بالأعمال الإجهاد والمبالغة والتشدد فى الدين، فإن المنبَتَّ لا أرضا
قطع ولا ظهراً أبقى، وإنما المقصود التعجيل بفعل الطاعة الميسورة، فإن خير العمل أدومه وإن
قل، ففى الحديث ((سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيئا من الدلجة)) (أى العمل ليلا).
٣٨٨
٢- التحذير من الفتن والابتلاء عموما، ومن مقاتلة المسلم للمسلم خصوصا، فقد شاعت الفتنة فى
الفتنة الكبرى التى وقعت بين المسلمين.
٣- عدم الاغترار بما قدم من صالحات، والحث على مداومة الخوف من الله، فإنما الأعمال
بالخواتيم، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع - أوباع- فيسبق
عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما
يكون بينه وبينها غير ذراع - أو باع- فيسبق عليه الكتاب. فيعمل بعمل أهل النار. فيدخلها.
٤- التمسك بالدين والحرص عليه والاحتياط عند التمتع بعرض الدنيا.
والله أعلم
٣٨٩
(٧٢) باب خوف المؤمن أن يحبط عمله
٢٠٠- ١٨٧- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٨٧) أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [الحجرات: ٢]. جَلّسَ ثَابِتُ بْنُ
قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَاخْتَبَسَ عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴿َ. فَسَأَلَ النَّبِيُّل:﴿ْ سَعْدَ بْنَ مُعَادٍ
فَقَالَ «يَا أَبَا عَمْرٍو، مّا شَأْهُ ثَابِتٍ؟ أشْتَكَى؟» قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي. وَمَا عَلِّمْتُ لَهُ بِشَكْوَى.
قَالَ فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي
مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْمًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلّبِيِّ ◌َ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ه«بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
٢٠١ - ١٨٨ عَنْ أَنَسٍ ﴾(١٨٨) قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيِّ﴾
[الحجرات: ٢] وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي الْحَدِيثِ.
٢٠٢ - ٠ْ عَنْ أَنَسِ ﴾(١٠١) قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. وَلَمْ يَذْكُرْ
سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. وَزَادَ: فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
المعنى العام
كان ثابت بن قيس خطيب الأنصار، وكان جهورى الصوت، فلما جاء أعراب بنى تميم إلى النبى
*- وكان نائماً - نادوه بصوت مرتفع من وراء حجرات أمهات المؤمنين: يا محمد، اخرج إلينا،
ونادى، أحدهم: يامحمد، إن مدحى زين وإن ذمى شين، فخرج صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((ذاك
الله)) أى هو الذى مدحه زين وذمه شين. فلما خرج صلى الله عليه وسلم إليهم قام خطيبهم يفاخر
ببنى تميم فقام ثابت بن قيس يرد عليهم، ويفاخر بصوته الجهورى فى حضور النبى * فلما نزل
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ
بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: ٢] خشى ثابت بن قيس أن يشمله
هذا الوعيد، فدخل بيته، وأغلق عليه بابه، وأخذ يبكى وهو يقول: أنا من أهل النار. وغاب ثابت عن
(١٨٧) حَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةٌ عَنْ ثَابِتِ الْغَائِيِّ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ
(١٨٨) وحَدَّثَّا قَطّنُ بَنُ نُسَيْرِ حَدََّا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدََّا قَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَّ كَانَ قَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبٌ
الأَنْصَارِ فَلَمَّا نَزَّلَتْ مَّذِهِ الآيَةُ بِنَخْوِ حَدِيثٍ حَمَّادٍ وَلَّيْسَّ فِي حَدِيثِ ذِكْرَ سَعْدٍ بْنِ مُعَادٍ
وحَدَّفِيَّهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ صَّخْرِ الدَّارِمِيُّ حَدْلَنَا حَبَّاتُ حَدْفَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُهِرَّةِ عَنْ قَابِتٍ عِنْ أَنْسِ
