Indexed OCR Text

Pages 341-360

يدخل الجنة نمام))، ولا يتمتع بنعيمها من ينقل الحديث بقصد الإفساد والإضرار، وهكذا أدى حذيفة
وأصحابه واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر - رضى الله عنهم - وأرضاهم أجمعين.
المباحث العربية
( أن رجلا ينم الحديث ) يقال: نم الحديث ينمه - بفتح الياء وضم النون - وينمه - بفتح
الياء وكسر النون - وأصل النميمة: الهمس والحركة. والذم: إظهار الحديث بالوشاية.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرجل. اهـ ولعل سبب عدم معرفة الحفاظ لهذا
الرجل ما كان عليه الصحابة والتابعون من الستر، وعدم تسمية أصحاب العيوب.
(فقال حذيفة بن اليمان ، الذى يطلق عليه أمين سررسول اللّه ، استعمله عمر على
المدائن، ومات بعد أن نعى عثمان إلى الكوفة بأربعين ليلة، ولم يدرك موقعة الجمل.
( كان رجل ينقل الحديث إلى الأمير) وفى الرواية الثالثة ((إن هذا يرفع إلى السلطان
أشياء)) وفى رواية البخارى ((إن رجلا يرفع الحديث إلى عثمان)) أى ابن عفان، فالمقصود من الأمير
والسلطان: الخليفة، سواء كان نقل الرجل الحديث إليه مباشرا أو بالواسطة.
( فكنا جلوساً فى المسجد ) أى فى مسجد الكوفة.
( فقال القوم ) أى قال واحد منهم ووافقوه، فنسب القول إليهم مجازاً.
(فقال حذيفة - إرادة أن يسمعه - سمعت إلخ) ((إرادة أن يسمعه)) معترضة بين الفاعل
والمفعول، وهى فى محل نصب على الحال أى: قال حذيفة مريداً أن يسمعه.
( قتات ) - بفتح القاف وتشديد التاء - من قت - بفتح القاف - يقت بضمها، وأصله من قت
الحدیث بمعنی سمعه وجمعه.
قال الحافظ ابن حجر: والقتات هو النمام، وقيل: الفرق بين القتات والنمام، أن النمام: الذى
يحضر القصة فينقلها، والقتات: الذى يتسمع من حيث لا يعلم به، ثم ينقل ما سمعه.
فقه الحديث
قال العلماء: النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم.
وقال الإمام الغزالى فى الإحياء: اعلم أن النميمة إنما تطلق فى الأكبر على من ينم قول الغير إلى
المقول فيه، كما تقول: فلان يتكلم فيك بكذا. قال: وليت النميمة مخصوصة بهذا، بل حد النميمة:
٣٤١

كشف مايكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، أو ثالث، وسواء كان الكشف بالكتابة
أو بالرمز أو بالإيماء، وسواء كان المنقول قولا أو فعلا، وسواء كان عيباً أو لا، حتى لو رأى شخصاً
يخفى ماله لنفسه فأفشى كان نميمة.
قال: وكل من حملت إليه نميمة، وقيل له: فلان يقول فيك أو يفعل فيك كذا، فعليه ستة أمور:
الأول: ألا يصدقه، لأن النمام فاسق.
الثانى: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح له فعله.
الثالث: أن يبغضه فى اللَّه تعالى، فإنه بغيض عند اللَّه تعالى، ويجب بغض من أبضغه اللّه تعالى.
الرابع: ألا يظن بأخيه الغائب السوء.
الخامس: ألا يحمله ما حكى له على التجسس والبحث عن ذلك.
السادس: ألا يرضى لنفسه مانهى النمام عنه فلا يحكى نميمته عنه فيقول: فلان حكى لى كذا فيصير
به تماماً، ويكون آتياً ما نهى عنه. اهـ
قال الإمام النووى: وكل هذا المذكور فى النميمة إذا لم يكن فيها مصلحة شرعية، فإن دعت
حاجة إليها فلا منع منها، وذلك كما إذا أخبره بأن إنساناً يريد الفتك به أو بأهله، أو بماله، أو أخبر
الإمام، أو من له ولاية بأن إنساناً يفعل كذا، ويسعى بما فيه مفسدة، ويجب على صاحب الولاية
الكشف عن ذلك وإزالته.
فكل ذلك وما أشبهه ليس بحرام، وقد يكون بعضه واجباً وبعضه مستحباً. على حسب
المواطن. اهـ
ومع أن النميمة كبيرة من الكبائر إلا أنها قد يكون المقول فيه كافراً فلا تحرم، كما أنه يجوز
التجسس فى بلاد الكفار، ونقل أخبارهم التى تفيد المسلمين.
أما أنها كبيرة فلما رواه البخارى عن ابن عباس قال: خرج النبى 18 من بعض حيطان المدينة،
فسمع صوت إنسانين يعذبان فى قبورهما فقال: ((يعذبان، ومايعذبان فى كبير، وإنه لكبير، كان
أحدهما لا يستتر من البول، وكان الآخر يمشى بالنميمة)» ولقوله تعالى فى الصفات الذميمة: ﴿هَمَّانِ
مَشَاءٍ بِغَمِيمٍ ﴾ [القلم: ١١] قال الراغب: همز الإنسان اغتيابه، والنم إظهار الحديث بالوشاية.
واختلف فى الغيبة والنميمة، هل هما متغايرتان أو متحدتان؟ قال الحافظ ابن حجر:
والراجح التغاير، وأن بينهما عموماً وخصوصاً وجهيا، وذلك لأن النميمة: نقل حال الشخص لغيره
على جهة الإفساد بغير رضاه، سواء كان بعلمه، أو بغير علمه، والغيبة: ذكره فى غيبته بما لا يرضيه،
فامتازت النميمة بقصد الإفساد، ولا يشترط ذلك فى الغيبة وامتازت الغيبة بكونها فى غيبة المقول
فيه، واشتركتا فيما عدا ذلك.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لايدخل الجنة نمام)) ففيه التأويلان المتقدمان فى نظائره.
٣٤٢

أحدهما: أن ذلك فى المستحل، ومستحل الكبيرة التى علم حرمتها من الدين بالضرورة كافر، فلا
يدخل الجنة أبدا.
ثانيهما: أنه لا يدخل الجنة ابتداء عند دخول الفائزين وأهل السلامة، ثم إنه قد يجازى، فيمنعها
عند دخولهم، ثم يدخلها بعد ذلك، وقد لا يجازى بل يعفو الله عنه.
هذا، ولا يخفى أن المذموم من نقلة الأخبار من يقصد الإفساد، أما من يقصد النصيحة ويتحرى
الصدق، ويتجنب الأذى فلا ذم، وقل من يفرق بين البابين، فطريق السلامة فى ذلك - لمن يخشى
عدم الوقوف على مايباح من ذلك مما لا يباح - الإمساك عن ذلك. ذكره فى الفتح.
والله أعلم
٣٤٣

