Indexed OCR Text

Pages 101-120

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٠١
كتابةُ التسميع وكيفيتُه
فوالله ما أَفْلَحوا ولا أَنْجَحُوا)). وقال ابنُ الصلاح عَقِبَهُ: ((إنه أيضاً رأى أقواماً
مَنَعوا فما أفلحوا ولا أنجحوا))(١) .
٦١٩
(وَلْيَحْذَرِ المُعَارُ) له المسموعُ (تَطْوِيلاً) أي من التطويلِ في العاريّة،
والإبطاءِ بما استعارَه على مالكه إلا بقَدْر الحاجة، فقد رُوِّينا عن الزُهري أنه
قال ليونسَ بنِ يزيدَ: ((إياك وغُلُولَ الكُتُبِ)). قال يونسُ: فقلتُ: وما غُلُولُها؟
قال: ((حَبْسُها عن أصحابها))(٢).
وَرُوِّينا عن الفُضَيلِ بنِ عِيَاض أنه قال: ((ليس مِنْ فِعْلِ أهلِ الخَيرِ والوَرع
أن يأخذ سماعَ رجلٍ وكتابَه فَيَحبِسُه، فَمَنْ فَعَلَ ذلك فقد ظَلَمَ نَفْسَه))(٣).
وأما ما رُوِّيناهُ في ترجمةِ أبي بكرٍ محمدِ بنِ داودَ بِنِ يزيدَ بنِ حازم
الرازيّ من ((تاريخ نَيسابُورَ)) أنه قال: «سمعت أحمدَ بنَ أَبِي سُرَيج يقول:
سمعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقول: ((إذا رَدَّ صاحبُ الحديثِ الكتابَ بعد سنةٍ فقد
أَحْسَنَ)) ((فليس على إطلاقه. وبلَغَنا عن ابنِ المُصَنِّف أنه كان يقول: ((إذا غاب
الكتابُ عند المُستَعيرِ أكثرَ من عَدَدٍ وَرَقِهِ فهو دليلٌ على أنه لم يأخذه لكتابةٍ،
ولا قراءةٍ، ولا مقابَلَةٍ، ولا مُطَالعةٍ))، أو كما قال.
ثم إنَّ التَمسُّكَ في المنع بالبُطءِ وما أَشْبهه لا يكفي في عدم الإلزام
بالدفع فقد ساق ابنُ النَجَّار في ترجمةِ الأمير أبي محمد عبدِ الله بنِ عثمانَ بنِ
عُمَرَ من ((ذَيله))(٤): ((أن إسماعيلَ القاضِي المالكيَّ بعدَ أن حَكَمَ بما تقدم قال له
المحكومُ عليه - وهو صاحبُ الكتاب -: إنه يُعَذِّبُني في كُتُبي إذا دفعتُها إليه،
فقال له: أخرج إليه ما لَزِمَكَ بالحُكْم. ثم قال للمدَّعِي: إذا أعارك أخوك كُتُبَهُ
(١) ((علوم الحديث)) (٢٢٤).
(٢) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (٢٤٢/١).
(٣) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (٢٤٣/١).
(٤) هو ((ذيل تايخ بغداد))، وابن النَجَّار هو الحافظ محب الدين أبو عبد الله محمد بن
محمود بن الحسن البغدادي، مات سنة ٦٤٣ وقد جعل كتابَه هذا ذيلاً على ((تاريخ
بغداد)» للخطيب البغدادي. وقد طُبع الموجود من ذيله بمطبعة دائرة المعارف العثمانية
بالهند عام (١٣٩٨). وترجم لابن النجار كثيرون، منهم ابنُ شاكر في ((فوات الوفيات)»
(٣٦/٤)، والذهبي في ((السير)) (١٣١/٢٣).

کتابةُ التسميع و کیفیتُهُ
١٠٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
لتَنْسَخَها فلا تُعذِّبه، فإنك تَطْرُقُ على نفسِك مَنْعَك فيما تَستَحِقِ. فَرَضِيا بذلك،
وطابا))(١).
بل وفي لفظٍ عند أبي بكرٍ الْيَزْدِيّ(٢) في ((جُزْء عارية الكتب)) له المسموع
لنا: أنَّ صاحبَ الكتاب - وهو سهلُ بنُ محمد الجوهريُّ - قال لإسماعيل:
((أعز الله القاضي، هذا رجل غريب أخاف أن يذهَبَ بكُتُبي، فيُوثِق لي حتى
أُعْطِيَه. فقال له القاضي: فَاكْتر رَجلاً بدرهمين في كل يوم، وأَقْعِذْه معه حتى
یفرُغَ من نسخ سماعه)).
(و) كذا لَيَحْذَرْ إذا نسخَ من المسموعِ المُعارِ لنَفسِه فرعاً (أَنْ يُثْبِتَ)
سماعَه فيه (قبل عَرْضه) ومقابَلِتِه، بل لا ينبغي إثباتُ تسميع على كتابٍ مطلقاً
إلا بعد المقابلة، (ما لَمْ يُبَنْ) - بفتح الموحدة - في كلِّ منَ الإثبات والنَقْلِ أنَّ
النُسخَة غيرُ مقابَلة.
(١) أخرج الخطيبُ نحوَها في ((الجامع)) (٢٤١/١).
(٢) بفتح المثناة التحتية وسكون الزاي وكسرِ المهملة نسبةً إلى (يَزْد) مدينة متوسطة بين
نيسابور وشيراز وأصبهان. ((معجم البلدان)) (٤٣٥/٥)، ونحوُه في ((الأنساب)) (١٣/
٤٩٣).
ولم أَتَمَكَّن من تحديد اليَزْدي المذكور. وهناك ثلاثةٌ كلٌّ منهم أبو بكر اليَزدي أولُهم
ذَكَرَهُ السمعاني في «الأنساب)) (٤٩٤/١٣) اسمه أحمدُ بنُ محمد بن جعفر بن مهریار،
روى عنه الخطيبُ البغدادي، وثانيهم الحافظُ ابن مَنْجُويه أحمد بن علي بن محمد.
مات سنة ٤٢٨، مُترجَمٌ له في ((السير)) (٤٣٨/١٧) وغيرِهِ، والثالثُ الإمام القاضي
أحمدُ بنُ عبد الرحمن بن أحمد، مات سنة ٤١١. ((السير)) (٣٠٦/١٧)، وأَوْسَطُهم
أَقْرَبُهم. والله أعلم.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٠٣
صفةُ روایةٍ الحدیثِ وأدائِه
(صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه) سوى ما تقدم
وفيه فصولٌ:
الأول: في جواز اعتمادِ المحدث - ولو كان ضريراً، أو أُمِّيّاً - الكتابَ
المَصُونَ ولو غاب عنه حتى في أَصلِ السماع وإن لم يستحضرْه.
٦٢٠
(وَلْيَرْوِ) الراوي (من كتابِهِ) المُتَقَنِ المقابَلِ المَصُونِ الذي صحَّ عنده سماعُ
ما تضمَّنه، مُعتمداً عليه (وإن عَرِيَ) أي خلا (مِنْ حفظه) بحيث لم يذكر تفصيلَ
أحاديثه حديثاً حديثاً، أو كان يحفَظُه إلا أنه سيُ الحفظِ فذاك (جائز للأكثر)
من العلماء، لأن الروايةَ مَبْنيةٌ على الظن الغالبِ لا القَطع، فإذا حصلَ كفى،
ولم يَضُرَّه - كما قال الحُمَيديّ(١) - ذلك إذا اقتَصَر على ماَ في كتابه ولم يَزِدْ فيه
ولم يَنقُص عنه ما يُغَيِّر معناه، ولم يَقبَلِ التلقينَ إذا لم يُرزقْ من الحفظ
والمعرفةِ بالحديث ما رُزِقَه غيرُه. قال: ((لأني وجدتُ الشهودَ يختلفون في
المعرفة بحدِّ الشهادة، ويتفاضلون فيها كتفاضُلِ المحدثين، ثم لا أَجدُ بدّاً من
إجازة شهادتهم جميعاً))(٢). وحينئذٍ فالمُعَوَّلُ عليه: الإتقانُ والضبطُ ولو لم يكن
حافظاً. ولذا قال ابنُ مهديٍّ: ((الحفظُ هو الإتقان))(٣). وقال مروانُ بن
محمد (٤): ((ثلاثةٌ لا غَنَاءَ للمُحدث عنها: الحفظُ، والصدقُ، وصِحةُ الكُتب، فإن
(١) هو الإمام الحافظ أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى الأَسَديُّ الحُمَيدي المكي أحد
شيوخ الإمام البخاري، مات سنة ٢١٩ كثّفُ.
