Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
ما تتحقق به الرضعة . أنواع النسخ
لحمل على العرف . والعرف هذا . والقطع العارض لتنفس أو استراحة بسيرة أو لشىء يلهيه
ثم يعود عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلنه بذلك ثم عاد
عن قرب لم يكن ذلك أكلتين بل واحدة . هذا مذهب الشافعية ولهم فيما إذا قطعت المرضعة
عليه ثم أعادته وجهان ((أحدهما)، أنها رضعة واحدة ولو قطعته مرارا حتى يقطع باختياره، لأن
الاعتبار بفعله لا بفعل المرضعة. ولهذا لو ارقضع منها وهى نائمة حسب رضعة فإذا قطعت عليه
لم يعتد به كما لو شرع فى أكلة واحدة أمره بها الطبيب بلجاء شخص فقطعها عليه ثم أعاد فإنها أكلة
واحدة ((وثانيهما، أنها رضعة أخرى، لأن الرضاع يصح من المرتضع ومن المرضعة ، ولهذا
لو أوْ جَرته (١) وهو نائم احتسب رضعة، ولهم فيما إذا انتقل من ثديها إلى ثدى غيرها وجهان
((أحدهما، لا يعتد بواحد منهما، لأنه انتقل من إحداهما إلى الأخرى قبل تمام الرضعة فهم تتم
الرضعة من إحداهما، ولهذا لو انتقل من ثدى المرأة إلى ثديها الآخر كانا رضعة واحدة «وثانيهما))
أنه يحتسب من كل واحد منهما رضعة، لأنه ارقضع وقطعه باختياره من شخصين (٢).
(٢) ﴿ص﴾ صُّنْا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَ الَمْنِيُّ عَنْ مَالِكِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بِنْ أَبِبَكْرِ
ابْنِ مُحَمَّدٍ بِنِ عَرِو بْنِ حَزْمِعَنْ عَرَةٌ بَذْتِ عَدِ الرَّحْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنْهَا قَلَتْ:
كَانَ فِيَ أَنْزَلَ اللهُ عَزْ وَجَلَّ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ يُحَرْ مْنَ ثُمْ نُسْنَ بِخْسِ
مَعْلُوَاتٍ يُحَرْنَ فَتُقْىَ الَّىُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْ ◌ِمَا يُغْرَأْ فِى الْقُرآنِ.
(ش) هذا أثر .
(المعنى) (عشر رضعات يحرمن) بضم أوله وتشديد الراء المكسورة. وفى رواية لمسلم:
عشر رضعات معلومات يحرمن ( ثم نسخن بخمس معلومات) فيه إشارة إلى أنه إذا كانت
الرضعات الخمس مظنونة أو مشكوكا فيها لا يثبت بها التحريم بل يرجع إلى الأصل وهو العدم
(ومن) أى خمس الرضعات (بما يقرأ فى القرآن) وفى رواية لمسلم: ((وهى)) أى آية خمس رضعات
بما يقرأ بضم أوله مبنيا للمجهول (قال) النووى: معناه أن النسخ بخمس رضعات تأخر نزوله
جدا حتى إنه صلى الله عليه وسلم توفى وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا مثلوا
لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده. فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك. وأجمعوا على أن
هذا لا يتلى. والنسخ ثلاثة أنواع ((أحدها)) ما نسخ حكمه وتلاوته كعشر رضعات ((والثانى))
(٢) س ٣٦٨ ج ٢ زاد المعاد
(١) بفتح فكون أى صبت البن من تديها فى فم الصبى وهو نائم .
(ما هى الرضعة) .
[م٢٦ - نتج المله المجود - ج ٣]
٢٠٢
المذاهب فى عدد الرضعات المحزمة النكاح
مانسخت تلاوته دون حكمه كخمس رضعات، وكالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ((والثالث))
ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته . وهذا هو الأكثر ومنه قوله تعالى: والذِينَ يُتَوََّوْنَ مِنْكُمْ
وَيَذْرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةٌ لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إلى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ (١). ومعنى هذه الآية أنه
كان فى صدر الإسلام يجب على الرجل إذا حضرته الوفاة أن يوصى بالنفقة والكُسوة والسكنى
لزوجته سنة. وكانت السنة عدة من توفى عنها زوجها ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: والذين يُتَوَلَّوْنَ
مِنْكَمْ وَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَّرَبَّصْنَ بِانْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا(٢) وهذه الآية وإن كانت
مقدمة على تلك فى التلاوة فهى مؤخرة عنها فى النزول .
(الفقه) دل الأثر على أن الحرم فى الرضاع خمس رضعات محققات. وبه قال ابن مسعود
وعائشة وعروة وعبد الله ابنا الزبير وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير والليث بن سعد والشافعى
وأحمد فى ظاهر مذهبه وإسحاقٍ وابن حزم من الظاهرية وجماعة من أهل العلم . وهو مروى
عن على بن أبى طالب رضى الله عنه لهذا الأثر، ولما تقدم فى قصة سالم مولى أبي حذيفة أن
النبى صلى الله عليه وسلم أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالما خمس رضعات(٣). قالوا: ويشترط
فى الرضعات الخمس أن تكون متفرقات عرفا. فإذا ارتضع الصبى وقطع قطعا بينا باختياره كان
ذلك رضعة على ما تقدم بيانه فى الترجمة (وقال) أبو ثور وأبو عبيد وداود وابن المنذر: المحرّم
ثلاث رضعات . وبه قال زيد بن ثابت وأحمد فى رواية، لما يأتى للمصنف عن عائشة قالت :
قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحرّم المصة ولا المصتان(٤) ولحديث أم الفضل (قالت) دخل
أعرابى على نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو فى بيتى فقال: يا فى الله. إنى كانت لى امرأة فتزوجت
عليها أخرى فزعمت امرأتى الأولى أنها أرضعت امرأتى الحُدْى رضعة أو رضعتين. فقال فى الله
صلى الله عليه وسلم: لا تحرم الإملاجة والإملاجتان. أخرجه أحمد ومسلم (٥)
[]
قالوا: دلت هذه الأحاديث بمنطوقها على أن الرضعة والرضعتين لا تحرِّم. وبمفهومها على
أن ما زاد عن الرضعتين يحرِّم. قالوا: ولأن ما يعتبر فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث
(وأجاب) الأولون بأن هذا معارض بأثر عائشة وبما تقدم فى الباب السابق فى قصة سالم مولى
أبي حذيفة من قوله صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل: أرضعيه خمس رضعات تحرمى عليه.
فإنهما يدلان بمنطوقهما على أن المحرّم خمس رضعات . وبمفهومهما على أن مادون الخمس لا يحرم
وهو معارض لمفهوم حديث ((لا تحرم المصة ولا المصتان، ويمكن ترجيح مفهوم أثر عائشة بما
(١) ص ٢٩ ج ١٠ شرح مسلم (الرضاع) والآية ٢٤٠ من سورة البقرة. (٢) سورة البقرة: ٢٣٤.
(٣) تقدم بالمصنف رقم ١٥ س ١٩٥ (٤) يأتى بالمصنف رقم ١٦ ص ٢٠٠. (٥) ص ٣٢٩ ج ٦ مسند أحمد.
وس ٢٨ ج ١٠ نووى مسلم (الرضاع) والإملاجة بكسر الهمزة المصة، يقال: ملح الصبي أمه كنصر وسمع : تناول خيها
بأدنى فه، وامتلج البن: امتمه، وأملبته: أرضعته .
٢٠٣
دليل تحريم النكاح بمطلق الرضاع
تقدم فى قصة سالم من قول سهلة للنبي صلى الله عليه وسلم: کیف أرضعه وهو رجل کبیر ؟ وفى
لفظ: وهو ذو لحية؟ فقال صلى الله عليه وسلم: قد عرفت أنه رجل كبير. فلو كان تحريم
الرضاع يحصل بأقل من خمس رضعات لأرشدها النبى صلى الله عليه وسلم إليه، لأن الكبير
محل شهوة . وكذا يقال فيما تقدم أن عائشة رضى الله عنها كانت إذا أرادت أن يدخل عليها
أحد أمرت إحدى بنات أخواتها أو بنات إخوتها أن ترضعه خمس رضعات . ولو سلم استواء
المفهومين وعدم انتهاض أحدهما تساقطا، فيتعين الأخذ بحديث خمس رضعات إذ لا دليل
صريحا يدل على تحريم ما دونها (وقال) الحنفيون ومالك وجمهور العلماء: يثبت تحريم الرضاع
برضعة واحدة وإن قلّت . وروى عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمرو والثورى وسعيد بن
المسيب والحسن والزهرى وقتادة مستدلين بعموم قوله تعالى. وأمّها تُكم الَّلاَتِي أَرْ ضَعْنَكُمْ
وَأَخَوَاتِكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ. وبعموم ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: يحرم من الرضاعة
ما يحرم من الولادة (١) وبحديث عقبة بن الحارث قال: تزوجتُ أم يحمي بنت أبى إهاب لجاءت
امرأة سوداء فزعمت أنها أرضعتنا جميعاً فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له
فأعرض عنى فقلت: يارسول اللّه إنها لكاذبة. قال: وما يدريك وقد قالت ما قالت؟ دعها
عنك. أخرجه أحمد والبخارى والنسائى والمصنف وهذا لفظه (٢)
[٢٠]
وجه الدلالة أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يستفصل عن الكيفية ولا عن عدد الرضعات.
