Indexed OCR Text

Pages 321-340

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٢١
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
في بابه مثلَه. ولذا كان حقُّه التقديمَ على سائر كتب ((السُّنَن))، لكن قُدّمت تلكَ لتقدُّم
مصنِّفِيها في الوَفاة، ومَزيدٍ جَلَالَتهم (ضبطاً وفهماً) أي بالضبط في سماعِكَ
لِمُشْكِلِها، والفهم لخفيّ معانيها، بحيث إنك كُلّما مرَّ بك اسمٌ مُشْكل، أو كلمةٌ من
حديثٍ مشكلةٌ تبحثُ عنها وتُودِعها قلبك. فبذلك يجتمعُ لك علمٌ كثير في زمنٍ يسير.
[وحينئذ فالفهمُ هنا فيما يرجع لغريب الأسماء والمتون ليُتمكّن من النطق
بها على وجهها. فهو أخصُّ مما تقدم](١).
وكذا اعْتَنِ من الكُتُب المبوَّبة بسماع ((الصحاح)) لابنِ خُزَيمةَ - ولم يوجد
تامّاً(٢) -، ولا بنٍ حِبانَ، ولأَبِي عَوَانَةَ. وبسماع (الجامع)) المشهورِ بـ((المُسْنَد))
لِلدَّارمي، و(السُّنن)) لإمامنا الشافعي مع ((مُسْنَدِهِ)) - وهو على الأبواب -،
و ((السُّنَن الكبرى)) للنسائي، لما اشتملت عليه من الزيادات على تلك، و((السُّنَن))
لابنِ ماجه، وللدارقطني، وبـ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي.
(ثم ثَنّ بـ) سماع (ما اقتضَتْه حاجةٌ من) كتب المسانيد كبيرِها وصغيرها ٧٢٧
كـ (مسند أحمدَ) وأبي داودَ الطَّيَالِسي، وعَبْدِ بنِ حُمَيدٍ، والحُمَيدِي، والعَدَنِي،
ومُسَدَّدٍ، وأبي يَعْلى، والحارثِ بن أبي أُسَامةَ، والأحاديثُ فيها أعلى منها في
التي قبلها غالباً(٣) .
وكذا بما تدعو الحاجةُ إليه من الكتب المصنَّفةِ على الأبواب أيضاً، لكنْ
كَثُرَ فيها الإيرادُ لغير المُسند كالمرسَل، وشبهِه مع كونها سابقةً لتلك في الوضع
كـ ((مصنَّف ابن أبي شيبةَ))، و((السُّنَنِ)) لِسَعيد بن منصور (و((الموطأ)) المُمَهَّد)
المُقْتَفِي السُّنَّةِ الإمام مالكِ الذي قال أبو خُلَيدٍ عُْبةُ بنُ حمّاد: ((إنَّه لمَّا عَرَضَه
على مؤلِّفِه في أربعةَ أيام قال له: علمٌ جمعتُه في ستينَ سنة أخذتُموه في أربعة
أيام؟! والله لا ينفعُكُمُ اللهُ به أبداً)). وفي لفظ: ((لا فَقِهْتُم أبداً))، رواه أبو نُعَيم
في ((الحلية)) (٤).
(١) ما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م).
(٢) وقد طُبع الموجودُ منه بتحقيق د.محمد مصطفى الأعظمي، طباعةً لا تخلو من السَّقْطِ
والتصحيفِ.
(٣) لتقدّم سِنِي وَفَاةِ أصحابها .
(٤) (٣٣١/٦).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٢٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وكَكُتُبِ ابنِ جُريج، وسعيدِ بن أبي عَرُوبة وابنِ المبارك، وابنِ عُيَينةَ،
وهُشَيمٍ، وابنِ وَهْب، والوليدِ بن مُسلم، ووَكِيع.
و((الموطأُ)) قال فيه الشافعيُّ: ما قدَّمنا (١) في ((أصح كتب الحديث))(٢).
ونحوُه قولُ الخطيب: ((إنّه المُقَدَّمُ في هذا النوعِ فيجبُ الابتداءُ به))(٣).
قلتُ: وإنما سمَّاه بذلك لأنه عَرَضه على بضعةَ عشرَ تابعيًَّ فكلُّهم وَاطَأَهُ
على صِحته. ذَكَرَهُ ابنُ الطَّحّان (٤) في ((تاريخ المصريين))(٥) له نَقْلاً عن ابنِ
وهب عن مالك. وعن غيره: ((مما جُرِّبَ أنَّ الحاملَ إذا أمسكَتْه بيدِها تضعُ في
الحال))(٦)
ثم بالمُحتَاج إليه من التصانيفِ المفرَدة في أبوابٍ مخصوصةٍ كالطهارة،
والزكاة، والزُّهد، والرقائق، والأدب، والفضائل، والسِيَر، وذلك لا ينحَصِر
کثرةً .
وكذا من المعاجم التي على الصحابة، والتي على الشيوخ، والفوائد
النَثْرية، والأجزاءِ الحديثيَّة، والأربعينات.
وقدِّمْ منه الأعلى فالأعلى، وذلك لا يُمَيِّزه إلا النُّبَهَاءُ، وما أكثرَ ما يقعُ
فيه من الفَوَائِدِ، والزَوَائدِ.
وكلُّ ما سمّيتُه فأكثرُه - بحمد الله - لي مسموعٌ، وما لم أُسَمِّه فعندي
بالسماع من كلِّ صنفٍ منه ما يفوقُ الوصفَ.
(١) اي ما قدمناه.
(٢) مقصودَه: أن الشافعي قال في حق ((الموطأ)) ما تقدَّم عنه في مبحث ((أصح كتب
الحديث))، وقد قال الشافعي هناك في أول المبحث المذكور عن ((الموطأ)): ((ما على
ظهر الأرض كتابٌ في العلم - بعد كتابِ الله - أصحُّ من كتاب مالك)) (٤٦/١).
(٣) ((الجامع)) (١٨٦/٢).
(٤) هو: يحيى بن علي بن محمد الحضرمي أبو القاسم، مات سنة ٤١٦. ((الأعلام)) (٩/
١٩٦).
(٥) قال في ((الأعلام)) (١٩٦/١): ((له كتاب: ((تاريخ علماء أهل مصر)). وأشار إلى أنه
مخطوط .
(٦) سبحان الله!

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٢٣
آدابُ طالب الحَدِيثِ
٧٢٨
(و) اعتَنِ بما اقتضَتْه حاجةٌ من كتب (عِلَل) كالعِلَل عن ابن عُيَينة روايةٍ
ابنِ المَدِيني عنه(١). ولأحمدَ، وعليٍّ بن المَدِينَي، والبخاريّ، ومسلم، وابن
أبي حاتم، والترمذي - وشَرَحَها ابنُ رَجَب(٢) - وعِلَلِ الخَلَّال، وأبي بكر الأثرم
- مع ضَمِّه لذلك («معرفةَ الرجال)» -، وأبي بِشْرِ إسماعيلَ بنِ عبد الله(٣)،
والدَّار قطني، وأبي علي النَّيسابوري، و((التَّمْيِيزِ)) لمسلم، (وخيرُها لأحمدا) ولابن
أبي حاتم وكتابُه في مجلَّدٍ ضَخْم مرتبٌ على الأبواب، وقد شرعَ الحافظُ ابنُ
عبد الهادّي في شَرْحه، فاخترمَتْه المنيةُ بعد أن كتبَ منه مجلداً على يسيرٍ منه.
(و) لأبي الحسن (الدارقطني) - بالإسكان - وهو على المسانيدِ مع أنَّه
أجمعُها. وليس مِنْ جَمْعه، بل الجامعُ له تلميذُه الحافظُ أبو بكر البَرْقَانِي،
لأنه كان يسألُه عن عِلَل الأحاديث فيجيبُه عنها بما يُقَيِّده عنه بالكتابة، فلما
مات الدارقطنيُّ وَجَدَ البَرْقَانيُّ قِمَظْرَهُ(٤) امتلأَ من صُكوكِ تلك
الأجوبةِ، فاستَخْرَجها، وَجَمَعَها في تأليفٍ نَسَبَهُ لِشَيْخِهِ (٥). ذكر ذلك الحافظ
(١) يبدو أنَّ هذا الكتابَ مفقودٌ، إذْ لا ذِكْر له في ((تاريخ التراث العربي)) لفؤاد سزكين حين
تحدَّث عن آثار ابن عُيَينة في (ص١٧٨) من قسم ((علوم القرآن والحديث)).