(٢) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٠).
(٣) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٦٥)، و((الجامع)) (١٣/٢).
(٤) في النسخ: (مروان بن محمد الفَزَاري)، وكلمة: (الفزاري) ليست عند الخطيب في (الكفاية
- ٢٣٠) وهو مصدر المؤلف. ثم إن الفزاري هو (مروان بن معاوية) مترجم في ((تهذيب
الكمال» (٤٠٣/٢٧) وأما مروان بن محمد فهو الأسدي، مترجم في ((تهذيب الكمال)»
(٣٩٨/٢٧)، وهما متعاصران، وقد انتقل ذهن المؤلف تخذتُ من أحدهما إلى الآخر.

صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
١٠٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
أَخْطَأه الحفظُ وكان فيه ما عداه لم يَضُرَّه))(١). وعن ابنِ مَعِينٍ قال: ((ينبغي
للمُحدِّثِ أن يَتَّزِرَ بالصدق، وَيَرْتَدِيَ بالكُتب))(١)، رواها الخطيب.
ولا ينافيه قولُ الإِمامِ أحمدَ: ((لا ينبغي للرجل إذا لم يَعْرِف الحديثَ أن
يُحدِّثَ))، لا سيما وقد روى الخطيبُ في ((جامعه)) عن علي بن المَدِيني قال:
قال لي سيدي أحمدُ: ((لا تُحَدِّث إِلّا من كتاب))(٢).
وقال ابنُ مَعِينٍ: ((دخلتُ على أحمدَ فقلت: أَوْصِني، فقال: لا تُحدِّثِ
((المُسندَ)) إلا من كتاب))(٣). ولا شك أن الحفظَ خَوَّان. وقد قال محمد بن
إبراهيم مربّعٌ (٤) الحافظ: ((قدم علينا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ فانْقَلَبَتْ له ((بغدادُ))،
ونُصِب له المنبر في مسجد ((الرُّصَافَةِ))، فجلس عليه فقال ـ من حفظه -: حدثنا
شَرِيكٌ، ثم قال: هي (بَغداد))، وأخاف أن تَزِلَّ قَدَمٌ بعدَ ثُبوتها. يا أبا(٥) شَيْبَةَ
- يعني ابنَهُ إبراهيم - هاتِ الكتابَ(٦)).
وقال ابن دَرَسْتُويه (٧): ((أُقْعِدَ عليُّ بن المَدِينِيّ بـ((سَامَرًا)) على مِنبرٍ فقال: يَقْبُحُ بمن
جَلَسَ هذا المجلسَ أن يُحدِّثَ من كتاب. ثم حدَّثَ من حفظه فغلط في أول حديث))(٨).
(١) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٠). (٢) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (١٢/٢).
(٣) أخرجه ابن السمعاني في ((أدب الإملاء)) (٤٧). ومراده بالمسند هنا: الأحاديث
المسوقة بأسانيدها .
(٤) جاء في النسخ: (بن بَزِيْع) وضبط في (س) بالقلم على الباءِ الموحدةِ فتحةٌ وتحت
الزاي كسرةٌ وعلى المثناة التحتية سكون. وجاء في ((الجامع)) (٢/ ١٣) للخطيب بتحقيق
فضيلة الدكتور محمود الطحان (مُرَتَّع) أي بضم الميم وفتح الراء وفتح المثناة الفوقية
المشددة. وفي تحقيق الدكتور محمد رأفت سعيد لـ((الجامع)) (٧١/٢): (متربع) أي
بميم ثم مثناة فوقية ثم راء ثم موحدة. وكل ذلك تصحيف. وإنما هو مُرَبَّع بالميم
والراء والموحدة والمهملة على وزن معظّم كما في ((الإكمال)) (٢٣٥/٧) وغيره وهو
أبو جعفر الأنماطي. وقد أخرج الخطيبُ قصتَه الآتيةَ في ((تاريخ بغداد)) (١٠ / ٦٧ -
٦٨) في ترجمة ابن أبي شيبة وفيه: (محمد بن إبراهيم المُربَّع الحافظ). وقد مضى
لـ(مربع) هذا ذكر في صحيفة (٣٢) وذكرتُ في الحاشية مَنْ لقَّبَه به ومكانَ ترجمتِه.
(٥) في النسخ الثلاث: يابا.
(٦) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (١٣/٢)، وفي («تاريخ بغداد)) (٦٧/١٠ - ٦٨).
(٧) الإمام العلامة شيخُ النحو أبو محمد عبد الله بن جعفر الفارسي. صنّف التصانيفَ، ورُزق
الإسنادَ العالي. مات سنة ٣٤٧. ((طبقات النحويين واللغويين)) (١١٦)، و((السير)) (٥٣١/١٥).
(٨) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (١٣/٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٠٥
صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
٦٢١
(و) رُوي (عن) الإمام (أبي حنيفةَ) النعمانَ بنِ ثابتٍ الكوفيِّ (المَنْعُ)،
وأنه لا حُجَّة إلا فيما رواه الراوي من حفظه وتَذَكُّرِه للمرويِّ تفصيلاً من حينَ
سَمِعَهُ إلى أنْ يُؤدِّيه. قال ابنُ مَعين - فيما رواه الخطيب -: ((كان أبو حنيفةً
يقول: لا يُحَدث الرجلَ إلا بما يَعرِفُ ويَحْفَظُ))(١).
و(كذا) رُوي (عن) الإمام (مالِك) هو ابن أنس، كما أخرجه جماعة منهم
الخطيب، وأبو الفَضْل السُّلَيماني(٢) في ((الحث على طلب الحديث)) له، واللفظُ
له من حديث ابن عبد الحَكم عن أشهبَ بنِ عبدِ العزيز قال: «سألت مالكاً:
أَيُؤْخَذُ العلمُ عمن لا يَحْفَظُهُ - زاد الخطيب: وهو ثقةٌ صحيح -؟ قال: لا،
قلتُ له: إنه يُخرِج كتابَه ويقولُ: هو سَمَاعِي. قال: أما أنا فلا أَرى أن يُحمَلَ
عنه، فإني لا آمنُ أن يُكْتَبَ في كتابه - يعني ما ليس منه. زاد الخطيب:
بالليل. ثم اتفقا - وهو لا يَدْري))(٣).
(و) رُوي أيضاً عن أحدِ أئمةِ الشافعية أبي بكرٍ (الصَيْدَلَانِيِّ) المَرْوَزِي(٤).
ونُسِبَ الزَّين الكَثْناني(٥) - من المتأخرين - اخْتِيَارُه. حتى كان يقولُ: ((أنا لا
يَحِلُّ لي أَنْ أَرْوِيَ إلا حديثَ: ((أنا النبيُّ لا كَذِبْ، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبْ))(٦)،
لأني من حينَ سَمِعْتُهُ لَمْ أَنْسَهُ»(٧).
(١) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣١).
(٢) الإمام الحافظ المُعمَّر أحمد بن علي بن عَمرو البِيْكَندي، مات سنة ٤٠٤. والسُّلَيماني نسبةً
لجده لأمه أحمدَ بن سُليمان البيكندي. ((الأنساب)) (١٢٢/٧)، و((السير)) (٢٠٠/١٧).
(٣) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٢٧).
(٤) اسمه محمدُ بن داودَ بن محمد، وهو شارح ((مختصر المُزَني)) في فقه الشافعية. كما
في ((طبقات الشافعية)) (٣١/٤) للسبكي، و((طبقات الشافعية)) (١٥٢) لابن هِدَايةِ الله.
وقد ذكر مُحقق الثاني عادلُ نويهض أنّ وفاتَه كانت نحوَ (٤٢٧).