(٠٠٠) وحَدَّا هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الأَسْدِيُّ حَدْنَا الْمُغْتَيِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرٌ عَنْ قَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ
٣٩٠
مجلس رسول اللّه# على غير عادة، وتفقده رسول اللَّه ◌َ﴿ فى مجلسه فلم يجده، فسأل عنه سيد
النصار. فقال: يا أبا عمرو، ما بال ثابت بن قيس؟ وما شأنه؟ وما أحواله؟ أخشى أن يكون به سوء أو
شكاية، فقال سعد: أنا جاره، ولم أحس منه بشكوى، ولكن آتيك بخبره وما عنده، وذهب إليه سعد
وعاصم بن عدى، فواجده منكسا رأسه يبكى - وقد حبس نفسه عن الخروج ومتع الحياة - فقيل له:
ما يبكيك؟ إن رسول اللَّه ◌َ سأل عنك، وقال كيت وكيت. قال: شر أصابنى. أنزلت هذه الآية، ولقد
علمتم أنى من أرفعكم صوتاً على رسول اللَّه *، فأنا من أهل النار، وعاد إلى البكاء. فرجع سعد إلى
النبى#، فذكر له ما قال ثابت، فقال النبى {: إنه من أهل الجنة. اذهب إليه فقل له: إنك لست
من أهل النار ولكنك من أهل الجنة، فرجع إليه بهذه البشارة العظيمة، فجاء ثابت إلى النبى آ
فقال: يا رسول اللَّه، إنى أخشى أن أكون قد هلكت. فقال: وما ذاك؟ قال: نهانا اللَّه أن نرفع أصواتنا
فوق صوتك. وأنا جهير، فقال له عليه الصلاة والسلام: أما ترضى أن تعيش سعيدا، وتقتل شهيدا
وتدخل الجنة، فكان الصحابة رضى الله عنهم يؤمنون بأن هذه البشارة حق، وكانوا إذا رأوا ثابت بن
قيس يمشى بينهم أحسوا واعتقدوا أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة وحاصر المسلمون
مسيلمة الكذاب وأتباعه فى عهد أبى بكر، لبس ثابت ثوبين أبيضين كفن نفسه فيهما، ثم حنط
جسمه بالطيب الذى يطيب به الميت، ثم ذهب إلى صفوف المسلمين، فرأى منهم انكشافاً وتقهقراً
فنادى بأعلى صوته: أيها المسلمون، ما هكذا كنا نفعل مع رسول اللَّه﴿، بل كان الصف لا ينحرف
عن موضعه حتى يقتل أو يقتل، ثم قال: اللهم إنى أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذر إليك
عما فعله المسلمون، فتجمع المسلمون وقاتلوا وانتصروا، وكان ثابت بن قيس من خيرة المقاتلين فى
هذه المعركة، كما كان من شهدائها الأبرار، فتحقق بذلك وعد الله له على لسان نبيه عليه
الصلاة والسلام.
المباحث العربية
(﴿ لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾) أى إذا نطق ونطقتم فعليكم أن تبلغوا
بأصواتكم وراء الحد الذى يبلغه صوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليا لكلامكم.
(﴿ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ ) أى إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم
ورفع الصوت بعدم مراعاة مقام النبوة وجلالة قدرها.
(﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ ) أى لا ترفعوا ولاتجهروا خشية أن تحبط أعمالكم، وإحباط العمل
الحرمان من الثواب، قال أبو بكربن العربى: الإحباط إحباطان:
أحدهما: إبطال الشىء للشىء، وإذهابه كلية، كإحباط الإيمان للكفر، وإحباط الكفر للإيمان.
وثانيهما: إحباط الموازنة بزيادة السيئات على الحسنات، إذ يوقف الانتفاع بالحسنات حتى
٣٩١
يستوفى جزاء السيئات، ثم تعود منفعة الحسنات، فهذا التوقف إبطال جزئى للحسنات، وهو المراد
من الآية، وإطلاق اسم الإحباط عليه مجاز.
( جلس ثابت بن قيس فى بيته ) أى حبس نفسه فى بيته كئيباً حزينا خائفا.
( وقال: أنا من أهل النار) قال ذلك لنفسه، أو قاله لمن اتصل به وسأله.
(واحتبس عن النبى #) أى منع نفسه من لقاء النبى و معه على خلاف عادته.
( أشتكى ) بهمزة الاستفهام وحذف همزة الوصل، لأن همزة الاستفهام إذا دخلت على همزة
الوصل المفتوحة قلبت همزة الوصل مَدَّة كقوله تعالى: ﴿أَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ [النمل: ٥٩] وإذا دخلت على
المسكورة حذفت همزة الوصل كقوله تعالى: ﴿ أُسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥].