(٢) للترمذي كتابان في ((العلل)). والذي شرحَه ابنُ رَجَب هو الصغير.
(٣) في حاشية (س): (وهو سَمُّويه). وانظر ترجمته في: ((تذكرة الحفاظ)) (٥٦٦/٢).
ويبدو أن كتابَه في «العلل)) مفقودٌ، فلا ذِكْر له في ((تاريخ التراث العربي)) الآنف
(ص٢٨٢).
(٤) في حاشية (س): (هو ما يُصَان فيه الكُتُب).
(٥) لكنْ هذا فيه نَظَرٌ، فقد قال الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٧/١٢) في ترجمة الدار قطني:
(«سألت البَرْقانيَّ: قلتُ له: هل كان أبو الحسن الدارقطني يُمْلي عليك ((العِلَلَ)) من
حِفْظه؟ فقال: نَعَم، ثم شِّرَح لي قصةَ جَمْع العِلَل فقال: كان أبو منصور ابنُ الكَرْخي
يريد أنْ يصنّف مُسنداً مُعَلَّلاً، فكان يدفعُ أصَّولَه إلى الدار قطني فيُعَلِّمُ له على الأحاديث
المُعَلَّلة، ثم يدفعُها أبو منصور إلى الورَّاقينَ فينقلون كلَّ حديث في رُقعة ... ثم مات
أبو منصور والعِلَلُ في الرِقاعِ، فقلتُ (القائلُ البَرْقاني) لأبي الحسنِ بعدَ سنين من موته
(أي موت منصور): إني قد عَزمتُ أنْ أَنقُلَ الرِّقاعَ إلى الأجزاء وأُرَتِّبها على المُسند،
فَأَذِن لي في ذلك وقرأتُها عليه من كتابي ونقلها الناس من نُسْختي)).
قلت: فهذا صريحٌ في أن ((كتابَ العِلَل)) قد تمَّ تأليفُه في حياة الدارقطني، وأنَّ البَرقانيَّ
قرأه عليه.

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٢٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
أبو الوليد ابنُ خِيَرَة (١) في ترجمة أستاذه القاضي أبي بكر ابنِ العَرَبي من
(بَرْنَامَج (٢) شيوخه))(٣). قال: ((وَمِثلُ هذا يُذْكَرُ في ((البارع في اللغة))، لأبي
علي البَغْدادي (٤)، فإنَّه جَمَعَه بخطه في صُكوك، فلما تُوفي أخرجه أصحابُه
ونَسَبُوه إليه.
على أنَّ الحافظَ أبا الفضل ابنَ طاهر قال في ((فوائد الرِّحلة)) له: ((سمعتُ
الإمامَ أبا الفتح نصرَ بنَ إبراهيمَ المَقْدسي(٥) يقول: إنَّ كتاب ((العِلَل)) الذي
خرّجه الدار قطنيُّ إنما استَخرجه من كتابٍ يعقوبَ بن شَيبة - يعني الآتي ذكرُه ـ
واستدلَّ له بعدمٍ وجودِ ((مسندِ ابنِ عباس)) فيهما)).
لكن قد تعقّب شيخُنا رَّقُ هذا بقوله(٦): ((هذا الاستدلالُ لا يُثبِتُ
(١) أوله معجمة ثم مثناة تحتية، ثم رَاء مهملة، على وزن عِنَبَة كما في ((التبصير)) (١/
٢٣٧)، و(تاج العروس)) (١٩٥/٣)، واسمه: محمد بن عبد الله بنِ خِيَرَة القُرطبي.
مات سنة ٥٥١ كما في ((معجم المؤلفين)) (١٠/ ٢١٢).
(٢) في حاشية (س): (هو ما يُجْمع فيه شيوخُ الراوي وأسانيدُه)اهـ. وقد جاء هذا المعنى
في ((المعجم الوسيط)) (٥٢/١). وضبطه في ((تاج العروس)) (٨/٢) بفتح الموحدة
والميم، وقيل: بكسر الميم، وقيل: بكسرهما.
(٣) أجاب الدكتور محفوظ الرحمن السَلَفي عما ذكره أبو الوليد ابنُ خِيَرَة بقوله:
(لعل أبا الوليدِ اغترَّ بما في كلام البَرْقاني: ((ثم مات أبو منصور، والعِلَلُ في الرِّقاع))
فاشتَبَه عليه موتُ أبي منصور بموت أبي الحسن الدارقطني).
وذكر أيضاً أنَّ كتابَ («العِلَل)) للدار قطني رُوِيَ عنه بأسانيدَ أخرى ليس فيها ذكرُ البرقاني
كما في ((فهرست ابنِ خَيْرِ الإشِيلي)» (٢٠٣).
وأيضاً فالسخاوي لما ذكر إسناده إلى الدارقطني - وسيأتي قريباً (ص٣٢٥) - ذكر أبا
القاسم عُبيدَ الله بن أحمد الصيرفي مع البَرْقاني. ((العلل الواردة في الأحاديث)) (١/
٦٨).
(٤) هو المشهور بأبي علي القالي إسماعيل بن القاسم الإمام اللغوي النحوي الأديب
صاحب ((الأمالي)) وغيره (٢٨٨ - ٣٥٦هـ)، ((الأنساب)) (٣٣/١٠)، و ((السير)) (١٦/
٤٥)، وفيه ذَكَرَ الذهبيُّ أنَّ كتابَ (البارع) في بضعةَ عَشَرَ مجدداً وأنه ما تمَّمَه. وقد
طبع الموجود منه في مجلد، بتحقيق هاشم الطعان.
(٥) فقيه شافعي يعرف بابن أبي حافظ، مات سنة ٤٩٠. ((طبقات الشافعية)) (٢٧/٤)
للسبكي، و((السير)) (١٣٦/١٩).
(٦) لعله في كتابه: ((العِلَل)) الآتي قريباً.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٢٥
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
المُدَّعى. ومن تأمَّل ((العِلَل)) عرف أنَّ الذي قاله الشيخُ نَصْرُ ليس على عُمومه،
بل يحتمل أن لا يكون نَظَرَ في ((عِلَلٍ)) يعقوبَ أَضْلاً)(١). قال: ((والدليلُ على
ما قلتُه أنه يَذكر كثيراً من الاختلاف إلى شيوخه، أو شيوخ شيوخه الذين لم
يُذْرِكهم يعقوب، ويسوقُ كثيراً بأسانيده)).
قلت: وليس بلازم أيضاً.
وقد أفردَ شيخُنا من هذا الكتاب(٢) ما له لَقَبِّ خاص كـ ((المَقْلُوب)(٣)،
و(المُدْرَج)) (٤)، و((الموقوفُ))(٥) فَجَعَل كُلَّ منها في تصنيف مُفْرد، وجعل
((العِلَلَ)) المجردةَ في تصنيفٍ مستقل (٦).
وأمّا أنا فشَرَعتُ في تلخيص جميعِ الكتاب مع زياداتٍ، وعَزْوٍ، فانتهى
منه نَحْوُ الربع يَسَّرَ اللهُ إكمالَه. هذا كلَّهَ معَ عَدمِ وُقُوعه هو وغيرُه من كُتُبٍ
((العِلَل)) لي بالسماع، بل ولا لشيخي مِنْ قَبْلي، بلَ أروِي كتابَ الدارقطني بسندٍ
عالٍ عن أبي عبدِ الله محمد بن أحمدَ الخَلِيلي عن الصَّدْرِ المَيْدُومِي عن أبي
عيسى بن عَلَّاق عن فاطمة ابنةِ سعد الخَير الأنصاري قالت: أَنَا بِهِ أبي - وأنا
في الخامسة -: أَنَا بِهِ أبو غالبٍ محمدُ بنُ الحَسن بن أحمد البَاقِلَّاني عن
البَرْقاني وأبي القاسم عُبَيدِ الله بنِ أحمدَ بنِ عثمانَ الصَّيْرَفِي بسماعهما من
الدارقطني.
(و) كذا اعتَنِ بما اقتضَتْه حاجةٌ من كُتب (التواريخ) للمحدثين المشتملةِ
(١) هذا بعيدٌ فقد قال الدارقطني عن ((علل يعقوب)): ((لو أن كتابَ يعقوب بن شيبة كان
مسطوراً على حَمَّام لوجب أن يُكْتَبَ)) ((تاريخ بغداد)) (٢٨١/١٤)، وأوردها السخاوي
(ص٣٣٧) مع بيان المراد منها مما هو صريح في اطلاعه عليها. وإن أراد الشيخَ نصراً
فيبعده علمُه بعدم وجود ((مسند ابن عباس)) فيها. والله أعلم.