(٥) بمثناة فوقية بعد الكاف وبعدها نونان بينهما ألف. وضَبطه في (س) بكسرة تحت
الكاف. ويظهر من ((التبصير)) (١٢٠٨/٤) لابن حجر أن الكافَ مفتوحةٌ فإنه قال:
((والعلامة زين الدين عُمُرُ بن أبي الحَرَمِ الكَثَّاني، ويُعرَف بالكتناني بزيادة نون أخذ عنه
جماعة من شيوخنا)). والله أعلم.
(٦) أخرجه البخاري في ((الجهاد)): باب من قاد دابة غيره في الحرب (٦ /٦٩) - وغيرِه -
ومسلمٌ في ((الجهاد)): باب في غزوة حنين (١٤٠٠/٣، ١٤٠١). وغيرُهما.
(٧) ((الجواهر المضية)) (٣١/١).

صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
١٠٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
وظاهرُ قولِ عمرَ بنِ الخطاب ◌َّهِ: ((أَمَّا بعدُ فإني أُريدُ أن أقولَ مقالةً قَدْ
قُدِّرَ أَنْ أَقُولَها، لا أَدْرِي لعلّها بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي، فَمَنْ وَعَاهَا وَعَقَلَها وحَفِظَها
فَلْيُحَدثْ بها حيثُ(١) تَنْتَهي به راحلتُه، ومن خَشِيَ أَنْ لا يَعِيَها فإنّي لا أُحِلُّ
لأحدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَليَّ(٢))، وحديث أبي موسى الغَافِقي الذي أخرجه الحاكمُ في
(مُسْتَدْرَكِهِ)) بلفظِ: ((آخِرُ ما عَهِدَ إلينا رسولُ الله ◌َّرَ أن قال: عليكُم كتابَ الله،
وستَرجِعُون إلى قوم يُحبُّون الحديثَ عني - أو كلمةً تُشْبِهُها - فمن حَفِظَ شيئاً
فلْيُحَدثْ به))(٣)، قَدْ يَشْهَدُ لَهُ.
ولذا استدلَّ بهما الخطيبُ في ((الكفاية))(٤) على وجوبِ التَثُبُّتِ في الرواية
حالَ الأداء، وأنه يَروي ما لا يَرتابُ في حفظه، ويتوقَّفُ عما عارَضَه الشكُّ
فیه .
(١) في (س): حتى. وكذا في (م) لكن في حاشيتها: حيث. وهو الصواب.
(٢) أخرجه بهذا اللفظِ الخطيبُ في ((الكفاية)) (١٦٦). وبقريبٍ منه: الإمامُ أحمدُ (٥٥/١)
وهو جزءٌ من حَديثِ (سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ)، وحديثُ السقيفةِ أخرجه البخاريُّ مختصراً.
ومُطوَّلاً في عِدّة مواضع من ((صَحِيحه))، انظر مَثَلاً: ((المظالم)): باب ما جاء في السقائف
(١٠٩/٥)، و((الحدود)): باب رَجْم الحُبْلى من الزنا .. (١٤٤/١٢). وعبدُ الرزاق في
((المصنف)) (٤٣٩/٥)، والخطيبُ في ((الأسماء المبهمة)) (الحديث ٢٣٦).
(٣) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (١١٣/١) وذكر أن رواتَه كلَّهم مُحْتَجِّ بهم، ووافقه
الذهبي. وأحمد (٣٣٤/٤)، ورجاله ثقاتٌ كما قال الهيثمي في ((المجمع)) (١٤٤/١)
لكنْ يُلاحظ أن المطبوع في سنده عند أحمدَ: (يحيى بن معين الحضرمي) وهو خطأ
صوابُه: (يحيى بن ميمون الحضرمي). فقد قال البزَّار في مسنده - كما في ((كشف
الأستار عن زوائد البزار)) (١١٧/١). بعدَ أن رواه من طريق يحيى بن ميمون
الحضرمي قال : ((لا نعلم لهذا الحديثِ إلا هذا الإسناد)).
وأيضاً ذكَرَ ابنُ حجر في ((الإصابة)) (١٨٨/٤) أن أحمدَ أخرجه من طريق يحيى بن
ميمون. ثم إن يحيى بنَ معين الإمامَ بغداديٌّ وليس حضرمياً.
وأيضاً فراوي هذا الحديث عن يحيى بن ميمون هو عَمرو بن الحارث المصري وهو
- كما قال الدكتور/ ربيع بن هادي المدخلي في تحقيقه لـ((المدخل إلى الصحيح))
للحاكم (ص١٠٦) هامش -: ((أَعْلى طبقةً بكثيرٍ من يحيى بن معين، لعله مات قبل أن
يُولَد ابنُ معين)). قلت: قد عَدَّ ابن حجر في ((التقريب)) عَمْراً في الطبقة السابعة،
ويحيى في العاشرة.
(٤) (ص١٦٥ - ١٦٦).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٠٧
صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
وقال الحاكم عَقِبَ المرفوع: ((قَدْ جَمَع هذا الحديثُ لفظتَين
غريبتَين: إحداهما (١): قولُه: ((يحبون الحديث))، والأُخرى: قولُه: ((فمن حفظ
شيئاً فليُحَدث به)). قال: ((وقد ذهب جماعةٌ من أئمة الإسلام إلى أنه ليس
للمُحَدث أن يُحَدث بما لم يحفظه))(٢)، انتهى.
وكذا يَشهد له قولُ هُشَيم: ((منْ لم يحفظِ الحديثَ فليس هو من أصحاب
الحديث، يجيء أحدُهم بكتابٌ كأنَّ سِجِلُّ مُكاتب))(٣).
ومِنْ ثَمَّ - كما قال شيخنا -: قَلَّت الروايةُ عن بعضٍ من قال هذا مع كونه
في نفس الأمر كثيرَ الرواية.
وعلى كل حال فهو - كما قال ابن الصلاح(٤) -: من مذاهب المُتَشدِّدين
الذين أَفْرَطُوا، وبايَنُوا بِصَنِيعِهِم المُتَساهِلين الذين فَرَّطُوا بحيثُ قالوا بالرواية
بالوصية، والإعلام، والمناولةِ المُجَرَّداتِ، ومن النُّسَخِ التي لم تُقَابَل، ونحوِ
ذلك مما بُسِطَ في مَحالِّه.
والصواب: الأول. وهو الذي علیه الجمهور، سواءٌ کان کتابُه بيده أم بید
ثقةٍ ضابِطٍ، وإنْ اشتَرطَ بعضُهم - والحالةُ هذه - كونَه بيده كما سَلَف في أول
الفروع التالية ((لثاني أقسام التَحمُّل))(٥)، وسواءٌ خرِجَ كتابُه عن يده أم لا، إذا
غَلَب على الظن سلامتُه، وإن مَنَع منه بعضُهم كما سيأتي قريباً. وسواءٌ حَدَّثَ
مِن كتابِهِ ابتداءً أو حَفِظ من كتابه ثم حَدَّث من حفظه. لكِنْ قد كان شُعبةُ رُبَّما
نَصَّ على أَنَّ حفظه من كتابِه لئلا يُتَوهَّم - والله أعلم - أَنه حَفِظَه من فَمِ شيخِه
(٦)
ابتداءً(٦).
ثم إنّ المصنفَ(٧) لم يَتعرضْ لتصويبِ ابنِ الصلاح لما ذهب إليه
الأكثرُ(٨)، وقد نَظَم ذلك بعضُهم فقال:
(١) في (س) و(ح): أحديهما. من الناسخ.
(٣) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٢٨).
(٥) (٣٥٥/٢).
(٢) ((المستدرك)) (١١٣/١).
(٤) في ((علوم الحديث)) (١٨٥ - ١٨٦).
(٦) بل نص أيضاً على هذا، فقد أخرج الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣١) عنه أنه حدّث
بحديثٍ ثم قال: ((وجدته مكتوباً، ولا أحفظه من فيه)).
(٧) أي العراقي في ((ألفيته)).
(٨) انظر: ((علوم الحديث)) (١٨٧).

صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
١٠٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وَصَوَّبَ الشيخُ لقول الأكثر وهو الصوابُ ليسَ فيه نَمْتَرِي(١)
٦٢٢
(وإذا رأى) المُحَدثُ (سماعَه) في كتابه بخطه، أو بخطّ مَنْ يَثِقُ به سواءٌ
الشيخ أو غيرُه فلا يخلو، إما أن يَتَذَكَّرَه أو لا، فإنْ تذكَّرَه - وهو أرفعُ الأقسام -
جازتْ له روايتُه على المُعتَمَد إنْ لم يكن حافظاً له، وبلا خلافٍ إنْ كان له حافظاً.
