Indexed OCR Text

Pages 381-400

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٨١
تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين
واستعاده بعض الألفاظ، وقال له: كيف قلت؟ فقال: (استفهم الَّذي يليك)(١).
وهذا هو الَّذي عليه العمل بين أكابر المحدثين الذين كان يعظم الجمع
في مجالسهم جدّاً، ويجتمع فيها الفئام(٢) من النَّاس، بحيث يبلغ عددهم ألوفاً
مؤلفة، ويصعد المستملون على الأماكن المرتفعة، ويبلغون عن المشايخ ما
يملون، أن من سمع المستملي دون سماع لفظ المُملي جاز له أن يرويه عن
المملي - يعني: بشرط أن يسمع المُملي لفظ المستملي، وإن أطلقه ابن
الصَّلاحِ (٣) كالعرض سواء - لأنَّ المستملي في حكم القارئ على المملي.
وحينئذٍ فلا يقال في الأداء لذلك: سمعت فلاناً - كما تقدَّم في العرض(٤)
- بل الأحوط بيان الواقع، كما فعله البخاري(٥)، وابن خزيمة وغيرهما من
الأئمة (٦)، ممن كان يقول: وثبتني فيه بعض أصحابنا، أو وأفهمني فلان
بعضه، حسبما يجيء مبسوطاً في آخر الفصل السَّادس من صفة رواية الحديث
وأدائه(٧) .
ولقصد السَّلامة من إغفال لفظ المُملي، قال محمَّد بن عبد الله بن عمار
الموصلي: ما كتبت قطّ من فِيَّ المستملي، ولا ألتفت إليه، ولا أدري أي شيء
يقول، إنَّما كنت أكتب عن فِيَّ المحدِّث(٨).
وكذا توزَّع آخرون وشدَّدوا في ذلك، قال ابن كثير: وهو القياس،
(١) المصدر السابق (ص ١٢٧).
(٢) في ((القاموس المحيط)) مادة (فأم): الفئام - ككتاب: الجماعة من الناس، لا واحد له
من لفظه.
(٣) في ((علوم الحديث)) (ص١٣١).
(٤) (ص٣٤٨).
(٥) في ((صحيحه)): باب تعديل النساء بعضهن بعضاً، كتاب الشهادات (٢٦٩/٥) قال:
حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود، وأفهمني بعضه أحمد.
(٦) كأبي داود في سننه: باب الرجل يخطب على قوس، كتاب الصلاة بعد الحديث رقم
(١٠٩٦)، قال أبو علي: سمعت أبا داود قال: ثبتني في شيء منه بعض أصحابنا.
وقد عقد الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (ص٤٩٤ - ٤٩٦)، والخطيب البغدادي
في ((الكفاية)» (ص٣٢٦ - ٣٢٨) لذلك باباً .
(٧) (١٦٣/٣ - ١٦٧).
(٨) ((الكفاية)) (ص١٢٥).

تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين
٣٨٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
والأول الأصلح للنّاس (١)، (حتَّى) إنهم (رووا عن) سليمان بن مهران
٤٣٢
(الأعمش) الحافظ الحجَّة أنَّه قال: (كنا نقعد للنخعي) إبراهيم بن يزيد أحد
فقهاء التَّابعين حين تحديثه والحلقة متسعة، (فربما قد يبعد البعض) ممَّن
يحضر، و(لا يسمعه فيسأل) ذلك البعيد (البعض) القريب من الشَّيخ (عنه) أي:
عمَّا قال الشَّيخُ (ثم كل) من سمع من الشَّيخ أو رفيقه (ينقل) كلَّ ذلك عن
الشَّيخ بلا واسطة(٢) .
٤٣٤
(وكل ذا) أي: رواية ما لم يسمعه إلَّا من رفيقه أو المستملي عن لفظ
الشَّيخ (تساهل) ممَّن فَعَلَه، ولذا كان أبو نُعيم الفضل وغيره - كما تقدم (٣) - لا
يرون له التَّحديث بما استفهمه إلَّا عن المُفْهِم، ولا يعجب أبا نعيم - كما قاله
أبو زرعة (٤) عنه - صنيعهم هنا، ولا يرضى به لنفسه(٥).
(وقولهم) كالحافظ أبي عبد الله ابن منده تبعاً للإمام عبد الرحمن بن
مهدي: (يكفي من) سماع (الحديث شمه) الذي رويناه في («الوَصِيَّة)) لأبي
القاسم ابن منده(٦) من طريق عبد الله بن محمد بن سنان: سمعت بنداراً يقول:
سمعت ابن مهدي يقول: أصحاب الحديث يكفيهم الشم(٧) .
(فهم) أي: القائلون ذلك - كما قال حمزة بن محمَّد الكناني الحافظ
حسبما نقله عبد الغني بن سعيد الحافظ عنه - إنما (عنوا) به (إذا أول شيء)
أي: طرف حديث (سئلا) عنه المحدّث (عرفه) واكتفى بطرفه عن ذكر باقيه.
فقد كان السَّلَف يكتبون أطرافَ الحديث ليذاكروا الشّيوخ، فيحدثوهم
بها، قال محمد بن سيرين: كنت ألقى عبيدة بن عمرو السلماني بالأطراف،
٤٣٥
(٢) («الكفاية)) (ص١٢٩).
(١) ((اختصار علوم الحديث)) (ص١١٧).
(٣) (ص٣٧٩).
(٤) يعني: الدمشقي في ((تاريخه)) (١/ ٤٧٠).
(٥) ((الكفاية)) (ص١٢٩).
(٦) هو: الشيخ الإمام المحدث الكبير أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن
منده، العبدي، الأصبهاني، المتوفى سنة سبعين وأربعمائة.
((المنتظم)» (٣١٥/٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (١١٦٥/٣ - ١١٧٠).
(٧) ((علوم الحديث)) (ص١٣٢).
٤٣٣

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٨٣
تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين
وقال إبراهيم النخعي: لا بأس بكتابة الأطراف(١).
(وما عنوا) به (تسهلاً) في التّحمل ولا الأداء، وميل ابن دقيق العيد من
هذا كله لما ذهب إليه الفضل وزائدة (٢) .
السادس بل السابع: باعتبار أفراد مسألة الإجازة:
٤٣٦
(وإن يحدث من وراء ستر) - إزار أو جدار أو نحو ذلك - من (عرفته) إما
(بصوت) ثبت لك أنه صوته بعلمك (أو) إخبار (ذي خبر) به ممن تثق بعدالته
وضبطه، أن هذا صوته حيث كان يحدث بلفظه، أو أنَّه حاضر إن كان السَّماع
عرضاً (صحّ) على المعتمد، بخلاف الشَّهادة على الأشهر، وإن كان العمل
على خلافه، لأنَّ باب الرِّواية أوسع.
٤٣٧
وكما أنه لا يشترط رؤيته له، كذلك لا يشترط تمييز عينه من بين
الحاضرين من باب أولى، وإن قال [أبو سعد] (٣) السَّمعاني ما نصّه: سمعت أبا
عبد الله الفراوي(٤) يقول: كنّا نسمع بقراءة أبي ((مسند أبي عوانة)) على أبي
القاسم القشيري(6)، فكان يخرج في أكثر الأوقات وعليه قميص أسود خشن
وعمامة صغيرة، وكان يحضر معنا رجل من المحتشمين فيجلس بجانب الشَّيخ،
فاتفق انقطاعه بعد قراءة جملة من الكتاب، ولم يقطع أبي القراءة في غيبته.
