Indexed OCR Text
Pages 41-60
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤١ مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ القاضيَ أبا الطيّب الطَّبَريَّ يقولُ: ((كُنَّ في حَلْقَةِ النَّظَرِ بـ((جامع المَنصور))، فجاء شابٌّ خُرَاسانِيٍّ حَنَفِيٌّ فطالَبَ بالدليلِ في مسألة ((المُصَرَّةِ))(١)، فأوردَ المُدَرِّسُ عن أبي هريرةَ. فقال الشابُّ: إنَّه غيرُ مقبولِ الرواية. قال القاضي: فما استَتَّمَّ كلامَه حتى سَقَطَتْ عليه حَيَّةٌ عظيمةٌ مِن سَقْف الجامع فهرَب منها، فَتَبِعَتْه دون غيرِهِ، فقيل له: تُبْ، فقال: تُبْتُ، فغابَتِ الحيّةُ، ولمَ يُرَ لَها بعدُ أَثَرِ)). ويتخرَّجُ على هذا الأصلِ مسألةٌ، وهي أنَّه إذا قيلَ في الإسنادِ: عن رجلٍ من الصحابةِ، كان حُجَّةً، ولا تَضُرّ الجهالةُ بتَعْبِينه، لثبوتِ عَدَالَتهم(٢) . وخالَفَ ابنُ مَنْدَه فقال: ((مِن حُكْم الصحابيِّ أنّه إذا رَوَى عنه تابعيٍّ - وإنْ كان مشهوراً، كالشعبيِّ، وسعيدِ بنَ المُسَيّب - نُسِبَ إلى الجَهَالة. فإذا رَوَى عنه رجلانٍ صار مشهوراً، واحتُجَّ به)). قال: ((وعلى هذا بَنَى البخاريُّ ومسلمٌ ((صحيحَيهما))، إلَّا أَخْرُفاً تبيَّن أمرها)). ويُسَمِّي البيهقيُّ مثلَ ذلك مُرْسَلاً(٣)، وهو مردودٌ. وقال أبو زيدِ الدَّبُوسِيُّ(٤): ((المجهولُ من الصحابة خَبَرُه حجةٌ إِنْ عَمِلَ به (١) ((المصرّاة)): التي صُرِّيَّ لبنُها وجُمِعَ في تَذْيها فلَمْ يُحْلَبْ أياماً. من تفسير البخاري في ((صحيحه)) (٤ /٣٦١). ويُفعَل غالباً في إيهام مُشْتَرِي النَّاقَةِ أو البَقَرةِ أو الشاةِ بأَنَّها ذاتٌ لَبَنِ کثیرٍ . وقد رَوى أبو هريرةَ عنه ◌َّ أنَّه قال: ((لا تُصَرُّوا الإبلَ والغَنَم. فمن ابتَاعها بعدُ فإنّه بِخَيرِ النَّظَرَين بعدَ أنْ يحتَلِبَها، إنْ شاءَ أمسكَ، وإنْ شاءَ ردَّها وصاعاً من تمر)). أخرجه البخاري في ((البيوع)): باب النهي للبائع أن لا يحفّل الإبل والبقرة والغنم (٤/ (٣٦)، ومسلم في البيوع باب حُكمٍ بيع المُصَرَّاة (١١٥٨/٣). وأخرج البخاري في ((الموطن السابقَ)) عن ابن مسعود نَحوَه. وانظر خلافَ العلماءِ في العَمَل بهذا الحديثِ في ((فتح الباري)) (٣٦٢/٤ - ٣٦٨)، و((عمدة القاري)) (٢٧٠/١١ - ٢٧٤). (٢) ((الكفاية)) (٤١٥). (٣) ذكره عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) (١٨٩/٦ - ١٩٠). (٤) عبدُ الله بنُ عُمَرَ بنِ عيسى، أوَّلُ مَنْ وَضَعَ علَمَ الخلافِ وأَبْرَزَهُ إلى الوجودِ. مات سنة ٤٣٠. والدَّبُوسي: بفتح المهملة وضم الموحدة وبعد الواو سين مهملة: نسبةً إلى (الدَّبُوسية) بُلَيدةٍ بين (بُخَارى) و(سَمَرْقَنْدَ). ((الأنساب)) (٢٧٣/٥) و ((السير)) (١٧/ ٥٢١) و((الأعلام)) (٢٤٨/٤). مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ٤٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث السلفُ، أو سَكَتُوا عن ردِّه مع انتشارِهِ بينَهم، فإنْ لم ينتشرْ فإنْ وافقَ القياسَ عُمِل به، وإلّا فلا، لأنّه في المَرْتَبةِ دُونَ ما إذا لم يَكُنْ فَقِيهاً)). قال: ((ويُحْتَمَلُ أنْ يقالَ: إنّ خبرَ المشهورِ الذي ليس بفقيهِ حجةٌ ما لمْ يخالفِ القِياسَ، وخبرَ المجهولِ مردودٌ ما لم يُؤَيِّدْه القياسُ، لِيَقَعَ الفَرقُ بين مَنْ ظهرتْ عدالَتُه ومَنْ لمْ تَظْهَرْ))(١) . والرابعة: في المُكْثِرِين من الصحابة وظّ روايةً وافتاءً. ٧٩١ (والمُكْثِرون) منهم روايةً، كما قاله أحمدُ - فيما نقله ابنُ كثير(٢) وغيرُه -: الذين زادَ حديثُهم على ألفٍ (ستةٌ) وهُم (أنسرٌ) هو ابنُ مالك، (وابنُ عُمَرَ) عبدُ الله، وأمُّ المؤمنينَ عائشةُ (الصِدِّيقَةُ) ابنةُ الصِدِّيقِ، و(البَحْرُ) عبدُ الله بنُ عباس، وسُمِّي بحراً لِسَعَةِ عِلْمِهِ وكثرتِهِ، وممَّن سمَّاه بذلك أبو الشَّعْثَاءِ جابرُ بنُ زَيدِ أحدُ التابعين ممَّن أَخَذَ عنه، فقال في شيءٍ: ((وَأَبَى ذَلِكَ الْبَحْرُ))(٣) يريدُ ابنَ عباسٍ. و(جابرٌ) هو ابنُ عبد الله، و(أبو هريرة) وهو - بإجماع حسبَما حكاه النَّوَوِّيُّ - (أكثرُهم) (٤) كما قالَه سعيدُ بنُ أبي الحَسَن(٥)، وَابنُ حنبلٍ(٦)، وتَبِعَهُما ابنُ الصلاحِ غَيرَ مُتَعَرِّضٍ لترتيبِ مَنْ عَدَاهُ في الأكثريةِ. والذي يدلُّ لذلك ما نُسِبَ لِبَقِيِّ بنِ مَخْلَدٍ مما أَوْدَعَه في ((مُسْنَدِه)) خاصةً كما أفادَه شيخُنا، لا مُطلقاً، فإنَّه رَوَى لأبي هريرةَ خمسةَ آلافٍ وثلاثمائة وأربعةً وَسَبْعِينَ(٧) . ولابنِ عُمَرَ ألفَين وستمائَّةٍ وثلاثين. ولأنسٍ ألفَين ومائتين وستةً وثمانين. (١) ذكره عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) (١٩٠/٦). (٢) ((اختصار علوم الحديث)) (١٨٠). (٣) ستأتي الإشارةُ إليه مع تخريجه (ص٤٦). (٤) ((التقريب)) (٢١٦/٢). (٥) البصري، أخو الحسن، مات سنة ١٠٠ ((التقريب)). (٦) عزاه إليهما ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٦٥). (٧) في النسخ: (وستين). وعلّق عليها في حاشية (س) بقوله: (صوابه: سبعين). انتهى. وهذا هو الصواب، ومثله في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٥/٣) و((التَذْريب)) (٢/ ٢١٦)، وقبلَهما ((أسماء الصحابة الرواة)) (٢٧٥)، و((التلقيح)) (٣٦٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٣ مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ ولعائشةَ ألفين ومائتين وعشرةً. ولابن عباسٍ ألفاً وستِّمائةٍ وستين. ولجابر ألفاً وخمسمائة وأربعين. ولهم سابعٌ - نَبَّه عليه المصنفُ تبعاً لابن كثيرٍ - وهو أبو سَعِيد الخُدري، فروى له بَقِيٍّ ألفاً ومائةً وسبْعِين. وقد نَظَمَه البرهانُ الحَلَبِيُّ فقال: أبو سعيدٍ - نسبةً لِخُدْرَةِ - سَابِعُهُم أُهْمِلَ فِي القَصِيدَةِ (١) وكذا أَدْرَجَ ابنُ كثيرٍ (٢) في المكثِرِين ابنَ مسعود، وابنَ عَمْرو بن العاص، ولم يبلُغ حديثُ واحدٍ منهما عند بَقِيٍّ ألفاً. إذْ حديث أوَّلِهما عندَه ثمانُمائة وثمانيةٌ وأربعون. وثانيهما: سبعُمائة. واستثناءُ أبي هُريرة له(٣) من كونه أكثرَ الصحابةِ حديثاً - كما في ((الصحيح)) (٤) - لا يخدِشُ فيما تقدّم - ولو كان الاستثناءُ متصلاً - فقد أجيبَ بأنّ عبدَ الله كان مشتغلاً بالعبادة أكثرَ من اشتغالِهِ بالتعلِيم، فقلَّتِ الروايةُ عنه. أو أنَّ أكثرَ مُقَامه - بعد فتوح الأمصارِ - كان بـ«مصرَ))، أو بـ«الطائفِ)) ولم تكُنِ الرحلةُ إليهما - ممن يطلُّب العلمَ - كالرحلةِ إلى ((المدينةِ))، وكان أبو هريرةَ مُتَصَدِّياً فيها للفتوى والتحديثِ حتى مات. أو لأنَّ أبا هريرة اختصَّ بدعوةِ النبي ◌َّ بأنْ لا يَنْسى ما يُحدِّثُه به(٥) فانتشَرتْ روايتُه. إلى غيرِ ذلك من الأجوبة. (١) جاء في حاشية (س): (ونَظَمَ السبعةَ جميعاً الجَمَالُ ابنُ ظَهِيرَة فقال: سَبْعٌ مِنَ الصَّحْبِ فَوْقَ الأَلْفِ قَدْ نَقَلُوا أَبُو هُرَيْرَةَ، سَعْدٌ، جَابِرٌ، أَنَسٌ مِنَ الحَدِيثِ عن المُخْتَارِ خَيْرِ مُضَرْ صِدِّيقَةٌ، وَابْنُ عبَّاسٍ، كَذَا ابنُ عُمَرْ وسعد: هو أبو سعيد الخدري)، انتھی. (٢) في ((اختصار علوم الحديث)) (١٨٣). (٣) أي لعبدِ الله بنِ عَمْرو بن العاص. (٤) في حاشية (س): (حيث قال: ما مِنْ أَصحاب النبيِ وَ ﴿ أَحَدٌ أكثرَ حديثاً مني، إلّا ما كان من عبد الله بنِ عَمْرو فإنه كان يكتُب ولا أكتُب)، انتهى. وقد مضى الحديثُ (٣/ ١٠). (٥) في قِصَّةِ بَسْطِهِ رِدَاءَه وضمِّه عن أمرِهِ وََّ، فلمْ ينسَ شيئاً من حديثِه بعدُ. أخرجها البخاريُّ في ((البيوع)): الباب الأول (٢٨٧/٤). = مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ ٤٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث والمكثِرون منهم إقْتاءً سبعةٌ: عُمَرُ، وعليٍّ، وابنُ مسعود، وابنُ عُمر، وابنُ عباس، وزيدُ بنُ ثابت، وعائشةُ. قال ابنُ حزم: ((يُمكِن أنْ يُجمعَ مِن فُتْيا كلِّ واحدٍ من هؤلاءِ مُجَلَّدٌ ضخم)»(١). ٧٩٢ (والبحرُ) ابنُ عباس (في الحقيقةِ أكثرُ) الصحابةِ كلِّهم على الإطلاق (فتوى)(٢) فيما قاله الإمامُ أحمدُ(٣) بحيث.كان كبار الصحابة يحيلون عليه في الفتوى، وكيف لا؟ وقد دعا له النبيِ وَّ بقوله: ((اللهم عَلِّمْه الكِتَابَ)) (٤)، وفي لفظٍ: ((اللهم فَقِّهْهُ في الدِّين، وعلِّمه التأويلَ))(٥)، وفي آخرَ: ((اللهم علِّمه الحِكْمَةَ وتأويلَ الكتابِ))(٦)، وفي آخرَ: ((اللهم بارك فيه، وانْشُر منه))(٧). وقال ابنُ عمر: ((هو أعلمُ مَنْ بَقِيَ بما أنزل اللهُ على محمد))(٨). وقال أبو بَكْرَةَ: ((قَدِمَ علينا ((البصرةَ)) وما في العَرَبِ مثلُه حَشَماً، وعِلْماً، وبياناً، وجَمَالاً))(٩). وقال ابنُ مسعود: (لو أدركَ أسنَانَنَا ما عَاشَرَهُ منَّا أحدٌ))(١٠)، أي ما بلَغَ أحدٌ منا عُشْرَه(١١). وتَأَمِينِهِ وََّ على دُعَاءِ أبي هريرة بعدم نِسْيان العِلم. أخرجه الحاكمُ (٥٠٨/٣) وقال: = ((صحيحُ الإسناد)»، وخالَفه الذهبيُّ فقالَ: ((ضعيفٌ)). (١) («الإحكام)) (٩٢/٥). (٢) ذكر ابنُ حزم في (المصدر السابق) أنَّ الإمامَ أبا بكرٍ محمدَ بنَ موسى بنِ يعقوبَ بنِ الخليفةِ المأمون جَمَعَ فُتْيَا ابنِ عباس في عشرين كتاباً . (٣) عزاه إليه ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٦٦). (٤) أخرجه البخاري في ((العلم)): باب قولِ النبي وَلّ: ((اللهم علَّمه الكتاب)) (١٦٩/١) عن ابن عباس. (٥) أخرجه أحمد (٢٦٦/١، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥). (٦) أخرج شطرَه الأوّلَ البخاريُّ في ((فضائل الصحابة)): باب ذِكْر ابنِ عباس ﴿يَا (٧) ١٠٠) وأخرجه كلَّهِ ابنُ ماجه في ((المقدمة)) (٥٨/١). (٧) أخرجه الزُّبَير بنُ بكَّار كما في ((البداية والنهاية)) (٢٩٦/٨). (٨) ((البداية والنهاية)) (٣٠٠/٨). (٩) ((الإصابة)) (٣٣٠/٢). (١٠) ((طبقات ابن سعد)) (٣٦٦/٢)، و((العلم)) (١٥)، و((البداية والنهاية)) (٣٠٠/٨). (١١) في حاشية (ح): (أي ما بَلَغ ما عندَ أحدِنَا عُشْرَ ما عِنْده). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٤٥ مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ وقالت عائشةُ: ((هو أعلمُ الناسِ بالحج))(١). ثم إنَّ وصفَه بالبَحْر ثابتٌ في ((صحيح البخاري))(٢) وغيره، وإنَّما وُصف بذلك لكثرةٍ عِلْمِه، كما قال مجاهدٌ فيما أخرجه ابنُ سعدٍ (٣)، وغيرُه. وعند ابنِ سعدٍ (٣) أيضاً من طريقِ ابنِ جُريج عن عطاءٍ أنه كان يقولُ: ((قال البَحرُ، وفَعَل البحرُ))، يُريد ابنَ عباس. بل سمَّاه غيرُ واحدٍ: حَبْرَ الأمة (٤)، وبعضُهم: حَبْرَ العَرَب(٥)، وتُرْجُمانَ القرآنِ (٦)، ورَبَّانِيَّ الأُمّةِ(٧). قال ابنُ حزمٍ: ((ويلي هؤلاءِ السبعةَ في الفتوى عِشرونَ: وهُم: أبو بكرٍ، وعثمانُ، وأبو موسى، ومُعَاذٌ، وسعدُ بنُ أبي وقّاص، وأبو هريرة، وأنسٌ، وعبدُ الله بنُ عَمْرو بنِ العاص، وسلمانُ، وجابرٌ، وأبو سعيدٍ، وطلحةُ، والزُّبَيرُ، وعبدُ الرحمن بنُ عَوْف، وعِمْرانُ بنُ حُصَين، وأبو بَكْرَة، وعُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ، ومعاويةُ، وابنُ الزُّبَيرِ، وأمُّ سَلَمَةَ)). قال: ((ويُمْكِنُ أنْ يُجمعَ مِن فُتْيَا كلِّ واحدٍ منهم جُزْءٌ صغيرٌ)) (٨). (١) ((طبقات ابن سعد)) (٣٦٩/٢). (٢) في ((الذبائح والصيد)): باب لحوم الحمر الإنْسِيَّةِ (٩/ ٦٥٤) مِن قولِ أبي الشَّعْشَاءِ جابرٍ بن زيد، وقد مضى (ص٤٢) من هذا الجزء. (٣) في ((الطبقات)) (٣٦٦/٢). (٤) وممَّن سماهُ بذلك أُبَيُّ بنُ كَعْب كما في ((الطبقات)) (٢/ ٣٧٠). (٥) لقَّبَه بذلك سعيد بن جُبَير كما في ((صحيح