Indexed OCR Text
Pages 161-180
يميل دليل المحبة وشعارها، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحِئِكُمُ
اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
فقيام المؤمن المحب لريه بالتكاليف الشاقة ليس للحب العقلى كشرب الدواء المركما يرى
البيضاوى، وإنما للتلذذ بأداء التكاليف وعدم الشعور بمشقتها، فهى حلوة عنده تهفو إليها نفسه،
وتسعد بها مشاعره.
وإذا وصل المؤمن إلى هذه الحالة كمل إيمانه، وشعر بحلاوة الإيمان، وحصلت عنده الخصلتان
الأخيرتان حصولا لازماً تبعياً.
فإن حب المرء للَّه معناه حب من يحبه اللَّه، لا لشىء إلا للصلة باللّه، فكأنه من لوازم حب اللَّه.
وهذا القصر فى الحديث ((أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، يخرج ما كان الحب فيه مشتركا بين
الله ونفع دنيوى، كمحبة الصالحين لأنهم صالحون وللانتفاع منهم بالمعاملات الدنيوية، فهذا الحب
وإن كان حسناً وممدوحاً شرعاً لكنه لا يصل بصاحبه إلى المرتبة المطلوبة التى بها يجد حلاوة
الإيمان وجوداً كاملا.
وظاهر من هذا أن المراد بالمرء المحبوب المرء المسلم الصالح، فإن الفاسق والكافر ينبغى أن
يبغضا فى اللَّه، مصداقا لقوله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
نعم. وإذا وصل المؤمن إلى أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كره الكفر والكافرين،
ومقت الذين يمقتهم اللَّه، وكانت نار الدنيا عنده أحب إليه من غضب ربه.
وفى هذا يقول البيضاوى: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنواناً لكمال الإيمان، لأن المرء إذا تأمل
أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانع فى الحقيقة سواه، وأن ما عداه وسايط، وأن
الرسول هو الذى يبين له مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحب، ولا
يحب من يحب إلا من أجله، وأن يتيقن أن جملة ما وعد وأوعد حق يقيناً، ويخيل إليه الموعود
كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء فى النار أهـ
وظاهر كلام الإمام البيضاوى أن المراد من النار نار الآخرة؛ وتوجيهه أن المؤمن الذى أحب ربه،
أيقن بكل ما وعد وأوعد، وصار عنده ما سيقع فى قوة الواقع. فإن أطاع أحس أنه فى الجنة، والعود فى
الكفر عنده إلقاء فى النار، لأنها متوعد بها لمن كفر.
وهذا الاحتمال مع توجيهه بعيد عن ظاهر الحديث، فإنه إن ساغ مع رواية ((وأن يكره أن يعود فى
الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف فى النار)) أى نارجهنم، فإنه لا يسوغ مع رواية ((ومن
كان أن يلقى فى النار أحب إليه من أن يرجع فى الكفر)» إذ لا يقال: إلقاؤه فى نار جهنم أحب إليه
من العود فى الكفر.
١٦١
وقد أثار العلماء إشكالا حول قوله صلى الله عليه وسلم ((مما سواهما)) فى حين أنه صلى الله عليه
وسلم قال للخطيب الذى قال ((ومن يعصهما)» أى ومن يعص الله ورسوله قال له صلى الله عليه وسلم
((بئس الخطيب أنت)) إذ كان ينبغى على الخطيب أن يقول: ومن يعص الله ورسوله بالإفراد
ولايجمعها فى ضمير واحد مما يوهم التسوية بين الله ورسوله، فحاصل الإشكال: كيف قال صلى اللَّه
عليه وسلم ((مما سواهما)) وجمع بين الله ورسوله فى ضمير واحد مع أنه نهى عن ذلك؟.
ومن خير الأجوبة على هذا الإشكال أنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبى 8* ولا يمتنع منه،
لأن غيره إذا جمع أوهم التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك
ويؤخذ من الحديث
١- التحلى بالفضائل والتخلى عن الرذائل، فإن الخصلة الأولى والثانية من قبيل التحلى بالفضائل،
والخصلة الثالثة من قبيل البعد عن الرذائل.
٢- أن للإيمان حلاوة ولذة يحسها المقربون.
٣- الحث على اتباع الأوامر واجتناب النواهى لنيل محبة الله ورسوله.
٤- الحث على إخلاص محبة الناس وتمحيصها للَّه تعالى.
٥- التنفير من محبة الكافرين والفاسقين ومودة أهل المعاصى.
والله أعلم
١٦٢
(٢٥) باب حب الرسول لا من الإيمان
٧٢ -٦٩ عَنِ أَنَسِ رَ﴾(٦٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ «لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ» ( وَفِي رواية « لا
يُؤْمِنُ الرَّجُلُ») حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
٧٣- ٢٠ عَنٍ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٧٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ خَتَّى أَكُونُ
أَحَبَّ إِلَّيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ» .
المعنى العام
إن حب الشىء يدعو إلى حب الموصل إليه، وإن حب الإيمان وبغض الكفر يستلزم حب
المتسبب فيه والداعى إليه، فحب الرسول 8 دليل على حب الإيمان، وبقدر ارتفاع درجة هذا الحب
أو انخفاضها ترتفع درجة الإيمان أو تنخفض، فإذا وصل المؤمن إلى أن يكون رسول اللّه* أحب
إليه من أمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، ومن المال والأهل والأقارب والناس أجمعين، كان كامل الإيمان،
وأكمل منه أن يكون رسول اللَّه # أحب إليه من نفسه التى بين جنبيه، يبذلها فداء له فى حياته،
كما قرأنا عن أبى بكر الصديق، وكثير من الصحابة، (رضى الله عنهم) الذين عرضوا أنفسهم للأخطار
حماية لرسول اللَّه ◌ِ:﴿ من الكفار.
وإذا كنا فى هذه العصور لا نملك الدفاع عن ذات الرسول# برهانا على كمال حبه، فإننا نملك
الذب عن سنته، وحماية دينه، والدفاع عن شريعته والعمل على طريقته والتمسك بكل ما جاء به
وطاعته، فإن نحن فعلنا ذلك كنا محبين على الحقيقة، وإلا كنا مدعين بألسنتنا أمراً لم تواطئه
قلوبنا، فالمحب الذى يخذل حبيبه كاذب فى حبه، والمحب الذى يعصى حبيبه كاذب فى حبه،
والمحب غير المكترث بصفات حبيبه كاذب فى حبه، والمحب المضيع لهدية حبيبه وذكراه كاذب
فى حبه، مهما بكى أو تباكى، ومهما أظهر اللوعة والوجد، ومهما تحرق شوقاً إلى قبره، ومهما سعى
إلى زيارته.