فقلت له - لظنِّي أنّه هو المُسمع -: يا سيدي على من تقرأ والشيخ ما
حضر؟ فقال: كأنَّك تظن أنَّ شيخَك هو المحتشم؟ فقلت له: نعم، فضاق
صدره واسترجع، وقال: يا بني إنما شيخك هذا القاعد، ثم علّم ذلك المكان
(١) ((حلية الأولياء)) (٢٢٥/٤).
(٢) ((الاقتراح)) (ص٢٥٩)، وانظر ما تقدم (ص٣٧٩ - ٣٨٠). وفي حاشية (م): ثم بلغ
كذلك نفع الله به. كتبه مؤلفه.
(٣) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): أبو سعيد.
(٤) هو: محمد بن الفضل بن أحمد بن محمد بن أحمد الصاعدي النيسابوري، كمال
الدين، الفقيه المحدث، المتوفى سنة ثلاثين وخمسمائة.
(مرآة الزمان)) (١٦٠/٨ - ١٦١)، و((وفيات الأعيان)) (٢٩٠/٤ - ٢٩١).
(٥) هو: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشيري النيسابوري، الفقيه
الشافعي، المتصوف، المتوفى سنة خمس وستين وأربعمائة.
((تاريخ بغداد)) (٨٣/١١)، و((العبر)) (٢٥٩/٣).

تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين
٣٨٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
حتَّى أعاد لي من أوّل الكتاب إليه (١).
(وعن شعبة) بن الحجّاج أنَّه قال: (لا ترو) عمَّن يحدثك ممن لم تر
وجهه، فلعله شيطان قد تَصَوَّر في صورته يقول: [حدثنا وأخبرنا](٢)، وهو وإن
أطلق الصّورة إنّما أراد الصَّوت.
ووجه هذا: أنّ الشَّياطين أعداء الدِّين، ولهم قوة التشكّل في الصُّور،
فضلاً عن الأصوات، فطرق احتمال أن يكون هذا الراوي شيطاناً، ولكن هذا
بعيد؛ لا سيما ويتضمَّن عدم الوثوق بالراوي ولو رآه.
لكن قال بعض المتأخِّرين: كأنَّه يريد حيث لم يكن معروفاً، فإذا عرف
وقامت عنده قرائن أنه فلان المعروف، فلا يختلف فيه.
وعلى كلِّ حال فقد قال ابن كثير: إنَّه عجيبٌ وغريبٌ جدّاً. انتهى(٣).
والحجَّة (لنا) في اعتماد الصَّوت حديث ابن عمر رفعه: (((إن بلالاً) يؤذن
بليل، فكلوا واشربوا حتَّى تَسمعوا تأذين ابن أم مكتوم)) (٤). كما ذكره
عبد الغني بن سعيد الحافظ(٥)، حيث أمر الشّارع بالاعتماد على صوته مع غَيْبةٍ
شخصه عمّن يسمعه، وقد يخدش فيه بأن الأذان لا قدرة للشّيطان على سماع
ألفاظه فكيف يقوله؟!
(و) لكن من الحجة لنا - أيضاً - (حديث أمنا) معاشر المؤمنين عائشة
وغيرها من الصَّحابيات - رضي الله عنهن - من وراء الحجاب، والنّقل لذلك
عنهن ممَّن سمعه والاحتجاج به في الصَّحيح، إلى غير ذلك من الأدلة.
وقد ترجم البخاري في ((صحيحه)): شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه
ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره، وما يُعرف من الأصوات.
وأورد من الأدلة لذلك حديث المسور بن مخرمة: قدمت على النَّبِي وَلّ
(١) نقله السبكي في: ((طبقات الشافعية)) (١٦٨/٦ - ١٦٩) عن السمعاني.
(٢) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا وأنا. وقول شعبة في ((المحدث الفاصل))
(ص٥٩٩)، و((الكامل)) لابن عدي (٦٠/١)، و((الإلماع)) (ص١٣٧).
(٣) ((اختصار علوم الحديث)) (ص١١٨).
(٤) تقدم تخريجه (ص ١٤٧).
(٥) ونقله عنه ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص ١٦٣).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٨٥
تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين
أقبية (١)، فقال لي أبي: انطلق بنا إليه، عسى أن يعطينا منها شيئاً، فقام أبي
على الباب، فتكلّم، فعرف النّبِي وَ * صوته، فخرج ومعه قباء، وهو يريه
محاسنه، وهو يقول: ((خبّأت هذا لك، خبّأت هذا لك))(٢).
وحديث عائشة: ((تهجَّد النَّبِي وََّ في بيتي فسمع صوت عَبَّاد(٣) يصلِّي في
المسجد، فقال: يا عائشة أصوت عباد هذا؟ قلت: نعم ... الحديث))(٤).
وقول سليمان بن يسار(٥): استأذنت على عائشة فعرفت صوتي، قالت:
سليمان ادخل(٦). إلى غيرها.
على أنَّ ابنَ أبي الدم، قال: إن قول شعبة محمول على احتجاب الرَّاوي
من غير عذر مبالغة في كراهة احتجابه، أمَّا النِّساء فلا خلاف في جواز الرواية
عنهن، مع وجوب احتجابهن. انتهى.
ومقتضاه عدم جواز النَّظر إليهن للرواية، وفيه نظر، حيث لم تمكن
معرفتها بدونه، وعلى اعتماده، فهي تخالف الشَّهادة حيث يجوز النّظر للمرأة،
بل يجب، ولا يكفي الاعتماد على صوتها كما تقدم.
(١) ((الأقبية)): جمع قباء، وهي ثياب ضيقة من ثياب العجم، معلومة. انظر: ((مشارق
الأنوار)» للقاضي عياض (١٧٠/٢).
(٢) رواه البخاري في الباب المذكور، كتاب الشهادات (٢٦٤/٥)، ومسلم: باب إعطاء
المؤلفة ومن يخاف على إيمانه، كتاب الزكاة (٧/ ١٤٧ - ١٤٨)، وأبو داود: باب ما
جاء في الأقبية، كتاب اللباس رقم (٤٠٢٨)، والترمذي: باب إن الله يحب أن يرى
أثر نعمته على عبده من أبواب الأدب رقم (٢٨١٩)، والنسائي: باب لبس الأقبية،
کتاب الزينة (٢٠٥/٨).
(٣) يعني: ابن بشر بن وقش الأنصاري الأشهلي، المقتول يوم اليمامة.
انظر ترجمته في: ((الاستيعاب)) (٨٠١/٢ - ٨٠٤).
(٤) رواه البخاري في الباب المذكور (٢٦٤/٥).
(٥) هو: سليمان بن يسار الهلالي، أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الرحمن المدني، مولى
ميمونة، ويقال: كان مكاتباً لأم سلمة، مات سنة سبع ومائة. ((تهذيب التهذيب))
(٢٢٨/٤ - ٢٣٠).
