Indexed OCR Text
Pages 261-280
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٢٦١ آدابُ الشيخ المحدِّثِ وكذا يستحب أيضاً الترضّي، والترخُم على الأئمة فقد قال القارئُ للرَّبِيع بن سُليمانَ يوماً: ((حَدَّثكم الشافعيُّ))، ولم يَقُل: رضي الله عنه، فقال الربيعُ: ((ولا حرفَ حتى يقالَ: رضي الله عنه)(١). قال الخطيبُ: والصلاةُ، والرضوانُ، والرحمةُ من الله تعالى بمعنّى واحد. إلَّا أنها وإن كانت كذلك، فإنَّا نستحبُّ أنْ يقالَ للصحابيّ: رضي الله عنه. وللنبي: صلى الله عليه وسلم، تشريفاً له وتعظيماً) (١). (والشيخُ) المُمْلي (ترجَمَ الشيوخَ) الذي رَوَى، أو أَفَادَ عنهم بذِكر بعضٍ أوصافِهِم الجميلةِ، (وَدَعا) أيضاً لهم بالمغفرة والرحمة، إذْ هم آباؤه في الدين، وَوُصْلَةٌ بينه وبين رب العالمين، وهو مأمورٌ بالدعاءِ لهم، وبرِّهم، وذكرِ مآثرِهم، والثناءِ عليهم، وشكرِهم، وقد قال ابنُ راهُويه: ((قَلَّ ليلةٌ إلَّا وأنا أدعو فيها لمن كَتَبَ عنَّا، ولمن كَتَبْنا عنه))(٢). وقد كان أبو هريرة ظُبه يقول: ((سمعتُ خَلِيلِيَ الصادقَ المصدوقَ))(٣). وقال ابنُ مسعود: ((وحدَّثني الصادقُ المصدوقُ))(٤). وقال عبدُ الله بنُ يزيدَ: ((ثنا البَرَاءُ = وغيرِه)) وختم كلامه بقوله: ((وأرجو أنَّه لا بأسَ به))، وترجّم له الذهبيُّ في ((الميزان)) (١/ ٣٠٦) وذكر فيه قولَ أبي زرعة، وابن حبان، وابنٍ عديٍ. وترجمَ له أيضاً في ((المغني في الضعفاء)» وذكر فيه قولَ أبي زرعة. وفي هذا السندِ أيضاً: الفَيْضُ بنُ وَثِيق الثقفي ترجمَ له ابنُ أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٨٨/٧) وقال: ((روى عنه أبي، وأبو زرعة))، وجاء في ((تاريخ بغداد)) (٣٩٨/١٢) عن يحيى بن معين أنه قال: ((الفَيضُ بنُ وَثِيق كذاب خبيث»، وترجم له الذهبي في ((الميزان)) (٣٦٦/٣)، وذكر قول يحيى بن معين، ثم قال: «قلتُ: قد روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وهو مقارب الحال إن شاء الله))، ثم ترجم له أيضاً في ((المغني في الضعفاء))، واقتصر فيه على قول يحيى بن معين. وقال الخطيبُ في ترجمة شيخه عبد الرحمن بن عُبيد الله الحربي من ((تاريخ بغداد)) (٣٠٣/١٠): ((كتبنا عنه، وكان صدوقاً غيرَ أنّ سماعَه فى بعض ما رواه عن النَجَّاد كان مضطرباً)). قلت: فمثلُ هذا السند لا تقومُ به حجة فضلاً أن يكون أصلاً، وكان الأَوْلَى بالإمامَين الخطيبِ والسخاوي العدولَ عن مثل هذين الحديثين والاستغناءَ عنهما بترضِّي الله في كتابه الكريم عن صحابة نبيه وَّه. (٢) يُنظر ((المدخل)) للبيهقي (٣٧٧). (١) ((الجامع)) (١٠٦/٢). (٣) أخرجه البخاري في المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام (٦١٢/٦) ومواطنَ أُخَرَ بلفظ: ((سمعت الصادق المصدوق))، وأخرج مسلم في الطهارة: باب تَبْلُغ الحِلْية حيثُ يبلُغ الوضوءُ (٢١٩/١) عن أبي هريرة: (سمعت خليلي ◌َ﴾ .. )). (٤) أخرج البخاري في بدء الخلق: باب ذكر الملائكة (٣٠٣/٦) عن ابن مسعود قال: ((حدثنا رسول الله وقدر وهو الصادق المصدوق))، ومثله مسلم في القدر: باب كيفية = آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٦٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وهو غيرُ كَذُوبٍ))(١). وقال أبو مسلم الخَوْلَانِي - فيما رواه مسلم(٢) -: ((حدثني الحبيبُ الأمينُ، أمَّا هو إليَّ فَحَبِيب، وأمَّا هو عندي فأمينٌ عَوْفُ بنُ مالك)). وقال مسروقٌ: ((حَدثَتْنِي الصدِّيقة ابنةُ الصدِّيق، حبيبةُ حبيبِ الله، المُبَرَّأةُ عائشةُ)) (٣). وقال عطاء بن أبي رَبَاح: ((حدثني البحر))(٢)، يُريد ابنَ عباس. وقال الشعبي: ((ثنا الربيعُ بنُ خُثَيم (٤) وكان من مَعَادِنِ الصدق))(٢). وقال ابنُ عُيَينة: ((ثنا أوثقُ الناس أيوبُ))(٥). وقال شعبةُ: ((حدثني سيدُ الفقهاء أيوب)) (٤)، وقال هشامُ بن حسانَ: ((حدثني أَصدقُ مَنْ أَدْركتُ من البَشر محمدُ بن سِيرِين (٤). وقال وكيعٌ: ((ثنا سفيانُ أميرُ المؤمنين))(٦). وقال محمد بن بِشر: ((ثنا الثقةُ الصدوق المأمون خالدُ بن سعيد)). وقال الحَسن بنُ الصَّحِ البزَّارُ: ((ثنا أحمد بن حنبل شيخُنا وسيدُنا))(٧). وقال يعقوبُ بن سفيان: ((ثنا الحُمَيدي، وما لقيتُ أنصحَ للإسلام وأهلِه منه))(٨). وقال ابنُ خُزَيمة: ((ثنا مَنْ لم تَرَ عينايَ مثلَه محمدُ بنُ أسلمَ الطُوسي)) (٧). وقال العَلَائي: ((ثنا الإمام أبو إسحاقَ الطَّبَري، وهو أجلُّ شيخ لَقِيتُه))(٩). في أشباهٍ لهذا كثيرةٍ. وليحذَر من التجاوُزِ إلى ما لا يستحقُّه الشيخُ كأن يَصِفَه بالحِفظ وهو غيرُ حافظ، لِما يترتَّب على ذلك من الضرر. وكذا يُترجِمُ شيوخَه بذِكر أنسابهم، فقد قال الخطيب: ((وإذا فَعل المُسْتملي ما ذكرتُه - يعني من قوله: مَنْ ذَكَرت .... إلى آخره - قال الرَّاوِي: ثنا فلان. ثم نَسَب شيخَه الذي سماهُ حتى يبلُغَ بنَسَبِه منتهاه، كقول شَاذَانَ: ((ثنا سفيانُ بن سعيد بن الخلق الآدمي ... (٢٠٣٦/٤). (١) أخرجه البخاري في ((الأذان)) باب متى يسجد مَنْ خَلفَ الإمام ... (١٨١/٢). (٢) في الزكاة: باب كراهة المسألة للناس (٧٢١/٢). (٣) ((الجامع)) (٨٥/٢). (٤) كذا في (س) وهو الصواب، يعني بتقديم المثلثة على المثناة التحتية مع التصغير كما تقدم بيانه (ص١٨٧)، وفي (ح): خيثم بتقديم المثناة وفي (م) خسم، من غير إعجام، وفي (الأزهرية): خيثم، من الناسخ. (٥) ((الجامع)) (٨٦/٢). (٦) «الجامع)) (٨٦/٢). (٧) ((الجامع)) (٨٦/٢). (٩) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢١٦/٢). (٨) ((الجامع)) (٨٧/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٦٣ آدابُ الشيخ المحدِّثِ مسروق الثوريُّ - ثور بني تَميم -. وثنا شَرِيك بنُ عبد الله بن شريك بن الحارث النَّخَعي. وثنا الحَسن بن صالح بن حَيِّ الهَمْدَاني ثم الثَّوري - ثور همدان -. وثنا شعبةُ بن الحجاج أبو بسطام مولى الأزد. وثنا عبد الله بن المبارك الخُرَاساني))(١). قال: ((والجمع بين اسم الشيخ وكنيته أبلغُ في إعظامه، وأحسنُ في تَكْرِمته))(٢). قال