وإنْ لم يَتذكَّرْه بل تَذكَّرَ أنَّه غيرُ سَمَاعِه فقد تعارَضا. والظاهر اعتمادُ ما في ذُكْرِه.
وقد حكى لنا شيخُنا عن بعض المحدثين مِمن أَخَذ عن شيخِنا - بل وأَخذ
شيخُنا أيضاً عنه، وحَدَّثَنَا عنه غيرُ واحدٍ - أنه كان يكتب الطَبَقَةَ قبل سماعِه
قَصْداً للإسراع، لكنْ يُؤخِّر تَعْيينَ التاريخ. وطُعِنَ فيه بسبب ذلك ونحوِه. وفيه
مُتمسَّكٌ للمانعين.
(و) إن (لم يَذكرْ) سماعَه له، يعني ولا عَدَمَه (فعن) أبي حنيفة (نُعمانَ)
أي النعمان أيضاً (المَنْعُ) من روايتِه، يعني وإنْ كان حافظاً لما في الكتاب
فَضْلاً عمَّا لم يَعْرِفْه، كما جاء عن ابن مَهْدِيٍّ أنَّه قال: ((وَجَدْتُ في كُتبِي بخطّ
عن شُعبةَ ما لم أعرفْه فَطَرَحْتُه))(٢). وعن شعبةَ قال: ((وجدتُ بخطّ في كتابٍ
عندي عن منصورٍ عن مجاهدٍ قال: لم يَحْتَجِم النبيِ وَّ وهو محرم. ما أدري
كيف كتبته! ولا أَذْكُرُ أني سَمِعْتُه))(٢).
وهو مُقْتَضَى ما ذهبَ إليه مالكٌ والصَيْدَلانيُّ أيضاً في المسألة الأُولى، إذْ
ضَبْطُ أَصْلِ السماع كَضَبْطِ المَسْموع.
ولعل الصيدلانيَّ هو المقرونُ عند ابن الصلاح - تبعاً لعياض(٣) - بأبي
حنيفةَ حيث قال: ((فعن أبي حنيفةَ وبعضٍ أصحابِ الشافعي عدمُ الجواز))(٤).
وهو قول الجُوَيْنِيِّ(٥) كما قال عياض(٣). بل قال القاضي حُسينٌ(٦) في ((فتاويه))
(١) هذا البيت لسبط ابن العجمي، كما في ((مقدمة الألفية)) للعربي.
(٢) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٣).
(٣) في ((الإلماع)) (١٣٩).
(٤) ((علوم الحديث)) (١٩٠).
(٥) إمام الحرمين الشافعي، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله النَّيسابوري.
مات سنة ٤٧٨ ((الأنساب)) (٣٨٦/٣)، و((السير)) (٤٦٨/١٨). وكلامُ الجويني على
هذه المسألة في «البرهان)) (١ / ٦٥٠) وما بَعدَها.
(٦) ابن محمد بن أحمد، شيخُ الشافعية بخُراسانَ، أبو علي المَرْوَذِي. مات سنة ٤٦٢ . =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٠٩
صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
إنّه كذلك من طريق الفِقْهُ (١). واختاره ابنُ دَقيق العيد، فقال القُطْبُ الحَلَبِي(٢):
((أَتَيْتُه بجزءٍ سَمِعَه مِن ابنِ رَوَاجِ (٣) - والطَبَقَةُ بِخطّه - فقال: حتى أَنْظُرَ فيه، ثم
عدتُ إليه فقال: هو بخطي لكنْ ما أُحَقِّق سماعَه، ولا أَذْكُرُه. ولم
يُحَدِّث به))(٤).
(وقال) صاحبُ أبي حنيفةَ (ابنُ الحَسن) هو محمدٌ (مع) شيخِه ورفيقه
القاضي (أبي يوسفَ، ثُم) إمامِنا (الشافعيِّ، والأكثرين) من أصحابِهِ (بالجَوَازِ
الوَاسِعِ) الذي لم يَقُلِ الشافعيُّ وأكثرُ أصحابِهِ بِمِثْلِه في الشهادة، لأن بابَ
الرواية أوسعُ(٥). والأَوَّلَانِ(٦) مِمَّن سَوَّى بين البابَيْن.
على أَنَّ الإمامَ - من أصحابنا - قال: ((كان شيخي يَتَردَّدُ فيمن شَهد شهادةً
وَوَضَعها عنده في صندوق بحيث كان يتحقَّقُ أَنّ أَحداً لم يَصِل إليه، ثم دُعِي
إلى تلك الشهادةِ، فلم يتذكَّرْ. هل يجوز له أن يشهد)). ولكنَّ الجوازَ(٧) قد
حكاه القاضي حسينٌ في ((فتاويه)) عن المُحَدِّثين، ولم يَحْكِ عنهم خِلافَهُ، إِمّا
بالنظر لِمَا استقرَّ عليه عَملُهم - كما نقله ابنُ دقيق العيد - أو لكونه مذهبَ
أكثرِهم، كما اقتضاه تَقْرِيرُ ابنِ الصلاحِ(٨) في كَونه: لا فرقَ بين مسألتِنا
((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٦٤/١)، و((السير)) (٢٦٠/١٨).
=
(١) يعني النظر العقلي.
(٢) الحافظُ المُتْقِنُ المُقْرئُ عبدُ الكريم بنُ عبد النور بن منير. مات سنة ٧٣٥ كما في ((ذيل
تذكرة الحفاظ)) (١٣)، و((ذيل طبقات الحفاظ)) (٣٤٩).
(٣) محدث الإسكندرية عبد الوهاب بن ظافر الأزدي: مات سنة ٦٤٨. ((تذكرة الحفاظ))
(٤/ ١٤١١). ورَوَاج على وزن سَحَاب، أوله راء وآخره جيم. وهو الظاهرُ من ضَبْطِ
النُسَخ، ولا سيما (س)، فقد وُضِع على ((الواو)) فيها: خف. إشارةً إلى تخفيفه. وهو
الظاهر من ((المشتبه مع التبصير)) (٥٩٨/٢).
(٤) ((تذكرة الحفاظ ((١٤٨٣/٤).
(٥) انظر: كلامَ الشافعي في التَّفْرقة بين الشهادة والرواية في ((الرسالة)) (٣٨٠).
(٦) في (م): (والصاحبان المشارُ إليهما). وكذا هو في (س) ولكنّه ضَرَبَ عليه وأَبْدَلَ بها
قولَه: ((والأوّلان))
(٧) جاء في حاشية (س) تعليقاً على هذا ما نَصُّه: ((أعني في أصل المسألة، لا في
خُصوص الفَرْع المشار إليه)).
(٨) في ((علوم الحديث)) (١٩٠).
٦٢٣

صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
١١
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
والأولى التي الأكثرُ فيها على الجواز. وعلى هذا المذهبِ مشى شيخُنا(١). بل
وَجَدَ في ((صحيح ابن حبانَ)) بلاغاً بخطه عند موضع منه، وفي أَوَّلِهِ أَثبتَ ما
يدلُّ لِأَزْيَدَ منه، فحكى - حينَ إيراد سندِه - صورةَ الحَّال. مع غَلَبَةِ الظن بصِحَّةٍ
كلٍّ منهما، وعدم منافاةِ أحدِهما للآخر. ولذا أقول: إنّه يَحسنُ الإفصاح
بالواقع. بل قال الَعِزُّ ابنُ جَمَاعة: ((إنه يتعيَّن)).
ثم إنّه لكونِ المُعْتَمَدِ أَنَّ نِسْيانَه غيرُ مؤثّر يجوزُ للفرع روايةُ ما سَمِعه مِن
شيخه مع تصريح الشيخ بعدم تَحْدِيثِهِ إياهُ بما يَقْتَضِي نِسيانَه. ولذا قال ابنُ كثيرٍ
هنا: ((وهذا يُشْبِهِ ما إذا نَسِيَ الراوي سَمَاعَه فإنه يجوز لمن سمعه منه روايتُهُ
عنه، ولا يَضُرُّه نِسْيانُ شيخه))(٢). انتهى.
