Indexed OCR Text

Pages 121-140

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٢١
معرفةُ التابِعِين
(كـ) النُّعمانَ، وسُوَيدِ (ابْنَي مُقَرِّن) بضم الميم، وفتح القاف، وتشديد الراء
المكسورة، وآخره نون: المُزَني، فقد عَدَّهُما الحاكمُ - غَلَطاً - في ((الإخوة)) من
التابعين(١)، وهما صحابيان معروفان من جُملة المهاجرين، كما سيأتي في نوع
((الإخوة والأخوات))(٢).
قال ابنُ الصلاح: ((وعَدُّهُ لهما في التابعين من أَعْجَبِ ذلك))(٣)، يعني
الأمثلةَ فيه.
زاد الناظمُ: (و) كـ (من يقارِبُ) التابعين في طَبَقَّتِهم مِن أَجْلِ أَنَّ رِوايتَه،
أو جُلَّها عن الصحابة.
فقد عَدَّ مسلمٌ(٤)، وابنُ سعدٍ في التابعين مِنْ طَبَقَاتِهِما يُوسفَ بنَ
عبدِ الله بنِ سَلام(٥)، ومحمودَ بنَ لبيد (٦)، وابنُ سعدٍ وحدَه: محمودَ بنَ
الرَّبِيع(٥) .
وَعَكسُه: وهو عَدُّ بعضِ التابعين صحابيًّا كعبد الرحمن بنِ غَنْم
الأشعري، فقد عدَّه محمدُ بنُ الرَّبِيع الجِيزِي فيمَن دخل ((مصرَ)) من الصحابة.
فوهم فيما قاله المصنفُ(٧) وليس كذلك. وابنُ الرَّبِيع إنَّما نقلَه عن غيره فقال:
((أخبرني يحيى بنُ عثمانَ أنَّ ابنَ لَهِيعة والليثَ قالا: له صحبة))(٨).
وكذا حكاه ابنُ مَنْده عن يحيى بنِ بُكَير عنهما. وأثبتَها أيضاً البخاريُّ(٩)،
وابنُ يونسَ، وغيرُهما .
وأخرج أحمدُ وغيرُه من أحاديثِه ما يدلُّ - كما قال شيخُنا - لصحبته(١٠).
نعم، لهم عبدُ الرحمن بنُ غَنْم الأشعري آخرُ تفقَّه به أهلُ ((دمشق))(١١)،
(١) ((معرفة علوم الحديث)) (١٥٤).
(٢) (ص١٣٩).
(٣) ((علوم الحديث)) (٢٧٦).
(٤) في الطبقات (٢٢٨/١ و٢٣١/١).
(٥) لم أعثر عليه في المطبوع من ((طبقات ابن سعد)).
(٦) ((طبقات ابن سعد)) (٧٧/٥).
(٧) يعني فوهم المصنف فيما قاله ابن الربيع الجيزي، ((شرح التبصرة)) (٦٣/٣).
(٨) أوردَه الحافظُ في ((الإصابة)) (٤١٧/٢). (٩) ((التاريخ الكبير)) (٢٤٧/٥).
(١٠) ((الإصابة)) (٤١٧/٢) و((مسند أحمد)) (٢٢٧/٤).
(١١) قاله الحافظ في ترجمته في القسم الثالث من حرف العين في ((الإصابة)) (٩٨/٣).

معرفةُ التابِعِين
١٢٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
فلعلَّه الذي ظنَّه المؤلفُ. ومع ذلك فله إدراك بحيثُ عُدَّ في المخضرمين. وقال
فيه ابنُ حِبّان: ((زعموا أنَّ له صحبةً، وليس ذلك بصحيحِ عندي))(١).
ولكنْ لذلك أمثلةٌ كثيرة، منها إبراهيمُ بنُ عبدِ الرحمن العُذْرِي رَاوِي
حديثٍ: ((يَحْمِلُ هذا العِلمَ مِنْ كُلِّ خَلَفِ عُدُولُه))(٢)، ذَكَرَه ابنُ منده، وغيرُه في
الصحابةِ. وهو تابعيٍّ أَرْسَلَ.
(١) ((الثقات)) (٧٨/٥).
(٢) هذا الحديثُ له رواياتٌ كثيرةٌ، فقد رَواه إبراهيمُ بنُ عبدِ الرحمن العُذْرِي، أخرجَه
العُقَيلي في ((الضعفاء)) (٢٥٦/٤)، وابنُ أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١٧/٢) مِن
طريقَين، وابنُ عَدِي في ((الكامل)) ١٥٣/١)، والخطيبُ في ((شَرَفِ أصحاب الحديث))
(٢٩)، وابنُ عبدِ البر في ((مقدمة التمهيد)) (١٥٣/١) وفي تلك الأسانيدِ: مُعَانُ بنُ
رِفاعةَ السَّلَامي وثّقه ابنُ المَدِيني كما في «الميزان» (١٣٤/٤)، وقال أحمدُ: لا بأسَ
به، كما في («شرف أصحاب الحديث))، وقال الجوزجاني: ليس بحجة. ولَيَّنْهُ يحيى بنُ
معين كما في ((الميزان))، وقال ابن حبان: (منكَرُ الحديثِ يروي مراسيلَ كثيرةً،
ويُحَدِّثُ عن أقوامٍ مَجَاهِيلَ ... ((المجروحين)) (٣٦/٣).
ورواه عبدُ الله بنٌ عُمَرَ، وأبو هريرة جميعاً أخرجه البَزَّارُ كما في ((كشف الأستار)) (١/
٨٦) والعُقَيلي في ((الضعفاء)) (٩/١)، وابنُ عبد البر، وفي أسانيدِهم خالدُ بنُ عَمْرو -
القرشي - نقلَ الذهبيُّ في ((الميزان)) (٦٣٥/١) عن أحمدَ أنَّه ليس بثقةٍ، وعن البخاري:
مُنكَرُ الحديثِ، وعن صالح جَزَرَةً أنّه يَضَعُ الحديثَ.
تنبيه: هو عند البزار عبدُ الله بن عُمَرَ - بضم العين، وعند العقيلي - ومن طريقه ابن
عبد البر - عبدُ الله بن عَمْرو - بفتح العين علماً بأنَّ السَنَد من خالدٍ بن عمرو واحدٌ.
ورواه أبو أُمَامَةَ أخرجه العُقَيليّ، وابنُ عدي، وفي سنِدِهما رُزَيق - بالراء ثم الزاي
مصغر - أبو عبدِ الله الأَلْهاني. قال ابنُ حِبّان: (لا يجوزُ الاحتجاج به إلّا
عند الوِفَاق). ((المجروحين)) (٣٠١/١) وقال أبو زُرعة: (لا بأس به) ((الميزان))
(٤٨/٢).
ورواه أسامةُ بنُ زيد أخرجه الخطيبُ في ((شرف أصحاب الحديث)) (٢٨) وفي سندِه
مُعَانُ بنُ رفاعة.
ورواه ابنُ عُمَر أخرجه ابنُ عدي وفي سنَدِه خالدُ بنُ عَمرو القرشي.
ورواه أبو هريرة أخرجه ابنُ عديٍ من طريقَين في أحدِهما عليُّ بن محمد بن حاتم،
وداودُ بن سليمان الغسّاني، ولم أَقِفْ لهما على ترجمة. وفي الثاني مَسْلَمْةُ بنُ عُلَيّ -
الخُشَنِي - قال الذهبي في («الميزان)) (١٠٩/٤): (شاميٍّ وَاهٍ). ونقل قولَ البخاري:
(منكر الحديث).
=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٢٣
معرفةُ التابِعِين
وكثيراً ما يقعُ ذلك فيمَن يُرسِلُ من التابعين، إذِ اعتمادُهم غالباً إنَّما هو
على ما يَقَعُ لهم مِن الرواياتِ بِحَسَبِ مَبْلَغِ عِلْمِهِم واطّلَاعِهم، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ
ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾(١).
وأخرجه عنه أيضاً الخطيبُ في ((الجامع)) (١٢٨/١)، و((شرف أصحاب الحديث)) (٢٨)
=
وفي سندِهِ مَسْلَمَةُ بنُ عُلَيّ.
ورواه عَلِيُّ بن أبي طالب أخرجَه ابنُ عدي (١٥٢/١) وفي سندِهِ محمدُ بنُ محمدِ بنِ
الأشعث الكوفي، وذَكَر في ترجمتِه (٢٣٠٣/٦) أنَّ شدةً التشيع حملَتْه على إخراج
نُسخةٍ فيها قريبٌ من ألفِ حديثٍ عن مُوسى بنِ إسماعيلَ بنِ موسى بنِ جعفر عن
آبائهم إلى علي رَُّه ثم قال: (فيها مقاطيعُ وعامَّتُهَا مُسْنَدَةٌ، مَنَاكِيرُ كُلُّها أوَ عامَّتُها).