عبّاسُ الدُورِيّ: ((قَلَّ ما سمعتُ أحمدَ يُسَمِّي ابنَ مَعِين باسمه، إنَّما كان يقول: قال أبو زكريا))(٣) . وعن الحَسن أنه قال: «يجب للعالم ثلاثُ خصال: تَخصُّه بالتحية، وتعمُّه بالسلام مع الجماعة، ولا تَقُلْ: ثنا فلان. بل قُلْ: ثنا أبو فلان، وإذا قرأ فَمَلَّ لا يُضْجر))(٤). وللبخاريّ في ((الأدب المفرد)) عن أبي هريرة قال: ((لا تُسَمِّ أباكَ باسمه، ولا تَمشٍ أَمَامه، ولا تجلسْ قبلَه))(٥). وعن شَهْرِ بنِ حَوْشَب قال: ((خرجتُ مع ابن عُمرَ، فقال له سالمٌ: الصلاةَ يا أبا عبدِ الرحمن)) (٦)، وعن ابنِ عُمر أنّه قال: (لكنْ أَبُو حَفصٍ عُمرُ يَقْضي))(٧) . قال الخطيبُ: ((وجماعةُ يقتَصِرون على اسم الرَاوِي دون نَسَبِه إذا كان أمرُه لا يُشْكِلُ، ومنزلَتُه من العلم لا تُجهَلُ، كعامَّة أصحاب ابن المبارك حيثُ يَرْؤُون عنه باسمه فقط. لا يَنْسُبُونَه. وكذا إذا كان اسمُه مُفرداً عن أهل طبقته لحصولِ الأمان من دخول الوَهَم في تَسْمِيته، كقتادةَ، ومِسْعَرٍ، ومنهم من يَقتَصر على شُهرته بالنسبة إلى أبيه، أو قَبيلته ولا يُسَمّيه، كابنٍ لَهِيعة، وابن عُيَينة، والشعبي، والثوري»(٨)، وكل ذلك جائز. (١) ((الجامع)) (٧١/٢). (٢) ((الجامع)) (٧٢/٢). (٣) ((الجامع)) (٧٢/٢). (٤) ((الجامع)) (٧٢/٢)، ولفظ الجملة الأخيرة: ((وإذا قرأ فمل لا تضجره))، وتكون هي الخصلَة الثالثةَ على اعتبار أنَّ الأُولى هي تخصيصُه بالتحية مع تعميمه بها مع غيره. (٥) ((الأدب المفرد)) (٣٠)، وأخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٣٨/١١). (٦) ((الأدب المفرد)) (٣٠). (٧) المصدر السابق وفيه: قضى. بدلاً من (يقضى). (٨) ((الجامع)) (٧٢/٢، ٧٣). آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٦٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٧٠٥ (و) أما (ذِكرُ) راوٍ (معروف بشيء من لقب) بحيث اشتَهر بذلك وغلبَ عليه (كغُنْدَر) - بضم المعجمة، وفتح المهملة بينهما نون - لمحمد بن جعفر، وغيرِهِ ممن سيأتي مع جُملة ألقاب في بابِها (١)، أو معروفٍ بوصفٍ ليس نقصاً في خِلقَته كالحُمرة، والزُّرْقة، والشقرة، والصفرة، والظُول (أو وَصْفِ نقصٍ) كالإفْعاد لأبي مَعْمر (٢)، والحَوَلِ لعاصم(٣)، والشَّلَلِ لمَنْصور (٤)، والعَرَجِ لعبد الرحمن بن هُرْمز، والعَمَى لأبي معاوية الضَّرير، والعَمَشِ لسليمانَ، ٧٠٦ والعَوَرِ لِهَارُونَ بنِ موسى، والقِصَرِ لِعمرانَ(٥). (أو نَسَبٍ لأمّه) كابن أم مَكْتوم، وابن بُحَيْنَةِ(٦)، والحارثِ بن بَرْصَاءً(٧)، ويَعْلَى بنٍ مُنْيَةً(٨)، وغيرِهم من الصحابة، ومَنْ بَعدَهم كمنصورٍ بن صَفِية(٩)، وإسماعيلَ بنِ عُلَية على ما سيأتي في ((مَنْ نُسِبَ إلى غيرِ أبيه)) (فجائز) في ذلك كلِّه كما صرّح به الخطيب(١٠) (ما لم يكن) في اللقب إطراءٌ مما يدخُل في النهي فإنّه حرام، أو لم يكن الموصوفُ به (يكرَهُه كابنِ عُلَية) - بضم المهملة، مصغر - وأبي الزِّنَاد، وأبي سَلَمَة التَّبُوذَكِيّ، وعُلَيّ - بالتصغير - ابنِ رَبَاحِ، وابنِهِ موسى، ومَسلمة بنُ عُلَيّ، وابنٍ راهُويه(١١)، وخالدٍ بن مَخْلَد القَطَوَاني، فالقَطَواني: لقبُه وكان أيضاً يغضب منها (١٢)، وزيادٍ بن أيوب البغدادي دَلَّويَه، قيل: إنه كان يقول: مَنْ (١) وهو نوع (الألقاب)، (٢١٢/٤). (٢) هو: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المِنْقَري مولاهم المُفْعَد مات سنة ٢٢٤. ((التهذيب)). (٣) عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن. مات سنة ١٤٢، وقيلَ قبلها أو بعدها. ((التهذیب)). (٤) منصور بن عبد الرحمن الغُدَاني، الأَشَلّ. (٥) هو عمران بن مُسلم المُنْقَرِي القصير. (٧) واسمه: الحارث بن مالك ((الإصابة)). (٦) واسمه: عبد الله بن مالك. ((الإصابة)). (٨) واسمه: يَعْلَى بن أُمَيَّة التميمي، ومُّنْيَةُ: أمه، وقيل: أم أبيه. ((الإصابة)). (٩) واسمه: منصور بن عبد الرحمن بن طلحة الحَجَبِي. ((التهذيب)). (١٠) في ((الجامع)) (٧٨/٢). (١١) الإمام إسحاق بن راهويه لم يكن يغضب منها، وإنما هو أبوه إبراهيم بن مخلد. ((تاريخ بغداد)) (٣٤٨/٦) و((السير)) (٣٦٦/١١). (١٢) ((الأنساب)) (١٩٧/١٠)، وهو بالقاف والطاء المهملة المفتوحتين نسبة إلى (قَطَوان) موضع بالكوفة. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحدیث ٢٦٥ آدابُ الشيخ المحدِّثِ سَمَّاني دَلُّويه لا أجعله في حل(١). وأبي العباس الأصمّ (٢) كان يكره أن يقالَ له: الأصم(٣). وجُوْزِي، وهو لَقَب لأبي القاسم الأصبهاني صاحبٍ ((الترغيب))، وكان فيما حكاه ابنُ السمعاني (٤) يكرَهه، وغيرِهم (فَصُنْ) حينئذٍ نفسَكَ عن الوقوع فيه، والرَّاوِيَ عن وصفه بذلك، إذْ هو حرام حسبما استثناه ابنُ الصلاح(٥) متمسكاً بنهي الإمام أحمدَ لابن معين أن يقولَ: ثنا إسماعيل بن عُلَية. وقال له: قُلْ: إسماعيل بن إبراهيم، فإنَّه بلغني أنه كان يكرهُ أن يُنْسَبَ إلى أمه. ولم يخالفه ابنُ معين فيه، بل قال: قَبِلْنَاه منك يا مُعَلِّمَ الخَير (٦). وقد أقرَّ الناظمُ(٧) ابنَ الصلاح على التحريم - كما سيأتي - في (الألقاب))(٨). وأمَّا هنا فقال: ((الظاهرُ أن ما قاله أحمدُ على طريق الأدب لا اللزوم)) (٩). انتهى. ولذا قال شيخُنا: ((فهو حرام، أو مكروه)(١٠). قلتُ: فلو عَلِم أن كراهته تواضعاً لما يتضمن من التَّزكية، أو نحو ذلك، كما نُقِلَ عن النووي كَّتُ أنه قال: «لستُ أجعلُ في حلِّ من لقَّبني مُحْيِيَ الدين))، فالأَوْلَی تجنُّبه. والأصل في هذا الباب قولُهُ وَّي﴿ لما سلّم في ركعتينِ من صلاةِ الظهر: ((أَكَمَا يقولُ ذو اليَدَين؟)) (١١). ولذا ترجَم البخاريُّ في ((صحيحه)) بقوله: (ما (١) ((تهذيب التهذيب)) (٣٥٥/٣). (٢) الإمام الحافظ مسند العصر محمد بن يعقوب بن يوسف بن مَعقل الأموي مولاهم، النيسابوري. مات سنة ٣٤٦ عن تسع وتسعين سنة. ((الأنساب)) (٢٩٤/١)، و((السير)) (٤٥٢/١٥). (٣) ((تذكرة الحفاظ)) (٨٦٠/٣)، و((السير)) (٤٥٥/١٥). (٤) في ((الأنساب) (٣٦٨/٣). وجوزي: بضم الجيم، وتسكين الواو، وبعدها زاي، وهي هنا نسبةٌ - كما في ((اللباب)) (٣٠٩/١) - إلى الطير الصغير بِلُغَة أهل أصبهان. وأبو القاسم هذا هو الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل القرشي التيمي الملقب: قِوَام السنة. وقد تقدم (ص٢١٢). (٦) ((الجامع)) (٧٩/٢). (٥) ((علوم الحديث)) (٢٢٠). (٧) في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٢٦/٣). (٨) (ص٢١٧/٤). (٩) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢١٩/٢). (١٠) ((الفتح)) (٤٦٨/١٠). (١١) جزء من حديث أخرجه البخاري في الصلاة: باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيرِه (٥٦٥/١) - ومواطنَ أخرَ - ومسلمٌ في ((المساجد)): باب السهو في الصلاة والسجود له (٤٠٣/١) كلاهما عن أبي هريرة، واللفظ للبخاري. آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٦٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث يجوز مِن ذِكر الناس أي بأوصافِهم - نحوُ قولهم: الطويل، والقصير، وما لا يُرَاد به شَيْنُ الرجل، وقال النبيِّهِ: ((ما يقول ذو اليَدَين؟)))(١)، فذهب في ذلك إلى التفصِيل كالجمهور. وشدَّ قوم، فشدَّدوا حتى نُقل عن الحسن البصري أنه كان يقول: ((أخاف أن يكون قولُنا: حُمَيدٌ الطويلُ، غِيبَةً))(٢)، وكأنَّ البخاري لَمَّحَ بذلك حيث ذكر قصةَ ذي اليدين لقوله فيها: «وفي القوم رجل في يديه طول))(٣). قال ابن المُنَيِّر: أشار البخاري إلى أنَّ ذِكْرَ مثلِ هذا إنْ كان للبيان والتمييزِ فهو جائز، وإنْ كان للتنقيص لم يَجُزْ. قال: وجاء في بعض الحديث عن عائشة، في المرأة التي دخلَتْ عليها، فأشارت بيدها أنها قَصيرة فقال النبيِ وََّ: ((اغْتَبْتِيها))(٤). وذلك أنها لم تفعلْ ذلك بياناً، وإنما قَصدَت الإِخبارَ عن صِفتها، فكان كالاغتياب))(٥). ومن أدلة النهي قوله تعالى: ﴿وَلَ نَنَبَرُواْ بِالْأَلْقَبِ﴾ (٦)، وكان نُزُولُها حينَ قَدِمِ النبيُّ وَّةِ ((المدينة))، وللرجل منهم اللَّقَبُ واللَّقَبَانِ(٧). وعلى كل حال ـ من التحريم، أو غيرِه ــ فذاك فيمن عُرف بغير ذلك. (١) (صحيح البخاري)): كتاب الأدب، باب ما يجوز في ذكر .. إلخ (٤٦٨/١٠)، وفيما هنا زيادة وتقديم وتأخير لبعض الألفاظ. (٢) أخرجه هنَّاد في ((الزهد)) (٥٦٧/٢) بلفظ: (تخافون ... ). (٣) أخرجها البخاري في الصلاة: باب تشبيك الأصابع، كما تقدم قريباً. وأخرج مسلم نحوَها من حديث عمرانَ بنِ حُصَين في ((المساجد)»: باب السهو في الصلاة والسجود له (١ / ٤٠٤). (٤) أخرجه أبو داود في ((الأدب)) باب في الغيبة (١٩٢/٥)، والترمذي في ((صفة القيامة (٤/ ٦٦٠)، وأحمد (١٨٩/٦) مطولاً من حديث عائشة ها بإسناد على شرط الصحيح. (٥) من قوله: ((وشذ قوم فشددوا)) إلى هنا قاله الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٤٦٨/١٠) وأضاف أنَّ حديثَ عائشةَ المذكورَ أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «الغِيبَة))، وابنُ مردُويه في (التفسير)). وكلام ابن المُنَيِّر هو في كتابه: ((المتواري على تراجم أبواب البخاري)) (٣٥٧). (٦) سورة الحجرات: الآية ١١. (٧) أخرجه الإمام أحمد (٦٩/٤)، و(٣٨٠/٥) من حديث أبي جَبِيرةَ - بفتح الجيم - ابنِ الضحاك الأنصاري عن عُمُومَةٍ له. وأحمدُ (٤/ ٢٦٠)، وأبو داود في الأدب: باب في الألقاب (٢٤٦/٥)، والترمذيُّ في التفسير: باب تفسير سورة الحجرات (٣٨٨/٥)، وابنُ ماجه في الأدب: باب في الألقاب (١٢٣١/٢)، والطبري (١٣٢/٢٦) بعدة = فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٢٦٧ آدابُ الشيخ المحدِّثِ أما حيث لم يُعرَف بغيره فلا، وبه صرح الإمام أحمدُ. فقال الأَثْرَمُ: ((سمعته يُسأل عن الرجلُ يُعَرَّفُ بِلَقَبه. فقال: إذا لم يُعْرف إلا به. ثم قال: الأعمشُ إنما يعرفه الناسُ هكذا. فسهَّل في مثل هذا إذا شُهِر به))(١)، [وهو أحدُ الأماكن الستة التي رُخّص في ذِكر المرءِ فيها بما يَكْرُهُ، ولا يُعَدُّ غِيبةً](٢). وما أحسنَ صنيعَ إمامنا الشافعي نَّثُ حيث كان يقول: ((ثنا إسماعيل الذي يُقال له: ابن عُلَية)). وكان أبو بكر ابن إسحاق الصِّبْغِي(٣) إذا روى عن شيخه الأصمّ يقول فيه: ((المَعْقِلِي)). نسبةً لجدِّه مَعْقِل(٤). ولا يقول: ((الأصم))، لكراهته لها كما تقدم. روايات كلهم عن أبي جَبيرة بن الضحاك بنحوه. وقال الترمذي: ((حديث حسن صحيح)). = هذا وأبو جَبِيرة لا يُعرَف له اسم وهو صحابي، وقيل: لا صُحْبَة له. وقد ضُمَّت حِيمُه عند الترمذي والطبري من الناسخ. ويراجع ((التبصير)) (٢٤٠/١). (١) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٧٤/٢). (٢) ما بين المعكوفين ساقط من (س). والأماكن الستةُ المشارُ إليها ذَكرها أهلُ العلم، ومنهم الغزالي في ((الإحياء)» (٣/ ١٥٢)، والإمام النووي كَُّ في ((شرحه على صحيح مسلم)) (١٤٢/١٦) وهي: الأول: التَّظَلّم فيجوز للمظلوم أن يتظلمَ إلى السلطان والقاضي وغيرِهما ممن له ولايةٌ أو قدرةٌ على إنصافه، فيقولُ: ظلمني فلان، أو فعل بي كذا. الثاني: الاستعانة على تغييرِ المنكر وردِّ العاصي إلى الصواب فَيذكُر لمَن يستعينُ به أفعالَ العاصي المنكرة. الثالث: الاستفتاءُ فيقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي أو فلان بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه. الرابع: تحذير المسلمين من الشر، وذلك من وجوه منها : أ - جرح المجروحين من الرُّواة والُّهود والمصنّفين .. ب - الإخبار بِعَيبه عند المشاورة وطلب النصيحة في بيان حاله. الخامس: أن يكونَ مجاهراً بفِسقه، أوَ بِدعته فيجوزُ ذكرُه بما یجاهِر به. السادس: ما أشار إليه السخاوي وهو ما إذا لم يُعْرَف إلا بذلك اللقب وقَصدَ به التعريفَ دون عَيْبِهِ وَتَنَقّصه. (٣) بكسر الصاد المهملة وإسكان الموحدة وكسر الغين المعجمة، نسبةً إلى الصِّبْغ وعَمَلِه. وأبو بكر المذكورُ هو الإمام العلامة المفتي المحدث أحمد بن إسحاق بن أيوب، النيسابوري الشافعي، مات سنة ٣٤٢. ((الأنساب (( (٣٣/٨)، و((السير)) (٤٨٣/١٥). (٤) هو جد أبيه كما مضى في نسبه (ص٢٦٥). آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٦٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث وقد قال البُلْقِيني: ((إنّه إنْ وَجَدَ طريقاً إلى العدول عن الوصف بما اشتهر به مما يكرهه فهو أَوْلَى))(١). ٧٠٧ (وَارْوِ في الإِمْلا) - بالنقل، وبالقصر - على وجه الاستحباب (عن شيوخ) مِمَّن أخذَت عنهم، أو عن جماعتِهم كما هي عبارةُ الخطيب(٢)، ولا تَقتصِّر على الرواية عن شيخٍ واحد، إذ التعدُّد أكثرُ فائدة. وأسندَ الخطيبُ عن مَطَرِ قال: ((العلمُ أكثرُ مِن مَطَرِ السماءِ، ومِثْلُ الذي يروي عن عالِمٍ واحدٍ كرجل له أمرأةٌ واحدة، فإذا حاضت بَقِيَ))(٣). والمَعْنَى: أنَّ الذي له شيخ واحدٌ ربما احتاجَ من الحديث لِمَا لا يجده عند شيخه فيصيرُ حائراً. وكذلك مَنْ له زوجةٌ واحدةٌ قد يتفق تَوَقَانُه إلى النكاح في حالِ حَيضِها فيصيرُ حائراً، فإنْ كانت له زوجةٌ أخرى، أو أَمَةٌ حَصَّل الغرضَ. وفي ((معاشرةِ الأَهْلِين)) (٤): عن المُغِيرة بن شعبة ظُبه قال: ((وجدت صاحبَ الواحدة إنْ زارتْ زارَ، وإنْ حاضتْ حاض، وإن نُفِسَت نُفِس، وكُلَّما اعْتَلَّتْ اعتَلَّ معها بانتظارِه لها ... )). ثم ذكر صاحبَ الثِنْتَين، وصاحبَ الثلاث، والأربع(٥) . قال الخطيب(٦): وَ(قَدِّمْ) مِن الشيوخ (أَوْلَاهم) في عُلوِّ الإسناد، يعني عند الاشتراك في مطلق العلوّ، زادَ ابنُ الصلاح: ((أو في غيرِهِ))(٧). يعني إن اتَّحَدَ العلوُّ، كالأحفظِ، والأسنِّ، والنَّسِيب. ولا تَرْوِ عن كَذَّابٍ، ولا متظاهرٍ بِبِدعة، ولا مَعروفٍ بفسقٍ، بل انْتَقِ (١) ((محاسن الاصطلاح)) (٥٢١). (٢) في ((الجامع)) (٨٧/٢). (٣) ((الجامع)) (٨٨/٢) إلّا أن فيه: ((فإذا حاضت هي ... ))، وليس بشيء. ومطرٌ المذكور هو الإمام الزاهد الصادق أبو رَجاء بن طَهْمان الخراساني الورّاق، مات سنة ١٢٩. ((السير)) (٤٥٢/٥)، و((تهذيب التهذيب)) (١٦٧/١٠). (٤) اسمُ كتابٍ للحافظِ الأديبِ أبي عُمرَ محمدِ بنِ أحمدَ النُّوْقَاتِي - بنون مضمومة، وقاف ومثناة فوقية نسبة لقرية بسجستان - قال الذهبي في ((السير)) (١٤٥/١٧): مات قبل الأربعمائة. وفي ((هدية العارفين)) (٥٣/٢). مات سنة ٣٨٢). (٥) ((تاريخ دمشق)) (١٧ /٨٧). (٦) في ((الجامع)) (٢/ ٨٧). (٧) لفظه في ((علوم الحديث)) (٢٢٠): ((مُقَدِّماً للأعلى إسناداً أَو الأَوْلى من وجه آخر)). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٦٩ آدابُ الشيخ المحدِّثِ للروايةِ ثقاتٍ شيوخِك مِمّن حَسُنت طريقتُه، وظهرت عدالتُه(١)، وعلا سندُه، كما سيأتي (وَانْتَقِهِ) أي المرويَّ أيضاً بحيثُ يكون أبلغَ نَفْعاً، وأَعمَّ فائدةً. وَأَنْفَعُه - كما قال الخطيب : - الأحاديثُ الفقهية، التي تُفيد معرفةَ الأحكام الشرعيةِ كالطهارة، والصلاةٍ، والصيام، والزكاة، وغيرِها من العبادات، وما يتعلق بحقوق المُعاملات(٢). ففي الحديث: ((ما عُبِدَ اللهُ بشيءٍ أفضلَ من فِقْهٍ في دين))(٣). قال الخطيب: ((ويستحب أيضاً إملاءُ الأحاديثِ المتعلقة بأصول المعارف، والديانات))(٤)، ((وأحاديثِ الترغيب في فضائلِ الأعمال، وما يَحثُّ على القراءةِ، وغيرِها من الأذكار))(٥). زادَ غيرُهُ(٦): ((والتزهيدِ في الدنيا))، بل الأنسبُ أن يتخيَّرَ لجمهورِ الناس أحاديثَ الفضائل ونحوها، وللمتفقهةِ أحاديثَ الأحكام. (وأَفْهِم) - بفتح الهمزة - السامعينَ (ما فيه مِنْ فائدةٍ) في متنه، أو سندِه ٧٠٨ من بيانٍ لمُجْمل، أو غرابةٍ، أو نحوِهما، وأَظْهِر غامضَ المعنَى، وتفسيرَ الغريب، وتَحَرَّ إيضاحَ ذلك وبيانَه. كما أشار إليه الخطيبُ(٧). ورُوِي عن ابنِ مهدي أنَّه قال: ((لو استقبلتُ من أمري ما استَذْبَرتُ لكتبتُ تحتَ كل حديثٍ تفسيرَه))(٨). وعن أبي أسامة قال: ((تفسيرُ الحديث ومعرفتُه خيرٌ من سماعه))(٨)، وهذا على وجه الاستحباب. (١) ذكر ذلك الخطيب في ((الجامع)) (٨٩/٢). (٢) ((الجامع)) (٢/ ١١٠). (٣) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (١١٠/٢) والآجري في ((أخلاق العلماء)) (٤٣) من حديث أبي هريرة، وفي سندِهما: يزيد بن عياض الليثي كذّبه مالك كما في ((التقريب))، وقال البخاري: منكر الحديث ((التاريخ الكبير)) (٢٥١/٨)، وقال النسائي: متروك الحديث. ((كتاب الضعفاء والمتروكين)) (٢٥٥). وأورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٤٥٥/٥) من حديث ابنِ عُمَر ورَمَزَ لِضَعْفه. ونقل المناوي عن البيهقي أن هذا اللفظَ محفوظٌ من قول الزهري. قلت: ويُغني عنه حديث معاوية رَؤُه مرفوعاً: ((من يُرد اللهُ به خيراً يُفَقِّهْه في الدين)). أخرجه البخاري في العلم (١٦٤/١)، وغيره. (٥) ((الجامع)) (١١١/٢). (٤) ((الجامع)) (١٠٧/٢). (٦) كالسمعاني في ((أدب الإملاء)) (٦٠). (٧) في ((الجامع)) (١١١/٢). (٨) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (١١١/٢). آدابُ الشیخ المحدِّثِ ٢٧٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وإلَّا فقد قيل للزهري في حديثٍ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ))(١)، و((ليس منَّا مَنْ لَمْ يُوقِّر كبيرَنا))(٢): ما معناه؟ فقال: ((مِنَ الله العلمُ، وعلى الرسولِ البلاغُ، وعلينا التَّسليمُ(٣)). وسأل رجلٌ مطراً عن تفسيرٍ حديثٍ حَدَّث به. فقال: ((لا أدري، إنما أنا زَامِلَةٌ. فقال له الرجلُ: جزاكَ اللهُ من زَامِلَةٍ خيراً، فإنَّ عليكَ من كلِّ حلوٍ وحامضٍ))(٣). وسُئِل أيوبُ السَّخْتَياني عن تفسيرِ حديث. فقال: ((ليتَنا نَقْدِرُ أنْ نُحدثَ كَمَا سمِعنا فكيف نُفَسر؟!))