على أنَّ ابن الصباغ قد حَكَى في ((العُدّة))(٣) في هذه الصورةِ إسقاطَ
المَرْوِي عن أصحاب أبي حنيفةَ كما تقدّم في الفصل العاشر من ((معرفة من
تقبل روايته)) (٤) مع الإشارة للتوقّفِ فيه. فإما أنْ يُخَصَّ بالمتأخرين منهم - كما
صرح به الخطيب (٥) -، أو يُسْتَئِنَى أبو يوسفَ ومحمدٌ من أصحابِهِ، أو يُفَرَّق
(٦)
بين البابَيْن (٦).
وبَقِيَتْ مسألةٌ أخرى عكسَ التي قبلها وهي ما إذا كان ذَاكراً لسماعه
ولكنْ لم يجدْ بذلك خطًّا. وقد قال القاضي حسينٌ في ((فتاويه)): ((إنَّ مُقتضى
الفقهِ الجوازُ))، ونَقَل المنعَ عن المحدِّثين.
وقال الفَرْغَانِيّ (٧): ((الدِّينَةُ لا تُوجِب روايته، والعقلُ لا يجيز إذاعتَه،
(١) ((النزهة)) (٦١).
(٢) معناه في ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير (٩٨)، وأما لفظه فلعله في كتاب
((المقدمات)) لابن كثير فإنه يحيل عليه في كتابه المتقدم. والله أعلم.
(٣) يعني ((عُدة العالم والطريق السالم)) كما في ((كشف الظنون)) (١١٢٩/١)، وسماها الذهبي
في ((السير)) (٤٦٤/١٨): ((تذكرة العالم والطريق السالم)). وهو للإمام العلامة شيخ
الشافعية أبي نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي، العروفِ بابن الصباغ.
مات سنة ٤٧٧، ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٩٩/٢)، و((السير)) (٤٦٤/١٨).
(٤) وهو النوع الثالث والعشرون من كتاب ابن الصلاح.
(٥) في ((الكفاية)) (٣٨٠).
(٦) أي باب الرواية والشهادة.
(٧) الإمام صاحب ((الهداية))، ويعرف بالمرغيناني. تقدمت ترجمته (ص٨٣) من هذا الجزء.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١
صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
لأنه في صورة كذّاب، وإن كان صادقاً في نفس الأمر)). قال: ((وللراوي أن
يقلدَه فيه إذا احتاج إليه، وعَلِمَ حِفْظَه لما فيه، إلا أنه لا يجوز له أن يكتبَ
سماعَه على كتابه لئلا يُوهِمَ الجزمَ بصحته)) انتهى. والمُعتمَد الجوازُ.
ثم إن محلَّ الجواز كما قال ابنُ الصلاح(١) - يعني في مسألَتَي اعتمادٍ
الكتابِ في المسموعِ وأصلِ السماع - إذا سَكَنَتْ نفسُه إلى صِحته، ولم يَتشكَّكْ
فيه. فإن تشكَّكَ - يَعني في تطرُّق التزوير ونحوِه إليه، بحيث لم تسكُنْ نفسُه
إلى صحته، أو كان كلٌّ من الطرفَيْن على حدٍّ سواء - فلا. قال ابنُ مَعين:
((من لم يكن سَمْحاً في الحديث - بمعنى أنه إذا شكَّ في شيءٍ تَرَكَه - كان
كذّاباً))(٢). وعن الشافعيِّ أن مالكاً كان إذا شكَّ في شيءٍ من الحديث تركه
کلَّه(٣).
ونحوُه: تَقْييدُ غيرِه بما إذا لم تظهر فيه قَرِينَةُ التَغْيِير، لأن الضرورةَ دَعَتْ
لاعتمادِ الكتاب المتقَنِ من جهة انتشارِ الأحاديث والروايةِ انتشاراً يتعذَّرُ معه
الحفظُ لكلِّه عادةً. فلَوْ لَمْ نعتمدْ غَلَبَةَ الظنِّ في ذلك لأبْطَلْنَا جملةً من السُنَّة،
أو أكثرَها.
وكذا خصَّ بعضُ المتشددين الجوازَ بما إذا لم يخرج الكتابُ عن يده
بعاريةٍ، أو غيرها. قال بعضُهم: ((وهو احتياطٌ حسنٌ يَقْرُبُ من صَنِيع المتقدمين
- أو جُلُّهم - في المُكَاتبةِ حيث يَخْتمون الكتابَ))، كما تقدّمَ في محلّهَ (٤).
ومِمّن امتنعَ من روايةِ ما غاب عنه محمدُ بن عبد الله الأنصاري(٥)،
وإسماعيلُ بن العباس(٥) - جدُّ أبي بكرِ الإسماعيلي - وهو مقتضى صنيعٍ ابن مهديٍّ
حيث جلسَ مع من رامَ استعارةَ كتابِهِ حتى نَسَخَ منه(٥)، وقال: ((خَصْلَتَانِ لا يستقيم
فيهما حُسْنُ الظن: الحُكْمُ والحديث))(٦). وابنُ المباركِ - ورواه نازلاً عن الذي أَخَذَ
(١) في ((علوم الحديث)) (١٩٠).
(٢) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٣).
(٣) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٤).
(٤) (٤٩٧/٢).
(٥) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٥).
(٦) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٣).

صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
١١٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
منه الكتابَ من رفقائه عن ذاك الشيخ، فإنه قال: ((سمعتُ أنا وغُنْدَرٌ حديثاً من
شعبةَ، فباتَتِ الرُقعةُ عند غُنْدَر، فحَدَّثْتُ به عن غندر عن شعبة(١))، وهو شَبِيهٌ
بِمَنْ كان يروي عن تلميذه عن نفسه ما نَسِيَ أنَّه حدَّث التلميذَ(٢) به. في آخَرِين.
٦٢٤
(و) الأَصَحُّ أنه (إِنْ يَغِبْ) الكتابُ عنه غَييبةً طويلةً - فَضْلاً عن يسيرةٍ .
بإعارةٍ، أو ضَياع أو سَرِقَةٍ (وَغَلَبَتْ) على الظن (سلامتُه) من التغييرِ والتبديلِ
(جازتْ لدى) أيّ عند (جُمهورِهم) كيحيى بنِ سعيدِ القَطَّان، وفُضَيلٍ بْنِ مَيْسَرَةً
وغيرِهما من المُحَدثين - كما حكاه الخطيبُ وجَنَحَ إليه _ (٣) (روايتُهُ) لا سيما
إذا كان مِمَّن لا يَخفى عليه - في الغالب - إذا غُيِّرَ ذلك، أو شيءٌ منه، لأن
بابَ الروايةِ مبنيٌّ على غلبة الظن، فإذا حَصَلَ أجزاً، ولم يُشترط مزيدٌ عليه.
قال الخطيب: ((وهكذا الحكمُ في الرجل يَجِدُ سماعَه في كتاب غيرِهِ))(٣)
وقد قال أحمدُ: ((إنه لا بأس به إذا عُرِفَ الخطُ))(٤).
وقَيَّدَهُ القاضي أبو الطيب الطَبَريّ(٥) بأَنْ يَعْرِفَ الشيخَ، وذلك أنَّ الخطيبَ
سألَه عَمَّن وجدَ سماعَه في كتابٍ من شيخ قد سُمِّيَ ونُسِبَ في الكتاب غيرَ أنه
لا يَعرِفُه - أي الشيخ - فقال: ((لا يجوزُ لهَ روايةُ ذلك الكتابِ))(٦).
٦٢٥
(كذلك الضَرِيرُ) أي الأعمى (والأمي) أي الذي لا يكتبُ، اللذانِ (لا
يحفظان) حديثَهما من فَم مَنْ حَدَّثهما، تصحّ روايتُهما حيث (يضْبُطُ المَرْضِيُّ)
الثقةُ لهما (ما سَمِعاهُ، ثَم يَحْفَظُ كلٌّ منهما كتابَه عن التّغييرِ بحسب حاله، ولو
بثقةٍ غيرِهِ إلى أَنْ يُؤَدِيَ مُسْتَعيناً حينَ الأداءِ - أيضاً - بثقةٍ في القراءة منه عليه
بحيثُ يغلب على الظن سلامتُه من الزيادة والنقص والتغييرِ ونحوِها من حينٍ
التحمل إلى انتهاء الأداء، لا سيما إنِ انْضمَّ إليه من مزيد الحفظِ ما يأمن معه
٦٢٦
(١) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٥).