(٦٢) باب تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية
وترويج السلعة بالحلف
١٨٠- ١٢١ عَنِ أَبِي ذَرَّ﴾(١٢١)، عَنِ النّبِيِِّ ﴿ قَالَ «فَلاَةٌ لا يُكُلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ ثَلاثَ مِرَارٍ.
قَالَ أَبُو ذُرِّ: خَابُوا وَخَسِرُوا. مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ «الْمُسْبِلُ وَالْمِنَّاهُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ
بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ».
١٨١- ١٥ْ عَنِ أَبِي ذَرِّ﴾(١١) عَنِ النّبِيِّ: ﴿ قَالَ «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:
الْمِّنَّاثُ الَّذِي لا يُعْطِي شَيْئًا إِلا مَنَّهُ. وَالْمُنَفْقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ. وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ ».
١٨٢- ٠ْ عَنِ شُعبَةً(٠٠١) قَالَ سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ
اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».
المعنى العام
من قبيل المعاملة بنقيض القصد، وجعل العقوبة من جنس العمل، يحدثنا رسول اللّه ◌ُ * عن
جزاء ثلاثة من العاصين، ويعرض وعيدهم عرضاً يثير فى نفوس المستمعين المؤمنين مشاعر الغضب
عليهم واللهفة إلى معرفة جريرتهم، فيقول صلى الله عليه وسلم: ثلاثة أصناف من المذنبين الذين
يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللَّه يغضب الله عليهم يوم القيامة، لا يباليهم باله، يعرض
عنهم ولا يكلمهم، ولا يرحمهم ولا يطهرهم من ذنوبهم، ولا يغفر لهم سيئاتهم، ويعذبهم على كبيرتهم
عذابا أليما. وينصت الصحابة ينتظرون، من هم هؤلاء الأصناف؟ لكن الرسول و * بدلاً من أن يجيب
لهفتهم يعيد العبارة مرة ثانية: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم
عذاب أليم. ويتطلع الصحابة إلى وجه الرسول {28، وهو مغضب، وكلهم آذان صاغية، وقلوب واعية فى
انتظار معرفة هؤلاء الفاسقين، وكلهم إعظام لذنبهم، وإكبار لجرمهم، ومرة ثالثة يكرر رسول اللّه ◌َ ا*
العبارة: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.
(١٧١) حَدَّا أَبُوِ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْىِ وَابْنُ بَشَّارٍ قَالُوا حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ شُعْبَةً عَنٍ عَلِيِّ بْنٍ مُدْرِكٍ عَنِ
أبي زُرْعَةً عَنِ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ عَنِ أَبِي ذَرِّ
(٠٠) وحَدْفِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاَّدٍ الْبَاهِيُّ خَذََّا يَحَى وَهُوَ الْقَطّانُ حَدََّا سُفْيَانُ حَذََّا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ عَنٍ سُلَيْمَانَ بْنٍ مُسْهِرٍ
عَنِ خَرَشَةَ بْنِ الْخُّرِّ عَنٍ أَبِي ذَرْ
(٠٠٠) وَحَدَِّيهِ بَشْرُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّْنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ عَنِ شَعْبَةً
٣٤٤

ويشتد شوق الصحابة إلى معرفتهم، ولا يستطيعون بعد ذلك صبراً، فيقول أبو ذر: خابوا خيبة
كبرى وخسروا خسراناً مبيناً، من هؤلاء يا رسول اللّه؟
ويجيبه صلى اللّه عليه وسلم: هؤلاءهم: المسبل إزاره أو ثوبه أو رداءه إعجاباً بنفسه وكبراً على
غيره، وخيلاء بين الناس، يكسر قلب الفقراء ويتعالى على من حوله من العباد فيذله اللَّه يوم القيامة،
ويهينه ويحقره جزاء وفاقا.
والمنان كثير المن، الذى لا يعطى عطية إلا ويمن بها على من أعطاه فيبطل ثواب عطيته، ولا
يعطيه ربه يوم القيامة من فضله ورحمته.
والمستهتر باسم ربه عز وجل، يحلف به ابتغاء عرض الحياة الدنيا، يشترى بعهد اللّه
ويمينه ثمناً قليلا.
﴿أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: ٧٧].
المباحث العربية
( ثلاثة ) مبتدأ، سوغ الابتداء به وهو نكرة ملاحظة الإضافة أو الوصف، أى ثلاثة أشخاص، أو
ثلاثة من الناس.
( لا يكلمهم اللَّه يوم القيامة) أى لا يكلمهم تكليم أهل الخيرات وبإظهار الرضى، بل بكلام
أهل السخط والغضب، كقوله: ﴿اخْسَكُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِي﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقوله لمانع فضل الماء:
((اليوم أمنعك فضلى كما منعت فضل ما لم تعمل يداك)) وقريب من هذا قول جمهور المفسرين: لا
يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم، وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية، وقيل: عدم تكليمه لهم كناية عن
الإعراض عنهم.
والتقيد بيوم القيامة لأنه يوم المجازاة، وبه يحصل التهديد والوعيد.
( ولا ينظر إليهم ) النظر إذا أضيف إلى المخلوق صح أن يكون كناية، لأن من اعتد بالشخص
التفت إليه، فنقول: نظرة ياسيدى، ثم كثر حتى صار عبارة عن الإحسان وإن لم يكن هناك نظر، ولما
كان النظر على الحقيقة هو تقليب الحدقة، والله منزه عن ذلك، كان إسناد النظر إليه تعالى مجازاً
عن الرحمة والإحسان، لأن من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت
متسببان عن النظر، فالمعنى: لا يرحمهم، بإطلاق السبب وإرادة المسبب.
وقيل عدم نظره تعالى كناية عن الإعراض عنهم، فيكون تأكيداً للإعراض عن طريق نفى تكليمهم.
( ولايزكيهم ) أى لا يطهرهم من ذنوبهم، فلا يغفرلهم، وقال الزجاج: لايثنى عليهم.
٣٤٥

( ولهم عذاب أليم ) مؤلم فعيل بمعنى اسم الفاعل، قال الواحدى: هو العذاب الذى يخلص إلى
قلوبهم وجعه، قال: والعذاب كل مايعبى الإنسان ويشق عليه، قال: وأصل العذاب فى كلام العرب من
العذب، وهو المنع، وسمى الماء عذباً لأنه يمنع العطش، فسمى العذاب عذاباً لأنه يمنع المعاقب من
معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره من مثل فعله.
وفائدة ذكر هذه الجملة بعد ما قبلها: التخويف بالعذاب البدنى بعد التهديد بالعذاب الروحى.
(فقرأها رسول اللَّه ثلاث مرار) ((فقرأها)) أى قرأ هذه الجملة وأعادها ثلاث مرات
تنبيها على اهتمامه، وإدخالا للرهبة فى نفوس المخاطبين ليحذرهم.
( قال أبوذر: خابوا وخسروا ) جملتان خبريتان لفظاً ومعنى، أو خبريتان لفظاً دعائيتان
معنى، والأول أقرب.
( المسبل) المفعول محذوف فى هذه الرواية، مذكور فى الرواية الثانية ((المسبل إزاره)) والإزار:
هو الثوب الذى يربط فى الوسط ويغطى نصف الجسم الأسفل، وذكر الإزار على سبيل المثال: فغيره
من القميص والثوب والجبة وغيرها لها حكمه، وإنما خصه بالذكر لأنه كان غالب لباسهم، وإسبال
الإزار: إرخاؤه وتطويله وجره، وسيأتى شرحه فى فقه الحديث.
( والمنان ) المن: تقرير النعمة على من أسديت إليه، والمنان: صيغة مبالغة، ولذا فسره فى
الرواية الثانية بأنه ((الذى لا يعطى شيئاً إلا منه)).
( والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ) السلعة والمتاع ما يتجربه، ويقال: نفقت السلعة
نفاقاً راجت، وأنفق السلعة روجها.
والحلف الكاذب هو المراد من الحلف الفاجر الوارد فى الرواية الثانية.
فقه الحديث
إسناد الحكم إلى هؤلاء الثلاثة لا يمنع من إسناده إلى غيرهم، كما سيأتى فى الحديث التالى.
وترتيب هؤلاء الثلاثة ليس على سبيل التدرج التصاعدى أو التنازلى من ناحية الإثم، فإنهم ذكروا
فى الرواية الثانية بترتيب يغاير ترتيبهم فى الرواية الأولى.
أما درجة الإثم فكما سبق تتبع الآثار والأخطار المترتبة على كل معصية. وإليك الكلام عن كل
واحد منهم:
فالمسبل إزاره المرخى له إما أن يكون إسباله لمجرد العرف والعادة، وإما أن يكون لسترعيب،
وإما أن يكون لغير قصد، وإما أن يكون بدافع الكبر والخيلاء.
٣٤٦