ولأنه فعل يتعلق به التحريم فاستوى قليله وكثيره. ولأن إنشاز العظم وإنبات اللحم يحصل
بقليل الرضاع وكثيره (قال الحافظ ) وذهب آخرون إلى أن الذى يحرِّم ما زاد على الرضعة .
ثم اختلفوا؛ لنجا. عن عائشة وحفصة عشررضعات. وجاء عن عائشة أيضاً سبع رضعات. أخرجه
ابن أبى خيثمة بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير عنها وعبد الرزاق من طريق عروة قال:
كانت عائشة تقول: لا يحرِّم دون سبع رضعات أو خمس رضعات. وجاء عن عائشة أيضاً
خمس رضعات. فعند مسلم عنها: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات (الحديث) (٢)
ثم قال : وقوى مذهب الجمهور أن الأخبار اختلفت فى العدد وعائشة التى روت ذلك اختلف
عليها فيما يعتبر من ذلك فوجب الرجوع إلى أقل ما ينطلق عليه الاسم : ويعضده من حيث
النظر أنه معنى طارئ يقتضى تأييد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر. أو يقال مائع يلج
(١) تقدم بالمصنف رقم ١٠ ص ١٨٢ (باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) (٢) ص٣٨٣ ج، مسند أحمد (حديث
حبة بن الحارث ). وس ١٢٠ ج ٩ فتح البارى (شهادة المرضعة) وس ٨٥ ج ٢ مجته (الشهادة فى الرضياع) وس ٣٠٦
(٢) ص ١١٥ ج ٩ ف البارى ( الصرح - لا رضاع بعد الحولين).
٣ سنن أبي داود ( الشهادة على الرضاع).
٢٠٤
مناقشة أدلة تحريم النكاح بقليل الرضاع وبالخمس رضعات
الباطن فيحرِّم فلا يشترط فيه العدد كالمنى. وأيضاً فقول عائشة: عشر رضعات معلومات ثم
نسخن بخمس معلومات فمات النبي صلى الله عليه وسلم وهن ما يقرأ، لا ينتهض للاحتجاج به على
الأصح من قولى الأصوليين، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر . والراوى روى هذا على أنه
قرآن لا خبر فلم يثبت كونه قرآنا ولا ذكر الراوى أنه خبر ليقبل قوله فيه (١) (وقال) ابن القيم
بعد أن ذكر الخلاف فى هذه المسألة: قال أصحاب الخمس: قد أخبرت عائشة رضى الله عنها أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى والأمر على ذلك. قالوا ويكفى فى هذا قول النبي صلى الله
عليه وسلم لسهلة بنت سهيل: أرضعى سالما خمس رضعات تحرمى عليه . وعائشة أعلم الأمة
بحكم هذه المسألة هى ونساء النبى صلى الله عليه وسلم. وكانت عائشة رضى الله عنها إذا أرادت أن
تدخل عليها أجنبيا أمرت إحدى بنات إخوتها أو أخواتها فأرضعته خمس رضعات . قالوا
ونفى التحريم بالرضعة والرضعتين صريح فى عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره وهى
ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة بعضها خرج جواباً للسائل وبعضها تأسيس حكم مبتدأ . قالوا:
وإذا علقنا التحريم بالخمس لم نكن قد خالفنا شيئاً من النصوص التى استدللتم بها، وإنما نكون قد
قيدنا مطلقها بالخمس . وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص. وأما من علق التحريم بالقليل
والكثير فإنه يخالف أخاديث نفى التحريم بالرضعة والرضعتين . وقال من لم يقيده بالخمس :
حديث الخمس لم تنقله عائشة رضى الله عنها نقل الأخبار فيحتج به، وإنما نقلته نقل القرآن.
والقرآن إنما يثبت بالتواتر، والأمة لم تنقل ذلك قرآنًا فلا يكون قرآنا وإذا لم يكن قرآنا ولا خبرا
امتنع إثبات الحكم به . وقال أصحاب الخمس : الكلام فيما نقل من القرآن أحادا فى فصلين
أحدهما كونه من القرآن . والثانى وجوب العمل به . ولا ريب أنهما حكمان متغايران . فإن
الأول يوجب انعقاد الصلاة به وتحريم مسه على المحدث وقراءته على الجنب وغير ذلك من
أحكام القرآن. فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر لم يلزم انتفاء العمل به فإنه يكفى فيه الظن
وقد احتج به كل واحد من الأئمة الأربعة فى موضع فاحتج به الشافعى وأحمد رحمهما الله فى
هذا الموضع ، واحتج به أبو حنيفة رحمه الله فى وجوب التتابع فى صيام الكفارة بقراءة ابن
مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات . واحتج به مالك والصحابة قبله فى فرض الواحد من ولد
الأم أنه السدس بقراءة أبىّ: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم
فلكل واحدمنهما السدس . فالناس كلهم احتجوا بهذه القراءة ولا مستند للإجماع سواها (٢) وقال
أن عبد البر: وبه ( أى بأثر عائشة) تمسك الشافعى لقوله لا يقع التحريم إلا بخمس رضعات
(١) ص ١١٦ ج ٩ فتح البارى (الصرح - لا رضاع بعد الحولين). وقوله: كالصهر أى كالمصاهرة وهى الزوجية
(٢) س ٢٦٧ ج ٢ زاد المعاد ( لا تحرم المصمة والمصقان).
بحيث إذا دخل الرجل بالمرأة حرمت عليه أمها .
٢٠٥
دليل عدم تحريم النكاح بأقل من ثلاث رضعات
تصل إلى الجوف (وأجيب) بأنه لم يثبت قرآنا وهى قد أضافته إلى القرآن واختُلِفَ عنها فى
العمل به فليس بسنة ولا قرآن. وقال المازري: لا حجة فيه لأنه لم يثبت إلا من طريقها
والقرآن لا يثبت بالآحاد . ولذا قال مالك: وليس العمل على هذا أى بل على التحريم
ولو بمصة وصلت الجوف عملا بظاهر القرآن وأحاديث الرضاع. وبهذا قال الجمهور من الصحابة
والتابعين والأئمة حتى قال الليث : أجمع المسدون أن قليل الرضاع وكثيره يحرِّم فى المهد
كما يفطر الصائم (١) هذا والاحتياط للدين أن من أراد الزواج بامرأة وبلغه أن بينه وبينها رضاعا
ينبغى له أن يتجنبها ولا يتزوج بها بخلاف من بلغه ذلك بعد الدخول بها فلا يتحتم عليه
مفارقتها إلا إن ثبت الرضاع بينه وبينها بخمس رضعات معلومات . وبالله تعالى التوفيق .
(والأثر) أخرجه مالك والشافعى ومسلم وباقى الأربعة وقال الترمذى: وبهذا كانت تفتى
عائشة وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول الشافعى وإسحق. وقال أحمد بحديث
النبي صلى الله عليه وسلم ((لا تحرّم المصة ولا المصتان)) وقال: إن ذهب ذاهب إلى قول عائشة فى
خمس رضعات فهو مذهب قوى(٢) .
(١٦) (ص) حدّثُنْا مُسَدّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَبُوبَ عَنَ ابْنِ أَبِى مُلَّكَ
عَن عَبْدِ اللهِ بنِ الزّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَاَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَمَ: لَا تُحْمُ الْمَصّْةُ وَلَا الْمَصِّتَانِ .
(ش) (إسماعيل) بن أبى خالد. و (أيوب) بن كيسان السختيانى و(ابن أبي مليكة) عبد الله .
(المعنى) (لا تحرم المصة ولا المصتان) المصة: المرة من المص، وهى أخذ اليسير من الشى.
يقال مصه مصا من باب قتل ومن باب تعب لغة: أى شربه شربا رفيقا، والمصة: الرضعة فقد
زاد الشافعى فى روايته : ولا الرضعة ولا الرضعتان تفسيراً للمصة والمصتين .
(الفقه) دل الحديث بمنطوقه على أن الرضعة والرضعتين لا يثبت بهما حكم الرضاع الموجب
للتحريم ودل بمفهومه على أن الثلاث الرضعات تقتضى التحريم . وبه قال زيد بن ثابت
وأبو ثور وابن المنذر وداود الظاهرى وأحمد في رواية. وتقدم تمام الكلام على هذا فى الأثر السابق
(١) س ٩٥، ٩٦ ج ٣ - الزرقانى على الموطإ. (جامع ماجاء فى الرضاعة) (٢) ص ٩٥ منه. وس ٣٢٣ ج ٢ بدائع
المن. وس ٢٩ ج ١٠ نووى مسلم (الرضاع) وس ٨٢ ج ٢ مجته ( القدر الذى يحرم من الرضاعة) وص ٣٠٦ ج ١
سنن ابن ماجه ( لا تحرم المصة ولا المصقان) وس ١٩٩ ج ٢ تحفة الأحوذي ( لا تحرم المصة ولا المعتان).
٢٠٦
ترجمة حجاج بن حجاج الأسلمى وأبيه . يستحب لولى الرضيع مكافأة المرضعة
(والحديث) أخرجه أيضاً الشافعى وأحمد ومسلم وباقى الأربعة وقال الترمذى: حديث حسن صحيح(١١
{ ١٢ - باب فى الرضخ عند الفصال )
أى فى حكم إعطاء المرضعة شيئا يسيرا عند فطام الرضيع فالرضخ بالضاد والخاء المعجمتين
العطية اليسيرة .