( وما علمت له بشكوى ) الباء زائدة داخلة على المفعول.
( فكنا نراه يمشى بين أظهرنا رجل من أهل الجنة) هو فى بعض الأصول ((رجلا)) وفى
بعضها ((رجل)» وهو الأكثر، وكلاهما صحيح الأول على البدل من الهاء فى ((نراه)) والثانى على
الاستئناف، خبر مبتدأ محذوف. أى هو رجل من أهل الجنة.
فقه الحديث
أشكل على هذا الحديث أن الآية المذكورة نزلت فى زمن الوفود بسبب الأقرع بن حابس سنة
تسع (فقد روى البخارى عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخَيِّران أن يَهلَكا: أبوبكر وعمر - رضى اللَّه
عنهما - رفعا أصواتهما عند النبى { حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن
حابس قال أبوبكر: ((يا رسول الله، استعمله على قومه)) وأشار الآخر برجل آخر، قال عمر:
((لا تستعمله يا رسول اللَّه واستعمل القعقاع بن معبد)) فقال أبوبكر لعمر: ما أردت إلا خلافى، قال:
ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما فى ذلك، فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾
الآية فما كان عمر يسمع رسول اللَّه ﴿ بعد هذه الآية حتى يستفهمه) من هذا يتبين أن الآية نزلت
سنة تسع، كما يقول المحققون، وسعد بن معاذ مات قبل ذلك فى بنى قريظة، وذلك سنة خمس.
قال الحافظ ابن حجر لرفع هذا الإشكال: ويمكن الجمع بأن الذى نزل فى قصة ثابت مجرد رفع
الصوت، والذى نزل فى قصة الأقرع أول السورة ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾. اهـ
والحق أن هذا الجمع بعيد، لأن رواية البخارى السابقة صريحة فى أن الذى نزل فى قصة الأقرع
﴿ لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾.
ويمكن أن يقال: إن ذكر سعد بن معاذ وهم من الراوى، وصحتها سعد بن عبادة، اعتماداً على
رواية ابن المنذر فى تفسيره عن قتادة عن أنس فى هذه القصة وفيها «فقال سعد بن عبادة: يا رسول
٣٩٢
الله هو جارى)) الحديث، قال الحافظ ابن حجر: وهذا أشبه بالصواب، لأن سعد بن عبادة من قبيلة
ثابت بن قيس، فهو أشبه أن يكون جاره من سعد بن معاذ لأنه من قبيلة أخرى. اهـ
كما يمكن فى الجمع أن يقال بتكرر النزول - كما ذهب إليه بعض العلماء- فتكون الآية قد نزلت
قبل موت سعد بن معاذ مرة، ثم نزلت (ولو بمعنى أن جبريل ذكربها) مرة أخرى عند خلاف أبى بكر
وعمر، والله أعلم.
أما الجمع بين ما ذكرهنا من أن المرسل إلى ثابت هو سعد بن معاذ وبين مارواه الطبرى وابن
مردويه عن ثابت بن قيس قال: لما نزلت هذه الآية قعد ثابت يبكى، فمربه عاصم بن عدى فقال:
مايبكيك؟ قال: أتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فىّ، فقال له رسول اللّه *: أما ترضى أن
تعيش حميداً؟.
إذا طرحنا جانبا نزول الآية فى وفد بني تميم أمكننا الجمع بأن الرسول { ## سأل سعد بن معاذ،
قال: هو جارى، وقال سعد بن عبادة: هو جارى، وذهبا إليه، كما ذهب إليه أيضا عاصم ابن عدى.
وجاءوا إلى رسول اللَّه ﴿ بخبره.
ويؤخذ من الحديث
١- ما كان عليه الصحابة من شدة الخوف من الله والخوف من إحباط العمل، ولا يلزم من الخوف
من ذلك وقوعه.
٢- وفيه منقبة عظيمة لثابت بن قيس له وهى أن النبى وَلّ أخبر أنه من أهل الجنة.
٣- وأنه ينبغى للعالم وكبير القوم أن يتفقد أصحابه ويسأل عمن غاب منهم.
٤- إيمان الصحابة بما يخبر به النبى 8 من الأمور الغيبية لقول الراوى «فكنا نراه يمشى بين
أظهرنا رجل من أهل الجنة)).