(٢) أي كتاب الدارقطني.
(٣) واسمه ((نزهةُ القلوب في معرفة المُبدَل والمقلوب))، ويُسمَّى: ((جلاء القلوب في معرفة
المقلوب)).
(٤) واسمه: ((تقريب المَنْهج بترتيب المُذْرج)).
(٥) لعله (فريدُ النفع بمعرفة ما رَجَحَ فيه الوقفُ على الرَفْع).
(٦) لابن حجر كتابان في ذلك أحدهما ((الزهر المطلول في الخبر المعلول))، والثاني:
((شفاء الغُلَل في بيان العِلَل)). انظر لذلك: ((تغليق التعليق)) مقدمة المحقق (١٨٥/١).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٢٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
على الكَلام في أحوال الرُّوَاة كابن مَعين روايةٍ كلٍّ من الحُسَين بن حِبَّان،
وعباس الدُّوري، والمفضَّلِ بن غسَّان الغَلَّابي عنه، وتاريخ خليفة (١)، وأبي
حسَّان الزِّادِي(٢)، ويعقوبَ الفَسَوِي، وأبي بكر ابنِ أبي خَيْثَمَة، وأبي زُرعة
٧٢٩ الدمشقي، وحنبلٍ بن إسحاقَ، والسَرَّاج (٣)، التي (غدا مِنْ خَيرِها) ((التاريخُ
الكبير)) بالنسبة إلى ((أوسط))، و((صَغيرٍ)) (لِلْجُعْفِي) - بضم الجيم نسبةً لجد أبيه
المغيرة لكونه كان مولَّى لـ ((يَمَانَ الجُعفي))، وَالِي ((بُخَارى)) - هو إمام الصَّنْعَة
البخاريّ، فإنَّه - كما قال الخطيب(٤) : - يُرْبِي (٥) على هذه الكتب كلِّها.
وقد قال أبو العباس ابنُ سعيد بنِ عُقْدَة: لو أن رجلاً كتَبَ ثلاثينَ ألفَ
حديث لما استغنَى عن ((تاريخ البخاري))(٦).
وكـ ((تاريخ مصرَ)) لابن يونس، و(الذيلِ)) عليه(٧)، و((بغداد))
للخطيب، والذيوَل عليه (٨)، و((دمشقَ)) لابنِ عساكر، و((نيسابورَ)) للحاكم،
(١) في النُّسَخ: (وكأبي خليفة) بدلاً من (وتاريخ خليفة). والتصحيح من ((الجامع)) (٢/
١٨٦) و((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٤٠/٢). والمقصودُ: تاريخُ خليفةَ بنِ خَيَّاط
العُصْفُرِي. علماً بأن هناك إماماً أخبارياً يُكْنى أبا خليفة واسمُه الفَضلِ بنُ الحُبَاب
الجُمَحي له ترجمة في «تذكرة الحفاظ)) (٢/ ٦٧٠)، و((السير)) (٧/١٤) وفيه وَصَفَه
الذهبيُّ بـ(الإمام العلامة المحدث الأديب الأخباري)، وقال ابنُ النديم في ((الفهرست))
(١٦٥): ((من رواة الأخبار، والأشعار، والأنساب ... له من الكتب: كتاب ((طبقات
الشعراء الجاهليين))، ((كتاب الفرسان))اهـ. وقد وُلِد أبو خليفة هذا سنة ٢٠٦ ومات
سنة ٣٠٥، ويبعد أن يكون هذا هو مرادَ السخاوي، لأنَّه ينقلُ عن الخطيبِ وليس فيه
إلا (وتاريخ خليفة). ولأنه لم يُذْكَرْ لأبي خليفة الجُمَحي كتابٌ في ((التاريخ)). والله
أعلم.
(٢) هو القاضي: الحسن بن عثمان بن حمَّاد الزِيَادي مات سنة ٢٤٢. ((تاريخ بغداد)» (٧]
٣٥٦).
(٣) محمد بن إسحاق السراج النيسابوري، أبو العباس، الإمام الحافظ مات سنة ٣١٣.
وقد روى عنه البخاري ((تاريخ بغداد)) (٢٤٨/١).
(٤) في (الجامع)) (١٨٧/٢).
(٦) ((الجامع)) (١٨٧/٢).
(٥) في حاشية (س): أي يزيد.
(٧) لأبي القاسم بن الطحان المتقدم (ص٣٢٢).
(٨) ومن أشهرها ذيلُ أبي سعد بن السمعاني، وذيل أبي عبد الله محمد بن سعيد الدّبَيْئي،
وذيل ابنِ النجار، وذيلُ ابن الساعي. ((التوبيخ)) (١٢٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٢٧
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
و((الذيلِ عليه))(١)، و((أصبهانَ)) لأبي نُعَيم. وهي من مُهِماتِ التواريخِ لما يَقعُ
فيها من الأحاديثِ والنَّوَادر.
(و) من خيرِها أيضاً (الجرح والتعديل للرازي) هو أبو محمد (٢)
عبدُ الرحمن بن أبي حاتم الذي اقتَفَى فيه أَثَرَ البخاري، كما حكاه الحاكمُ أبو
عبد الله في ترجمة شيخه الحاكم أبي أحمدَ من ((تاريخ نَيْسابورَ)): أنَّ أبا أحمدَ
قال: كنتُ بـ((الرّي)) وهم يقرؤونَ على ابنِ أبي حاتم - يعني كتابَه هذا - فقلت
لابن عَبْدُويه الورَّاق(٣): هذه ضُحْكَة، أراكم تقرؤون على شيخكم كتابَ
((التاريخ) للبخاري على الوَجْه، وقد نسبتُموه إلى أبي زرعةَ وأبي حاتم!»،
فقال: يا أبا أحمد اعْلَم أن أبا زرعةَ وأبا حاتم لمّا حُمِل إليهما «تاريخُ
البُخَارِيّ)) قالا: هذا علمٌ لا يُستغنَى عنه، ولا يحسُّن بنا أن نَذكرَه عن غَيرِنا،
فَأَقْعَدَا عبدَ الرحمن - يعني ابنَ أبي حاتم - فصار يسألُهما عن رجلٍ بعدَ رجل
وَهُمَا يُجِيبَانِهِ، وزَادَا فيه، ونَقَصًا))، انتهى (٤). والبلاءُ قديم.
(و) كذا اعتَنِ بما تَقْتضيه الحاجةُ من (كتب ((المُؤتَلِف) والمختلف)) النوعِ
(المشهورِ) بين المحدثين، الآتي في محلّه، مع بيانِ التصانيف التي فيه، وهي كثيرة
(والأكملُ) منها بالنسبة لمن تقدَّمه ((الإكمالُ)) للأمير) - الملقَّبِ بذلك وبالوزيرِ -
سعدِ المُلْك، لكون أبيه كان وَزَرَ للخليفةِ ((القائم)»(٥) وَوَلِي عَمُّه قضاءَ القُضاة (٦)،
وتوجَّه رسولاً عن ((المقتدي بأمر الله)) إلى ((سَمَرْقَنْدَ))، و((بُخَارى)) لأخذ البيعةِ له
على ملكها(٧). واسمه: عليُّ بنُ هِبَةِ الله بنِ عليّ، أبو نَصْر، ابنُ مَاكُولَا(٨).
٧٣٠
(١) لعبد الغافر بن إسماعيلَ الفارسي مات سنة ٥٢٩. ((وفيات الأعيان)) (٢٢٥/٣)،
و ((تذكرة الحفاظ)) (١٢٧٥/٤).
(٢) في النُّسَخ: (أبو الفرج). والتصويبُ من مصادر ترجمته. انظر: ((السير)) (٢٦٣/١٣)،
والمصادر التي ذكر مُحَقِّقُه أنها ترجمتْ له.
(٣) هو الإمام الحافظ أبو حازم عمر بن أحمد الهذلي المسعودي. مات سنة ٤١٧. ((السير))
(٣٣٣/١٧).
(٤) ((السير)) (٣٧٣/١٦) في ترجمة الحاكم أبي أحمد.
(٥) ((تذكرة الحفاظ)) (١٢٠٣/٤).
(٦) واسمه: الحسين بن علي. المصدر السابق. (٧) ((تذكرة الحفاظ)) (١٢٠٤/٤).
(٨) ترجمته في المصدر السابق، و((السير)) (٥٦٩/١٨).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٢٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
قال ابنُ الصلاح: ((على إْوَازٍ فيه))(١).
كلُّ ذلك مع الضَّبطِ والفَهْمِ، كما تقدم.
٧٣١
(واحفظه) أي الحديث (بالتدريج) قليلاً قليلاً مع الأيام والليالي، فذلك
أحرى بأن تُمتَّعَ بمحفوظك، وأَدْعَى لعدم نِسْيَانِهِ.
ولا تَشْرَه في كثرةٍ كمية المحفوظ مع قلّة مَرّات الدرس، وقلة الزمان
الذي هو ظَرفُ المحفوظ .
وكذا لا تأخذْ نفسَك بما لا طاقةً لك به، بل اقتصِر على اليسير الذي
تَضْبطه، وتُحْكِم حِفظَه وإتقانَه، لقوله وَّ: ((خذوا من العمل (٢) ما تُطِيقُون))(٣).
ولذا قال الثوري: «كنت آتي الأعمشَ، ومنصوراً فأسمعُ أربعةَ أحاديثَ،
خمسةً، ثم أَنْصرِف، كراهيةَ أنْ تَكثُرَ، وَتَفَلَّت)) (٤)، رُوِّيناه في ((الجامع))
للخطيب. وعنده عن شعبةَ، وابنِ عُلَية، ومَعْمَرٍ نحوُه(٥) .
وعن الزهري قال: ((من طلب العلمَ جُملةً فَاتَه جملةً، وإنما يُدْرَكُ العلمُ
حديثٌ وحديثان))(٢). وعنه أيضاً قال: ((إنّ هذا العلمَ إنْ أخذتَه بالمُكَاثرة له
غَلَبك، ولكن خُذْه مع الأيام والليالي أخذاً رفيقاً تَظْفَرْ به))(٦).
(ثم) بعد حفظك له (ذَاكِرْ به) الطلبةَ ونحوَهم، فإنْ لم تَجِدْ من تُذاکِرُه،
فذاكرْ مع نفسك، وكرّره على قلبك، فالمذاكرةُ تعينك على ثبوت المحفوظِ،
وهي من أقوى أسباب الانتفاع به.
والأصل فيها: معارضةُ جبريلَ مع النبيِ وَّهِ القرآنَ في كلِّ رمضان(٧).
ويُروَى عن أنس قال: ((كنا نكون عند النبي وَّ فنسمعُ منه الحديثَ، فإذا
(١) ((علوم الحديث)) (٣١٠).
(٢) في (س): الأعمال.
(٣) أخرجه البخاري في الإيمان: باب أَحبُّ الدين إلى الله أَدْوَمُهُ (١٠١/١)، ومسلم في
صلاة المسافرين: باب أَمْرٍ من نَعَس في صلاته ... (٥٤٢/١) من حديث عائشةَ،
واللفظ لمسلم.
(٤) ((الجامع)) (٢٣٢/١).
(٦) ((الجامع)) (٢٣٢/١).
(٥) ((الجامع)) (٢٣١/١، ٢٣٢).
(٧) أخرجها البخاري في بدء الوحي: باب حدثنا عَبْدَانُ (١/ ٣٠)، ومسلم في فضائل
الصحابة: باب فضائل فاطمة (١٩٠٤/٤، ١٩٠٥) من حديث عائشة

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٢٩
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
قُمْنا تذاكَرْناه فيما بيننا حتى نحفظَه))(١).
وفي حديثٍ مرفوع: ((إنَّ المؤمنَ نَسَّاءٌ، إذا ذُكِّر ذَكَر))(٢) .
وقال عليٍّ: ((تذاكروا هذا الحديثَ، إنْ لا تَفْعَلُوا يَدْرُسْ))(٣).
وقال ابنُ مسعود: ((تَذَاكروا الحديثَ، فإن حياتَه مُذَاكرتُه))(٤).
ونحوُه: عن أبي سعيد الخدري، وابنِ عباس(٥) .
وقال الخليلُ بنُ أحمدَ: ((ذاكِرْ بعلمك تَذْكُرْ ما عندَك، وتستفيد(٦) ما ليس
عندك))(٧).
وقال عبدُ الله بن المُعْتز: ((مَنْ أكثر مذاكرةَ العلماء لم ينسَ ما عَلِم،
واستفادَ ما لم يعلم)(٨).
وقال إبراهيمُ النَّخَعِي: ((مَنْ سَرَّه أنْ يحفظَ الحديثَ فَلْيُحَدثْ به، ولو أنْ
يُحَدَثَ به مَنْ لا يَشْتَهيه))(٩) .
وقد كان إسماعيلُ بنُ رَجَاء يجمعُ صبيانَ الكُتَّاب، ويحدثُهم كي لا ينسى
حديثه .
ونحوُه: ما اعتذر به ابنُ المجدي(١٠) عن القَايَاتِي(١١) في إقرائِه
(١) ((الجامع)) (٢٣٦/١)، وفي سنده يزيد الرَقاشي وهو ضعيفٌ كما قاله الهيثميُّ في
((المجمع)) (١٦١/١)، وابنُ حجر في ((التقريب)) (٣٦١/٢).
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير)) (٣٤٢/١٠) و(٥٦/١٢) وفيهما زيادةٌ في أوله. قال
الهيثميُّ في ((المجمع)) (٢٠١/١٠): (وأحدُ أسانيدِ ((الكبير)) رجاله ثقات). قلت:
وإسنادُ الأولِ فيه عُتبةُ بنُ يَقْظانَ، ضعيفٌ، وفيه داود بنُ علي، مقبول. والله أعلم.
(٣) الدارمي (١٥٠/١)، و((الجامع)) (٢٣٦/١ - ٢٣٧) بنحوه.
(٤) الدارمي (١/ ١٥٠).
(٥) الدارمي (١٤٦/١، ١٤٧)، و ((الجامع)) (٢٤٧/١).
(٦) كذا في النسخ، على القطع، والجادة: و(تستفد) بالجزم.
(٧) ((الجامع)) (٢٧٤/٢).
(٩) ((الجامع)) (٢٦٨/٢).
(٨) ((الجامع)) (٢٧٦/٢).
(١٠) شهاب الدين أحمد بن رجب بن طيبغا القاهري الشافعي (٧٦٧ - ٨٥٠هـ). («الضوء
اللامع)) (٣٠٠/١). وفي (س): ابن المجد.
(١١) محمد بن محمد بن محمد بن أسعد المصري الشافعي (٧٢٧ - ٨٠٨هـ). ((الضوء
اللامع)» (٢٠١/٩).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٣٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
مُشْكِلَ الكتبِ للمبتدئين: أن ذلك لِئَلَّا ينفكَّ إدمانُه في تقريرها .
وقيل: ((حُبُّ التذاكُرِ أَنفَعُ مِنْ حَبِّ الْبَلَاذُر))(١) .
وقيل أيضاً: ((حِفظُ سطرين خيرٌ من كتابة وِقْرَين، وخيرٌ منهما مُذَاكرةٌ
اثنين))، ولبعضِهم(٢) :
صَلَحتْ دُنياهُ وآخِرَتُهْ
مَن حازَ العلمَ وذَاكَرَهُ
فحياةُ العلم مُذَاكَرْتُهْ
فَأَدِمْ للعِلمِ مُذَاكرةً
(و) لا تتساهلنَ في المذاكرة بل (الاتْقَانَ) - بالنصب مفعول مقدم - فيها،
وفي شأنك كلِّه (اصْحَبَنْ) بنون التأكيد الخفيفةِ. ((فالحفظُ - كما قال ابنُ
مهديٌّ -: الإتقانُ))(٣) .
(وبَادِرْ إذا تأهَّلْتَ) واستعدَدْت (إلى التأليف) الذي هو أعمُّ من التخريجِ،
والتصنيفِ، والانتقاءِ.
٧٣٢
إذِ التأليفُ: مُطْلَقُ الجمع. والتخريجُ: إخراجُ المحدِّث الحديثَ من
بطون ((الأجزاء))، و((المشيخات))، و((الكتب))، ونحوها. وسياقُها من مرويات
نفسِه، أو بعض شيوخه، أو أقرانه، أو نحو ذلك. والكلامُ عليها، وعزوُها
لمن رواها من أصحاب الكتبِ والدَّوَاوِين مع بيان البَدَلِ والمُوَافَقَةِ، ونحوِهما
مما سيأتي تعريفُه .