(١٧) ﴿ص) حدّثَنْا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَّدٍ الْغَيِّ ثَنَا أَبُ مُعَاوِيَحَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْعَلَاَءِ
ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِهِ عَنْ حَجْجِ بِنْ حَجَاجٍ عَنْ أَبِهِ
قَالَ: قُلْتُ بَ رَسُولَ اللهِ مَا يُذْهِبُ عَّى مَذِمَةَ الرَّضَاعَةِ؟ قَلَ: الْغُرَةُ الْعَبْدُ أَوِ الْأَمَةُ .
قَالَ الْقِْى: حَجَاجُ بْنُ حَجْاجِ الْأَسْلَىُّ، وَهَذَا لَفْظُهُ.
(ش) (السند) (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير. و (ابن العلاء) محمد. و (ابن إدريس)
عبد الله. و (حجاج بن حجاج) بن مالك الأسلمى الحجازى . روى عن أبيه وأبى هريرة . وعنه
عروة بن الزبير وعبد الله بن الزبير على اختلاف فيه، ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال فى
التقريب: مقبول من الثالثة. روى له أيضاً الترمذى والنسائى. و(أبوه) حجاج بن مالك بن عويمر بن
أبي أسيد بن: فاعة الأسلمى المدنى، يكنى أبا حدرد كان يسكن العرج - بفتح فسكون - قرية جامعة
على أيام من المدينة ، قال أبو القاسم البغوى : لا أعلم للحجاج بن مالك غير هذا الحديث .
(المعنى) (ما يذهب) من الإذهاب أى أى شىء يزيل عنى (مذمة) بكسر الذال الذمة والذمام
وقيل هى بالكسر والفتح: الحق والحرمة التى يذم مضيْعُها. والمراد بمذمة (الرضاع) الحق اللازم
بسببه، فكأنه سأل ما يُسقط عنى حق المرضعة حتى أكون قد أديته كاملا؟ وكانوا يستحبون أن
يعطوا المرضعة عند فطام الصبى من الرضاعة شيئاً سوى أجرتها (قال) صلى الله عليه وسلم:
(الغرة) بضم الغين وشد الراء فى الأصل: بياض فى جبهة الفرس، والمراد بها هنا ما بينه النبى
صلى الله عليه وسلم بقوله (العبد أو الأمة) هكذا بالتعريف، وفى رواية أحمد والنسائى
والترمذى فقال: غرة عبد أو أمة، بالتفكير (قال) عبد الله (التفيلى) أحد شيخى المصنف فى
تعريف (حجاج بن حجاج الأسلمى) أى ذكر لفظ الأسلمى ولم يذكره ابن العلاء (وهذا)
المذكور (لفظه) أى لفظ النفيلى لا لفظ ابن العلاء.
(الفقه) دل الحديث على أنه يستحب لولى الرضيع أن يعطى المرضعة عند فطام الرضيع
خادماً ذكراً أو أنثى؛ فإن لم يستطع أعطاها ما يتيسر له. والحكمة فى ذلك أنه لما جعلت المرضعة
(١) ص ٣٣٤ج ٢ بدائع المنن وص ١٨٧ جـ ١٦ - الفتح الرباني. وس ٢٧ ج ١٠ نووى مسلم (الرضاع) وس ٨٢ ج ٢ مجته
(القدر الذى يحرم من الرضاعة) وس ٢٠٦ ج١ سنن ابن ماجه (لا تهم السنة ولا المصنان) وس ١٩٨ ٠ ٢°:٠ الأ حرف).
٢٠٧
إكرام التى صلى الله عليه وسلم السيدة حليمة السعدية
نفسها خادمة للرضيع، جوزيت بإعطائها خادما يخدمها مكافأة لها على حسن صنيعها ( وقال)
الخطابى كأنه صلى الله عليه وسلم يقول: إن المرضعة خدمتك وأنت طفل وحضنتك وأنت
صغير فكائها بخادم يخدمها ويكفيها المهنة جزاء لها على إحسانها .
(والحديث) أخرجه أيضاً أحمد والنسائي والترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح . ويروى
عن أبى الطفيل قال: كنت جالسا مع النبى صلى الله عليه وسلم إذ أقبلت امرأة فبسط لها النبى
صلى الله عليه وسلم رداءه فقعدت عليه. فلما ذهبت قيل: هذه كانت أرضعت الني صلى اللّه
عليه وسلم . أخرجه الترمذى وأبو داود (١)
[٢١]
وهذه المرضعة السيدة حليمة السعدية كما فى المواهب (٢).
(١٣ - باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء)
أى فى بيان الفسوة اللاتى لا يجوز جمعهن فى عصمة واحدة. ف((ما)) بمعنى من، ومن بيانية.
والمراد بالكراهة عدم الجواز .
(١٨) (ص) حدّثَنْا عْبُدُ اللهِ بنُ مُحَدِ الْفَيْلِيُّ ◌َازُهَيْرٌتَنَادَاوُدُ بْنُ أَبِ هِنْدٍ عَنْ عَامٍ عَنْ
أَبِي ◌ُرِيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَمَ: لَا تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عْمَاً
وَلَ الْعَمَةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا وَلَ الْمَرْأَّهُ عَلَى عَلَتِهَ وَلَ الْخَلَهُ عَلَى بِذْتِ أَنْها وَلَا تُنْكَحُ
الْكُبَرَى عَلَى الصُّغْرِى وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى.
(ش) (زهير) بن معاوية. و (عامر) الشعبي.
(المعنى) (لا تنكح) بصيغة المجهول أى لا يجوز تزوج (المرأة على عمتها) سواء أكانت عمة
حقيقية وهى أخت الأب أم بجازية وهى أخت أب الأب وأب الجد وإن علا (ولا) تنكح
( العمة ) حقيقية أو مجازية (على بنت أخيها) أى لا يجمع بين العمة وبين بنت أخيها سواء تقدم
نكاح العمة أو بنت الأخ (ولا) تنكح (المرأة على خالتها) حقيقية وهى أخت الأم أو مجازية
وهى أم الأم وأم الجدة من جهتى الأم والأب وإن علت (ولا) تنكح (الخالة) حقيقية
أو مجازية (على بنت أختها) أى لا يحل ذلك. فالنفى هنا بمعنى النهى، فتفى الحديث الآتى: نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها (ولا تنكح) بصيغة
المجهول (الكبرى) أى سنًّا غالبا أو رتبة فهى بمنزلة الأم والمراد بها العمة والخالة (على
(١) س ٤٥٠ = ٣ مسند أحمد (حديث حجاج الأسلمى .. ) وص ٨٥ = ٢ مجعي (حق الرضاع وحرمته) وص ٢٠١
(٢) وروى عمرو بن السائب أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
ج ٢ منة الأحوذي (ما يذهب مذمة الرضاع)
بالا فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقمد عليه. ثم أقبلت أمه من الرضاعة فوضع لها شتى ثوبه من جانبه
الآخر لجلست عليه، ثم أقبل إليه أخوه من الرضاعة فقام صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه. أخرجه أبو داود.
انظر ص ٤٦ ج ا تيسير الوصول ( بر الوالدين).
٢٠٨
حكمة تحريم الجمع فى النكاح بين المحارم
الصغرى) وهى بنت الأخ أو بنت الأخت، صغرى لأنها بمنزلة البنت (ولا) تنكح (الصغرى
على الكبرى) كرر النفى للتأكيد. وحكمة تحريم الجمع بين من ذكر الاحتراز عن القطيعة. قال
عيسى بن طلحة : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة
القطيعة . أخرجه أبو داود فى المراسيل (١)
[٢٢]
وقد روى ابن حبان فى صحيحه وابن عدى حديث الباب عن ابن عباس وزاد فى آخره :
إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم . ذكره الحافظ فى التلخيص(٢)
[٢٣]
(الفقه) دل الحديث على أنه يحرم الجمع بنكاج ولو فى عدة من طلاق بائن بين امرأتين محر مين
بنسب أو رضاع لو فرضت أيتهما ذكرا حرمت عليه الأخرى أبدا، فيحرم الجمع بين المرأة
وأختها أو عمتها أو خالتها أو بنت أخيها أو بنت أختها وبين عمتين بأن يتزوح كل من رجلين
أم الأخرى ويولد لهما بنتان فلا يجوز لرجل الجمع بينهما، لأنهما عمتان. ويحرم الجمع بين
خالتين بأن يتزوج كل من رجلين بنت الآخر ويولد لهما بنتان فلا يجوز الجمع بينهما ، لأن كلا
منهما خالة للأخرى. فكل من ذكر يحرم الجمع بينهن بإجماع الصحابة والتابعين والأئمة ، لقوله
تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين، ولأحاديث الباب وهى مخصصة لعموم قوله تعالى: وَأُحِلّ
لِكَمْ مَاوَرَاءَ ذِلِكَمْ . فإن ظاهره إباحة الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها . وشذ عثمان
البتى - بفتح الباء وشد التاء - وبعض الخوارج والشيعة فقالوا: يجوز الجمع بين المرأة وعمتها
وبينها وبين خالتها، لعموم قوله تعالى: وَأَحِلّ لِكَمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكَمْ.