(٢) انظر: أمثلةً لهذا في ((الكفاية)) (٢٢٢، ٢٢٣).
(٣) في ((الكفاية)) (٢٣٦).
(٤) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٧).
(٥) الإمام العلامةُ شيخُ الإسلام طاهر بن عبد الله بن طاهر الشافعي. مات سنة ٤٥٠.
(تاريخ بغداد)) (٣٥٨/٩)، و((السير)) (٦٦٨/١٧).
(٦) («الكفاية)) (٢٣٧).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١١٣
صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
من الإدخال عليه لما ليس من حديثه، مثلُ يزيدَ بنِ هارونَ - الذي قال فيه
الإمام أحمدُ: ((ما أَفْطَنَهُ، وأَذْكَاهُ، وأَفْهَمه!))(١)، والقائلُ هو لِمُسْتَمْلِيه: ((بَلَغَني
أنك تريدُ أن تُدخل عليَّ في حديثي فاجْهَدْ جَهْدَك، لا أَرْعَى اللهُ عليك إن
أَرْعَيْتَ(٢). أَحفظُ ثلاثةً وعشرين ألفَ حديثٍ))(١) - فإنَّه كان بعد أن كُفَّ بسبب
كثرةٍ بُكَائِهِ في الأَسحارِ يأمرُ جاريتَه فتُلَقُِّه، ويحفظُ عنها. ولم يَلْتَفِتُوا للقول بأنّه
عِيبَ بذلك(٣).
وقد كان عبدُ الرزاق يُلَقِّنُه أصحابُ الحديث، فإذا اختلَفوا اعْتَمَدَ مَنْ عَلِم
بإتقانه منهم فيصيرُ إليه (٤). ومع ذلك فَأُسْنِدَتْ عنه أَحاديثُ ليستْ في كتبه،
البلاءُ فيها مِمَّن دونه. ولذا كان مَنْ سمع منه من كُتبه أصحَّ(٥).
ومِمَّن فعله في الجُمْلة: موسى بنُ عُبَيَدَة الرَّبَذِيّ، فإنه كان أعمى، وكانت
له خريطةٌ فيها كُتُبُه، فكان إذا جاءه إنسان دفع إليه الخريطةَ فقال: اكتُب منها ما
شئتَ. ثم يقرأُ عليه(٦)، مع كونه لم يكنْ بالحافظ، ولكنَّه ليس بحجة ومَنَعَ من
ذلك غيرُ واحدٍ من الأئمة كابنِ مَعين، وأحمدَ(٧).
(١) أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٤٠/١٤).
(٢) في النسخ: رعيت. والمثبت أعلاه من ((تاريخ بغداد)) (١٤/ ٣٤٠)، وأرعى: أي أبقى.
كما في ((القاموس)): رعى.
(٣) ممن عابه بذلك يحيى بنُ معين، أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٩)، وفي ((تاريخ
بغداد)» (٣٣٨/١٤). وقال أبو خيثمةَ زهيرُ بن حرب - كما في ((تاريخ بغداد)» (١٤/
٣٣٨) -: ((كان يعاب على يزيدَ بنِ هارونَ حين ذهب بصره أنه ربما سئل عن الحديث
لا يَعرِفُه فيأمر جاريةً له فتُحَفظه من كتابه)). وقد أعقب الخطيب ذلك بأن غيرَ واحد
من الأئمة وَصَفُوا يزيدَ بالحفظ والضبط، قال: ((ولعله ساء حفظُه لما كُفّ بصره،
وعلتْ سنَّه فكان يَسْتَثْبتُ جاريته فيما شك فيه، ويأمرها بمطالعة كتابه لذلك)).
(٤) أخرج الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٩) عن إسحاقَ بنِ أبي إسرائيل قال: كان أصحاب
الحديث يُلَقِّنُون عبد الرزاق من كُتُبِهم، فيختلفون في الشيء، فيقول لي: كيف في
كتابك؟ فإذا أخبرتُه صار إليه، لما يَعْرِف أني كنت أَتْعَب في تصحيحها .
(٥) انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٥٦٨/٩ - ٥٦٩)، و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٢/
٥٧٧ - ٥٨١) .
(٦) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٩).
(٧) أخرجه عنهما الخطيب في ((الكفاية)) (٢٢٨).

صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
١١٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
قال الخطيب: ((ونرى العِلَّةَ في المَنع هي جوازُ الإدخال عليهما ما ليس
من سَمَاعِهما))(١). وأشار إلى أنها هي العلةُ التي مَنَعَ مالكٌ لأجلها غيرَ الحافِظِ
من الرواية مُعتمداً على كُتُبه(٢)، كما تقدم(٣). ويَدُلُّ لذلك أنّ ابنَ مَعِين
المَحْكِيَّ عنه المنعُ قال في الرجل يُلَقَّنُ حَدِيثَه: ((لا بأس به إذا كان يَعرِف ما
يُدخَلُ عليه))(٤). ((وَحُكِيَ عن أبي معاويةَ الضريرِ - وكان قد عَمِيَ وهو ابن ثمان
سنين أو أربع -: أنه كان إذا حَدَّث بما لم يحفظُه عن شيخِه يقول: في كتابِنا،
أو في كتابي، وكذا ذكر فلان، ونحوُ ذلك، ولا يقول: حدَّثَنا، ولا سَمِعتُ،
إلا فيما حَفِظَه مِنْ فِي المُحَدث)»(٥). وهذا يُشْبِه أن يكونَ مذهباً ثالثاً.
والمذهبانِ الأوَّلان وَجْهانِ حكاهما الرافعي (٦) في ((الشهادات)) وقال: ((إن
الجمهور على القبول)».
قال ابنُ الصلاح(٧): (والخُلْفُ في الضَريرِ أقوى وأَوْلى منه في البصير)
الأمِّيّ. يعني لِخفَّة المحذور فيه، وهو ظاهرٌ بالنَظرِ إلى الأصلِ خاصةً، لا مع
انضمام أمرٍ آخرَ، وإلا فقد يختلف الحالُ فيهما بالنسبة إلى الأشخاص
والأوصَافِ. ولذا قال البُلْقِيني: «قد تُمْنَع الأولويةُ، من جهة تقصيرِ البَصير،
فيكون الأعمى أَوْلى بالجواز، لأنه أتى باستطاعته) (٨).
وقال شيخُنا: ((إذا كان الاعتمادُ على ما كُتب لهما فهما سواء، إِذٍ
الواقفُ على كتابِهما يَغلبُ على ظنه السلامةُ من التغييرِ أو عكسُها))، على أنَّ
الرافِعِيَّ قد خَصَّ الخلافَ في الضريرِ بما سَمِعه بَعْدَ العَمَى، فَأَمّا ما سَمِعَه قبلَه
(١) ((الكفاية)) (٢٢٩).
(٢) ((الكفاية)) (٢٢٩). وانظر لمنع مالك: ((الكفاية)) (٢٢٧).
(٣) راجع (ص ١٠٥).
(٤) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٢٩).
(٥) حكاه عن أبي معاويةَ الإمامُ أحمدُ كما في ((الكفاية)) (٢٢٨)، وحكاه - من قول أبي
معاوية نفسِه - عليُّ بن المديني كما في ((الكفاية)) (٢٥٩).
(٦) الإمام الفقيه الأصولي المؤرخ أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم
القزويني. مات سنة ٦٢٣. ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٦٤/٢)، و ((السير)) (٢٢/
٢٥٢).
(٧) في ((علوم الحديث)) (١٨٧).
(٨) ((محاسن الاصطلاح)) (٣٢٨).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١١٥
صفةُ روايةِ الحديثِ وأدائِه
فله أن يَرْويَه بلا خلاف))، يعني بشرطه(١)، وفي نَفْي الخلافِ توقّفٌ.