البخاري)) ((الشهادات)): بابُ مَن أمر بإنجاز الوعدِ (٢٨٩/٥ - ٢٩٠) عن سعيدِ بنِ جُبَير في جوابٍ سؤالٍ: ( ... لا أدري حتى أَقْدَمَ على حَبْرِ العرب فأسألَه. فقدِمتُ فسألتُ ابنَ عباسَ ... ). ولقّبه به أيضاً جِرجير ملك أفريقية على ما في ((الأخبار المُوَفَّقيات)) (١١٦) في خبرٍ طويل. (٦) وممن سماه بذلك ابنُ مسعود. ((الطبقات)) (٣٦٦/٢). (٧) وممن سماه بذلك محمدُ بنُ الحَنَفِيّة ((الطبقات)) (٣٦٨/٢)، وكعبُ الأحبار. (المصدر السابق) (٣٧٠). (٨) ((الإحكام)) (٩٢/٥، ٩٣) ذَكَرَ ثلاثةَ عَشَرَ منهم على غَيرِ الترتيبِ المذكور، ثم أضافَ إليهم سبعةً. وقد سَرَدَهم جميعاً في رسالةٍ له في أصحاب الفُتْيا من الصحابة ومن بعدهم، (ص٣١٩) فَلَغَ بهم ١٦٢ نفساً من الصحابة. مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ ٤٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث قال: ((وفي الصحابة نحوٌ من مائةٍ وعشرين نفساً مُقِلُّون في الفُتْيَا جدًّا، لا تُروَى عن الواحدِ منهم إلَّ المسألةُ، والمسألتانِ، والثلاثُ كأَبَيِّ بنِ كعب، وأبي الدَّرْدَاء، وأبي طلحة، والمِقْداد .... )) وسَرَدَ الباقين(١)، ممّا في بعضِه نَظَرٌ. قال: ((ويُمكِنُ أنْ يُجمعَ من فُنْيَا جميعِهم بعدَ البَحْثِ جُزْءٌ صغيرٌ))(٢). والخامسةُ: في بيان مَن يُطلَقُ عليه: ((العَبَادِلَةُ)) منهم، دُون سائِر مَنِ اسمُه عبدُ الله. ٧٩٣ (وهو) أي البَحْرُ [عبدُ الله](٣) بنُ عبّاس (وابنُ عُمَرا): عبدُ الله (وابنُ الزبير): عبدُ الله، (وابنُ عَمْرو) بنِ العاص: عبدُ الله، (قد جرى عليهِم بالشُّهْرةِ) المستَفِيضة: (العَبَادِلَةُ) فيما قاله الإمامُ أحمدُ، وقال: (ليس) مَنْ جَرَى عليه ذلك (ابنَ مسعودٍ): عبدَ الله (٤)) - وإنْ جَعَله الثعلبيُّ في تفسيرِ: ﴿تَغْرُّبُ فِى عَيْنٍ حَمِنَةٍ﴾(٥) مِنْ ((تَفْسِيرِه))(٦) خامساً لهم(٧)، وكذا هو في ((شَرْحِ الكافية))(٨) لابنِ الحاجِبِ - لأنَّه - كما قال البيهقيُّ - تقدَّم موتُه، والآخرون عاشوا حتى احْتِيجَ إلى عِلْمِهم، فكانوا إذا اجْتَمَعُوا على شيءٍ قيلَ: هذا قولُ العَبَادِلَةِ (٩). قال ابنُ الصَّلَاحِ(١٠): (ولا مَنْ شَاكَلَهُ) أيضاً - أي ابنَ مسعود - في التَّسْمِيةِ بعبدِ الله(١١)، وهم نحوُ مائتين وعشرينَ نفساً(١٢). أو نحوُ ثلاثمائة فيما قالَه المُصَنف(١٣). بل يزيدون على ذلك بكثيرٍ، ولو تَرَتَّب على الحصرِ فائدةٌ لحقَّقَتْهُ. (١) ((الإحكام)) (٩٣/٥ - ٩٤). (٢) (المصدر السابق) (٩٣/٥). (٣) ساقطة من (س). (٤) ((طبقات الحنابلة)) (٣٤٨/١) و((علوم الحديث)) (٢٦٦). (٦) ((الكشف والبيان)) (١٩٠/٦). (٥) سورة الكهف: الآية ٨٦. (٧) لم يجعلهم خمسة وإنما أربعة، وأسقط منهم ابنَ عباس. (٨) لم أهتد إلى مظنته فيه بعد مراجعته. (٩) ((علوم الحديث)) (٢٦٦) و((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٦/٣). (١٠) في ((علوم الحديث)) (٢٦٦). (١١) أي ولا يدخلُ في مصطلح (العَبَادِلَةِ) مَنْ مائلَ ابنَ مسعود ... (١٢) ((علوم الحديث)) (٢٦٦). (١٣) في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٧/٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٧ مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ وَوَقَعَ - كما رأيتُه - في ((عَبَدَ)) من (الصِّحَاح)) للجوهريِّ ذِكْرُ ابنِ مسعود بَدَلَ ابنِ الزُّبَيرُ(١). وذَكَر في ((الألف اللينة)) في ((هاء)) منه(٢) أيضاً: ابنَ الزُّبير مع ابنِ عُمَرَ، وابنِ عبّاس(٣)، مقتصراً عليهم. وكذا عدّهم الرَّافِعِيُّ في ((الديات)) من ((الشرح الكبير))(٤)، والزَّمَخْشَرِيُّ في ((المفصل))(٥)، والعلاءُ عبدُ العزيز البخاريُّ شارحُ ((البَزْدَوِي)) (٦) من الحنفية أيضاً ثلاثةً، لكنْ عَيِّنُوهم بابنِ مسعود، وابنِ عُمَر، وابنِ عباس. زادَ الأخيرُ منهم: ((إنَّ ذلك في التَّحْقِيق)). قال: ((وعندَ المُحَدثين: ابنُ الزُّبَيرِ بَدَلَ ابنِ مسعود))(٧) . وممن عدّ ابنَ مسعود أيضاً أبو الحُسَين ابنُ أبي الرَّبيع القرشي. حكاه القاسم التُّجِيبِي في ((فوائدِ رِحْلته))(٨). ومن المتأخّرين ابنُ هشامٍ في ((التوضيح))(٩). وفي ((الحجِّ)) من ((الهداية)) للحنفية: ((قال العَبَادِلَةُ، وابنُ الزُّبَير: أَشْهُرُ الحَجِّ: شوال ... (١٠)))، فعطفَ ابنَ الزبير عليهم. (١) الذي رأيتُه في (عَبَدَ) من ((الصِحَاح)) للجوهري (٥٠٥/٢) ما يلي: (والعبادِلَةُ: عبدُ الله بنُ عباس، وعبدُ الله بنُ عُمَر، وعبدُ الله بنُ عَمْرو بنِ العاصي). فلمْ يَذكُرِ ابنَ مسعودٍ ولا ابنَ الزبير. (٢) في (ح): (في هامشه) من الناسخ. والضمير راجع إلى (الصحاح)). (٣) ((الصحاح)) (٢٥٦٠/٦). ((الشرح الكبير)) (٣٢٨/١٠). (٤) (٥) (ص١١). (٦) يعني كتاب ((الأصول)) للإمام علي بن محمد البَزْدَوِي الذي تقدمت الإشارةُ إليه (ص٢٢). (٧) ((كشف الأسرار)). (٨) لم أجده في القطعةِ المطبوعةِ من ((مستفاد الرحلة والاغْتِراب)) له، تحقيق عبد الحفيظ منصور. (٩) ((أوضح المسالك)) (٩٥). (١٠) ((الهداية)) (١٥٩/١) بلفظ: روى عن العَبادلَة الثلاثة وعبد الله بن الزبير. مَعْرِفَةُ الصَّحَابَة ٤٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث والأولُ هو المُعْتَمَدُ المَشهورُ بين المحدثين وغيرِهم. والسادسة : - ولو قُدِّمتْ مع التي تَلِيها على التي قبلَها لكان أنسبَ ـ في المتبوعين منهم : ٧٩٤ (وهو) أي ابنُ مسعود، (وزيدٌ) هو ابن ثابت (وابنُ عباس لهم) ◌َّ (في الفِقه أتباعٌ) وأصحابٌ (يَرَون) في عملهم وفتياهم (قولَهم) كما صرَّح به ابنُ المَدِيني حاصراً لذلك فيهم، وعبارَتُه: ((انتهى علمُ أصحابِ رسولِ الله وَّر من الأحكام إلى ثلاثةٍ ممَّن أُخِذ عنهم العلمُ ... ))(١) وذَكَرَهم، فهم كالمقلَّدِين، وأتباعهم