ولا شك أن المقصود فى الحديث هو الأخير، يدل على ذلك رواية البخارى («لاينظر اللّه يوم
القيامة إلى من جر إزاره بطراً)) وروايته ((لاينظر الله إلى من جرثوبه خيلاء)) وروايته ((من جر ثوبه
خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) فقال أبوبكر: يارسول الله. إن أحد شقي إزارى يسترخى إلا أن
أتعاهد ذلك منه، فقال النبى : ((لست ممن يصنعه خيلاء)). (وكان أبوبكر رجلا نحيفاً لا يكاد
يمسك إزاره بوسطه).
ففى هذه الأحاديث دلالة على أن التحريم لإسبال الثوب قاصر على ما إذا كان على وجه الكبر
والخيلاء، وأما الإسبال لغير خيلاء فظاهر الروايتين اللتين نحن بصدد شرحهما أنه حرام أيضاً، لكن
التقييد فيما ذكرت من الأحاديث الصحيحة دل على أن الإطلاق فى الزجر الوارد فى ذم الإسبال
محمول على المقيد، فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء.
وقد نص الشافعى على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الخيلاء، وقال: والمستحب أن يكون الإزار
إلى نصف الساق، والجائز بلا كراهة ما تحت نصف الساق إلى الكعبين، وما نزل عن الكعبين ممنوع
منع تحريم إن كان للخيلاء، وإلا فمنع تنزيه، لأن الأحاديث المطلقة الواردة فى الزجر عن الإسبال
يجب تقييدها بالإسبال للخيلاء. أهـ
والتحقيق أن جر الثوب لغير الخيلاء مكروه، قال بعضهم: لما فيه من الإسراف، وقال آخرون: لما
فيه من التشبه بالنساء (أى المحافظات على تعليم الشرع فى الصدر الأول) وقال آخرون: لتعرضه
للنجاسة. وقال آخرون: لما فيه من مظنة الخيلاء.
ونقول: إنه مكروه لمجموع هذه العلل.
ولا يخفى أن جر الثوب خيلاء ما هو إلا مظهر من مظاهر الكبر المذموم الذى سبق شرحه قبل
ثمانية أحاديث، فليراجع هناك، فإنه لا يخلومن فوائد وزيادات، والله أعلم.
وأما المن ففيه يقول اللَّه تعالى ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا
وَلا أَنّى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: ٢٦٢] ويقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالَّمَنَّ وَالأَنَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثْلُهُ
كَمَثَل صَفْوَانِ عَلَيْهِ تُرَابَّ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَىَ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاَللَّهُ لاَ يَهْدِي
الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
فالمن ولولم يتكرر مبطل للصدقة، محبط لأجر العطية، لما فيه من إيذاء المعطى له وإذلاله،
وإشعاره بفضل غيره عليه، وضعته بالنسبة لمن أعطاه، مع أن المنة كلها للَّه والمعطى هو الله، ولو شاء
لجعل المعطى آخذاً، والآخذ معطياً.
أما إذا تكرر المن، وكان شأن المعطى كلما أعطى شيئاً مَنَّ به فهو حرام، ومن الكبائر لورود
الوعيد الشديد عليه، وكون المنان أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا
يزكيهم ولهم عذاب أليم.
٣٤٧

قال القرطبى: المن غالباً يقع من البخيل والمعجب، فالبخيل تعظم فى نفسه العطية وإن كانت
حقيرة فى نفسها، والمعجب يحمله العجب على النظر لنفسه بعين العظمة وأنه منعم بماله على
المعطى وإن كان الآخذ أفضل منه فى نفس الأمر، وموجب ذلك كله الجهل ونسيان نعمة اللّه فيما
أنعم به عليه، ولو علم مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما له من الفوائد. اهـ
نعم لو تدبر المنان ما من بعطيته، إذ لولا الآخذ ما تطهر ماله، ولما دفع اللَّه عنه الضر بصدقته،
ولما حصل على الثواب الذى يحصل عليه بالعطاء.
وقد روى الطبرانى من حديث ابن عمر مرفوعاً «ما المعطى من سعة بأفضل من الآخذ
إذا كان محتاجا)).
نعم، لو تدبر المنان ما أحس بالعجب والعظمة، وأنه أفضل من الآخذ، فقد قال ابن حبان: اليد
المتصدقة أفضل من السائلة، لا الآخذة بغير سؤال، إذ محال أن تكون اليد التى أبيح لها استعمال
فعل (أى الأخذ) أن تكون باستعماله دون من فرض عليه إتيان شىء فأتى به، أو تقرب إلى ربه
متنفلا، فربما كان الآخذ لما أبيح له أفضل وأورع من الذى يعطى. اهـ
وأما المنفق سلعته بالحلف الكاذب فقد ارتكب أربع كبائر: الحلف الكاذب، والتغرير بالمسلم،
وأخذ المال بغير حق، والاستخفاف بحق اللَّه. وفيه يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكُلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُنَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُرَكِّيهِمْ
وَلَهُمْ عَذَّابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: ٧٧].
وقد أوضحت الروايات بعض صور إنفاق السلعة بالحلف الكاذب فجاء فى رواية البخارى
(«ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف باللّه لقد أعطى بها كذا وكذا فصدقه فأخذها، ولم يعط
بها)»، وفى رواية ((ورجل ساوم رجلا سلعة بعد العصر فقال: واللَّه الذى لا إله غيره لقد أعطيت بها))
وفى رواية ((فحلف له باللّه لأخذها (أى لقد أخذها) بكذا، فالبائع سلعته بالحلف الكاذب قد يحلف
أنه اشتراها بكذا، وهو على غير ذلك، وقد يحلف أنه عرض عليه ثمناً لها كذا وكذا، وهو على غير ذلك.
والمشترى المروج للسلعة المشتراة بالحلف الكاذب قد يحلف أنه اشترى مثلها بكذا وهو على
غير ذلك، وقد يحلف أنه عرض عليه مثلها بكذا وهو على غير ذلك. فكل هذه الصور داخلة فى قوله
صلى الله عليه وسلم: ((والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)) وهناك من الأحاديث ما يعم لفظه هذه
الصور وغيرها، ففى البخارى ((من حلف على يمين صبر (هى التى تلزم ويجبر عليها حالفها) يقتطع
بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان)» وفى رواية ((وهو عنه معرض)) وفى رواية ((إلا أوجب
اللَّه له النار، وحرم عليه الجنة».
فمروج سلعته بالبيع أو الشراء بغير حق مقتطع مال المسلم بغيرحق كالمغتصب والسارق، وإن
اختلفت طرق الحصول على هذا المال الحرام.
وتخصيص ((بعد العصر)» فى بعض الروايات للتغليظ والتنبيه على زيادة الجرم فهو وقت فضيلة
٣٤٨

وشرف، تعظم فيه الجريمة فتعظم عليه العقوبة، لكن هذا الوعيد ليس قاصراً على من حلف بعد
العصر، للروايات الكثيرة المطلقة الواردة فيه، كالروايتين اللتين نحن بصدد شرحهما، ولا يقال: إن
المطلق هو الذى يرد إلى المقيد لأنه كلما ثبت الوعيد على إنفاقها بالحلف الكاذب مطلقا ثبت على
إنفاقها بعد العصر بدون عكس.
وإذا كان الحلف صدقاً بغير ضرورة منهياً عنه بقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ مُرْضَةٌ
لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكثروا الحلف باللّه وإن كنتم بررة)) كان
الحلف كذباً للتغرير بالمسلم من أشد المحرمات ومستحقاً فاعله للوعيد الشديد.
ويؤخذ من الحديث
١- تحريم جر الثوب للرجال، أما النساء فقد استثنين من الوعيد حين فهمت أم سلمة أن الزجر عن
الإسبال عام، فقالت: يا رسول الله فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: يرخين شبرا. فقالت:
إذا تنكشف أقدامهن. قال فيرخينه ذراعاً، لا يزدن عليه.
٢- الوعيد على المن والإيذاء على العطية.
٣- التحذير من الحلف لترويج السلعة وتزويرها فى نظر الآخرين.
والله أعلم
٣٤٩

(٦٣) باب الشيخ الزانى، والملك الكذاب
ومانع فضل الماء، والمبايع لدنيا
١٨٣ - ٣٢ ١ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٧٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ (قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ. وَمَلِكْ
كَذَابٌ. وَقَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ».
١٨٤- ١٧٣ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٧٣) وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾.
«قَلاثٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى
فَضْلٍ مّاءٍ بِالْفَلاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ. وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ
لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرٍ ذَلِكَ. وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لا يُبَايِعُهُ إِلا لِدُنْيَا، فَإِنْ
أَعْطَّهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِثْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفٍ ».
١٨٥- ١٠ وعَنِ الأَعْمَشِ(١٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ « وَرَجُلٌ سَاوَمَ
رَجُلا بِسِلْعَةٍ».
١٨٦- ١٧٤٤ عَنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٧٤) قَالَ أَرَاهُ مَرِّفُوعًا. قَالَ « ثَلاثَةٌ لا
يُكُلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ عَلَى
مَالٍ مُسْلِمٍ فَاقْتَطَّعَةُ» وَبَاقِي حَدِيثِهِ نَحْوُ حَدِيثِ الأَعْمَشِ.
المعنى العام
وكما توعد صلى الله عليه وسلم ثلاثة أصناف من العصاة فى الحديث السابق بإعراض الله عنهم
يوم القيامة وحرمانهم من رحمته ومغفرته، يتوعد صلى الله عليه وسلم أصنافاً أخرى من العصاة
بنفس الجزاء (لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) هؤلاء هم:
١- الرجل البالغ سن الشيخوخة إذا زنى، ومثله المرأة البالغة سنه إذا زنت، معصية تفوق
معصية الزنا من الشاب، بما مرعلى العجوز من تجارب وعظات، وبما تهيأ لهم من عقل وإحصان.
(١٧٢) وحَذََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شََّةٌ حَدَثْنَا وَكِيمٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٧٣) وحَذَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّثْنَا أَبُو مَّعَاوِيَةً عَنِ الأَغْمِّشِ عِنٍ أَبِي صَالِحٍ عَنٍ أَبِيٍ هُرَيْرَةً
(١٠) وحَدَِّي زُهَيْرُ بْنُّ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ح وحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍوَ الأَشْعَنِيُّ أَخْبَرْنَا غَبْرَ كِلَاهُمَّا عَنِ الْأَعْمَشِ
(١٧٤) وحَدَّثَتِي عَمْرٌوِ النَّاقِدُ حَدَّثْنَا سُفْيَهُ عَنٍ عَمْرٍو عَنِ أَبِي صَالِحٍ
٣٥٠

٢- والملك الذى تعود الكذب على الرعية، لا خوفاً منهم ولا حرصاً على الانتفاع بهم، بل شهوة فى
الكذب، واستخفافاً بتعاليم الشرع الحنيف.
٣- والفقير الذى حرم المال والدنيا إذا استكبر، فإن كبره حينئذ لا يكون له مبرر، ولا دافع له
سوى الطغيان، والاستهتار-زورا-بمن هم فوقه وعدم الاكتراث بمحرمات الإسلام.
٤- والرجل الذى منحه اللَّه رزقاً، وأخرج له من الأرض ينبوعاً يشرب منه ويسقى ماشيته وزرعه،
يكون عنده الماء الزائد عن حاجته ويرى ابن السبيل العابر عطشان، يلهث من شدة العطش، يطلب
الماء فيحرمه صاحب الماء، ويمنعه منه، وليس له به حاجة، ناسياً أن ابن السبيل بحكم الشرع
شريك الأغنياء فيما يملكون، باعتباره أحد مصارف الزكاة متناسياً ما قد يحدثه هذا المنع من ضرر
بابن السبيل قد يهدد حياته، غافلا عن أن ((القادر)» الذى أنزل الماء من المزن قادر على أن يحوله
غورا فى غمضة عين، وما درى أن اللَّه سيعرض عنه يوم القيامة، ويقول له: اليوم أمنعك فضلى كما
منعت فى الدنيا فضل ما لم تعمل يداك.
٥- والرجل يبيع سلعته ويروجها بالحلف الكاذب فى أفضل الأوقات فيغرر بالمسلم ويقتطع ماله
بغيرحق.
٦- والرجل يبايع الإمام على السمع والطاعة، لكنه يبنى مبايعته على النفع المادى إن أعطاه مالا
- ولو بغير حق - رضى واستمر على بيعته، وإن كان الإمام فاسقاً، وإن لم يعطه سخط ونكث وإن كان
عادلا، أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون.
المباحث العربية
( شيخ زان ) الشيخ هو من بلغ سن الشيخوخة، قيل: خمسون سنة، وقيل: إحدى وخمسون.
( وملك كذاب) المراد من الملك الحاكم الذى ليس فوقه بخصوص حكمه حاكم إلا اللّه،
فيشمل الأب بين أولاده، والوالى فى ولايته، ورئيس الجمهورية فى جمهوريته، وهذا الحديث لا يشمل
الملك الصغير إذا كذب بين ملوك كبار، وكذا إذا كذب أمام زوجه التى يخافها، أو كذب فى الحروب،
ولعل صيغة المبالغة ((كذاب)) أى كثير الكذب وشأنه الكذب تحدد الهدف المقصود.
( وعائل مستكبر) العائل: الفقير الذى عدم المال، من عال يعيل عيلا إذا افتقر.
( ثلاثة لا يكلمهم الله) فى إحدى الروايات ((ثلاث)) بدون تاء التأنيث فيقدر معدودها مؤنثاً
كثلاث فئات، أو ثلاث أنفس.
ومعلوم أن حذف المعدود يجيز تذكير العدد وتأنيثه، وجاء الضمير فى ((يكلمهم)) مذكر!
على المعنى.
٣٥١

