Indexed OCR Text

Pages 81-100

(والله لو منعونى عقالا) ذهب جماعة إلى أن المراد بالعقال زكاة عام، وهو معروف فى
اللغة بذلك، وهو قول الكسائى وأبى عبيد والمبرد وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء.
وذلك لأن العقال هو الحبل الذى يعقل به البعير، وهو لا يجب دفعه فى الزكاة، فلا يجوز
القتال عليه.
وذهب الأكثرون إلى حمل العقال أولا على حقيقته، وأن المراد به الحبل الذى يعقل به البعير، ثم
أريد به قدر قيمته، خرج مخرج التقليل لا مخرج الحقيقة، وكل ما كان فى هذا السياق أحقر فهو أبلغ.
والعرب إذا بالغت فى التقليل تذكر ما لايقصد به الحقيقة، ومنه الحديث ((لا تحقرن جارة لجارتها
ولو فرسن شاة)»(١) والحديث ((من بنى للَّه مسجدا ولو كمفحص قطاة (أى عش طائر صغير) بنى الله
له بيتا فى الجنة)) ويقوى هذا الرأى رواية ((لو منعونى جَدْيا أَذْوَطَ)) والأذوط الصغير الفك والذقن. قال
النووى: وهذا هو الصحيح الذى لاينبغى غيره.
(فوالله ما هو إلا أن رأيت اللَّه عز وجل قد شرح صدر أبى بكر للقتال) الفاء فى
جواب ((أما)) المحذوفة، والتقدير: ذاك موقف أبى بكر، أما موقفى فوالله ما هو إلا أن رأيت ... إلخ.
وضمير ((هو)) للحال والشأن، والمراد من الرؤية العلم والمعرفة، وإيقاع الرؤية على اللَّه غير مقصود
بل المقصود إيقاعها على شرح اللَّه صدر أبى بكر، والاستثناء مفرغ من عموم الأخبار، أى أما حالى
فواللَّه ما هو إلا أن عرفت شرح اللَّه صدر أبى بكر للقتال.
(فعرفت أنه الحق) اسم ((أن)) يعود على القتال، أى فعرفت أن قتال مانعى الزكاة هو
الحق، ظهرلى ذلك عن طريق الحجة والبرهان لا عن طريق التقليد والإذعان.
فقه الحديث
يمكن حصر الكلام عن الحديث فى خمس نقاط:
الأولى: بيان حال مانعى الزكاة وشبهتهم وردها، وحكمهم فى الإسلام.
الثانية: توضيح المناظرة بين أبى بكر وعمر، وبسط حجة كل منهما.
الثالثة: حكم أبى بكر فيهم بعد الغلبة عليهم، وموقف عمر من هذا الحكم.
الرابعة: موقف الروافض، وإدانتهم أبا بكر فى المسألة، والرد عليهم.
الخامسة: ما يؤخذ من الحديث.
(١) فِرْسِنُ الشاة: ظِلْفُها.
٨١

وهذا هو التفصيل
١ - تبين فى المعنى العام أن أهل الردة كانوا صنفين. صنفا ارتدوا عن الدين وعادوا إلى الكفر، وهم
الذين عناهم أبو هريرة بقوله: ((وكفر من كفر من العرب)» وصنفا بقوا على ما كانوا عليه من
الإقرار بالشهادتين والتزام الصلاة والصيام والحج، لكنهم أنكروا وجحدوا فرض الزكاة ووجوب
تسليمها للإمام بتأويل باطل سيأتى، وهؤلاء هم موضوع المناظرة.
وإطلاق الردة على هؤلاء لدخولهم فى غمار أهل الردة، ومناصبتهم الإمام ومشاركتهم
المرتدين فى منع بعض حقوق الدين، فهو قريب من الإطلاق اللغوى دون الإطلاق
الشرعى، فالمرتد فى اللغة كل من انصرف عن أمركان مقبلا عليه، وقد وجد من هؤلاء
القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الزكاة.
ولهذا لم يؤثر عن الصحابة أنهم سموا هؤلاء كفارا، لأنهم لم يرتدوا حقيقة.
وحقيقة ما يتصفون به شرعا أنهم أهل بغى، إذ البغى الخروج عن طاعة الإمام مغالبة له، والبغاة
قسمان: أهل عناد، وأهل تأويل، وللإمام قتال الصنفين على ما سيأتى فى قتال البغاة.
وشبهة هذا الصنف أن الخطاب فى قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا
وَصَلِّ عَلَّيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] خطاب خاص فى مواجهة النبى ﴿ ﴿ دون غيره،
وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على
المتصدق ما للنبى ﴾﴾.
ورد هذه الشبهة إنما هو بمنع كون الخطاب فى الآية خاصا، وبمنع قصر الشرائط المذكورة فى
الآية عليه صلى اللّه عليه وسلم.
وذلك أن خطاب كتاب اللَّه تعالى على ثلاثة أوجه:
(أ) خطاب عام كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا .. ﴾ [المائدة: ٦]
الآية وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].
(ب) وخطاب خاص للنبى *، لا يشركه فيه غيره، وهو ما أبين به عن غيره، وميز بعلامة
التخصص وقطع التشريك، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].
(جـ) وخطاب مواجهة للنبى ، وهو وجميع أمته فى المراد به سواء، كقوله تعالى: ﴿أَقِمْ الصَّلاةَ
لِحُلُّوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وكقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ
الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ونحو ذلك من خطاب المواجهة.
ومن هذا الوجه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] فهذا الخطاب غير مختص
به صلى الله عليه وسلم، وإنما على القائم بعده بأمر الأمة أن يحتذى حذوه فى أخذها منهم.
والفائدة فى مواجهة النبى 8# بالخطاب فى مثل هذا أنه هو الداعى إلى الله، والمبين
٨٢