وقد يُتَوسَّعُ في إطلاقه على مُجَرَّد الإخراجِ والعَزْو.
والتصنيفُ: جَعْلُ كلِّ صنفٍ على حِدَة. والانتقاءُ: الْتِقَاطُ ما يحتاج إليه
من الكتب والمسانيد، ونحوِها مع استعمال كلٍّ منها - عُرْفاً - مكانَ الآخر.
فباشتغالك بالتأليف (تَمْهَرْ) - بالجزم، مع ما بعده، جواباً للشرط
المنوي في الأمر - في الصناعة، وتَقِفْ على غوامِضِها، ويستبينُ لك الخفيُّ
(١) جاء في حاشية المطبوع من ((فتح المغيث)) (٣٣٨/٢) أن البلاذر تنفع بذوره في
أغراض شتى. قلت: وذكر الخطيب في ((الجامع)) (٢٧٩/٢) أنه خطر وسُمّ.
(٢) جاء في حاشية (م) ما نصه: (نَسب بعضُهم هذين البيتين إلى الشيخ جمال الدين
المزي. وهو محتمل).
(٣) ((المحدث الفاصل)) (٢٠٦)، و(«الحلية)) (٤/٩). وقد تقدَّم قولُ ابن مهدي هذا.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٣١
آدابُ طالب الحَدِيثِ
من فوائدها (وتُذْكَرْ) بذلك بين العلماء والمُحصِّلين إلى آخر الدهر، ويُرجَى
لك بالنية الصادقة الرُّقيُّ إلى أَوْجِ المنافع العظيمةِ، والدرجات العَلِيَّة
الجسيمة .
وقد قال الخطيبُ كما رُوِّيناه في ((جامعه)): ((قَلَّ ما يَتَمَهَّرُ في علم
الحديث، ويقفُ على غوامضِه، ويستبينُ الخفيَّ من فوائده إلَّا مَنْ جَمَعَ متفرقَه،
وألَّف مُتَشَتِّتَه(١)، وضمَّ بعضه إلى بعض، واشتغل بتصنيفِ أبوابه، وترتيب
أصنافه، فإن ذلك الفعلَ مما يُقَوّي النفسَ، ويُثَبتُ الحِفظَ، ويُذْكي القلبَ،
ويشحذُ الطبعَ، ويبسطُ اللسانَ، ويجيدُ البيانَ، ويكشفُ المشتبهَ، ويوضحُ
الملتبسَ، ويُكسِبُ - أيضاً - جَميلَ الذكر، وتخليدَه إلى آخر الدهر، كما قال
الشاعر:
يَمُوتُ قومٌ فَيُحْيِي العلمُ ذِكرَهُمُ والجهلُ يُلْحِقُ أحياءً بأَمْواتٍ)). انتهى(٢
ونحوُه قولُ الحسن بن علي البصري :
فكنْ له طالباً ما عِشْتَ مُكْتسبا
العلمُ أفضلُ شئ أنتَ كاسِبُهُ
والعالِمُ المَيْتُ حَيٍّ كُلَّمَا نُسِبًا
والجاهلُ الحيُّ مَيْتٌ حين تَنْسُبُه
وما أحسنَ قولَ التاج السُّبْكِي: «العالِمُ وإن امتَدَّ باعُه، واشْتَدَّ في ميادين
الجدالِ دِفاعُه، واسْتَدّ(٣) ساعِدُه حتى خَرَقَ به كُلَّ سَدِّ سُدَّ بابُه، وأُحْكِم امتناعُه
فنفعُه قاصرٌ على مدة حياته ما لم يُصَنِّفْ كتاباً يُخَلَّدُ بعده، أو يُورِثْ عِلْماً ينقلُه
عنه تلميذُه إذا وجد الناسُ فَقْدَه، أو تهتدي به فئةٌ مات عنها وقد ألبَسها به
الرشادُ بُرْدَهُ، ولَعَمْري إنَّ التصنيفَ لأرفعُها مكاناً، لأنّه أطولُها زماناً، وأَدْوَمُها
إذا مات أحياناً. ولذلك لا يَحْلُو لنا وَقْتُ يمرُّ بنا خالياً عن التصنيف، ولا
يخلو لنا زَمَنٌ إلا وقد تقلَّد عِقْدُه جواهرَ التأليف، ولا يجلو علينا الدهرُ ساعةً
فراغ إلا ونُعمِلُ فيها القلمَ بالتَّرْتيب والتَّرْصيف)).
(١) في (س): مشتته.
(٢) من ((الجامع)) (٢٨٠/٢).
(٣) بالمهملة ثم مثناة فوقية، أي استقام. ومنه قول الشاعر:
أُعَلِّمُهُ الرِّمَايةَ كلَّ يوم فلمَّا اسْتَدَّ ساعِدُه رماني
((القاموس))، و((مختار الصحاح)): (سدد).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٣٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
قال الخطيب: ((وينبغي أنْ يُفْرِغَ المصنفُ للتصنيف قلبَه، ويجمعَ له همَّه،
ويصرفَ إليه شُغلَه، ويقطعَ به وقتَه. وقد كان بعضُ شيوخنا يقول: من أراد
الفائدةَ فليكسِرْ قَلَمَ النَّسخ، وليأخذْ قَلَمَ التخريج.
وحدثني محمدُ بنُ عليّ بنِ عبد الله الصُّورِي قال: رأيت أبا محمد
عبدَ الغني بنَ سعيد الحافظَ في المنام في سنة إحدى عشرة وأربعمائة، فقال
لي: يا أبا عبد الله خَرِّجْ وصنِّفْ قبل أن يُحالَ بينك وبينَه، هذا أنا تراني قد
حيل بيني وبين ذلك. ثم انتبهتُ))(١).
وساقَ قبل يَسيرِ عن عبد الله بن المعتز أنَّه قال: ((عِلمُ الإنسان: وَلَدُهُ
المُخَلَّد))(٢).
وعن أبي الفتح البُسْتي الشاعر أنَّه أَنْشَدَ مِنْ نَظْمِهِ:
وَلَيْسَ له ذِكرٌ إذا لم یکن نَسْلُ
يَقُولُونَ: ذِكرُ المَرْءِ يَبْقَى بِنَسْلِهِ
فَمَنْ سَرَّهُ نَسْلٌ فإِنَّا بذا نَسْلُوا(٣)
فقلتُ لهم: نَسْلِي بَدَائِعُ چِكْمَتِي
ويؤيده قولُهُ وَّه: ((إذا مات الإنسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا من ثلاث: صَدقَةٍ
جاريةٍ، أو عِلم يُنتَفَعُ به، أو وَلَدِ صالح يدعو له))(٤).
(وهو) أي التأليفُ الأعمُّ (في التصنيف) في الحديث: (طريقتان) مألوفتان
بين العلماء:
٧٣٣
الأُولى: (جَمعُه) أي التصنيفِ بالسَّنَدِ (أبواباً) أي على الأبواب الفقهية
وغيرِها، وتنويعُه أنواعاً، وجَمعُ ما وَرَدَ في كل حُكم وكل نوع - إثباتاً ونفياً -
في بابٍ فَبَابٍ، بحيثُ بتميّزُ ما يدخلُ في ((الجهاد)) مثلاً عما يتعلق بـ((الصيام)).
وأهلُ هذه الطريقة مِنهم مَن يتقيدُ بالصحيح كالشيخين وغيرِهما. ومنهم من لم
يتقيدْ بذلك كباقي الكُتُب الستة وغيرِها مما ذُكِر قريباً، وما لا ينحصِرُ،
كالاقتصار على الأحاديثِ المُتضمّنة للترغيب والترهيب. وربما لم يُذكرِ الإسنادُ
(١) ((الجامع)) (٢٨٢/٢).
(٢) ((الجامع)) (٢٨٠/٢).
(٣) ((الجامع)) (٢٨١/٢)، وهي في ((ديوان أبي الفتح البستي)).
(٤) أخرجه مسلمٌ في ((الوصية)): باب ما يَلحقُ الإنسان من الثواب بعد وَفَاتِه (١٢٥٥/٣)
من حديث أبي هريرةً بلفظٍ مقارب جدّاً.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٣٣
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
واقتُصِر على المتن فقط، كـ ((المصابيح))(١) للبَغَوِي، ثم ((المِشْكَاة))(٢) - وزاد
على الأولِ عَزْوَ المُتونِ - وهما نافعان في هذه الأزمانِ المُقَصِّرِ أهلُها .