هذا هو ميزان الحب ومقياس الإيمان، فلينظر كل منا موضعه، وليزن نفسه، وليصلح المقصر من
شأنه، حتى يكون جديراً بحبه، حرياً بشفاعته صلى الله عليه وسلم، جعلنا الله من أحبابه، ومن
خدمة سنته، إنه سميع مجيب.
(٦٩) وحَذَّفِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدْقَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَّةً حِ وَحَدََّا شَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدََّا عَبْدُ الْوَّارِثِ كِلاهُمَا عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
عَنِ آَنْسِ
(٧٠) خَذْقَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدََّا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ فَتَادَةَ يُحَدِّثْ عَنٍ أَنَسٍ
١٦٣
المباحث العربية
( لايؤمن عبد ) العبد الإنسان، حراً كان أو رقيقا، كذا فى القاموس، وقد أطلقه القرآن على
الملائكة فى قوله ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] فالظاهر أن العبد من شأنه أن يعبد ويخضع ويذل،
لكن المراد من العبد فى الحديث الإنسان لأن الملك لا ولد له ولا والد ولا أهل.
وفى الرواية الأخرى ((لايؤمن رجل)) والرجل خلاف المرأة، ويطلق عليه إذا احتلم وشب، وقيل: هو
رجل من ساعة يولد.
وفى الرواية الثانية ((لايؤمن أحدكم)) والخطاب فيه للصحابة الحاضرين، وهل يشمل من على
شاكلتهم من المعاصرين الغائبين ومن سيوجد بالنص؟ أو ينسحب الحكم عليهم بالقياس؟ خلاف.
وهل تدخل المرأة فى الحكم؟ الظاهر أنها تدخل بالقياس، لأن النساء شقائق الرجال، وهن
مخاطبات بما خوطب به الرجال من أحكام إلا ما خص، وقد جاء فى رواية الأصيلى ((لايؤمن أحد))
وهى أشمل وأعم.
( حتى أكون أحب إليه من أهله ) فى القاموس: أهل الرجل: عشيرته وذوو قرباه، وأهل
الأمر ولاته، وأهل البيت سكانه، وأهل المذهب من یدین به. اهـ
فالتعبير بالأهل أعم من التعبير بالولد والوالد فى الرواية الثانية، لكن ذكر الولد والوالد أدخل فى
المعنى لأنهما أعز الأهل عند العاقل، ففى التعبير بهما إبراز لعظم محبة الرسول 8%.
( وماله ) المراد من المال كل ما يتمول ويقدر بقيمة، نقداً كان أو عقاراً أو ضياعاً، وذكره
لمسايرة بعض الطباع التى قد تحب المال حباً جماً.
( حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ) فى رواية البخارى تقديم الوالد على الولد، ووجهها
الحافظ ابن حجر بأن تقديم الوالد للأكثرية، لأن كل أحد له والد من غيرعكس، ولأن الوالد متقدم على
الولد بالزمان والإجلال.
وتوجه رواية مسلم بأن تقديم الولد تساير الترتيب التنازلى من حيث مزيد المحبة والشفقة،
فللولد مزيد شفقة عند الوالد أكثر من شفقة الولد على والده ثم الناس فى المرتبة الثالثة، وهل تدخل
الأم فى لفظ الوالد؟ قيل نعم، لأن المراد بالوالد، من له ولد، والظاهر أنه من قبيل الاكتفاء، أو دخول
الأم بطريق القياس.
( والناس أجمعين) من عطف العام على الخاص، وفى رواية ((الأهل))، وفى رواية ((الولد
والوالد)»، وهل تدخل النفس فى هذا العموم؟ قال الحافظ ابن حجر: الظاهر دخولها. اهـ
ويضعف هذا القول أن حب النفس أقوى من حب الولد والوالد فى طبائع العقلاء ودخولها فى هذا
١٦٤
العموم يجعل حبها فى الدرجة الثانية بل الثالثة، يدل على قوة حبها ما رواه البخارى من ((أن عمر بن
الخطاب قال للنبى :18: لأنت يا رسول اللَّه أحب إلى من كل شىء إلا من نفسى، فقال: لا. والذى
نفسى بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنك الآن واللَّه أحب إلى من نفسى)».
فقه الحديث
قلنا فى الحديث السابق: إن الحب نوعان: جبلى واختيارى، وقلنا إن الشارع لا يكلف الإنسان
ولا يطلب منه التحكم فى الحب الجبلى، فالمقصود بالحب هنا الحب الاختيارى، وقلنا إن للحب
أسباباً تغرسه فى النفس أو تعمقه فيها، كجمال المنظر وحسن الصوت والخلق أو النفع بوجه ما.
ورسول اللَّه # - من حيث هذه الأسباب - أحق الناس بحب المؤمن، ولا شك أن حظ الصحابة
من هذه الأسباب أوفى وأتم، وأما غيرهم فيكفى أن يفكروا فى أنه صلى الله عليه وسلم هو الذى
أخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة وإما بالسبب، وأن يتفكروا فى أنه الذى
بين لهم طريق البقاء الأبدى فى النعيم المقيم، فيعلمون أن انتفاعهم من الرسول 8# أعظم من جميع
وجوه الانتفاعات، والنفع يثير المحبة، فينبغى أن يكون الرسول ولا أحب إلى المؤمن من ولده ووالده
وماله والناس أجمعين، ونفى الإيمان عمن لا يكون الرسول أحب إليه إنما هو نفى للإيمان الكامل لا
لمطلق الإيمان.
