Indexed OCR Text
Pages 41-60
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٤١ كتابةُ الحدیثِ وضبطُه ٥٧١ (وَكَرِهوا) أي أهلُ الحديث في الكتابة (فصلَ مضافٍ اسم الله) كعبدٍ (منه) أي من الاسم الكريم، فلا يكتبون التَّعْبِيدَ في آخر سطر، و((الله)) أو ((الرحمن)) أو ((الرحيمَ)) مع ما بعده - وهو ابنُ فلان، مَثَلاً - (ب) أولِ (سطرٍ) آخَرَ، احترازاً عن قَبَاحَةِ الصورةِ - وإنْ كان غيرَ مقصودٍ - وهذه الكراهةُ للتّنزيه، وإنْ روى الخطيب في ((جامعه)) من طريق أبي عبد الله ابن بَطَّةَ العُكْبَرِي - بفتح الموحّدة من أبيه، ونِسْبَتِه - أنَّه قال: ((وفي الكُتَّاب يعني من لا يتجنبه، وهو غَلَطّ - أي خطأ - قبيحٌ، فيجبُ على الكاتب أن يَتوقَّاه، ويتأملَه ويتحفظَ منه(١))). وقال الخطيبُ: ((إنَّ ما قالَه صحيحٌ فيجبُ اجتنابُه)(٢)، لِحَمْلٍ(٣) شيخِنا له على التأكيد للمنع، ولا شك في تأُّده، ولا سيما إذا كان التَّعْبِيدُ آخرَ الصفحة اليسرى، والاسمُ الكريمُ - وما بعده - أولَ الصفحة اليُمنى، فإنّ الناظرَ إذا رآه كذلك ربما لم يَقْلِبِ الورقةَ، ويبتدئُ بقراءته كذلك بدون تأمّل. وكذا إذا كان عزمُه عَدَم حَبْكِ الكتاب وكان ابتداءً ورقةٍ، لعدم الأمن من تقليبٍ أوراقه وتفرُّقِها. ولكنْ لا يرتَقِي في كلّ هذا إلى الوجوب إلا إنِ اقترن بقصدٍ فاسدٍ، كإيقاعٍ لغيره في المحذور. ويتأيَّد ما جنح إليه شيخُنا بتصريحِ ابنِ دقيق العيد في ((الاقتراح))(٤): بأنَّ ذلك أَدَبِّ. ونَصَرَه العزُّ ابنُ جَمَاعَةَ(٥) . وكرسول من ((رسول الله وَ ﴿) فلا يَكتبْ ((رسولَ)) في آخرِ سطرٍ، واسمَ ((الله)) مع الصلاة في أولِ آخرَ. فقد كَرِهَهُ الخطيبُ أيضاً. وقال: ((إنَّه ينبغي (١) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (٢٦٨/١). (٢) ((الجامع)) (٢٦٨/١). (٣) هذا تعليلٌ لقوله السابق: ((وهذه الكراهةُ للتنزيه)). (٤) (٢٨٩). (٥) العلامة المحدث عزّ الدين محمدُ بن أبي بكر أحمدَ بنِ عز الدين عبدِ العزيز بن بدر الدين محمدٍ بن إبراهيمَ الكناني مات سنة ٨١٩. له كتاب اسمه: ((المنهج السَوِيّ في شرح المَنْهلِ الرَوِيّ))، شَرحَ به كتابَ جده بدرِ الدين: ((المنهلَ الرَوِيّ في مختصر علوم الحديث النبوي)) الذي اختصر فيه ((مقدمةَ ابنِ الصلاح)). للعز هذا ترجمةٌ في ((إنباء الغمر)» (٧/ ٢٤٠)، و((الضوء اللامع)) (١٧١/٧)، وهو حفيدُ العز أبي عُمَر الآتي (ص٣١١) من هذا الجزء. . كتابةُ الحديثِ وضبطُه ٤٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث التحفُّظُ منه))(١). وتَبِعِه ابنُ الصلاح(٢)، فجزمَ بالكراهة فيه، وفيما أشبهه. ويلتحق به - كما قال المصنف(٣) -: أسماءُ النبيِ وَل كقوله: ((سَابُّ ،كقوله رَله: «قاتِلُ ابنِ صَفِيَّةَ في النبي ◌َ ﴿ كافرٌ)). وكذا أسماءُ الصحابة . النار))(٤) - يعني بابن صَفِيَةَ: الزبيرَ بنَ العَوَّامِ رَبُه - فلا يَكتبْ: ((سَابُّ))، أو (قَاتِلُ)) في آخرِ سطرٍ، وما بعده في أولِ آخرَ. بل ولا اختصاصَ للكراهة بالفصل بين المضافِ والمضاف إليه، فلو وُجد المحذورُ في غير ذلك مما يُستشنَع - كقوله في شارب الخمر الذي أُتي به النبيُّ وَّرُ وهو ثَمِلٌ(٥)، فقال عُمرُ: ((أخزاه الله ما أكثر ما يُؤتى به))(٦)، وكقوله: (اللهُ ربي لا أشركُ به شيئاً))، بأنْ كتبَ: ((فقال)) أو: ((لا)) في آخرِ سطرٍ، وما بعده في أولِ آخرَ - كانت الكراهةُ أيضاً، ومحلُّها في ذلك كلِّه (إن يُنَافِ) بالفصلِ (ما تَلَاه) من اللفظِ كالأمثلةِ المذكورة. فأمَّا إذا لم يكنْ في شيءٍ منه بعد اسم الله رَ، أو اسم نبيِّهِ وَّه أو اسم الصحابي رُهُ ما يُنَافيه - بأن يكونَ الاسمُ آخرَ الكتابَ، أو آخرَ. الحديثَ، ونحوَ ذلك -، أو يكونَ بعده شيءٌ ملائمٌ له غيرَ مُنَافٍ فلا بأسَ بالفصل، نحوُ قولِه في آخِر ((البخاري)): سبحانَ الله العظيم)). فإنَّه إذا فَصَلَ بين المضافِ والمضافِ إليه كان أولَ السطر: ((اللهُ العظيم)). ولا منافاةً في ذلك. ومع هذا فجمعُهما في سطرٍ واحدٍ أَوْلى، بل صرَّح بعضُ المتأخرين بالكراهة في فصل مثلِ ((أَحَدَ عَشَرَ)) لكونهما بمنزلة اسم واحد أَخْذاً من قولِ (١) ((الجامع)) (٢٦٨/١). (٢) في ((علوم الحديث)) (١٦٦). (٣) في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٢٦/٢، ١٢٧). (٤) أخرج ابنُ سعد في ((الطبقات)) (١١٠/٣) نحوَه عن ابن عباس عن عليّ بسند صحيح كما قال الحافظ في ((الإصابة)) (٥٤٦/١). وأخرج ابنُ سعد قبل ذلك (١٠٥/٣) عن زِرِّ بنِ حُبَيْشٍ عن عليّ بلفظٍ قريبٍ منه. وله حكمُ الرَّفْعِ. (٥) أي: أخذ منه الشرابُ والسُّكْر. ((النهاية)) (٢٢٢/١). (٦) الحديث أخرجه البخاري في ((الحدود)): باب الضرب بالجريد والنعال، وباب: ما يكره من لعن شارب الخمر (٦٦/٢، ٧٥) وأحمد (٣٠٠/٢) وغيرُهما، لكن بدون تسمية للقائل. وسماه الواقدي في روايته في ((المغازي)) (٦٦٥/٢) عمر. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٣ كتابةُ الحديثِ وضبطُه النَّحّاس(١) في ((صناعة الكُتّاب)): ((وكرهوا جعلَ بعضِ الكلمة في سطرٍ، وبعضِها في أولِ سطرٍ، فتكون مفصولةً. (واكتب) أيها الكاتبُ على وجه الاستحباب المتأكّد (ثناءَ الله) تعالى كلما ٥٧٢ مَرَّ لك ذكرُ الله سبحانه، كعزَّ وجلَّ، أو تبارك وتعالى، أو نحوِهما، ففي حديثِ الأَسْودِ بن سَرِيع(٢) رَّهِ - حَسْبَما أخرجه البخاريُّ في ((الأَدَبِ المُفْرَدِ))، وأحمدُ، وغيرُهما -: ((أنه أتى النبيَّ وَّ فقال: يا رسولَ الله قد مَدَحْتُ رَبِّي - بِمَحَامِدَ، وَمِدَح - وإيّاكَ فقال: أَمَا إِنَّ رَبَّك يُحِبُّ الحمدَ - وفي لفظٍ: المَدْحَ -... )) الحديثَ(٣). (و) كذا اكتبْ (التَسْليما مع الصلاة للنبي) وَ ﴿ كلما مرَّ لك ذكرُ النبيّ ◌َهل (تَعْظِيماً) لهما، وإجلالاً، لا سيما وقد صرح بوجوبه - كُلِّما ذُكِرا - غيرُ واحدٍ من الحَنَفية منهم - في الصلاة خاصة - الطَّحَاوِيُّ(٤)، بل والحَلِيميُّ(٥)، والشيخ أبو حامد الإسفَرَايِني(٢) وغيرُهما من الشافعية إن أُثبتَ(٧) في الرواية كلٍّ من الثناءِ، والصلاة والسلام، (وإن يكن أُسقِطَ) منها (في الأصل) المسموع لعدم ٥٧٣ التَقَيُّدِ به في حذف ذلك، فإنه ثناءٌ ودعاءٌ تُثْبِتُه لا كلامٌ تَرْويه، ولا تَسْأَمْ من تكريره عند تَكَرُّره. بل وضمَّ إليها التلفظَ به لنَشْر تعطّره، فأجرُه عظيم، وهو مُؤذِنٌ بالمحبة والتعظيم. (١) العلامة إمام العربية أبو جعفر أحمد بن محمد المصري صاحبُ التصانيف، مات سنة ٣٣٨. ((نزهة الألباء)) (٢١٧)، و((السير)) (٤٠١/١٥). (٢) بالسين المهملة - والراء والعين المهملة - كأمير. (٣) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)): باب من مدح في الشعر (١٢٥)، وأحمدُ (٣/ ٤٣٥) وفي سنده عليُّ بن زيد بن جُدْعَان وهو ضعيف، وبقيةُ رجاله ثقات، ومتنُه ثابت. (٤) الإمامُ الحافظ الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة. مات سنة ٣٢١. ((السير)) (٢٧/١٥)، و((الجواهر المضيئة)) (١٠٢/١). (٥) القاضي العلامة المتكلم أبو عبد الله الحُسَين بن الحَسن بن محمد بن حَلِيم البخاري. مات سنة ٤٠٣. ((الأنساب)) (١٩٨/٤)، و((السير)) (٢٣١/١٧). (٦) الأستاذ العلامة شيخ الإسلام أحمد بن محمد بن أحمد، مات سنة ٤٠٦. ((تاريخ بغداد)» (٣٦٨/٤)، و((السير)) (١٩٣/١٧). (٧) أي اكتبِ الثناءَ والصلاةَ والتسليمَ إن أُثبتَ في الرواية. كتابةُ الحدیثِ وضبطُه ٤٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث قال التُّجِيبي: ((وكما تصلي على نبيك وَل﴿ بلسانِك كذلك تخطُّ الصلاةَ عليه بِبَنَانِك مهما كتبتَ اسمَه الشريفَ في كتاب، فإنَّ لك بذلك أعظمَ الثواب (١). ثم ساق الحديثَ الذي بَيَّنتُه في ((القولِ البديع)) (٢) - الذي تعرَّفتُ بركته، ورجوتُ ثمرتَه. وأنَّ ابنَ القيم قال: ((الأَشْبهُ أنَّه من كلام جعفر بن محمد لا مرفوعاً)) (٣) - ولفظُه: ((من صلَّى على رسول اللهِ وَ ل ◌ّ في كتابٍ صلّت عليه الملائكةُ غُدْوةً ورَوَاحاً ما دام اسمُ رسول الله وَّر في ذلك الكتاب)) (٤). ولذا قال سفيانُ الثوري: ((لو لم يكنْ لصاحب الحديث فائدةٌ إلا الصلاةُ على رسول الله وَلَّ، فإنَّه يُصَلَّى عليه ما دام في ذلك الكتاب)) (٥). بل جاء عن ابنِ مسعود ◌َرُه - مما حسَّنه الترمذيُّ، وصحَّحه ابنُ حِبّان - أنه وَّه قال: ((إنَّ أَوْلى الناس بي يوم القيامة أكثرُهم عليَّ صلاة)) (٦). وقد ترجمَ (١) عَزَاه البُلْقِيني في ((محاسن الاصطلاح)) (٣٠٧) للتُجِيبي في كتاب: ((أنوار الآثار المختصة في فضل الصلاة على النبي المختار)). والتُجِيبي: بضم المثناة الفوقية وجيم وموحدة مكسورتين بينهما مثناة تحتية، وهي - كما في ((الأنساب)) - (٢٤/٣) نسبةً إلى (تُجِيب) وهي قبيلة. والتُجيبي هذا - كما في (القول البديع (٢٦١) -: أحمد بن معد الأُقْلِيشي. تقدمت ترجمته (ص٣٩) من هذا الجزء. (٢) يعني كتابَه: ((القولُ البديعُ في الصلاة على الحبيبِ الشفيعِ)). (٣) ((جلاء الأفهام)) (٥٧). (٤) أورده في ((القول البديع)) (٢٥١)، وقال قبل إيراده: (ورُوي موقوفاً عن كلام جعفر بن محمد - قال ابنُ القيم: وهو أشبهُ - يرويه محمد بن حُمَيدٍ عنه. وذكر الغزالي في «الإحياء)) (٣٠٩/١) نحوَه، ولفظُه: ((من صلى عليّ في كتابٍ لم تَزَلِ الملائكةُ يستغفرون له ما دام اسمي في ذلك الكتاب)). قال العراقيُّ: أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) وأبو الشيخ في ((الثواب)) والمستغفريُّ في ((الدعوات)) من حديث أبي هريرة بسندٍ ضعيف. وزاد السخاويُّ في ((القول البديع)) (٢٥٠) جملةً ممن أخرجه من هذا الطريق كالخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) يعني (ص٣٦)، وابنِ الجوزي في ((الموضوعات)) يعني (٢٢٨/١). (٥) ((شرف أصحاب الحديث)) (٣٦). (٦) أخرجه الترمذي في ((الوتر)): باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي ◌َطير (٣٥٤/٢)، وابنُ حبان في صحيحه ((الإحسان)) (١٣٣/٢)، و((الموارد)) (ص٥٩٤)، والخطيبُ في ((شرف أصحاب الحديث)) (٣٥)، وفي ((الجامع)) (١٠٣/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٥ كتابةُ الحديثِ وضبطُه له ابن حبان: ((ذِكْرُ البَيَان بأنَّ أقربَ الناس في يوم القيامة يكون من النبي ◌َّ: من كان أكثرَ صلاةٌ عليه في الدنيا»، ثم قال عَقِبَهَ: ((في هذا الخبرِ بيانٌ صحيحٌ على أنَّ أَوْلى الناس برسول الله وَّر في القيامة يكونُ أصحابَ الحديث، إِذْ ليس من هذه الأمة قومٌ أكثرَ صلاةً عليه منهم)) (١). وكذا قال أبو نُعَيم: هذه مَنْقَبَةٌ شريفةٌ يختصُّ بها رُواةُ الآثارِ ونَقَلَتُها، لأنه لا يُعرَف لِعِصَابَةٍ من العلماءِ من الصلاة على رسول الله ◌َِّ أكثرُ مما يُعرَف لها نَسْخاً وذِكْراً (٢) وقال أبو اليُمْنِ ابنُ عساكر(٣): ((لِيَهْنِ أهلَ الحديث - كَثَّرَهُمُ اللهُ سبحانه - هذه الْبُشْرَى، وما أتمَّ به نِعَمَهُ عليهم في هذه الفضيلةِ الكُبرى، فإنَّهم أَوْلَى الناسِ بِنَبِّهِمْ وََّ، وأقرَبُهم - إنْ شاءَ اللهُ - إليه يومَ القيامة وسيلةً، فإنهم يُخلِّدون ذكرَه في ظُرُوسِهم، ويُجدِّدون الصلاةَ والتسليمَ عليه في معظم الأوقات بمجالس مُذَاكراتهم، وتحديثهم ومعارضتِهم ودُرُوسِهم، فالثناءُ عليه في معظم الأوقاتِ شِعَارُهم ودِثَارُهم، وبحُسن نَشْرِهم لآثاره الشريفةِ تَحْسُن آثارُهم)) (٤) إلى آخر كلامه الذي أَوْدَعْتُهُ - مع كلامٍ غيرِهِ في معناه، وَمَنَامَاتٍ حَسَنَةٍ صَحِيحَةٍ منها: قولُ الشافعي تَّتُ وقد قيل له: ما فعل بك ربُّك؟ قال: رَحِمَني، وَغَفَرِ لي، وزُفِقْتُ إِلى الجنة كما تُزَف العَرُوسُ، ونُثِر عليَّ كما يُنْثَر على العَروس)) (٥)، وأنَّ سببَ ذلك: ما في خُطْبَةٍ كتابه ((الرسالة) من الصلاة على محمد عَليه(٦). ومنها أنَّهِ قالَ: (مَنْ كَتب بيده: قال رسول الله وَّ، كان مَعِي في الجنة)) (٧) - (١) في النسخ: منها. من الناسخ. والتصحيح من ابن حبان ((الإحسان)) (١٣٣/٢). (٢) رواه الخطيب عن أبي نُعَيم في ((شرف أصحاب الحديث)) (٣٥). (٣) الحافظ الزاهد أمينُ الدين عبدُ الصمد بنُ عبد الوهاب المكي. مات سنة ٦٨٦ أو سنة ٦٨٧، ((فوات الوفيات)) (٣٢٨/٢)، و((العقد الثمين)) (٤٣٢/٥). (٤) لأبي اليُمْنِ ابنِ عساكر: ((جزء في ذكرٍ فضائل الصلاة على الرسول وَّ)) - كما في ((معجم المؤلفين)) (٢٣٦/٥) - وظاهرٌ أنَّ هذا الكلامَ فيه. والله أعلم. (٥) ((جلاء الأفهام)) (٢٤٧)، و((القول البديع)) (٢٥٤). (٦) انظر: هذه الصلاةَ في ((الرسالة)) للشافعي (١٦). (٧) أورده السخاوي في ((القول البديع)) (٢٥٣) عن البُرهان ابنِ جماعة بسنَدِه عن المُنذري عن النبي وَ﴿ مَنَاماً. قال السخاوي: ((وهذا سندٌ صحيح)). قلت: ولكنَّ المناماتِ لا يُحْتَجُ بها في مثلِ هذا. والله أعلم. كتابةُ الحديثِ وضبطُه ٤٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث في الكتابِ(١) المشارِ إليه. ٥٧٤ (وقد خُولف في سَقْط الصلاة) والسلام على النبي ◌َِّ الإمامُ (أحمدُ) - فإنَّه حسبما رآه الخطيب (٢) بخِّه يكتبُ كثيراً اسمَ النبيِ وَّهِ بدون ذلك - مِنْ غَيرِ واحد من المتقدمين كابنِ المَدِيني، والعَنْبَرِي - كما سيأتي قريباً - قال ابنُ الصلاح(٣): (وَعَلَّه) أي لعل الإمامَ أحمدَ (قَيَّد) أي تَقَيَّد في الإسقاط (بالروايةِ) لالتزامه اقْتِفَاءَها، فحيثُ لمْ يَجِدْها في أصلِ شيخه وَعَزَّ عليه اتصالُها في جميعِ مَنْ فَوقه من الرُّواة لا يكتُبُها تَوَرُّعاً مِن أَنْ يزيدَ في الروايةِ ما ليس منها، كمذهبهِ في مَنْع إبدالِ ((النبي)» بـ«الرسول)) وإنْ لَم يختلفِ المعنى. لكنْ (مع نُطْقه) بالصلاة والسلام إذا قرأَ، أو كتبَ (كما رَوَوْا) أي المحدثون - كالخطیب ومَن تابَعَه - ذلك عنه (حكايةً) غيرَ متصلةِ الإسنادِ فإنَّ الخطيبَ قال: ((وبلغني أنّه كان يُصَلِّي عليه وَ نُطْقَاً)) (٤). والتَقَيِّدُ في ذلك بالرواية هو الذي مَشَى عليه ابنُ دقيق العيد، فإنَّه قال في ((الاقتراح)): ((والذي نَمِيلُ إليه أن يَتْبَعَ الأصولَ والرواياتِ، فإنَّ العُمدةَ في هذا البابِ هو أنْ يكونَ الإخبارُ مُطابِقاً لما في الواقع، فإذا دلَّ اللفظُ على أنَّ الروايةَ هكذا، ولم يكنِ الأمرُ كذلك، لم تكِنِ الروايَّةُ مطابقةً لما في الواقع، ولهذا أقولُ: إذا ذَكَر الصلاةَ لفظاً مِن غيرِ أَنَّ تكونَ في الأصل فينبغي أَنْ يصحبَها قرينةٌ تدلُّ على ذلك، مثلُ كونه يرفعُ رأسَه عن النظرِ في الكتابِ بعدَ أنْ كان يقرأُ فيه، وينوي بقلبِهِ أنّه هو المُصَلِّي، لا حاكياً عن غيرِه))(٥). وعلى هذا فَمَن كتبَها - ولم تكن في الروايةِ ـ نَبَّه على ذلك أيضاً. وعليه مَشى الحافظُ أبو الحُسين اليُونِينِيُّ في نُسْخَتِهِ بـ((الصحيح)) التي جَمعَ فيها بين الرواياتِ التي وَقَعَتْ له، حيثُ يُشِير بالرمز إليها إثباتاً ونفياً. على أنه يُحتمل أنْ لا يكونَ تركُ الإِمام أحمدَ كتابتَها لهذا، بل استعجالاً - كما قَيَّدتُه عن شيخنا - لكونه في الرُّحْلَة، أو نحو ذلك، مع عَزْمه على كتابتِها (١) هذا متعلّق بقوله السابق: (( ... إلى آخر كلامه الذي أَوْدَعْتُه)). (٢) في ((الجامع)) (١/ ٢٧١). (٣) في ((علوم الحديث)) (١٦٧). (٤) ((الجامع)) (٢٧١/١). (٥) ((الاقتراح)) (٢٩١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٧ كتابةُ الحديثِ وضبطُه بعد انقضاءٍ ضَرُورتهِ، فلم يُقَدَّر، لا سيما (و) عباسُ بنُ عبد العظيم (العَنْبَرِي) نسبةً لبني العَنْبَرِ بنِ عَمرو بنِ تَمِيم (وابنُ المَدِيني) - نسبةً للمدينة النبوية، لكَوْنٍ أصلِه منها، هو عليٍّ - فيما نقلَه عنهما: عبدُ الله بنُ سِنَان - كما رواه النُّمَيري من طريقه - (بَيَّضًا) في كتابِهما (لها) أي للصلاة أحياناً (لِإِعْجَالٍ وَعَادَا) بَعْدُ (عَوَّضًا) بكتابةِ ما كان تَركُه للضرورة لملازمتهما فِعلَها في كلِّ حديثٍ سمعاه كان في الرواية أم لا (١). والإمامُ أجلُّ منهما اتّبَاعاً، مع ما روى ابنُ بَشْكُوَالَ من طريق جعفرِ الزَعْفَرَاني. قال: سمعتُ خالي الحسنَ بنَ محمد يقولُ: رأيتُ أحمدَ بنَ حنبل في النوم فقال لي: يا أبا علي لو رأيتَ صلاتنا على النبيِ وَلـ في الكُتُب كيف تُزْهِرُ بين أَيْدِينَا!))(٢). (واجتنبٍ) أيها الكاتبُ (الرمزَ لها) أي للصلاة على رسول الله ◌َّ في ٥٧٦ خطك بأن تقتصرَ منها على حرفين ونحوٍ ذلك، فتكون منقوصةً صورةً، كما يفعلُه الكُسَالَى والجهلةُ من أبناء العَجَم - غالباً - وعوامُّ الطلبة، فيكتبون بدلاً عن (لَّ)): ((ص)) أو ((صم))، أو ((صلم))، أو ((صلعم))، فذلك ــ لما فيه من نقصٍ الأجرِ لنقص الكتابة - خلافُ الأَوْلِى. وتصريحُ المصنفِ فيه وفيما بعده بالكراهةِ ليس على بابه(٣)، فقدْ رَوى النُمَيْرِيُ(٤) عن أبيه قال: كتبَ رجلٌ من العلماء نُسخةً من ((الموطأ))، وتأنَّق فيها، لكنَّه حَذفَ منها (الصلاةَ)) على النبي ◌َِّ حيثُما وَقَعَ له فيه ذِكْرٌ، وعَوَّضَ عنها ((ص))، وقَصَدَ بها بعضَ الرؤساءِ مِمَّن يَرْغبُ في شراءِ الدفاتر - وقد أَمَّل (١) وأخرجه من طريق ابن سنان أيضاً الخطيب في ((الجامع)) (١/ ٢٧٢). (٢) ((جلاء الأفهام)) (٢٤٦) من طريق جعفر الزَّعْفَراني، وعزاه السخاوي في ((القول البديع)) (٢٥٢) إلى ابنٍ بَشْكُوَالَ. يعني في جُزْئه «القُربَة إلى رب العالمين بالصلاة على سيد المرسلين. صلّى الله عليه وآله وصحبه أجمعين)). انظر: ((القول البديع)) (٢٦١). (٣) أي وتصريحُ العراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٣٠/٢) بالكراهَةِ في الرمز للصلاة والسلام على رسول الله ﴿ وفي الاقتصار على أحدِهما وحذفِ الآخر. (٤) النميريُّ هذا هو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي. محدث، عارف بِعِلَلِ الحديث وأسماءِ رجاله. من أهل غَرْنَاطَةَ. مات سنة ٥٤٤. له كتاب: ((الإعلام بفضل الصلاة على النبي عليه أفضل الصلاة والسلام)). ((كشف