(٦) ((صحيح البخاري)): الباب المذكور (٢٦٣/٥).

تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين
٣٨٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الثامن :
٤٣٨
(ولا يضر سامعاً) ممن سمع لفظاً أو عرضاً (أن يمنعه الشَّيخ) المسمع
بعد الفراغ من السّماع أو قبله (أن يروي) عنه (ما قد سمعه) منه بأن يقول له؛
لا لعلة أو ريبة في المسموع، أو إبداء مستند، سوى المنع اليابس: لا تروه
عني، أو ما أذنت لك في روايته عني، ونحو ذلك.
بل تسوغ له روايته عنه، كما صَرَّح به غير واحد من الأئمّة، منهم: ابن
خلاد في ((المحدِّث الفاصل)) (١) في مسألتنا، بل زاد ابن خلاد مما قال به -
أيضاً - ابن الصَّباغ، كما سيأتي في سادس أقسام التَّحَمّل(٢)، أنَّه لو قال له:
هذه روايتي لكن لا تروها عني، ولا أجيزها لك، لم يضرَّه ذلك(٣).
وتبعه القاضي عياض، فقال: وما قاله صحيح لا يقتضي النظر سواه؛
لأنَّه قد حدثه هو، وهو شيء لا يرجع فیه، فلا يؤثر منعه.
قال: ولا أعلم مقتدى به قال خلاف هذا في تأثير منع الشَّيخ ورجوعه
عما حدَّث به من حدَّث، وأن ذلك يقطع سنده عنه (٤).
إلَّا أَنِّي قرأت في كتاب الفقيه أبي بكر ابن أبي عبد الله المالكي(٥) في
((طبقات علماء إفريقية)) نقل عن شيخ من جلَّة شيوخها أنَّه أشهد بالرجوع عَمَّا
حدَّث به بعض أصحابه لأمر نقمه عليه.
وكذلك فعل مثل هذا بعض من لقيناه من مشايخ الأندلس المنظور إليهم،
وهو الفقيه المحدِّث أبو بكر ابن عطية (٦) حيث أشهد بالرجوع عَمَّا حدَّث به
بعض جماعته لهوى ظهر له منه، وأمور أنكرها عليه.
(١) في حاشية (س): اسم للكتاب، وتمامه ((بين الراوي والواعي))، أي: الشيخ والطالب.
(٢) (ص٥١٤).
(٣) ((المحدث الفاصل)) (ص٤٥١ - ٤٥٢)، و((الكفاية)) (ص٤٩٨ - ٤٩٩).
(٤) ((الإلماع)) (ص ١١٠ - ١١١).
(٥) هو: عبد الله بن محمد بن عبد الله المالكي، مؤرخ من أهل القيروان، مات بعد سنة
ثلاث وخمسين وأربعمائة.
((معالم الإيمان في تاريخ أهل القيروان)) لأبي زيد الدباغ (١٩٠/٣ - ١٩٢)،
و((الأعلام)) للزركلي (٢٦٦/٤).
(٦) هو: غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المالكي، حامل لواء الحديث النبوي، =

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٨٧
تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين
ولعل هذا صدر منهم تأديباً وتضعيفاً لهم عند العامَّة، لا لأنَّهم اعتقدوا
صحَّة تأثيره، وقياس من قاس الرّواية هنا على الشَّهادة غير صحيح؛ لأن
الشهادة على الشَّهادة لا تصحّ إلَّا مع الإشهاد، ولا كذلك الرِّواية، فإنّها متى
صَحَّ السَّماع صحّت بغير إذن من سمع منه. انتهى(١).
وإن رُوي(٢) عن بشير بنِ نَهيك(٣) قال: كنت آتي أبا هريرة فأكتب عنه،
فلما أردت فراقه أتيته، فقلت: هذا حديثك أحدِّث به عنك؟ قال: نعم (٤). فقد
قال الخطيب: إنه غير لازم(٥)، وصرح غيره بالاتفاق.
ويلحق بالسَّامع في ذلك المجاز - أيضاً - وما أعلمه بأنَّه مرويه مما لم
يجزه به صريحاً، كما تقدم قريباً (٦).
٤٣٩
و(كذلك) لا يضرّ (التخصيص) من الشَّيخ لواحد فأكثر بالسَّماع إذا سمع
هو؛ سواء علم الشَّيخ بسماعه أو لم يعلم من باب أولى، كما صرَّح بالحكم
الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني إذ سأله أبو سعد عبد الرحمن بن الحسن بن
عليك النيسابوري(٧) عنه في جملة من الأسئلة عندي في جزء مفرد(٨)، وعمل
به النَّسائي(٩)، والسِّلَفي وآخرون.
الفقيه الأديب، المتوفى سنة ثمان عشرة وخمسمائة.
=
((أزهار الرياض)) (٩٩/٣)، و((شجرة النور الزكية)) (ص١٢٩).
(١) كلام القاضي عياض في ((الإلماع)) (ص١١١).
(٢) في حاشية (س): مما ظاهره مخالف هذا.
(٣) هو: بشير بن نهيك السدوسي، ويقال: السلولي، أبو الشعثاء البصري، التابعي ثقة من
الثالثة .
((تهذيب الكمال)) (١٨١/٤ - ١٨٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص٤٦).
(٤) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٢٢٣/٧).
(٥) ((الكفاية)) (ص٤٩٨ - ٤٩٩).
(٦) (ص٣٨٦).
(٧) هو: الحافظ الحجة الإمام أبو سعد عبد الرحمن بن الحسن بن عليك النيسابوري،
المتوفى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. ((الإكمال)) لابن ماكولا (٢٦٢/٦)، و(سير
أعلام النبلاء)) للذهبي (٥٠٩/١٧).
(٨) ونقله ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص١٣٣ - ١٣٤).
(٩) انظر ما تقدم (ص٣٣٣) من صنيعه مع الحارث بن مسكين.

تفريعات ثمانية تتعلق بهذين القسمين
٣٨٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
بل ولو صرَّح بقوله: أخبركم ولا أخبر فلاناً لم يضرّ، ولكنه لا يحسن
في الأداء أن يقول: حدثني ونحوها؛ ممَّا يدلّ على أنَّ الشَّيخ رواه كما أسلفته
في أول أقسام الثَّحمُّل(١).
وكذا لا يضرّ الرُّجوعُ بالكناية وما أشبهها، (أو) بالتَّصريح كأن يقول:
(رجعت) ونحوها مما لا ينفي أنَّه من حديثه، كما سلف في كلام القاضي
عياض في المسألة الأولى (٢).
(ما لم يقل) مع ذلك (أخطأت) فيما حدثت به، أو تزيدت (أو شككت)
في سماعه أو نحو ذلك، كما فعل شيخنا كَّتُ إذ سمعنا عليه ((ذم الكلام))(٣)
للهروي، حيث قال: أذنت لكم في روايته عنِّي ما عدا كذا وكذا (٤).
فإنه والحالة هذه ليس له أن يرويه عنه، ثم إنه لو أراد الشَّيخ إسماعه بعد
قوله: تزيدت أو أخطأت كان قدحاً فيه، بخلاف قوله: شككت.