((وأجابوا، عن أحاديث الباب بأنها أخبار آحاد لا تخصص القرآن ولا تنسخه ((ورد)) بأن
الصحيح الذى عليه جمهور الأصوليين جواز تخصيص القرآن بخبر الآحاد، لأن النبى صلى الله
عليه وسلم مبين للناس ما أنزل إليهم من كتاب الله تعالى. ومن نقل الإجماع على حرمة الجمع بين
المحارم القرطبى واستثنى الخوارج قال : اختار الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها
وخالتها ولا يعتد بخلافهم، لأنهم مرقوا من الدين ((قال، الحافظ: وفى نقله عنهم جواز
الجمع بين الأختين غلط بين فإن عمدتهم التمسك بأدلة القرآن لا يخالفونها ألبتة . ويردون
الأحاديث لعدم ثقتهم بنقلتها وتحريم الجمع بين الأختين بنصوص القرآن (وقال) ابن المنذر:
لست أعلم اختلافا فى تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين خالتها . وإنما قال بالجواز فرقة من
الخوارج . وإذا ثبت الحكم بالسنة واتفق أهل العلم على القول به لم يضره خلاف من خالفه.
وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر (٣ (وقال) الترمذى بعد تخريج الحديث: والعمل على هذا عند
(١، ٢) ص ١٨٨ ج ٢ تحفة الأحوذي.
على حتها).
. (٢) س ١٢٧ ج٩ فتح البارى ( الصرح - لا تنكح المرأة
لا يجمع بين امرأتين لوفرضت أيتهما ذكرا حرمت عليه الأخرى. يحل الجمع بين زوجة الرجل وبنته ٢٠٩
عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها (١)
( وقال) القرطبى بعد ذكر حديث الباب : هذا حديث مجمع على العمل به فى تحريم الجمع
بين من ذكر فيه بالنكاح. وأجاز الخوارج الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها . ولا يعتد
بخلافهم، لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه. ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة (٢) (وقال) ابن قدامة:
بلغنا أن رجلين من الخوارج أتيا عمر بن عبد العزيز فأنكرا عليه رجم الزانى وتحريم الجمع بين
المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها . وقالا: ليس هذا فى كتاب الله تعالى. فقال لهما: كم فرض
الله عليكم من الصلاة؟ قالا: خمس صلوات فى اليوم والليلة. وسألهما عن عدد ركعاتها
فأخبراه بذلك . وسألها عن مقدار الزكاة ونصابها فأخبراه فقال: فهل تجدان ذلك فى كتاب
اللّه تعالى؟ قالا: لا نجده فى كتاب الله تعالى. قال: فمن أين صرتما إلى ذلك ؟ قالا :
فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده. قال: فكذلك هذا (٣).
(فائدة) ذكرت فى أول البحث ضابطا كليا لمن يحرم الجمع بينهما من المساء المحارم وقيدته بقولى
« لو فرضت أيتهما ذكرا حرمت عليه الأخرى، لأنه لو جاز نكاح إحداهما على تقدير كامرأة
وبلت زوجها من غيرها فإنه يجوز الجمع بينهما إجماعاً، لأنه لو فرضت بنت الزوج ابن زوج لم
يجز له التزوج بالمرأة، لأنها موطوه أبيه. ولو فرضت المرأة ذكرا جاز له التزوج بالبلت، لأنها
بلت أجنبى. قال الكمال ابن الحمام: ومسألة الجمع بين الربيبة وزوجة أبيها ما اتفق عليه الأئمة
الأربعة. وقد جمع عبد الله بن جعفر بين زوجة علىّ وبلته ولم ينكر عليه أحد من الصحابة
والتابعين. وهو دليل ظاهر على الجواز. أخرجه الدارقطنى عن قُشَم مولى ابن عباس قال:
تزوج عبد الله بن جعفر بلتَ على وامرأةَ على. وذكره البخارى تعليقا قال: وجمع عبد الله بن
جعفر بين ابنة على وامرأة على .
[١٨]
قال ابن سيرين: وكرهه الحسن مرة ثم قال: لا بأس به. هذا ولا بأس أن يتزوج الرجل
امرأة ويتزوج ابنه أمها أو بقتها، لأنه لامانع. وقد تزوج محمد بن الحنفية امرأة وزوج ابنه بنتها(٤)
((وقال)) البدر العينى: إنما يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها إذا كانت العلاقة بينهما بسبب
نسب أو رضاع. أما إذا كانت بسبب المصاهرة فلا يحرم على الصحيح. وذلك كالجمع بين المرأة
وزوجة أبيها أوبينها وبين أم زوجها ، فإنه لوقدر إحداهما ذكرا حرم عليه نكاح الأخرى ومع
ذلك فلا يحرم الجمع بينهما، لأن هذا بالمصاهرة وذاك بالقرابة. وهذا مذهب أبى حنيفة والشافعى
(١) م ١٨٩ ج ٢ تحفة الأحوذي. (٢) ص ١٢٥ ج ٥ - الجامع لأحكام القرآن. (٣) ص ٤٧٨ ، ٤٧٩
جـ ٣ متى.
(٤) ص ٣٦٤ ج ٢ فتح القدير على الهداية (ولا يجمع بين امرأتين لو كانت إحداها رجلا لم يجز له
الزوج بالأخرى) وأخرج أثر [١٨] البيهقى عن ثم مولى آل العباس قال: جمع عبد الله بن جعفر بين ليلى بنت
مسعود النهدلية وكانت امرأة على رضى الله عنه وبين أم كلثوم بنت على فكاتنا امرأتيه. انظرص ١٦٧ - ٧ - السنن الكبرى
(من محل الجمع بين امرأة الرجل وبقته).
[م ٢٧ - فتح الملك المعبود - ج ٣]
٢١٠
يحرم الجمع بين الأمة وعمتها وبينها وبين خالتها فى وطء الملك
والأوزاعى وغيرهم . وحكى ابن عبد البر عن قوم من السلف أنه يحرم الجمع أيضاً على هذه
الصورة " وهذا فى الجمع بين المحارم بنكاح. وأما الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها فى
الوطء بملك اليمين فهو حرام عند العلماء كافة، لعموم قوله تعالى: وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأختَينِ.
وخالف فى هذا الشيعة فقالوا: هو مباح. ويباح عندهم أيضاً الجمع بين الأختير بملك اليمين قالوا: وقوله
تعالى: وأن تجمعوا بين الأختين: إنما هو فى النكاح ((ورد)) بأن هذا التخصيص لا يقبل بل جميع
المذكورات فى الآية محرمات بالنكاح وبملك اليمين أيضاً، لقوله تعالى: والمحصناتُ من النساء
إلا ما ملكت أيمانكم . فإن معناه أن ملك اليمين يحل وطؤها بملك اليمين لانكاحها . فإن عقد
النكاح عليها لسيدها لا يجوز (٢) فإن نكح امرأة على عمتها أو خالتها أو العمة على بنت أخيها
فنكاح الأخرى منهما مفسوخ عند عامة أهل العلم. وهذا فى النكاح. وإما إذا كانت إحداهما
بالنكاح والأخرى بملك اليمين فالحكم النكاح وإن تأخر، لأنه أقوى كما إذا وطائ أمته بملك اليمين ثم
تزوج عمتها أو خالتها أو بنت أخيها فإن النكاح صحيح . وتحرم عليه الموطوءة بملك اليمين حتى
تبين منه التى تزوجها آخرا. هذا. وإذا طلق العمة أو الخالة أو ابنة الأخ أو ابنة الأخت طلاقا
بائنا. فلا يحل له نكاح الأخرى ما دام زمن العدة عند الحنفيين وأحمد. وقال مالك والشافعى
تباح له الأخرى بمجرد البينونة وإن لم تنقض العدة: لانقطاع الزوجية حينئذ. وليس فيه الجمع
بينهما. أفاده البدر العينى (٣).
(والحديث) أخرجه أيضاً أحمد وكذا الترمذى بلفظ: نهى أن تنكح المرأة على عمتها (الحديث)
وقال: هذا حديث حسن صحيح(٤).
(١٩) (ص) مَّعَنْا أْمَدُ بِنْ صَالِحِ ثَنَا عَنْبَةُ أَخْبَرَبِ يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَبٍ
أُخْبَرَبِى فِيصَةُ بْنُ ذُغْيِّبٍ أَنْهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيهِ
وَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالِهَا وَبَيْنَ الْمَرَأَةِ وَعَمْنَاَ.
(ش) (السند) (عنبسة) بن خالد ، و(يونس) بن يريد.
(المعنى) (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع) بضم الياء مبنيا للمجهول، أى نهى
الرجل أن يجمع فى النكاح أو الوطء بملك اليمين (بين المرأة وخالتها وبين المرأة وعمتها) خشية
القطيعة. وعند البخارى: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها والمرأة وخالتها
(١) س ١٠٧ ج ٢٠ عمدة القارى ( لا تنكح المرأة على عمتها). (٢) س ١٩١ ج ٩ شرح مسلم (تحريم الجمع بين
المرأة وعمتها أو خالتها). (٣) ص ١٠٧ ج ٢٠ عمدة القاري (لا تنكح المرأة على همتها).
(٤) ص ١٧٨ = ١٦ - الفتح الرباني, وص ١٨٨ ج ٢ تحفة الأحوذي ( لا تنكح المرأة على همتها .. ).
٢١١
حكمة تحريم الجمع فى النكاح بين المحارم. ترجمة خطاب بن القاسم
فترى خالة أبيها بتلك المنزلة . وعند مسلم: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع الرجل
بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها قال ابن شهاب : فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك
المنزلة (١) .
(الفقه) دل الحديث على حرمة الجمع بنكاح أو وطء بملك يمين بين امرأة وخالتها أو عمتها
حقيقة أو مجازا على ما تقدم بيانه . قال الخطابي: يشبه أن يكون المعنى فى ذلك ما يخاف من
وقوع العداوة بينهن ، لأن المشاركة فى الحظ من الزوج توقع المنافسة بينهن. فيكون منها قطيعة
الرحم . وعلى هذا المعنى تحريم الجمع بين الأختين المملوكتين فى الوطء. وهو قول أكثر أهل العلم (٢).