ورواه عبدُ الله بن مسعود أخرجَه الخطيبُ في (شرف أصحاب الحديث) وفي سنده
أحمدُ بنُ يحيى بن زكير، قال الحافظ في («اللسان» (٣٢٣/١): (قال الدارقطني في
((الغرائب)): ليس بشيءٍ في الحديث ... ).
هذا وألفاظُ تلك الرواياتِ متقاربةٌ غيرَ أنَّ في أَحَدِ طريقَي ابنِ أبي حاتم: (لِيَحْمِلْ)
بدلاً من (يحْمِلُ)، وفي روايةِ ابن مسعود: (يَرِثُ هذا العلمَ).
والحديثُ صحَّحه أبو موسى عيسى بنُ صَبِيح كما عند الخطيب في ((الجامع)) (١٢٩/١)
وأحمدُ بنُ حنبل كما في (شرف أصحاب الحديث) (٢٩).
وردّ العراقيُّ تصحيحَ هذا الحديثِ في ((التقييد والإيضاح)) (١٣٨)، ونَقَلَ عن ابن
القَطَّان أنَّه قال: (خَفِيَ على أحمدَ مِنْ أمرِه - يعني مُعَانَ بنَ رِفَاعَةَ - ما عَلِمَه غيرُه).
قلتُ: وهذا الحديثُ لم يَسْلَمْ له طريقٌ مِن ضَعْفٍ مما يُؤَيِّدُ ما ذَهَب إليه الحافظُ
العراقيُّ، وعليه فالحديثُ ضعيفٌ، والله أعلم.
(١) سورة يوسف: الآية ٧٦.

الأكابرُ الذين يَرْوُون عن الأصاغرِ
١٢٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
(الأكابرُ) الذين يَرْؤُون (عن الأصاغر)(١)
وهو نوعٌ مهمٌّ تدعو لفِعله الهِمَمُ العَلِيَّةُ، والأنفسُ الزكيَّةُ. ولذا قيل - كما
تقدَّم في مَحَلِّه -: ((لا يكونُ الرجلُ مُحَدِّثاً حتى يأخذَ عمَّن فوقَه، ومثله،
ودونم»(٢) .
وفائدةُ ضبطِه الخوفُ من ظنِّ الانقلابِ في السَّنَد، مع ما فيه من العملِ
بقوله {وَله: ((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهم)»(٣).
(١) وهو النوع الحادي والأربعون من كتاب ابن الصلاح.
(٢) ((الجامع)) (٢١٨/٢).
(٣) ذكره مسلم في ((المقدمة)) (٦/١) مُعَلَّقاً وبصيغةِ التمريض، ولفظُه: (وقد ذُكر عن عائشةَ
رضي اللهُ تعالى عنها أنها قالت: أَمَرنا رسولُ اللهِ وَّهِ أَنْ نُنَزَلَ الناسَ منازلَهم).
وأخرجه أبو داود في ((الأدب)): باب في تنزيل الناس منازلَهم (١٧٣/٥)، وأعلَّه
بالانقطاع، بأنَّ ميمونَ بنَ أبي شَبِيب راويَه عن عائشةَ لم يُدْرِكُها.
وحَكَمَ الحاكمُ في ((معرفة علوم الحديث)) (٤٩) بصِحّته - ولم يُخْرجه - ولفظُه: (فقد
صَحَّتِ الروايةُ عن عائشةَ ﴿ّا أنها قالت ... )، فذكر لفظ مسلم. وكذا جزم بصِحّته
ابنُ كثير في ((اختصار علوم الحديث)) (١٩١)، وقبلَه ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث))
(٢٧٦) واعتَرَضَه العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٣٢٨)، ولما ردَّ ابنُ الصلاح في
كتاب ((التحرير)) على أبي داود بقوله: (إنَّ ميمونَ بنَ أبي شَبِيب كوفيٍّ متقدم قد أدركَ
المُغيرةَ بنَ شعبةَ، ومات المغيرةُ قبل عائشةَ ... ) اعترضه العراقيُّ وقال: (ليس بِجِيِّد،
فإنّه وإنّ أدركَ المغيرةَ وروى عنه فهو مدلِسٌ لا تُقبَل عَنْعَنَتُهُ بإجماع مَن لا يَحتجُ
بالمُرْسَل ... ولم أرَ أحداً صرَّح بسماعِهِ من المغيرة) ..
هذا وقد أخرجه البيهقيُّ في ((الآداب)) (١٩٥) من طريق آخرَ تكلَّم عليه العراقيُّ في ((التقييد))
(٣٣٠) وأضاف أنَّ الخَرَائِطِيَّ أخرجه في ((مكارم الأخلاقِ» عن معاذٍ بنحوِهِ، وذكرَ
السخاويُّ أنَّ ابنَ خُزَيمة أخرجه في ((صحيحه)) والبزارَ وأبا يَعْلَى في مسندَيهما من طريق
ميمون، وذكرَ له شواهدَ عن جابرٍ وعليٍّ ثم قال: (وبالجُملَة فحديثُ عائشةَ حسنٌ).
قلت: وهذا هو الظاهرُ، ويشهدُ لمعناه: قولُه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٢٥
الأكابرُ الذين يَرْؤُون عن الأصاغرِ
وإلى ذلك أشارَ ابنُ الصلاحِ بقوله: ((وَمِنَ الفائدةِ فيه أنْ لا يُتَوهّم كونُ
المرويِّ عنه أكبر، أو أفضل [من الراوي](١) نظراً إلى أن الأغلب كون المرويِّ
عنه كذلك، فَتُجْهَلَ بذلك منزلَتُهُمَا))(٢).
والأصلُ فيه: روايةُ النبيِّ وَ﴿ في خُطبته حديثَ الجَسَّاسةِ عن تَمِيمٍ
الدَّارِي كما في ((صحيح مسلمٍ)) (٣).
وقولُهُ وَ﴿ في كتابه إلى ((اليَمَن)): ((وإنَّ مالِكاً - يعني ابنَ مُرَارَةَ(٤) .
حدثني بكذا ... ))، وذَكَر شيئاً. أخرجه ابنُ منده(٥).
وقولُه أيضاً: ((حدَّثني عُمَرُ أنَّهُ ما سابَقَ أبا بكرٍ إلى خَيرٍ قظُ إلَّا سَبَقَهُ»،
أخرجَه الخطيبُ في ((تاريخه)) والديلَمِيُّ(٦).
إلى غيرِ ذلك كأَمْرِ الأذانِ، وما ذَكَرَه ◌ِّهِ عن سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ.
وفيه تأليفٌ لإسحاقَ بنِ إبراهيم المَنْجَنِيقِي(٧)، سمعتُه. ولمحمد بن حُميد بن
سهل المُخَرِّمي(٨)، وفي ((مُسْتَخْرَج ابنِ منده للتذكرة)) أشياءُ نفيسةٌ من ذلك.
(وقد روى الكبيرُ عن ذي الصُّغْر) بضم الصاد المهملة، وتسكين الغين ٨٣١
المعجمة أي عن الصغيرِ. وذلك ينقسم أقساماً :
(١) ما بين المعكوفين زدتُه من كلام ابن الصلاح.
(٢) ((علوم الحديث)) (٢٧٦).
(٣) في الفتن، باب قصة الجساسة (٢٢٦١/٤).
(٤) أو مالكَ بنَ مُزَرِّد. قالَه السيوطيُّ في ((التدريب)) (٢٤٤/٢).
(٥) قال السيوطي في ((التدريب)) (٢٤٤/٢): أخرجَه ابنُ منده في (الصحابة) بسنده عن
زُرعةَ بِنِ سَيِفِ بنِ ذِي يَزَنْ أنَّ النبيَّ وَ﴿ كتبَ إليه كتاباً، وأنَّ مالكَ بنَ مُزَرِّد الرَّهَاوِي
قد حدَّثَنِي أَنَّكَ أسَلمتَ وقاتلتَ المشركين فأبشِر بخَير ... الحديث).
(٦) ((تاريخ بغداد)) (٧٧/٥) وفي سندِه شيخُ الخطيبِ أبوِ العَلَاءِ الواسطيُّ، قال عنه في
ترجمته من ((تاريخه)) (٩٥/٣): (رأيتُ له أصولاً عُتُقاً سماعُه فيها صحيحٌ، وأصولاً
مضطربةً) وتكلَّم فيه. ثم إنَّ الحديثَ المذكورَ أوردَه في ترجمةِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ
عَمْرُو به ولم يَذْكُر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وأيًّا ما كان فاعترافُ عُمَرَ بأَسْبَقِيَّةِ أبي بكرٍ
له ثابتٌ عنهُ وصحيحٌ كما في ((مسندِ أحمدَ)) برقم (١٧٥ و٢٦٥).