لكن ظاهر عبارة القاضى عياض تفيد أنه يرى أن أحبية الرسول # شرط فى صحة الإيمان، إذ
قال رحمه الله: المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة
الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع صلى الله عليه وسلم أصناف المحبة
فى محبته، ثم قال: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا
بتحقيق إعلاء قدر النبى 8# ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومتفضل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد
سواه فليس بمؤمن.اهـ
ونحن نوافق القاضى عياض في أن إعلاء قدر النبى وإعظامه شرط في صحة الإيمان، وحقيقة
الإيمان لا تتم إلا به، وأن من اعتقد خلاف ذلك فليس بمؤمن.
لكن هناك فرق بين الإعظام والمحبة، ولا تلازم بينهما، إذ قد يعترف الإنسان بالأعظمية، ويذل
لها ولا يحبها.
والإيمان مبنى على التصديق برسالته صلى الله عليه وسلم، والإسلام مبنى على التسليم بما جاء
به، والانصياع إليه، أما حبه صلى الله عليه وسلم فبه يزداد الإيمان، ويبلوغ حبه أعلى درجات الحب
يكمل الإيمان.
وعلامة حصول هذه الدرجة العليا أن يعرض المرء على نفسه، ويخيرها بين أن يملك المال
١٦٥
ويحصل عنده الولد وبين أن يرى النبى# ويجالسه ويصاحبه، فإن اختار الثانى فقد اتصف بالأحبية
المذكورة وإلا فلا.
وليس معنى فقدان الأحبية فقدان الحب، فعامة المؤمنين يحبونه صلى اللّه عليه وسلم وإن
تفاوتوا فى درجات هذا الحب، بدليل أنهم إذا ذكر النبى 8# اشتاقوا إلى رؤيته، بل نجد الكثير من
المؤمنين يؤثر زيارة قبر النبى ، ورؤية مواضع آثاره على ماله وجوار أولاده، فيفارقها فراق مودع،
ويتوجه إلى المدينة توجه المشتاق المتلهف.
والله أعلم
١٦٦
(٢٦) باب من الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك
٧٤- ٣١ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٧١) عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ خَتَّى يُحِبّ لأَخِيهِ
( أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ) مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
٧٥ - ٣ٌ عَنِ أَنَسٍ ﴾(٧٢) عَنِ الْبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: « وَالْذِي نَفْسِي بِيْدِهِ! لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ خَتْى
يُحِبُّ لِجَارِهِ ( أَوْ قَالَ لأَخِيهِ) مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
المعنى العام
إن الإيمان الكامل الذى وصل بالمؤمن إلى حب الله ورسوله، يدفعه حتما إلى أن يحب للمسلمين
ما يحب لنفسه من خيرى الدنيا والآخرة.
أما الذين يحقدون على إخوانهم المسلمين، أو يحسدونهم على ما آتاهم الله من فضله،
أو يسعون لبخس إخوانهم والتعالى عليهم، فهم ضعاف الإيمان، حظهم منه فى الآخرة قليل،
مصداقا لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] إن الإيمان الكامل ينزع الغل والحقد والحسد من قلب
صاحبه، ويملؤه برغبة الخير، وبحب المعروف للناس، فالإيمان محبة ومودة وإخاء ومجتمع
إنسانى فاضل كريم.
إن الحديث يعالج القلوب من هذه الأمراض الخبيثة، والقلوب إذا صلحت صلح الجسد كله؛ لأن
الأعضاء آلات وجنود للقلوب، فإذا ما حل حب الخير للمسلم فى قلب المسلم تحركت الجوارح لتنفيذ
ميوله وتحقيق رغباته، فنطق اللسان بما فيه صلاحه والدفاع عنه، وامتدت اليد والرجل إلى ما يوصل
النفع إليه، ذاك هدف الحديث، بناء مجتمع متآلف متعاون متراحم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه
عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
المباحث العربية
( لايؤمن أحدكم ) أى لا يؤمن إيماناً كاملا. أما أصل الإيمان فإنه يحصل لمن لم يحصل هذه
الصفة. ونفى اسم الشىء على معنى نفى الكمال عنه مستفيض وكثير فى كلام العرب، كقولهم: فلان
لیس برجل أو لیس بإنسان.
(٧١) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتِى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّنَا شُعْبَةٌ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةً يُحَدِّثُ عَنِ أَنَسِ بْنٍ مَالِكِ
(٧٢) وحَدَِّي زُهَيْرُ بْنَ حَرْبٍ حَدََّا يَحْتِّى بْنُ سَعِيدٍ عَنٍ حُسْنِ الْمُغُلِّمِ عَنِ فَتَادَةً عَنِ أَنَسِ
١٦٧
(حتى يحب لأخيه - أو قال - لجاره ) شك من الراوى فى أى من اللفظين صدر عن
الرسول #، وفى الرواية الثانية: ((حتى يحب لجاره أو قال لأخيه))، ورواية البخارى ((لأخيه)) من غير
شك. والتعبير بالأخ على سبيل التغليب فتدخل الأخت أيضاً. والتعبير بالأخوة لإثارة كوامن الشفقة
والمحبة.
(ما يحب لنفسه) ((ما)) موصولة، وعائد الصلة مفعول ((يحب)) محذوف، والتقدير: الذى
يحبه لنفسه.
فقه الحديث
المراد من الأخ ما هو أعم وأشمل من أخ النسب قطعاً، ولكن هل المراد الأخوة فى الإسلام؟ أو
الأخوة فى الإنسانية، بمعنى أن الناس كلهم لآدم وحواء، أب واحد وأم واحدة فهم إخوة؟.
ظاهر صنيع الإمام النووى فى شرح مسلم أن المراد بالأخوة الأخوة فى الإسلام، إذ بوب هذا
الحديث بقوله: [باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من
الخير] ثم قال فى الشرح: معنى الحديث أنه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه فى الإسلام مثل
ما يحب لنفسه. اهـ
وهو ظاهر كلام الحافظ ابن حجر، إذ ساق رواية للإسماعيلى، نصها (يحب لأخيه المسلم ما
يحب لنفسه من الخير)) ثم قال: فبين [الحديث] المراد بالأخوة، وعين جهة الحب، ثم قال: والخير
كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات، لأن اسم الخير
لايتناولها. انتھی کلامه.