(والحديث) أخرجه أيضاً الشافعى وأحمد والنسائى والبيهقى. وكذا الشيخان وزادا ماتقدم (٣).
(٢٠) ﴿ص) حَدْنَا عَبدُ اللهِ بنُ مُمَدِّ التِّ ثْنَاَ خَطَّبُ بِنْ الْآَمِ عَنْ خُصَيْفٍ
عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبْسٍ عَنِ النَّيْ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَمَ أَنْهُ كَرِهَ أَنْ يُجُمْعَ بِينَ آَلَعْمَةِ
وَاْلَخَلَةِ وَبَيْنَ الْخَالَتَيْنِ وَالْعَمْتَيْنِ .
(ش) (السند) (خطاب بن القاسم) أبو عمر الحرانى نسبة إلى حران. وكان قاضيها . روى
عن الأعمش وزيد بن أسلم وعبد الكريم الجزرى وغيرهم . وعنه محمد بن موسى بن أعينة
ومعلل بن نفيل الحرانى وعمرو بن خالد الحرانى وأبو جعفر النفلى وجماعة . وثقه ابن معين
وكذا أبو زرعة مرة وقال مرة: إنه منكر الحديث. يقال أنه اختلط قبل موته. وذكره ابن
حبان فى الثقات. وقال فى التقريب : ثقة اختلط قبل موته من كبار الثامنة . روى له أيضاً
النسائى. و (خصيف) بضم الخاء المعجمة مصغرا ابن عبد الرحمن الحرزى.
(المعنى) (أنه) صلى الله عليه وسلم (كره أن يجمع) بضم فسكون، أى كره أن يجمع الرجل
فى النكاح أو وطء اليمين (بين العمة) وبنت أخيها التى فى عصمته (و) كره أن يجمع الرجل بين
(الخالة) وبلت أختها التى فى عصمته. فالطرف الثانى من مدخول بين متروك لظهوره. والمعنى
أنه يحرم على الرجل أن يتزوج بعمة زوجته أو خالتها وهى فى عصمته (و) كره صلى اللّه عليه
وسلم أن يجمع فى النكاح ووط. اليمين ( بين الخالتين) بأن يتزوج كل من رجلين بنت الآخر
ويولد لهما بنتان. فلا يجوز الجمع بينهما، لأن كلا منهما خالة الأخرى (و) كره صلى الله عليه وسلم
(١) (فترى) بضم النون أى نظن وبفتحها أى اعتقد. و (بتلك المنزلة) أى من التحريم. (٢) س ١٨٩ ج ٣ معالم
السند .
(٣) ص ٢٢٩ ج ٢ بدائع المين . وص ١٧٨ جـ ١٦ - الفتح الربانى. وس ٨١ ج ٢ مجتبى (الجمع بين المرأة
وهمتها) وص ١٦٥ ج ٧ - السنن الكبرى. وص ١٢٧ ج ٩ فتح البارى (لا تتكح المرأة على عمتها) وس ١٩١ جـ ٩
نووى مسلم (تحريم الجمع بين المرأة وعمتها ... ).
٢١٢
حرمة الجمع فى النكاح بين الحرمين بنسب أو رضاع
أن تجمع فى النكاح بين (العمتين) بأن يتزوج كل من رجلين أم الآخر ويولد لهما بنتان
فلا يجوز لرجل الجمع بينهما، لأنهما عمتان. وتقدم مثل هذا فى فقه الحديث رقم[١٨](١) ومن
حمل الحديث على غير هذا فقد تصف وأبعد النجمة .
(الفقه) دل الحديث على حرمة الجمع بنكاح أو وط. بملك يمين بين المحرمين بنسب أو رضاع
كالعمة وبات أخيها والخالة وبنت أختها والخالتين والعمتين .
(والحديث) أخرجه أيضاً أحمد وابن حبان وفيه مقال. فقد تقدم أن أبا زرعة قال فى خطاب
ابن القاسم: منكر الحديث وأنه اختلط قبل موته. وخصيف ضعيف (٢).
(٣) ﴿ص﴾ مَّعَنْا أْخَدُ بنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمَصْرِىُّ ثَنَا ابْنُ وَهْبِ أَخْبَرَبِى
يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبَرِفِىِ عُرْوَةُ بْنُ الزَّبَيْ أَنْهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّيْ صَلَّى الله
عَلْهِ وَسَمَ عَنْ قَوْلِ الهِ تَعَالَى: ((وَإِنْ خِنْ أَلَا تُقْسِطُوا فِى الَْى فَنْكِحُوا
مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ الْسَاءِ(١٣) قَالَتْ: يَاَ ابْنَ أُخْتِى هِىَ الْقِيمَةُ تَكُونُ فِى حِجْرِ وَلِيها
◌َتْشَارِكُهُ فِىِ مَالِهِ فَيْجِبُهُ مَهَا وَجَمَالهَا فَيُرِيدٌ وَلِيهاَ أَنْ يَزَوْبَهَ بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِى
مَدَاِهَا فَيُعْطِهَا مِثْلَ مَا يُعِهَا غَيْرُهُ. فَتُهُوا أَن يَنكِحُوهُنْ إِلاَّ أَن يُقْسِطُوا لَنْ وَيَغُوا
◌ِنْ أَعلَى سُنْتِنْ مِنَ الْدَاقِ وَأُمِرُوا أَن يَنكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنْ.
قَالَ عُرَةُ: قَالَتَ عَائِشَةُ: ثُمْ إِنَّ النّاسَ اسْتَغْتَوَا رَسُولَ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَبَعَدَ
هُذِ الآيَةِ فِيْ فَنْزَلَ اللهُ عَزْ وَجَلّ ((وَيَستَقْتُونَكَ فِىِ الَّاءِ قُل الله يُغْتِكُ فِنْ
وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ فِى يَتَمَى الْنِسَاءِ الِّْى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَنٌّ وَرَغَبُوُنَ
أَن تَنكِحُوهُنْ(٨) قَالَت: وَالَّذِى ذَكَرَ اللهُ أَنْهُ يُتُلَى عَلَيهِمْ فِىِ الكِتَابِ الآيَةُ الأُولَ
الِّ قَالَ الهُ سُبْحَانَهُ فِهاَ: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُ
مِنَ الْفِسَاءِ. قَالَت عَائِشَةُ: وَقَولُ اللهِ عْرِ وَجَلْ فِىِ الْآيَةَ الْآخِرَةِ (( وَرغَبُونَ أَنْ
تَكِعُوهُنْ، هِىَ رَغَبَةُ أَحَدِكُ عَنْ يَيَتِهِ الْتِى تَكُونُ فِى حِبْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِمَةً
(١) انظر ص ٢٠٨ وما بعدها (٢) س ١٧٧ جـ ١٦ - الفتح الربانى. وص ٣٠٠ تلخيص الحبير.
(٤) النساء : ٠١٢٣
(٣) النساء : ٠٣
٢١٣
تفسير آية وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى
الْمَالِ وَالْجَالِ قُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِى مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَى النِّسَاءِ إلَّ
بالْقِسْطِ مِنْ أَجْل رَغَتِْ مَنْنْ. قَالَ يُونُسُ: وَقَالَ رَبِيَةُ فِى قَوْلِ اللهِ عَزْ وَجَلْ :
وَإِنْ خِفْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى الَْى قَالَ: يَقُولُ انْرُكُومُنْ إِنْ خِفْ نَقَدْ أَحْلَلْتُ
لَمْ أَرْبَعًا .
(ش) هذهأثر. ومناسبته للترجمة ((باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء)) أن اليتامى اللافى
يكنّ فى حجر الولىّ قد يكن كثيرات. وقد أباح اللّه تعالى له نكاحهن إلا أنه لا يجمع بين المرأة
وبين عنتها وبينها وبين خالتها إلى آخر ما تقدم (السند) (ابن وهب) عبد الله. و ( بونس) بن
يزيد الأيلى. و (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهرى .
(المعنى) (أنه) أى عروة (سأل عائشة) رضى الله عنها (عن) تفسيرقوله تعالى (وإن خفتم) أى ظنهتم
يا أولياء اليتامى (ألا تقسطوا) من أقسط أى لا تعدلوا. يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل
(فى) مهور (اليتامى) إذا أردتم الزواج بهن فدعوهن وتزوجوا غيرهن ممن ترغبون من النساء
الحلالات واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا. واليتامى جمع يقيم وهو من مات أبوه وهو دون
الحلم (فانكحوا) مرتب على جواب الشرط ودليل عليه. وقيل هو الجواب . والمراد من
النكاح هنا العقد (ما) بمعنى من (طاب) أى حل (لكم من النساء) الغير اليتامى. وقد قرأ ابن أبى
عبلة فانكحوا من طاب لكم من النساء. وما موضوعة فى الأصل لمن لا يعقل ومن لمن يعقل.