(٧) مات سنة ٣٠٤، من رجال ((التهذيب)).
(٨) مات سنة ٣٦١ ((الأنساب)) (١٣٣/١٢).

الأكابرُ الذين يَرْؤُون عن الأصاغرِ
١٢٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(طبقةً وسنًّا) أي إمّا أنْ تكونَ الروايةُ عن أصغرَ منه فيهِما، وهما
لتلازمهما - غالباً - كالشيءِ الواحدِ، لا في الجَلَالةِ والقَدرِ كروايةٍ كلٍّ مِنَ
الزُّهري ويحيى بنِ سعيد الأنصاري عن تلميذِهما الإمامِ الجَلِيلِ مالكِ بنِ
أنس (١)، في خَلْق غَيرِهما ممّن رَوى عن مالك من شيوخه بحيثُ أَفْرَدهم
الرَّشيدُ العطّارُ في مصنَّف سمَّه: ((الإعلام بمن حدَّث عن مالك بن أنسٍ الإمام
من مشايخهِ السادةِ الأَعْلام)). وَمِن قبلِه أفردَهم محمدُ بنُ مَخْلَد الدُّورِي، وهو
في مَسمُوعَاتي .
وكروايةِ أبي القاسم عُبيدِ الله بن أحمدَ الأزهري - من المتأخِّرين - في
بعض تصانِيفِه عن تلميذِه الحافظِ الجَليلِ الخَطيبِ، والخطيبُ - إذ ذاك - في
عُنْفَوَانِ شَبَابِهِ وطَلَبِهِ(٢) .
(او) - بالنقل - رَوى الحافظُ العالمُ عمَّن هو أصغرُ منه (في القَدْرِ)
فقطْ دُون السنِّ، كرواية مالكِ(٣)، وابنٍ أَبِي ذِئْبٍ (٤) عن شيخِهما عبدِ الله بن
دِينار وأشباهِه. وأحمدَ بنِ حنبل، وإسحاقَ بنِ راهُويه عن شيخِهما
عُبَيْدِ الله بنِ موسى(٥). مع كَونهم دُونَ الرُواة عنهم في الحِفِظِ والعِلم لأجل
روایاتھم .
(١) قد مضى (٢٣٠/٣) أنَّ الزهريَّ روى عن مالكٍ حديثَ الفُرَيعة، وانظُر لِروَايةِ الزهريّ
ويحيى بنِ سعيدٍ عن مالكِ: ((ترتيبَ المَدَارِك» (٢٥٤/١، ٢٥٥).
(٢) وكان ذلك سنة ٤١٢ كما ذَكَرَه عبدُ العزيز الكِنَاني. («تَبْيِين كَذِب المُفْتَرِي)» (٢٧١)
وللخطيبِ إذْ ذاك عشرون عاماً. وقد ذَكَر روايةَ الأزهريِّ عن الخطيبِ ابنُ الصلاح
(٢٧٦)، والنوويُّ في ((التقريب)) (٢٤٤/٢) وغيرُهما .
وذكر الخطيبُ في ترجمةِ شيخِه أبي بكر البَرْقَانِي في («تاريخ بغداد)» (٣٧٤/٤) أنَّ
البَرْقَانِي كتبَ عنه حديثاً سنةَ ٤١٩، يعني وللخطيبِ سبعةٌ وعشرون عاماً وقال: (وكُنتُ
كثيراً أُذَاكِرُه بالأحاديثِ فيكتبُها عني ويُضَمِّنُها جُمُوعَه).
(٣) ذكر ابنُ عبدِ البَرّ. في ((التَقَصِّي)) (ص٧٦) أنّ ما رواه مالكٌ عن ابنِ دينار بَلَغَ سنةً
وعشرين حديثاً ثم أوردها .
(٤) ذَكَرَ روايتَه عنه الحاكمُ في ((المعرفة)) (ص٤٩).
(٥) ذكر روايتَهما عنه الحاكمُ في المصدر السابق.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٢٧
الأكابرُ الذين يَرْؤُون عن الأصاغرِ
٨٣٢
وذلك كثيرٌ جداً، فكم من حافظٍ جليلٍ أَخذ عن مُسْنِدٍ مَحْضٍ
كالحَجَّارِ، أو عمَّن دُونه في اللُقِّيِّ خاصةً دُون الّسِنّ أيضاً (أو) رَوى عمَّن
هو أصغرُ منه (فيهِما) أي في السِنّ الملازِمِ للطبَقَّةِ كما مَرَّ، وفي القَدْر
معاً، كروايةٍ كثيرٍ مِن الحُفّاظِ والعلماءِ عَن أصحابِهم وتلامذتهم مثلُ
عبدِ الغني بنِ سعيد عن محمدِ بنِ علي الصُورِي(١)، والخطيبِ عن أبي نَصْرِ
ابنِ ماكولا(٢)، في نظائرِهما.
وحاصلُها يَرجع إلى روايةِ الراوي عمَّن دُونه في اللُّقِيّ، أو في السِنّ، أو
في المِقْدار.
(ومنه) أي ومن هذا النوع (أَخْذُ الصَّحْبِ) أي الصحابة (عن تابع) لهم
(ك) روايةِ (عِدَّةٍ) من الصحابة فيَهم العبادلةُ الأربعةُ(٣)، وعُمرُ، وعليّ، وَأنسٌ،
ومعاويةُ، وأبو هريرة ﴿ه (عن كعبٍ) الأحبار، في أشباهٍ لذلك أَفْرَدَها الخطيبُ
في جزءٍ: ((رواية الصحابةِ عن التابعين))، وقد رَتَّبْتُهُ، ولخَّصَه(٤) شيخُنا فيما
أخذتُ عنه.
ومن أمثلته ما رواه الترمذي في ((جامعه)) من حديثٍ صالح بنِ کَیسانَ عن
الزُهري عن سهل بن سعدٍ عن مَروانَ بنِ الحَكَم عن زَيدِ بن ثابتٍ أنَّ النبيَّ وَّل
أَمْلَى عليه: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾(٥)،
قالَ: ((فجاءَه ابنُ أمِّ مَكْتُوم ... )) الحديثَ، وقال عَقِبَهُ: ((وهذا الحديثُ يَرْوِيه
رجلٌ مِنَ الصحابةِ - وهو سهلٌ - عن رَجُلِ من التابعين وهو مَروانُ))(٦).
ويلتَحقُ بذلك ما في ((صحيح البخاري)) من روايةٍ معاويةِ بنِ أبي سفيان
عن مالكِ بن يَخَامر عن معاذٍ لِزِيَادَةِ: ((وَهُمْ بِـ ((الشام)) في حديثِ: ((لا تزالُ
(١) ((تاريخ بغداد)) (١٠٣/٣).
(٢) ((تاريخ بغداد)) (٤٢/١٣).
(٣) ذكر روايتَهم عنه ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٢٧٧).
(٤) كذا. وعليه فهو رَتَّبَهُ، أمَّا شيخُه فلخّصه. لكن لعل أصلها: (رتَبه ولخّصه).
(٥) سورة النساء: الآية ٩٥. ثم نزل بعد ذلك: ((غير أولي الضرر)).
(٦) الترمذي في ((التفسير)): باب ومن سورة النساء (٢٤٢/٥).
والحديثُ أخرجه البخاري أيضاً في ((الجهاد)»: بابُ قولِ الله ◌َت: لا يستوي القاعدون
(٤٥/٦) وفي ((التفسير)) (من طريق صالح بنِ كَيسانَ به). ويظهَر أنَّ المصنفَ كَّهُ غَفَلَ
عن ذلك.

الأكابرُ الذين يَرْؤُون عن الأصاغرِ
١٢٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
طائفةٌ مِن أمتي ظاهرين على الحق ... )) (١)، فمالكٌ المذكورُ - كما قال أبو
نُعَيم - لا يَثبتُ کونُه صحابيًّا .
و((روايةُ الصحابةِ عن التابعين))، وكذا ((الآباءِ عن الأبناء))، والشيخ عن
التلميذِ، وإنْ كانت من مسائلِ هذا النوعِ فهي أخصُّ مِنْ مُطْلَقِهِ (٢).
وكذا أَخْذُ التابعين عن أتباعِهم، كالزهري ويحيى بنِ سعيد عن مالك،
وكعمرو بنِ دينار وأبي إسحاق السَّبِيعي وهشام بن عروة ويحيى بنِ أبي كَثير عن
مَعْمَر، وكقتادةَ والزهريّ ويحيى بنِ أبي كَثير عَن الأوزاعي.