عنه معنى ما أراد، فقدم اسمه فى الخطاب ليكون سلوك الأمر فى شرائع الدين على
حسب ماينهجه ويبينه لهم.
وربما كان الخطاب له مواجهة، والمراد غيره: كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكِّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكٌ
فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَفْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ.﴾ إلى ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤].
فأما التطهير والتزكية لصاحب الصدقة فإن مخرج الصدقة ينال ذلك بطاعة الله وطاعة رسوله
* فى إخراجها، وكل ثواب موعود به على عمل برفى زمنه صلى اللّه عليه وسلم فإنه باق غير
منقطع، أما الصلاة عليهم أى الدعاء لهم فإنه يستحب للإمام، وعامل الصدقة أن يدعو للمتصدق
بالنماء والبركة فى ماله، ويرجى أن يستجيب اللَّه ذلك.
وإنما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل؛ لأنهم نصبوا القتال، فجهز إليهم من دعاهم إلى الرجوع،
وأقام عليهم الحجة، فلما أصروا قاتلهم.
وهذا هو حكم الإسلام فيهم [أهل بغى وليسوا كفارا] وفى ذلك يقول مالك في الموطأ:
((الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى، فلم يستطع المسلمون أخذها منه
كان حقا عليهم جهاده)». اهـ
وليس معنى نفى الكفر عنهم نفيه عن أمثالهم فى زماننا، فإن من أنكر فرض الزكاة فى هذه
الأزمان كان كافرا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم عذروا لقرب العهد بزمان
الشريعة الذى كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ، وعذروا لأنهم كانوا جهالا بأمور الدين.
أما اليوم - وقد شاع دين الإسلام، واستفاض فى المسلمين علم وجوب الزكاة، حتى عرفها
الخاص والعام، واشترك فيه العالم والجاهل - فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله فى إنكارها، وكذلك
الأمر فى كل من أنكر شيئا مما أجمعت عليه الأمة من أمور الدين، إذا كان علمه منتشرا،
كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا والخمر، ونكاح
ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلا حديث عهد بالإسلام، ولا يعرف حدوده،
فإنه إذا أنكر شيئا منها جهلا به لم يكفر، وكان شأنه شأن أولئك القوم فى بقاء اسم الدين عليه،
ودعوته إليه، أما ما كان الإجماع فيه معلوما عن طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على
عمتها أو خالتها، وأن القاتل عمدا لا يرث المقتول وما أشبه ذلك من الأحكام فإن من أنكرها لا
يكفر، بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها فى العامة.
وأما من أقربوجوب الزكاة وامتنع عن أدائها أخذت منه قهرا، فإن أضاف إلى امتناعه نصب
قتال قوتل قتال البغاة.
٢- وبسط المناظرة أن عمر رأى القتال منفيا بقول: لا إله إلا الله، فإذا قيلت وجب الكف، وهؤلاء
المانعون للزكاة يقولونها، ومن قالها عصم نفسه وماله، وكان هذا من عمر له تعلقا بظاهر الكلام
قبل أن ينظر إلى آخره ويتأمل الاستثناء ((إلا بحقه)) أو أنه فهم قصر الحق على ما ورد فى
٨٣

الحديث الآخر ((الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)» فبين له أبو بكر
أن الزكاة حق المال، وأن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإبقاء شرائطها. ثم قايس
بالصلاة. فقال: أرأيت إذا لم يصلوا؟ وكأن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من الصحابة،
فرد الزكاة إليها، وبذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه.
فاجتمع فى هذه القضية احتجاج من عمر بالعموم، واحتجاج من أبى بكر بالقياس،
واستقر عند عمر صحة رأى أبى بكر - رضى الله عنهما - ويان له صوابه، فوافقه على
قتال القوم، ومن هذا استدل العلماء على أن العموم يخص بالقياس. والظاهر من
اعتراض عمر واستدلال أبى بكر - رضى الله عنهما - أنهما لم يحفظا عن رسول اللّه ◌ُ﴾
ماجاء فى الرواية الثانية لأبى هريرة من قوله ((ويؤمنوا بى وبما جئت به، فإذا فعلوا
ذلك عصموا ... )) الحديث ولا ما جاء فى الرواية الرابعة عن ابن عمر من قوله صلى اللّه
عليه وسلم ((ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا.)) الحديث.
فإن عمره لو سمع ذلك لما خالف، ولما احتج بالحديث فإنه بهذه الزيادة حجة عليه.
ولو سمع أبوبكر به هذه الزيادة لاحتج بها ولم يلجأ إلى القياس، فإنها نص فى المطلوب.
والقول بأنهما لم يسمعا هذه الزيادة أولى من القول بأنهما سمعاها ثم نسياها، وأولى كذلك من
القول بأن أبا بكر كان يحفظها، ولكنه استظهر بهذا الدليل النظرى.
وكل ما يرد على أنهما لم يسمعا هذه الزيادة هو: هل تعدد تحديث الرسول و8# بهذا الحديث، مرة
بالزيادة ومرة بدونها؟، فسمعه ابن عمر وغيره بالزيادة وسمعاه بدونها؟
أو كان التحديث به مرة واحدة فى مجلس واحد، وكانا بعيدين فلم يسمعا ما سمع الآخرون؟
الراجح الأول.
٣- وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم، هل تغنم أموالهم؟ وتسبى ذراريهم كالكفار؟
أو كالبغاة؟.
فرأى أبو بكر الأول وعمل به، وناظره عمر فى ذلك وذهب إلى الثانى، لكنه سلم لأبى بكر فى
الظاهر، لما يجب عليه من طاعة الإمام، فلما ولى عمر الخلافة عمل بالثانى ورد عليهم السبى،
ووافقه المسلمون على ذلك، واستقر الإجماع عليه فى حق من جحد شيئا من الفرائض بشبهة،
فيطالب بالرجوع، فإن نصب القتال قوتل كالباغى، ولم تغنم أمواله، ولم تسب ذراريه، وأقيمت
عليه الحجة، فإن رجع فبها ونعمت، وإلا عومل معاملة الكافر حينئذ.
ويقال: إن ((أصبغ)) من المالكية استقر على الأول، فعد من ندرة المخالف. قال القاضى عياض:
ويستفاد من هذه القصة أن الحاكم إذا أداه اجتهاده فى أمر لا نص فيه إلى شىء تجب طاعته
فيه، ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكما، وجب
عليه العمل بما أداه إليه اجتهاده.اهـ
٨٤

وقد اختلف فى رد عمر السبى. هل كان نقضا لفعل أبى بكرباجتهاد ثان منه؟. أو لم يكن نقضا،
وإنما فداهم من أيدى مالكيهم بما فتح الله به عليه، وأعتقهم تفضلا وصلة للقرابة؟.
الأصح الثانى، لأنه لم ينزع من يد أحد شيئًا إلا بعوض، ولو كان نقضًا لأخذهم من أيدى مالكيهم
بدون عوض، ولأنه فعل ذلك بكل من ملك من العرب وقال: ليس على عربى ملك.
٤- وقد زعم بعض الروافض أن قتال مانعى الزكاة كان عسفا، لأنهم كانوا متأولين فى منع الصدقة،
ومثل هذه الشبهة تعذرهم وترفع عنهم السيف، واتهموا أبا بكر بأنه أول من سبى المسلمين.
وقال الخطابى - رحمه الله - هؤلاء (الروافض) قوم لاخلاق لهم فى الدين وإنما رأس مالهم
البهت والتكذيب والوقيعة فى السلف، وقد بينا أن أهل الردة كانوا أصنافا، منهم من ارتد عن
الملة، ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء هم
الذين سماهم الصحابة كفارا، ولذلك رأى أبو بكر مه سبى ذراريهم، وساعده على ذلك أكثر
الصحابة، واستولد على بن أبى طالب جارية من سبى بنى حنيفة، فولدت له محمدا الذى
يدعى ابن الحنفية، ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى. اهـ
ويؤخذ من قول الخطابى أن أبا بكرلم يسب ذرارى مانعى الزكاة، وقد صرح بهذا فى موضع آخر
حيث نقل عنه قوله: واتفقوا على أن أبا بكرلم يسب ذرارى مانعى الزكاة إلا فى شىء روى عن
بعض الروافض ولا يعتد بخلافهم. اهـ
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - شجاعة أبى بكر، وتقدمه فى العلم على غيره، وقد أجمع أهل الحق على أنه من أفضل
أمة رسول اللّه ﴾.
٢ - جواز مراجعة الأئمة والأكابر للوصول إلى الحق.
٣- الأدب فى المناظرة بترك التصريح بالتخطئة، والعدول إلى التلطف، والأخذ فى إقامة الحجة.
٤- جواز الحلف على فعل الشىء لتأكيده.
٥- الاجتهاد فى النوازل، وردها إلى الأصول، والرجوع إلى الراجح.
٦ - القياس والعمل به.
٧- صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد ونفسه ولوكان عند السيف، ومحل عصمة أموال الكفار
بالشهادتين إذا قالوهما قبل حيازة أموالهم، أما بعد حيازتها فلا، على الصحيح.
٨- استدل النووى بالحديث على أن تارك الصلاة عمدا معتقدا وجوبها يقتل. قال الحافظ ابن حجر:
وفى هذا الاستدلال نظر، للفرق بين صيغة أقاتل وأقتل، وحكى البيهقى عن الشافعى أنه قال:
ليس القتال من القتل بسبيل، قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله.
٨٥