الظنون)) (١٢٨/١)، و((معجم المؤلفين)) (١٤٥/١٠)، و((القول البديع)) (٢٦١). ٥٧٥ كتابةُ الحدیثِ وضبطُه ٤٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث أنْ يُرْغِبَ له في ثمنه - ودَفعَ الكتابَ إليه، فَحَسُنَ موقعُه، وأُعجِبَ به، وعَزَمَ على إجْزَالِ صِلَتِهِ، ثم إِنَّه تَنَبَّهَ لِفِعْلِهِ ذلك فيه، فَصَرَفَهُ، وَحَرَمَهُ، وَأَقْصَاهُ. ولم يزلْ ذلك الرَّجُلُ مُحَارَفً (١) مُقَتَّراً عليه(٢). لكنْ وُجِدَ بخطّ الذَّهبي وبعضِ الحفاظِ كتابتُها هكذا: ((صلى الله علم))، وربَّما اقتفيتُ أثَرَهم فيه بزيادة لام أخرى قبلَ الميم مع التلفّظ بها غالباً، والأَولى خلافُه. (و) كذا اجتنب (الحَذْفَا) لواحدٍ (منها: صلاةً أَوْ سَلَاماً) حتى لا تكونَ منقوصةً معنى أيضاً (تُكْفَى) - بإكمال صَلَاتِك عليه - ما أَهَمَّكَ مِن أَمْرِ دينك ودنياك، كما ثبتَ في الخَبَر(٣)، وهو ظاهرٌ في كَوْنِ ذلك أيضاً خلافَ الأَوْلى. لكنْ قد صرَّح ابنُ الصلاح(٤) بكراهة الاقتصار على: ((عليه السلام)) فقط، وقال ابنُ مهدي - كما رواه ابنُ بَشْكُوَال وغيرُه -: ((إِنَّها تحيةُ الموتى))(٥). وصرّح النوويُّ كَُّ في ((الأَذْكار)) - وغيره (٦) - بكراهةِ إِفْرَاد أحدهما عن الآخر، متمسكاً بِوُرود الأمر بهما معاً في الآية(٧). وخصّ ابنُ الجَزَري الكراهةَ بما (١) بضم الميم، ثم حاء مهملة وبعد الألف راء مفتوحة ثم فاء: أي محروماً. ((النهاية)) (٣٧٠/١). (٢) أوردها السخاوي في ((القول البديع)) (٢٥٧) وعزاها للنُمَيرِيّ يعني في كتابه المتقدم في ترجمته. (٣) هو ما جاء في حديثٍ أَبَيّ بنِ كعب: ((قال رجل: يا رسولَ الله، أرأيتَ إن جعلتُ صلاتي (أي دعائي) كلّها عليكَ؟ قال: ((إذاً يَكفيك اللهُ تبارك وتعالى ما أهمّك من أمر دنياك وآخرتك))، أخرجه أحمد (١٣٦/٥) قال السخاوي في ((القول البديع)) (١١/٩): وإسناده جيد. وأخرجه أيضاً الترمذيُّ في ((صفة القيامة)): باب ٢٣ (٦٣٦/٤) بلفظ أطولَ، وقال: ((هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)). (٤) في علوم الحديث (١٦٨). (٥) أَوْرد ذلك في ((القول البديع)) (٢٦). وروايةُ ابنِ بَشْكُوَال هي في ((جُزئه)) الذي تقدم ذِكرُه قريباً. وابنُ بَشْكُوَال هو الإمام الحافظ محدثُ الأندلس أبو القاسم خَلَفُ بنُ عبد الملك القرطبي. مات سنة ٥٧٨. ((المعجم)) (٨٥) للقُضَاعِي، و((السير)) (٢١/ ١٣٩). (٦) انظر: ((الأذكار)) (٩٨)، و((شرح النووي على مسلم)) (٤٤/١). (٧) هي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٩ كتابةُ الحديثِ وضبطُه وقع في الكتبِ مما رواه الخَلَفُ عن السلف، لأنَّ الاقتصارَ على بعضه خلافُ الرواية. قال: ((فإِنْ ذَكَر رجلٌ النبي ◌َّه فقال: ((اللهم صل عليه)) - مَثَلاً - فلا أَحْسِبُ أنَّهم أَرَادوا أنَّ ذلك يُكره))(١) . وأمَّا شيخُنا فقال: ((إِنْ كان فاعلُ أحدهما يقتصرُ على الصلاة دائماً، فَيُكره من جهة الإخلال بالأمرِ الوَارِدِ بالإِكثار منهما، والترغيبِ فيهما، وإنْ كان يُصَلِّي تارةً، ويسلِّم أخرى - من غير إخلال بواحدةٍ منهما - فلم أقفْ على دليلٍ يَقْتضي كراهتَه، ولكنَّه خلافُ الأَوْلى، إذِ الجَمْعُ بينهما مستحبٌّ لا نزاعَ فيه(٢)). قال: ((ولعلَّ النوويَّ تَّثُ اطلعَ على دليلٍ خاصٍّ لذلك، و((إذا قالت حَذَامٍ فصدِّقوها))(٣) انتهى. ويتأيَّدُ ما خصَّ شيخُنا الكراهةَ به بوقوع الصلاة مفردةً في خُطبةِ كلٍّ من ((الرسالة)) لإمامنا الشافعي (٤)، و((صحيح مسلم))، و((التَنْبِيهِ)) للشيخ أبي إِسحاقَ، وبخطّ الخطيب الحافظ(٥) - في آخرين - وإليها - أو إلى بعضها - الإشارةُ بقول ابنِ الصلاح: ((وإنْ وُجِدَ في خطّ بعض المتقدمين))(٦). ولما حَكَى المصنفُ أنه وجده بخط الخطيب في ((المُوضِح)) قال: ((إنه ليس بمَرْضي)»(٧). (١) لعله في كتابه: ((الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين)). (٢) معنى هذا الكلام موجود في ((الفتح)) (١١/ ١٦٧). (٣) حَذام - كما في القاموس مادة (حَذَمَ بالمهملة ثم المعجمة) - على وزن قَطَامِ، وهو كما في ((الإكمال)) (١٣٢/٣) اسم امرأة يُضرب بها المَثَلُ في الصدق. وبَعْدَ أَنْ ذَكَر نسبَها قال: ((وفيها يقول زوجها لُجَيم بنُ صَعْب: إذا قالت حَذَامٍ فصدّقوها فإنَّ القولَ ما قالت حَذَامِ» (٤) الذي في ((الرسالة)) للشافعي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر (ص١٦) الجمعُ بينَ الصلاة والسلام. فلعلَّ المؤلفَ رآه في نسخة من ((الرسالة)) كذلك. والله أعلم. (٥) انظر: ((صحيح مسلم)) (١/ ٣)، و((التنبيه)) (١١) لأبي إسحاقَ الشيرازي، وانظر من مؤلفاتٍ الخطيب: ((تاريخ بغداد)) (٣/١)، و((تقييد العلم)) (٢٨)، و((شرف أصحاب الحديث)) (٣). (٦) ((علوم الحديث)) (١٦٨). (٧) قال ذلك العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٣٢/٢). والذي رأيتُه في المطبوع من = كتابةُ الحديثِ وضبطُه فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وقد قال حمزة الكِناني(١): كنتُ أكتبُ الحديثَ، فكنتُ أكتبُ عند ذكر النبي (صل الله عليه))، ولا أكتبُ: ((وسلم)) فرأيتُ النبيَّ وَّ في المنام فقال: ((مالكَ لا تتم الصلاة عليَّ؟))، فما كتبتُ بعدُ: ((صلى الله عليه)) إلا كتبتُ: ((وسلم)). رواه ابنُ الصلاح(٢)، والرَّشِيدُ العطار (٣)، والذهبيُّ في ((تاريخه)) - لكنْ بلفظ: ((أَمَا تَخْتِمُ الصلاةَ عليَّ في كتابِك؟» (٤) - كلَّهم من طريق الحافِظِ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بنِ مَنْدَه عنه. وقال ابنُ عبد الدائم(٥): ((كنتُ أكتبُ لفظ الصلاة دون التسليم، فرأيتُ النبيَّ وََّ في المنام فقال لي: ((لِمَ تَحْرِمُ نفسَك أربعين حسنة؟»، قلتُ: وكيفَ ذاكَ يا رسولَ الله؟ قال: ((إذا جاء ذِكْرِي تكتبُ: ((صلى الله عليه)، ولا تكتبُ: ((وسلم)) وهي أربعةُ أحرف، كلُّ حرفٍ بعشر حسنات))، قال: وَعَدَّهنِ نَّهِ بيده)» أو كما قال. رواه أبو اليُمْنِ بنُ عساكر(٦). وكذا يُستحبُّ كتابةُ الصلاةِ على غيرٍ نبيِّنا وَّ من الأنبياء صلى الله وسلم عليهم - كما صرَّح به بعضُ العلماء(٧) - والترضّي عن الصحابة، والترُم على العلماء، وسائرِ الأخيار، كما صرَّح به النوويُ(٨) . ((مُوضِح أوهام الجمع والتفريق)) (٢/١) أنَّ الخطيب جَمعَ في خطبته بين الصلاة" = والتسلیم. (١) الإمام الحافظ العابد حمزة بن محمد بن علي بن العباس، أبو القاسم، مات سنة ٣٥٧. ((السير)) (١٧٩/١٦)، و((حسن المحاضرة)) (٣٥١/١). (٢) في ((علوم الحديث)) (١٦٨). (٣) الإمامُ الحافظ رَشِيدُ الدين أبو الحسين يحيى بن علي بن عبد الله المالكي مات سنة ٦٦٢، ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٤٢/٤)، و((حسن المحاضرة)) (٣٥٦/١). (٤) وهي بهذا اللفظ عند الذهبي في ((السير)) (١٦/ ١٨٠) أيضاً. (٥) مسند الشام زين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي الحنبلي، مات سنة ٦٦٨. (العبر)) (٣١٧/٣)، و(«البداية والنهاية)) (٢٥٧/١٣). (٦) يعني في ((جُزْئِه)) في فضل الصلاة على النبي ◌َّرُ المتقدم في ترجمته. (٧) انظر: ((فتح الباري)) (١٦٩/١١ - ١٧٠). (٨) في ((الأذكار)) (١٠٠). و((التقريب)) (١٢١/٢). وجاء في حاشية (س)، وكذا في (ح) - مُعَلَّماً عليه بأنه حاشية - ما نصه: ((وذكر في (الأذكار)) أنَّ الصحيحَ كونُ لُقمانَ ومريمَ ليسا نَبِيَّين، فيقال لهما: ﴿ها، أو يقال : = فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٥١ كتابةُ الحديثِ وضبطُه وفي ((تاريخ إِرْبِلَ)) (١) لابنِ المُسْتَوفِي عن بعضِهم (٢) أنه كان يَسألُ عن تخصِيصِهم عليّاً ب(كرم الله وجهه))، فرأى في المنام مَن قال له: ((لأنه لم يسجدْ لصنمٍ قطّ)). = صلى الله على أنبيائه وعليهما - أو على أحدهما ـ ونحوُ ذلك فيما يراجع منه))، انتهى. وانظر: ((الأذكار)) (١٠٠). (١) ((تاريخ إربل)) (١٠١/١). (٢) هو أبو الفضل خداذاذ بن أبي القاسم البَيْلَقاني. المقابَلَةُ وما أُلْحِقَ بها من المسائل ٥٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث (المقابَلَةُ) وما أَلْحِقَ بها من المسائل ويقال لها أيضاً: المُعَارضة. تقولُ: قابلتُ بالكتاب قِبَالاً، ومقابلةً، أي: جعلتُه قِبَالَتَه، وصيَّرتُ في أحدِهما كلَّ ما في الآخر. ومنه: منازلُ القوم تَتَقَابَلُ، أي يُقَابِل بعضُها بعضاً، وعارضتُ بالكتاب الكتابَ: أي جعلتُ ما في أحدهما مثلَ ما في الآخر. مأخوذٌ مِن عارضتُ بالثوب إذا أعطيتُه وأخذتُ ثوباً غیرَه. والأصلُ فيها: ما رواه الطبرانيُّ في ((الكبير)) وابنُ السُّنِّي في ((رياضة المُتَعَلِّمين)) - كلاهما - من حديثٍ أبي الطاهرِ ابنِ السَّرْح قال: ((وجدتُ في كتابٍ خَالِي - يعني عبد الرحمن بنَ عبد الحميد (١) -: حَدَّثَنِي عُقَيلٌ عن سَعيد بنِ سليمانَ بن زيد بن ثابت عن أبيه عن جدّه ◌َّه قال: كنتُ أكتبُ الوحيَ لرسول الله وَّ﴿، فكان إذا فَرَغتُ يقولُ لي: ((اقْرَأُهُ)»، فَأَقْرَأْهُ. فإنْ كان فيه سَقْطٌ أَقَامَهُ، ثم أَخرِجُ به إلى الناس)). وأخرجَه الطبرانيُّ - أيضاً -، وكذا الخطيبُ في ((جامعه)) من طريق نافعٍ بن يزيدَ عن عُقَيلٍ فقال: عن الزهري عن سَعيدٍ بنحوه(٢). (١) جاء في المطبوع من ((المعجم الكبير)) (١٤٢/٥) للطبراني: ((وجدت في كتاب خالي عبد الحميد)) وهو خطأ من ناسخه أو طابعه. فقد جاء في ((تهذيب التهذيب)) (١/ ٦٤) في ترجمة أبي الطاهر بن السَّرْح - واسمه: أحمدُ بنُ عمرو - ما يلي: ((روى عن ... خالِهِ عبدِ الرحمن بنِ عبد الحميد)). والله أعلم. (٢) أَخرِجَ حديثَ زيدِ الطبرانيُّ في ((الكبير)) (١٤٢/٥ ح٤٨٨٩) وابنُ السُّنّي - كما قال المؤلف - في ((رياضة المتعلمين))، وعزاه الهيثميُّ في ((المجمع)) (١٥٢/١) إلى الطبراني في ((الأوسط)) كلّهم من طريق أبي الطاهر بن السَّرْح، قال الهيثميُّ: ((ورجاله مُوَثَّقون، إلّا أنَّ فيه: وجدتُ في كتاب خالي. فهو وجادة)». وأخرجه أيضاً الطبرانيُّ في ((الكبير)) (١٤٢/٥،ح ٤٨٨٨)، والخطيبُ في ((جامعه)» (١٣٣/٢)، والسمعانيُّ في ((أدب الإملاء)) (٧٧) كلَّهم من طريق نافعِ بنِ يزيدَ. وما ذكره = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٥٣ المقابَلَةُ وما أُلْحِقَ بها من المسائل ٥٧٧ (ثم) بعدَ تحصيلِ الطالب للمَرْويّ بخطِّه أو بخط غيره (عليه العَرْضُ) وجوباً، كما صرح به الخطيبُ في ((جامعه))، وقالَ: إِنَّه شَرْطٌ في صِحَّةٍ الرِوَايَة(١)). وكذا قال عياض: ((إنّه متعيّن لا بدَّ منه))(٢). وهو مُقْتضَى قولِ ابنِ الصلاح: ((إنه لا غِنَى لمجلس الإِملاءِ عن العَرْض))(٣) كما سيأتي (٤). ويشيرُ إليه: ما أَخرجه الخطيبُ في ((جامعه)) عن هشام بن عروة قال: قال لي أبي: أَكَتَبْتَ؟ قلتُ: نعم، قال: عَارَضْتَ؟ قلتُ: لا، قال: فَلَمْ [تكتب))(٥). وفي ((كِفَايته)) عن أَفْلَحَ (٦) ابنِ بَسَّامِ قال: ((كنتُ عند القَعْنَبِيِّ فقال لي: كَتبتَ؟ قلتُ: السخاويُّ عن طريق نافع بنِ يزيدَ أَنَّ عُقَيلاً قال فيه: عن الزهري عن سعيد. يعني أنَّ = في طريقٍ أبي الطاهر بن السرح: رَوَاه عُقَيلٌ - بضم المهملة وهو ابنُ خالد - عن سَعِيد بن سليمانَ، أما في طريق نافع بن يزيد فَرَواه عُقَيل عن الزهري عن سعيد. قلتُ: ولا تأثيرَ على اتصال السند من هذه الناحيةِ فكلٌّ من عُقَيل والزهري قد روى عن سعيد بن سليمان - كما في ترجمته في ((التهذيب)) (٤٢/٤) - فلعلَّ عُقيلاً سمعه أوَّلاً من الزهري عن سعيد، ثم سمعه من سعيد بلا واسطة. لكنْ مما يَحسُن التنبيهُ عليه أنَّ في سند الخطيب انقطاعاً فقد جاء السندُ عنده كما يلي: ((نافع بن يزيد عن عُقيل عن الزهري عن ابن سليمان بن زيد بن ثابت عن جده زيد بن ثابت». وأما سَنَدُ الطبرانيِّ (ح٤٨٨٨) والسمعانيِّ فكما يلي: ((نافع بن يزيد عن عُقَيل عن الزهري عن ابنٍ سليمان بن زيد بن ثابت عن أبيه عن جَدّه زيد بن ثابت)). ففي سندٍ الخطيب أنَّ ابنَّ سليمان (وهو سعيد) سَمِعَه من جده زيدٍ بن ثابت، والذي يظهرُ من ترجمة كلٌّ منهما في ((التهذيب)) أنَّ سعيداً لم يسمعْ من جدّه زيد. فلعلّه سَقَطَ من سند الخطيب: ((عن أبيه)). والله أعلم. (١) ((الجامع)) (٢٧٥/١). (٢) ((الإلماع)) (١٥٨). (٣) ((علوم الحديث)) (٢٢١). (٤) (ص٢٧٧) من هذا الجزء. (٥) ((الجامع)) (٢٧٥/١)، وأخرجه أيضاً الرَّامَهُرْمُزِيُّ في ((المحدث الفاصل)) (٥٤٤)، وابنُ عبد البر في ((جامعه)) (٧٧/١)، والسمعاني في ((أدب الإملاء)) (٧٩). (٦) كذا في النُسَخِ (أفلح) بالفاء، وآخرُه حاء مهملة، وَمِثْلُهُ في ((الكفاية)) (٢٣٧). وجاء في ((الإكمال)) (١٠٤/١): ((وأما أَقْلَحُ - بالقاف وبالحاء المهملة - فهو أقلحُ بن بَسَّام البخاري حدَّث عن محمد بن سَلَام البِيْكَنْدِي)) ومِثلُ هذا جاء في ((القاموس)) وانتاجٍ العروس)) مادة (قلح). بالقاف. والَّبِيْكَنْدِي معاصِرٌ لِلْقَعْنَبِي. فإنَّ كان المذكورُ عندٌ الخطيب في ((الكفاية)) غيرَ البخاري المذكور آنفاً فلا إشكال. وإنْ كان هو نفسَه فهو = المقابَلَةُ وما أُلْحِقَ بها من المـ ٥٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث نعم، قال: عَارَضتَ؟ قلتُ: لا، قال: لم(١)] تصنع شيئاً)(٢). وهذا عند ابنِ السمعاني في ((أدب الإملاء)) من حديث عطاء بن يسار - مرسلاً - قال: كَتَبَ رجلٌ عند النبيِ نَّ فقال له: ((كتبتَ؟))، قال: نعم، قال: ((عَرَضْتَ؟))، قال: لا، قال: ((لم تكتبْ حتى تَعْرِضَه))(٣). وفي ((الكفاية)) و((الجامع)) - معاً - عن يحيى بن أبي كثير قال: ((مَثَلُ الذي يكتُبُ ولا يُعَارِضُ مَثَلُ الذي يَقْضي حاجَتَه ولا يَسْتَنْجِي بالماءِ))(٤). وكذا جاء عن الأوزاعي كما لابن عبدِ البَر في ((جامع العلم))(٥)، ثم عياضٍ في ((الإلماع)) (٦)، وعن الشافعي كما عزاه إليه ابنُ الصلاح(٧) - وفي صِحة عَزْوِه إليه نظر _ (٨) . والتشبيهُ: في مُظْلَقِ النَّقْصِ مع قطع النظر عن شَرَفِ أحدهما، وخِسَّةٍ الآخر، كما في تشبيهِ الوَحْي بصَلْصَلَةِ الجَرَس(٩). = بالقاف مع استشكال ذلك، لقولِ الذهبي في (المُشْتَبِه): ((أفلح: كثير. وبقاف: هو عَاصِمُ بنُ ثابت بن أبي الأقلح. فَرْدٌ))، ولم يتعقبه الحافظ ابن حجر في ((التبصير)) (١/ ٢٣). والله أعلم. (١) ما بين المعكوفين ساقط من (ح). (٢) ((الكفاية)) (٢٣٧). (٣) أخرجه ابنُ السمعاني في ((أدب الإملاء)» (٧٧). وهو مرسلٌ كما ذكر المؤلفُ. (٤) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٧)، وفي (الجامع)) (٢٧٥/١). وأخرجه أيضاً الرَّامَهُرْمُزِيُّ في ((المحدث الفاصل)) (٥٤٤)، وابنُ عبد البر في ((جامعه)) (٧٧/١)، وابنُ السمعاني في ((أدب الإملاء)) (٧٨، ٧٩). (٥) (٧٨/١). (٦) (ص١٦٠). (٧) في ((علوم الحديث)) (١٦٩). (٨) لأنَّ الوَارِدَ أنّه من كلام الأوزاعي ويحيى بن أبي كثير، قال الحافظُ العراقي في ((التقييدِ والإيضاح)) (٢١٠) تعليقاً على عَزْوِ ابنِ الصلاح هذا الكلامَ للإمام الشافعي ما نصُّه: ((هكذا ذكره المصنفُ عن الشافعي، وإنما هو معروف عن الأوزاعي ويحيى بنِ أبي كثير. وقد رواه عن الأوزاعي أبو عُمرَ بنُ عبد البر .. ومن طريق ابنِ عبِد البر رواه القاضي عياض في كتاب ((الإلماع)) بإسناده، ومنه يأخذ المصنفُ كثيراً، وكأنَّه سَبَق قلمُه من الأوزاعي إلى الشافعي .. ولم أَرَ لهذا ذكراً عن الشافعي في شيء من الكتب المصنفة في ((علوم الحديث))، ولا في شيءٍ من ((مناقب الشافعي)). والله أعلم)) انتهى. (٩) أخرجه البخاري في ((بَدْءِ الوَحْي)): الباب الثاني (١٨/١)، ومسلم في ((الفضائل)): باب عَرَقِ النبيِ نَّهِ فِي الْبَرْدِ، وحين يأتيهِ الوَحْي (١٨١٦/٤)، وغيرُهما. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٥٥ المقابَلَةُ وما أُلْحِقَ بها من المسائل وكذا ليس قولُ القائل: ((اكتُبْ ولا تُقَابِل، وارْمٍ على المَزَابِل))(١)، على ظاهره، ولذا كانَ أحسنُ منه قولُ بعضهم: ((مَنْ كَتَبََ ولم يُقابِل كمن غَزَا ولم يُقاتِلِ))، وقولَ الخلَّالِ الحَنْبلي(٢): ((من لم يُعارِض لَمْ يَدْرِ كيفَ يضعُ رِجْلَه))(٣). وفي ((جامع الخطيبِ)) عن الخليل بنِ أحمَد قال: ((إذا نُسِخَ الكتابُ ثلاثَ مرات، ولم يُعارَض تَحوَّل بالفارسية، مِنْ كثرة سَقْطِه))(٤)، وفي (كِفَايَتِهِ)) نحوُه عن الأخفش قال: ((إذا نُسِخَ الكتابُ ولم يُعَارَض، ثم نُسخ منه ولم يعارَض - يعني المنسوخَ أيضاً - خَرَجَ أَعْجَمِيّا))(٥). والظاهرُ: أنَّ محلَّ الوجوبِ حيثُ لمْ يَثِقِ بصحة كتابته، أو نُسخَته. أما مَن عُرف - بالاستقراءِ - نُدُورُ السَّقْطِ والتحريفِ منه فلا، لا سيما وقد روى ابنُ عبد البر في ((جامع العلم)) عن مَعْمَرٍ أنه قال: (لو عُرِضَ الكتابُ مائةَ مرَّةٍ ما كادَ يسلَمُ مِن أنْ يكونَ فيه سَقْطٌ - أو قال: خَطَأُ (٦) _)). ولكنَّه قد بَالَغَ. كما أنَّ قولَ القائِل: الأصلُ عدمُ الغَلَطِ، مُعَارَض بقولِ غيرِه: بل الأصل عدمُ نَقْلِ كلِّ ما كان في الأصل. نعم، لا يخلُو الكاتبُ من غَلَط وإنْ قَلَّ، كما هو معروفٌ من العُرْف والتَّجْرِبَة. ولذا قال بعضُهم(٧): ((ما قَرْمَظْنا (٨) نَدِمْنَا، وما انْتَخَبْنَا نَدِمْنَا، وما كَتَبْنَاه (١) مبالغةً في أنَّه لا قيمةَ له. (٢) الإمام الحافظُ الفقيه، جامع علوم الإمام أحمدَ كَثُ، وشيخُ الحنابلة وعالمُهم أبو بكر أحمدُ بن محمد البغدادي. مات سنة ٣١١. ((تاريخ بغداد)) (١١٢/٥)، و((طبقات الحنابلة)) (١٢/٢)، و((السير)) (٢٩٧/١٤). (٣) ((طبقات الحنابلة)) (١٣/٢). (٤) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (٢٧٦/١). (٥) أخرجه الخطيب في ((كفايته)) (٢٣٧). ومعنى تحوّلِهِ إلى الفارسية، وخروجه أعجمياً، أي أنه صار كلاماً غيرَ مفهومٍ بسبب ما يدخلُه من سَقْطٍ وخطأٍ وتصحيفٍ. (٦) أَوْرده ابنُ عبد البر في ((جامعه)) (٧٨/١) وعزاه للحسن الحُلْوَاني في كتاب ((المعرفة)». (٧) سماه المؤلفُ - كما سيأتي - في ((آداب طالب الحديث)) (٣١٤) من هذا الجزء: المَجْدَ الصَرْخَكي من الحَنَفِية. (٨) القرمطة كما في القاموس: ((دقة الكتابة ومقاربة الخطو)). المقابَلَةُ وما أُلْحِقَ بها من المسائل ٥٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث بدون مُقَابَلَةٍ نَدِمْنَا))(١) . ٥٧٨ ويحصلُ العَرْضُ إِما (بالأصل) الذي أخذه عن شيخه، بسائر وجوهِ الأَخذ الصحيحةِ، (ولو) كان الأخذُ (إجازةً، أو) بـ(أَصْلِ أَصْلِ الشيخ) الذي أَخذ الطالبُ عنه المُقَابَلِ به أصلُه، (أو) (فرع مقابَلٍ) بالأصلَ مقابلةً مَّعْتَبرةً، موثوقاً بها، أو بفرع قوبل كذلك على فرع -ٌّ ولو ◌ّكَثُر العددُ بينهما - إذِ الغَرَضُ المطلوبُ أنْ يَكونَ كتابُ الطالب مطابقاً لأصل مَرْوِيِّه وكتابٍ شيخه. فسواءٌ حصلَ بواسطةٍ فأكثرَ، أو بدونها. ثم إنَّ التَّقْييدَ في أَصْلِ الأَصْلِ بكونه قد قُوبل الأصلُ عليه لا بدَّ منه، وإلا فلو كان لشيخ شيخِه عدةُ أُصولٍ قَوَبلَ أصلُ شيخه بأحدها لا تكفي المقابلةُ بغيرِهِ، لاحتمال أَنْ يكونَ فيه زيادةٌ، أو نقصٌ، فيكونَ قد أتى بما لم يَرْوِهِ شيخُه له، أو حَذَفَ شيئاً مما رواه له شيخُه. أشار إليه ابنُ دقيق العيد(٢)، وسيأتي نحوُه في ((الرواية من الأصل))(٣). وكذا يحصلُ إنْ كان الأصلُ بيد الشيخ أو ثقةٍ يَقِظٍ غيرِهِ، تولّاه الطالبُ بنفسه أو ثقةٌ يَقِظٌ غيرُه، وقع حالةَ السماع أم لا، أمسكَ الأصلَ معه غيرُه أم كانا معاً بيده. (و) لكنْ (خيرُ العَرْضِ) ما كَانَ (مع أُستاذِهِ) أي شيخِه على كتابه بِمُبَاشَرَةِ الطالبِ (بنفسه، إذْ) أي حينَ (يسمع) من الشيخ، أو عليه، أو يقرأُ؛ لما يَجْمَعُ ذلك مِنْ وُجُوه الاحتياطِ والإِتقان من الجانبين، يعني إِن كان كلٌّ منهما أهلاً لذلك، فإنْ لم تجتمعْ هذه الأوصافُ نَقَصَ من مرتبته بقَدْر ما فاته منها. قالَه ابنُ الصلاح(٤) .. وَ[كذا](٥) فيَّدَ ابنُ دقيق العيد في ((الاقتراح)) الخيريّةَ بتمكُّن الطالبِ - مع ذلك - مِنَ التثبّت في القراءة، أو السماع، وإلَّ فتقديمُ العَرْضِ - حينئذٍ - أَوْلى. قال: ((بل أقولُ: إنَّه أَوْلى مطلقاً، لأنَّه إذا قُوبل أَوَّلاً كان حالةَ السماع أيسرَ، وأيضاً فإنْ وقعَ إشكالٌ كُشِفَ عنه وضُبط فقُرِئ على الصِحَّة. وكمْ من جُزء قُرئ بغتةً فوقعَ فيه أَغَاليطُ وتصحيفاتٌ لم يتبيّن صوابُها إلا بعدَ الفراغ (١) مقصوده من هذا أن ما قرمطه بدقة كتابته ومقاربة أسطره فإنه ندم عليه مستقبلاً وكذا ما انتخبه من كتاب بحيث لم يكتب الكتاب كله، وكذا ما كتبه ولم يقابله. (٣) (ص١١٧). (٢) في ((الاقتراح)) (٢٩٧). (٤) في ((علوم الحديث)) (١٦٩). (٥) ما بين المعكوفين ليس في (س) و(م). فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٥٧ المقابَلَةُ وما أُلْحِقَ بها من المسائل فأُصلِحت، وربّما كان ذلك على خلافِ ما وقعتِ القراءةُ عليه، وكان كذباً إنْ قال: قرأتُ، لأنَّه لم يقرأُ على ذلك الوجه))(١). (وقيلَ) وهو قولُ أبي الفَضلِ الهَرَوِي الجَارُودي(٢) (بل) خيرُ العَرْض ما ٥٧٩ كان (مع نفسه) يعني حرفاً حرفاً، لكونه حينئذٍ لم يُقلّد غيرَه، ولم يحصلْ بينه وبين كتابٍ شيخه واسطةٌ، وهو بذلك على ثقةٍ ويقينٍ من مطابقتهما (و) لذا (اشترطا بعضُهم) من أهل التحقيق (هذا) فجزم - كما حكاه عياض(٣) عنه - بعدم صِحَّة مقابَلَتِه مع أحدٍ غيرِ نفسِه. (وفيه) أي الاشتراطِ (غُلِّطا) أي القائلُ به، فقال ابنُ الصلاح: ((إنه مذهبٌ متروك، وهو من مذاهبٍ أهل التشديد المرفوضةِ في عصرنا)) (٤)، وصحَّحَ عَدَمَه، لا سيما والفكرُ يتشعّب بالنظر في النُّسخَتَين بخلافِ الأول. والحقُّ - كما قال ابنُ دقيق العيد -: أنَّ ذلك يختلف، فربّ مَنْ عادتُه - يعني لمزيدٍ يقظته وحفظه ــ عدمُ السهو عند نظره فيهما، فهذا مقابلته بنفسه أولى. أو عادتُه - يعني لجمود حركته وقلة حفظه - السّهُ فهذا مقابلته مع غيره أولى(٥). على أن الخطيبَ قال: «إنه لو سمع من الراوي، ولم تكن له نسخة، ثم نسخ من الأصل استُحب له العرضُ على الراوي أيضاً للتصحيح وإن قابل به، لأنه يُحتَمل أن يكونَ في الأصل خطأٌ، ونقصانُ حروف، وغير ذلك مما يعرفه الراوي، ولعله أن يكونَ أَقرَّهُ في أصله لأن الذي حدَّثه به: كذلك رواه، فكره تغييرَ روايته - يعني ومشى على الصواب في المسألة - وعوّل فيه على حِفِظِه له ومعرفته به))(٦). ثم حكى ذلك عن جماعة (٧). وبه يتأيد قولُ ابنٍ الصلاح: ((إنَّ ما ذكرناه - يعني من العَرض مع الشيخ - أولى من إطلاق (١) ((الاقتراح)) (٢٩٣). (٢) عزاه إليه أيضاً ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٦٩). وأبو الفضل هو الإمام الحافظُ الجَوَّال محمدُ بن أحمدَ بنِ محمد. مات سنة ٤١٣. («الأنساب)) (١٥٩/٣)، و((السير)) (٣٨٤/١٧). (٣) في ((الإلماع)) (١٥٩). (٥) انظر: ((الاقتراح)) (٢٩٦ - ٢٩٧). (٧) المصدر السابق (٢٤٠). (٤) ((علوم الحديث)) (١٧٠). (٦) («الكفاية)) (٢٣٩). المقابَلَةُ وما أُلْحِقَ بها من المسائل ٥٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الجارودي))(١)، بل ولا مانعَ من تقييده به، ويزولُ الاختلاف. وقد قرأتُ بخط شيخنا التردّدَ في مراد الجارودي، فقال: ((إنْ أراد به: أن صاحب الكتاب يتولاها بنفسه - مع الشيخ، أو مع موثوقٍ به - فهو متّجه، فإن عنايةَ المرء بتصحيح نسخته أشدُّ من اعتناء غيره. حتى ذهب بعضُ أهل التشديد إلى أن الروايةَ لا تصح إلا إن قابَلَ الطالبُ بنفسه مع غيرِهِ، وأنه لا يُقلد غيرَه في ذلك. وإنْ أراد أنه يقرأ سطراً من الأصل، ثم يقرأه بعينه فهذا لا يُفيد، لأن الشخصَ لا يتمكن من المقابلةِ بنفسه مع نفسه من نسختين. وإن أراد أنه يقرأُ كلمة أو كلمتين في كتاب نفسه، ثم يقرأ ذلك في الأصل فهذا يصح إلا أنه قلّ أن يتفق، مع ما فيه من التطويل الذي يَضيعُ به العمر))(٢) . قال الخطيب: ((وليجعلْ للعَرْضِ قَلَماً مُعَدّاً))(٣)، ثم ساق عن أبي نُعيم الفَضْلِ بن دُكَين أنه قال لرجل لاجَّه في أمر الحديث: ((اسكت