ومن طريفِ أمثلةِ هذا النوع أنَّ الشرفَ يعقوبَ المَغْربيَّ المالكيَّ المتوفَّى
في سنةِ ثلاثٍ وثمانين وسبعمائة (٣) كان يُوَاظب الحُضورَ عند الوَليّ ابنِ الناظِمِ في
المَدْرسة الظاهريةِ القديمةِ لكونه مُنَزَّلاً في طَلَبَتِها، مع كونه في عِدَادٍ شیوخه.
بل ذكرَ السِّرَاجُ ابنُ المُلَقن أنَّه قرأَ عليه في مذهب مالكٍ، ولذا قال
الوليُّ: ((فقد أَخَذَ المذكورُ عني، وأخذَ عنهُ شيخي))، قال: ((وهذه ظَرِيفة)).
ومن فوائِد هذا النوع، وما أشبَهه: التَّنويهُ مِن الكَبِير بذِكر الصَّغِير،
وإِلْفاتُ الناس إليه في الأَخَذِ عنه. وقد قال التاجُ السُّبْكِي - بعد إفادَتِهِ أنَّ إمامَ
الحرَمين نَقَلَ في ((الوَصِيةِ)) من ((نِهَايَتِهِ)» (٤) عن تلميذِه أبي نصر ابنِ القاسم
القُشَيري -: ((وهذا أَعظمُ ما عَظُمَ به أبو نَصرٍ، فهو فَخَارٌ لا يعدله شيءٌ))(٥) .
وكذا نقلَ الجمالُ الأسْنَوي في ((المُهِمّات)) (٦) وغيرِها عن الناظم(٧)
واصفاً له بحافظِ العَصر، مع كونِهِ من تلامِذَتِهِ.
(١) البخاري في ((المناقب)): باب حدثنا محمد بن المثنى (٦٣٢/٦).
(٢) ولذا أفردوا بعضَها في أنواع مستقلة. (٣) ((إنباء الغمر)) (٨٣/٢).
(٤) يعني: ((نهاية المطلب في المذهب)) كما في ((السير)) (٤٧٥/١٨).
(٥) ((طبقات الشافعية)) (٢٥١/٤).
(٦) يعني (المهمات على الروضة في الفروع) وهي ((روضةُ الطالِبِين وعُمدة المُتَّقِين)) للإمام
النووي.
والجمالُ الأسنوي هو: عبدُ الرحيم بنُ الحسن بنِ علي الفقيه الأصولي الشافعي، مات
سنة ٧٧٢ ((الدُرَر الكامنة)) (٣٥٤/٢).
(٧) يعني الحافظَ العراقيَّ.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٢٩
الأكابرُ الذين يَرْؤُون عن الأصاغرِ
وهو وأمثالُهُ(١) مما يُعَدُّ من مفاخرٍ كلٌّ مِن الرَاوي والمَرْوي عنه(٢).
وذكرتُ مما وَقَعَ لشيخِنا من ذلك مع طَلَبَتِه في ترجمتِه جملةً(٣).
(١) يعني هذا النوعَ وما يشبهُه كروايةِ الصحابة عن التابعين، والآباء عن الأبناء ونحوهما.
(٢) فهو يدل على تواضع الرَّاوي وعَدَم تكبُّره، كما يدل على رِفعة شأنِ المَرْوِي عنه
وأهليَّتِه.
(٣) ((الجواهر والدرر)) (٢٠٠/١) وما بعدها.

روايةُ الأَقْرَان
١٣٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(روايةُ الأَقْرَان)(١)
وهو نوعٌ مهمٌ. وفائدةُ ضبطِهِ: الأمنُ مِن ظنِّ الزيادةِ في الإسنادِ، وَإِبْدَالِ
الواو بـ((عن)) إنْ كان بالعَنْعَنَة.
٨٣٣
(والقُرَنا) بالقَصر للضرورةِ (مَن استوَوْا) أي تَمَاثَلُوا، أو تقاربوا (في
السَّنَدِ) يعني الأخذِ عن الشيوخ (و) كذا في (السِن) لكنْ (غالباً) لأنهم ربما
يكتَفُون - كالحاكم (٢) - بالتقارُبِ في الإسناد، وإنْ تفاوَتَتِ الأَسْنَانُ(٣)، مع أنّ
ظاهرَ كلام شيخِناً أنّه لو حصلَت المقارنةُ في السنّ [أو العلم أو نحوِهما](٤)
دون الإسناد كفَى فإنّه قال: ((فإنْ تشاركَ الراوي ومَن رَوى عنه في أمرٍ من
الأمور المتعلقةِ بالروايةِ مثلِ السِنِّ واللُّقِي(٥) - وهو الأخذُ عن المشايخ - فهو
النوعُ الذي يقالُ له: ((روايةُ الأقران))، لأنَّه حينئذٍ يكون رَاوياً عن قَرِينِهِ))(٦).
(وقِسْمَين اعدُد) أي واعدُدْ روايةَ الأقرانِ قسمَين: (مُدَبَّجاً) بضم الميم،
وفتح الدال المهملة، وتشديد الباء الموحدة، وآخرُه جيم (وهو إذا كُلٌّ) مِن
القَرِينَين (أخذ عن آخر) بالتنوين للضرورة، وبذلك سمَّاه الدارقطنيُّ، أخذاً من
دِيبَاجَتَي الوجهِ وهُما الخَدَّان لتساوِيهِما وتَقَابُلِهما، ولكنْ لم يتقيّدِ الدار قطنيُّ في
٨٣٤
(١) وهو النوع الثاني والأربعون من كتاب ابن الصلاح.
(٢) ((معرفة علوم الحديث)) (٢١٥).
(٣) قاله قبله ابنُ الصلاح (٢٧٨). ولفظُ الحاكم: (وإنَّما القَرِينَان إذا تقاربَ سنُّهما
وإسنادُهما)، لكنْ قد يُفهَم من تمثيلِه للأقرانِ بجابرٍ وابنِ عباس، وبعبدِ الرزاق (١٢٦ -
٢١١ هـ) وأحمدَ (١٦٤ - ٢٤١هـ) أنَّه لا ينظُر لتفاوتِ الأسنان. وقد علّق ابنُ الصلاح
على هذا المثالِ الأخيرِ بقولِه: (وليس هذا بمَرضِيّ). ((علوم الحديث)) (٢٧٨).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في (س) ولا (م).
(٥) زاد في (ح): (أي أو اللقي)، وهي زيادةٌ من السخاوي في كلام شيخِه لبيان أنَّ الواوَ
هنا بمعنى (أو).
(٦) ((النزهة)) (٥٩).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣١
روايةُ الأَفْرَان
مصنَّفِه الآتي ذكرُه بالقَرِينَين، بل أدرجَ فيه ما يكون من أمثلةِ القسمِ الآتي.
وهذا هو القسمُ الأولُ.
(وغيرَه) - بالنصب عطفاً على ((مُدَبَّجاً)) فأُبْدِلا من ((قِسمَين))، أي: وغيرَ
مدبّج، وهو القسم الثاني -: (انْفِرَادُ فَذَ) بالفاء والذال المعجمة أي انْفرادُ أَحَدِ
القرِينَين بالروايةِ عن الآخر، وعدمُ الوقوفِ على روايةِ الآخَرِ عنه.
وحينئذٍ فالأولُ أخصُّ منه، فكلُّ مُدَبَّج أَقْرَانٌ، ولا عكسَ.
وفي الأولِ صنَّف الدار قطنيُّ كتاباً حافلاً في مجلّد.
وفي الثاني صنَّف أبو الشيخ ابنُ حَيَّان الأَصبَهاني، وأبو عبدِ الله محمدُ بنُ
يعقوبَ بنِ يوسفَ بنِ الأخرمِ الشَّيْباني.
وفيهما شيخُنا ملَخِّصاً لذلك منهما، فسمَّى الأولَ: ((التَعْرِيجُ على
التَّدْبِيج))، والثاني: ((الأَفْنَانُ في روايةِ الأقرانٍ))، ويُسَمَّى أيضاً: ((المُخَرَّج من
المُدَبَّج)).
مثالُ الأولِ في الصحابةِ: أبو هريرةَ وعائشةُ، روى كلٌّ منهما عن
الآخر(١).
وفي التابعين: الزُهريُّ وأبو الزُّبَير كذلك(٢).
وفي أتباعِهم: مالكٌ والأَوْزَاعِيُّ كذلك(٣).
وفي أتباع الأتباعِ: أحمدُ وابنُ المَدِيني كذلك مع نِزَاعِ في كَوْنهما
قِرِينَين (٤).