ثم من المُبَوِّبِين مَنْ يقتَصِر على بابٍ واحد، أو مسألةٍ واحدة كما سيأتي
قريباً. ومنهم مَن يحكمُ على الحديث صريحاً كالترمذي، أو إجمالاً
کأبي داود(٣) .
(أو) جمعُه (مُسْتَداً)(٤) أي على المسانيد (تُفْرِدُهُ صِحَاباً) أي للصحابة
واحداً فواحداً، وإن اختلفت أنواعُ أحاديثه، وذلك كـ ((مسند الإمام أحمد))،
وغيرِهِ مما ذُكِر قريباً. وكذا مما لم يُذْكرْ كـ ((مسند عُبَيدِ الله بن موسى العَبْسِي))
و((إسحاقَ بنِ راهُويه))، و((أبي بكر ابنٍ أبي شيبة)) و((أحمدَ بنِ مَنِيع))، و((أبي
خَيْئَمة))، و((أحمدَ بنِ سِنَان))، و((الحسنِ بن سفيانَ))، و((أبي بكر البزّار))، وما
يُوجد من ((مُسند يعقوبَ بن شيبة)) - والموجودُ منه كما سيأتي: القَلِيلُ -،
و((مسندِ إسماعيلَ القاضي))(٥)، و((محمدِ بنِ أيوبَ الرّازي)) - وليس هو بموجودٍ
الآن -، و«نُعَيم بنِ حمّاد)» - وقال الدارقطني: ((إنّه أولُ من صنَّف مُسنداً
وتَتَبَّعه) (٦) -، وَأَسَدِ بنِ موسى))(٧) - وهو وإنْ كان أكبرَ من نُعَيم ◌ِنَّاً، وأقدمَ
سماعاً، فَيُحتملُ كما قال الخطيب: ((أن يكونَ تصنيفُ نُعَيمِ لَّه في حَدَاثِه
وتصنيفُ أَسَدٍ بعدَه فِي كِبَرِهِ))، انتهى (٨).
ولولا أنَّ الجامعَ (٩) ل ((مُسنَدِ الطَّيَالِسِيّ)) غيرُهُ(١٠) - بحسب ما وقع له
(١) أي ((مصابيح السُنَّة)).
(٢) أي ((مشكاة المصابيح)) للخطيب التِبْرِيزي.
(٣) حيث قال في ((رسالته لأهل مكة)) (٢٧): (وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح).
(٤) وهذه هي الطريقة الثانية كما سيذكر المصنفُ قريباً.
(٥) إسماعيل بن إسحاق القاضي.
(٦) عزاه إليه الخطيب في ((الجامع)) (٢٩٠/٢).
(٧) المعروف بـ(أَسَدِ السُنّة).
(٩) أي الذي جَمَعَ.
(٨) من ((الجامع)) (٢٩٠/٢).
(١٠) وهو بعضُ حُفّاظ (خراسانَ) جَمَعَ فيه ما رواه يونُسُ بنُ حَبِیب عنه خاصةً. وله من
الأحاديث التي لم تَدْخُلْ هذا (المسندَ) قَدْرُهُ أو أكثرُ. ((الرسالة المستطرفة)) (٦١).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٣٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
بخصوصه من حديثه(١)، لا بالنظر لجميع ما رواه الطيالسي، فإنَّه مُكْرُ(٢) جداً -
لكان أولَ ((مُسنَدٍ))، فإنَّ الطيالسيَّ متقدمٌ على هؤلاء.
وهذه هي الطريقة الثانية.
والقصدُ منها - كما قال ابنُ الأثير : - ((تدوينُ الحديثِ مطلقاً ليُحفظَ
لفظُه، ويُستنبطَ منه الحُكم))(٣)، يعني في الجملة.
وأهلُها: منهم مَنْ يرتب أسماءَ الصحابة على حُروف المعجم بأنْ يجعلَ
أُبَّ بن كعب، وأُسامةَ في ((الهمزة)) كالطبرانيِّ في ((مُعْجمه الكبير))، ثم الضياءِ
في (مُخْتَارَتِه)) التي لم تَكمُل.
ومنهم مَن يرتب على القبائل، فيقدِّم بني هاشم، ثم الأقربَ فالأقربَ إلى
رسول الله وَّرُ فِي النَّسَب.
ومنهم مَن يرتب على السابقة في الإسلام، فيقدِّمُ ((العَشَرَةَ))، ثم ((أهلَ
بدر))، ثم ((أهلَ الحُدَيبية))، ثم من أَسلم وهاجر بين الحُدَيبية، والفتح، ثم من
أسلم يومَ الفتح، ثم الأصاغرَ الأسنانَ كالسائب بن يَزِيدَ، وأبي الطّفَيل، ثم
بالنساءِ ويبدأُ منهن بأمهات المؤمنين.
قال الخطيب: ((وهي أحبُّ إلينا))(٤). وكذا قال ابنُ الصلاح: ((إنها
أحسن))(٥)، يعني لتقديم الأَوْلَى فالأَوْلى.
واللتان قبلها(٦) أَسهلُ تناولاً منها(٧). وأسهلُهما أُوْلَاهُما.
ثم مِن أهلها(٨) مَن يجمعُ في ترجمةِ كل صحابي ما عنده من حديثه من
غيرِ نظرٍ لصحةٍ وغيرِها، وهم الأكثر.
(١) وهو روايةُ يونُسَ بنِ حَبِيب الآنفةُ الذكر.
(٢) قيل: إنه كان يحفظ أربعين ألف حديث. ((تذكرة الحفاظ)) (٣٥٢/١).
(٣) ((جامع الأصول)) (٤٣/١).
((الجامع)) (٢٩٢/٢)، وزاد: ((في تخريج المسند)).
(٤)
(٥)
((علوم الحديث)) (٢٢٩).
(٦) يعني طريقةَ الترتيب على حروف المعجم، وطريقةَ الترتيب على القبائل.
(٧) أي من طريقة الترتيب على السابقة في الإسلام.
(٨) أي طريقةِ الجمع على المسانيد.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ـير
٣٣٥
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
ومنهم مَن يقتصرُ على الصالح للحُجة كالضياء.
ومنهم مَن يقتصر على صحابيّ واحد كـ ((مسند أبي بكر)) مثلاً، أو ((مسندٍ
عُمَرَ)) ..
ومنهم من يقتصر على طَرفِ الحديث الدالِّ على بقيته، ويجمعُ أسانيدَه
إما مُسْتوعِباً، أو مُقيّداً بكتب مخصوصة شِبْهَ ما فعل أبو العباس أحمدُ بنُ ثابت
الطَّرْقِي - بفتح المهملة، وقاف(١) - في ((أَظْرَاف الخَمسة)(٢)، والمِزِّيُّ في
((أَظْراف الكتب السِنَّة)(٣)، وشيخُنا في ((أطراف الكُتُب العَشَرَة))(٤).
وطريقَةُ المِزّي: أنَّه إنْ كان الصحابيُّ من المُكْثرين رتَّب حديثَه على
الحروف أيضاً في الرواة عنه. وكذا يفعلُ في التابعي حيثُ يكونُ من المُكْثرين
عن ذلك الصحابي، وهكذا.
وقد طَرَّفَ(٥) ابنُ طاهرٍ أحاديثَ ((الأَفْرَادِ)) للدار قطني.
وسلَكَ ابنُ حِبّان طريقةً ثالثةً فرتَّب ((صحيحَه)) على خمسة أقسام هي:
الأوامر، والنواهي، والإخبار عما احتيج لمعرفته ــ كـ ((بدء الوحي))
و(الإسراء))، و((ما فُضِّل به على الأنبياء)) -، والإباحاتُ، وأفعالُه وَّهِ التي انفرد
بفعلها مما اختص به وشِبْههِ. ونَوَّعَ كلَّ قسم منها أنواعاً .
ولَعَمْري إنَّه وَعْرُ المَسْلَكِ، صَعْبُ المُرْتَقَى، بحيثُ سمعتُ شيخَنا يقول:
(١) نسبة إلى (طَرْق) وهي قرية كبيرة قُربَ (أصبهان). ((الأنساب)) (٢٣٥/٨)، ومات بعد
سنة ٥٢٠.
(٢) قال ابن حَجَر في ((لسان الميزان)) (١٤٣/١): (وله تصانيفُ، منها أَطرافُ الكتب
الخمسة)، وهي الصحيحان والسننُ لأبي داود، والترمذي والنسائي.