وإن الباحث ليتساءل - أمام رأى هذين الإمامين - ألا ينبغى أن نحب للكفار أن يسلموا؟ ألم
يكن رسول اللَّه # يحب هداية الناس جميعاً، فقيل له ((إنك لا تهدي من أحببت)»؟ ألسنا نحب
الصفات الحميدة؟ ونحب أن يتحلى بها الناس جميعاً؟ فلم نضيق الواسع؟ ونجعل المطلوب من
المؤمن حبه الخير للمسلم فقط دون بقية البشر؟
نعم. نهينا عن حب الكفار ومودة المحاربين منهم، لما هم عليه من شطط وصفات ذميمة، لكن
من الإيمان أن نحب لهم أن يؤمنوا، بل يجب علينا أن ندعوهم لذلك، وأن نجاهد فى سبيل تحقيق
هذا الخير لهم. إن رواية الإسماعيلى - على فرض صحتها - تخص الأخ المسلم بالذكر لمزيد عناية به،
هو بالنسبة لحب الخير له أولى وأهم من غيره، وإن كان حبنا الخير ليس مقصوراً عليه. والله أعلم.
وهل الذى يجب على المؤمن ليكمل إيمانه أن يحب لأخيه عين ما يحب لنفسه، أو مثل ما يحب
لنفسه؟ فمثلا؟ إذا كانت هناك درجة مالية واحدة أطمع فيها، هل أحبها لأخى فأحرم أنا منها؟ أو
أحبها لنفسى وأحب وجود مثلها لأخى؟
١٦٨
وإذا كنت فى منصب مدير الجامعة مثلا، هل أحب لأخى أن ينتزعه منى لأكون قد أحببت له
عين ما أحبه لنفسى؟ أو أحب لأخى منصباً شبيها بمنصبى؟
أعتقد أن الإيمان يتم بالثانى، أعنى بالشبيه، غاية الأمر أنه إن فازأخى بما كنت أطمع فيه، أو
حل محلى فيما كنت فيه، بطريق مشروع، ودون إيذاء منه لى، ينبغى أن أحبه له ولا أحقد عليه، ولا
أجد فى نفسى حاجة مما أوتى ولو كان بى خصاصة، لأنى أحب له ما أحب لنفسى، ومعنى هذا أن
المنافسة بين الأقران فى المشروع مشروعة بالطريق المشروع، فالمنافسة فى الدرجات والمناصب
الدنيوية جائزة بين المستحقين لها، فإن اعتدى من أجلها أدنى على أعلى. أو سعى لها أحد
المتساويين سعياً غير مشروع كانت غير مشروعة.
أما المنافسة فى الأمور الدينية والأخروية فهى واجبة فى الواجبات مندوبة فى المندوبات، قال
تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: ٢٦].
وقد أورد الحافظ ابن حجر على الحديث إشكالا وجوابه، نصه، فإن قيل: فيلزم أن يكون من
حصلت له هذه الخصلة مؤمناً كاملا وإن لم يأت ببقية الأركان؟ أجيب بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو
يستفاد من قوله ((لأخيه المسلم)» ملاحظة بقية الصفات. اهـ
وهذا الإشكال لا يرد على الحديث، إنما يرد لوكان نصه: المؤمن الذى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه، كما ورد هذا الإشكال وأجبنا عنه فى حديث ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)).
أما لفظ الحديث الذى معنا فهو ((لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) فلا يرد عليه
هذا الإشكال. فإن قولنا: لا يكون أحدكم عالماً حتى يدرس علوم القرآن ليس معناه أن من درس علوم
القرآن وحده يكون عالماً، وإنما معناه أنه لا يكمل علمه إلا بدراسته.
وإذا كان من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه كان منه أيضاً أن يبغض لأخيه مايبغض
لنفسه، ولم يذكره الحديث لأن حب الشىء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء.
ويؤخذ من الحديث
١- الحث على التواضع.
٢- السعى وراء أسباب المحبة بين الناس.
٣- البعد عن الأثرة وحب النفس أكثر من الغير.
٤- الزجر عن الحقد والغش والحسد ونحوها من الصفات الذميمة التى تورث التباغض والتدابر بين
الناس.
(ملحوظة) أرجأنا الكلام عن حب المؤمن لجاره ما يحب لنفسه الوارد فى هذا الحديث إلى
موضوعه الآتى.
والله أعلم
١٦٩
(٢٧) باب النهى عن إيذاء الجار
٧٦ - ٣٣ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٧٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: « لا يَدْخُلُ الْجَنْةَ مَنْ لا يَأْمَنُ
جَارُهُ بَوَائِقَهُ ».
المعنى العام
إن الأمن على النفس والمال والعرض من نعم اللَّه الكبرى، وأقرب الناس تهديداً لهذا الأمن هو
الجار، لأن الحذر منه أصعب من الحذر من غيره، والضرر منه أشد خطراً من الضرر من غيره، إنه
يعرف كثيراً من الخفايا. ويكشف كثيراً من الأستار، ويطلع على كثير من العيوب، إنه أعلم بمواطن
الضعف، وأقدر على توصيل الأذى.
والإسلام يحرص على استتباب الأمن، ونشر الطمأنينة والاستقرار بين أبناء المجتمع الواحد،
لهذا جعل مسالمة الجار من الإيمان، جعل حبس النفس عن أذى الجار من الإيمان، بل جعل خوف
الجار من الجار دليلا على ضعف إيمان الجار الذى بعث الخوف، وإن لم يصل ضرره لجاره بالفعل،
فقد روى أن النبى ﴿ قال: والله لا يؤمن. والله لا يؤمن. والله لا يؤمن. كررها ثلاثا، وكان متكئاً فقام،
وبدأ الغضب فى وجهه الشريف، حتى انزعج الصحابة، فقالوا: من يا رسول اللَّه هذا الذى تقسم على
سلب إيمانه؟ ومن سلب إيمانه لا يدخل الجنة، فمن هو الذى خاب وخسر؟ قال: الذى لا يأمن جاره
أذاه، والذى يخاف جاره اعتداءه، والذى لا يطمئن جاره لجواره.
نعم هذا التشريع الحكيم لو أمن كل جارجاره، وكف كل جار عن ضرر جاره، وحمى كل جار
محارم جاره، لكانت المدينة الفاضلة، ولكان المجتمع الموادع الأمين، ولعاش الناس سعداء آمنين.
المباحث العربية
( من لا يأمن جاره بوائقه) وفى رواية ((من خاف جاره بوائقه)» والبوائق جمع بائقة، وهى
الداهية والشىء المهلك، والأمر الشديد الذى يوافى بغتة.