إذا عُلِمَ هذا فتعليلُ ابنِ الصلاحِ(٢) اخْتِيَارَه عَدَمَ التصحيح في الأزمان
المتأخرةِ بكونِ السَنَد لا يخلو غالباً عَمَّن اعتَمَد على ما في كتابِهِ لَا يَخْدِشُ في
كون المُعتَمَدِ هنا اعتمادَ غيرِ الحافظ الكتابَ المتقنَ، فإنَّ تحديثَ المتقدمين من
كُتُبهم مُصَاحَبٌ - غالباً - بالضَّبْطِ والإتقان الذي يزولُ به الخَلَلُ.
حتى إن الحاكمَ أَدْرَج في المجروحين مَنْ تَسَاهل في الروايةِ من نُسَخِ
مُشْتَرَاةٍ، أو مُسْتَعَارةٍ غيرِ مُقَابَلَةٍ لِتَوَهُّمِهِم الصدقَ في الروايةِ منها(٣)، بخلافٍ
المتأخرين في ذلك فهو غالباً عَرِيٌّ عن الضبط والإتقان، وإن نُوقش في أصله.
كما تقرر في محله (٤).
(١) وهو غَلَبَة الظن بسلامته من الزيادة والنقص والتغيير ونحوها كما مضى في (ص١١٢)
من هذا الجزء.
(٢) في ((علوم الحديث)) (١٣).
(٣) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (١٦). وقد عدّ مِثل هؤلاء من المجروحين قبل
الحاكم: أبو حاتم. انظر: ((كتاب المجروحين))، له (٧٥/١).
(٤) وهو مبحث ((الصحيح)) في أول الكتاب.

الروايةُ من الأصل
١١٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
الفصل الثاني
(الروايةُ من الأصل)
أو الفَرع المُقابَلِ، ووجوبُ ذلك، وما المُعتَمَدُ مِن الحِفظ والكتابِ عند
تخالُفِهما.
٦٢٧
٦٢٨
(وَلْيَرْوِ) المُحَدثُ إذا رام أداءَ شيءٍ مما تحمَّله بالسماع أو القراءةِ أو
غيرِهما (من أَصلِ) تَحَمَّل منه (أو) من الفَرْع (المُقَابَلِ) المقابلةَ المُثْقَنَةَ (به) أي
بالأصل وهو شَرَّط، (ولا يجوزُ) الأداء (بالتساهل) بأن يَرْوِيَ (مِمَّا) لم يكن
سماعُه منه ولو كان أصلاً (به اسمُ شيخه) يعني سماعَه (أو) كان فرعاً (أُخِذَا
عنه) أي عن الشيخ من ثقةٍ من الثقات بحيثُ تسكُن نفسُه إلى صِحته اعتماداً
على مُجَرد ذلك (لدى) أي عند (الجمهور) من المحدثين، كما حكاه
الخطيب(١)، وقَطَع به الإمام أبو نصر ابنُ الصباغ الفقيه في الصورة الثانية
فقط(٢)، حكاه ابن الصلاح(٣) عنه بلاغاً. وعلَّله ابنُ الصلاح(٣) بأنه لا يُؤْمَنُ
أن يكون في كلٌّ منهما زوائدُ ليست في نسخة سماعه (و) لكن قد (أجاز ذا) أي
الأداءَ من كِلَيْهما (أيوبُ) بن أبي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَاني (و) أبو عثمانَ - أو أبو
عبدِ الله - محمدُ بن بكر (البُرْسَانِ) - بضم الموحدة وسين مهملة مع حذف ياء
النسبة(٤) - نسبةً لقبيلةٍ من ((الأَزد)) البصري (قد أجازه) أيضاً ترخّصاً منهما(٥).
٦٢٩
(١)
في ((الكفاية)) (٢٥٧).
وهي ما إذا روى من نسخة سَمِع منها على شيخه وليس فيها سماعُه، ولا قوبلتْ
(٢)
بنسخة سماعه.
في ((علوم الحديث)) (١٨٨).
(٣)
(٤) أي في النظم هنا للضرورة. وإلا فالنسبة إليه: البُرْساني. كما في ((الأنساب)) (٢/
١٥١) وفيه وفاته سنة ٢٠٣.
(٥) أخرجه عنهما الخطيب في ((الكفاية)) (٢٥٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١٧
الروايةُ من الأصل
قال الخطيب: ((والذي يُوجبه النظرُ أنه متى عَرف أن الأحاديثَ التي تَضَمَّنَتْها
النسخةُ هي التي سَمِعَها من الشيخ جاز له أنْ يَروِيهَا إذا سَكَنَتْ نفسُه إلى صِحة
النقلِ والسلامةِ من دخولِ الوَهَم لها))(١). وهو مُوَافقٌ لما تقدمَ عنه في
((المقابلة)(٢) من جواز الرواية من فَرَعِ كُتِبَ مِنْ أصلٍ مُعْتَمدٍ مع كونه لم يُقَابَل،
لكن بشرطِ البيان لذلك حينَ الروايةِ.
وإلى ما ذهب إليه أيوبُ والبُرْسَانِي جَنَح ابنُ كثيرٍ من المتأخرين(٣) (و)
كذا (رَخَّص) فيهِ أيضاً (الشيخُ) ابن الصلاح(٤)، لكنْ (مع) وقوع (الإِجازة) من
المُسَمِّع له بذلك الكتاب، أو بِسَائِرِ مَرْوياتِه التي تقدَّم أنه لا غَنَاءَ في كل سماع
عنها احتياطاً ليقعَ ما يَسقطُ في السماع على وَجِهِ السَهْو وغيرِه من كلمة فأكثرِّ
مروياً بالإجازة. قال: ((وليس فيه حينئذٍ أكثرُ من روايةِ تلك الزياداتِ بالإجازة
بلفظِ: ((أنا، أو ثنا)) من غير بيانٍ للإجازة فيها. والأمرُ في ذلك قريبٌ يقع مثلُه
في محل التَسامُحِ، فإن كان الذي في النسخة سماعَ شيخ شيخِه، أو هي
مسموعةٌ على شيخَ شيخه، أو مرويةٌ عن شيخ شيخه فينبغي حينئذٍ في روايته
منها أن تكونَ له إجازةٌ شاملةٌ من شيخه، ولشيخه إجازةٌ شاملةٌ من شيخه)).
قال: ((وهذا تَيَسُرٌ حسنٌّ هدانا الله - ولله الحمد - له(٥). والحاجةٌ إليه مَاسَّةٌ في
زماننا جِدّاً (٦)). يعني لمزيدِ التوسُّع والتساهل فيه بناءً على أنّ المطلوبَ بَقَاءُ
السلسلةِ خاصةً حتى إنّه صار كما قال ابنُ الصلاح بمجرَّد قولِ الطالب للشيخ:
((هذا الكتابُ، أو هذا الجزءُ من روايتك)) يُمَكّنُه من قراءته من غيرِ تَثَبُّتٍ ولا
نظرٍ في النُّسخة ولا تَفَقُّدِ طَبَقَةِ سَماعٍ، وما أَشْبَهَ ذلك من البحث الذي يُؤَدِّي
إلى حصول الثقة بصِحة أَصْل السماع فضلاً عن المسموع(٧).
(١) ((الكفاية)) (٢٥٧).
(٢) (ص٦١) من هذا الجزء.
(٣) ((اختصار علوم الحديث)) (١٣٥).
وعلق الشيخ أحمد شاكر على ما جنح إليه ابنُ كثيرٍ بقوله - في ((الباعث الحثيث))
(١٣٥) -: ((وهو الصواب، لأن العبرةَ في الرواية: بالثقةِ واطمئنانِ النفس إلى صِحة ما
یُروی.
(٤) في ((علوم الحديث)) (١٨٨).
(٥) في ((علوم الحديث)): ((وهذا تيسير حسن، هدانا الله له، وله الحمد)).
(٦) ((علوم الحديث)) (١٨٨ - ١٨٩).
(٧) ((علوم الحديث)) (١٨٧).