(١) (ص٣٣٢).
(٢) (ص٣٨٦).
(٣) في حاشية (س): اسم كتاب.
(٤) في حاشية (س): لكون المروي مما لا يحب الراوي إشاعته لما يتضمن من التعرض
لبعض الأئمة. وانظر: ((الإعلان بالتوبيخ)) للسخاوي (ص٤٨٦) ضمن ((علم التاريخ
عند المسلمین)).
ملحوظة: انظر الفروع الثمانية في : -
١ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص١٢٤ - ١٢٥).
٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (٣٧/٢ - ٥٩).
٣ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص٢٤٧ - ٢٥٥).
٤ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٣٠٦/٢ - ٣٠٨).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٨٩
الثالث: الإجازة
القسم الثّالث من أقسام التّحمُّل
الإجازة
وهي مصدر، وأصلها إجوازة، تحركت الواو وتوهم انفتاح ما قبلها(١)،
فانقلبت ألفاً، وحذفت إحدى الألفين، إمّا الزائدة، أو الأصلية(٢)، بالنظر
لاختلاف سيبويه والأخفش(٣) [لالتقاء] (٤) السّاكنين، فصارت إجازة.
وترد في كلام العرب للعبور والانتقال(٥)، وللإباحة القسيمة للوجوب
والامتناع(٦)، وعليه ينطبق الاصطلاح، فإنها: إذن في الرِّواية لفظاً أو كتباً،
تفيد الإخبار الإجمالي عرفاً .
(١) في حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك (٣١/٢): لتحركها بحسب
الأصل وانفتاح ما قبلها الآن. اهـ.
(٢) قال المبرد في ((المقتضب)) (٣٤٣/١): سيبويه والخليل يقولان: المحذوف الزائدة،
وأما الأخفش فيقول: المحذوفة عين الفعل.
ورجح ابن هشام في ((أوضح المسالك)) (٢// ٣٩٤): أن المحذوف الثانية - الزائدة -
لزيادتها وقربها من الطرف.
(٣) الأخافش أحد عشر. انظر: ((بغية الوعاة)) للسيوطي (٣٨٩/٢).
وأشهرهم ثلاثة.
وأشهر الثلاثة الأوسط، وهو المراد هنا وهو: أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي
النحوي المعتزلي، أحذق أصحاب سيبويه، المتوفى سنة إحدى عشرة ومائتين، وقيل
غير ذلك.
((إنباه الرواة)) (٣٦/٢ - ٤٣)، و((البلغة في تاريخ أئمة اللغة)) (ص٨٦ - ٨٧).
(٤) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): للالتقاء.
(٥) ومنه قول امرئ القيس في معلقته الشهيرة - ضمن ديوانه (ص١٢٩):
بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى
(٦) انظر: ((شرح الكوكب المنير)) (٤٢٨/١ - ٤٢٩).

الثالث: الإجازة
٣٩٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وقال القطب القسطلاني (١): إنَّها مشتقة من التجوز، وهو التعدِّي فكأنه
عدَّی روايته حتى أوصلها للراوي عنه.
وقال أبو عبد الله محمَّد بن سعيد بن الحجّاج(٢): إنَّ اشتقاقها من
المجاز، فكأن القراءة والسَّماع هو الحقيقة، وما عداه مجاز، والأصل
الحقيقة، والمجاز حمل عليه. ويقع أجزت مُتعدِّياً بنفسه وحرف الجرّ، كما
سيأتي في لفظ الإجازة وشرطها(٣) .
(ثم الإجازة تلي السَّماعا) عرضاً، على المعتمد المشهور.
٤٤٠
وقيل: بل هي أقوى منه؛ لأنَّها أبعد من الكذب، وأنفى عن التهمة وسوء
الظَنِّ والتخلّص من الرّياء والعجب، قاله أبو القاسم عبد الرحمن ابن منده.
بل كان يقول: ما حدّثت بحديث إلَّا على سبيل الإجازة، حتَّى لا أوبق
فأدخل في كتاب أهل البدعة (٤)، ونحوه قول أحمد بن ميسر(٥) كما سيأتي
قريباً(٦) .
وقيل: هما سواء، قاله بقي بن مخلد، وتبعه ابنه أحمد (٧)، وحفيده
(١) هو: محمد بن أحمد بن علي، قطب الدين، أبو بكر القسطلاني التوزري الأصل،
المصري، ثم المكي، الزاهد، المتوفى سنة ست وثمانين وستمائة.
((الوافي بالوفيات)) (١٣٢/٢ - ١٣٥)، و((العقد الثمين)) (٣٢١/١ - ٣٣٠).
(٢) لعله المعروف بالدبيني الواسطي، الشافعي، المتوفى سنة سبع وثلاثين وستمائة. انظر
ترجمته في: ((وفيات الأعيان)) (٣٩٤/٤)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٤١٤/٤ - ١٤١٥).
(٣) (ص٤٥٦).
(٤) ((تذكرة الحفاظ)) (١١٦٥/٣ - ١١٦٦).
وفي حاشية (س) هنا: وجهه أن السماع على الكيفية التي كانت لم تكن كذلك في
الصدر الأول، فكانت مبتدعة.
(٥) هو: أحمد بن محمد بن خالد بن ميسر، أبو بكر الإسكندراني، الفقيه المالكي،
المتوفى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
((الديباج المذهب)) (١٦٩/١)، و((شجرة النور الزكية)) (ص ٨٠).
(٦) (ص٣٩١).
(٧) هو: أحمد بن بقي بن مخلد، أبو عمر، وقيل: أبو عبد الله، قاضي الجماعة
بالأندلس، المتوفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
((جذوة المقتبس)) للحميدي (ص١١٠)، و((تاريخ قضاة الأندلس)) للنباهي (ص٦٣ - ٦٥).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٩١
الثالث: الإجازة
عبد الرَّحمن(١) فيما حكاه ابن عَات(٢) عنهم (٣) .
ونحوه قول أبي طلحة منصور بن محمَّد المروزي الفقيه: سألت أبا بكر بن
خزيمة الإجازة لما بقي علي من تصانيفه، فأجازها لي، وقال: الإجازة
والمناولة عندي كالسَّماع الصَّحيح (٤)، وهو محتمَل في إرادة الإجازة المجردة،
والأظهر أنَّه أراد المقترنة بالمناولة.
وخصَّ بعضُهم الاستواء بالأزمان المتأخِّرة التي حصل التَّسامح فيها في
السَّماع بالنسبة للمتقدِّمين، لكونه آل لتسلسل السَّند؛ إذ هو حاصل بالإجازة،
إلَّا إن وُجِد عالمٌ بالحديث وفنونه وفوائده، ومع ذلك فالسماع إنما هو حينئذٍ
أولى، لما يستفاد من المُسْمِعِ وقت السَّماع، لا لمجرَّد قوَّةِ رواية السَّماع على
الإجازة .