وفي المتأخّرِين: المِزِيُّ والبِرْزَالِيُّ كذلك، وشيخُنا والتَّقِيُّ الفَاسِيُّ كذلك.
ومثالُ الثاني: روايةُ سليمانَ التَّيْمِيّ عن مِسْعَرٍ، فقد قال الحاكمُ: ((لا
أحفظُ لِمِسْعَر عن التَّيْمِي رِوَايَةً))(٥)، على أنَّ غيرَه توقَّف في كون التَّيْمِي مِن
(١) ((معرفة علوم الحديث)) (٢١٥).
(٢) ومثلُه - كما عند الحاكم - الزهريُّ وعمرُ بنُ عبدِ العزيز كذلك.
(٣) (المصدر السابق) (٢١٧).
(٤) والأظهر أنَّهما قرينانِ فقد وُلِدَ عليُّ بنُ المديني سنةَ ١٦١، وأحمدُ سنةَ ١٦٤.
(٥) ((معرفة علوم الحديث)) (٢٠)، وقد اعترَضه العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٣٣٥) بأنّ =

روايةُ الأَقْرَان
١٣٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
أقرانِ مِسْعَرٍ، بل هو أكبرُ منه كما صرَّح به المِزْيُّ وغيرُه.
نعم، روى كُلٌّ مِن الثَّوري ومالكِ بنِ مِغْوَلٍ عن مِسْعَرٍ وهما أَقْران،
والأعمشُ عن التَّيْمِي وهما قَرِينان.
والزَيْنُ رِضوانُ عن الرَّشِيدِي وهما قَرِينَان من شُيوخِنَا .
وقد يجتمعُ جماعةٌ من الأقْرانِ في سلسلةٍ كروايةِ أحمدَ عن أبي خَيْثَمَةَ
زُهيرِ بنِ حَرْب عن ابنِ مَعِين عن عليٍّ بنِ المديني عن عُبَيدِ الله بنِ مُعَاذٍ لِحَدِيثٍ
أبي بكر بنِ حَفص عن أبي سَلَمَة عن عائشةَ: ((كُنَّ أزواجُ النبيِّ وَلاَ يَأْخُذْنَ مِن
شُعُورِهن حتى تكونَ كالوَفْرَةِ))(١)، فالخمسةُ - كما قال الخطيبُ - أَقْرَانٌ(٢).
ورِوَايةِ ابنِ المُسَيب عن ابنِ عُمَرَ عن عُمَرَ عن عُثْمانَ عن أبي بكرٍ
لحديثِ: ((ما نَجَاةُ هذا الأمرِ)) (٣)؟ ففيه أربعةٌ من الصحابةِ في نَسَقٍ .
وكذا اجتمعَ أربعةٌ من الصحابةِ في عِدَّةِ أحاديثَ بعضُها في (الصحيحينِ))
وغيرهما .
وأفردَ فيه كلٌّ من عبدِ الغني بنِ سعيد المِصْري، وأبي الحَجَّاج يوسفَ بنِ
خليل الدمشقي - فيما سَمِعناه - جُزْءاً.
بل اجتمعَ منهم خمسةٌ في حديثٍ: ((المَوتُ كَفّارةٌ لكلِّ مسلم)) (٤)، وذلك
هذا ليس بصحيحٍ وأنَّ مِسْعَراً رَوَى عنه أيضاً فيما ذَكَرَه الدار قطنيُّ في (المُدَبَّج): فيكونُ
=
من الأول.
ومثَّل له العراقيُّ بما ذَكَره الحاكمُ مِن أنَّ زَائِدَةَ بنَ قُدَامَةَ رَوى عن زُهَير بن مُعاويةً
وهما قَرِينان، ولا تُعرف رِوَايةٌ لِزُهَيرٍ عن زَائِدَةً.
(١) أخرجه مسلمٌ في ((الحَيض)): باب المُستَحب من الماءِ في غُسلِ الجَنَابة (٢٥٦/١) من
طريقِ عُبَيدِ اللهِ بنِ معاذ. والوَفْرَةُ - كما في ((النهاية)) (٢١٠/٥): شَعْرُ الرأسِ إذا وَصَلَ
إلى شَحْمَةِ الأُذُنَ.
وذكر القاضي عياضٌ أنَّ نساءَه ◌َ ﴿ إِنَّمَا فَعَلْنَ ذلك بعدَ وفاتِهِ تَرْكاً للتَزَيِّنِ وتَخْفِيفاً لِمُؤنةٍ
رُؤوسِهن. قال النووي في ((شرح مسلم)) (٤/٤): (وهو مُتَعَيِّنٌ ولا يُظَنُّ بهنَّ فِعْلُه في حياتِهِ).
(٢) أورد هذا المثالَ العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٦٨/٣)، والسيوطيُّ في
((التدريب)) (٢٤٨/٢) وغيرهما .
(٣) أخرجه أحمدُ (٦/١) بسندٍ فيه مَنْ لَمْ يُسَمَّ عن عثمانَ عن أبي بكر.
(٤) أخرجه أبو نُعَيم في ((الحِلية)) (١٢١/٣) عن أبي بكر المُفِيدِ عن أحمدَ بنِ عبدِ الرحمن =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣٣
روايةُ الأَقْرَان
مِن رِوَايةِ عمرٍو بنِ العاص عن عُثمانَ بن عفان عن عُمرَ بنِ الخطاب عن أبي
بكر الصِدِّيق عن بِلال. وهو غريبٌ، لاجتماع الخُلَفَاءِ الثلاثةِ فيه. ويدخُل في
النوعِ قبلَه. ودُون هذَين العددَين - مما أمثلتُه أكثرُ - ما اجتمع فيه ثلاثةٌ من
الصحابةِ، كُمُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ عن مالكٍ بن يَخَامر - على القولِ بصُحْبَتِه - عن
مُعَاذٍ (١). وكمُعاويةَ بنِ حُدَيج(٢) عن مُعَاوِيةَ بن أبي سُفيان عن أختِهِ أمِّ حَبِيبة(٣) .
ثم ممّا أمثلتُه أكثرُ ممّا يدخُل في هذا النوعِ وما لا يدخُل كابن عُمرَ عن
كلِّ من أبيه وأختِه حفصةً.
السَّقَطِي عن يزيدَ بنِ هارونَ عن عاصم الأحولِ عن أنسٍ مرفوعاً والخطيبُ في ((تاريخ
=
بغداد)» (٣٤٧/١) عن أبىِ نُعَيم به وابنُ الجَوزي في ((الموضوعات)) (٢١٨/٣) من
طريق الخطيبِ، وذكرِ أنَّ أبا بكرٍ المفيد ضعيفٌ جدًّا، ثم ذكر كلامَ الخطيبِ بأنَّ
السَّقَطِي مجهولٌ، وأنَّ الحديثَ إنَّما يُحفَظ من روايةِ مُفرج بنِ شُجَاعِ المَوْصلي عن
يزيدَ بنِ هارونَ، ومُفرِجُ واهي الحديث، والحديثُ عن يزيدَ شاذٌ، مع أنَّه قد روى عن
نَصْر بن علي الجَهْضَمِي عن يزيدَ، وليس بثابتٍ عنه.
ورواه إسماعيلُ بنُّ يحيى بنِ عُبَيد اللهِ التَّيْمِي عنِ الحَسَن بن صالح عن عاصم الأحول
وإسماعيلُ كان كذّاباً، ورواه أصرَمُ بنُ غِيَاث النَّيْسَابُورِي عن عاصمٍ، وأصرَمُ لا تقوم
به حُجّةٌ.
وأخرجه ابنُ الجَوزي من طريقٍ آخرَ عن عاصمٍ عن أَنَس، وفي سنَدِه داودُ بنُ المُحَبَّر.
وذكرَ فيه قولَ أحمدَ عنهُ: هو (شِبْهُ لا شَيء). وذكرَه الصَّغَانِي في ((موضوعاته)) (٤٣).
والحديثُ رَمَزَ له السُيوطي في ((الجامع الصغير)) (٢٧٩/٦) بالصِحَّة، وصحَّحه قبلَه
القاضي ابنُ العربي في ((سراج المُرِيدين))، وأضاف المُنَاوِي في ((فيض القدير)) (٦/
٢٧٩): أنَّ الحافظَ العراقيَّ قال في ((أماليه)): وَرَدَ من ظُرُقٍ يبلُغُ بها درجةَ الحَسَن،
وقد جمَعَها في جُزءٍ، وكذا مَنَعَ ابنُ حجر وضعَه مع وُجُود تلك الطُرُق.