وفى قتل تارك الصلاة عمدا خلاف واسع عند الفقهاء، فعند الحنفية يحبس إلى أن يحدث توبة
ولا يقتل، وعند أحمد فى رواية أكثر أصحابه أن تارك الصلاة عمدا يكفر ويخرج عن الملة، وعليه
فحكمه حكم المرتد يقتل ولا يُغسِّ، ولا يصلى عليه، وتبين منه امرأته، وعند الشافعية يقتل حدا لا
كفرا، قيل: على الفور، وقيل: يمهل ثلاثة أيام.
٩- وجوب قتال مانعى الصلاة أو الزكاة.
١٠ - وجوب قتال أهل البغى.
١١ - اشتراط التلفظ بالشهادتين فى الحكم بالإسلام، وأن لا يكف عن القتال إلا بالنطق بهما،
واعترض بأن أهل الكتاب يترك قتالهم به أو بإعطائهم الجزية، وأجيب بأن الحديث المذكور
مقدم على مشروعية أخذ الجزية، وسقوط القتال بها، وقيل: إن المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها
التعبير عن إعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين، فيحصل فى بعض بالقتل وفى بعض بالجزية، وفى
بعض بالمعاهدة، وقيل: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسبب السبب سبب،
فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام.
١٢ - قبول توبة الزنديق، وفيها تفصيل وخلاف يطلب فى محله.
١٣ - عدم تكفير أهل الشهادة من أهل البدع.
١٤ - الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.
١٥ - الرد على المرجئة، حيث زعموا أن الإيمان لا يحتاج إلى الأعمال.
١٦ - أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة - رضى الله عنهم - ويطلع عليها آحادهم.
والله أعلم
٨٦

(١٠) باب وفاة أبى طالب، وما نزل بشأنه
٣٨- ٣٩- عَنِ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ ﴾(٣٩) قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبِ الْوَّفَاةُ.
جَاءَةُ رَسُولُ اللَّهِل ◌َ﴿َ. فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ. فَقَالَ رَسُولُ
اللّهِ وَ﴿ه «يَا عَمَّا قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، كَلِمَةٌ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ
بْنُ أَبِي أُمَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ! أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةٍ عَبْدِ الْمُطْلِبِ؟ قَلَمْ يَزّلْ رَسُولُ اللَّهِو ◌َ يَعْرِضُهَا
عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ ◌ِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلِّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةٍ عَبْدِ الْمُطَِّبِ
وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «أَمَا وَاللَّهِ! لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أَنْهَ
عَنْكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا
أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدٍ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنْهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [ التوبة: ١١٣]. وَأَنْزَّلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي
أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ
وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [ القصص: ٥٦].
٣٩- ٤١- عَنِ الزُّهْرِيّ(٤٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ صَالِحٍ الْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأَنْزَلَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الآيَتَيْنِ. وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: وَيَعُودَانِ فِي ◌ِلْكَ الْمَقَالَةِ، وَفِي حَدِيثٍ
مَعْمَرٍ مَكّانَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ. فَلَمْ يَزَالا بِهِ.
٤٠- ٤١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٤١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِفَ﴿ لِعَمِِّ عِنْدَ الْمَوْتِ «قُلْ لا إِلَّ إِلا اللَّهُ،
أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَأَبَى. فَأَنْزَّلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَيْتَ﴾ [القصص: ٥٦ ]
٤١- ٤٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ﴾(٤٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ لِعَمِّهِ «قُلْ لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ
لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالَ لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَّى ذَلِكَ الْجَزَعُ لِأَثْرَرْتُ
بِهَا عَيْنَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
(٣٩) وِحَدْفِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحتى النِّجِيُّ أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَتِي يُونُسُ عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ قَالَ: أخبرنى سَعِيدُ بْنُ
الْمُسْئِبِ، عَنْ أَبِهِ
(٤٠) وحَدََّا إِسْحَقُ بَّنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالاِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ح وَحَدْفَنَا حَسَنَ الْحُلْوَانِيُّ وَعَيْدُ بْنُ حُمَيْدٍ
قَالا حَذَثْنَا يَعْقُوبُ وَهُوَّ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ حَدََّتِي أَبِي عَنْ صَالِحِ كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ
(٤١) حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرْ قَالَّ حَدَّقْنَا مَرْوَانُ عَنْ تَزِيدَ وَهُوَّ ابْنُ كَيْسَانَ عَنَّ أَبِي ◌َخَازِمٍ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٤٢) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُّ حَاِمِ بْنِ مَيَّعُونِ حَدَّلَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّقْنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانٌ عَنْ أَبِيَ حَازِمِ اَلْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٨٧