(٣) المعروفِ بـ(تُحْفَةِ الأشرافِ بمعرفة الأطراف)). وهي أطرافُ الكتب الخمسة الماضية مع
(سنن ابن ماجه)).
(٤) واسمه: ((إتحافُ المَهَرَة بأطراف العَشَرَة)). وهي ((موطأ مالك))، و((مسند الشافعي))،
و(مسند أحمد))، و((جامع الدارمي))، و((صحيح ابن خُزَيمةٍ))، و((مُنْتَقَى ابن الجارود))،
و((صحيحُ ابنِ حبان))، و((مستَخرِجُ أبي عَوَانَةً))، و((مستدرَكُ الحاكم))، و((شرح معاني
الآثار)) للطحاوي، و((سننُ الدارقطني))،. ولأنَّ ((صحيحَ ابنِ خُزَيمة)) لم يُوجَدْ منه إلّا
رُبُعُهُ فلم يُرَاعَ في العدد. («لحظ الألحاظ)) (٣٢٣).
(٥) يعني رتَّبَها حسب أطرافها .

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٣٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
((إنه (١) رام تَقْرِيبَه فبعَّده)(٢).
٧٣٤
(وجمعُهُ)(٣) أي الحديثِ في الطريقتين، أو الطُرُقِ(٤) (مُعَلَّلا) يعني على
العِلَل بأن يجمعَ في كل مَتْنٍ طُرُقَه واختلافَ الرواة فيه بحيث يتّضح إرسالُ ما
يكون متصلاً، أو وقفُ ما يكون مرفوعاً، أو غيرُ ذلك كما قُرِّرَ في بابه.
ففي الأبوابٍ: كما فعلَ أبو محمد بنُ أبي حاتم، [وكذا ابنُ عبد الهادي
فإنّه جَعَلَها (٥) على أبواب الفقه. وَقَفَ شيخُنا على المُجلد الأول منه خاصة](٦)
وهو أحسنُ لسهولة تناوُلِهِ.
وفي المسانيد: (كما فعل) الحافظُ الكبيرُ، الفقيهُ المالكيُّ، أبو يوسفَ
(يعقوبُ) ابنُ شَيبةَ بنِ الصَّلْتِ بنِ عُصفور السَّدُوسي البصري، نزيلُ ((بغدادَ))
وتلميذُ أحمدَ، وابنِ المَدِيني، وابنٍ معين المتوفى في سنة اثنتين وستين
ومائتين(٧) .
وأبو عليّ الحسينُ بن محمد المَاسَرْجِسي النَّيسابوري فَلَهُ مُسْندٌ مُعَلَّلٌ في
ألفٍ وثلاثمائة جُزْء، والدار قطنيُّ(٨) .
طريقة ثانية(٩) في الطريقتين(١٠)، وهي(١١) (أَعْلِى رُتبةً) منه فيهما (٩)، أو
فيها(١٢) بدونها (١٣)، فإنّ معرفةَ العِلَلِ أجلُّ أنواع الحديث حتى قال ابنُ مهدي ((لأَنْ
أعرفَ عِلََّ حديثٍ هو عندي أحبُّ إليَّ من أن أكَتَبَ عشرين حديثاً ليس عندي)) (١٤).
(١) أي مؤلّفَه ابن حبان.
(٢) قلت: رتَّبه ابن بَلْبَان على أبواب الفقه ومَرَّ به، وسماه: ((الإحسان في تقريب صحيح
ابن حبان)».
(٣) مبتدأ، وخبره: قولُه: (طريقةٌ ثانية) الآتي. (٤) الثلاث بإضافةٍ طريقةِ ابنِ حبان.
(٦) ما بين المعكوفين ساقط من (س).
(٥) أي ((العِلَلَ)).
(٧) في (س): (اثنتين ومائتين)، من الناسخ. ((تاريخ بغداد)) (٢٨١/١٤).
(٨) أي في علله: ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)).
(٩) خبر قوله الماضي: و(جمعه) أي أنَّ جَمْعَه مُعَلَّلاً طريقةٌ، والأخرى جمعُه بدون تعليلٍ للأحاديث.
(١٠) أي التصنيف على الأبواب والتصنيف على المسانيد.
(١٢) أي الثلاث بإضافة طريقة ابن حبان.
(١١) أي جمعُه مُعَلَّلاً.
(١٣) أي بدون كونه مُعَلّلاً.
(١٤) ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٠/١)، و((الجامع)) (٢٩٥/٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٣٧
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
(و) لكنَّ ((مسندَ يعقوبَ)) - حسبما زادَه الناظمُ - (ما كَمَل)(١) بل الذي
ظهر منه - كما قال الخطيبُ في ((تاريخه))(٢) : - ((مسندُ العَشَرَةِ(٣)، والعباسِ،
وابنِ مسعود، وعُتْبةَ بنِ غَزْوانَ، وبعضِ الموالي، وعَمّارٍ. واتصلَ الأولُ من
((عَمَّارٍ)) خاصةً للذهبي، وشيخِنا، ومؤلِّفْهَ(٤).
ورأيتُ بعضَ الأجزاءِ من ((مُسند ابنِ عُمَر)).
قال الذهبيُّ: ((وبلغني أنَّ ((مُسندَ عليّ)) في خمس مجلدات))(٥).
قال الأزهريّ: ((وقيلَ لي: إنَّ نسخةً لمُسند أبي هريرةَ منه شُوهدت
بـ((مصرَ)) فكانت مائتي جُزْءٍ)) (٦).
قال: ((وبلغني أنَّه كان في منزله أربعون لِحَافاً أعدَّها لمن كان يَبِيت عنده
من الوراقين الذين يُبَيِّضون ((المُسنَد))، ولَزِمه على ما خرج منه عشرةُ آلاف دينار
((يعني لمن يُبَيضه))(٧).
وقال غيرُه: ((إنّه لو تمَّ لكان في مائتي مجلّد))(٨).
ولِنَفَاسَتِه قال الدارقطني: «لو كان مَسْطوراً على حمّام لوجب أنْ
يُكْتَب))(٧). يعني لا يَحتاجُ إلى سَمَاع.
وبالجملة فقد قال الأزهري: («سمعتُ الشيوخَ يقولون: إنَّه لم يَتِمَّ مسندٌ
مُعَلَّل))(٧).
ولهم طريقةٌ أُخرى في جَمع الحديثِ، وهي جَمعُه على حروف
المعجم، فيُجعلُ حديثُ: ((إنما الأعمالُ بالنيات)) في ((الهمزة)) كأبي منصور
الدَّيلَمي في ((مُسند الفِرْدَوس))، وكذا عَمِلَ ابنُ طاهر في أحاديثِ (الكامل))
لابن عدي.
(١) يعني أنَّ الناظمَ العراقيَّ زاد على ((ابن الصلاح)) الإخبارَ بأنَّ مُسندَ يعقوبَ لم يَكْمُل.
(٢) في ترجمة يعقوبَ بنِ شيبة (٢٨١/١٤).
(٣) طبع منه قطعةً من ((مسند عمر بن الخطاب
(٤) يعني نفسَه، ويعني بـ(الأول): مسندَ يعقوب.
(٥) ((تذكرة الحفاظ)) (٢/ ٥٧٧).
(٧) («تاريخ بغداد)) (٢٨١/١٤).
(٦) («تاريخ بغداد)) (٢٨١/١٤).
(٨) ((الرسالة المستطرفة)) (٦٩).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٣٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وسلكتُ ذلك في ((ما اشتهر على الألسنة)) (١).
ومنهم مَن يُرَتّب على الكلمات، لكنْ غيرَ مُتَقيد بحروف المعجم، مقتصراً
على ألفاظ النبوة فقط كـ ((الشهاب))(٢)، و((المَشَارِق))(٣) للصغَاني، وهو
أحسنُهما، وأجمعُهما مع اقتصارِه على الصحيح خاصة.
ثم مَن يُلِمُّ بغريب الحديث، وإعرابِهِ، أو أحكامِه، وآراءِ الفقهاء فيه كما
سيأتي بسطُه في ((غريب الحديث))(٤) .