۔۔
٣٩٣
(٧٣) باب هل يؤاخذ بما عمل فى الجاهلية ؟
٢٠٣ - ١١٩ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ(١٨٩) قَالَ: قَالَ أَنَاسٌ لِرَسُولِ اللَّهِر ◌َ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْوَاخَدُ
بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ « أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الإِسْلامِ فَلا يُؤَاخِذُ بِهَا. وَمَنْ أَسَاءً
أَخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِيّةِ وَالإِسْلامِ».
٢٠٤ - ١٩٠ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(١٩١) قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْوَاخَذُ بِمَّا عَمِلْنَا فِي
الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ « مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلامِ لَمْ يُؤَاخِذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءٌ فِي
الإِسْلامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرٍ ».
١٩١ مِثْلَةُ (١٩١)
المعنى العام
يروى عبد اللّه بن مسعود أن جماعة ممن أسلموا حديثا خافوا من سيئات ارتكبوها فى
الجاهلية قبل إسلامهم، سمعوا بوعيد العصاة وعقوبة الكبائر، فقالوا: يا رسول اللَّه. لقد قتلنا وزنينا
وفعلنا بعض المعاصى قبل إسلامنا، فهل سيؤاخذنا الله ويعاقبنا عليها؟.
وعلم صلى الله عليه وسلم أن من السائلين من دخل الإسلام ظاهراً وهو يبطن الكفر، فلم يحسن
إسلامه، ومنهم من أسلم وآمن وأخلص للَّه فأشار فى جوابه إلى الفريقين، فقال: من أسلم وجهه
للدين حنيفاً وآمن إيماناً صادقاً جب الإسلام ماقبله من المعاصى، وغفر الله له ما قد سلف فلا
يعاقب على ما قدم من ذنوب.
وأما من أساء فى إسلامه، وتظاهر بالإيمان ولم يدخل الإيمان قلبه فإنه منافق، مستمر على كفره،
مستصحب لمعاصيه، معاقب بما فعل فى الجاهلية وبما فعل حال تظاهره بالإسلام، معاقب على ما
اجترح وهو يعلن الكفر، مؤاخذ على ما اقترف وهو يعلن - كاذبا - الإسلام، محاسب على العمل الأول
والعمل الآخر، لأنه لم يفصل بينهما بإسلام حقيقى يجب ما قبله، ولم يهدم أولهما بالإخلاص فى
ثانيهما، فهما سواء، واللَّه جل شأنه يعلم ما فى القلوب، وهو ﴿ غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَابِلِ الثَّوْبِ شَدِيدٍ
الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَّهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣].
(١٨٩) حَدَّنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شََّةٌ حَدََّا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
(١٩٠) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَثْرٍ خَدََّا أَبِي وَوْكِيعٌ حَ وَحَدَّقَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَاللّفْظُ لَّهُ حَدَّقْنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ
عَنْ أَبِي وَائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
(١٩١) حَذََّا مِنْجَّبُ بْنُ الْحَارِثِ التَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
٣٩٤
المباحث العربية
( قال أناس ) الأناس الناس، والواحد إنسى.
وفى الرواية الثانية: ((قلنا)) مما يشعر بأن عبد الله بن مسعود كان من بين السائلين.
( من أحسن منكم فى الإسلام ) أى دخل فيه محسناً مخلصاً صادقاً، يقال شرعا: حسن
إسلامه إذا دخل فيه حقيقة بإخلاص، وساء إسلامه أولم يحسن إسلامه إذا لم يكن كذلك.
فقه الحديث
قال النووى: الصحيح فى معنى الحديث ما قاله جماعة من المحققين أن المراد
بالإحسان هنا الدخول فى الإسلام بالظاهر والباطن جميعا، وأن يكون مسلما حقيقيا، فهذا
يغفرله ما سلف فى الكفر بنص القرآن العزيز قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفّرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ
لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] والحديث الصحيح (الإسلام يهدم ما قبله) وبإجماع
المسلمين. والمراد بالإساءة هدم الدخول فى الإسلام بقلبه، بأن يكون منقاداً فى الظاهر،
مظهراً للشهادتين غير معتقد للإسلام بقلبه، فهذا منافق باق على كفره، بإجماع المسلمين،
فيؤاخذ بما عمل قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عمل بعد إظهارها، لأنه مستمر على
کفره.اهـ
وقال بعضهم: إن معنى ((أحسن فى إسلامه)) أى استمر عليه، ومعنى ((أساء فى إسلامه أى كفر
وارتد عن الإسلام، فالمرتد يؤاخذ بما عمل فى كفره الأول، كما يؤاخذ على ما عمل بعد الردة.