المعنى العام
توفى والد رسول اللّه ◌ُ ل وهو حمل فى بطن أمه، فكفله جده عبد المطلب، حتى مات ورسول الله
* فى الثامنة من عمره، فكفله عمه أبو طالب، وكان فقيرا كثير العيال، فأنزل محمدا منزلة أعز
أبنائه، بل كان يصحبه فى أسفاره البعيدة ويترك أولاده، خشية أن يشعر فى غيابه بالوحشة ومرارة
اليتم، وعلمه التجارة، ثم زوجه خديجة.
ولما بُعِثَ صلى الله عليه وسلم وقام المشركون يعادونه ويؤذونه وقف أبو طالب يحميه ويدافع
عنه. وأرسلت قريش إلى أبى طالب أن يوقف محمداً 8# عن دعوته أو يخلى بينهم وبينه ولما قال
رسول اللَّه ◌َ﴿ قولته المشهورة ((واللَّه يا عم لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن
أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)) سانده عمه وشد من أزره، وطمأنه على
استمرار حمايته بقولته الخالدة: اذهب يا ابن أخى فقل ما شئت، وادع من شئت فوالله لا أخذلك،
ولا أسلمك إليهم أبدا.
ورضى أبو طالب أن تعاديه قريش من أجل محمد ، وقبل الحصار الاقتصادى، والمقاطعة
الاجتماعية فى شعب بنى طالب ثلاث سنين من أجل محمد .
وما أن نقضت صحيفة المقاطعة، وخرجوا من الشعب حتى مرض أبو طالب مرضه
الأخير، فقالت قريش مستهزئة ساخرة: أرسل إلى ابن أخيك يرسل إليك من هذه الجنة
التى يذكرها دواء يشفيك.
فلم يعبأ أبو طالب بهذا الاستهزاء وأرسل إلى ابن أخيه يدعوه لجواره فى لحظاته الأخيرة، حبا
فيه وحنانا عليه، فقدم إليه صلى اللَّه عليه وسلم، فوجد عنده رأسى الشرك أباجهل وابن أبى أمية.
ورأى صلى اللّه عليه وسلم عمه يحتضر، وكم كان صلى الله عليه وسلم حريصا على الخير له،
حريصاً على مكافأته على جميله، ورد بعض أياديه، وإنها الفرصة الأخيرة، وزمنها ضيق محدود، وإنه
صلى الله عليه وسلم ليدرك أن وجود هذين الشيطانين سيضعف وصوله إلى قلب عمه، وحبذا لولم
يكونا فى هذا المجلس، ولكنه ماذا يفعل؟ الدقائق تمضى، واللحظات الحاسمة قريبة، فليتعلق
بالأمل رغم العقبات، وليحاول رغم الصعاب، وليبذل غاية جهده من أجل مصير عمه، كما ضحى عمه
بالكثير من أجل مصيره.
فقال: يا عم، إنك أعظم الناس على حقا، وأحسنهم عندى يدا، ولأنت أعظم عندى حقا من والدى،
فقل كلمة صغيرة، خفيفة على اللسان، أشفع لك بها عند ربى يوم القيامة. قل: لا إله إلا اللَّه محمد
رسول اللَّه، أضمن لك بها الجنة.
وخاف الشيطانان أن يلين قلب أبى طالب لابن أخيه، وأحسا منه ترددا أو ميلا، فقالا: يا أبا
طالب. أترغب عن دين أبيك فى آخر حياتك؟ أتترك ملة عبد المطلب؟ فقال رسول اللّه :*: يا عم،
٨٨

قل الكلمة أشهد لك بها عند الله، فقال الشيطانان: يا أبا طالب، أنت فينا من قد علمت، وأنت
الرشيد، فلا تترك دين أبيك.
فنظر أبو طالب إلى ابن أخيه نظرة إشفاق وقال له: يا ابن أخى. لولا أن يكون عارًا لم
أبال أن أفعل.
فكرر رسول اللَّه عرض كلمة التوحيد، فكرر الشيطانان الصد عن سبيل الله، فأعاد أبوطالب
مقالته: يا ابن أخى، لولا أن تعيربها. فيقال: جزع عمك وخاف من الموت فقالها، لقلتها، وأقررت
بها عينيك.
ولم يزل رسول اللَّه يعرض عليه كلمة التوحيد، ولا يزالان به يحميانه ويثيران أنفته حتى
كانت آخر كلمة تكلم بها قوله: هو على ملة عبد المطلب. فقال صلى الله عليه وسلم تطييبا لخاطره.
ووفاء لفضله: واللَّه لأستغفرن لك ربى وأدعوه من أجلك ما حييت، ما لم أنه عنك. ونزعت روحه من
جسده وأحس صلى الله عليه وسلم بالأسى والأسف العميقين، فوجهه القرآن الكريم إلى التسليم لله،
والرضى بقضائه، ولو كان على غير هواه، فقال له جل شأنه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ
يَهْدِي مَّنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] وطمع صلى اللَّه عليه وسلم فى فضل اللّه، فأخذ
يستغفر لعمه بعد وفاته، كما أخذ يستغفر لأمه وأبيه، فقال المسلمون: مايمنعنا أن نستغفر لآبائنا
ولذوى قرابتنا؟ قد استغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه، ومحمد لأمه وأبيه وعمه، فأنزل اللّه تعالى: ﴿
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
أُصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].
المباحث العربية
( لما حضرت أبا طالب الوفاة ) بتقديم المفعول به على الفاعل، والمراد من حضور الوفاة
قربها، ففيه مجاز المشارفة، أو حضور دلائلها وعلاماتها، ففيه مجاز بالحذف.
( ياعم) ((عم)) منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة، فهو منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل
ياء المتكلم المحذوفة تخفيفا.
( قل: لا إله إلا اللَّه) قيل: إن كلمة التوحيد كناية عن الشهادتين شرعا، لأنه لا يثبت حكم
الإسلام إلا بهما، وقال ابن المنير: قول ((لا إله إلا الله)) لقب جرى على النطق بالشهادتين شرعا. وقال
بعضهم: يحتمل أنه لم يسأله إلا كلمة التوحيد، لأنه كان يعلم صحة رسالته صلى الله عليه وسلم. وهذا
القول ضعيف.
( كلمة ) منصوبة على البدل من مقول القول، أو على الاختصاص، ويصح رفعها على أنها خبر
لمبتدأ محذوف.
٨٩

(أشهد لك بها) الجملة فى محل النصب أو الرفع صفة ((كلمة)) وفى رواية ((أحاج لك بها عند
اللَّه تعالى)».
( أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ ) الهمزة للاستفهام الإنكارى التوبيخى، أى لا ينبغى أن
ترغب عن ملة عبد المطلب، ولم يقولا له: لا تفعل، خشية معاندتهم أنفة، فإن نفس الأبى تنفر من
النهى المباشر من النظير والمساوى.
والظاهر أن هذا القول لأحدهما، وعُدَّ رضى الآخر مشاركة فيه فنسب إليهما.
( يعرضها عليه ) بفتح الياء وكسر الراء؛ أى يعرض كلمة التوحيد على أبى طالب، أى يطلب
منه النطق بها.
(ويعيد له تلك المقالة) ظاهر العبارة أن فاعل ((يعيد)) يرجع إلى رسول اللَّه ﴿ فالمراد من
المقالة قوله ((أشهد لك بها عند اللَّه)) أو ((أحاج لك بها عند اللَّه تعالى))، وقيل: إن ضمير الفاعل لأبى
طالب، أى ويعيد أبو طالب رده، وهذا بعيد، لأن رد أبى طالب لم يسبق ذكره فى الحديث. وفى نسخة
((ويعيدان له تلك المقالة)» على التثنية لأبى جهل وابن أبى أمية، قال القاضى عياض: وهذا أشبه.
( آخر ما كلمهم) ((ما)» مصدرية، أى آخر تكليمه لهم، أو موصولة أى آخر الذى كلمهم به.
( هوعلى ملة عبد المطلب ) الظاهر أن نص عبارة أبى طالب: أنا على ملة ... فغير الراوى
ضمير المتكلم استقباحا للفظ المذكور. وهذا من محاسن التعبير.
(أما والله لأستغفرن لك) ((أما)) حرف تنبيه، وقيل: بمعنى حقا، وفى بعض النسخ ((أم))
بفتح الميم مع حذف الألف، قال النووى: وكلاهما صحيح. وفى كتاب الأمالى: ((ما)» المزيدة للتوكيد،
ركبوها مع همزة الاستفهام، واستعملوا مجموعهما على وجهين: أحدهما أن يراد به معنى ((حقًّا))
كقولهم: أما واللَّه لأفعلن، والآخر أن يكون افتتاحا للكلام بمنزلة ((ألا)» كقولك: أما إن زيدا منطلق،
وأكثر ما تحذف ألفها إذا وقع بعدها القسم.
(مالم أنه عنك) ((ما)) مصدرية زمانية؛ أى لأستغفرن لك مدة عدم نهي عنك، وفى رواية ((ما
لم أنه عنه)) أى عن الاستغفار.
﴿﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾) خبر بمعنى النهى أى ما
ينبغى لهم، قال الثعلبى: قال أهل المعانى: ((ما)» تأتى فى القرآن على وجهين: بمعنى النفى مثل قوله
تعالى ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [ النمل: ٦٠] والآخر بمعنى النهى كقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ
أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
(﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْنَى﴾) الواو للحال. وجواب ((لو)» محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: لو
كان المشركون أولى قربى فلا ينبغى الاستغفار لهم.
٩٠