الروايةُ من الأصل
١١٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٦٣٠
٦٣١
(وإِنْ يُخالفْ حفظُه كتابَه) - وقلنا بالمُعتمدِ من أنَّ الاكتفاءَ في الرواية
بكتابه المُتْقَنِ المَحفوظِ عنده، ولو لم يكن حافظاً، فإنْ كان إنما حَفِظَ من كتابه
فليَرجِعْ إليه ولو اختَلف المعنى. (و) إنْ يكن (ليس) حَفِظَ (منه) وإنما حَفِظ من
فَمِ المُحدِّث، أو من القراءة عليه - (ف) قد (رأوا) أي أهلُ الحديث (صَوَابَه
الحفظَ) أي اعتمادَ الحفظِ إذا كان (مَعْ تَيَقُّنِ) وَتَثَبُّتٍ في حفظه. أما مع الشك
أو سُوءِ الحِفِظِ فلا. (والأَحْسنُ) مع التَيقّنَ (الجمعُ) بينهما، فيقول: ((حِفْظِي
كذا، وفي كتابي كذا)) كما فَعَلَ همامٌ وقد رَوى حديثَ: ((أنه وَّ اشترى حُلَّةً
بسبعٍ وعشرين ناقةً))، فقال: ((هكذا في حِفْظي. وفي كتابي: ثوبين))(١). هذا مع
عَدَمِ التَنَافي بينهما، فالحُلَّة لا تُسمَّى كذلك إلا أن تكونَ ثوبَيْن من جنسٍ
واحَد. وفعلَه شعبةُ حيثُ رَوى حديثَ ابنِ مسعود في التشهد: ((ثم يصلي على
النبي ◌َّ﴾)) وقال: ((هكذا في حفظي. وهو ساقط في كتابي))(٢) في آخَرِينَ من
الحُفَّاظَ(٣)، وذلك (كالخِلافِ مِمَّن يُتْقِنُ) من الحُفاظ له فيما حَفظه، حيث
يَحْسُنُ فيه أيضاً - كما كان الثوريُّ وشعبة(٤) وغيرُهما يفعلون - بيانُ الأمرَين معاً
(١) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٢٠) لكنْ عنده: (ثوبا). وهو من طريق همام عن
قتادة عن علي بن زيد بن جُدعان عن إسحاقَ بنِ عبد الله بن الحارث عن أبيه مرفوعاً،
وأخرجه أبو داود في ((اللباس)): باب لُبْس الرفيعَ من الثياب (٣١٦/٤) من طريق حماد
عن علي بن زيد عن إسحاقَ بن عبد الله بن الحارث أن رسول الله وَلقدر بنحوه.
قال المنذري في ((مختصر سنن أبي داود)) (٢٦/٦): ((هذا مرسل، وفي إسناده علي بن
زيد بن جدعان، ولا يحتج بحديثه)). قلت: رواية الخطيب ليس فيها إرسال، وقد ثبت
سماعُ إسحاقَ من أبيه عبد الله بن الحارث كما في ((تهذيب الكمال)) (٤٤٢/٢).
وعبدُ الله هذا هو ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، صحابي. والسند
ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان. والله أعلم.
(٢) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٢٠) من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عُبيدة عن
عبد الله بن مسعود، وذكر قصةَ شكِّ شعبةَ. وأخرجه ابن ماجه في ((إقامة الصلاة)): باب ما
جاء في التشهد (١/ ٢٩١) من طريق سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة،
والأسود. وأبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود: ((أن النبي ◌ٍّ كان يُعَلِّمهم التشهد ... )).
وأصل حديث ابن مسعود في ((التشهد)) في ((الصحيحَين)) وغيرِهما .
(٣) كيحيى بن سعيد، وأبي قلابة الرَقَاشي ((الكفاية)) (٢٢٠).
(٤) انظر: ((الكفاية)) (٢٢٤، ٢٢٥).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١٩
الروايةُ من الأصل
فيقولُ: في حِفْظِي كذا وكذا، وقال فيه فلانٌ كذا وكذا، أو نحوَ ذلك، بل قِيلَ
الشُعْبةَ - حين حَدَّثَ بحديثٍ مرفوع(١) قال: ((إنَّه في حِفْظه كذلك، وفي زعم
فُلانٍ وفلانِ خِلَافُه))(٢) - ((يا أبا بسطَام حدِّثنا بحفظك، ودَعْنا من فلان وفلان)
فقال: ((ما أُحب أنَّ عُمري في الدنيا عُمرُ نوح وأَني حدثتُ بهذا، وَسَكَتُ عن
هذا))(٣).
وربّما ذَكر ما قد يترجّح به أحدُ القولَين، كقولِهِ: وقال فيه فلانٌ - وكان
أحفظَ مِنِّي وأكثرَ مُجَالَسَةً لِشَيْخِهِ مِنِّي - (٤).
(١) إلى النبيِّ وَ ﴿، وهو حديثُ الذي يأتي امرأته وهي حائضٌ قال: ((يتصدَّق بدينار، أو
نصِف دينار)). رواه أحمدُ وأهلُ السُّنَّن وغيرُهم، لكنْ شكَّ شعبةُ في رَفْعِهِ، وانظر
تفصيلَ ذلك في تعليق الشيخ أحمد شاكر على هذا الحديث في: ((صحيح الترمذي)»
(٢٤٥/١ - ٢٥٤).
(٢) أي موقوف.
(٣) أخرجه الخطيبُ في ((الكفاية)) (٢٢٤).
(٤) قال ذلك شعبةُ أيضاً كما في ((الكفاية)) (٢٢٤).

الروايةُ بالمعنى
١٢٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الفصل الثالث
(الروايةُ بالمعنى)
والخلافُ في ذلك، والاستحبابُ لمَنْ رَوَى به أنْ يأتيَ بما يدلُّ عليه.
٦٣٢
(وَلْيَرْوِ بِالأَلْفَاظِ) التي سَمِعَ بِها مُقْتَصِراً عليها، وبِدُونٍ تَقْدِيم ولا تَأْخِيرِ،
ولا زِيادَةٍ ولا نقصٍ لحرفٍ فأكْثَرَ، ولا إبدالِ حرفٍ أو أكثرَ بغيرِهً، ولا مُشَدَّدٍ
بِمُخَفَّفٍ أو عَكْسِهِ (مَنْ) تَحَمَّلَ مِنْ غيرِ التصانيفِ مِمَّنْ (لا يَعْلَمُ مَدِلُولَها) أي
الألفاظِ في اللسانِ، وَمقَاصِدَها، وما يُحِيلُ مَعْنَاها، والمُحتَمِلَ مِنْ غيرِهِ،
والمُرَادِفَ مِنْهَا، وذلك على وَجْهِ الوُجُوبِ بِلا خلافٍ بين العلماء، لأن مَنِ
اتَّصَفَ بذلك لا يُؤْمَنُ بِتَغْيِيرِهِ مِنَ الخَلَل. ألا ترى إلى إسماعيلَ بن عُلَيَّة كيف
أنكر على شعبةَ - مع جَلَالَتِهِ وإِتقانِهِ - رِوَايَتَه بالمعنى عنه لحديثِ: ((النَّهْي أنْ
يَتَزَعْفَرَ الرجلُ)) بلفظ: ((نُهِيَ عن التَّزَعْفُر)) الدالِّ على العُمُوم، حيث لم يفطَنَ لما
فَطِنَ له إسماعيل - الذي روايةُ شعبةَ عنه من روايةِ الأكابرِ عن الأصاغر - من
اختصاص النَّهْي بالرجال(١).
(و) أمَّا (غيرُه) مِمّن يَعلمُ ذلك ويحققُه فاختلَفَ فيه السلفُ، وأصحابُ
الحديث، وأربابُ الفقه والأصول:
٦٣٣
١ - (فالمُعْظَمُ) منهم (أَجَاز) له الروايةَ (بالمعنى): إذا كان قاطعاً أنَّه أدّى
معنى اللفظِ الذي بَلَغَه، سواءٌ في ذلك المرفوعُ أو غيرُه، كان مُوجَبُهُ العِلمَ أو
(١) هذا الحديث أخرجه مسلم في ((اللباس والزينة)): باب نهي الرجل عن التزعفر (٣/
١٦٦٢، ١٦٦٣)، وأبو داود في ((التَرجُل)): باب في الخَلُوقِ للرجال)) (٤٠٤/٤)،
والترمذي في ((الأدب)): باب ما جاء في كراهية التزعفر والخَلُوق للرجال (١٢١/٥)
وقال: ((حديث حسن صحيح))، ثم أورد روايةً شعبةَ في النهي عن التزعفر.
وأخرج إنكارَ إسماعيلَ بنِ عُلَيَةَ على شعبةَ الخطيبُ في ((الكفاية)) (١٦٨).