وقد اعترض على هذا القول بأن الإسلام الصحيح الأول قد جب ما قبله فلا يؤاخذ بما عمل قبل
ذلك، وأجيب بأن الردة أحبطت أعماله الصالحة، ومن جملتها الإسلام السابق، وإذا بطل الإسلام
بطل أثره فيؤاخذ بما عمل فى كفره الأول، إذ لا معنى للانتفاع بإسلام باطل. اهـ
والأحسن تفسير النووى، لأن الأصل عند الأشعرية أن الرجوع إلى الذنب بعد التوبة منه لا يبطل
التوبة الأولى. ولا يلزم من أن الردة تبطل الإسلام وتحبط الأعمال الصالحة التى وقعت فيه. أن تبطل
جب الإسلام لما قبله، لأن الإسلام إذا صدق جب ما قبله وغفره، وما غفره اللّه لا يرجع فيه
ولا يؤاخذ عليه.
هذا وللحديث صلة بالحديثين الآتيين فليراجعا.
والله أعلم
٣٩٥
(٧٤) باب الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الحج والعمرة
(وفاة عمرو بن العاص)
٢٠٥- ١٩٢ عَنِ ابْنِ شُمَّاسَةَ الْمَهْرِيّ(١٩٢)، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَّةِ
الْمَوْتٍ. فَبَكَى طَوِيلا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ. فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَّاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ
اللَّهِوَّ بِكَذَا؟ أَمَا بَشْرَكَ رَسُولُ اللَّهِل ◌ِ﴿ بِكَذَا؟ قَالَ فَأَقْلَ بِوَجْهِهٍ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ
شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقِ ثَلاثٍ. لَقَدْ رَأَيُنِي وَمّا
أَحَدٌ أَشَدُ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ مِّي. وَلا أَحَبَّ إِلَيَّ أَن أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ. فَلَوْ
مُتَّ عَلَى ◌ِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيِّ ◌َّ
فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ. فَبَسَطَ يَمِينَهُ. قَالَ فَقَبَضْتُ يَدِي. قَالَ « مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟»
قَالَ قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ » قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ «أَمَا عَلِمْتَ
أَنْ الإِسْلامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجِّ يَهْدِمُ مَا كَان
قَبْلَهُ؟» وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ وَلا أَجَلْ فِي عَيْنِي مِنْهُ. وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ
أَمْلاً عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلالا لَهُ. وَلَّوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَةُ مَّا أَطَقْتُ. لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ. وَلَوْ
مُتُّ عَلَى لِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. ثُمَّ وَلِنَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا.
فَإِذَا أَنَا مُتُّ، فَلا تَصْحَيْنِي نَائِحَةٌ وَلا نَارٌ. فَإِذَا دَقْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ الخُّرَابَ شَئًّا ثُمَّ أَقِيمُوا
حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ. وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا. حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ. وَأَنْظُرَ مَاذَا أَرَاجِعُ بِهِ
رُسُلَ رَبِّي.
المعنى العام
كان عمرو بن العاص داهية العرب رأياً وعقلا ولساناً، وكان عمر بن الخطاب إذا كلم رجلا فلم
يفهم كلامه قال: سبحان من خلقك وخلق عمرو بن العاص. أسلم سنة ثمان قبل فتح مكة، أمره
رسول اللَّه* على سرية نحو الشام، ثم أرسل له مدداً من مائتى فارس فيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة،
فكان أمير هذه الحملة التى سميت بغزوة ذات السلاسل.
ولى مصر عشر سنين وثلاثة أشهر، أربعة من قبل عمر، وأربعة من قبل عثمان، وسنتين وثلاثة
(١٩٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِىِ الْعَنْزِيُّ وَأَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِمِ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثْنِى حَدَّثْنَا
الضَّحَّاكُ يَعْنِي أَبَا عَاصِمٍ قَالَ أَخْبَرَا حَيْوَةٌ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَّ حَدَّتِي يَزِيدُ بْنٌ أَبِي حَبِيبٍ غَنِ ابْنٍ شُمَّاسَةَ الْمَهْرِيّ
٣٩٦
أشهر من قبل معاوية، واشترك مع معاوية فى حرب على، وهو صاحب فكرة رفع المصاحف فى
موقعة صفين وموقفه مشهور فى التحكيم.