(وأنزل اللَّه فى أبى طالب، فقال لرسول اللَّهِ ﴾﴿) ((فقال)) تفسير لأنزل، والآية مقصود
لفظها تنازعها الفعلان.
(﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾) مفعول ((أحببت)) محذوف، والتقدير: من أحببته لقرابته
ودفاعه عنّك، أو من أحببت هدايته.
( لولا أن تعيرنى قريش ) أى لولا أن تقبحنى قريش، وتسند إلى العار.
( يقولون ) بواو الجماعة العائد على قريش باعتبار معناه وأفراده، والجملة بيان للتعبير.
( إنما حمله على ذلك الجزع ) بالجيم والزاى، وهو الخوف من الموت، ونقله بعض أهل
اللغة ((الخرع)) بالخاء والراء المفتوحتين، وهو الضعف والخور.
(لأقررت بها عينك ) معنى أقر اللَّه عينه، بلغه أمنيته. حتى ترضى نفسه، وتقرعينه فلا
تستشرف لشىء، وقيل: معناه: أبرد اللَّه دمعته، لأن دمعة الفرح باردة، وقيل: معناه أراه الله ما يسره.
فقه الحديث
جمهور العلماء، والرأى المعتمد أن ((أبا طالب)) مات مشركا، وهذا الحديث نص فى ذلك وتؤيده
الآية الكريمة، ولا يلتفت إلى القول بأنه مات مؤمنا، اعتمادا على ماروى من أن العباس قال: (واللّه
لقد قال أخى الكلمة التى أمرت بها يا رسول اللَّه) لأن النبى : قال له: لم أسمعها، على أن العباس
قال ذلك قبل أن يسلم، ولو أداها بعد الإسلام لقبلت منه.
كما أنه لا يلتفت إلى قول القرطبى: وقد سمعت أن اللَّه تعالى أحيا عمه أبا طالب فآمن به.
فإن قيل: جاء فى بعض السير: أن أبا طالب كان مصدقا بقلبه، وفى صحة إيمان
المصدق بقلبه دون أن ينطق بلسانه خلاف، فهل يدخل إيمان أبى طالب فى هذا الخلاف
ويعد مؤمنا عند من يعتد بذلك؟
أجيب بأنه لا يدخل عند أى من المختلفين، لأن محل الخلاف ما لم يعلن نقيض الإيمان وأبو
طالب صرح بالنقيض فى قوله ((هو على ملة عبد المطلب)) وقد استشكل على رواية ((أحاج لك بها عند
اللَّه تعالى)) أن أبا طالب لو قالها لم يحتج الأمر إلى محاجة، وفى هذا يقول ابن بطال: أى محاجة
يحتاج إليها من وافى ربه بما يدخله الجنة؟
وأجيب بأنه يجوز أن يكون أبو طالب حينئذ قد عاين أمر الآخرة، وأيقن بالموت وصار فى حالة
لا ينفع معها الإيمان، مصداقا لقوله تعالى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ
أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨].
٩١

لكن الرسول # مع هذه الحالة رجاله إن قال: لا إله إلا الله، وأيقن بنبوته، أن يشفع له بذلك،
ويحاج له عند اللَّه تعالى فى أن يتجاوز عنه، ويقبل منه إيمانه فى تلك الحالة، ويكون ذلك خاصا
بأبى طالب وحده لمكانته من حمايته للرسول# ومدافعته عنه.
قال القاضى عياض: وليس هذا بصحيح، فإن محاورته للرسول # ولمشركي قريش في تلك
اللحظة دليل على أنه كان قبل النزع وقبل معاينة أمور الآخرة. اهـ
والجواب الصحيح أن المراد من المحاجة الشهادة جمعا بين النصوص والروايات، وهذه الشهادة
عامة فى أمة الإجابة، مصداقا لقوله تعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ
شَهيدًا ﴾ [ البقرة: ١٤٣].
والظاهر أن الرسول # بنى استغفاره لأبى طالب بعد أن امتنع عن الإقرار بالتوحيد ومات على
ذلك، بناه على اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم مقتديا بإبراهيم عليه السلام فى استغفاره لأبيه.
وأن الآية الكريمة إنما نزلت على سبيل النسخ لا للتبيين، لأنه صلى الله عليه وسلم فى اجتهاده
معصوم على الأصح.
وقد حمل ابن المنير استغفار الرسول 18 لأبى طالب وقوله له: ((والله لأستغفرن لك)» حمله على
طلب تخفيف العذاب، لا على طلب المغفرة العامة، والمسامحة بذنب الشرك.
وهاجمه الحافظ ابن حجر بشدة، وقال: هذه غفلة شديدة من ابن المنير، لأن الشفاعة لأبى طالب
فى تخفيف العذاب لم ترد، وطلبها لم ينه عنه، وإنما وقع النهى عن طلب المغفرة العامة.
وقال: وإن النبى # لم يترك الشفاعة، وطلب التخفيف، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب
بالنسبة لغيره من المشركين.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع فى النزع.
٢ - نسخ جواز الاستغفار للمشرکین.
٣- من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم.
٤- جواز الحلف من غير استحلاف.
والله أعلم
٩٢