وعلى أيِّ حالٍ فالطُرُق التي رأيتها لا تقوم بها الحُجّة، والذي صحَّ في ذلك كما قال
أهلُ العلم: حديثُ البُخَارِي: (الطاعون كفارةٌ لكلِّ مسلم)، والله أعلم. وأما طريق
بلال الآتي فلعله في كتاب الدارقطني ((المدبج))
(١) البخاري في ((المناقب)): بابُ حدَّثنا محمد بن المُثَنَّى (٦٣٢/٦) وقد مَضَى (ص١٢٧).
(٢) بالحاء المهملة والتصغير، كما في ((الإصابة)) و((التقريب))، وقد أعجمت الحاء في
بعض المصادر خطأ مثل ((تحفة الأشراف)) (٣١٥/١١) و((أبي داود)) (٢٥٧/١)
وغيرهما .
(٣) أبو داود في ((الطهارة)): باب الصلاة في الثوب الذي يُصِيب أهلَه فيه (٢٥٧/١)،
والنسائيُّ وابنُ ماجه كذلك.

روايةُ الأَقرَان
١٣٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وأما روايةُ الليثِ عن يحيى بنِ سعيد عن سعدِ بنِ إبراهيمَ عن نافعٍ بن
جُبَير بنِ مُطْعِم عن عروة بن المغيرةِ بنِ شُعبةَ عن أبيهِ لحديثِ: ((اتَّبَعْتُ النبيَّ ◌َله
بإدَاوَة))(١) .
وروايةُ محمدِ بنِ عَجْلانَ عن محمدٍ بن يحيى بن حَبَّان عن عبد الله بن
مُحَيرِيز عن الصُّنَابِحِي عن عُبادَةَ بنِ الصامت(٢)، ففيهِما أربعةٌ من التابعين في
نَسَقٍ .
ودُون هذا العدَدِ - مما أمثلتُه أكثرُ - ما اجتمع فيه ثلاثةٌ منهم كالزُّهري
عن عبدِ المَلِك بن أبي بكر بنِ الحارث بنِ هشام عن خارجةَ بنِ زيد بن ثابت
الأنصاري عن أبيه څته(٣).
وكذا الزهري عن عُمَر بنِ عبد العزيز عن عبدِ الله بن إبراهيم بن قَارِظ
عن أبي هريرة ظ ◌ُه(٤).
ثم ما اشتَمَلَ على اثنَين.
وأكثرُ ما وُجِد منهُم - حسبما أشرتُ إليه في ((المُرسَل))(٥) - في نَسَقٍ إِمَّا
سِتَّةٌ، أو سبعةٌ.
وفي أشباهِ ما ذكرتُه ◌ُولٌ.
وللخطيبِ: ((روايةُ التابعين بعضِهم عن بعض))، وهو مع: ((رواية الصحابة
بعضِهم عن بعض)» - الذي علمتَ إفرَادَ نوعٍ منه بالتأليفِ أيضاً - ممَّا لمْ يذكرْه
ابنُ الصلاح وأتباعُه، ولكن قد استدَرَكَهُما بَعضُ المتأخرين عليه.
ومن فوائدهما(٦) - سوى ما تقدم - الحرصُ على إضافةِ الشيءِ لرَاوِيه،
والرغبةُ في التواضُعِ في العِلم.
(١) أخرجه بهذا السند البخاري في ((الوضوء)) باب المسح على الخفين (٣٠٦/١)، ومسلم
في ((الطهارة)): باب المسح على الخفين (٢٢٨/١) بلفظ مقارب.
(٢) أخرجه بهذا السند مسلم في ((الإيمان)): باب الدليل على أنَّ مَنْ مات على التوحيد
دخل الجنة قطعاً (١/ ٥٧).
(٣) أخرج هذا الطريقَ مسلمٌ في ((الحيض)): بابُ الوضوء ممَّا مسَّتِ النارُ (٢٧٢/١).
(٥) (٢٥١/١).
(٤) المصدر السابق.
(٦) يعني (المُدَبَّج) و(الأقران).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣٥
الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ
(الإحْوةُ وَالأَخَوَاتُ) (١)
وهو نوعٌ لَطيفٌ، وفائدةُ ضبطِه الأَمْنُ مِنْ ظَنِّ مَنْ ليس بأخ أخاً للاشتِرَاكِ
في اسم الأب، كأحمدَ بنِ إِشْكَاب، وعليّ بنِ إِشْكاب، ومحمّدِ بنِ إِشْكَاب.
أو ظنِّ الغَلَطِ.
٨٣٥
(وَأَفْرَدُوا) أي أئمةُ هذا الشأنِ مِن المتقدّمين فمَن بعدهم كابنِ المَدِيني،
ومُسلم، وأبي داودَ، والنَّسائي، وأبي العبّاس السَّرّاج، والجِعَابِي، ثم الدِّمْيَاطِي
(الإِخوَّةَ) من الرُّوَاة والعُلَمَاءِ (بالتصنيفِ).
وكذا صنَّف في خُصُوصٍ أولادِ المُحَدِّثين أبو بكرٍ ابنُ مَرْدُويه.
وفي خُصوص الإخوةِ مِن وَلَدِ كلٍّ من عبدِ الله وعتبةَ ابنَي مَسعودٍ
الدار قطنيُّ.
وفي خُصوص رِوَايةِ الإخوةِ بعضِهم عن بعضٍ الحافظُ أبو بكرٍ ابنُ
السُنِّي.
وأمثلَتُه في الاثنين - فما فوقَهما - كثيرةٌ، (فَذُو ثلاثةٍ) من الصحابةِ:
سَهلٌ، وعَبَّادٌ، وعُثمانُ (بَنُو حُنَيف) بضم الحاء المهملة، ثم نون، وآخره فاء،
مصغر، ومن التابعين: عَمْرو، وعُمَرُ، وشُعَيبٌ بَنُو شُعَيبٍ بنِ محمدِ بنِ
عبدِ الله بنِ عَمْرو بنِ العاص.
وذو (أربعةٍ) من الصحابة: عبدُ الرحمن، ومحمدٌ، وعائشةُ، وأسماءُ
بَنُو(٢) أبي بكر الصديق، ومن التابعين: سُهَيلٌ، ومحمدٌ، وصالحٌ، وعبدُ الله -
المُلَقَّبُ عَبَّداً - (أَبُوهُم) ذَكْوَانُ أبو صالح (السَّمَّانُ)، ويقالُ له: الزياتُ أيضاً.
٨٣٦
(١) وهو النوع الثالث والأربعون من كتاب ابن الصلاح.
(٢) قال: (بنو) على التغليب. ولو قال: (أولاد) لكان أولى. وقد تكرر مثل هذا عند
المصنف .

الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ
١٣٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وَوَهِمَ أبو أحمدَ ابنُ عَدي في ((كامِلِه)) حيثُ جَعَلَ عبدَ الله وعَبَّاداً اثنين، وأبدلَ
محمداً بيحيى(١) مصرِّحاً بأنَّه ليس فيهم محمد (٢).
ومن غيرِهما: شَرِيكٌ، وأبو بكرٍ عبدُ الكَبير، وأبو عليٍّ عُبَيدُ الله، وأبو
المُغيرةِ عُمَير بنو عبدِ المَجِيد بنِ عُبَيدِ الله بنِ شَرِيك البصري.
(و) ذو (خمسةٍ) مِن الصحابة: عليٍّ، وجَعفرٌ، وعَقِيلٌ، وأمُّ هاني - فَاخِتَةُ
على المشهورِ - وجُمَانَةُ بنو أبي طالب.
وممَّن بعدَهم: سُفيانُ، وآدمُ، وعمرانُ، ومحمدٌ، وإبراهيمُ بنو عُيَيْنَةَ،
و(أجلُّهم) في العِلم (سُفيان) وهؤلاءِ بقَيْدِ مَنْ رَوَى، فقد قال الحاكمُ: ((سمعتُ
الحافظَ أبا عليٍّ الحُسَينَ بنَ عليّ - يعني النَّيْسَابُورِي(٣) - يقول: ((كلُّهم
حَدَّثوا))(٤)، وإلا فقد ذكر غيرُ واحدٍ أنّهم عَشَرَةٌ(٥).
ومما يُستَغرب في الخمسةِ ما حَكَاهُ الشافعيُّ عن شيخ أخبرَه بـ((اليَمَن)) أنَّه
وُلد له خمسةُ أولادٍ في بَظْنٍ واحد.
وفي الأربعةِ بَنُو راشدٍ أبي إسماعيلَ السلمي وُلدوا كذلك في بَطْن،
(١) يُريدُ أنه ذكر يحيى بدلاً من محمد. ومعلوم أنَّ الباءَ هنا إنما تدخلُ على المتروك.