(رجل على فضل ماء ) أصل الكلام: رجل عنده ماء فاضل عن حاجته، فإضافة ((فضل ماء))
من إضافة الصفة إلى الموصوف، والتعبير بـ((على)) لإفادة تمكنه من الماء وقدرته على التصرف فيه.
( بالفلاة ) بفتح الفاء هى المفازة والصحراء والقفر التى لا أنيس بها، وهى المرادة بالطريق فى
بعض الروايات.
( يمنعه من ابن السبيل ) ابن السبيل هو المسافر، والسبيل: هى الطريق، وجعل المسافرابن
الطريق لانقطاعه عن أهله وبلده وأملاكه، وجملة ((يمنعه من ابن السبيل)» فى موقع الحال من الضمير
المستكن فى الخبر «على فضل ماء)».
( فحلف له باللَّه لأخذها بكذا وكذا) أى لقد أخذها ... ((وكذا وكذا)) كناية عن عدد المال،
وثمن شرائه السلعة.
( فصدقه وهو على غير ذلك ) فاعل ((صدق)) ضمير المشترى، وضمير ((وهو)) للبائع أو للحال
والشأن، والإشارة للحال التى حلف عليها، والتقدير: فصدقه المشترى، والحال أن البائع على وضع غير
الذى حلف عليه، أو فصدقه المشترى، والحال والشأن خلاف الحال التى حلف عليها.
(ورجل بايع إماماً) وفى رواية ((بايع إمامه)).
( لايبايعه إلا لدنيا ) أى لا يقصد من المبايعة إلا النفع الدنيوى والعرض الزائل، فلا يقصد
صلاح المحكومين، ولا صلاح الدولة، ولا صلاح الدين، فإن قصد شيئاً من ذلك مع قصده الدنيا فلا
يدخل فى الوعيد، لأنه بنى على القصر.
( فإن أعطاه منها وفى ) بالبيعة، ولم يخرج على الإمام، ولوكان ظالماً من أكبر الفاسقين.
وفى رواية: ((إن أعطاه ما يريد وفى له)). وفى رواية: ((رضى)).
( وإن لم يعطه منها لم يف) بالبيعة وخرج على الإمام ولو كان عادلا مقيما لشعائر الدين،
جامعاً لوحدة المسلمين، وفى رواية: ((لم يف له)). وفى رواية: ((سخط)).
فقه الحديث
من مجموع هذه الروايات الثلاث، ومن الروايتين السابقتين يجتمع سبع خصال:
١- المسبل إزاره (وفى معناه العائل المستكبر، وإن كان بينهما عموم وخصوص).
٢- المنان الذى لا يعطى شيئاً إلا من به.
٣- المنفق سلعته بالحلف الكاذب وفى معناه ((رجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله
٣٥٢

لأخذها بكذا وكذا، فصدقه، وهو على غير ذلك)) وفى معناه: ((رجل حلف على يمين بعد صلاة العصر
على مال مسلم فاقتطعه)) (وإن كان بينها عموم وخصوص).
٤- شیخ زان.
٥- ملك كذاب.
٦- رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل.
٧- رجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا.
ويحتمل أن تبلغ أكثر من ذلك إذا اعتبرنا مطلق المغايرة، فما بينها عموم وخصوص.
ولما كانت كل رواية مصدرة بعبارة: ثلاثة لا يكلمهم الله ... إلخ وأصبح العدد أكثر من ثلاثة كان
لازماً التوفيق بين الروايات.
وفى ذلك يقول الكرمانى: ليس ذلك باختلاف، لأن التخصيص بعدد لا ينفى ما زاد عليه.اهـ وهو
توجيه حسن، خير من قول بعضهم: إن المجموع منصوص وبعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر،
فاقتصر كل من الرواة على ثلاثة.
بل هذا التوجيه الأخير غير مقبول، لأن لفظ ((ثلاثة)» وارد فى نص قول الرسول ؟
ولما كان قد سبق قريباً شرح ما يتعلق ببعض هذه الخصال فإننا نتمم ما يتعلق بباقيها فنقول:
تخصيصه صلى اللّه عليه وسلم الشيخ الزانى والملك الكذاب والعائل المستكبر بالوعيد المذكور،
سببه أن كل واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بعدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها
عنده. نعم. لا يعذر أحد بذنب، ولكن لما لم يكن إلى هذه المعاصى الضرورة المزعجة، ولا الدواعى
القوية، أشبه إقدامهم عليها المعاندة والاستخفاف بحق الله تعالى، وقصد معصيته بدون حاجة.
فالشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته لطول ما مرعليه من الزمان، وكثرة ما سمع من المواعظ،
وضعف أسباب الزنا بانكسار حدة الشهوة، وبما عنده من زوج حلال، عظم زناه عن زنا الشباب، الذى
يدفع إليه الحرارة الغريزية، وقلة المعرفة، وغلبة الشهوة لضعف العقل وصغر السن، وعدم القدرة على
النكاح الحلال.
وكذلك الإمام، لا يخشى من أحد من رعيته، ولا يحتاج إلى مداهنته ومصانعته، فإن الإنسان إنما
يداهن ويصانع بالكذب وشبهه من يحذره ويخشى أذاه ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلة أو
منفعة، والملك غنى عن كل ذلك، لقدرته على نيل مآربه من غير كذب.
وكذلك العائل الفقير، قد عدم المال الذى هو سبب الفخر والخيلاء والتكبر والارتفاع على القرناء،
فقد حاجة الناس إليه، وظهرت حاجته إلى الناس، فلماذا يستكبر ويحتقر غيره؟ ليس هناك إلا
المعاندة والاستخفاف بحق المعبود جل شأنه، ومثل ذلك الفعل بتلك الدوافع جدير بأشد العقاب.
٣٥٣