(١١) بَاب مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ
٤٢ -٤٣ عن عثمان﴾(٤٣) قال: قالَ رسول اللّهِ و ◌َ﴾: «منْ ماتَ وهوَ يعلم أن لا إله إلاَّ
اللَّه دخل الجنة».
المعنى العام
المؤمن الكيس من جمع بين الخوف والرجاء، يخاف الخاتمة والمصير وعدل ربه، وحسابه على
ما قدمت يداه «وكل ابن آدم خطاء))، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهِ﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا
يَرَ﴾ [الزلزلة: ٨،٧]، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسِ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرِ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ
بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكِّمْ اللَّهُ نَفْسَةٌ﴾ [آل عمران: ٣٠].
ويرجو رحمة ربه التى وسعت كل شىء، ويطمع فى فضله وإحسانه وجوده ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾
ذُوالْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥،١٤].
وقد جاءت الشريعة الإسلامية بطرف من النصوص التى تبعث الخوف فى نفوس المؤمنين
فتدفع إلى العمل، وتقوى العزائم، وتشحذ الهمم، يقول جل شأنه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ
صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: ٤ - ٧]، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ
إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَرِّنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوتُونَ ﴾
لَيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ١ - ٥]، ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَرَّةٍ لُمَزَّةٍ﴾ الَّذِي جَمَعَ مَالا وَقَدَّدَهُ﴾ِ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ
أَخْلَقَهُ كُلاَ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطّمَةُ﴾ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَّدَةُ الَّتِي تَطَّلِحُ عَلَى
الأَفْئِدَةِ﴾ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ١ - ٩]، ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا
يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلَ اللَّهِ فَبَشَّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِيَاهُهُمْ
وَجُنُوبُهُمْ وَظُّهُورُهَمْ هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنَفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٥،٣٤].
ويقول صلى اللَّه عليه وسلم ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)) ومر صلى اللّه عليه وسلم
على قبرين، فقال («إنهما يعذبان، وما يعذبان فى كبير أما أحدهما فكان لايستنزه من البول، وأما
الآخر فكان يمشى بالنميمة بين الناس)).
كما جاءت الشريعة الإسلامية بطرف من النصوص التى تنشر الطمع والرجاء فى عفو الله،
(٤٣) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ إِرَاهِيمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدََّا ابْنُ عُلَيَّةٌ عَنْ خَالِدٍ قَالَ
حَدَّثَيِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسَتْلِمٍ عَنْ حُمْرَانٌ عن عثمان
- حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِيّ بَكْرِ الْمُقَدَّبِيُّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفْضَّلِ حَدَّنَا خَالِدُ الْحَذَاءُ عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ قَالَ سَمِعْتُ حُمْرَات
يَقُولُ سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَّسُولَ اللَّهِ،وَ يَقُولُ مِثْلَةً سَوَاءٌ.
٩٣

وتجعل أبواب الجنة مفتوحة أمام عامة المؤمنين، وأبواب النار محجوبة عمن يشهد أن لا إله إلا اللّه
وأن محمدًا رسول اللَّه.
يقول جل شأنه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْتَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
ويقول سبحانه وتعالى فى الحديث القدسى ((عبدى، لو أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا
تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة ».
ويقول صلى اللّه عليه وسلم: ((يا معاذ بشر الناس أنه من قال لا إله إلا اللّه دخل الجنة))
وعن أبى ذر قال: قال رسول اللَّه :* («أتانى آت من ربى، فأخبرنى - أو قال بشرنى- أنه من
مات من أمتى لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى
وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟
قال: وإن زنى وإن سرق، رغم أنف أبى ذر)».
كما جاءت الشريعة الإسلامية بطرف من النصوص التى تجمع بين الخوف والرجاء يقول
سبحانه وتعالى فى صفة المؤمن الحق: ﴿يَحْذَّرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُورَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩].
ويقول سبحانه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ الثَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ فِي الصَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَ هُوَ إِلَيْهِ
الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣].
وبهذا يرسم الإسلام الطريق الصحيح، خوف يجعل السابقين لا يأمنون العاقبة، ويدفع عمر ابن
الخطاب ( وهو المبشر بالجنة وقصورها وحورها) إلى أن يقول: لئن نادى مناد أن كل الناس
يدخلون الجنة إلا واحدا لخشيت أن أكون ذلك الواحد، ويدفع أبا بكر (حبيب حبيب اللَّه) إلى أن
يقول: لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدمى فى الجنة.
ورجاء يجعل العاصى الذى لم يعمل خيرا قط من أهل الجنة لمجرد أنه خرج من بلد المعصية
قاصدا بلد الطاعة، فمات فى وسط الطريق، فكان أقرب إلى بلد الطاعة منه إلى بلد المعصية بشبر
واحد، نعم الطريق الصحيح خوف ورجاء وعمل وأمل.
فمن اقتصر على الخوف وأنكر الرجاء كان قانطا من رحمة الله، يائسا من روح اللَّه و﴿إِنَّهُ لا
يَنْتَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [ يوسف: ٨٧].
ومن اقتصر على الرجاء، وطرح الخوف من اللَّه وحسابه كان جاهلا مغترا، مستهترا بوعيد اللَّه.
وما أحسن جواب وهب بن منبه حين قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال بلى. ولكن
ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك، وما أسنان المفتاح
إلا العمل مع الإيمان.
جعلنا الله من المؤمنين العاملين الراجين الخائفين، إنه سميع قريب مجيب الدعاء
رب العالمين.
٩٤

المباحث العربية
( وهو يعلم ) جملة حالية، والعلم هو الإدراك الجازم، والمقصود لازم العلم من النطق بما علم
والعمل بموجبه جمعا بين النصوص.
فقه الحديث
فى معنى الحديث وردت أحاديث كثيرة بألفاظ مختلفة، منها قوله صلى الله عليه وسلم ((من
كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة)) وقوله صلى الله عليه وسلم ((من لقى اللَّه لا يشرك به شيئا
دخل الجنة)) وقوله ((أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول اللّه لا يلقى الله بهما عبد غير شاك إلا دخل
الجنة)) وقوله ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة)) وقوله لأبى هريرة ((من
لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا اللَّه مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة)) وقوله ((حرم الله
على النار من قال لا إله إلا الله يبغى بذلك وجه الله)).
ولما كان موضوع هذه الأحاديث يتعلق بالعصاة من المسلمين كان من الضرورى بيان المذاهب
فى حكمهم، وموقف كل مذهب من هذه الأحاديث ونحوها فنقول:
أولا: ذهب الخوارج إلى أن المعصية تضر الإيمان وتجعل صاحبها كافرا مخلدا فى النار، وإن
شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
ثانيا: ذهب المعتزلة إلى أن العاصى بالكبيرة مخلد فى النار، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا بأنه كافر،
وإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وهذه الأحاديث تدفع هذين المذهبين، وتردهما.
ثالثا: ذهب غلاة المرجئة إلى أن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وهذه
الأحاديث وإن كان ظاهرها فى مجموعها يوافقهم لكن فى بعضها ما يرد عليهم، فقوله صلى الله عليه
وسلم ((غير شاك)) وقوله ((مستبقنا بها قلبه)) وقوله فى حديث الباب ((وهو يعلم أن لا إله إلا اللَّه)) كل
هذه النصوص ترد ما ذهبوا إليه، وتوجب اعتقاد القلب.
رابعا: قال بعضهم: إن مجرد معرفة القلب نافعة، وإن لم ينطق بالشهادتين وظاهر
حديث الباب يؤيده إذ يقول صلى اللّه عليه وسلم ((من مات وهو يعلم)) لكن يعارضه لفظ
((من كان آخر كلامه)»، و«من قال)) الوارد فى الأحاديث الأخرى، فجمعا بين الأحاديث،
وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم ((يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه)» وجب القول
بأنه لا ينفع الاعتقاد وحده، ولا ينفع النطق وحده.
خامسا: مذهب أهل السنة (وهو الذى يعنينا، وهو الذى نحرص على عدم تعارضه مع الأحاديث،
٩٥