فقه الحديث
فى حد الجوار شرعاً خلاف، فعن على - كرم الله وجهه- من سمع النداء فهو جار، وعن عائشة
والأوزاعى: حد الجوار أربعون داراً من كل جانب.
(٧٣) حَدََّا يَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقْنِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ جَمِيعًا عَنِ إِسْمَعِيلَ بْنٍ جَعْفَرٍ قَالَ ابْنُ أَيُوبَ حَدَّقْنَا إِسْمَعِيلُ قَالَ
أَخْتُرَبِي الْعَلَاءُ عَنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
١٧٠
نعم الجار الجنب أولى بكل حق من حقوق الجوار ممن بعد، ولكن لكل من القريب والبعيد حقه،
وكف الأذى عن الجميع واجب، بل إدخال الأمن والطمأنينة على الجميع واجب.
وهناك أمثلة من الأذى قد يستهين بها الجار، ويظنها حقاً له، فلا يعبأ بجاره، ولا يراعى شعوره،
فيتحقق بذلك أذاه، منها:
وضع الجذع على جداره، وصب الماء أمام داره، وطرح التراب والحصى فى فنائه، وتضييق
طريقه، والنظر إلى حرماته، وكشف عوراته.
وقد جاء فى الحديث الشريف قالوا: يا رسول اللّه، ما حق الجار على الجار؟ قال: ((إن
استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقرعدت عليه،
وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابه مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء
فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له
منها، فإن لم تفعل فأدخلها سراً، ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده )).
وقد جاء فى رواية البخارى: ((واللَّه لا يؤمن. والله لا يؤمن. والله لا يؤمن: قيل: ومن يا رسول اللَّه؟
قال: الذى لا يأمن جاره بوائقه»، فنفى الإيمان عمن يؤذى جاره نفى كمال كما سبق.
وأما نفى دخوله الجنة فى رواية مسلم فقد قال عنه النووى: فى معنى ((لايدخل الجنة)) جوابان
يجريان فى كل ما أشبه هذا.
أحدهما: أنه محمول على من يستحل الإيذاء مع علمه بتحريمه، فهذا كافر لا يدخلها أصلا.
والثانى: معناه جزاؤه أن لا يدخلها وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم، بل يؤخر، ثم قد
يجازى، وقد يعفى عنه فيدخلها، وإنما تأولنا هذين التأويلين، لأنا قدمنا أن مذهب أهل الحق أن من
مات على التوحيد مصراً على الكبائر، فهو إلى اللّه تعالى: إن شاء عفا عنه فأدخله الجنة أولا، وإن
شاء عاقبه، ثم أدخله الجنة.اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: فى الحديث مبالغة تنبئ عن تعظيم حق الجار وأن إضراره من الكبائر.
ومنع أذى الجار أعم من أن يكون مسلماً أو غير مسلم، ففى الحديث ((الجيران ثلاثة، جارله حق
واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، فالجار الذى له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم، فله
حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم، وأما الذى له حقان فالجار المسلم، له حق الجوار وحق
الإسلام، وأما الذى له حق واحد فالجار المشرك له حق الجوار».
وفى تغليظ حرمة الجار وحرمة إيذائه. قيل لرسول اللّه: ((إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل،
وتؤذى جيرانها، فقال رسول اللّه﴿: هى فى النار)) رواه أحمد والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
وقال ابن أبى جمرة: إذا أكد حق الجار مع الحائل بين الشخص وبينه وأمر بحفظه وإيصال
الخير إليه، وكف أسباب الضرر عنه، فينبغى أن يراعى حق الحافظين الذين ليس بينه وبينهما جدار
١٧١
ولا حائل، فلا يؤذيهما بإيقاع المخالفات فى مرور الساعات، فقد جاء أنهما يسران بوقوع الحسنات
ويحزنان بوقوع السيئات، فينبغى مراعاة جانبهما. وحفظ خواطرهما بالتكثير من عمل الطاعات؛
والمواظبة على اجتذاب المعصية، فهما أولى برعاية الحق من كثير من الجيران.
والله أعلم
١٧٢
(٢٨) باب إكرام الجار والضيف وفضيلة حفظ اللسان
٧٧- ٤ُجَ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٧٤) عَنٍ رَسُولِ اللَّهِفَ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَان
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ صَيْفَهُ».
٧٨- ◌ْل عَنِ أَبِي هُرَّيْرَةَ عَلِ(٧٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ﴿ِ، «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ فَلا يُؤْذِي جَارَهُ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ».
٧٩- ٧٦ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٧٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ، بِمِثْلٍ حَدِيثِ أَبِي حَصِينٍ.
غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ « فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ».
٨٠- ٣٣ عَنِ أَبِي شَرَّيْحِ الْخُزَاعِيِّ ﴾(٧٧) أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: «مَنْ كَانٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ».
المعنى العام
ثلاث خصال من سمات المؤمن بالله وبالبعث والجزاء، ثلاث خصال هى جماع الخير وأمهات
مكارم الأخلاق.
أولى هذه الخلال إكرام الجار، والإحسان إليه، وقد أشار الحديث الشريف الذى رواه مسلم قبل
هذا إلى نفى الإيمان عمن يؤذى جاره، وبه حمى الإسلام الجار من جاره، لكنه لم يكتف بهذه الحماية،
بل حث فى هذا الحديث على إكرامه والإحسان إليه، وكم كررت الشريعة الوصاية بالجار، ومازال
جبريل يوصى رسول اللَّه * بالجار حتى ظن صلى اللّه عليه وسلم أن اللَّه سيحكم للجار بالميراث
من جاره.