کالمقلِّدِین لهم. ٧٩٥ ٧٩٦ ٧٩٧ (و) السابعةُ: (قال مسروق) بنُ الأَجْدَعِ الهَمْدَانِي، الكوفي، أحدُ أَجِلّاءٍ التابعين: (انتهى العلمُ) الذي كان عندَ أصحاب رسول الله وَّهِ (إلى ستةٍ) أَنْفُسِ (أَصْحابٍ) أيضاً للنبي وَّهِ (كِبَارٍ نُبَلَا) فإلى(٢) (زيدٍ) هو ابنُ ثابت، و(أبي الدرداءِ) عُوَيمرٍ (مع أُبَيِّ) بنِ كعب، و(عُمَر) بنِ الخطاب، و(عبدِ الله) بنِ مسعود (مع عليٍّ) بن أبي طالب ثّه. (ثم انتهى) أي وصل ما عند هؤلاء الستةِ من علم (لِذَين) أي للأخِيرَين منهم، وهما عليٍّ، وابنُ مسعود. هكذا رواه بعضُهم عن مسروق(٣). (و) لكنِ (البعضُ) ممّن رواه عنه أيضاً - وهو الشعبيُّ - (جَعَلَ) أبا موسى (الأشعريَّ عن أبي الدَّرْدَا) بالقصرِ (بَدَل) بالوقف (٤) على لُغَةِ ربيعةَ. بل وجاء كذلك عن الشعبي نفسِه، لكنْ بلفظِ: ((كان العلمُ يُؤخذُ من ستةٍ من الصحابة .. )) وذَكَرهم، ثم قال: ((وكان عُمرُ، وابنُ مسعود، وزيدٌ يُشْبهُ علمُ بعضِهم بعضاً، وكان يقتبسُ بعضُهم من بعض. وكان عليٍّ، والأشعريُّ، وأَبَيّ يُشْبِهُ علمُ بعضهم بعضاً، وكان يقتبس بعضُهم من بعض))(٥). (١) ((العلل)) (٤٢، ٤٥) بنحوِه ورواه عنه الخطيبُ بلفظِ الشارح وزيادةٍ في ((الجامع)) (٢/ ٢٨٩). (٢) ((فإلى)) ضرب عليها في (س) و(م). (٣) وممن رواه كذلك علي بنُ المَديني في ((العلل)) (٤٢). (٤) حيث قال: (بدل) ولم يقل: (بدلا) كالجادة. (٥) أخرجه عن الشعبيِّ أبو خَيْثَمَةَ في ((العلم)) (٢٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٩ مَعْرِفَةُ الصَحَابَة ولا يَخْدِش فيما تقدَّم كونُ كلِّ من زيدٍ، وأبي موسى تأخرتْ وفاتُه عن ابنِ مسعود، وعليٍّ، لأنّه لا مانعَ من انتهاءِ علمٍ شخص إلى آخرَ مع بقاءِ الأول. وأيضاً فقد قال شيخُنا - فيما نُقِل عنه -: ((إن عليًّا وابنَ مسعُود كانا مع مسروقٍ بـ(الكوفة))، فانتهاءُ العلم إليهما بمعنَى أنَّ عُمدةَ أهلِ ((الكوفة)) في معرفةٍ علمِ الأربعةِ المذكورِين عليهما . والثامنةُ: في إحصائهم. (والعدُّ) على المُعتَمد (لا يحصُرهم) إجمالاً، فضلاً عن تفصيلِهم، ٧٩٨ لتفرُّقهم في البُلدانِ والنواحي، (فقد) ثبتَ قولُ كعبٍ بن مالكِ في قصةِ («تبوكَ)) بخُصوصِها: ((والمُسلمون كثيرٌ، لا يَجمعُهم ديوانٌ حافِظ))(١)، و(ظَهَر) يعني شَهِدَ معه ◌َّ﴿ - كما رُوي عن أبي زُرعةَ الرازي - (سبعون ألفاً بـ «تبولَ))) المذكورةِ (٢)، قال: (وحَضَرَ) معه (الحجَّ) - يعني الذي لم يَحُجَّ بعدَ الهجرةِ غَيرَهُ(٣)، وودَّع فيهِ الناسَ بالوصيةِ التي أوصاهم بها أنْ لا يرِجِعوا بعده كفاراً، وأكَّد التوديعَ بإشهادِ الله عليهم بأنَّهم شهدوا أنَّه قد بلَّغ ما أُرسل إليهم به (٤)، ولذلك سُمِّيَ حَجَّ الوَدَاعِ - (أربعون ألفاً)(٢) ولكثرتهم قال جابرٌ في حكايتِه صِفَتَها: ((نظرتُ إلى مَدِّ بَصَري من بين يدَيه مِن راكبٍ وماشٍ، وعن يمينِهِ مثلَ ذلك، وعن يَساره مثلَ ذلك، ومِن خلفه مثل ذلك)). ٧٩٩ (وقُبِضَ) وَ (عن ذَيْنٍ) أي [عَدَدٍ](٥) الفَرِيقَين المذكورَين في ((تبوكَ))، (١) أخرجه البخاري في ((المغازي)): باب حديثٍ كعب بن مالك (١١٣/٨)، ومسلمٌ في ((التوبة)»: باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه (٢١٢٠/٤). (٢) أخرجه عن أبي زرعةَ الخطيبُ في ((الجامع)) (٢٩٣/٢)، وذكره ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٦٧). (٣) قيده بذلك، لما جاء من أنه وَّهُ حَجَّ قبلَ الهجرةِ ثلاثَ حِجَج، وقيل حِجَجاً لا يُعرف عَددُها. ومن المعلوم أنَّ الحَجَّ لم يُفْرَض إلّا بعد الهجرة. والله أعلم. (٤) أخرج خُطبتَه بَ ◌ّهُ ووصيتَه تلكَ البخاريُّ في ((الحج)): باب الخطبة أيامَ مِنَى (٥٧٣/٣) عن ابنِ عباس، وأبي بَكْرَةَ وابنِ عُمَرَ، ومسلمٌ في ((الحج)): باب حجة النبي ◌ََّ (٢) ٨٨٦) عن جابرٍ. (٥) ساقطة من (س) و(م)، ولذا جاء في حاشية (س) ما نصّه: (قولُه: وقُبِضَ عن ذَين أي = مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ ٥٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث و((حجة الوداع))، وذلك مائةُ ألفٍ وعَشرةُ آلاف (مَعْ) زيادةِ (أربع آلافٍ) على ذلك. (تَنِضّ) بكسر النون، وتشديد الضاد المعجمةِ: أي يَتَيسَّرُ حَصرُها - تشبيهاً بِنَضِ الدراهم وهو تَيَسُرها - ممَّن رَوى عنه، وسَمع منه، أو رآه وسمع منه. قال أبو زُرعة ذلك ردًّا لمن قال: ((أَلَيس يُقالُ: حديثُ النبيِ وَّل أربعةُ آلافٍ حديثٍ؟ فقال: ومَنْ ذَا؟ قال: ذَا قَلْقَلَ الله أَنْيَابَه؟ هذا قولُ الزنادِقة، ومَنْ يُخْصِي حديثَ رسولِ الله وَّه؟، قُبِضَ رسولُ اللهِ وَّهِ ... )) وذَكَرَه، فقيل له: هؤلاءِ أينَ كانوا؟ وأين سَمِعُوا منه؟ قال: أهلُ ((المدينة))، وأهلُ ((مكةَ))، ومَن بينهما من الأعراب، ومَن شهد معه حَجَّةَ الوَدَاعِ، كلٌّ رآه، وسَمِع منه بـ(عَرَفَةٍ))(١) . قال ابنُ فَتْحُونَ في ((ذَيلِ الاستيعاب)) بعد إيرَادِه لهذا: ((أجابَ به أبو زُرعةَ سُؤَالَ مَنْ سأَله عن الرُّواةِ خاصةً، فكيف بغيرِهم؟!)) انتهى. وكذا لم يَدخُل في ذلك مَن مات في حياته بَّهَ في الغزوات، وغيرِها. على أنه قد جاء عن أبي زُرعة روايةٌ أخرى أوردها أبو موسى المديني في ((الذيل)) (٢) قال: ((تُوفي النبيُّ نَّهَ ومَن رآهُ وسمعَ منه زيادةٌ على مائةِ ألفٍ إنسان، من رجل وامرأة، وكلٌّ قد رَوى عنه سماعاً أو رُؤيةً))(٣). فَعِلْمُ رسولِ اللهِ وَّ كثيرٌ، ولكنَّها لا تنافِي الأُولى، لقوله فيها: ((زيادةٌ))، مع أنها (2) أقربُ، لِعَدَم التورُّطِ فيها بِعُهْدَةِ الحَصْر. نعم، روى الحاكمُ في ((الإكليل)) من حديثٍ معاذٍ قال: ((خَرَجْنَا مع رسول الله وَلَّه إلى غزوةِ (تبوكَ)) زيادةً على ثلاثينَ ألفاً))(٥) . عَددٍ بهذا القَدْرِ، لا عنهم أنفسِهم، إذْ يلزمُ منه تَكْرِيرُهم، لأن الذين كانوا بـ ((تبوك)) = كان غالبهم في الحج، فلا تصل أفرادهم إلى هذا العدد. (١) أخرجه عنه الخطيب في ((الجامع)) (٢٩٣/٢)، وهو في ((علوم الحديث)) (٢٦٨). (٢) أي ((ذيله على الصحابة لابن منده)). قاله العراقي. (٣) في حاشية (س): (يعني أو رآه رؤية). وقد عزا هذه الروايةَ لأبي موسى في ((الذيل)): العراقي في ((التقييد والإيضاح)) (٣٠٥). (٥) أوردها الحافظ في ((الفتح)) (١١٧/٨). (٤) أي الرواية الثانية. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٥١ مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ وبهذه العِدَّة جزم ابنُ إسحاقَ(١)، وأوردَه الواقديُّ بإسناد آخرَ موصولٍ، وزادَ: ((أنه كان معه عَشرة آلافٍ فَرَس))(٢). فَيُمكِن أنْ يكونَ ذلك في ابتداءِ خُرُوجِهم كما يُشعِر به قولُه: ((خرَجْنا))، وتكامَلَتِ العِدَّةُ بعدَ ذلك. ووقعٍ لشيخِنا في ((الفتح)) (٣) هنا سَهوٌ حيث عَيَّن قولَ أبي زرعة في ((تبوكَ)) بأربعينَ ألفاً (٤)، وجَمَع بينه وبين قولِ معاذٍ. ((أكثرُ من ثلاثين ألفاً)» باحتمالِ جَبْرِ الكسر. وجاء ضبطُ مَن كان بين يدي النبيِ وََّ عامَ الفتحِ بـ((مكةَ)) بأنَّهم خمسةَ عشرَ ألفَ عِنان، «قاله الحاكمُ، ومِن طريقِه أبو موسى في ((الذيل)). بل عندَه عن ابنِ عُمَر أنَّه قال: ((وافى النبيُّ نَّهِ يومَ فتح (مكة)) بعشرةِ آلافٍ من الناس(٥)، ووافَى ((حُنَيناً)) باثنَي عشرَ ألفاً))(٦)، وَقَال: ((لن يُغْلَبَ اثنا عَشَر ألفاً من قلةٍ))(٧). ثم إنه قد جاءَ فيمن تُوُفِّي النبيُّ وَ ◌ّ عنهم خلافُ ما تقدّم، فعن الشافعي - كما في ((مناقِه)) للآبُرِّي والسَّاجِي(٨) من طريقِ ابن عبد الحكم عنه - قال: ((قُبض رسولُ اللهِ وَ﴿ه، والمسلمون ستون ألفاً، ثلاثون ألفاً بـ(المدينة))، وثلاثون (١) قال ذلك الحافظ في ((الفتح)) (١١٨/٨). (٢) ((المغازي)) (١٠٠٢/٣). (٣) (١١٨/٨). (٤) يعني: والواردُ عنه - كما مضى - سبعون ألفاً. (٥) أخرج البخاري في ((المغازي)): باب غزوة الفتح في رمضان (٣/٨) عن ابن عباس أنَّ (النبيَّ ◌َّهِ خرج في رمضانَ من المدينةِ ومعه عشرةُ آلاف ... ). (٦) وكذا ذَكَر ابنُ هشام في ((السيرة النبوية)) - القسم الثاني - ٤٤٠) عن ابن إسحاقَ حيثُ قال: (ثم خرج رسول الله ير معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه فَفَتح اللهُ بهم مكةَ، فكانوا اثنَي عشر ألفاً). (٧) ذَكَر ابنُ هشام في (المصدر السابقِ - ٤٤٤) أنَّ ابنَ إسحاقَ قال: (وحدثني بعضُ أهلِ مكة أنَّ رسولَ الله وسلم قال - حين فصل من مكة إلى حُنَين ورأى كثرةَ من معه من جنودِ الله -: (لن نُغلَبَ اليومَ مِن قلَّة. قال ابنُ إسحاقَ: وزَعَم بعضُ الناس أنَّ رَجُلاً من بني بَكْرٍ قالَها). (٨) الحافظ أبو يحيى زكريا بنُ يحيى الشافعي. مات سنة ٣٠٧، ((الجرح والتعديل)) (٣/ ٦٠١) و((السير)) (١٩٧/١٤). مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ٥٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - يعني ألفاً - في قبائلِ العرب وغيرِها))(١). وعن أحمدَ - فيما رواه البيهقيُّ من طريقِ إبراهيمَ بن عليّ الطَّبَري عنه - قال: ((قُبِض النبيُّ وَّهِ وقد صلَّى خلفَه ثلاثون ألفَ رجُل)). وكأنَّه عنَى بـ((المدينة)) لِيَلْنَئِمَ مع ما قبلَه. وقال الغزالي في ((البابِ الثالثِ في أعمال الباطِنِ في التلاوة)) من رُبع العبادات من «الإحياءِ)): ((مات رسولُ اللهِ وَلّر عن عشرينَ ألفاً من الصحابة))(٢)، قال المصنِّفُ: ((لعلَّه عنَى بـ«المدينةِ))(٣). وثبت عن الثوري - فيما أخرجَه الخطيبُ بسنَدِه الصحيح إليه -: أنَّه قال: ((من قَدَّمَ عليًّا على عثمانَ فقد أَزْرَى على اثنَي عشرَ ألفاً مَتَ رسولُ اللهِ وَنه وهو عنھُم راضٍ))(٤). ووجَّهَه النَّوَوِيُّ(٥) بأنَّ ذلك بعدَ النبيِّ وَّهِ باثني عشر عاماً، بعد أنْ مات في خلافة أبي بكرٍ في الرِدَّةِ، والفُتوحِ الكثيرُ ممَّن لم تُضْبَطْ أَسماؤهم، ثم ماتَ في خلافةِ عُمرَ في الفُتوح، وفي الطاعَونِ العامِّ، وعَمَوَاس، وغيرِ ذلك مَن لا يُحصَى كثرةً، وسببُ خفاءِ أسمائِهِم أنَّ أكثرَهم أعرابٌ. وأكثرُهم حضَروا حجةَ الوداع))(٦). ونقلَ عياضٌ في ((المَدَارِك)) عن مالكِ تَخْتُ أنَّه قال: ((مات بـ((المدينةِ)) من الصحابة نحوُ عشرةِ آلافٍ نفسٍ))(٧). وقال أبو بكرٍ بنُ أبي داودَ - فيما رواه عن الوليدِ بن مُسلم -: (بـ((الشامِ) عشرةُ آلافٍ عَيْنٍ رَأَتْ رسولَ اللهِ وَلِ)). (١) عزاها العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٣٠٦) إلى الساجي في ((مناقب الشافعي)) من طريق ابنِ عبد الحكم، إلّا أنَّه كَنَى الساچِي بأبي بَكْر. وذكر هذا القولَ عن الشافعيِّ الذهبيُّ في ((مقدمة التجريد)». (٢) («الإحياء)) (٢٨٧/١). (٣) ((المُغني عن حَملِ الأَسْفار في الأَسْفار)) (٢٨٧/١) للعراقي. (٤) قال ذلك الحافظُ في ((الإصابة)) (٤/١)، وأخرجه أبو نُعَيم في ((الحِلْية)) (٣١/٧) عن الثوري بلفظ: (من قال: عليٍّ أَوْلَى بالولاية من أبي بكر وعمرَ، فقد خطَّأَ أبا بكرٍ وعُمرَ والمهاجِرِين والأنصارَ، ولا أدري يَرتفعُ له عملٌ إلى السماء أم لا؟). (٥) نقله عنه ابنُ حجر في ((الإصابة)) (٤/١) كما سيأتي. (٦) نقله الحافظُ ابن حجر في ((الإصابة)) (٤/١). (٧) ((المدارك)) (٦٧/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٥٣ مَعْرِفَةُ الصَحَابَة وقال قتادةُ: ((نَزَلَ ((الكوفةَ)) من الصحابةِ ألفٌ وخمسون منهم أربعةٌ وعشرون بَدْرِيُّون)). قال: ((وأُخبرتُ أنَّه قَدِمَ ((حِمْصَ)) مِن الصحابةِ خمسمائةٍ رجلٍ))، وعن بَقِيَّةَ: ((نَزَلَهَا مِنْ بني سُلَيم أربعُمائة)). وقال الحاكمُ: ((الرواةُ عن النبيِّر من