لأنه الذى نؤمن بأنه الحق) يقولون: إن العاصى الذى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللّه
مستيقنا بها قلبه هو مؤمن وإن ارتكب الكبائر، ومصيره الجنة وإن لم يغفر له، وأنه وإن عذب بالنار
لمعاصيه، فلا بد من إخراجه منها وإدخاله الجنة بإيمانه، ويقولون: بما أن النصوص تظاهرت، ودلت
دلالة قطعية على أن بعض العصاة المؤمنين يعذبون، فإنه ينبغى أن لا تؤخذ أحاديث الباب على
ظاهرها، ولا على عمومها، وأنه ينبغى أن تحمل محملا يتفق والنصوص المتظاهرة القطعية.
وللوصول إلى هذه الغاية تعددت توجيهاتهم، فمنهم من قال:
١- إن هذه الأحاديث كانت قبل نزول الفرائض، وينسب هذا القول إلى ابن المسيب، كما
يعزى إلى ابن شهاب قوله: ثم نزلت بعدذلك فرائض وأمور نرى الأمر قد انتهى، فمن
استطاع أن لا يغتر فلا يغتر.
وفى هذا القول نظر، بل قال النووى: إنه ضعيف باطل، لأن راوى أحد هذه الأحاديث أبوهريرة،
وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق وكانت أحكام الشريعة مستقرة، وكانت
الصلاة وأكثر الواجبات قد تقرر فرضها.
٢ - وقال بعضهم: إن مطلق هذه الأحاديث مقيد بمن عمل عملا صالحاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتٍ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْتَوْسِ تُؤْلا﴾ [الكهف: ١٠٧]، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةٍ
رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ١١٠].
٣- وقال بعضهم: إن مطلق هذه الأحاديث مقيد بمن شهد تائبا مقبول التوبة ثم مات على ذلك.
٤- وقيل: إن أحاديث الباب خرجت مخرج الغالب. إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعات ويجتنب
المعاصى، فكأنه قال: الغالب والشأن فيمن قال: لا إله إلا الله مخلصا أن يدخل الجنة وتحرم
عليه النار.
٥- وأظهر الأقوال وأحراها بالقبول أن المراد من دخول الجنة فى الأحاديث أنه المآل عاجلا أو آجلا،
من غير دخول النار للبعض، وبعد دخول النار للبعض الآخر، من غير دخول النار لمن مات تائبا،
أو سليمًا من المعاصى، أو شمله عفو الله ورحمته، وبعد دخول النار لمن أخذ بذنبه.
والمراد من تحريم النار الوارد فى الأحاديث بالنسبة إلى البعض المؤاخذ بذنبه تحريم خلوده
فيها، لا أصل دخولها.
أو المراد بالنار المحرمة النار المعهودة المعدة للكافرين، لا الطبقة التى أفردت لعصاة المؤمنين.
أو المراد تحريم النار على بعضه لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، وكذا لسانه الناطق
بالتوحيد - كذا قيل -.
والاقتصار فى بعض الأحاديث على شهادة أن لا إله إلا الله يحتمل أنه من تقصير
٩٦

الرواة فى الحفظ والضبط، لا من رسول الله :* ، بدليل مجيئه بالشهادتين تاما فى
أحاديث أخرى. كذا قال ابن الصلاح، ويجوز أن يكون اختصارا من رسول اللَّهِ وَ * وأن
هذه الشهادة كناية عن الشهادتين، لأنها شرعا مستلزمة للأخرى، إذ من كذب رسول
اللَّه ◌ِلّ فقد كذب اللّه فهو مشرك، أو الكلام من قبيل قولهم: من توضأ صحت صلاته،
أى مع سائر الشرائط المعتبرة، فهو من باب الاكتفاء للعلم بالمحذوف.
وتحريم النار على بعض المؤمنين ودخولهم الجنة دون عذاب لا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَإِنْ
مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أى وارد النار، لأن المراد من الورود المرور على الصراط، وهو
منصوب على ظهر جهنم، ولا يلزم من المرور عليها العذاب بها.
ويؤخذ من الحديث
١- أن أصحاب الكبائر من المؤمنين لا يخلدون فى النار.
٢- أن كل الموحدين يدخلون الجنة.
٣- أن غير الموحدين لا يدخلون الجنة.
والله أعلم
٩٧

(١٢) باب زيادة فضلة الطعام ببركة دعاء النبى
٤٣- ٤٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٤٤) قَالَ: كُنَّا مَعَ النّبِيِّ ◌ِ﴿َ فِي مَسِيرٍ. قَالَ فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ
قَالَ حَتَّى هَمَّ بِتَخْرِ بَعْضٍ حَمَائِلِهِمْ. قَالَ فَقَالَ عُمْرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَّوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادٍ
الْقَوْمِ، فَدَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهَا. قَالَ فَفَعَلَ. قَالَ فَجَاءٌ ذُو الْبُرِّ بِبُرِِّ. وَذُو الّمْرٍ بِتَمْرٍهٍ. قَالَ (وَقَالَ
مُجَاهِدٌ وَذُو الّوَاةِ بِتَوَاهُ) قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونُ بِالنَّى؟ قَالَ: كَانُوا يَمُصُّونَهُ وَيَشْرِبُونَ
عَلَيْهِ الْمَاءَ، قَالَ فَدَعَا عَلَيْهَا. خَتِّى مَلأُ الْقَوْمُ أَزْوِدََّهُمْ. قَالَ فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ «أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَّهُ
إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكِّ فِيهِمَا، إِلاَ دَخَلَ الْجَنّةَ)).
٤٤- °٣ُ عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (شَكَّ الأَعْمَشُ(٤٥)
قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةٌ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَذِنْتَ لَّنَا فَتَحَرْنَا
نَوَاضِحَّا فَأَكَلْنَا وَادَّهُنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ،فَجِ «افْعَلُوا» قَالَ فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلٍ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ. لَعَلَّ اللَّهَ
أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ «نَعَمْ)» قَالَ فَدَعَا بِنِطَّعٍ فَسَطَّهُ. ثُمَّ دَعَا بِفَضْلٍ
أَزْوَادِهِمْ. قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ. قَالَ وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكْفٌ تَمْرٍ. قَالَ وَتَجِيءُ
الآخَرُ بِكَسْرَةٍ. خَتِى الجْتَمَعَ عَلَى النّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ. قَالَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِلَ عَلَيْهِ
بِالْبَرَكَّةِ. ثُمَّ قَالَ «خُذُوا فِي أَوْعِكُمْ﴾ قَالَ فَأَخَذُوا فِي أَوْعَِتِهِمْ. حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرٍ
وِعَاءً إِلا مَلْنُوهُ. قَالَ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَلَّ ◌َأَشْهَدُ أَنْ لا
إِلَّهَ إِلا اللّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. لا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكٌّ فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ».
المعنى العام
فى شهر رجب سنة تسع من الهجرة، وقبيل حجة الوداع بلغ المسلمين أن الروم جمعوا جموعا
لقتالهم، فندب النبى الناس إلى ملاقاتهم، وكان المسلمون فى ضيق من العيش، فاستعدوا بقليل
الزاد الذى يملكون، ورأى عثمان شدة المسلمين وعسرتهم، وكان قد جهزعيرا إلى الشام فقال: يا
رسول الله، هذه مائة بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أوقية.
فقال رسول اللَّه ◌َل: ما يضر عثمان ما عمل بعدها.
(٤٤) حَدًّْا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ بْنِ أَبِي النَّصْرِ قَالَ حَدَّفِي أَبُو النَّصْرِ هَاشِمُ بْنُّ الْقَاسِمِ حَدَّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنٍ
مِغْوَلِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ غَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيِّرَةَ
(٤٥) حَدَّثًَّ سَهْلُ بْنُ عُثْمَّانَ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بُّنُ الْعَلَاءِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَّةً قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ حَدََّا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ
٩٨