(٧٤) حَدَِّي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَنْأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ عَنٍ أَبِي سَلَّمَةَ بْنٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٧٥) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَّصِ عَنِ أَبِي حُصَيْنَ عَنٍ أَبِي صَالِحٍ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةً
(٧٦) وحَدََّا إِسْحَقُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَعْبُرَنَا عِيسَى بْنُ يُونِّسَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ أَبِي صَالِحِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(٧٧) حَذََّا ؤُهَرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنٍّ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ جَمِيعً عَنِ ابْنٍ غَنَّةٌ قَالَ ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدََّا سُفْيَاهُ عَنِ عَمْرٍو أَنْهُ سَمِعَ نَافِعَ
ابْنَ جُبَيْرٍ يُخْرُ عَنٍ أَبِي شُرَيْحٍ الْخَزَاعِيِّ
١٧٣
ثانية هذه الخلال إكرام الضيف، وكل إنسان عرضة لأن يكون ضيفاً فى يوم من الأيام ينزل فى
بلد لا أهل له فيها ولا وطن، ولا وسيلة للعيش فمن له غير أخيه المسلم يضيفه ويكرمه؟ فتتوثق عرى
المحبة بين المسلمين.
نعم إكرام الضيف من خلق النبيين، ومن شمائل المقربين، وقد ذكره الله لنبيه إبراهيم
القَلْلُ على أنه مكرمة من مكارم الأخلاق، إذ قال ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾
فَقَرََّهُ إِلَيْهِمْ﴾ [الذاريات: ٢٧،٢٦]
وبعد هاتين الخلتين العمليتين بقيت خلة مكملة متممة لمن لم يتيسرله العمل بجوارحه لإكرام
جاره وإكرام ضيفه، عليه أن يقول كلمة الخير، فالكلمة الطيبة صدقة، فإن لم تتيسر له كلمة الخير
فليحبس لسانه، وليصمت عن الكلام، وليمسك عن الشر؛ فإن ذلك من الإيمان، ورحم الله عبداً تكلم
فغنم، أو سكت فسلم.
المباحث العربية
( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) جمع بين المبتدأ والمعاد، أى من جمع بين
طرفى الإيمان.
( فليقل خيراً) ((خيراً)) صفة لمصدر محذوف، أى قولا خيراً، أو صفة لمفعول محذوف أى
فليقل مقولا خيراً، وسيأتى بيان القول الخير فى فقه الحديث.
( أوليصمت ) لام الأمر هنا مكسورة على الأصل، وفى الفعل السابق ساكنة. قال صاحب مغنى
اللبيب: اللام الموضوعة للطلب حركتها الكسر، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها. اهـ
و)) يصمت)) بضم الميم مضارع صمت [بفتحها من باب دخل] صموتا، وحكى بكسر الميم فى
المضارع من باب ضرب ((صمتا)) وفى الرواية الثانية والثالثة ((أو ليسكت)) والمعنى واحد.
( ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر) كرره للإيذان بأن كل واحدة من الثلاث مستقلة
بالطلب لا تابعة لأختها، وأن من كان هذا شأنه ينبغى أن يحصل كلا من الثلاث، وأن يحرص على
كل منها باهتمام.
(فليكرم جاره) وفى الرواية الثالثة ((فليحسن إلى جاره)) والإكرام والإحسان شىء زائد على
كف الشر، ومنع الأذى، الوارد فى الرواية الثانية، ولفظها ((فلا يؤذى جاره)) وهى فى أصول صحيح
مسلم ((فلا يؤذى)) بالياء، على أن ((لا)) نافية، والجملة خبر فى معنى النهى، وهو-كما قال العلماء-
أبلغ من النهى الصريح، لأنه يشعر بأن النهى امتثل، وأصبح المنهى عنه منتفياً يخبر عنه بالنفى
وعدم الوقوع.
١٧٤
وروى فى غير مسلم ((فلا يؤذ)) بحذف الياء، على أن ((لا)) ناهية، وكلاهما صحيح وكثير، فقد قرئ
بالجزم والرفع فى قوله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةَ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] وورد الجزم والرفع فى الحديث
((لا يبيع أحدكم على بيع أخيه)».
( فليكرم ضيفه) لفظ «ضيف)) يطلق على الواحد والجمع، وجمع القلة أضياف، وجمع الكثرة
ضيوف وضيفان.
فقه الحديث
فائدة الترشيح بقوله ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)) قبل الأوامر الثلاثة - التهييج وإثارة
المشاعر لالتزامها والمحافظة عليها، فكأنه يقول: يا من تحليتم بشعار الإيمان بالله واليوم الآخر، ويا
من وصلتم إلى هذه الدرجة من الطهر عليكم أن تكملوا أنفسكم باتباع هذه الأوامر، ولا تدنسوا هذا
النقاء بنقائضها.
ونظير هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْقُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
والحديث يتعرض لأوامر ثلاثة: إكرام الجار، وإكرام الضيف، ولزوم الصمت إلا عن الخير.
١- أما إكرام الجار: فقد تقدم الزجر عن إيذائه، فالحديث السابق كالتخلية، وهذا الحديث بالنسبة
للجار كالتحلية، وقد وصى اللَّه تعالى بالإحسان إلى الجار، فقال ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْركُوا بِهِ
شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِفِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُّبِّ﴾
[النساء: ٣٦]. [أَى الجار الذى بينك وبينه قرابة ورحم والجار الجنب أى الأجنبى] وهذا قول
الأكثر، وقيل الجار القريب المسلم، والجار الجنب غير المسلم، وقيل: الجار القريب المرأة
والجنب الرفيق فى السفر.
وروى البخارى عن رسول اللَّه # أنه قال: «مازال جبريل يوصينى بالجارحتى ظننت
أنه سیورثه».
واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والمقيم، والنافع
والضار، والقريب والأجنبى، والأقرب داراً والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من
اجتمعت فيه الصفات الأول كلها [المسلم العابد الصديق الغريب النافع القريب] ثم أكثرها وهلم
جرا، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى فيعطى كل حقه حسب حاله.
والأمر بالإكرام يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون فرض عين، وقد يكون فرض
كفاية، وقد يكون مستحباً، ويجمع الجميع أنه من مكارم الأخلاق.
وكان الصحابة يحسنون إلى الجار الكافر، فقد روى البخارى فى الأدب المفرد أن عبدالله ابن
عمرو لما ذبحت له شاة أمر أن يهدى منها لجاره اليهودى.
١٧٥
ويحصل إكرام الجار بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة كالهدية والسلام وطلاقة
الوجه عند لقائه، وتفقد حاله، ومعاونته فيما يحتاج إليه وموعظته بالحسنى، والدعاء له.