ويلحق بالثلاثة المذكورين من شاركهم فى المعنى الموجب للبعد عن المعصية، كالغنى حين
يسرق وليست عنده ضرورة للسرقة.
والمدح لأضداد هذه الأنواع أيضاً يتفاوت، فالعفة من الشاب أعلى قدراً منها من الشيخ، والصدق
من غير الملك أمدح منه من الملك، والتواضع من الغنى أمدح منه من الفقير، يدل على ذلك قوله صلى
اللَّه عليه وسلم ((سبعة يظلهم اللَّه فى ظله يوم لا ظل إلا ظله، وشاب نشأ في عبادة ربه)).
وأما من منع فضل الماء من ابن السبيل فقد ارتكب جرما مضاعفاً، فالماء نعمة اللَّه التى يقول
عنها: ﴿أَفَرَ أَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴿ أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ
أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨-٧٠] وإذا كان من منع الماشية فضل مائه كان عاصياً فكيف بمن
يمنعه عن الآدمى المحترم؟ ثم كيف بمن يمنعه عن ابن السبيل الذى جعله الله شريكاً للأغنياء فى
مالهم، حيث جعله من مستحقى الصدقات مهما كان غنياً فى بلده؟ لا شك فى غلظ تحريم فعله،
وشدة قبحه، خصوصاً إذا عَرَّض عملُه هذا نفسَ ابن السبيل للهلاك. قال القاضى عياض: وهو فى
تعريضه إياه كذلك شبه قاتله، وقال الإمام مالك فى المدونة فى حريم البئر: ومن حفر بئراً فى غير
ملكه لماشيته أوزرعه فلا يمنع فضلته، فإن منعها حل قتاله، فإن لم يقو المسافرون على دفعه حتى
ماتوا عطشاً فدياتهم على عاقلته وعليه هو الكفارة مع وجيع الأدب. اهـ
وأما مبايع الإمام لدنيا فقد غش المسلمين، وخدع إمامهم، لأنه يظن أنه إنما بايع ديانة وهو قصد
ضد ذلك، إذ الأصل فى مبايعة الإمام أن يبايعه على أن يعمل بالحق، فمن جعل مبايعته لدنيا فقد
خسر خسراناً مبيناً، وتسبب فى الفتن بنكثه بيعته، لا سيما إن كان ممن يُقتدى به.
ويؤخذ من الحديث:
١ - شدة الوعيد للشيخ الزانى.
٢- والملك الكذاب.
٣- والفقير المتكبر.
٤- فيه دلالة على أن صاحب الماء أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فإذا أخذ حاجته لم يجز له منع
ابن السبيل.
٥- وفى الحديث وعيد شديد على نكث البيعة والخروج على الإمام، لما فى ذلك من تفرق الكلمة.
٦- وفيه أن كل عمل لا يقصد به وجه اللَّه، وأريد به عرض الدنيا فهو فاسد وصاحبه آثم.
٧- إثم الحالف كاذباً، خصوصاً لو اقتطع بحلفه مال امرئ مسلم بغير حق.
واللَّه أعلم
٣٥٤

(٦٤) باب تحريم قتل الإنسان نفسه
١٨٧ - ١٢٥ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٧٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «مَنْ قَتْلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ
فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْيِهِ فِي نَارٍ جَهَنْمَ خَالِدًا مُخَلِّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمِنْ شَرِبَ سُمَّا
فَقَّلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتْحَسَّاهُ فِي نَارٍ جَهَنْمَ خَالِدًا مُخَلِّدًا فِيهَا أَبَدًا. وَمِنْ تَرَدَّى مِنْ جَبْلٍ فَقْتَلَ نَفْسَهُ
فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلِّدًا فِيهَا أَبَدًا ».
المعنى العام
إرشاداً إلى أن الحياة هبة الله، وأنه ينبغى أن تترك الروح لخالقها يسلبها متى يريد ويحملها
الآلام إذا شاء، يحذر الرسول 1 من الإقدام على التخلص من الحياة، مهما كانت بواعثه، ومهما
قست بالمرء نوائب الزمان، فمن المعلوم أن هذه الدنيا دار شقاء، وليس للمصائب والمتاعب إلا
الرجال، وبقدر تحمل الرجل لكبار الأرزاء [أى المصائب] تكبر رجولته، وبقدر جزعه وانهياره أمام
بعضها يظهر ضعفه وجبنه.
وقد علمتنا التجارب أن طريق السعادة مفروش بالأشواك، ومن أراد القمة تسلق الصعاب، ودون
الشهد إبر النحل، وبالجهاد والصبر والتفويض يبلغ الإنسان ما يريد، ومن ظن أنه بانتحاره يتخلص
من الآلام فهوواهم، لأنه إنما يدفع بنفسه من ألم صغير إلى ألم كبير، ومن ضجر محدود، وفى زمن
قصير، إلى ضجر غير محدود، وفى زمن طويل.
إن الذى يقدم على الانتحار غير راض بالقضاء، محارب للقدر ساخط على الفَعَّال لما يريد، يائس
من روح اللَّه، وإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. ومن أجل هذا كانت عقوبته عند اللَّه
قاسية، فمن قتل نفسه بحديدة، أو ضرب نفسه بمثقل، أو برصاص أو طعن نفسه بسكين أعد اللَّه له
حديدة من نار، ليطعن بها بطنه، كلما فجرها عادت كما كانت، خالداً مخلداً على هذه الحال أبداً،
ومن شرب سماً فقتل نفسه، أعد اللَّه له يوم القيامة كأساً من السم، الذى يفوق سم الدنيا فى صعوبة
مذاقه، وشدة تأثيره وإيلامه كالمهل يغلى فى البطون كغلى الحميم، يكلف أن يتجرعه خالداً مخلداً
على هذه الحال أبداً، ومن تردى من جبل أو قذف نفسه من شاهق، فقتل نفسه، نصب الله له يوم
القيامة جبلا من نار، على واد من جهنم يكلف الصعود إليه، ليهوى من الجبل فى نارجهنم، خالداً
على هذه الحال أبداً.
(١٧٥) حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي هَيْئَةٌ وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ فَالا حَدْنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةٍ
- وحَدَِّي زَّهَيْرُ بَّنُ حَرْبٍ حَدَّلْنَا جَرِيرٌ ح وحَذْقْنَا سَعِيدٌ بْنٌ عَمْرِو الْأَثْعَنِّيِّ حَذْقَاً عَبْفَرَ ح وحَدَِّي يَحْمَى بْنُ
حَبِيبٍ الْخَارِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَّ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شَعْبَةُ كُلُّهُمْ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَفِي رِوَايَةٍ شُعْبَةً عَنِ
سُلَيْمَاتَ قَالَ سَمِعْتُ ذُحْوَانَ.
٣٥٥