ومع هذه المعونة الكبرى خرج المسلمون فى قلة من الظهر، ركبانهم بالنسبة لمشاتهم ندرة وقليل،
والوقت صيف والحر شديد.
وبهذه الحالة قطعوا أربع عشرة مرحلة. فى اتجاه دمشق، حتى وصلوا إلى موضع سمى ((تبوك)).
وصلوا وقد بلغ بهم الجهد، واشتد بهم العطش، ولم يسعفهم ماء عين تبوك الناضبة، فكانوا
ينحرون البعير، فيشربون ما فى كرشه من الماء.
فطلب الرسول : قليلا من ماء عين تبوك، فغسل وجهه ويديه بشىء منه، ثم أعاده فيها، فجرت
العين، فاستقى الناس، وإنفرجت عسرة الماء، ولكن ما لبثوا بعد ذلك أن خفت أزوادهم.
ونفد طعام أكثرهم، وأملقوا، وأصابتهم مجاعة كبرى، ولجئوا إلى النوى بعد نفاد التمريمصون
النواة كغذاء، ويشربون عليها الماء.
وهب الناس إلى رسول اللَّه* يستأذنونه فى ذبح ماتبقى لديهم من إبلهم التى يركبونها
وينضحون عليها الماء. قالوا: يا رسول الله: لو أذنت لنا ذبحنا إبلنا، فسددنا منها رمقنا، وادخرنا
للشدة ما يمكن ادخاره من لحم ودهن.
ولم يررسول اللَّه﴿ منقذا - من هذه الضائقة - إلا أن يأذن لهم، ولعل اللَّه يحدث بعد ذلك أمرا.
ورأى عمر الناس يعقلون إبلهم لنحرها، فقال لهم: ما شأنكم؟ قالوا: استأذنا رسول اللَّه ◌َ ﴿ فى
نحرها، فأذن لنا، فقال: وما بقاؤكم بعد إبلكم؟ أمسكوا حتى ألقى رسول اللَّه ◌ُل.
ودخل عمر فزعا على النبى *، فقال: يا رسول اللَّه ما بقاء الناس بعد إبلهم؟ فسكت رسول الله
* - وكأنه يقول: وماذا ينقذ الناس غير ذلك؟- وتذكر عمر ما كان من جريان عين تبوك بعد نضوب،
وهو يؤمن بمعجزات النبى {* ويطمع فى رحمة الله لإنقاذ المسلمين على يد نبيه، فقال: يا رسول
اللَّه، لوجمعت ما بقى من أزواد القوم وطعامهم، فدعوت اللَّه عليها بالبركة لكان ذلك خيرا.
وسكت الرسول # للمرة الثانية، إنه لم يكن يغيب عنه ما أشار به عمر، بل كان يؤمن بأن اللَّه لن
يخيب رجاءه إذا رجاه، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يقصد تعويد الأمة على الاعتماد على نواميس
الحياة دون خوارق العادات، أما وقد طلبت المعجزة - من عمر - فالطريق الموافقة عليها
والاستجابة لطالبها.
فقال: نعم يا عمر. ناد فى الناس، فليأتوا ببقايا أطعمتهم، ثم مد فراش الطعام ليلقوا
عليه ما يجمعون.
فنادى عمر: فجعل الرجل يلقى بما يملأ الكف من الذرة، والآخر يلقى بما يملأ الكف من القمح،
والآخر يلقى بما يملأ الكف من التمر، والآخر يلقى بالكسرة التى يملكها، حتى صاحب النوى ألقى
بنواه، فاجتمع على النطع من ذلك كله شىء يسير.
فقام رسول اللَّه# فدعا وبرك عليه.
٩٩

ثم قال: هاتوا أوعيتكم فخذوا فيها، فجاء كل بأوعيته فملأ، فما بقى فى الجيش وعاء إلا ملئ،
وفضلت فضلة كبيرة، وبقى على النطع قدر ما أخذ الناس.
فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، سرورا بإكرام ربه له ولأمته، ثم قال: أشهد أن لا
إله إلا اللَّه، وأنى رسول اللَّه، لا يموت عبد وهو يشهد هاتين الشهادتين، لايشك فيهما إلا دخل الجنة،
لا يحجبه عنها ولا يمنعه منها ما عمل من سوء.
عفا الله عنا بفضله وكرمه وجعلنا من أهلها، إنه عفو كريم حليم.
المباحث العربية
( فى مسير) أى فى سفر، وقد بينته الرواية الثانية بأنه كان فى غزوة تبوك، وهى غزوة العسرة،
و((تبوك)) ممنوع من الصرف على المشهور للعلمية والتأنيث ومن صرفه أراد الموضع، وهو فى نصف
الطريق بين المدينة ودمشق.
( فنفدت أزواد القوم ) أى كادت تنفد، أو نفدت أزواد أكثر القوم، ففيه مضاف محذوف،
بدليل جمع مابقى من أزوادهم، ونفد الزاد من باب سمع فنى وذهب، والزاد طعام السفر والحضر
جميعا والجمع أزواد، وعلى غير القياس أزودة.
(حتى هم بنحر بعض حمائلهم) فاعل ((هم)) ضمير يعود على النبى {18 والهم وسط بين
العزم والخطرات التى لاتندفع، و((الحمائل)» الإبل يحمل عليها، واحدها حمولة بفتح الحاء.
وروى «جمائلهم» بالجيم بدل الحاء جمع ((جمالة)» بكسرها، جمع جمل، وهو الذكر دون الناقة،
قال ابن الصلاح: وكلاهما صحيح.
( لوجمعت ما بقى من أزواد القوم فدعوت اللَّه عليها) ((لو)) هنا للعرض ويصح أن
تكون حرف شرط غير جازم، وجوابها محذوف، تقديره لكان خيرا.
( ففعل ) أى فوافق على الفعل، يؤيد ذلك ما جاء فى الرواية الثانية وقال: نعم.
( وذو النواة بنواه ) هو هكذا فى الأصل، وكان الظاهر أن يقول ((وذو النوى بنواه)) على طريق
الجمع، كما قال ((ذو التمر بتمره)» بالجمع، وخرجه بعضهم بأن المراد من النواة جملة من النوى
أفردت عن غيرها كما أطلق اسم الكلمة على القصيدة، أو أن تكون النواة من قبيل ما يستعمل فى
الواحد والجمع.
( كانوا يمصونه ) بفتح الميم فى اللغة الفصيحة المشهورة، وحكى فيها الضم.
( حتى ملأ القوم أزودتهم ) الأزودة جمع زاد، وهى لا تملأ، وإنما تملأ أوعيتها، ففى
١٠٠