(٢) ولفظه في ((الكامل)) (٦/ ٢٢٤٠): (وليس في أولاد أبي صالح من اسمه محمد. إنما
هو سُهيل وعَبَّادٌ وعبدُ الله ويحيى وصالح). وقد رأيت في الكامل (١٢٨٥/٣) في
ترجمة سُهيل بن أبي صالح نقلاً عن ابن معين قال: (أبو صالح السمان كان له ثلاثة
بنين: سهيل، وعباد، وصالح كلهم ثقة)، وقال في ترجمة عباد بن أبي صالح (٤/
١٦٤٩): ( .... وعباد بن أبي صالح أخو سهيل، ويقال: اسمه عبد الله بن أبي
صالح وعباد لقب)، ثم قال: (وعباد بن أبي صالح إن كان أخا سهيل، فإن هشيماً
يسميه ويروي عنه فيقول: عبد الله بن أبي صالح).
وهذا يخالف كلامه السابق. ويفهم منه أنهما ليسا اثنين. والله أعلم.
(٣) الإمام العلامة، أحد النقاد. مات سنة ٣٤٩. ((تاريخ بغداد)) (٧١/٨)، و((السير)) (١٦/
٥١).
(٤) ((معرفة علوم الحديث)) (١٥٥).
(٥) ذكر العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٣٣٨) منهم أحمد بنَ عُيَينة، ومَخْلَدُ بن عيينة وأنَّ
أحمدَ قد حدَّث. قاله الدارقطني في ((المؤتلف والمختَلِف)) (يعني ١٦٠٣/٣)، وابنُ
ماكولا في ((الإكمال)) (يعني - ١٢٤/٦). قلتُ: فعلى هذا يكونُ مثالاً للسِتَّةِ.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣٧
الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ
وكانوا علماءَ، وهم: محمد، وعُمر، وإسماعيلُ، ولَمْ يُسَمِّ البخاريُّ(١)
والدار قطنيُّ الرابعَ، وسمَّاهُ ابنُ الحاجب في آخِرِ «مُخْتَصَرِه)) الفَرْعي عليّاً. وأفادَ
أنه هو ومحمدُ وعُمر بلَغُوا ثمانِين عاماً.
(و) ذو (سِتَّةٍ) مِن الصحابة: حمزةُ، والعباس، وصَفِيَّة، وأُمَيمة، وأَرْوَى، ٨٣٧
وعاتكةُ بنو عبدِ المُطَّلب - على القولِ بإسلام الثلاثِ الأخيراتِ(٢).
ومن التابعين (نحوُ) محمدٍ، وأنسٍ، ويحيى، ومَعْبد، وحفصةَ، وكريمةً
(بَنِي سِيرِينًا) بكسر المهملة، ثم مثناتين تحتانيتين بينهما راء، وآخره نون،
وكلّهم ثِقَاتٌ وكان مَعْبَدُ أكبرَهم سِنَّا، وأقدَمهم موتاً، وحفصةُ أصغرهم.
وممّن عذَّهم ستةً ابنُ معين، والنسائيُّ في ((الكنى))، والحاكمُ في
((علومه)(٣). وكذا أبو عَلِيِّ الحافظُ - فيما نقلَه الحاكمُ في ((تاريخه)) عنه - لكنَّه
جعلَ مكانَ كريمةَ خالداً، وجعلَه ابنُ سعدٍ في ((الطبقات)) سابعاً، وزادَ فيهم
أيضاً: عَمْرَةَ، وسَوْدَةَ - وأمّهما كانت أمَّ وَلَدٍ لأَنَسٍ بن مالك -، وأمَّ سُلَيم
(١) ((التاريخ الكبير)) (٨٠/١).
(٢) أمَّا أُمَيمة فقال الحافظُ في ((الإصابة)) (٢٤٢/٤): (اختُلِفَ في إسلامها، فنفَاه محمدُ بنُ
إسحاقَ ولم يذكرْها غيرُ محمدِ بنِ سعد ... )، ولما رَجعتُ إلى ((طبقات ابن سعد))
(٤٤/٨) وجدتُ فيه: (وكان مِن عَمَّات رسولِ اللهِّهِ ممَّن لمْ تُدْرِك الإسلامَ) وذَكَرَ أَمَّ
حَكِيم، وبَرَّةَ، وأميمةِ لكِنْ قال في آخرِ ترجمتِها: (وأطعمَ رسولُ الله ◌َّهِ أُمَيمةً بنتَ
عبد المطلب أربعين وَسْقاً مِن تَمر خَيبرَ)، وأولُ كلام ابنِ سعد يدلُّ على أنها لمْ تُدرك
الإسلامَ وآخرُ ترجمتها يدلُّ على أنها أسلمتْ وأدركتْ خيبرَ، فالله أعلم. وأما أروى
فترجم لها ابن عبد البر في الاستيعاب (٢٢٤/٤)، وابن حجر في الإصابة (٢٢٧/٤)
وقبلهما ابن سعد في الطبقات (٤٢/٨) وقال: أسلمت أَرْوَى بنتُ عبدِ المطلب بمكةً،
وهاجرتْ إلى المدينة).
وأمَّا عاتكةُ: فقال ابنُ سعد في ((الطبقات)) (٤٣/٨): (إنها أسلمتْ وهاجرتْ إلى
المدينة)، وقال ابنُ عبد البر في ((الاستيعاب)) (٣٦٨/٤): (اختُلِف في إسلامها،
والأكثر یأبَوْن ذلك).
وذكر الحافظُ في ((الإصابة)) (٣٥٧/٤) أنَّ ابنَ فَتْحُونَ ذَكَرَها في ((ذيل الاستيعاب))
واستدلَّ على إسلامها بِشِعرٍ لها تمدَح فيه النبيَّ وَّهِ وتَصِفُه بالنُّبُوّة، وأنَّ الدارقطنيَّ
قال: ولا رِوَاية لها. وأنَّ ابنَ منده ذَكَرَها في الصحابة.
(٣) ((معرفة علوم الحديث)) (١٥٣).

الإِخْوةُ وَالأَخَوَاتُ
١٣٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
- وأمُّها هي ومحمدٍ ويحيى وحفصةَ وكريمةَ: صفيَّةُ - فصاروا عَشَرَةً(١). وقد
ضبطَهِمُ البِرْمَاوِي(٢) بالنَّظم فقال:
على الأشهرِ المَعْروفِ منهمُ: محمدُ
لِسِيرِينَ أولادٌ يُعَدُّون ستةً
كذا أَنسٌ منهُم، ويَحْيِى، ومَعْبدُ
وَثِنْتَان منهم حفصةٌ، وكريمةٌ
وأمَّ سُلَيم، سودةً لا تَفَتُّدُ
وزَادَ ابنُ سعد خالداً، ثم عَمرةً
وعن محمدٍ بن سيرين - فيما حكاه النووي - قال: حَجَجْنا، فدخَلْنا
((المدينةَ)) على زيدٍ بن ثابت ونحنُ سبعةٌ - وَلَد سيرين - فقال: ((هذان لأمِّ،
وهذان لأمٍّ، وهذان لأمٍّ، وهذا(٣) لأمّ، فما أخطأ))(٤).
بل قد عدَّهم ابنُ قُتَيبةَ في ((المعارف))(٥) إجمالاً: ثلاثةً وعشرين من
أُمَّهات أولاد، ولكنِ اقْتَصَرَ على أشهرِهم إنْ كان لأحدٍ من الزائدِ روايةٌ
(واجتَمَعُوا ثلاثةٌ) من الستةِ في إسنادٍ حديثٍ واحدٍ (يَرْوُونَا) أي يَرْوي بعضُهم
عن بعض، وذلك فيما رواه الدارقطنيُّ في ((العِلَل)) مِن روايةِ هشامٍ عن محمدِ بنِ
سيرين عن أخيه يحيى عن أخيه أنس عن أنس بنِ مالك أنَّ رسولَ الله وَّه قال:
(١) الذي رأيتُه في المطبوع من ((الطبقات)) (١٩٣/٧) عن أنسٍ بنِ سِيرين قال: دخل علينا
زيدُ بنُ ثابت ونحن ستةُ إخوة).
وقال (٢٠٦/٧): ( ... مَعْبدُ بنُ سيرين، وأنسُ بن سيرين، وعَمرةُ بنتُ سيرين،
وسودةُ بنت سيرين: من أمِّ وَلَدٍ لأنس بن مالك ... ).
وقال (٤٨٤/٨): (كانت حفصةُ بنتُ سيرين أكبرَ وَلَدِ سيرين من الرجال والنساءِ مِن
وَلَدٍ صَفِيَّةً، وكان وَلَدُ صَفِيَةَ: محمداً ويحيى وحفصةَ وكريمةً وأمَّ سُلَيم).