وغير الصالح إكرامه - زيادة على ما سبق- كفه عن الذى يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب
الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وسترزلته، فإن أفاد فبها ونعمت، وإلا هجر بقصد تأديبه على
ذلك مع إعلامه بالسبب ليكف.
وأما الكافر فبوعظه وعرض الإسلام عليه وتبيين محاسنه والترغيب فيه برفق مع إرادة الخير
للجميع، والدعاء بالهداية، وترك الإضرار.
٢- وأما إكرام الضيف: فبالبشاشة فى وجهه، والترحيب بقدومه، وإنزاله المكان اللائق به المقدور
عليه، وتقديم المناسب له من الطعام والشراب.
وقد اختلف العلماء فيما يقدم للضيف، هل يقدم ما حضر، وما اعتاد أكله أهل البيت ولا يزاد؟ أو
يتكلف له شىء من البرويتحف زيادة على عادة البيت؟
والجمهور على أنه يتكلف له فى اليوم الأول بالبر والألطاف، ويقدم له ما حضر دون تكلف فى
اليومين الثانى والثالث، أخذاً من الحديث الصحيح الذى رواه البخارى عن النبى 8 قال: «من
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام فما بعد ذلك
فهو صدقة)) قال الخطابي: معناه: أنه إذا نزل به ضيف أن يتحفه ويزيده فى البرعلى ما
بحضرته يوما وليلة، وفى اليومين الأخيرين يقدم له ما يحضره، فإذا مضى الثلاث فقد قضى
حقه، فما زاد عليها مما يقدمه له يكون صدقة.
كما اختلفوا فى الضيافة: هل هى واجبة أو مكرمة؟ فذهب الليث إلى أنها واجبة يوماً وليلة،
واستدل بحديث ((ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم» وبحديث عقبة الذى رواه البخارى، قال
عقبة: ((قلنا للنبى : إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا، فما ترى فيه؟ فقال لنا: إن نزلتم بقوم
فأمرلكم بما ينبغى للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف)»، فظاهر الحديث أن
قرى الضيف واجب، وأن المنزول عليه لوامتنع من الضيافة أخذ منه قهراً.
وذهب الجمهور وعامة الفقهاء إلى أنها من آداب الإسلام، وهى سنة ومكرمة واستدلوا بقوله
صلى الله عليه وسلم ((جائزته يوم وليلة)) والجائزة العطية والمنحة والصلة، وذلك لا يكون إلا مع
الاختيار، كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم ((فليكرم ضيفه)» و))فليحسن إلى ضيفه)» إذ هذا
الأسلوب لا يستعمل فى الواجب، كما أن إكرام الضيف مضموم إلى إكرام الجار والإحسان إليه،
وذلك غير واجب.
وأجابوا عن الحديثين اللذين استدل بهما الليث، بأن ذلك كان أول الإسلام إذ كانت المواساة
واجبة ثم نسخ، أو أن ذلك فى الضيف المضطر.
كما اختلفوا: هل الضيافة على أهل الحضر وأهل البادية جميعاً؟ أو هى على أهل البادية خاصة؟
١٧٦
فذهب الشافعى ه إلى أنها عليهما على السواء، وقال مالك: إنما هى على أهل البوادى، لأن
المسافر يجد فى الحضر المنازل فى الفنادق، ومواضع النزول، وما يشترى من المأكل فى
الأسواق.اهـ
والذى تستريح إليه النفس فى مواضع الخلاف الثلاثة أن الأمر يختلف باختلاف حال الضيف،
وباختلاف حال المنزول عليه، وباختلاف ظروف الضيافة.
ففى الموضع الأول قد يكون الضيف فقير الحال، والمنزول عليه ميسورها، فيكون فيما يقدم
للضيف إتحاف وإكرام له، وإن كان على عادة أهل البيت أو أقل من عادتهم.
وقد يكون العكس فيحسن التكلف، وقد يكون الضيف من الأصدقاء الذين يحبون البساطة،
ويكرهون التكلف، ليشعروا برفع الحرج، فيحسن تقديم ما حضر.
لكن طلاقة الوجه وحسن اللقاء وحسن المقام وحسن التوديع مطلوب فى جميع الأحوال.
وفى الموضع الثانى: قد يكون الضيف مضطراً فتكون الضيافة واجبة بقدر الضرورة وإلا فهى من
مكارم الأخلاق.
وفى الموضع الثالث: قد يكون الضيف النازل على أهل الحضر لا يملك مايشترى به قوته، ولا ما
ينزل به فى الفنادق، وقد يكون الضيف النازل على أهل البادية يحمل معه زاداً يكفيه، وبيتاً
يقيمه ويرسيه، فى مثل هاتين الصورتين تكون الضيافة مشروعة على أهل الحضر، دون أهل
البادية. فإطلاق الخلاف فى المواضع الثلاثة لايستقيم، وللشرع أهدافه وللتشريع حكمته، والمراد
تحقيق حكمة التشريع من التواد والألفة والمواساة.
ولايفوتنا - وقد بسطنا حق الضيف والواجب له- أن نبين الواجب عليه، فعلى الضيف أن يكون
خفيف الظل، خفيف السؤال، لطيف الطلب، محافظاً على آداب الضيافة مراعياً حرمة المنزل
الذی یضيفه.
فلا يحل له أن يطيل الإقامة حتى يحرج صاحب البيت ويوقعه فى الضيق والإثم، فقد جعل صلى
الله عليه وسلم ما يقدم للضيف بعد الثلاث فى حكم الصدقة، وأطلق عليه لفظ الصدقة تنفيراً، لأن
كثيراً من الناس خصوصاً الأغنياء يتأففون غالباً من أكل الصدقة.
ولا يتأفف مما يقدم له مهما قل، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبيل﴾
[التوبة: ٩١]، وروى أحمد والحاكم عن سلمان قوله: نهانا رسول اللّه ﴿ أن نكلف للضيف وَسأق
قصته مع ضيفه، وفيها أن ضيفه طمع فى الإتحاف والزيادة، فرهن سلمان مطهرته واشترى له ما
يتحفه به، فلما أكل الضيف، قال: الحمد للَّه الذى قنعنا بما رزقنا، فقال له سلمان: لوقنعت ما
كانت مطهرتى مرهونة.
وحكى ذلك للنبى {*، فقال: صدق سلمان.