ويتأيَّدُ هذا التَّفصيل بقول أبي بكر أحمد بن محمَّد بن خالد بن ميسر
الإسكندري المالكي، كما رواه أبو العباس الوليد بن بكر الأندلسي(٥)، شيخ
الحافظ أبي ذر عبد بن أحمد الهروي (٦) في كتابه: ((الوجازة في صحَّة القول
بالإجازة))، عن أحمد بن محمَّد بن سهل العطار عنه: الإجازة عندي على
(١) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد الأندلسي، الفقيه الإمام الفاضل،
المتوفى سنة ست وستين وثلاثمائة.
((شجرة النور الزكية)) (ص٩٨).
(٢) هو: أحمد بن هارون بن أحمد بن جعفر بن عات النفزي الشاطبي، أبو عمر الحافظ،
المتوفى سنة تسع وستمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (١٣٨٩/٤ - ١٣٩٠)، و((نفح الطيب)) (٣٥٧/٣ - ٣٥٩).
(٣) في كتابه ((ريحانة التنفس)) كما في ((تدريب الراوي)) (ص٢٥٨) ونقله أيضاً ابن خير في
«فهر سته)) (ص١٦).
(٤) ((الكفاية)) (ص ٤٦٥).
(٥) هو: الوليد بن بكر بن مخلد بن أبي زياد، أبو العباس الغمري السرقسطي، عالم
فاضل، مات سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.
(تاريخ بغداد)) (٤٥٠/١٣)، و((بغية الملتمس)) (ص٤٨٠ - ٤٨١).
(٦) هو: الإمام الحافظ عبد بن أحمد بن محمد الأنصاري المالكي، شيخ الحرم، المتوفى
سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.
((ترتيب المدارك)) (٦٩٦/٤ - ٦٩٨)، و((العبر)) (١٨٠/٣ - ١٨١).

الثالث: الإجازة
٣٩٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وجهها خير وأقوى في النقل من السَّماعِ الرَّديء(١).
وبعضهم بما إذا تعذّر السَّماع، وكلام ابن فارس الآتي(٢)، قد يشير إليه.
والحقُّ أنَّ الإجازة دون السَّماع؛ لأنَّه أبعدُ عن التَّصحيف والتَّحْرِيف(٣).
(و) قد (نوعت لتسعة) بتقديم المثناة (أنواعا) أي: من الأنواع، مع كونها
متفاوتةً - أيضاً -، وإنَّما اقتصر على هذا العدد لمسيس الحاجة إليه، وإلَّا
فيتركَّب منها أنواعٌ أُخَر ستأتي، أشار إليه ابن الصَّلاح آخر الأنواع (٤)، هذا مع
إدراجه الخامس في الرَّابع، والسَّابع في السَّادس؛ بحيث كانت الأنواع عنده
سبعة .
٤٤١
فـ (أرفعها) مما تجرد (بحيث لا مناولة) معها لعلوِّ تلك وهو الأول من
أنواعها: (تعيينه) أي: المحدّث (المُجَاز) به (و) تعيينه الطّالب (المُجَازَ له).
كأن يقول إما بخطه ولفظه - وهو أعلى - أو بأحدهما: أجزت [لك](٥)،
أو لكم، أو لفلان صحيح البخاري، أو فهرستي - بكسر أوله وثالثه ــ الَّذي
يجمع فيه مرويه (٦)، والمجاز عارف بما اشتمل عليه ونحو ذلك، كأن يقول له
وقد أدخله خزانة كتبه: ارو جميع هذه الكتب عني، فإنَّها سماعاتي من الشيوخ
المكتوبة عنهم، أو أحاله على تراجمها ونبهه على طرق أوائلها .
(وبعضهم) كما حكاه القاضي عياض (حكى اتفاقهم) أي: العلماء وأهل
الظّاهر (على جواز ذا) النَّوع، وأنَّ المختلف فيه من أنواعها غيره(٧) .
٤٤٢
ونحوه قول أبي مروان الطبني كما حكاه عياض: إنّما تصحّ عندي إذا
عين المجيز للمجاز ما أجاز له.
(١) نقله القاضي عياض في ((الإلماع)) (ص٩٣)، و((مشارق الأنوار)) (٣/١).
(٣) في حاشية (م): ثم بلغ كذلك.
(٢) (ص٤٠٣).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص١٤٤).
(٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٦) في ((القاموس)) مادة (فهرس): الفهرس - بالكسر -: الكتاب الذي تجمع فيه الكتب،
معرب فهرست، وهي لفظة فارسية، وتقرأ بالتاء المثناة، وقوفاً وإدماجاً، وربما وقف
عليها بعضهم بالهاء وهو خطأ. وانظر: النكت على ابن الصلاح (٢٣١/١).
(٧) ((الإلماع)) (ص٨٨).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٩٣
الثالث: الإجازة
قال: وعلى هذا رأيت إجازات المشرق، وما رأيتُ مخالفاً له، بخلاف
ما إذا أبهم ولم يسم ما أجاز(١).
بل وسوى بعضهم - كما حكاه عياض أيضاً - بينه وبين المناولة، قال:
وسمَّاه أبو العبّاس ابن بكر المالكي في كتابه إجازة (٢): مناولة، وقال: إنَّه يَحُلُّ
محَلَّ السَّماع والقراءة عند جماعة من أصحاب الحديث، وقال: إنَّه مذهب
مالك (٣) .
(وذهب) القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف المالكي (الباجي) (٤) - نسبة
لباجة(٥) - مدينة بالأندلس - والقاضي أبو بكر الباقلاني (إلى نفي الخلاف)(٦)
عن صحّة الإجازة (مطلقاً) هذا النَّوع وغيره (وهو غلط) كما ستراه.
٤٤٣
(قال) الباجي - كما حكاه عياض -: لا خلاف من سلف الأمَّة وخلفها
في جواز الرِّواية بها(٧)، (والاختلاف) إنما هو (في العمل) بها (قط) أي:
فقط، كما سيأتي(٨) .
(ورده) أي: القول بنفي الخلاف، وبقصره على العمل، مصرحاً ببطلانه ٤٤٤
(الشَّيخ) ابن الصَّلاح(٩) (بأن) مخففة من الثقيلة (للشَّافعي) وكذا لمالك (قولان
فيها) أي: في الإجازة، جوازاً ومنعاً (١٠)، وقال بالمنع جماعات من أهل
الحديث والفقهاء كأشهب(١١) والأصوليين.
(١) المصدر السابق (ص٨٩ - ٩٠).
(٢) كذا في الأصول، وفي ((الإلماع)): الوجازة. يعني سماها مناولة في كتابه الوجازة.
(٣) ((الإلماع)) (ص٨٨ - ٨٩).
(٤) الإشارات في الأصول للباجي (ص٦٠) وعبارته: يجب العمل بما نقل على وجه
الإجازة، وبه قال العلماء.
(٥) باجة: مدينة قديمة من أقدم مدائن الأندلس، من أعمال إشبيلية، وأرضها أرض زرع
وضرع، ولأهلها اهتمام في دباغة الأديم، وصناعة الكتان. انظر: ((المغرب في حلى
المغرب)) (٤٠٣/١)، و((نفح الطيب)) (١٥١/١).
(٦) ((شرح مختصر التحرير)) (٥٠٠/٢).
(٧) ((الإلماع)) (ص٨٩).
(٨) (ص٤٠٥).