وقد يتعاقبان فتطلق كل منهما على ما تطلق عليه الأخرى . هذا . وقد اتفق العلماء على أن قوله
تعالى ((وإن خفتم ألا تقسطرا فى اليتامى، ليس له مفهوم، إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم
يخف العدل فى اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة ثلتين أو ثلاثا أو أربعا كمن خاف. فدل
على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك وأن حكمها أعم من ذلك (١) (قالت) عائشة ( يا ابن
أختى) هى أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى اللّه تعالى عنهم (هى) أى اليتامى المذكورة فى
الآية ( اليقيمة تكون فى حجر ) بفتح الحاء وكسرها الحضن أى تكون فى رعاية
(وليها) القائم بأمرها. والحجر لا مفهوم له. فإن اليقيمة التى ليست فى الحجر حكمها كذلك
(فتشاركه) اليقيمة (فى ماله) بأن يكون بينهما شركة فى مال شائع كميرات ( فيعجبه مالها وجمالها
فيريد وليها) رغبة فى المال والجمال (أن يتزوجها بغير أن يقسط فى صداقها) أى بغير أن يعدل
فى مهرها (فيعطيها) معطوف على معمول بغير أى أنه يريد أن يتزوجها بغير أن يعطيها ( مثل
(١) من ١٢ ج ٥ - الجامع لأحكام القرآن.
٢١٤
اليتامى نوعان : غنيات جميلات وفقيرات دميمات
ما يعطيها غيره) من مهر المثل. ويدل على هذا قوله (فهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا) أى
يعدلوا (لهن) أى اليتامى فى المهر والنفقة. وهذا نهى ضمنى فإن المعنى والله أعلم وإن خفتم ألا تعدلوا
فى نكاح اليتامى فلا تنكحوهن وانكحوا غير هن ممن طاب لكم من النساء ( ويبلغوا بهن
أعلى سنتهن من الصداق) أى أعلى قيمة فى مهر المثل. مثلا إذا كان مهر مثلها يختلف بين
عشرة دنانير وأحد عشر واثنى عشر فتعطى هذه البقيمة الى عشر (وأمروا أن ينكحوا ماطاب
لهم من النساء سواهن) أى بأى مهر توافقوا عليه. وعن مجاهد فى مناسبة ترتب قوله فانكحوا
ما طاب لكم من النساء على قوله: وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى شىء آخر قال فى معنى قوله: وإن
خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى، أى إذا كنتم تخافون ألا تعدلوا فى مال اليتامى فتحر جتم ألا تقوموا
بشأنها فتحرّجوا من الزنا وانكحوا ما طاب لكم من النساء. أفاده الحافظ (١) (قال عروة)
أى وقال عروة أيضاً فهو معطوف على قول الزهرى: أخبرنى عروة لتحرف العطف مقدر فيه
(قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى طلبوا منه الفتيا فى أمر
النساء (بعد هذه الآية) يعنى بعد نزول آية وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب
لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع (فيهن) أى فى النساء ( فأنزل الله عز وجل ويستفتونك فى
النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى) معطوف على لفظ الجلالة أو على الضمير المستتر فى يفتيكم
والمعنى أن الله تعالى يفتيكم فى حقوق النساء وفيما يتلى (عليكم فى الكتاب) من قوله تعالى: وإن
خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى. الآية (فى) شأن (يتامى النساء اللاتى لا تؤتونهن) أى لا تعطو نمن
( ما كتب) أى ما قدر (لهن) من صداق المثل فيما إذا رغبتم فى نكاحهن إذا كن ذوات جمال
ومال بل تنقصونهن عن ذلك ( وترغبون أن تنكحوهن) أى وترغبون عن نكاحهن إذا كن
دميمات قليلات المال . فرغب يتغير معناه بتغير متعلقه. يقال رغب فيه إذا أحبه وأراده
ورغب عنه إذا كرهه ولم يرده (قالت) عائشة ( والذى ذكر الله أنه يتلى عليكم فى الكتاب)
أى القرآن المراد به (الآية الأولى التى قال الله سبحانه فيها: وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى .. )
الآية (قالت عائشة وقول الله عز وجل فى الآية الآخرة) هى آية ويستفتونك فى النساء (وترغبون)
عن (أن تنكحوهن) قالت عائشة مبينة المراد منها (هى رغبة أحدكم عن يقيمته التى تكون فى حجره)
أى رعايته وتربيته (حين تكون قليلة المال والجمال) وهذا بيّنَ أن الآية الأولى نزلت فى الغنية.
وهذه نزلت فى الفقيرة (فنهوا أن ينكحوا ما) أى من (رغبوا فى) نكاحها (لما لهاوجمالهامن) بيان
لما (بقامى النساء) والمراد بهن المذكورات فى آية: وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى (إلا بالقسط)
أى بالعدل فى مهورهن بألا ينقصوه عن مهر المثل (من أجل رغبتهم عنهن) زاد البخارى: إذا
كن قليلات المال والجمال. وحاصل الكلام أن اليتامى نوعان إحداهما غنية كثيرة المال والجمال.
وثانيتهما فقيرة ليس عندها مال ولا جمال. وكان أولياؤهن إذا رأوا أنهن قليلات المال والجمال
أعرضوا عن نكاحهن فهاهم الله عن نكاحهن إذا كن كثيرات المال والجمال إلا أن يدفعوا
(١) س ١٦٦ ج ٨ فتح البارى - الصرح (وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى).
٢١٥
تفسير ربيعة الرأى آية ((وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى))
لهن مهر المثل ، فقد روى)، عروة بن الزبير أنه سأل عائشة رضى الله عنها قال لها: يا أمناه وإن خفتم ألا
تقسطوا فى اليدمى إلى ما ملكت أيمانكم. قالت عائشة: يا ابن أختى هذه اليقيمة تكون فى
حجر وليها فيرغب فى جمالها ومالها ويريد أن ينتقص من صداقها فنهوا عن نكاحون إلا أن
بقسطوا لهن فى إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن من النساء. قالت عائشة رضى الله
عنها: استفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فأنزل الله: ويستفتونك فى
النساء إلى وترغبون أن تنكحوهن . فأنزل الله لهم فى هذه الآية أن اليقيمة إذا كانت ذات
مال وجمال رغبوا فى نكاحها ونسبها والصداق . وإذا كانت مرغوبا عنها فى قلة المال والجمال
تركوها وأخذوا غيرها من النساء قالت فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها
إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها وبعطوها حقها الأوفى من الصداق. أخرجه البخارى (١) [١٩]
(قال يونس) بن يزيد (وقال ربيعة) الرأى شيخ مالك بن أنس (فى) تفسير (قول الله عز وجل
وإن خفتم ألا تقسطوا) تعدلوا (فى) مهور ونفقات (اليتامى قال) يونس (بقول) ربيعة
(اركوهن) فلا تتزوجوهن (إن خفتم) ألا تعدلوا فيهن (فقد أحلت لكم أربعاً) من غير هن
وحاصل تفسير ربيعة أن جواب الشرط فى قوله إن خفتم مقدر وهو اتركوهن. وقوله فانكحوا
ما طاب لكم كالدليل على الجزاء . وهو متضمن لتسلية أولياء اليتامى حيث منعهم من التزوج
بهن والحال أنهم قد تعبوا فى القيام بمصالحهن فأباح لهم أربعا من النساء سواهن.
(الفقه) دل الأثر (١) على اختبار مهر المثل فى اليقيمات وأن غير هن يجوز نكاحون بدون
ذلك (ب) على أن للولى أن يتزوج من هى فى حجره وتحت ولايته لكن يكون العاقد
غيره. وسيأتى إن شاء الله تعالى تمام الكلام على هذا فى باب الولى (٢) (ج) على جواز
تزويج اليتامى قبل البلوغ لأن بعد البلوغ لا يقال لهن يقيمات إلا أن يكون أطلق عليهن هذا
الاسم استصحابا لحالهن قبل البلوغ. وسيأتى تمام الكلام على ذلك أيضاً فى باب الاستثمار (٣).
(الأثر) أخرجه أيضاً الشيخان والمسافى(٤).
(٢١) ﴿ص﴾ مَّعنا أعْمَدُ بنُ عَدِ بنِ خَيْلٍ تَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ
حَدْقَى أَبِ عَنِ الْوَلِيدِ بْ كَثِيرٍ حَدْقَى مُمْدُ بْنُ عَمْرِو بْنْ حَلْحَلَةَ الُوَّ أَنْ ابْ شِهَابٍ
حَدْثَهُ أَنْ عَلِيِّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدْثَهُ أَنْهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ بَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةً
(١) س ١٥٦ ج ٩ فتح البارى. (تزويج اليقيمة ) ( يا أمتاه ) بضم الهمزة وتشديد الميم المفتوحة بعدها مثناة فوقية
بدل عن ياء المتكلم والألف زائدة والهاء السكت (ورغبوا فى نكاحها ونسبها والصداق) أى فى تقليل صداقها (٢) الباب
رقم ٠٢٠ (٢) الباب رقم ٢٤. (٤) ص ١٦٦ ج ٨ فتح البارى (وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى) وص ١٥٤
ج ١٨ نووى مسلم (التفسير) وس ٨٧ ج ٢ مجتي (القسط فى الأصدقة).
٢١٦
قتل الحسين بن على رضى الله عنهما
مَقْتَلَ الْحُسَينِ بِنِ عَلَيّ رَضِىَ الله عَهَمَا لَفِيهِ المِسْوَرُ بنُ مَرَمَةَ فَقَالَ لَهُ: هَلَ لَكَ إِلَىْ
مِن حَاجَةٍ تَأْمُرُفِى بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ لَا قَالَ: هَل أَنتَ مُعْطِئْ سَيْفَ رَسُول اللهِ
صَلَى اله عَلَيهِ وَسَمَ فَإِى أَغَفُ أَنْ يَغْلِبَكَ القَومُ عَلَهِ؟ وَأَيُمُاللهِ لَيْنِ أَعْطَيِنِيهِ
لَا يُخْلَصُ إلَيْهِ أَبَدًا حَّ ◌َبِلْغَ إِلَى تَفِسِ. إِنْ عَلْ بِنَ أَبِى طَالِب رَضِىَ الهُ عَنَهُ خَطَبَ
بِقَتَ أَبِ جَهَلٍ عَلَى فَاطِمَةَ رَضِىَ اللهُ عَهَا فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَى اللهُ عليْهِ وَسَمَ وَهُوَ
يَخْطُبُ النّاسَ فِى ذَلِكَ عَلَى مِبَهِ هُذَا وَأَنَا يَوَذٍ مُتَهُمْ فَقَالَ: إِنَّ فَاطِمَةَ مِّي وَأَنَا
أَنَخَوْفُ أَنْ تُفتَنَ فِ دِينُهَا قَالَ ثُمّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِن بَى عَدٍ شَمسٍ فَأَثْنَى عَلَيهِ فِى
مُعَاهَرَتِهِ فَأْحِسَنَ قَالَ: حَدْثَى فَصَدَقَى وَوَعَدَفِى فَوَقَ لِ وَإِنْ لَسْتُ أُحَرْمُ حَلَالَا
وَلَا أَحْلِلُ حَرَامًا وَلَكِن وَالهِ لَا تَجَتَمَعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِفْتُ عَدَوْ اللهِ مَكَانًاً
وَاحِدًا أبدًا .
(ش) مطابقة الحديث للترجمة (ما يكره أن يجمع بينهن من النساء) فى قوله صلى الله عليه وسلم
والله لا تجتمع بنت رسول اللّه وبنت عدو اللّه مكانا واحدا. و (ابن حلحلة) بفتح فسكون ففتح
(الدؤلى) بضم ففتح ويروى: الديلى بكسر الدال وسكون الياء. و (ابن شهاب) محمد بن مسلم .
و(على بن الحسين) بن على بن أبى طالب. الملقب بزين العابدين.
(المعنى) (حدثه) أى حدث على بن الحسين ابنَ شهاب (أنهم) أى على بن الحسين ومن معه
من أهل البيت من النسوة والولدان (حين قدموا المدينة ) المنورة (من عند يزيد بن معاوية)
بالشام وقد أرسلهم إليه قائد جيشه بالكوفة عمر بن سعد بن أبى وقاص بعد (مقتل الحسين) بن
على رضى الله عنهما يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وذلك أنه لما خرج الحسين رضى الله
عنه إلى الكوفة حينما بلغه أن أهلها يريدون مبايعته لقيه رئيس جيش يزيد بن معاوية عمر بن
سعد بن أبى وقاص فقتل الحسين رضى الله عنه ومن كان معه وكانوا خمسة وأربعين فارسا ومائة
راجل وكان على بن الحسين مريضاً فأرسله عمر بن سعد هو ومن كان معه من الضعفة والنساء
إلى يزيد بن معاوية بالشام فجهزهم وأرسلهم إلى المدينة. وتقدم ترجمة الحسين رضى الله عنه
ص ٣٠٩ إلى ٣١٢ ج ٩ منهل ( لقيه) أى لقى على بن الحسين (المسور) بكسر فسكون (بن
مخرمة) بفتح فسكون ( فقال) المسور (له) أى لعلى بن الحسين رضى الله عنهما (مل لك إلىّ
من حاجة تأمرنى بها) فأقضيها. وغرض المسور رضى الله عنه من هذا إظهار الشفقة والمحبة لأهل
٢١٧
دفع الرجل الغيرة عند ابنته وطلب إنصافها
بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبر خاطرهم ومعاونتهم على قدر الإمكان (قال) على بن
الحسين رضى الله عنهما (فقلت له) أى لمسور (لا) أى ليس لى إليك حاجة (قال) المسور (هل
أنت معطىّ) بضم فسكون فكسر وشد الياء مضافا إلى ياء المتكلم يعنى هل أنت معطينى (سيف
رسول الله صلى الله عليه وسلم) ولعل هذا السيف ذو الفقار ((بفتح الفاء)). وكان النبي صلى الله
عليه وسلم تقتل عليا رضى الله عنه هذا السيف يوم أحد . ثم انتقل إلى آله حتى وصل
إلى علىّ زين العابدين رضى الله عنه. وأراد المسور بن مخرمة بذلك صيانة سيف النبى صلى الله
عليه وسلم من أن تصل إليه أيدى الأعداء (فإنى أخاف أن يغلبك القوم عليه) أى على السيف
فيأخذونه بالقوة (وأيم الله) هو قسم. وهمزته مفتوحة وقد تكسر. وهى همزة وصل وقد تقطع
والنحاة من أهل الكوفة يزعمون أنها جمع يمين (لتن أعطيتنيه لا يخلص) بضم أوله مبنيا للمجهول
أى لا يصل (إليه) أحد (أبدا حتى يبلغ) أى يصل مريد أخذ السيف (إلى نفسى) بالقتل
فيأخذه بعدموتى. وعند الشيخين: حتى تبلُغ نفسى بفتح فكون فضم، أى حتى تفيض روحى. ولم
يذكر فى الحديث جواب على بن الحسين عن قول المسور: هل أنت معطىّ سيف رسول الله صلى الله
عليه وسلم. واعل على بن الحسين لم يوافق على إعطاء السيف للمسور. قال المسور (إن على بن
أبى طالب رضى الله عنه خطب بنت أبى جهل) اسمها جويرية تصغير جارية وقيل جميلة بفتح الجيم
وقيل غير ذلك. وكانت مسلمة حسنة الإسلام (على فاطمة) الزهراء (رضى الله عنها فسمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس فى ذلك) أى فى خطبة على رضى الله عنه بنت
أبى جهل (على منبره هذا) أى منبر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم (وأنا يومئذ محتلم) أى
كالمحتلم فى الفهم والحفظ والإتقان . وذلك لأن المسور حين وفاة النبى صلى الله عليه وسلم كان
عمره ثمانى سنين أو تسعاً. فلم يكن حينئذ محتلاً. فأجرى الكلام فيه على التشبيه والمبالغة (فقال)
النبي صلى الله عليه وسلم (إن فاطمة منى) أى بضعة منى (وأنا أتخوف أن تفتن) بضم أوله مبقيا
للمجهول (فى دينها) بسبب الغيرة التى جبلت النساء عليها فربما وقع منها مع زوجها فى حال الغيرة مالا
يليق بحالها فى الدين . والسبب فى خوفه صلى الله عليه وسلم على فاطمة رضى الله عنها الفتنة أنها
كانت أصيبت بموت أمها خديجة ثم بموت إخوتها فلم يبق لها من تأتنس به ممن يخفف عليها
الأمر إذا حصلت لها الغيرة(١) وكأن على بن أبى طالب رضى الله عنه أخذ بعموم قوله تعالى:
فانكحوا ما طاب لكم من النساء خطب بنت أبي جهل. فلما أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم
أعرض عن الخطبة . ويقال تزوج بنت أبى جهل عّاب بن أسيد رضى الله عنه. هذا ومناسية
ذكر المسور لقصة خطبة بنت أبى جهل عند طلبه للسيف ، من جهة أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يحب رفاهية خاطر فاطمة عليها السلام «أنا أيضاً أحب رفاهية خاطرك لكونك ابن
(١) س ٢٦٤ جـ ٩ فتح البارى الصرح ( ذب الرجل عن ابنته فى الغيرة والإنصاف).
[م ٢٨ - فتح الملك المعبود - ج٣]
٢١٨
ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على صهره أبي العاص بن الربيع
أبنها، فأعطنى السيف حتى أحفظه لك . أفاده الحافظ (١) ويحتمل أن المسور فعل ذلك مع على بن
الحسين خداعا ومكرا به ، ليصل إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإنه كان مع معاوية
على علىّ كرم الله وجهه. ولذا قال الحافظ: ولا أزال أتعجب من المسور كيف بالغ فى تعصبه
لعلى بن الحسين حتى قال: إنه لوأودع عنده السيف لا يمكّن أحدا منه حتى تزهق روحه رعاية
لكونه ابن ابن فاطمة محتجا بحديث الباب. ولم يراع خاطره فى أن ظاهر سياق الحديث
غضاضة على على بن الحسين، لما فيه من إيهام غض من جده علىّ بن أبى طالب حيث أقدم على
خطبة بنت أبى جهل على فاطمة حتى اقتضى أن يقع من النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك من
الإنكار ما وقع. بل أتعجب من المسور تعجبا آخر أبلغ من ذلك. وهو أن يبذل نفسه دون
السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة وما بذل نفسه دون ابن فاطمة نفسه أعنى الحسين والد على
الذى وقعت له معه القصة حتى قتل بأيدى ظلمة الولاة ، لكن يحتمل أن يكون عذره أن
الحسين لما خرج إلى العراق ما كان المسور وغيره من أهل الحجاز يظنون أن أمره يؤول إلى
ما آل إليه. والله تعالى أعلم (٢) (قال) المسور بن مخرمة (ثم ذكر) النبى صلى الله عليه وسلم (صهرا
له من بنى عبد شمس) هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
والصهر زوج بلت الرجل وزوج أخته. والمصاهرة مقاربة بين الأجانب والأباعد. وكانت
زيلب رضى الله عنها أكبر بنات النبى صلى الله عليه وسلم زوجها أبا العاص قبل الرسالة وأمه
هالة أخت السيدة خديجة رضي الله عنها (فأثنى) النبى صلى الله عليه وسلم (عليه) أى على الصهر
(فى مصاهرته ) أى فى حسن معاملته رسول الله صلى الله عليه وسلم (فأحسن) النبى صلى الله
عليه وسلم الثناء على الصهر (قال) النبى صلى الله عليه وسلم (حدثى فصدقنى) وذلك أن أبا العاص
ابن الربيع كان شرط على نفسه ألا يتزوج على زينب وكذا على رضى الله عنهما. فإن كان
كذلك فهو محمول على أن عليا نسى ذلك الشرط. فلذا أقدم على الخطبة أو لم يقع منه شرط لكن
كان ينبغى له أن يراعى هذا القدر فلذا وقعت المعاقبة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال أن
يواجه أحدا بما يعاب به. وإنما جهر بمعاتبته عليًّ امبالغة ورضاء فاطمة. وكانت هذه الواقعة بعد
فتح مكة (٣) (ووعدنى فوفى لى) وذلك أن أبا العاص أسر فى غزوة بدر فى السنة الثانية من
الهجرة فبعثت السيدة زينب رضى الله عنها إلى أبيها فى فدائه بقلادة لها كانت لأمها السيدة
خديجة. فأعطتها إليها حين تزوج بها أبو العاص. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم
القلادة قال لأصحابه: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذى لها فافعلوا. قالوا
نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها قلادتها. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
(٢) ص ٢٦٢ ج ٩
(١) ص ١٣١ ج ٦ فتح البارى الصرح (ماذكر من درع النبي صلى الله عليه وسلم إلخ).