(٣). قال الخطيبُ: ((ويستحب أن يُنَبه على فضلِ ما يرويه، ويُبَينَ المعاني التي لا يَعرِفُها إلَّ الحفاظُ من أمثاله وذَوِيه، فإنْ كان الحديثُ قد كَتَبه عَنْهُ بعض الحفاظ المُبَرِّزين، أو أَحَدُ الشيوخ المُتَقَدمين نَبَّه عليه، أو كان عالياً عُلُوّاً متفاوتاً أَرشدَ بوَصفِه إليه))(٤). وإنَّما قيَّد الوصفَ بالعلوِّ المُتَفاوتِ لأنَّ المفهومَ عند إطلاق العلوّ شمولُ أقلِّ درجاته، وبذلك لا يَحصلُ تَمييزُ المتناهي. قال: ((وكذا إذا كان رَاوِيه غايةً في الثقة والعدالةِ، أو مِنْ أهل الفقهِ والفُتْيا، أو كان الحديثُ من عيونِ السُّنَن وأصولِ الأحكام وَصَفَه بذلك)»(٥). ويُعَيِّن تاريخَ السماع القديم، وتَفَرّدَه بذاك الحديثِ، وكونَه لا يوجد إلا عنده، إن كان كذلك. (١) أخرجه البخاري في الجنائز: باب ليس منا من شَقَّ الجيوبَ (١٦٣/٣)، ومسلم في الإيمان: باب تحريم ضَرب الخدود ... (٩٩/١) من حديث ابن مسعود. (٢) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٩) من حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي أمامة وكذلك الترمذي في البر والصلة: باب ما جاء في رحمة الصبيان (٣٢١/٤) ومن حديث أنس وابن عباس أيضاً. وأبو داود في ((الأدب)): باب في الرحمة (٢٣٢/٥) عن ابن عَمرو، والحاكم - وصححه - (١٧٨/٤) من حديث أبي هريرة وأحمد (٢٥٧/١) عن ابن عباس، والألفاظ متقاربة وفيها زيادة. وقال الترمذي عن حديث ابن عَمرو: ((حسن صحيح)) وصحح السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٥) ٣٨٨) حديث أنس وحديث ابنِ عَمرو وحسَّن هو والترمذي حديثَ ابن عباس. (٣) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (١١٢/٢). (٤) ((الجامع)) (١٢٠/٢، ١٢٣). (٥) ((الجامع)) (١٢٢/٢، ١٢١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٧١ آدابُ الشيخ المحدِّثِ وإن كان الحديثُ معلولاً بَيَّن عِلَّتَه، أو في إسنادِهِ اسمٌ يُشَاكِلُ غَيْرَه في الصورة ضَبَطَّه بالحروف ليزولَ الإلباس(١). ٧٠٩ (ولا تَزِدْ عن كل شيخ) من شيوخك (فوقَ مَثْنٍ) واحدٍ، فإنَّه أعم للفائدة، وأكثرُ للمنفعة (واعتَمِدْ) فيماً تَرويه (عالي إسنادٍ) لِمَا فِي العُلوِّ من الفَضل، وكذا اعتَمِد (قصيرَ متنٍ) لمزيدِ الفائدة فيه، يعني بالنظرِ إلى الأحكام، ونحوِها، حتى قال أبو عاصم: ((الأحاديثُ القصارُ هي اللؤلؤُ)) (٢) بخلافِ الطويلِ غالباً. وقد قال أيوبُ السَّخْتياني: ((قال لنا عكرمةُ: ألا أُخبركم بأشياءَ قصارٍ حَدَّثَنا بها أبو هريرة: ((نهى رسول الله وَّ عن الشُّرب من فَم القِرْبَة أو السِّقَاءِ. وأَنْ يَمْنَعَ جارَه أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في داره))(٣) . إلا أَنْ يكونَ يشتملُ على جُمَلٍ من الأحكامِ فَيُنَزِّلُ كلَّ جُملةٍ منها منزلةً حديثٍ واحد. قال عليُّ بنُ حُجْر: في كلِّ يَوم سِوَى ما يُفَادْ (٤) وَظِيفَتُنا مائةٌ للغَرِيب أَحَادِيثُ فِقَّهِ قِصَارٌ(٦) جِيَادْ شَرِيكِيَّةٌ أَوْ هُشَيْمِيَّةٌ(٥) وكان عليٍّ قد انْفَرَدَ بِشَرِيكٍ وَهُشَيْم. (واجتَنب) في إملائك (المُشكِلَ) من الحديث الذي لا تحتَملُه عقولُ العَوَامّ، كأحاديثِ الصفات التي ظاهرُها يقتضي التشبيهَ والتجسيمَ، وإثباتَ الجوارح والأعضاءِ للأَزَلِي القديم، وإن كانت الأحاديثُ في نفسها صِحَاحاً، ولها في التأويلِ طُرُقٌ ووجوهٌ إلَّا أنَّ مِن حقها أن لا تُروَى إلا لأهلها (خوفَ الفَتْنِ) - بفتح الفاء، وسكون التاء - مَصْدر فَتَنَ أي الافْتِتَان والضَّلال، فإنه (٢) أخرجه عنه الخطيب في ((الجامع)) (٨٨/٢). (١) ((الجامع)) (٩٢/٢، ٩٧، ١٠٢). (٣) أخرجه عن أيوبَ بهذا اللفظِ البخاريُّ في ((الأشربة)): باب الشُّرب من فَم السقاء (١٠/ ٩٠). (٤) بالفاء. وفي النسخ، و((الجامع)) (٢١٦/١): (يُعَاد) بالعين المهملة. والتصحيح من ((الإلماع)) (٢٢٦)، و((تهذيب الكمال)) (٣٥٩/٢٠)، و((السير)) (٥١٢/١١). وهذا البيت مُدَوَّر) فتكون الباء تابعة للشطر الثاني عروضياً . (٥) نسبةً إلى شَرِيك القاضي وهُشَيم بنِ بَشِير. (٦) في ((الإلماع)) (٢٢٦): صحاح. وهو خطأ . آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٧٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث لِجهلِ معانيها يحمِلُها على ظاهرها، أو يَستنكِرُها فَيردّها، ويُكذِّبُ رواتَها ونَقَلَتَهَا (١). وقد صح قولُه وَله: (كَفَى بالمرءِ كذباً أنْ يحدث بكل ما سمع)) (٢). وقولُ علي: ((حَدِّثوا الناسَ بما يَعْرِفون، ودَعُوا ما يُنْكِرون. أَتُحِبون أن يُكَذَّب الله ورسولُه))(٣). وقولُ ابنِ مسعود: ((إنَّ الرجلَ ليُحدِّثُ بالحديث فيسمعُه من لا يبلغُ عقلُه فَهْمَ ذلك الحديثِ فيكونُ عليه فِتْنةً))(٤). وقولُ أيوبُ السَّخْتياني: ((لا تُحَدِّثُوا الناسَ بما لا يعلمون فَتَضُرُّوهم))(٥). وقولُ مالكٍ(٦): (شَرُّ العلمِ الغريبُ، وخيرُ العلمِ المعروفُ المستقيمُ))(٧) . وكذا قال الخطيبُ: ((إنَّ مما رأى العلماءُ أنَّ الصُّدُوفَ عن روايتِه للعوامٌ أَوْلى: أحاديثَ الرُّخص، وإنْ تَعلَّقَتْ بالفُروع المختَلَفِ فيها دونَ الأصول كحديث الرُّخصةِ في النبيذ)»(٨) . ثم ذَكَر أنَّ اطّراحَ أحاديثٍ بني إسرائيل المأثورةِ عن أهل الكتاب، وما نُقل عن أهل الكتاب واجبٌ، والصُدُوفَ عنه لازمٌ (٩). ((وأمَّا ما حُفظ من أخبار بني إسرائيل وغيرِهم من المتقدمين عن النبي ◌ََّ، وأصحابِه، وعلماءِ السلف فإنَّ روايتَه تجوزُ، ونَقْلَه غَيرُ محظور))(١٠). ثم روى عن الشافعي أنَّ معنى (١) قال ذلك الخطيب في ((الجامع)) (١٠٥/٢). (٢) أخرجه مسلم في المقدمة: باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (١/ ١٠) عن أبي هريرة بلفظه. (٣) أخرجه البخاري في العلم: باب من خَصَّ بالعلم قوماً .. (٢٢٥/١) عن علي دون قوله: ((ودَعُوا ما ينكرون)). (٤) أخرجه مسلم في المقدمة: باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (١١/١) عن ابن مسعود بنحوه، وهو باللفظ المذكور عند الخطيب في ((الجامع)) (١٠٩/٢). (٥) أخرجه عن أيوبَ الخطيبُ في ((الجامع)) (١٠٩/٢) بلفظه. (٦) في (م): وقال. (٧) أخرجه عن مالكِ الخطيبُ في ((الجامع)) (١٠٠/٢) بنحوه. (٨) ((الجامع)) (١١٠/٢)، وانظر: للرخصة في النبيذ ((صحيح مسلم)) الأشربة: باب إباحة النبيذ الذي لم يَشْتَدَّ ولم يَصِرْ مُسْكِراً (١٥٨٩/٣)، وكذا حديثَ عبد الله بن بُرَيدةَ عن أبيه عند مسلم قبل الباب الآنف ببابين. (٩) ((الجامع)) (١١٤/٢). (١٠) ((الجامع)) (١١٥/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٧٣ آدابُ الشيخ المحدِّثِ حديثٍ: ((حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَجَ))(١): ((أي لا بأسَ أنْ تُحدثوا عنهم مما(٢) سمعتم وإن استحالَ أنْ يكون في هذه الأمة، مثلُ ما رُويَ أنَّ ثيابَهم تطولُ، والنارِ التي تنزلُ من السماء فتأكلُ القُرْبان))، انتهى (٣). لكن قال بعضُ العلماءِ: ((إنَّ قولَه: ((ولا حَرَج)) في موضع الحال، أي حَدِّثُوا عنهم حالَ كونِه لا حَرَجَ في التحديث عنهم بما حُفِظَ من أخبارهم عن رسول الله (َ﴾)) - يعني وعن صحابته والعلماءِ كما قاله الخطيب(٤) - ((فإنَّ روايته تَجُوز»، انتھی(٥). وقد بَيَّنتُ ذلك واضحاً في كتابِي: ((الأصلُ الأصيلُ في تحريمِ النقلِ من التوراة والإنجيلِ))(٦). وكذا قال الخطيبُ: ((وليجتَنِبْ ما شَجَرَ بين الصحابةِ، ويُمْسكْ عن ذكر الحوادثِ التي كانت فيهم)»(٧) لحديثِ ابن مسعودٍ الذي أَورَدَهُ في كتابِهِ في ((القول في علم النجوم)) (٨) رَفَعَه: ((إذا ذُكِرَ أَصْحابي فَأَمْسِكُوا)). وَهو عند (١) أَخَرَجَهُ البخاري في أحاديث الأنبياء: باب ما ذُكر عن بني إسرائيل (٤٩٦/٦) جُزْءاً من حديثٍ عن ابن عمرو بن العاص. وهو عند أبي داود في العلم: باب الحديث عن بني إسرائيل (٦٩/٤) باللفظ المذكور عن أبي هريرة. (٢) في النسخ: بما. والتصحيح من ((الجامع)). (٣) من ((الجامع)) (١١٧/٢)، وقد ترك السخاوي جملةً من كلام الشافعي تَزِيدُه وضوحاً، فقد قال بعد ذلك: ((لَيسَ أَنْ يُحَدَّثَ عنهم بالكَذِبِ)). (٤) في ((الجامع)) (١١٥/٢). (٥) أورد الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٤٩٨/٦) عِدةً أقوالٍ في المُرادِ من هذا الحديث، ومن أحسنها قولُ الإمام مالك: ((المرادُ: جوازُ التحديث عنهم بما كان من أمرٍ حسنٍ، أما ما عُلمَ كَذِبُه فَلَا)). (٦) ذكر السخاوي كتابه هذا أيضاً في ((الإعلان بالتوبيخ)) (١٥٠) وفي ((الضوء اللامع)) (٨/ ١٨)، وتقدمت الإشارة إليه تعليقاً (ص٢١٠). (٧) ((الجامع)) (١١٩/٢)، وفيه: ((منهم)). (٨) كتابٌ للخطيب. وهو مخطوط في عاشر أفندي باستنبول (١/ ١٩٠)، وذَكَر الدكتور أكرم العمري في ((موارد الخطيب)) (٧٧) حاشية أنّ السُّبْكي قد اقتبس في ((طبقات الشافعية)) منه، وأن تلكَ الاقتباسات تدلُّ على أن الكتابَ في ذمِّ التنجيم ومُعْتَقِديه. قلتُ: ويؤيد ذلك ما جاء في حديثِ ابنِ مسعود المذكور: ((وإذا ذُكِرَ النجومُ فَأَمْسِكوا)). آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٧٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ابنِ عدي (١) من حديث ابنِ عُمر أيضاً، وكلاهما لا يصح (٢). وقد قال زَيد العَمِّي: ((أدركتُ أربعينَ شيخاً من التابعين، كلُّهم يحدثونا عن الصحابة أنَّ رسولَ وَ ◌ّر قال: ((مَن أحب جميعَ أصحابي، وتولَّاهم، واستغفرَ لهم جعلَه الله يومَ القيامة معهم في الجنة))(٣). وقال الضحاكُ: «لقد أَمرَهم بالاستغفار لهم وهو يعلمُ أنهم سَيُحْدِثُون ما أحدثوا))(٤). (١) في ((الكامل)) (٢١٧٢/٦). (٢) أما حديثُ ابنِ مسعود عند الخطيب في الكتاب الآنف فلم أَرَه، وقد أخرجه أبو نُعَيم في ((الحلية)) (١٠٨/٤) من رواية مُسْهِر بن عبد الملك عن الأعمش عن أبي وائل عنه به، ثم قال أبو نُعَيم: ((غريبٌ من حديث الأعمِش تفرَّد به عنه مُسْهر)) اهـ. ومُسْهر لَيِّن الحديث كما في ((التقريب)) كما أن الأعمشَ مدلِّسٌ وقد عنعن. وأما حديثُ ابنِ عُمرَ عند ابن عدي في ((الكامل (( (٢١٧٢/٦) ففي سنده محمدُ بن الفضل بن عَطِية الخراساني، وقد نقل ابنُ عدي عن جمعٍ من الأئمة تكذيبَه. وكذا في ((الجرح والتعديل)) (٥٦/٨). (٣) أخرجه الحسن بن عرفة في ((جزئه)) (٧٢)، ومن طريقه الخطيب في ((الجامع)) (٢/ ١١٩) وفي سنده سَلْم بن سالم البَلْخي ضعَّفه النسائي كما في ((كتاب الضعفاء والمتروكين)) (١١٧)، ونَقل ابنُ حبان في ((المجروحين)) (٣٤٤/١) تكذيبَه عن ابن المبارك، وقال ابنُ حبان: (منكر الحديث، يَقْلِب الأخبارَ قَلْباً). وفي سنده أيضاً: عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، وأبوه. وعبدُ الرحيم متروك كما قال النسائي في ((كتاب الضعفاء والمتروكين)) (١٦١)، وانظر: ((المجروحين)) (١٦١/٢)، و((الكامل)) (٥/ ١٩٢٠). وأما أبوه واسمُه زيد بن الحَوَارِي العَمِّي فضعيف كما قال النسائي في ((الضعفاء والمتروكين)) (١١١)، وانظر: ((المجروحين)) (٣٠٩/١)، و((الكامل)) (٣/ ١٠٥٥)، فالحديثُ بهذا السند ضعيفٌ جداً وأقربُ إلى الموضوع. وأما مَثْنُه فيشهد له قولُهُ وَالَ: ((المرءُ معَ مَنْ أحبّ)) متفق عليه. البخاري برقم (٦١٦٨، ٦١٦٩)، ومسلم برقم: (٢٦٤٠). هذا والعَمِّي - بفتح المهملة وكسر الميم مشددة - لأنه - كما في ((الجرح والتعديل)) (٥٦١/٣) - كان كلما سُئل عن شىء قال: حتى أسألَ عَمِّي. وقيل: إنه منسوب إلى (بني العَمِّ) بَظْنٍ من (تَمِيم) كما في ((الأنساب)) (٦٢/٩). (٤) أخرجه عنه الخطيب في ((الجامع)) (١١٩/٢). وعلَّق مُحَقِّقُه على قوله: (أَمَرَهُم) بقوله: (لعله: أَمَرَهُ. والمرادُ بذلك قوله تعالى: ﴿وَأُسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]اهـ. فيكون المراد: أمَرَ اللهُ نبيَّه بالاستغفار لأصحابه. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٧٥ آدابُ الشيخ المحدِّثِ وعن العَوَّام بنِ حَوْشَب قال: ((أدركتُ مَنْ أدركتُ مِن خِيار هذه الأمة وبعضهم يقولُ لبعض: اذكروا محاسنَ أصحابِ محمدٍ وَّهِ لتَأتلفَ عليها القلوبُ))(١). قلتُ: وإنَّما يَتَيَسَّر للمُمْلي ما تقرَّر إثباتاً ونفياً حيث لم يتقيدْ بكتابٍ مخصوص . أما مع التقيّد - كما فعل الناظمُ في ((تخريج المستدرك))(٢)، و((أَمَالي الرافعي)»(٢)، وشيخُنا في ((تخريج ابن الحاجب الأصلي)) (٣)، و((الأذكار)) (٤)، ونحو ذلك - فإنَّه - والحالة هذه - تابعٌ لأَصله، لا يخرج عنه، مع كونه لا ينهض له إلَّ مَنْ قَوِيَتْ - في العلم - براعتُه، واتسعت روايتُه والله الموفق. ٧١٠ (واستُحسِنَ) للمُمْلي (الإنشادُ) المباحُ المُرَقِّقُ (في الأَوَاخِر) من كل مجلس (٥) (بعد الحكاياتِ) اللطيفةِ (مع النَّوَادر) المُستَحسنةِ، وإنْ كانت مناسبةً لما أملاه من الأحاديث فهو أحسنُ. كل ذلك بالأسانيد، فعادةُ الأئمةِ من المحدثين جاريةٌ بذلك. وكثيراً ما يُنْشِد ابنُ عساكر مِنْ نَظْمه، وكذا الناظمُ، وربَّما فعله شيخُنا . وقد بوَّبَ له الخطيب في ((جامعه))(٦) وساق عن ابنِ عباس قال: ((قُرئ عند النبي ◌َّ﴿ قرآنٌ، وأُنشِدَ شِعرٌ، فقيل: يا رسول الله، أَقُرأَنٌ وشعر في مجلسك؟ قال: نعم)) (٧). (١) أخرجه عنه الخطيب في ((الجامع)) (١٢٠/٢). (٢) ذَكَره ابن فهد في ((لحظ الألحاظ)) (٢٣٣)، وتقدمت الإشارة إليه تعليقاً (ص ٢٥٠). (٣) أي (تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجبِ الأصلي). انظر: ((لحظ الألحاظ)) (٣٣٧) وابنُ الحاجب هذا مضت ترجمته، وقد أَلَّف - مِن ضِمْن مؤلفاته الكثيرة - كتاباً اسمُه: ((منتهى السُولِ والأَمَلِ في علْمَي الأصولِ والجدلِ))، ثم اختصره في كتابٍ سماه: ((مختصر منتهى السولِ والأمل))، وقد خرَّج الحافظُ ابن حجر أحاديثَ هذا المختصر، و(الأصلي): تمييز له عن مختصره الفرعي في الفقه. (٤) للنووي، واسمه: ((نتائج الأفكار بتخريج أحاديث الأذكار))، ولم يكمله. (٥) في (ح) و(م): من المجالس. والمثبت أولى. (٦) (١٢٩/٢). (٧) (١٣٠/٢)، وفي سنده محمد بن السَّائب الكَلْبي، وهو متهم بالكذب كما هو معروف. آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٧٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وعن أبي بَكْرةَ قال: ((أتيتُ النبيَّ وَّهِ وعنده أعرابيٌّ يُنْشِده الشعرَ، فقلت: يا رسولَ الله، القرآن أو الشعر؟ فقال: يا أبا بَكْرة هذا مرة، وهذا مرة»(١). وعن علي أنه قال: ((رَوِّحوا القلوبَ، وابتغوا لها ظُرَفَ الحِكْمة))(٢). وعن الزهري أنَّه كان يقول لأصحابه: ((هاتوا من أشعاركم، هاتوا من حديثِكم، فإنَّ الُذُنَ مَجَّاجَةٌ، والقَلْبَ حَمِضٌ)) (٣). وعن كَثير بنِ أفلحَ قال: ((آخرُ مجلسٍ جالَسْنَا فيه زيدَ بنَ ثابتٍ تناشدنا فيه الشعر)) (٤). وعن حماد بن زيد أنه حدّثَ بأحاديث ثم قال: ((لِتَأْخُذُوا في أَبْزَار الجنة))(٥)، فحدَّثنا بالحكايات. وعن مالك بن دينار قال: ((الحكاياتُ تحف أهل الجنة))(٦). وساق غيرُه عن ابن مسعود قال: ((القلوبُ تَمَلُّ كما تَمَلُّ الأبدانُ، فاطلبوا لها طَرَائِفَ الحِكْمة)). وعن ابنِ عباس أنه كان إذا أفاض في القرآن والسُّنَن قال لمن عنده: ((أَحْمِضُوا بنا))(٧)، أي خُوضوا في الشعر والأخبار. ثم إنَّ ما تقدم: في العارف غيرِ العاجز. (وإنْ يُخَرِّجْ للرواةِ) الذين ليسوا من أهل المعرفة بالحديث، وعِلَلِه، واختلافِ وجوهه وطُرُقِهِ، وغيرِ ذلك من أنواع علومه. أو من أهل المعرفةِ ٧١١ (١) ((الجامع)) (٢/ ١٣٠) وهو ضعيف جداً لأن في سنده: المسيبَ بنَ شَرِيك، وهو متروك، قاله النسائي وغيرُه. ((الضعفاء والمتروكين)) (٢٢٨)، و((الميزان)) (١١٤/٤). (٢) ((الجامع)) (١٢٩/٢). (٣) ((الجامع)) (١٣٠/٢) والأُذُن المَجَّاجةُ: التي تمج ما تسمعه فلا تَعِيه. وقوله: حَمِضٌ: أي يشتهي السماعَ كما تَشتهي الإبلُ نباتَ الحَمْض الذي هو لها کالفاكهة للإنسان. والمراد: أن الأذن تمج ما تسمعه والقلب في شهوة إلى السماع. ((النهاية)) (٤٤١/١)، (٢٩٨/٤). (٤) ((الجامع)) (١٣١/٢). (٥) ((الجامع)) (١٣١/٢) وقوله: لِتَأْخذوا ضُبِطت في (س) بكسر اللام وبعدها مثناة ومثله في ((أدب الإملاء)) (٧٠)، ودخول اللام على فعل الأمر قليلٌ جداً ومنه قولُه ◌َّه: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُم))، أخرجه مسلم في ((الحج)): باب استحباب رَمْي جمرةٍ ... (٢/ ٩٤٣) وفي باقي النسخ: (ثم قال لنا: خذوا) على الجادة. ومثله في ((الجامع)). والأبزار - بالزاي ثم الراء - جمع بَزْر، وهو كل حَبِّ يُبْذَر للنبات، والتوابل لِتَظْبِيب الغذاء ((القاموس)) و((التاج)). (٦) ((الجامع)) (١٣١/٢). (٧) ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (١١١/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٢٧٧ آدابُ الشيخ المحدِّثِ ولكنهم عَجَزِوا عن التخريج والتفتيش إما لِكِبَرِ سِنٌّ وضعفٍ بَدَدٍ - كما اتَّفَقَ للناظم في إملائه بِأَخَرةٍ لذلك شيئاً مما خَرَّجه له شيخُنا رحمهما الله - وإمَّا لِطُروءٍ عَمَّى ونحوِهِ (مُتْقِنٌ) (١) من حُفاظ وقتهم (مجالسَ الإملاء) التي يريدون إملاءها من الأحاديث وما يُلحق بها، إما بسؤالٍ منهم له، أو ابتداءً (فهو حَسَنٌ) بل قال الخطيبُ: ((إنه ينبغي - يعني للقاصر - أن يستعينَ ببعض حُفّاظ وقته، فقد كان جماعةٌ من شيوخِنا كأبي الحُسَين ابنٍ بِشْرَان، والقاضي أبي عُمرَ الهاشمي(٢)، وأبي القاسم السرّاج(٣)، وغيرِهم يستعينون بمن يُخَرِّجُ لهم)) (٤). ٧١٢ (وليس بالإملاءِ حينَ يَكْمُلُ غِنَّى عن العَرْض) والمُقَابَلة، (لـ) إصلاح (زَبغ) أو طُغيانِ قلمِ (يَحْصُلُ)، يعني فإنَّ المقابلةَ بعد الكتابة واجبةٌ كما تقدَمَ في بَّابها(٥) حكايةً عّن الخطيب وغيرِهِ. إذ لا فَرْقَ. وحينئذٍ فيأتي القولُ بجواز الرواية من الفرعِ غيرِ المُقَابَل بالشروط المتقدمة . بل كان شيخُنا - لكثرةِ مَن يكتب عنه الإملاء ممن لا يُحسنُ - هَمَّ أنْ يَجعلَ بكل جانبٍ واحداً من أصحابه الذين لهم بالفنّ إلْمامٌ في الجملة، ليختبرَ كتابتَهم، ويراجعونه(٦) فَمَا تَسَّر. والتبكيرُ بالمجلس أَوْلى، إلَّا أنْ يكونَ في الشتاء، فالأَوْلى أنْ يَصبرَ ساعة حتى يرتفعَ النهار. واستُحِبَّ للطالب السبقُ بالمجيء لئلا يفوتَه شيءٌ فتشقَّ إعادتُه، فالعادةُ جاريةٌ - كما قال الخطيب(٧) - بكراهة تكرير ماضيه، واستثقالِ الإعادة لفائِتِّهِ ومُنْقَضِيه حتى قال الثوري، ويزيدُ بن هارون - وغيرُهما -: (١) هذا فاعل لقوله: (وإنْ يُخَرِّجْ للرواة). (٢) الإمام الفقيه المُعَمَّر مسند العراق القاسم بن جعفر بن عبد الواحد العباسي البصري. مات سنة ٤١٤. ((تاريخ بغداد)) (٤٥١/١٢)، و((السير)) (٢٢٥/١٧). (٣) المُسند الإمام عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله النيسابوري. مات سنة ٤١٨. ((العبر)) (٢٣٥/٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٠٨٤/٣) ضِمنَ ترجمة اللّالَكَائي. (٤) أشار إلى معنى ذلك الخطيب في ((الجامع)) (١٥٦/٢، ١٥٧) وعزاه إليه ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٢١) دون ذكر الأسماء. (٥) (ص٥٣) من هذا الجزء. (٧) في ((الجامع)) (١٣٤/٢). (٦) كذا، والجادة: ويراجعوه. آدابُ الشيخ المحدِّثِ ٢٧٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ((مَنْ غَابَ خَاب، وأكل نصيبَه الأصحاب، ولم نُعِدْ له حديثاً))(١). وقال الزهري: (نَقْلُ الصخر أَهْوَنُ من إعادة الحديث))(٢) . وقال نفطُويه - يخاطب ثقيلاً - في أبيات: خَلِّ عَنَّا، فإنَّما أنتَ فينا وَاوُ عَمرٍو، أَوْ كالحَدِيثِ المُعَادِ(٣) ودخل بعضهم على الشيخ وقتَ الانصراف، فأنشأ الشيخ يقول: وَلَا يَرِدُونَ الماءَ إِلَّ عَشِيَّةً إِذَا صَدَرَ الوُرَّادُ عَنْ كُلِّ مَنْهَلٍ (٤) ولذا كان خَلقٌ يَبِيتون ليلة إملاء عليّ بن المَدِيني بمحلِّ جلوسه، حرصاً على السماع، وتَخوُّفاً من الفَوَات(٥). (١) أخرجه الخطيب عن يزيد في ((الجامع)) (١٣٧/٢)، وأخرجه عن الثوري: السمعاني في ((أدب الإملاء)) (٨٠). (٢) ((الجامع)) (١٣٥/٢). ((الجامع)) (١٣٥/٢)، و((أدب الإملاء)) (٧٩)، ومنهما أخذت همزةَ (أو) وكانت سقطتْ (٣) من النُسَخ. (٤) أورده السمعاني في ((أدب الإملاء)) (٨٤)، وذكر أنَّ الشيخَ هو أبو سعد بن أبي الفضل بن البغدادي، أحدُ شيوخ السمعاني. (٥) ((الجامع)) (١٣٨/٢). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٢٧٩ آدابُ طالبِ الحَدِيثِ (آدابُ طالبِ الحَدِيثِ)(١) سوى ما تقدم ٧١٣ (وَأَخْلِصْ) أيها الطالبُ (النيةَ) لله رَت (في طَلَبِكا) للحديث، فالنفع به، وبغيره من العلوم الشرعية متوقُّفٌ على الإخلاص به لله سبحانه، والضرب صفحاً عما عدا ذلك من الأَغْراض والأَعْراض، تَسْلَمْ من غَوَائلِ الأَمْراض، ودسائسٍ الأَغواض، كما سلف في الباب قبله، مع كثير مما سيأتي هنا. وحيث كان كذلك تَزْدَادُ(٢) عِلماً وشرفاً في الدارين، واتَّقِ المفاخرةَ فيه والمباهاةَ به، وأنْ يكون قَصدُك(٣) مِن طَلَبه نَيْلَ الرئاسةِ، والوظائفِ، واتخاذَ الأتباع، وعقدَ المجالس. قال إبراهيم النخعي: ((من تعلَّم علماً يريد به وجهَ الله والدارَ الآخرةَ آتاه الله من العلم ما يحتاج إليه)) (٤). وقال إسرائيلُ بنُ يونسَ بنِ أبي إسحاق السَّبِيعي: ((مَن طلب هذا العلمَ الله شَرُفَ وسَعُدَ في الدنيا والآخرة، ومن لم يطلبْه لله خَسِر الدنيا والآخرةَ)) (٥). وقال رسولُ اللهَ وَّهِ: ((مَن تعلَّم علماً مما يُبْتَغَى به وجهُ الله لا يتعلَّمُه إلّا ليُصِيبَ به عَرَضاً من الدنيا لم يَجِدْ عَرْفَ الجنة - أي ريحَها - يوم القيامة))(٦). (١) وهو النوع الثامن والعشرون من كتاب ابن الصلاح. (٢) يعني: وحيث كان حالُك إخلاصَ النية فإنك تزداد ... إلخ. (٣) يعني: واتَّقِ أن يكون قصدك ... إلخ. (٤) أخرجه الدارمي في المقدمة: باب العمل بالعلم وحسن النية فيه (٨٢/١)، والخطيب في ((الجامع)) (١٠٤/١)، وابن عبد البر في ((جامعه)) (١٩١/١) كلهم عن إبراهيم بنحوه. إلا أنَّ كلمة (النخعي) تصحفت في جامع ابن عبد البر إلى (التيمي). (٥) أخرجه عنه الخطيب في ((الجامع)) (٨٣/١). (٦) أخرجه أبو داود في العلم: باب في طلب العلم لغير الله (٧١/٤)، وابنُ ماجه في = آدابُ طالبِ الحَدِيثِ ٢٨٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وقيل لابن المبارك: ((مَنِ الغَوْغَاءُ؟ قال: الذين يكتبون الحديثَ يَتَأَّلُون به الناسَ)(١). وعن حماد بن سلمة قال: ((من طلب الحديثَ لغير الله مُكِرَ به))(١). ونحوُه: قولُ أبي عاصم: ((من استخفَّ بالحديث استخفَّ به الحديثُ))(٢). وفسَّرِه ابنُ منده بِطَلَبِهِ للحجة على الخصم، لا للإيمان به والعمل بمضمونه. وقال الشافعي: ((أَحْشَى أنَّ مَن طلب العلمَ بغير نية أن لا يَنتفعَ به))(٣). وقال أبو يزيد البِسْطَامي(٤): ((إنّما يحسُن طلبُ العلم وأخبارِ الرسول ◌َِّ مِمّن يَطلُبِ الْمُخبِرَ به - يعني النبيَّ وَِّــ فأمَّا مَن طلبه لِيُزَيِّن به نفسَه عند الخلق فإنّه يزدادُ به بُعْداً عن الله ورسوله)). ((وسأل أبو عَمرٍو إسماعيلُ بنُ نُجَيد(٥) أبا جعفر بنَ حَمْدان(٦) - وكان من عباد الله الصالحين -: بأي نيةٍ أكتبُ الحديثَ؟ قال: أَلَسْتُم تَرْوُوْنَ: أنَّ ((عند ذِكر الصالحين تنزل الرحمة))(٧)؟ قال: نعم، قال: فرسولُ اللهِ وَل المقدمة: باب الانتفاع بالعلم والعمل به (٩٢/١)، وأحمد (٣٣٨/٢)، والحاكم (١/ = ٨٥)، وابن حبان ((موارد الظمآن)) (٥١)، والخطيب في ((الجامع)) (٨٤/١) كلهم من طريق فُلَيح بنِ سليمان عن أبي طُوَالَةَ عن سعيدٍ بن يَسَار عن أبي هريرة. والحديث صحیح. (١) أخرجه عنه الخطيب في ((الجامع)) (٨٥/١). (٣) ((المدخل)) للبيهقي (٣٢٥). (٢) ((معرفة علوم الحديث)) (١٧). (٤) طَيْفُور بن عيسى أحدُ الزهاد المتصوِّفَة. مات سنة ٢٦١. ((حلية الأولياء)) (٣٣/١٠)، و(السير)) (٨٦/١٣). (٥) المحدث الرباني شيخ نيسابور ولد سنة ٢٧٢، ومات سنة ٣٦٥. ((السير)) (١٤٦/١٦). (٦) في النُّسَخ: (أبَا عَمرو بن حمدان). وهو خطأٌ، فقد جاء عند ابن الصلاح (٢٢٢): ( .. عن أبي عَمرِو إسماعيلَ بنِ نُجَيد أنه سأل أبا جعفر أحمدَ بنَ حمدان .. )، وقد ولد أبو جعفر سنة ٢٤٠، ومات سنة ٣١١، وله ترجمة في ((تاريخ بغداد)) (١١٥/٤)، و((السير)) (٢٩٩/١٤)، وكان إماماً حافظاً زاهداً. وله ابنٌّ يُكْنَى أبا عَمرو بنَ حمدان، وهو إمامٌ مُحدِّث نَحْويٌّ زاهدٌ. ولد سنة ٢٨٣، ومات سنة ٣٧٦. ((السير)) (٣٥٦/١٦) وَمِنْ مَعْرِفةِ سنة مواليدِ الثلاثة يتبينُ أنَّ السؤالَ صَدَرَ من ابنِ نُجَيد لأبي جعفر. والله أعلم. ولابْنَيْ حمدانَ ذِكْرٌ سيأتي (ص٢٩٣). (٧) قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٢٩٢): ((قال شيخُنا: لا أَسْتَحْضِرُه مرفوعاً)). وقال مُلَّا علي القَارِي في ((الأسرار المرفوعة)) (٢٤٩): ((قال العسقلاني: لا أصل له)) ثم ذكر السخاوي والقاري عن العراقي قولَه: ((ليس له أصل في المرفوع. وإنما هو =