(٩) في ((علوم الحديث)) (ص١٣٤).
(١٠) رواية الجواز عنهما نقلها الخطيب في ((الكفاية)) (ص٤٤٩ - ٤٥٠) وروايات المنع
ستأتي قريباً.
(١١) في ((شرح تنقيح الفصول)) (ص٣٧٨) نقلاً عن القاضي عبد الوهاب: أن أشهب قد قبل =

الثالث: الإجازة
١٣٩٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٤٥
(ثم) ردَّه - أيضاً - بالقطع بمقابله، فـ (بعض تابعي مذهبه) أي: الشَّافعي،
وأصحاب الوجوه فيه، وهو (القاضي الحسين) بن محمَّد المروروذي (منعا)(١)
الرِّواية بها [يعني](٢): جزماً.
(و) كذا القاضي أبو الحسن الماوردي (صاحب الحاوي) فيه (٣) (به) أي:
بعدم الجواز (قد قطعا) مع عزوه المنع، لمذهب الشَّافعي، كما رواه الربيع عنه
حيث قال: فاتني على الشَّافعي من كتابه ثلاث ورقات من البيوع، فقلت له:
أجزها لي، فقال: بل اقرأها علي، كما قرئت علي، وكرر قوله حتى أذن لي
في الجلوس، وجلس فقرئ عليه (٤).
ولم ينفردا بذلك، فقد قال أحمد بن صالح [المصري](٥): إنَّها لا تَجوز
ألبتة بدون مناولة(٦).
وقال ابن القاسم (٧): سألتُ مالكاً عن الإجازة، فقال: لا أراها، إنَّما
يريد أحدهم أن يقيم المقام اليسير، ويحمل العلم الكثير(٨).
وعن ابن وهب سمعت مالكاً يقول لمن سأله الإجازة: ما يعجبني، وأنَّ
النَّاس يفعلونه، قال: وذلك أنَّهم طلبوا العلم لغير الله [تعالى](٩) يريدون أن
يأخذوا الشَّيء الكثير في المقام القليل(١٠).
الرواية بالإجازة. وأشهب هو: ابن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي العامري،
=
أبو عمرو، يقال: اسمه مسكين، مات سنة أربع ومائتين. ((ترتيب المدارك)) (٤٤٧/٢ -
٤٥٣)، و((العبر)) (٣٤٥/١).
(١) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٥).
(٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٣) ((أدب القاضي)) من ((الحاوي)) للماوردي (٣٨٧/١ - ٣٨٩)، و((علوم الحديث)) لابن
الصلاح (ص١٣٥).
(٤) (آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم (ص٩٨)، و((الكفاية)) (ص٤٥٥).
(٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٦) ((الكفاية)) (ص٤٧٤).
(٧) هو: عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بالولاء، الفقيه المالكي، العالم
الزاهد، المتوفى سنة إحدى وتسعين ومائة.
(طبقات الفقهاء)) الشيرازي (ص ١٥٠)، و((وفيات الأعيان)) (١٢٩/٣ - ١٣٠).
(٩) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٨) ((الكفاية)) (٤٥٤).
(١٠) («الكفاية)) (ص٤٥٤)، و ((الإلماع)) (ص٩٤).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٩٥
الثالث: الإجازة
ومثل هذا قول عبد الملك بن الماجشون(١) لرسول أصبغ بن الفرج(٢) في
ذلك: قل له: إن كنتَ تريد العلم فارْحَلْ إليه(٣).
و(قالا) أي: القاضي الحسين والماوردي (ك) قول (شعبة) - بالصرف ٤٤٦
للضَّرورة - وابن المبارك وأضرابهما ما معناه: (ولو جازت) الإجازة (إذن) -
بالنون لجماعة، منهم المبرد، حتى كان يقول: أشتهي أن أکوي يد من يكتبها
بالألف؛ لأنَّها مثل أن ولن، ولا يدخل التنوين في الحروف (٤) - (لبطلت رحلة)
بكسر الراء وضمها، أي: انتقال (طلاب السنن) لأجلها من بلدٍ إلى بلد،
لاستغنائهم بالإجازة عنها، زاد شعبة: وكلُّ حديثٍ ليس فيه سمعتُ، قال
سمعتُ فهو خَلٌّ وَبَقْلٌ(٥).
ونحوه قول أبي زرعة الرازي: ما رأينا أحداً يفعلها، وإن تساهلنا في هذا
يذهب العلم، ولم يكن للطّلب معنّى، وليس هذا من مذاهب أهل العلم(٦).
٤٤٧
(و) جاء - أيضاً - (عن أبي الشَّيخ) وهو: عبد الله بن محمَّد الأصبهاني
الحافظ، صاحب التَّصانيف الشَّهيرة(٧) (مع) أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق
(١) هو: أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، مفتي المدينة، المالكي،
المتوفى سنة اثنتي عشرة ومائتين.
((ترتيب المدارك)) (٣٦٠/٢ - ٣٦٥)، و((العبر)) (٣٦٣/١).
(٢) هو: أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع، الأموي مولاهم، المالكي، مفتي الديار
المصرية، المتوفى سنة خمس وعشرين ومائتين.
((سير أعلام النبلاء)) (٦٥٦/١٠ - ٦٥٨)، و((طبقات الحفاظ)) (ص ٢٠٠).
(٣) ((الإلماع)) (ص٩٤).
(٤) انظر بحث ((إذن)) في ((المقتضب)) للمبرد (٢/ ١٠ - ١٢) وليس فيه هذا النص، وقد ذكره
القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير الآية (٥٣) من سورة النساء. وفي ((مغني
اللبيب)) (٢١/١) نقلاً عن المازني والمبرد أنه يوقف عليها بالنون، وتكتب بالنون،
والجمهور على أنها بالألف. وانظر: ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (١٥٤/٢ - ١٥٥).
(٥) ((الكفاية)) (ص٤٥٤)، و((أدب القاضي)) للماوردي (٣٨٨/١ -٣٨٩).
(٦) ((الكفاية)) (ص٤٥٣).
(٧) المعروف بابن حيان، المتوفى سنة تسع وستين وثلاثمائة.
((أخبار أصبهان)) (٩٠/٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٩٤٥/٣ - ٩٤٧).

الثالث: الإجازة
٣٩٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(الحربي إبطالها)، قال أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب(١): سمعته يقول:
الإجازة والمناولة لا تجوز، وليست [هي(٢) بشيء(٣).
وكذا قال صالح بن محمَّد الحافظ جزرة فيما ذكره الحاكم في ترجمته من
((تاريخه))، والخطيب في ((الكفاية)): الإجازة ليست بشيء(٤).
وحكاه الآمدي وابن الحاجب عن أبي حنيفة وأبي يوسف(٥) .
(كذاك للسِّجْزي) بكسر المهملة ثم جيم بعدها زاي، نسبة لسجستان (٦)
على غير قياس(٧)، وهو: أبو نصر عبيد الله بن سعيد الوائلي الحافظ، أحد
أصحاب الحاكم، القول بإبطالها(٨).