نفتح البارى. (٣) س ٦٢ = ٧ منه الشرح ( ذكر أصهار النبي صلى الله عليه وسلم) .
٢١٩
لم نهى صلى الله عليه وسلم عن الجمع بين بنته فاطمة وبنت أبي جهل؟
اشترط على أبى العاص أن يرسل إليه السيدة زينب بالمدينة فوفى أبو العاص بذلك. قال الحافظ
وقد أسر أبو العاص بن الربيع ببدر مع المشركين وفدته زينب فشرط عليه النبي صلى اللّه عليه
وسلم أن يرسلها إليه فوفى له بذلك. ثم أسر أبو العاص مرة أخرى فأجارته زينب فأسلم فردها
النبي صلى الله عليه وسلم إلى نكاحه وولدت أمامة التى كان النبي صلى الله عليه وسلم يحملها وهو
يصلى(١) وفى ذكره صلى الله عليه وسلم قصة أبى العاص فى خلال الكلام على زواج علىّ رضى الله
عنه بابنة أبى جهل، تعريض لعلىّ لعله ينحو نحوه فإن أبا العاص أحسن إلى زوجته السيدة زينب
رضى الله عنها ولم يستها لا فى جاهلية ولا إسلام. وتقدمت قصة أبي العاص تامة بصفحة ١٣ ج ٦
منهل (وإنى لست أحرم حلالا ولا أحل حراماً) أى ليس التحريم والتحليل من نفسى بل هو
من اللّه تعالى وإنما أنا مبلغ لما أنزل إلى (ولكن والله لا تجتمع بنت رسول اللّه) فاطمة الزهراء
(وبنت عدو الله) أبى جهل (مكانا واحدا أبدا) وفى هذا إشارة إلى إباحة نكاح على ابنة أبي جهل
على السيدة فاطمة رضى الله عنها . ولكن نهاه صلى اللّه عليه وسلم عن الجمع بين ابنته وابنة أبى
جهل، لأن ذلك يؤذيه صلى الله عليه وسلم وإيذاؤه حرام ((قال) النووى: وقد أعلم صلى الله
عليه وسلم بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعلىّ بقوله صلى الله عليه وسلم: لست أحرم حلالا. ولكن نهى
عن الجمع بينهما لعلتين إحداهما أن ذلك يؤذى فاطمة فيتأذى النبى صلى الله عليه وسلم فيهلك من
أذاه فنهى عن ذلك لكمال شفقته صلى الله عليه وسلم على على وفاطمة . والثانية خوف الفتنة
عليها بسب الغيرة. وقيل ليس المرادبه النهى عن جمعهما بل معناه أعلم من فضل الله أنهما لا تجتمعان
كما قال أنس بن النضر: والله لا تكسر ثنية الربيع. ويحتمل أن المراد تحريم جمعهما ويكون
معنى لا أحرم حلالا، أى لا أقول شيئا يخالف حكم الله. فإذا أحل شيئا لم أحرمه وإذا حزمه لم
أحلله ولم أسكت عن تحريمه، لأن سكوتى تحليل له. ويكون من جملة محرّمات النكاح الجمع بين
بنت فى اللّه وبنت عدو الله(٢) وقال الحافظ: السياق يشعر بأن ذلك مباح لعلى لكن منعه
النبى صلى الله عليه وسلم رعاية لخاطر فاطمة. وقبل علىّ ذلك امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم
والذى يظهر لى أنه لا يبعد أن يعد فى خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ألاّ يتزوج على بناته
ويحتمل أن يكون ذلك خاصا بفاطمة عليها السلام(٣).
(الفقه ) دل الحديث (١) على مزيد حرص الصحابة رضى الله عنهم على حفظ آثار
النبى صلى الله عليه وسلم وعلى مزيد فضل السيدة فاطمة بنت النبى صلى الله عليه وسلم. وعلى
مزيد حرصه صلى الله عليه وسلم على ما يرضيها (ب) يؤخذ منه أن فاطمة رضى الله عنها
(١) ص ٦١ ج ٧ فتح البارى. وحديث حمل التى صلى الله عليه وسلم أمامة فى الصلاة تقدم بصفحة ١٢ جـ ٦ - المهل
(٣) س ٢٦٣ ج ٩
(٢) س ٣ جـ ١٦ شرح مسلم (فضائل فاطمة رضي الله عنها).
( العمل فى الصلاة).
فتح البارى الصرح ( ذب الرجل عن ابنته فى الغيرة).
٢٢٠
تحريم إيذاء من يتأذى النبى صلى الله عليه وسلم بإيذائه
لو رضيت بزواج علىّ رضى الله عنه بنت أبى جهل لم يمنع علىّ من التزوج بها أو بغيرها.
(ج) وفيه تحريم إيذاء من يتأذى النبى صلى الله عليه وسلم بتأذيه، لأن إيذاء النبى صلى الله
عليه وسلم حرام اتفاقا. وقد أخبر بأنه يؤذيه ما يؤذى فاطمة. وفيه حجة لمن يقول بسد الذريعة
لأن تزوج ما زاد على الواحدة حلال للرجال ما لم يجاوز الأربع ومع ذلك فقد منع صلى الله
عليه وسلم عليًّا من ذلك، لما يترتب عليه من الضرر بفاطمة رضى الله عنها. وفيه بقاء عار الآباء فى
أعقابهم لقوله (بات عدو الله) فإن فيه إشعارا بأن للوصف تأثيرا فى المنع مع أنها كانت مسلمة
حسنة الإسلام. أفاده الحافظ (١)
(والحديث) أخرجه أيضاً أحمد والشيخان (٢).
(٢٢) مك (ص) حدّثنا مُحَدٌ بِنْ يَحْيِ بنِ فَرَسِ تَتَ عَبْدُ الرِّزَّاقِ أَخْبرناَ مَعْمَرٌ عَن
الْهْرِئَّ عَنْ عُرْوَةَ وَعَنْ أَبُّوبَ عَن ابْنِ أَبِ مُلَيْكَ بِذَا الْخَرَ قَالَ: فَسَكَتَ عَلِيٌّ عَنْ
ذُلِكَ النَّكَاحِ .
(ش) هذا طريق آخر الحديث السابق. و (عبد الرزاق) بن همام الحميرى. و (معمر) بن
راشد . و (الزهرى) محمد بن مسلم. و (عروة) بن الزبير (وعن أيوب) بإثبات الواو
عطفا على قوله عن الزهرى ، أى حدث معمر بن راشد بالحديث المتقدم من طريقين إحداهما
عن الزهرى عن عروة بن الزبير . وثانيهما عن أيوب بن أبى تميمة السختياني عن عبد الله بن
عبيد الله بن أبى مليكة. والظاهر أن كلا من عروة وابن أبى مليكة روى الحديث عن المسور
ابن مخرمة . ورواه ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير أيضاً عند الترمذى.
(المعنى) (بهذا الخبر) أى الحديث المتقدم (فسكت على) رضى الله عنه (عن ذلك النكاح)
وفى رواية البخارى من طريق شعيب عن الزهرى : فترك على الخطبة بكسر الخاء المعجمة (٣)
(ورواية) أيوب السختيانى أخرجها الترمذى عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير أن عليا
ذكر بنت أبى جهل فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إنما فاطمة بضعة من يؤذينى
ما أذاها وينصبنى ما أنصبها. وقال: هذا حديث حسن صحيح هكذا قال أيوب عن ابن أبى
مليكة عن ابن الزبير . وقال غير واحد : عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة نحو حديث
(١) ص ٢٦٤ جـ ٩ فتح البارى الصرح (ذب الرجل عن ابنته فى الغيرة) (٢) ص ٣٢٦ جـ ٤ مسند أحمد (حديث
السور بن مخرمة الزهرى .. ) وص ١٣١ جـ ٦ فتح البارى ( ما ذكر من درع التي صلى الله عليه وعصاه وسيفه .. )
(٣) ص ٦١ جـ ٧ فتح البارى ( ذكر أصهار التي
وس ٣ ج ١٦ نووى مسلم (فضائل فاطمة رضي الله عنها) .
صلى الله عليه وسلم ) .