فليتدبر العاقل، وليؤمن بالقضاء والقدر، وليعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع
العسر يسراً ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ وَيَرْرُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ
حَسْبُهُ إِنَّاللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: ٢-٣].
المباحث العربية
( من قتل نفسه بحديدة ) لفظ الحديدة أعم من السكين، فيشمل آلات النجار وآلات الحداد
وغيرهما، لكن المراد بها السكين وماشابهها لأنها التى يطعن بها البطن.
.(فحديدته فى يده) مبتدأ وخبر، أو مبتدأ وحال. وجملة ((يتوجأ)) الخبر.
( يتوجأ) - بواو مفتوحة وجيم مشددة - على وزن يتكبر، ويجوز تسهيله بقلب الهمزة ألفاً،
ومعناه يطعن.
وفى رواية: ((يجأ)) بتخفيف الجيم وبالهمز، وقد تسهل الهمزة أيضا، وأصل ((يجأ)» مضارع وجا
وأصله يوجئ - بفتح الياء وكسر الجيم - فحذفت الواولوقوعها بين الياء والكسرة، ثم فتحت الجيم
لأجل الهمزة.
( جهنم) اسم لنار الآخرة، وأكثر النحويين على أنها أعجمية، لا تنصرف للعلمية والعُجْمةِ، وقال
آخرون: هى عربية، لاتنصرف للتأنيث والعلمية، وسميت بذلك لبعد قعرها. قال رؤية: يقال: بئر
جهنام أى بعيدة القعر، وقيل: مشتقة من الجهومة وهى الغلظ سميت بذلك لغلظ أمرها.
( خالداً مخلداً فيها أبداً ) حال مقدرة من فاعل ((يتوجأ)) وفى ذكر ((مخلداً)) بفتح اللام
المشددة بعد ذكر ((خالداً)) مايشعر بالإهانة والإذلال والتحقير، و((أبداً)) منصوب على الظرفية.
( ومن شرب سما ) - بفتح السين وضمها وكسرها - ثلاث لغات أفصحها الفتح.
وفى رواية: ((ومن تحسى)) أى تجرع، وأصله من ((حسوت المرق)) إذا شربت منه شيئا فشيئاً.
( فقتل نفسه ) فائدة ذكر هذه الجملة بعد ما قبلها توقف الجزاء المذكور عليها.
( ومن تردى من جبل ) أى أسقط نفسه منه، بدليل قوله: ((فقتل نفسه».
( فقتل نفسه ) فائدة ذكرها توقف الجزاء المذكور عليها، وهى التى أفادت التعمد، إذ التردى
يكون عن عمد وعن غير عمد، أما إذا تعمد الإلقاء، ولم يحدث بذلك قتل فله جزاء آخر يعلمه الله.
( فهو يتردى فى نار جهنم ) أى يسقط، وذلك بأن يهيأ له جبل من نار، يكلف الصعود إليه
والسقوط منه فى نار جهنم، تشير إلى ذلك رواية البخارى ((يتردى فيه)) أى فى الجبل، أى فى مثله.
٣٥٦

فقه الحديث
اقتصر هذا الحديث على ثلاث من طرق الانتحار وقتل النفس لما أنها هى التى كانت شائعة
آنذاك، فهى أمثلة فقط، وليست للحصر، فيقاس عليها: من تردى فى بحر فغرق، ومن أشعل فى نفسه
ناراً فاحترق. وقد جاءت بعض الروايات بطريقة أخرى غير الطرق الثلاثة المذكورة فقد روى
البخارى ((الذى يخنق نفسه يخنقها فى النار)) كما جاءت بعض الروايات بلفظ العموم، فقد روى
فى الحديث الآتى: ((ومن قتل نفسه بشىء فى الدنيا عذب به يوم القيامة)).
وقد تمسك المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصى فى النار بقوله «فى نار جهنم
خالداً مخلداً فيها أبداً)) على أن مرتكب الكبيرة مخلد فى النار، ولما كان أهل السنة لا يقولون بتخليد
العصاة من الموحدين فى النار، وكانت الأحاديث الصحيحة تدل على أن مصير المؤمنين الجنة
أجاب أهل السنة عن ظاهر الحديث بعدة إجابات منها:
١- ذهب بعضهم إلى توهين ورد رواية ((خالداً مخلداً فيها أبداً)) لورود الحديث بدونها فى كثير من
الروايات الصحيحة، ورفض هذا الرأى أولى من رد الرواية وهى صحيحة.
٢- وقال بعضهم: إن المراد خالداً مخلداً فيها إلى أن يشاء الله، وهذا القول يضعفه التعبير
بلفظ «أبداً ».
٣- وقيل: المراد بالخلود طول المدة، لا حقيقة الدوام، كأنه يقول: يخلد مدة معينة ويبعده
أيضاً لفظ ((أبداً)).
٤- وقيل: ورد الحديث فى رجل بعينه، وليس القصد منه الحكم العام، ويبعده تعديد طرق الانتحار،
والرجل المعين انتحر بطريقة معينة.
٥- وقيل: ورد الحديث مورد الزجر والتغليظ، وحقيقته غير مرادة، وهذا ضعيف أيضاً.
٦- وقيل: المعنى أن هذا جزاؤه الأصلى، لكن اللَّه قد تكرم على الموحدين فأخرجهم من النار
بتوحيدهم، وهو مردود أيضا بعبارات الحديث الواضحة فى وقوع هذا الجزاء لكل منتحر.
٧- وقيل: إن الحديث محمول على من استحل هذا الفعل، فإنه باستحلاله يصير كافراً، والكافر مخلد
بلا ريب، وهذا الرأى أقرب للقبول من سوابقه.
٨- والأولى أن يقال: إن الجزاء المذكور هو الجزاء إن لم يتجاوز اللّه عنه. هذا وقد نقل عن
الإمام مالك: أن قاتل النفس لا تقبل توبته، ومقتضاه أنه لا يصلى عليه، وقد روى
أصحاب السنن: ((أن النبي : أتى برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه)». وفى
رواية للنسائى أنه قال: ((أما أنا فلا أصلى عليه)».
٣٥٧

ويؤخذ من الحديث
١- التحذير من الانتحار مهما كانت أسبابه ودواعيه.
٢ - أن الجزاء الأخروى من جنس العمل.
٣- وجوب الصبر على الآلام، وعدم السخط والجزع، والرضا بالقضاء، وتسليم قبض الروح
لواهب الحياة.
٤- استدل به بعضهم على عدم جواز شرب السم للتداوى، لأنه يفضى إلى قتل النفس، وهذا الاستدلال
باطل، قال الحافظ ابن حجر: إن مجرد شرب السم ليس بحرام على الإطلاق، لأنه يجوز
استعمال الیسیر منه إذا ركب معه ما يدفع ضرره.
٥- وفيه أن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره فى الإثم لأن نفسه ليست ملكا له مطلقا،
بل هى للَّه تعالى: فلا يتصرف فيها إلا بما أذن له فيه.
٦- احتج به بعضهم على أن القصاص من القاتل يكون بما قتل به محدداً كان أو غيره، اقتداء بعقاب
اللَّه تعالى لقاتل نفسه، قال النووى: والاستدلال بهذا لهذا ضعيف. وقال ابن دقيق العيد فى رد
هذا الاحتجاج: إن أحكام الله لا تقاس بأفعاله، فليس كل ماذكر أنه يفعله فى الآخرة يشرع
لعباده أن يفعلوه فى الدنيا، كالتحريق بالنار مثلا، وسقى الحميم الذى يقطع به الأمعاء.
٧- وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصى، ففيه رد على المرجئة القائلين بأن المعاصى لا تضر.
(ولشرح الحديث صلة بشرح الأحاديث الثلاثة الآتية بعد الحديث التالى، فعليك به).
والله أعلم
٣٥٨