بل حكاه عن بعضٍ مَنْ لقيه، فقال: وسمعت جماعة من أهل العلم
يقولون: قول المحدِّث قد أجزتُ لك أن تروي عنِّي، تقديرُه: أجزتُ لك ما لا
يجوز في الشَّرع؛ لأنَّ الشَّرع لا يُبيح ما لم يسمع (٩) .
وحكى أبو بكر محمَّد بن ثابت الخجندي(١٠) من الشَّافعية - وهو من
(١) هو: سليمان بن إسحاق بن إبراهيم بن الخليل الجلاب، أبو أيوب، المتوفى سنة أربع
وثلاثين وثلاثمائة.
(تاريخ بغداد)) (٦٣/٩)، و((الأنساب)) للسمعاني (٤٤٥/٣).
(٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): هذا.
(٣) ((الكفاية)) (ص٤٤٩، ٤٥٣)، و((علوم الحديث)) (ص١٣٥).
(٤) ((الكفاية)) (ص٤٥٣).
(٥)
((الإحكام)) للآمدي (١٠٠/٢)، و((مختصر ابن الحاجب)) (٦٩/٢).
(٦) بكسر أوله وثانيه وسين أخرى مهملة، وتاء مثناة من فوق، وآخره نون: ناحية كبيرة
وولاية واسعة في المشرق. انظر: ((معجم البلدان)) (١٩٠/٣ - ١٩٢).
(٧) والقياس سجستاني: انظر: ((اللباب)) لابن الأثير (٥٣٣/١)، ويرى أبو عبيد البكري في
معجم ما استعجم (٧٢٤/٣) أن السجزي نسبة إلى موضع من سجستان، يقال له:
سجز .
(٨) ((الوجيز)) للسلفي (ص٦٢)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٥)، ويذكر السلفي
أن أبا نصر قال أخيراً بصحتها. انظر: الوجيز المذكور.
(٩) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص ١٣٥).
(١٠) نزيل أصبهان، إمام غزير الفضل، حسن السيرة، توفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة.
((العبر)) للذهبي (٣٦٨/٣)، و((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (١٢٣/٤ - ١٢٥).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٩٧
الثالث: الإجازة
القائلين بالإبطال - عن القاضي أبي طاهر محمَّد بن أحمد بن نصر الدَّبَّاس (١)
من الحنفية أنَّ من قال لغيره: أجزتُ لك أن تروي عنِّي ما لم تسمع، فكأنَّه
يقول: أجزتُ لك أن تكذب عليَّ. ورواه السِّلَفي في كتابه: ((الوجيز في ذكر
المجاز والمجيز))، من طريق الخليل بن أحمد السِّجِسْتاني(٢) عن أبي طاهر (٣).
وكذا قال ابن حزم في كتابه ((الإحكام)»: الإجازة - يعني: المجردة - التي
يستعملها النَّاس باطلة، ولا يجوز أن يجيز بالكذب، ومن قال لآخر: ارو عنِّي
جميعَ روايتي، أو يخبره بها ديواناً ديوَاناً، وإسناداً إسناداً، فقد أباح له
الكذب.
قال: ولم يأت عن النَّبِي وَ له ولا عن أصحابه، ولا عن أحد من التَّابعين
وأتباعهم، فحسبك بما هذه صفته (٤).
وكذا قال إمام الحرمين في ((البرهان)): ذهب ذاهبون إلى أنَّه لا يتلقى
بالإجازة حكم، ولا يسوغ التَّعويل عليها عملاً ورواية (٥).
٤٤٨
(لكن على جوازها) أي: الإجازة (استقرا عملهم) أي: أهل الحديث
قاطبة، وصار بعد الخلف إجماعاً، وأَخيى الله [تعالى](٦) بها كثيراً من دواوين
الحديث، مبوبها ومسندها، مطولها ومختصرها، وألوفاً من الأجزاء النثرية مع
جملة من المشيخات والمعاجم والفوائد انقطع اتصالها بالسَّماع، واقتديت
بشيخي، فمن قبله، فوصلت بها جملة.
ورحم الله الحافظ علم الدِّين البرزالي حيث بالغ في الاعتناء بطلب
(١) كذا في الأصول، والذي في ((الجواهر المضية)) للقرشي (١١٦/٢)، و((الفوائد البهية))
(ص١٨٧): محمد بن محمد بن سفيان، أبو طاهر الدباس الفقيه، وفي الوجيز
للسلفي: أحمد بن محمد بن القاسم الدباس المالكي.
(٢) أبو سعيد، الحنفي، إمام في كل علم، شائع الذكر، مشهور الفضل، مات سنة ثمان
وسبعين وثلاثمائة .
((تاج التراجم)) لابن قطلوبغا (ص٢٧)، و((شذرات الذهب)) (٩١/٣).
(٣) ((الوجيز)) للسلفي (ص٦١)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٥).
(٤) ((الإحكام)) لابن حزم (٢٥٦/٢ - ٢٥٧) وفيه: وحسبك بدعة بما هذه صفته.
(٥) ((البرهان في أصول الفقه)) (٦٤٥/١).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (م).

الثالث: الإجازة
٣٩٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
الاستجازات من المسندين للصغار ونحوهم، فكتب غير واحد من الاستدعاءات
ألفيًّا - أي: مشتملاً على ألف اسم(١) - وتبعه أصحابه كابن سعد(٢) والواني(٣)،
وانتفع الناس بذلك(١).
وكذا ممن بالغ في عصرنا في ذلك مفيدُنا الحافظ أبو النّعيم
المستملي(٤)، وعمدة المحدِّثين النَّجم ابن فهد الهاشمي(٥)، فجزاهم الله خيراً.
وممن اختار التَّعويل عليها مع تحقَّق الحديث إمام الحرمين(٦).
وما أَحْسَنَ قولَ الإمام أحمد: إنّها لو بطلتْ لضاع العلم.
ولذا قال عيسى بن مسكين(٧) صاحب سحنون(٨) فيما رواه أبو عَمْرو
الدَّاني من طريقه: هي رأس مال كبير، وهي قوية(٩).
وقال السِّلفي: [هي](١٠) ضرورية؛ لأنَّه قد تموت الرُّواة، ويُفقد الحفّاظ
(١) انظر: ((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (١٩٧/٣)، و((الدرر الكامنة)) (٣٢٢/٣).
(٢) هو: محمد بن يحيى بن محمد بن سعد المقدسي ثم الصالحي، مفيد الطلبة، الفاضل
البارع، المتوفى سنة تسع وخمسين وسبعمائة.
(«البداية والنهاية)) (٢٦٣/١٤)، و((الدرر الكامنة)) (٥٤/٥).
(٣) هو: الشيخ المحدث أمين الدين محمد بن إبراهيم بن محمد الواني، الدمشقي،
المتوفى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (١٥٠٧/٤)، وذيلها للسيوطي (ص٣٥٨).
(٤) هو: زين الدين رضوان بن محمد بن يوسف بن سلامة، الشافعي المصري، البارع،
مفيد القاهرة، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.
((الضوء اللامع)) (٢٢٦/٣ - ٢٢٩)، و((شذرات الذهب)) (٢٧٤/٧ - ٢٧٥).
(٥) هو: عمر بن محمد بن محمد بن أبي الخير محمد القرشي المكي الشافعي، المعروف
بابن فهد، المتوفى سنة خمس وثمانين وثمانمائة.