فإنك أبغضُ مِن فَلَمِ العَرْض)»(٣) . فائدة: قد مضى في الباب قبله(٤) حكايةُ استحباب نَقْطِ الدَّارَةِ الفاصلة بين الحديثَين عند الانتهاء من مقابلة كل حديث لئلا يكون بَعدُ في شك. ومنهم من يجعلُ عَقِبَ كلِّ بابٍ أو كراسٍ ما يُعلَم منه العَرضُ. وربما اقتصر بعضُهم على الإعلام بذلك آخرَ الكتاب، حتى كان أبو القاسم البَازْكُلِّي يكتبُ ما نصه: ((صحَّ بالمعارضة، وسَلِم بالمقابلة من المناقَضة وذلك من البَسْملة إلى الحَسْبلة))(٥). (ولينظر السامعُ) استحباباً (حين يطلبُ) أي يسمع (في نسخة) إمّا له، أو لمن حضر من السامعين، أو الشيخ، فهو أضبطُ وأجدرُ أن يفهمَ معه ما يسمع، ٥٨٠ (١) ((علوم الحديث)) (١٦٩). (٣) ((الجامع)) (٢٧٦/١). (٢) لم أظفر بمصدره. (٤) (ص٣٩). (٥) البازْكُلُّ: بالموحدة والزاي الساكنة والكاف المضمومة واللام المشددة وهي نسبة - كما في ((الأنساب)) (٣٥/٢) - إلى بلدةٍ يقال لها: (بازْكُل) أسفلَ أرض البصرة، ولم أقفْ على ترجمة البازكلي المذكور. والحسبلة معناها: قول: (حَسبُنَا الله ونِعْم الوكيل). وتكتب عادة عند ختام الكتاب. ومقصودُه: أنه معارَضٌ ومقابَلٌ من أوله إلى آخره. : فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٥٩ المقابَلَةُ وما أُلْحِقَ بها من المسائل لوصول المقروء إلى قلبه من طريقَي السمع والبصر، كما أنَّ الناظرَ في الكتاب إذا تلفّظ به يكون أثبتَ في قلبه، لأنه يصلُ إليه من طريقَين. قال الزبيرُ بنُ بَّار في ((المُوَفَّقِيات)): ((دخل عليَّ أبي وأنا أنظرُ في دفتر، وأَرْوي فيه بيني وبين نفسي، ولا أجهر، فقال لي: إنما لك من روايتك هذه ما أدّى بصرُك إلى قلبك، فإذا أردتَ الرِّوايةَ فانظرْ إليها، واجْهَر بها، فإنه يكونُ لك منها ما أدّى بصرُك إلى قلبك، وما أدى سمعُك إلى قلبك))(١) . ولهذا قال الخطيب: ((حدثني أبو عبد الله الحُمَيدي(٢) قال: أَتى جماعةٌ من الطلبةِ الحافظَ أبا إسحاقَ إبراهيمَ بنَ سعيد بنِ عبد الله المصري الحَبّال(٣) ليسمعوا منه جُزءاً، فأخرجَ به عشرين نسخةً، ونَاوَلَ كلَّ واحد نسخةً يعارِض بها)» (٤) . ويتأكد النظر إذا أرادَ السامعُ النقلَ منها كما صرَّح به ابنُ الصلاح(٥) تبعاً للخطيب(٦)، لكونه حينئذٍ كأنه قد تولى العرضَ بنفسه. وبهذا تظهرُ مناسبة إدخال هذا الفرع في الترجمة. وبكونه مستحباً صرح الخطيب(٧). ويشهد له قولُ علي بن عبد الصمد المكي: («قلت لأحمدَ بنِ حنبل: أيجزئ أنْ لا أنظرَ في النسخة حين السماع، وأقولَ: حدثنا. مثلُ الصَكّ يُشهدُ بما فيه ولم ينظرْ فيه؟ فقال لي: لو نظرتَ في الكتاب كان أطيبَ لنفسك)»(٨). (وقال يحيى) بنُ مَعِين - كما رواه الخطيب في ((الكفاية))(٩) من طريقه بسندٍ فيه وِجَادٌ، وأورده لذلك ابنُ الصلاح(١٠) بصيغة (١) لم أجده في المطبوع من ((الأخبار الموفقيات)). وقد ذكر محقّقُه أنَّ المطبوعَ بعضهُ. وأخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٢٦٦/٢) عن الزبير. (٢) الإمام الحافظ محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله الأندلسي، مات سنة ٤٨٨. ((الأنساب)) (٢٣٣/٤)، و((السير)) (١٢٠/١٩). (٣) المتوفى سنة ٤٨٢ عن إحدى وتسعين سنة. ((الإكمال)) (٣٧٩/٢)، و((السير) (٤٩٥/١٨). (٤) ذكره الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (١١٩٣)، ولم أعثرْ عليه في ((الكفاية))، و((الجامع)) للخطيب. (٥) في ((علوم الحديث)) (١٦٩). (٨) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٨). (٧) في ((الكفاية)) (٢٣٨). (٩) (ص٢٣٨). (٦) في ((الكفاية)) (٢٣٨). (١٠) في ((علوم الحديث)) (١٦٩). المقابَلَةُ وما أُلْحِقَ بها من المسائل ٦٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث التمريض -: (يجب) النظرُ. وذلك أنه سُئل عمّن لم ينظر في الكتاب - والمحدثُ يقرأ -: أيجوز له أن يحدثَ بذلك عنه؟ فقال: ((أمَّا عندي فلا، ولكنْ عامةُ الشيوخ هكذا سماعُهم))، قال: ((وكان ابنُ أبي ذئب يحدّث من الكتاب، ثم يُلْقيه إليهم فيكتبونه من غير أن يكونوا قد نظروا فيه)(١). ولم ينفردِ ابنُ معين بهذا، فقد أورد الخطيب أيضاً عن(٢) أبي عبد الله محمد بن مُسلم بنِ وَارَة أنه قال: ((أنتم أهلُ بلدٍ يُنظر إليكم، يجيء رجل يسألني في أحاديثَ وأنتم لا تنظرون فيها، ثم تكتبونها؟ لا أُحِلّ لمن لم ينظر في الكتاب أن ينسخَ منه شيئاً))(١). ونحوُه عن عبد الرزاق قال: ((لمّا قدم علينا الثوري قال: ائتوني برجل يكتبُ، خفيفِ الكتاب. قال: فأتيناه بهشام بن يوسفَ، فكان هو يكتبُ ونحن ننظر في الكتاب، فإذا فَرِغَ خَتَمْنا الكتابَ حتى ننسخَه))(٣). لكن قال ابنُ الصلاح: ((إنَّ هذا من مذاهب المتشددين في الرواية، والصحيحُ: عدمُ اشتراطه، وصحةُ السماع ولو لم يَنظر أصلاً في الكتاب حالةً السماع)»(٤)، انتهى. ويمكن أن يُخصّ الاشتراطُ بما إذا لم يكن صاحبُ النسخة مأموناً موثوقاً بضبطه، ولم يكن تقدمَ العرضُ بأصل الراوي فإنه حينئذٍ - كما اقتضاه كلامُ الخطيب - لا بدّ من النظر، وعبارتُه: ((وإذا كان صاحبُ النسخة مأموناً في نفسه، موثوقاً بضبطه جاز لمن حضر المجلسَ أن يتركَ النظرَ معه اعتماداً عليه في ذلك))، ((بل ويجوز تركُ النظر حين القراءةِ إذا كان العرضُ قد سَبق بالأصل)»(٥). ثم ما تقدم من اشتراط الخطيب المقابلةَ في صحة الرواية هو المعتمدُ بين المتقدمين، وبه صرح عياضٌ أيضاً فقال: ((لا يحلّ للمسلم التَّقِيِّ الروايةُ ما لم(٦) يقابِل)). ((ولا ينخدعُ في الاعتماد على نَسخِ الثقة الَعارف، ولا على نَسخه هو بيده بدون مقابلةٍ وتصحيح، فإنّ الفكرَ يذهب، والقلبَ يسهو، والبصرَ (١) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٩). (٢) في (ح): على. من الناسخ. (٣) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢٣٨ - ٢٣٩). (٤) ((علوم الحديث)) (١٦٩ - ١٧٠). (٥) ((الكفاية)) (٢٣٩). (٦) في (س) و(م): مما. من الناسخ. وانظر: ((الإلماع)) (١٥٩).