٧٣٥
(وجمعوا) أيضاً (أبواباً) من أبواب الكُتُب المصنَّفة، الجامعةِ للأحكام
وغيرِها، فأفردُوها بالتأليفِ بحيث يصيرُ ذاك البابُ كتاباً مُفْرَداً ككتاب ((التصديق
بالنظر الله تعالى)) للآجُرِّي، و((الإخلاصِ)) لابن أبي الدنيا، و((الظَّهُور)) لأبي
عُبَيد، ولابنِ أبي داودَ، و(الصلاةٍ)) لأبي نُعَيم الفَضلِ بنِ دُكَين، و((الأَذَانِ))،
و((المواقيتٍ)) في تصنيفَين لأبي الشيخ(٥)، و((القراءةِ خلفَ الإمام))، و(رفع
اليدَين)) في تصنيفَين للبخاري، و(البَسملةِ)) لابن عبد البَرّ، وغيرِه (٦)، و((القُنُوتِ)
لابنِ مَنْدَه، و((سجداتِ القرآن)» للحربي، و((التهجدِ)) لابن أبي الدنيا، و((العيدَين))
له، و((الجنائزِ)) العُمرَ بنِ شاهين، و((ذكرِ الموت)) لِلْمَرَنْدِي(٧)، وابنٍ أبي الدنيا،
و ((العزاء)) له، و((المُحْتَضَرِينَ)) له، و((الزكاةٍ)) ليوسفَ القاضي، و((الأموالِ)) لأبي
عُبَيد، و((الصيامِ)) لجعفر الفِرْيَابي، وليوسفَ القاضي، و((المناسكِ)) للحربي،
(١) يعني كتابه: ((المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة)).
(٢) واسمُه: ((شهابُ الأخبار في الحِكَم والأمثال والآداب من الأحاديث النبوية))، للقاضي
أبي عبد الله محمدٍ بن سَلامة القُضَاعي.
(٣) واسمه: ((مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المُصْطَفوية))، للإمام الحسن بن
محمد القُرَشي الصغاني. مات سنة ٦٥٠. ((السير)) (٢٨٢/٢٣)، و((كشف الظنون)) (٢/
١٦٨٨).
(٤) (ص٤١٥) وما بعدها .
(٥) ابنِ حَيَّان، واسمُه عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ جعفر، أبو محمد، وحيان: بمهملة ثم مثناة
تحتية. مات سنة ٣٦٩ ((تاريخ أصبهان)) (٩٠/٢)، و ((السير)) (٢٧٦/١٦).
(٦) كالخطيبِ والبيهقيّ فكلاهما ألَّف في ((الجهر بالبسملة)) في الصلاة.
(٧) بفتح الميم والراء وسكون النون وكسر المهملة نسبةً إلى (المَرَنْد) بلدة من بلاد
(آذربيجان). ((الأنساب)) (١٩٧/١٢).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٣٩
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
وللطبراني، وما يفوقُ الوصفَ كـ ((القضاءِ باليمين مع الشاهد)) للدار قطني.
قال ابنُ الصلاح: ((وكثيرٌ من أنواع كتابنا هذا قد أَفْرَدوا أحاديثَه بالجمع
والتصنيف))(١).
(أو) جمعوا (شيوخاً) مخصوصين من المُكثرين كالإسماعيلي في ((حديث
الأعمش))، والنسائي في ((الفُضَيل بن عياض))، والطبراني في ((محمدِ بنِ
جُحَادَة)).
قال عثمانُ بن سعيد الدارمي: ((يقال: من لم يجمعْ حديثَ هؤلاء
الخمسةِ فهو مُفْلِسٌ في الحديث: الثوريِّ، وشعبةَ، ومالكٍ، وحمادِ بنِ زید،
وابنِ عُيَينة. وهم أصول الدين))(٢).
قال ابنُ الصلاح: ((وأصحابُ الحديث يَجْمعون حديثَ خلقٍ كثيرٍ
سواهم، منهم أيوبُ السَّخْتَيَانِيُّ، والزهريُّ، والأوزاعيُّ))(٣).
قلت: قد سَرَدَ منهم الخطيبُ في ((جامعه)) جُمْلةً (٤).
وهذا غيرُ جَمْعِ الراوي شيوخَ نفسِه كالطبراني في «مُعْجَمِه الأوسط))
المرتب على حروف المعجم في شيوخه، وكذا له ((المعجمُ الصغير)) لكنه يقتصرُ
غالباً على حديثٍ في كل شيخ.
(أو) جَمعوا (تَرَاجماً) مخصوصةً كمالكِ عن نافع عن ابنِ عُمر، وسهيلٍ بن
أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
(أو) جمعوا (طُرُقاً) لحديثٍ واحد كَطُرُقِ حديث ((قَبْضِ العِلْمِ)) للُوسي،
ونَصْرِ المَقْدِسي، وغيرِهما، وطُرقِ حديثٍ: ((طَلَبُ العلم فريضةٌ)) لبعضِهم،
وطُرقِ حديثٍ: ((من كذب عليّ)) للطبراني وغيرِهِ. في مقاصدَ لهم في التصنيفِ
يطول شرحُها .
وإذا جَمعتَ على ((المسانيد)) فميِّزِ المرفوعَ من الموقوفِ، وتحرَّزْ من
إدخال ((المراسيل)) لظّك صُحْبَةَ المُرْسِل.
أو على الأبواب - الذي هو أسهلُ مطلقاً كما صرَّح به جماعة منهم
(١) ((علوم الحديث)) (٢٣٠).
(٣) ((علوم الحديث)) (٢٢٩).
(٢) ((الجامع)) (٢٩٧/٢).
(٤) ((الجامع)) (٢٩٨/٢).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٤٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الخطيب كما قدّمتُه، وابنُ الأثير، وقال: ((لكون المرءِ غالباً قد يعرفُ المعنَى
الذي يطلبُ الحديثَ لأجله دون راويه، ولكفايتِهِ المَؤُونَ في استنباط ذاك
الحكم المترجَمِ به، فلا يَحتاجُ إلى تفكّرٍ فيه)) (١). ومَدَحَه وكيعٌ بقوله: إنْ أردتَ
الآخرةَ فصنَِّ على الأبواب. وقال فيه الشعبيُّ: بابٌ من الطلاق جَسِيمٌ .. وكان
الثوريُّ صاحبَ أبواب(٢) - فقدِّم منها كما قال الخطيب: ((الأحاديثَ
المُسْنَدَاتِ، ثم المراسيلَ، والمَوقُوفاتِ، ومذاهبَ القدماءِ من مشهور
الفقهاء))(٣).
وقد قال إبراهيمُ الحَربي: ((الأبوابُ تُبْنَى على أربع طبقاتٍ: فطبقةُ
المُسند(٤)، وطبقةُ الصحابةِ، وطبقةُ التابعين، ويقدِّمُ قَومٌ الكبارَ منهم مثلَ
شُرَيح، وعلقمةَ، والأسودِ، والشعبيّ، وإبراهيمَ، ومكحولٍ، والحسنِ، وبعدَهم
من هو أصغرُ منهم.
وبعد هؤلاء أتباعُ التابعين مثلَ الثوريِّ، ومالكٍ، وَرَبيعةَ، وابنٍ هُرْمُزَ،
والحسنِ بن صالح، وعُبيدِ الله (٥) بنِ الحسن، وابنِ أبي ليلى، وابنِ شُبْرُمَةَ،
والأوزاعيّ)(٦) .
قال الخطيبُ: ((ولا تُورِدُ من ذلك إلَّا ما ثبتَتْ عدالةُ رجاله، واستقامت
أحوالُ رُوَاته))(٦)، يعني فإنّك بصدد الاحتجاج والاستدلال المطلوبِ فيه
الاحتياطُ، بخلاف المسانيدِ.
ومن هنا كانت أعلى رتبةً، كما سبقَ قُبيلَ ((الضعيف)).
قال الخطيبُ: «فإنْ لم يصحَّ في الباب حديثٌ مسندٌ فاقتَصِرْ على إيراد
الموقوفِ والمُرسلِ))(٧). قال: ((وهذان النَّوعانِ أكثرُ ما في كتب المتقدمين، إذْ
((جامع الأصول)) (٤٤/١ - ٤٥).
(١)
(٣)
«الجامع)) (٢ / ٢٨٤).
(٢) «الجامع)) (٢٨٤/٢، ٢٨٥).
(٤) يعني المرفوع إليه ◌َط هـ
(٥) في النسخ: (عبد الله). والتصحيحٍ من ((الجامع)) (٢٨٥/٢). وعبيدُ الله هذا هو ابنُ
الحَسَن بن الحُصَين العَنْبَري الثقةُ الفقيهُ قاضي البصرة. مات سنة ١٦٨. ((تهذيب
التهذيب)» (٩/٧).
(٦) ((الجامع)) (٢٨٤/٢).
(٧) ((الجامع)) (٢٨٤/٢).