((الضوء اللامع)) (١٢٦/٦ - ١٣١)، و((البدر الطالع)) (٥١٢/١ - ٥١٣).
(٦) ((البرهان)) (٦٤٥/١).
(٧) ابن منصور الإفريقي، الفقيه المالكي القاضي، المتوفى سنة خمس وتسعين ومائتين.
((الديباج المذهب)) (٦٦/٢ - ٧٠)، و((العبر)) للذهبي (١٠٢/٢).
(٨) هو: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، أبو سعيد، وسحنون لقبه، الفقيه
المالكي البارع، المتوفى سنة ست ومائتين.
((رياض النفوس)) (٢٤٩/١ - ٢٥٠)، و((معالم الإيمان)) (٧٧/٢ - ٨١).
(١٠) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح).
(٩) ((الإلماع)) (ص٩١).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٣٩٩
الثالث: الإجازة
الوُعَاة، فيُحتاج إلى إبقاء الإسناد، ولا طريق إلَّ الإجازةُ، فالإجازة فيها نفع
عظيم ورفد جسيم، إذ المقصود إحكام السّنن المروية في الأحكام الشَّرعية،
وإحياء الآثار؛ وسواء كان بالسَّماع أو القراءة أو المناولة أو الإجازة.
قال: وسومح بالإجازة لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ
حَرَجْ﴾(١)، وقوله وَّه: ((بعثت بالحنيفية السمحة))(٢).
قال: ومن منافعها أنَّه ليس كل طالب يقدر على رحلة وسفر، إمَّا لعلَّةٍ
تُوجب عدمَ الرِّحلة، أو بُعد الشَّيخ الَّذي يقصده، فالكتابة حينئذٍ أرفق، وفي
حقٌّه أوفقُ، فيكتب من بأقصى الغرب إلى من بأقصى الشَّرق، ويأذن له في
رواية ما يصحّ عنه. انتهى (٣).
وقد كتب السِّلَفي هذا من ثغر إسكندرية(٤) لأبي القاسم الزَّمَخْشَري
صاحب ((الكشّاف))، وهو بمكّة يستجيزه جميعَ مسموعاته وإجازاتِه، ورواياته،
وما ألَّفه في فنون العلم، وأنشأه من المَقَامَات والرَّسائل والشِّعر.
فأجابه بجزء لطيف فيه لغة وفصاحة مع الهضم فيه لنفسه، وكان من
جملته: وأمَّا الرّواية فقريبة الميلاد، حديثة الإسناد، لم تعضد بأشياخ نحارير،
ولا بأعلام مشاهير(٥).
(١) سورة الحج: الآية ٧٨.
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢٦٦/٥) عن أبي أمامة مطولاً، وسنده ضعيف، كما
في تخريج أحاديث الإحياء للعراقي (٤/ ١٥١).
ورواه ابن سعد في طبقاته (١٩٢/١) عن حبيب بن أبي ثابت مرسلاً، والخطيب في
((تاريخه)) (٢٠٩/٧) عن جابر مرفوعاً، وفي إسناده مسلم بن عبد ربه وهو ضعيف، كما
في ((ميزان الاعتدال)) (١٠٥/٤).
وله طرق أخرى لا يبعد أن يرتقي بها إلى درجة الحسن، كما قال المناوي في ((فيض
القدير)) (٢٠٣/٣).
(٣) الوجيز للسلفي (ص ٥٤ - ٥٧).
(٤) يعرف بهذا الاسم بضع عشرة بلدة، لكن أشهرها هي المدينة التي على البحر الأبيض
المتوسط من مدن مصر، بناها ذو القرنين الإسكندر، وإليه تنسب. انظر: ((معجم
البلدان)) (١٨٢/١ - ١٨٩)، و((الأنساب)) (٢٣٦/١).
(٥) انظر: الوجيز في ذكر المجاز والمجيز للسلفي (ص١٣٥)، و((وفيات الأعيان)) =

الثالث: الإجازة
٤٠٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وكذا استجاز أبا شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي(١) فأجابه بقوله في
أبيات:
بما سمعت مِنَ اشْياخي وأَقرانِي
إني أجزت لكم عنِّي روايتَكُمْ
مُسْتجمِعِين بها أسبابَ إثْقانِ
من بعدِ أن تَحفظوا شرطَ الجواز لَها
يوم النُّشور وإِيَّاكم بغُفرانٍ (٢)
أرجو بذلك أن الله يَذْكُرني
وقال أبو الحسن ابن النّعمة(٣): لم يزل مشايخنا في قديم الزَّمان
يستعملون هذه الإجازات، ويرونها من أَنْفَسِ الطَّلبات، ويعتقدونها رأسَ مال
الطَّالب، ويرون من عُدِمَها المغلوبَ لا الغالبَ، فإذا ذكر حديثاً أو قرأه، أو
معنى ما؛ قالوا: أين إسناده؟ وعلى من اعتماده؟ فإن عدم سنداً يترك سدى،
ونبذ قوله، ولم يعلم فضله.
(والأكثرون) من العلماء بالحديث وغيره (طُرّاً) بضم الطاء وتشديد الراء
المهملتين، أي: جميعاً (قالوا به) أي: بالجواز أيضاً قبل انعقاد الإجماع عليه.
وحكاه الآمدي عن أصحاب الشَّافعي وأكثر المحدِّثين(٤)، وبه قال
٤٤٩
(١٧٠/٥ - ١٧١)، و((معجم الأدباء)) (١٣٢/١٩ - ١٣٣)، و((أزهار الرياض)) (٢٨٧/٣
=
- ٢٨٨)، وله استجازة قبلها ذكرها صاحب أزهار الرياض (٢٨٣/٣ - ٢٨٥).
(١) هو: عمر بن محمد بن عبد الله البسطامي ثم البلخي، أبو شجاع، الفقيه المحدث
المفسر، المتوفى سنة اثنتين وستين وخمسمائة.
((مرآة الزمان)) (٣٣٠/٨)، و((طبقات المفسرين)) للداودي (٨/٢ - ١٠).
(٢) ((الوجيز في ذكر المجاز والمجيز)) للسلفي (١٣٩ - ١٤٠) وقبل هذه الأبيات أربعة
أبيات أخرى، هي : -
إلى الأكابر من صحبي وخلاني
هذي رسائل أشجان وأحزان
لكن قلبي من ذكراكم داني
مقام جسمي عن مغناكم ناء
والله يعلم إسراري وإعلاني
لكم ودادي في سري وفي علني
أثبت فيها جوابي غير منانٍ
لما وقفت على مضمون كتبكم
(٣) هو: علي بن عبد الله بن خلف الأنصاري، أبو الحسن المعروف بابن النعمة المالكي،
المولود بالمرية، وسكن بلنسية، المتوفى سنة سبع وستين وخمسمائة.
((المعجم في أصحاب القاضي الصدفي)) لابن الأبار (ص٢٩٨ - ٢٩٩)، و((فهرس
الفهارس والأثبات)) للكتاني (٢/ ٦٨١).
(٤) ((الإحكام)) للآمدي (١٠٠/٢).