(٦٥) باب من حلف بملة غير الإسلام
١٨٨ - ١٢٦ عَنِ ثَابِتِ بْنِ الصَّحَّاكِ ﴾ (١٧٦) أَنْهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿لَتَحْتَ الشَّجَرَةِ. وَأَنَّ
رَسُولَ اللَّهِفَ﴿ قَالَ «مَنْ حَلَفَ عَلَّى يَمِينٍ بِمِلْةٍ غَيْرِ الإِسْلامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمّا قَالَ. وَمِنْ قْتَلَ
نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لا يَمْلِكُهُ».
١٨٩ - ٢٠ْ عَنِ ثَابِتِ بْنِ الصَّحَّاكِ ﴾(١٠١) عَنِ الْبِيِّ ﴿ قَالَ « لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا
لا يَمْلِكُ. وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقْلِهِ. وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَمَنِ
ادَّعَى دَعْوَى كَاذِيَةً لِيَتَكَفِّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَ قِلَّةً. وَمَنْ خَلَفَ عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ».
١٩٠ - ١٧٧ عَنٍ ثَابِتِ بْنِ الصَّحَّاكِ ﴾(١٧٧) قَالَ: قَالَ النَّبِيُّمَ: «مَنْ خَلَفَ بِمِلّْةٍ سِوَى
الإِسْلامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهْوَ كَمّا قَالَ. وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذِّبُهُ اللَّهُ بِهِ فِي نَارٍ جَهْمَ». هَذَا
حَدِيثُ سُفْيَانَ وَأَمَّا شُعْبَةٌ فَحَدِيثُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «مَنْ خَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلامِ
كَاذِبًا فَهْوَ كَمَّا قَالَ. وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ».
المعنى العام
يحدثنا ثابت بن الضحاك - وهو من الذين قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ
يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] - يحدثنا أن رسول اللّه حذر من الحلف باللات والعزى، أَو
بأى ملة من ملل الكفر، فمن حلف باليهودية أو النصرانية مثلا فهو فى وقت حلفه بذلك مشبه
للطائفة التى حلف بملتها، معظم لما عظمت، مستحق لعقوبتها، معرض لإحباط إيمانه إن كان
معتقداً تعظيم ما حلف به مما لا يستحق التعظيم.
كما حذر من قتل النفس بأية وسيلة، فمن قتل نفسه بشىء أعد اللَّه له مثله من النار ليعذب به
يوم القيامة، كما منع صلى اللَّه عليه وسلم النذر فيما لا يملك الإنسان.
وفى الرواية الثانية يحذرنا من لعن المسلم وسبه، فإن لعن المسلم يقطع عنه العطف والمودة، كما
يقطع القتل حياته.
(١٧٦) حَدََّا يُحْتِى بْنُ يَحْتَى أَخْبُرْنَا مُعَاوِيَّةُ بْنُ سَلامِ بْنِ أَبِي سَلامِ الدِّمْشْقِيُّ عَنِ يَحْتَى بْنِ أَبِي كَثِرٍ أَنَّ أَبَا فِلَابَةً أَخْبَرَهُ أَنْ قَابِتٌ
ابْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ
(١٠٠) حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ حَدََّا مُعَاذٌ وَهُوّ ابْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّتِي أَبِي عَنِ يَحْتِى بْنِ أَبِي كِرٍ قَالَ حَدَِّي أَبُو لِلابَةً عَنِ
قَابِتٍ بْنِ الضَّحَّاكِ
(١٧٧) حَدَّثَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ وَإِسْحْقُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَّدِ كُلُّهُمْ عَنٍ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنٍ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنِ
شُعْبَةَ غْنِ أَيُوبَ عَّنِ أَبِي قِلاَّبَةً عَنِ ثَابِتِ بْنِ الصَّحَّاكِ الأَنْصَارِيِّح وحَدَّقَا مُحَمَّدُ بْنٌ رَائِعٍ عَنٍ عَبْدِ الرَّزَاقِ عَنِ الْوْرِيِّ عَنِ
خَالِدٍ الْخَذَاءِ عَنِ أَبِيَ قِلابَةً عَنٍ ثَابِتِ بْنِ الْضَّحَّاكِ
٣٥٩

ويحذرنا أن نلبس ثوب الزور؛ وندعى لأنفسنا ما ليس عندنا من مال أوصحة أوجاه أو علم، أو
غير ذلك مما يخدع الآخرين فينا، ويغرربهم فى معاملاتنا، ويخوفنا من الحلف كذبا للحصول على
غرض دنیوی رخیص.
ولو أن المسلمين حافظوا على أسس الشريعة السمحة، فعظموا دينهم واعتزوا بإسلامهم ولم
يحلفوا بسواه، لو أنهم قويت روحهم، وتشددت عزائمهم، وصمدوا لنوائب الزمان وكافحوا للعيش فى
عزة وكرامة، ولم يلجأ بعضهم إلى الانتحار، والهروب من المسئولية والحياة، ولو أنهم ترفعوا عن الشتم
والسب وطول اللسان، واحتقار بعضهم بعضاً وإيذاء بعضهم بعضا، ولو أنهم اعترفوا بالواقع، وأحسوا
بأوجه النقص فيهم، ولم يخدعوا أنفسهم وغيرهم بما ليس فيهم من محامد، ولو أنهم صدقوا فى
معاملاتهم، ولم يكثروا الحلف كذبا للحصول زورا على حقوق غيرهم. لو أنهم حافظوا على هذه الأسس
لسعدوا فى دنياهم وأخراهم ولكانوا جديرين بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم من مكانة وسيادة، وما
يتذكر إلا أولو الألباب.
المباحث العربية
(أنه بايع رسول اللّه ﴿ تحت الشجرة) وهى بيعة الرضوان، التى قال اللّه فيها: ﴿لَقَدْ
رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَّكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وفائدة ذكر هذه العبارة التوثيق
بالرواية ببيان فضل الراوى.
( من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا) فى الرواية الثالثة ((من حلف بملة سوى
الإسلام كاذباً متعمدا)) أى متعمدا الحلف بملة غير الإسلام، فيكون ((متعمدا)) حالا مترادفة من فاعل
((حلف)) أو متعمدا الكذب فيكون ((متعمدا)) حالا متداخلة من الضمير فى ((كاذبا)» وفى رواية
البخارى ((من حلف على ملة غير الإسلام)) فـ((على)): بمعنى الباء، والملة: الدين والشريعة حقة أو
باطلة، ومن إطلاقها على الباطلة قوله تعالى: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ٣٧]
وهى هنا نكرة فى سياق الشرط، فتعم جميع الملل من أهل الكتاب، كاليهودية والنصرانية ومن لحق
بهم من المجوسية والصابئة وأهل الأوثان والدهرية والمعطلة وعبدة الشياطين والملائكة وغيرهم.
والملة عرفا: ما شرعه الله لعباده على ألسنة الرسل عليهم السلام.
والحلف بالشىء حقيقة هو: القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه، كقولهم: والله، والرحمن،
13
وقد يطلق على التعليق بالشىء يمين كقولهم: من حلف بالطلاق، فالمراد تعليق الطلاق، وأطلق
الحلف على التعليق لمشابهته باليمين فى قصد المنع أو الحث، أو غيرهما.
فالمعنى على الأول: من أقسم بملة غير الإسلام كأن قال: واليهودية مثلا، وعلى الثانى: من علق
ملة غير الإسلام على شيء، كأن يقول: إن فعل كذا فهو يهودي أو نصرانى.
٣٦٠