قلتُ: فكان المذكورون تسعةً، ولم أَعْتُر على ذِكرِ خالدٍ في المطبوع من ((الطبقات)).
لكنْ قال العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٣٣٩) إنَّ الطبرانيَّ قال: (كلُّهم قد حدَّثُوا).
بعدَ أنْ ذَكَرَ خالداً فيهم. وقال العراقِيُّ: (وأمّا عَمرةُ وأمُّ سُليم وسودةُ فلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ
لهُن رِوَايةً). قلتُ: وعليه فيكون مثالاً للسبعةِ.
(٢) محمد بن عبد الدائم بن موسى النعيمي - نسبة للصحابي نعيم المجمر - العسقلاني،
الشافعي. والبرماوي. نسبة لبرمة - بكسر الموحدة - من نواحي الغربية بـ ((مصر)) كان
إماماً في الفقه وأصوله والعربية مع حسن الخط والنظم، مات سنة ٨٣١هـ. الضوء
اللامع (٧/ ٢٨٠).
(٣) في (ح): وهذان. من الناسخ.
(٥) (ص٤٤٢).
(٤) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٨٤/١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣٩
الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ
(لَّكَ حَجَّا حَقًّا، تعَبُّداً وَرِقًّا)) (١). قال ابنُ الصلاح: ((هذه غريبة))(٢).
بل أفَاد أبو الفَضلِ ابنُ طاهرٍ الحافظُ رِوَايةَ محمدِ بنِ سيرين له عن أخيه
يحيى عن أخيهِ مَعْبد عن أخيه أنس.
وَرُوِّينَاه كذلك في ((مشيخَةٍ)) أبي الغَنَائِمِ النَّرْسي المعروفِ بِأُبَيِّ (٣)، وأملاء
علينا شيخُنا، وحينئذٍ فقد اجتمع إخوةٌ أربعةٌ في إسنادٍ واحد، وهو نادرٌ
تُسْتَحْسَن المُطَارَحَةُ به.
٨٣٨
(و) ذو (سبعةٍ) - بمهملة، ثم موحدة - من الصحابةِ: النُّعمانُ، ومعقلٌ،
وعَقِيلٌ، وسُوَيدٌ، وسِنَانُ، وعبدُ الرحمن، وعبدُ الله (بَنُو مُقَرِّن) - بضم الميم،
وفتح القاف، وتشديد الراء المكسورة، وآخرُه نون - ولم يُسَمِّ ابنُ الصلاح
السابع، وسمَّاه الطَّبَرِي، وابنُ فَتْحُونَ في ((ذيل الاستيعاب))(٤) .
(وهم) أي بَنُو مُقَرِّنٍ ذُكُورٌ (مُهَاجِرُون، ليس) - وفي نسخةٍ: ((صَحَابَةٌ
ولَيْسَ)»(٥) - (فيهم) أي في الصحابةِ - كما قال ابنُ عبد البر(٦) وجماعةٌ، وتَبِعَهم
ابنُ الصلاح(٧) - مِمَّن هاجرَ، وحصَّل هذه المَكْرُمةَ من الإخوةِ (عَدُّهُم) أي
سبعة، ويشهد لعَدِّهم كذلك ما رَوى شعبةُ قال: قال لي محمدُ بنُ المُنْكَدِر:
((ما اسمُك؟ قلتُ: شُعبةُ. قال: حدثني أبو شُعبةَ عن سُوَيد بن مُقَرِّن أنَّه رأى
رجلاً لَظَمَ غُلاماً له، فقال له: أَمَا عَلِمْتَ أنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ(٨)، لقد رأيتُنِي
(١) وأخرجه كذلك أيضاً البزار ((كشف الأستار)) (١٣/٢) من طريق هشام بن حَسَّانَ به. لكنَّ
البزّارَ لم يُسَمِّ شيخَه فيه، والرَّامَهُرْمُزِي في ((المحدث الفاصل)) (٦٢٤) من طريق هشامٍ به.
(٢) ((علوم الحديث)) (٢٨١).
(٣) الإمام المسند، الكوفي، مات سنة ٥٠٧ كما في ((الأنساب)) (٧٧/١٣)، أو سنة ٥١٠
كما في ((السير)) (١٩/ ٢٧٥) وعلى هذا أكثرُ المُتَرجِمِينَ له.
(٤) قاله العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٧٧/٣)، ويعني أنهما سمَّيَاه: عبدَ الله،
والطبري هنا: محمد بن صالح، الماضي (ص٦) من هذا الجزء.
(٥) يعني أنَّ في نُسخةٍ من ((الألفيةِ)) (صَحَابَةٌ وَلَيْسَ)) بَدَلاً من قوله: (مُهَاجِرُونَ، لَيْسَ).
(٦) ((الاستيعاب)) (٤١١/٣) في ترجمةِ مَعْقِل بنِ مُقَرِّن.
(٧) في ((علوم الحديث)) (٢٨١).
(٨) أراد بالصُّورَةِ: الوَجْهَ. وأراد بالتحريمِ: المَنَع من الضَّرْبِ واللَّظْمِ على الوجه.
((النهاية)) (٦٠/٣).

الإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ
١٤٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
سابعَ سبعةِ إخوة على عهدِ النبيّ وَّهِ ما لَنَا إلَّا خَادِمٌ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فأمرَه
رسولُ اللهِ وَِّ أنْ يُعْتِقَهَا)) (١).
وحكى الطَّبَرِيُّ وابنُ فَتْحُونَ إجمالاً أنَّهم عَشَرةٌ، ومنهم: ضِرَارٌ، ونُعَيمٌ،
ولم أقفْ على اسمِ العاشِر.
ثم إنَّ دعوى انفرَادِ بَنِي مُقَرِّن بذلك مُنتَقِضة بِشْر، أو سَهْم، وتَمِيم، أو
نُمير، والحارث، والحجاج، والسائب، وسعد، وعبدِ الله، ومعمر، أو معبد،
وأبي قيس بني الحارث بن قيس السَّهمي، فكلَّهم ممَّن صَحِبَ، وهاجر إلى
((الحبشةِ)) مع خُلْفٍ في بعضِهم.
وكذا بأسماءَ، وحُمرانَ، وخِرَاشٍ، وذُؤَّيب، وسَلَمَةَ، وفَضَالَةَ، ومالكِ،
وهندٍ بني حارثةَ الأَسْلَمِي، فكلّهم ممَّنَ صَحِب، وشَهِد بيعةَ الرِّضْوان فيما نقلَه
ابنُ سعد عن بعضِ أهلِ العلم (٢)، وكذا حكاه الطبري.
وقال البَغَوي، وابنُ السَّكَن، وابنُ عبدِ البر أيضاً: ((إنهم شهدوا بيعة
الرضوان)»(٣)، لكنَّهم (٤) حذفوا واحداً.
وأجيبَ: بأن السبعةَ ممَّن هاجَرَ، والتسعةَ وإنْ هاجروا فَبِقَيدِ: ((الحبشة)) -
مع الخُلف في بعضهم، والثمانيةَ فِقَيد: بيعة الرضوان مع ما فيهم من الإناث.
وعلى كلِّ حال فهمُ مُنْفَرِدُون بذلك.
نعم، في الصحابة إخوةٌ سبعةٌ شَهِدوا (بَدْراً)) لكنْ أربعةٌ مِنْ أبِ، وثلاثةٌ
من آخرَ، وهم: مُعَاذ، ومُعَوِّذ، وعَوْذ - أو عَوف، وهو أصحُّ - بنو الحارث بن
رفاعة الأنصاري. وإياسٌ، وخالدٌ، وعاقلٌ، وعامرٌ بنو البُكَير بنِ عَبْدِ ياليل بن
ناشب، أمُّهم كلِّهم عَفْرَاءُ ابنةُ عُبَيد.
ومن التابعينَ - في السبعةِ -: سالمٌ، وعبدُ الله، وحمزةُ، وعُبيدُ الله،
(١) أخرجه مسلم في ((الأيمان)): باب صُحبةِ المماليكِ وكفارةٍ مَنْ لَطَمَ عَبْدَه (١٢٨٠/٣)
من طريق شعبةً بنحوِه.
(٢) ((طبقات ابن سعد)) (٣٢٣/٤)، وفيها: خداش. بالدال المهملة، وهو تصحيف، وقد
ذكره في باب الخاء مع الراء ابن حجر في ((الإصابة)) (١/ ٤٢٢).
(٣) ((الاستيعاب)) (٥٩٩/٣) في ترجمة هند بن حارثة.
(٤) في (ح): ومنهم. من الناسخ.