فى سنة ثلاث وأربعين من الهجرة، وهو ابن تسعين سنة، حضرته الوفاة، فأحصى ماله، فوجده:
من الذهب (٣٢٥٠٠٠) ثلاثمائة وخمسة وعشرين ألف دينار، ومن الفضة (٢٠٠٠٠٠٠) ألفى ألف
درهم، (أى مليونى درهم) وضيعة كبيرة قيمتها (١٠٠٠٠٠٠٠) عشره آلاف ألف درهم (أى عشرة
ملايين درهم) فنظر إلى هذا المال الوفير ثم قال: ليتك بعراً، وليتنى مت فى غزوة ذات السلاسل، لقد
دخلت فى أمور ما أدرى ماحجتى فيها عند اللَّه تعالى، أصلحت لمعاوية دنياه، وأفسدت آخرتى،
عمى عنى رشدى حتى حضر أجلى. ودخل عليه فى هذه الحال بعض أصحابه، وبجواره ابنه، فبكى
ططويلا، وحول وجهه إلى الجدار يخفى ما به من أسى وحسرة، وما يذرف من بكاء، فجعل ابنه عبد
اللَّه يخفف عنه، ويربت بيديه على كتفيه، ويقول: لاتحزن يا أبتاه. فإنك قادم على رب غفور رحيم،
يقبل الحسنات ويعفو عن السيئات، أما بشرك رسول اللَّه ◌َ ل بأنك من الصالحين؟ أما قال فيك
رسول اللّه : ((أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص)) وقال فيك: ((عمرو بن العاص من صالحى
قريش»؟ فكفكف عمرو دموعه عن عينيه، وأقبل بوجهه على زائريه، ثم قال: لست أعد للقاء ربى من
أعمال صالحات أفضل من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللّه.
وقد مررت فى حياتى بثلاث مراحل، مرحلة كلها شر، ومرحلة كلها خير، ومرحلة خليطة لا أدرى
غلبة خيرها لشرها أو شرها لخيرها.
أما المرحلة الأولى: فقد كانت أيام كفرى، وكنت أشد الناس بغضاً لرسول اللّه﴿، وكنت أتمنى
حينذاك أن أتمكن من قتله فأقتله، فلوكنت مت على هذه الحال لكنت من أهل النار.
وأما المرحلة الثانية: فمرحلة إسلامى الصادق؛ وعملى الصالح وصحبتى لرسول اللّه لل* وقد
ابتدأت يوم أن ألقى الله الإيمان فى قلبى، فذهبت إلى رسول اللّه# منشرحاً مسروراً فقلت: يا
رسول الله ابسط يدك أتلقاها بيدى لأبايعك على الإسلام، فلما مد يده صلى الله عليه وسلم قبضت
يدى، خوفا أن أبايع بشىء لا أستطيعه، فقال صلى الله عليه وسلم: ما لك يا عمرو؟ ولماذا قبضت
يدك؟ قال: فقلت: إنى أردت أن أشترط قبل البيعة. قال: ما هو الشرط الذى تريده؟ قلت: أن يغفر
لى ما قدمت من ذنوب قبل الإسلام. قال صلى الله عليه وسلم: اعلم يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان
قبله من المعاصى، وأن الهجرة من المصر فراراً بالدين تهدم ما قبلها من المعاصى، وأن الحج المبرور
يهدم ما قبله من المعاصى، قال: فبايعت وأسلمت، وأصبح رسول اللّه # أحب الناس إلى قلبى،
وأجلهم وأعظم فى عينى، وأصبحت لا أستطيع أن أرفع عينى فيه إجلالاً له وتقديساً، بل لوسئلت أن
أصفه ما استطعت، لأنى لم أكن أملأ عينى منه، رهبة منه واحتراماً له وإعظاماً، ولو أننى مت على
هذه الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة.
وأما المرحلة الثالثة: فكانت مرحلة انشغالى بالحياة الدنيا، وبسياسة الحكم بعد النبى والا.