١٧٧
٣- وأما النطق بخير أو الصمت فيمكن تقسيم الكلام والصمت من حيث الأحكام الشرعية
إلى ستة أنواع:
أ - كلام واجب كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر باللسان حيث أمكن، وكشهادة الحق،
وكالعبادات القولية الواجبة، فهذا لا شك فى خيريته، والنطق به واجب، يثاب عليه.
ب- كلام مندوب كالوعظ ونشر العلم والأذكار المستحبة، والكلام الذى يؤدى إلى خير دنيوى
مشروع، وهو كذلك خير محقق، والنطق به مستحب يثاب عليه.
جـ- كلام محرم تحريماً ظاهراً، كالكذب والغيبة والنميمة والسخرية والاستهزاء والسب والفحش،
والخوض فى الباطل (كالغزل وذكر محاسن النساء والخمور والمحرمات). فهذا لا خير فيه،
والإمساك عنه واجب.
د - كلام غير محرم فى حد ذاته، لكنه يجر إلى محرم تحقيقاً أو غالباً كالتقعر فى الكلام، فإنه
يجر إلى المقت والبغض، وكالوعد مع نية الخلف، وكمجادلة من يغضب، وكممازحة من لا
يحب المزاح، وهذا أيضاً لا خير فيه، والإمساك عنه واجب.
هـ- كلام لا خير فيه: مشكوك فى أنه يجر إلى ضرر أو مكروه، كالكلام فيما لا يعنيك، والزيادة عن
قدر الحاجة فيما يعنيك، وهذا هو المعروف بفضول الكلام، فالإمساك عنه مندوب والصمت
عنه مستحب.
و - كلام مباح يستوى طرفاه.
فالنوعان الأولان داخلان فى الأمر الأول ((فليقل خيراً)).
والثالث والرابع والخامس داخلة فى الأمر الثانى ((ليصمت)).
والأمر على هذا لمطلق الطلب واجباً كان المطلوب أو مستحباً.
وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف فى النوع السادس ككلام الناس ومسامرتهم فيما لا يضر، هل
يدخل فى الأمر الثانى؟ أو لا يدخل فى الأمرين؟.
جمهور العلماء على أنه يدخل فى الأمر الثانى، لأن الأمر الأول موجه للقول الذى تحقق أو ترجح
خيره «فليقل خيراً)) وهذه المسامرة مفروض أنه لا خير فيها ولا شر، والأمر بالصمت توجه لما لا
خیرفیه.
قال النووى فى شرحه للحديث: معناه أنه إذا أراد أن يتكلم فإن كان ما يتكلم به خيراً محققاً
يثاب عليه واجباً أو مندوباً فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء
ظهرله أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوى الطرفين، فعلى هذا يكون الكلام المباح مأموراً بتركه
مندوباً إلى الإمساك عنه، مخافة من انجراره إلى المحرم أو المكروه وهذا يقع فى العادة كثيراً أو
غالبا، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلِ إِلاَ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] واختلف السلف
١٧٨
والعلماء فى أنه: هل يكتب جميع ما يلفظ به العبد، وإن كان مباحا لا ثواب فيه ولا عقاب لعموم
الآية؟ أم لا يثبت إلا ما فيه جزاء من ثواب أو عقاب؟.
إلى الثانى ذهب ابن عباس وغيره من العلماء، وعلى هذا تكون الآية مخصوصة، أى ما يلفظ
من قول يترتب عليه جزاء. اهـ
والذى أميل إليه أن الكلام المباح غير مأمور بتركه، وغير مندوب الإمساك عنه، بشرط أن يكون
بمقدار لا يصل إلى النوع الخامس، لأن تسميته مباحاً يتنافى مع الأمر بتركه والندب للإمساك
عنه، وكلام الإمام النووى يشبه قولنا: مباح مأمور بتركه، أو مباح مندوب تركه، وهو كلام ظاهره
الخلط بين الأحكام الشرعية التى تفرق بين المندوب والمباح.
كما أن احتمال جر المباح إلى المحرم أو المكروه كاحتمال جره إلى الواجب أو المندوب، فلا
يمنع المباح لهذا الاحتمال.
يؤيدنى فى هذا الميل ما نقله النووى عن الإمام الشافعى، إذ قال: إذا أراد أن يتكلم فليفكر، فإن
ظهرله أنه لا ضرر عليه تكلم، وإن ظهر له فيه ضرر أو شك فيه أمسك.اهـ
وهنا ينبغى أن نلاحظ أننا لسنا فى مقام التفضيل بين الصمت وبين الكلام المباح، حتى نقول:
إذا كان الكلام من فضة كان السكوت من ذهب، وإنما الذى حرصت على بيانه هو أن الكلام
المباح غير مأمور بتركه، أما أن السكوت خير منه، أو هو خير من السكوت فليست الخيرية
بينهما مطلقة، فإن أدى السكوت إلى التفكر فى آلاء اللَّه والعظة والتدبر كان خيراً منه، وحينئذ
تکون المقارنة بين مندوب إلیه وبين مباح.
وإن أدى السكوت إلى حديث النفس الأمارة بالسوء، وإلى التخطيط فى الشركان الكلام المباح
خيراً منه، وتكون المقارنة بين مكروه وبين مباح.
وإن لم يؤد السكوت إلى خير ولا إلى شر، ولم يؤد الكلام المباج إلى خيرولا إلى شر. كانا مباحين
غير مأمور بترك أحدهما، وإن كانت السلامة فى السكوت أكثر. والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث
١ - تعظيم حق الجار.
٢- الحث على إكرام الضيف.
٣ - الأمر بقول الخير.
٤- إمساك اللسان عن الشر.
٥- أن إكرام الضيف والجار وحفظ اللسان من صفات المؤمن، وليس معنى ذلك انتفاء الإيمان عمن
فقد هذه الصفات، فإن عبارة ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)» أريد بها المبالغة والحث على
١٧٩
الالتزام، كما نقول: من كان ابنى فليطعنى، إذ المقصود منه التهييج على الطاعة بذكر الباعث
عليها وهو البنوة.
والباعث هنا على الانصياع للأوامر الثلاثة هو الإيمان بالله وبجزائه، وهو لا يظلم مثقال ذرة، وإن
تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً.
والله أعلم
١٨٠