الصحابةِ أربعةُ آلاف))(١). وتعقّبه الذهبيُّ: ((بأنَّهم لا يصِلُون إلى ألفَين، بل هم ألفٌ وخمسمائة، وأنَّ كتابَه: ((التجريدَ)) لعلَّ جميعَ من فيه ثمانيةُ آلافٍ نفسٍ، إنْ لَم يزِيدُوا لم ينقُصُوا، مع أنَّ الكثيرَ فيهم مَنْ لا يُعْرَف)) انتهى (٢)، وكذا مَعَ كثرةِ التكرِير، وإیرَادِ مَنْ لیس هو منهم وَهْماً، أو مَنْ ليس له إلَّا مجردُ إدراكٍ ولم يثبت له لِقَاءٌ. ووُجِد بخطّه أيضاً: ((أنَّ جميعَ من في ((أَسَدِ الغابة)) سبعةُ آلافٍ وخمسمائة وأربعةٌ وخمسونَ نفساً))(٣). وحَصَرَ ابنُ فَتْحونَ عَدَدَ مَنْ بـ((الاستيعاب)) في ثلاثةِ آلافٍ وخمسِمائة - يعني ممَّن ذُكِر فيه باسم أو كنيةٍ، أو حَصَلَ الوهْمُ فيه - وذَكَرَ أنّه استدركَ عليه على شرطِه قريباً مما ذكّرً. ومن الغريبِ ما أسنَد أبو موسى في آخرِ ((الذيلٍ)) عن ابنِ المَدِيني قال: ((الصحابةُ: خمسمائةٍ وثلاثةٌ وستونَ رَجُلاً)). وبالجُملة فقد قال شيخُنا: ((إنه لمْ يحصُل لنا جميعاً - أي كلِّ مَنْ صَنَّفَ في الصحابة - الوقوفُ على العُشْرِ مِن أَسَاميهم، بالنسبةِ إلى ما مَضَى عن أبي زُرعة))(٤)، قلتُ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٥). (١) ((مقدمة التجريد)) (ص ب). (٢) من ((التجريد)) - الجزء الأول - (ص ج). (٣) قاله الحافظ في ((الإصابة)) (٤/١)، والموجودُ في النُسخةِ المطبوعةِ من (أَسَد الغابة) والتي نشرَتْها (دارُ الفكر) ثلاثُ تراجِمَ وسبعُمائةٍ وسبعةُ آلاف ترجمة. (٤) ((الإصابة)) (٣/١). وقال العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٣٠٦): ( ... ولا شك أنّه لا يمكن حصرُهم بعدَ فُشُوِّ الإسلام، وقد ثَبَتَ في ((صحيح البخاري)) أنَّ كعب بن مالك قال في قِصة تخلّفِهِ عن غزوة تبوكَ: وأصحابُ رسولِ اللهِوَّ كثيرٌ لا يجمَعُهم كتابٌ حافظ (يعني الديوان)، والحديثُ هذا في غزوةٍ خاصة وهم مُجْتَمِعُون، فكيفَ بجميعِ مَنْ رآه مسلماً؟ والله أعلم). (٥) سورةَ يوسف: الآية ٧٦. مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ٥٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث وقد قال أبو موسى المَدِيني: ((فإذا ثَبَتَ هذا - يعني قولَ أبي زرعة - فكلٌّ حَكَى على قَدْرِ تَتَبُّعِهِ، ومَبْلَغِ عِلْمِهِ، وأشارَ بذلك إلى وقتٍ خاصٍّ وحال)) فإذاً لا تَضَادَّ بين كلامِهم. والله المستعان. والتاسعةُ: في تَفَاؤُتِهم في الفَضِيلةِ إجْمالاً، ثم تَفْصِيلاً - ولم يَذْكُر فيه سوى الخلفاءِ الأربعة، وما ذكر بعدهم إلى آخِرِ المسألة. فمِنَ الأوَّلِ(١) : ٨٠٠ (وهم) باعتبارِ سَبْقِهم إلى الإسلام، أَوِ الهجرة، أو شُهودِ المَشَاهِد الفاضِلَة (طِيَاقٌ إِنْ يُرَد تعديدُ) أي عَدُّها . واختلف في مقدارِه فـ (قيل) كما للحاكم في ((علوم الحديث))(٢): هي (اثنتَا عَشْرَةَ) طبقةً: فالأُولى: مَن تقدَّم إسلامُه بـ(مكةَ)) كالخلفاءِ الأربعةِ. الثانيةُ: أصحابُ ((دَارِ النَّدْوَةِ) التي خرج النبيُّ وَّ إليها بعدَ أنْ أظهرَ عُمَرُ بنُ الخطاب إسلامَه، فبايعوه حينئذٍ فيها . الثالثةُ: المُهاجِرةُ إلى ((الحبشة)). الرابعةُ: مُبَايِعَةُ العَقَبةِ الأُولى. الخامسةُ: أصحابُ العَقَبةِ الثانيةِ، وأكثَرُهم من الأنصار. السادسةُ: المهاجِرُونَ الذين وَصَلُوا إلى رسولِ اللهِوَّهِ بـ((قُبَاءَ)» قبلَ أنْ يَدخلَ ((المدينةَ))، ويبنيَ المسجدَ. السابعةُ: أهلُ بَدْرٍ . الثامنةُ: المُهَاجِرَةُ بينَ بدْرٍ والحُدَيْبِيَة. التاسعةُ: أهلُ بيعةِ الرِّضْوَان. العاشرةُ: المهاجِرةُ بين الحُدَيِيةِ وفتحِ ((مكةَ)). الحاديةَ عشرة (٣) : مُسلِمةُ الفَتح. الثانيةَ عشرةً(٣): صِبْيانٌ وأطفالٌ رَأَوا رسولَ اللهِ وَ ل* يومَ الفتح، وفي (١) أي تَفَاؤُتهم في الفَضيلة إجمالاً. (٣) في النسخ: عشر. (٢) معرفة علوم الحديث (٢٢). فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٥٥ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ حَجَّةِ الوَدَاعِ، وغيرِهما - يعني مَن عَقَلَ منهم، ومَن لم يَعقِل. وقيلَ - كما لابنِ سعدٍ في ((الطبقات)) له -: خمسٌ : فالأُولى: البَدْرِيُّون(١). الثانيةُ: من أَسلم قديماً ممَّن هاجر إلى ((الحَبَشة))، وشَهِدوا ((أُحُداً)) فمَا بعدَها(٢). الثالثةُ: مَن شَهِد ((الخَنْدَقَ)) فما بعدَها. الرابعة: مُسْلِمةُ الفتحِ فما بعدَها. الخامسةُ: الصِّبْيَانُ وَالأطفالُ ممَّن لم يَغْزُ، سواءٌ حَفِظَ عنه - وهم الأكثرُ - أمْ لا (أَوْ تَزِيدُ) على الاثنَتَي عَشْرَةَ، فَضْلاً عمَّا دُونَها . ومِنَ الثانِي (٣): (والأفضلُ) منهم مطلقاً بإجماع أهلِ السُّنة: أبو بكر (الصديقُ) خليفةٌ ٨٠١ رسول الله وَ﴿، بل هو أفضلُ الناسِ بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأدلّةٍ يطولُ ذِكْرُها، منها قولُهُ وَّهَ لأبي الدرداءِ - وقد رآه يمشي بين يديه -: ((يا أبا الدَّرْدَاءِ تَمْشي أمامَ مَنْ هُو خَيرٌ منكَ في الدُنْيا والآخرة؟ ما طَلَعَتِ الشمسُ ولا غَرَبَتْ على أَحَدٍ بعدَ النَّبِّينَ أفضلَ من أبي بكر)) (٤). وقيل له: الصِدِّيقُ لِمُبَادَرَتِهِ إلى تصديقِ الرسولِ بَ ﴿ قبلَ الناس كلِّهم، قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((ما دعوتُ أحداً إلى الإيمان إلّا كانت له كَبْوَةٌ إلَّ أبا بَكْر، فإنّه لم يتلَعْثَم)» (٥). واعلَمْ أنّه بمقتَضَى ما قَرَّرْناهُ في تعريفِ الصحابي يُلْغَزُ فيقالُ: لنا صحابِيٍّ أفضلُ منه! وهو عيسى المسيحُ النبيُّ عليه الصلاة والسلامُ. (١) ((طبقات ابن سعد)) (٥/٣). (٢) (المصدر السابق ٥/٤). (٣) يعني تَفَاؤُتَهم في الفَضِيلة تَفْصِيلاً. (٤) أخرجه أحمد في ((فضائل الصحابة)) برقم (١٣٥، ١٣٧) من حديث أبي الدرداء بإسنادين ضعيفين، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣٠١/١٠)، من حديث جابرٍ، وفي سنَدِه إسماعيلُ بن یحیی التيمي وهو كذّاب كما في «المُغني)) (٨٩/١)، وأوردَه في «كنز العمال)) (٤٩٨/١٢) وعزاه للسراج عن جابر، وأورده (ص٥٠٣) من حديث أبي الدرداء وعزاه لابن عساكر وحسّن إسناده. (٥) ذكره ابنُ هشام في ((السيرة النبوية)) ٢٥٢/١) عن ابن إسحاق بلفظ مقارِب. مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ٥٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث وإليه أشارَ التاجُ السُبْكي بقولِه في قصيدَتِهِ التي في أَوَاخِرِ («القواعد»: خيرِ الصِّحَابِ أبي بَكْر ومِن عُمَرٍ مَنْ باتّفَاق جميعِ الخَلْقِ أفضلُ مِن مِن أُمَّة المُصْطَفَى المُخْتَارِ مِن مُضَرٍ ومِنْ عَلِيٍّ، ومِنْ عُثْمانَ، وهْو فَتّى (ثم) يلي أبا بكرٍ (عُمَرُ) بنُ الخطاب بإجماع أهل السُّنة أيضاً. وممّن حَكَى إجماعَهم على ذلك أبو العباس القُرْطبي فقال: ((ولمْ يختَلِف في ذلك أَحَدٌ من أئمة السَّلف ولا الخَلَف)) قال: ((ولا مبالاةَ بأقوالِ أهلِ التَّشَبُّعِ، ولا أهلِ البِدَعِ))(١) . وأسنَدَ البيهقيُّ في ((الاعتقادِ) له عن الشافعي أنَّه أيضاً قال: ((ما اختَلَفَ أحدٌ من الصحابة والتابعين في تفضيلٍ أبي بكر وعمر، وتقديمِهما على جميعِ الصحابة))(٢). وكذا جاءَ عن يحيى بنِ سعيد الأنصاري أنه قال: ((مَنْ أدركْتُ من الصحابة والتابعين لم يختَلِفوا في أبي بكر وعمرَ وفضْلهما))(٣). وقال مالكٌ كَُّ - كما سيأتي(٤) -: ((أو في ذلك شكٍّ))؟!)). (وبعدَه) أي بعدَ عُمرَ إمَّا (عُثمانُ) بنُ عفَّانَ (وهو الأكثرُ) أي قولُ الأكثرِ من أهل السُنّة، كما حكاه الخَطَّابِي(٥) وغيرُه، وأنَّ ترتيبَهم في الأفضليةِ كترتيبِهم في الخلافة. ٨٠٢ (أو فَعَلِيٌّ) هو ابنُ أبي طالب (قبلَه) أي قبلَ عثمانَ وبعدَ عُمَرَ (خُلْفٌ) أي خِلاف (حُكِي) وإلى القولِ بتقديم عليّ ذهبَ أهلُ ((الكوفةِ))، وجَمْعٌ، كما قالَه الخطّابِي(٥)، وابنُ خُزيمةَ وطائفةٌ قَبلَه وبعدَه كما نقلَه شيخُنا(٦). ورَوى الخَطَّابي عن الثوري حكايتَه عن أهلِ السُنّةِ من أهلِ ((الكوفةِ)»، وأنَّ أهلَ السُنَّة من أهلِ ((البصرة)) على الأوَّل. فقيل للثوري: فما تقولُ أنتَ؟ قال: أنا رجلٌ كوفي (٥) . (١) نقله عنه العراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٣/٣). (٢) (الاعتقاد)) (١٩٢). (٤) (ص٥٩). (٦) في ((الفتح)) (١٦/٧). (٣) (المصدر السابق). (٥) في ((معالم السنن)) (٣٠٣/٤). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٥٧ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ثم قال الخطابي: ((لكنْ قد ثبتَ عن الثَّوري في آخرِ قولَيه تقديمُ عثمانَ))(١). زاد غيرُه: ((ونقلَ مثلَه عن صاحبِه وكيعِ))(٢). قال ابنُ كثير: ((وهو - أي هذا المذهبُ - ضعيفٌ مردودٌ وإنْ نَصَرِه ابنُ خُزَيمَةَ والخطّابي))(٢). وقد قال الدَّارَقُطني: ((من قدَّم عليًّا على عثمانَ فقد أَزْرَى بالمهاجرين والأنصارِ))، وسبقَه إليه الثوريُّ، كما حكيتُه في: ((الثامِنَة)) في (٣) إحصائهم(٣). وصدَق رحمه الله وأكرمَ مَثْواه، فإنَّ عُمَرَ لمَّا جعلَ الأمرَ مِنْ بعدِه شُورَى بين ستةٍ انْحصَرَ في عثمانَ وعليّ، فاجتهد فيهما عبدُ الرحمن بنُ عوف ثلاثةَ أيّام بلياليها حتى سألَ النِّساءَ في خُدُورِهِنّ، والصبيانَ في المَكَاتِبِ، فلم يَرَهُم يعدِلون بعثمانَ أحداً، فقدَّمه عَلَى عَلِيٍّ، وولَّه الأمرَ قبلَه (٤). وعن ابنِ عُمَر قال: ((كُنَّا في زمانِ النبي ◌ِّوَ لا نَعْدِل بأبي بكر أَحداً، ثم عُمَرَ، ثم عُثمانَ ثم نَتْرُكُ أصحابَ رسولِ اللهِوَ لَا نُفَاضِلُ بِينَهم)»(٥) . وفي لفظٍ للترمذيّ(٦) - وقال: إنَّه صحيحٌ غريب -: ((كُنَّا نقولُ - ورسولُ اللهِ وَّرِ حِيٌّ -: أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ)). وفي آخَرَ - عند الطبراني وغيرِهِ، مما هو أصرحُ مَعْ ما فيه من اطَلَاعِهِ وَلِ ــ: ((كُنَّا نقولُ - ورسولُ اللهِ وَ لَّهِ حِيٍّ -: أفضلُ هذه الأمةِ بعد نَبِيِّها أبو بكرٍ، وعُمُرُ، وعثمانُ، فيسمع ذلك رسولُ الله ◌َِّ فلا يُنْكِرُه))(٧). قال الخطابي: ((وجه ذلك أنَّه أرادَ [به] (٨) الشُّيوخَ، وذَوِي الأسنانِ (١) (معالم السنن)) (٣٠٣/٤). (٢) ((اختصار علوم الحديث)) (١٧٨). (٣) (ص٥٢). (٤) أخرجه البخاري في حديثٍ طويل في ((فضائل الصحابة)): باب قِصةِ البيعةِ والاتفاقِ على عثمانَ بنِ عفانَ (٧/ ٥٩) من حديثِ عَمْرِوَ بنِ مَيْمون. (٥) أخرجه البخاريُّ في ((فضائلِ الصحابة)): باب مناقب عثمان (٥٤/٧). (٦) في ((المناقب)): باب في مناقب عثمان (٦٣٠/٥). (٧) الطبراني في ((الكبير)) (٢٨٥/١٢). (٨) سقطت من (ح). مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ ٥٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث منهم الذين كان رسولُ الله إذا حَزَبَهُ (١) أَمْرٌ شاوَرَهم فيه، وكان عليٍّ في زمان رسولِ اللهِ وَُّ حَدَثَ السِنِّ. ولم يُرِدِ ابنُ عُمَرَ الإزْرَاءَ بعليّ، ولا تأخّرَه ودَفْعَه عن الفضيلةِ بعدَ عثمانَ، فَفَضْلُه مشهورٌ لا يُنْكِرِه ابنُ عُمَرَ، ولا غيرُه من الصحابةِ، وإنّما اختلفوا في تقديم عُثمانَ عليه)). انتهى(٢) . وإلى القولِ بتفضيلِ عُثمانَ ذهب الشافعيُّ وأحمدُ(٣)، كما رواه البيهقيُّ في ((اعتقادِهِ)) عنهما، وحكاه الشافعيُّ عن إجماع الصحابة والتابعين(٤) . وهو المشهورُ عن مالك، والثوريِّ، وكافةِ أئمةِ الحديثِ، والفِقهِ، وکثیرٍ من المتكلِّمِين كما قال القاضي عياضٌ. وإليه ذَهَبَ أبو الحَسَن الأشعريّ، والقاضي أبو بكر البَاقِلَاني، ولكنَّهما اختلفا في التفضيلِ أهُو قطعيٍّ أو ظَنِّيٌّ؟ . فالذي مال إليه الأشعريُّ: الأولُ. وعليه يدلُّ قولُ مالكِ الآتي نَقْلُه عن ((المُدَوَّنَةِ)) . والذي مال إليه البَاقِلَّاني، واختارَه إمامُ الحَرَمين في ((الإرشادِ)): الثاني (٥)، وعبارَتُه: «لم يَقُم عندَنا دليلٌ قاطعٌ على تفضيلِ بعضِ الأئمة على بعض، إذِ العقلُ لا يشهدُ على ذلك، والأخبارُ الواردةُ في فضائِلِهم متعارضةٌ، ولا يمكن تلقِّي التفضيلِ مِن منْع إمامةِ المفضولِ، ولكنَّ الغالبَ على الظنّ أنَّ أبا بكرٍ أفضلُ الخَلَائقِ بعدَ الرسولِ وَطِّ، ثم عُمَرَ أفضلُهم بعدَه. وتتعارَضُ الظُّنون في عثمان وعليّ)) (٦). (١) في (س) و(ح): حركه من الناسخ. (٢) من («معالم السنن)) (٣٠٢/٤). (٣) وروى ذلك عنه ابنُ الجوزي في ((مناقبه)) (ص٢١١) وزادَ: ومن قدَّم علياً على عثمانَ فقد طَعَنَ على رسولِ اللهِ وَّهِ وأبي بكرٍ وِعمرَ والمهاجرين، ولا يصلُح له عمل اهـ. وفي لفظ: من فضَّل علياً على عثمانَ فقَد أَزْرَى بأهلِ الشورى اهـ. قلت: والثاني أَلْيَقُ. (٤) كما تقدم في (ص٥٦) قريباً. (٥) ذكر كل ذلك العراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٤/٣). (٦) ((الإرشاد)) (٣٦٣). ويراجع ((الإنصاف)) (٩٨) وما بعدها للباقلاني. فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٥٩ مَعْرِفَةُ الصَحَابَة وبكونه ظَنّيًّا جَزَمَ صاحبُ ((المُفْهِم))(١). (قلتُ: وقولُ الوَقْفِ) عن تفضيلِ أحدِهما على الآخَرِ (جَا) - بالقَصْر - (عن مالِك) حسبما عزاه المَازَرِي لِنَصِّ ((المُدَوَّنَة)) يعني في آخِرِ ((الدياتِ)) منها: ((وأنَّه سُئِلَ: أيُّ الناسِ أفضلُ بعدَ نبيِّهِمْ؟ فقال: أبو بكر، زاد عياضٌ فيما عزاه إليها: ثم عُمَرُ، ثم قال - فيما انَّفقا عليه -: أو في ذلك شك؟ قيل له: فعليّ وعثمان؟ قال: ما أدركتُ أحداً ممّن أقتدي به يُفَضِّل أحدَهما على صاحبِهِ، ونرى الكَفَّ عن ذلك))(٢). وتَبِعه جماعةٌ منهم يحيى القطانُ، ومن المتأخرينَ ابنُ حَزْم(٣). وقولُ إمامُ الحرمين الماضي: ((وتتعارَضُ الظنون في عثمانَ وعليّ) يَمِيلُ أيضاً إلى التوقُّفِ. لكنْ قد حَكى عياضٌ أيضاً قولاً عن مالكِ بالرجوع عن الوقفِ إلى تفضيلٍ عثمانَ (٤). قال القُرطبي: ((وهو الأصحُّ إنْ شاء الله)). قال عياضٌ: ((ويحتَمَل أنْ يكونَ كفُّه وكفُّ مَن اقتدى به لِمَا كان شَجَرَ في ذلك من الاختلافِ والتعصب)»(٥). بل حَكَى المازَرِي قولاً بالإمساكِ عن التفضيلِ مُطلقاً. وعزاه الخطّابي لقومٍ، وحَكَى هو قولاً آخرَ بتقديمٍ أبي بكرٍ من جهة الصَّحَابة، وعليٍّ من جهة القرابةِ. قال: ((وكان بعضُ مشايِخِنا يقول: أبو بكر خيرٌ وعليٍّ أفضل))(٦). (١) يعني أبا العباس القرطبي. (٢) ((المدونة)) (٥٠٩/٤). وقد حُشِرَ هذا النصُّ في هذا الموطنِ من ((المُدَوَّنَةِ)) دون أدنى مناسبةٍ. واللهُ أعلم. (٣) قال ذلك الحافظُ في ((الفتح)) (١٦/٧) وكلامُ ابن حزم في ((الفِصَل)) (٢٢٤/٤) غيرُ قاطع في التوقّف بل يظهرُ منه تفضيلُ عثمانَ، ولفظُه: (والذي يقعُ في نفوسنا - دون أن نقطع به - ولا نُخَطِّئُ من خالفنا في ذلك فهو أَنَّ عثمانَ أفضلُ من عليّ. والله أعلم). انتهى. (٤) ((ترتيب المدارك)) (١٧٥/١). (٥) نقل الحافظُ العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٦/٣) قولَ عياضٍ والقرطبيّ. (٦) («معالم السنن)) (٣٠٣/٤). مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ٦٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث قال المصنفُ: ((وهذا تهافُتْ في القول))(١). ووجَّهه بعضُهم فقال: ((يمكن حَملُ الأفضليةِ على العِلم فلا تَهَافُتَ))، خصوصاً وقد مشى عليه المؤلفُ، لكن في ((التابعين)) كما سيأتي(٢) حيث وجَّه قولَ أحمدَ بتفضيلِ ابنِ المُسَيب مع النصِّ في أُوَيسٍ بقولهِ: ((فَلَعَلَّه أرادَ بالأفضليةِ في العلم، لا الخيريةِ كما سلكه بعضُ شيوخ الخطابي))، انتهى(٣) . وبقيةُ كلام [شيخ ](٤) الخطابي: ((وبابُ الخَيْرِيَّةِ غيرُ بابِ الفَضِيلَةِ))(٥) قال: ((وهذا كما تقولُ: إنَّ الحُرَّ الهاشِميَّ أفضلُ من العَبْدِ الرُوميّ، أو الحَبَشي. وقد يكونُ العَبدُ الحَبَشِي خيراً من هاشمي في معنى الطاعةِ والمنفعةِ للناس، فبابُ الخَيْرِية متعدٍّ، وبابُ الفَضِيلة لازمٌ)) (٦) . ونحوُهُ مَنْ كان يُقَدِّم عليّاً لفضيلَتِهِ، وفضلِ أهلِ بيتِهِ(٧) مع اعترافِه بفضلٍ الشيخَين، كأبي بكر ابنِ عَيّاش فإنَّه قال: ((لو أتاني أبو بكرٍ، وعُمرُ، وعليٍّ لَبَدَأْتُ بحاجةٍ عليٍّ قبلَهما، لِقَرَابَتِه مِن رسول اللهِ وََّ، ولأنْ أخِرَّ من السماءِ إلى الأرض أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أُقَدِمَه عليهِما))، وكما حُكِي عن أبي الظُّفَيل عامرٍ بن وَاثِلَةَ. ولذا قال ابنُ عَدِيّ: ((كانت الخوارجُ يرمُونَه باتِّصالِه بعليّ، وقَولِهِ بفَضْلِهِ وفَضْلِ أهلِ بيتِه)»(٨)، وكذا قال ابنُ عبد البَرّ: ((إنَّه كان يَعْتَرِف بفَضْل أبي بكرٍ، وعُمَرَ لكنَّه يُقَدِّم علياً»(٩) . وقد قال السَرّاج: ((ثنا خُشَيشٌ الصُوفي: ثنا زيدُ بن الحُبَابِ قال: كان رأيُ سُفيانَ الثوري رأيَ أصحابِهِ الكوفيين يُفَضِّلُ علّاً على أبي بكر وعمر، فلما صار إلى ((البصرةٍ)) رَجَعَ، وهو يفضِّل عُمَرَ على عليٍّ، ويُفَضِّلُه على عثمانَ، أخرجه أبو نُعَيم في ترجمة الثوري من ((الحِلْية))(١٠) . وكذا حَكَى المَازِري عن الشيعة تفضيلَه، وعن الخطّابية تفضيلَ (١) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٤/٣). (٣) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٥٠/٣). (٥) في (س): الفضلية. ولعلها من الناسخ. (٧) يعني لِقُرْبِهِم من رسول الله ◌َّهِ. (٩) ((الاستيعاب)) (١٥/٣). (٢) (ص١٠٣). (٤) ساقطة من (س). (٦) ((معالم السنن)) (٣٠٣/٤). (٨) ((الكامل)) (١٧٤١/٥). (١٠) (٣١/٧).