توليت فيها أشياء، وعملت فيها أعمالا، لا أدرى ما حالى فيها؟ ولا بماذا أجيب ربى عليها حين
٣٩٧
يسألنى؟ إننى أطمع فى عفو اللَّه، وسندى الوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ثم
أوصيكم - إذا أنا مت- أن تمنعوا النائحة من مصاحبتى، امتثالا لنهى رسول اللّه * عن ذلك، ولا
تصحب جنازتى نار - كما كانت عادة أهل الجاهلية - رجاء ألا أكون من أهل النار، فإذا دفنتمونى
فصبوا شيئاً من التراب علىَّ صبا، فليس جنبى الأيمن أحق بالتراب من جنبى الأيسر، ثم انتظروا
حول قبرى دقائق ولحظات، قدر ما ينحر بعير ويقسم لحمه، لأستأنس بكم، وأستجمع نفسى لما
أجيب الملکین السائلين، رسولی ربی إلی قبری.
ثم خرج أصحابه الذين جاءوا لعيادته، وبقى هو وابنه، فقال لابنه: ائتنى بجامعة (أى برباط من
قماش) فشد بها يدى إلى عنقى، ففعل، ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال: اللهم إنك أمرتنى فعصيت،
ونهيتنى فتجاوزت، وأن محمداً عبدك ورسولك، ثم وضع إصبعه فى فمه كالمفكر المتندم حتى مات،
رحمه الله وغفر له، وزاد فى إحسانه، وتجاوز عن سيئاته، فإنه من صحابة رسول اللّه ال).
المباحث العربية
(وهو فى سياقة الموت ) بكسر السين، أى حال حضور الموت، وفى القاموس: ساق
المریض شرع فی نزع الروح.
(أما بشرك) ((أما)) بتخفيف فتحة الميم، قيل: هى اسم بمعنى حقا، وقيل: كلمتان، الهمزة
للاستفهام، و((ما)» اسم فى موضع النصب على الظرفية بمعنى حقا، كذا فى المغنى.
فالمعنى: حقاً بشرك رسول اللَّه : ، أو أحقا بشرك رسول اللَّه: ﴿؟ والاستفهام للتقرير.
( فأقبل بوجهه ) أى أقبل على ابنه وعلى الحاضرين بوجهه بعد أن كان موليا نحو الحائط.
( إن أفضل ما نعد ) بضم النون وكسر العين، أى أفضل عمل ندخره للقاء الله.
( كنت على أطباق ثلاث ) أى على حالات ثلاث، وأنث ثلاثا على إرادة معنى الأطباق.
(وما أحد أشد بغضا) ((ما)) نافية تعمل عمل ((ليس)) و)) أحد)) اسمها و((أشد)) منصوب
خبرها، و((بغضا)) تمييز، والجملة فى محل النصب على الحال، والرؤية بصرية، والمعنى: لقد رأيت
نفسى فى هذه الحالة.
( فلأبايعنك ) اللام إما لام الطلب، والفعل مجزوم، وإما لام التعليل والفعل منصوب، فإن
كانت للطلب فإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها، وإن كانت للتعليل فهى مكسورة. ولكن
وقوع الفاء قبلها يقوى كونها للطلب.
( تشترط بماذا ) قال النووى: هكذا ضبطناه، بإثبات الباء، فيجوز أن تكون زائدة داخلة على
٣٩٨
المفعول به للتأكيد، ويجوز أن تكون غير زائدة مع تضمين ((تشترط)) معنى فعل يتعدى بالباء نحو
تحتاط، أى تحتاط بماذا؟.
( الإسلام يهدم ما كان قبله ) الهدم فى الأصل إسقاط البناء وإزالته فالهدم هنا استعارة
لعدم المؤاخذة، والمعنى: الإسلام يسقط المؤاخذة على ما كان قبله من ذنوب.
( وما كنت أطيق أن أملأ عينى) ((أطيق)) بضم الهمزة من أطاق و))عينى)) بتشديد الياء
على التثنية.
( ثم ولينا أشياء ) بفتح الواو، وكسر اللام مع تخفيفها، من ولى الأمر إذا قام به، والمراد من
الأشياء ولايته المتقدمة وما حصل له فيها، وما سبقها من أمور السياسة والدنيا.
( فلا تصحبنى نائحة ولا نار) كانت النساء النائحات الصائحات يتبعن الجنائز، فنهى
الإسلام عن ذلك، وليس مقصود عمرو النهى عن مصاحبتهن الجنازة فحسب، بل النهى عن
النياحة عليه مطلقا. وكان أهل الجاهلية يحملون النار والمشاعل مع الجنازة.
( فشنوا على التراب شنا ) قال النووى: ضبطناه بالسين المهملة وبالشين المعجمة والشن
والسن: الصب، وقيل: السن الصب فى سهولة، والشن التفريق.
(قدر ما تنحر جزور) بفتح الجيم، وهى من الإبل وفى القاموس: الجزور البعير
حان له أن يذبح.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١ - ترجية المحتضر بذكر أحاديث الرجاء وصالح عمله، ليموت وقد غلب عليه الرجاء، وقد استحبه
وفعله كثير ممن يقتدى بهم، قال المعتمر لابنه: يابنى، حدثنى بالرخص لعلى ألقى اللّه وأنا
أحسن الظن به. وروى مثل ذلك عن ابن حنبل، ثم إن الرجاء يجلب محبة الله تعالى التى هى
غاية السعادة، ومن أحب لقاء الله أحب اللَّه لقاءه، وفى الحديث القدسى ((أنا عند حسن ظن
عبدی بی)».
٢ - أن الإسلام يهدم ما كان قبله من المعاصى، وفيه تفصيل: أما الحربى إذا أسلم لم يؤاخذ بما كان
قبل الإسلام من حق اللَّه تعالى أوحق البشر، فلا يقتص منه، ولا يضمن مالا أهلكه لمسلم قبل
إسلامه، ولو حلف فأسلم فلا حنث عليه، ولوزنى ثم أسلم سقط عنه الحد، واختلفوا فيمن أسلم
وتحت يده مال استولى عليه حال كفره، فقال مالك: يبقى له، لهذا الحديث، ولأن له شبهة الملك،
لقوله تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] وقال الشافعى: يرد ما تحت يده من مال إلى
صاحبه، لأنه كالغاصب، واتفقوا على نزع ما أسلم عليه من أسرى المسلمين، لأن الحر لا يملك.
٣٩٩
وأما الذمى فلا يسقط إسلامه ما وجب عليه من دم أو مال أو غيرهما، لأن حكم الإسلام جار عليه.
٣- أن الهجرة والحج يهدمان ما قبلهما، لكنه قيل: إنهما يهدمان الصغائر دون الكبائر، والأظهر أنهما
إن خلصاً وقبلا هدما الكبائر، وإلا لم يكن لذكرهما فائدة، فهدم الصغائر ليس مقصورا عليهما، بل
يحصل بالوضوء وبالصلاة وباجتناب الكبائر.
٤- ما كان عليه الصحابة ه من توقير الرسول {/ وإجلاله وحبه.
٥- امتثالهم للنهى عن النائحة، ووصيتهم بمنعها قبل موتهم، وقد سبق قريباً حكم النائحة وأن
النياحة حرام.
٦- النهى عن مصاحبة النار للجنازة، وحكمها الكراهة، وعلل بخوف التشاؤم من المصير إلى النار،
وقيل: لمخالفة أهل الجاهلية الذين كانوا يفعلونه تغاليا.
٧- استحباب صب التراب فى القبر، وهل ينثر التراب فوق الكفن؟ أو فوق اللحد؟ قيل وقيل، وقال
بعضهم: لا يؤخذ من الحديث أن شن التراب سنة، إذ لم يرد فيه إلا وصية عمرو هذه، وغايتها أنها
مذهب صحابی.
٨- يؤخذ من قوله ((ثم أقيموا حول قبرى قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها)» استحباب المكث عند
القبر بعد الدفن نحو ما ذکر لما ذکر.
٩- وأنه لا يقعد على القبر بخلاف ما يعمل فى بعض البلاد.
١٠- استدل به بعضهم على جواز قسمة اللحم المشترك ونحوه من الأشياء الرطبة تحريا
من غير وزن ولا كيل.
١١- ويؤخذ من قوله ((حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربى)) أن الميت يحيا فى القبر.
١٢ - ويسمع ويستأنس بمن حول القبر.
١٣- وأخذ بعضهم منه مشروعية القراءة عند القبر، لأنه إذا استأنس بهم فبالقرآن أولى.
١٤ - وفيه حجة لفتنة القبر وسؤال الملكين فيه، وهو مذهب أهل الحق، وإنما كان طلب عمرو ظه
حجة فى ذلك لأنه لا يقوله إلا عن توقيف.
والله أعلم
٤٠٠