Indexed OCR Text

Pages 241-260

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٤١
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
قال: وأجمعوا على قَبولِ شهادته، ولا فرق بين الشَّهادة والرِّواية في
هذا (١).
وكذا قال في الإرشاد: هذا مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا.
(٢)
انتھی
ويمكن أن يقال فيما إذا كان كذبه في وضع حديث وحمل عنه ودوِّن: إن
الإثم غير مُنفكٌّ عنه، بل هو لاحق له أبداً، فإن ((من سنَّ سيئة عليه وزرها
ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))(٣). والتَّوبة حينئذٍ متعذرة ظاهراً، وإن وجد
مجرد اسمها .
ولا يستشكل بقبولها ممّن لم يمكنه التَّدارك برد أو محاللة، فالأموال
الضَّائعة لها مردّ، وهو بيت المال، والأعراض قد انقطع تجدّد الإثم بسببها
فافترقا .
وأيضاً؛ فعدم قبول توبة الظَّالم ربَّما يكون باعثاً له على الاسترسال
والتَّمادي في غيِّه، فيزداد الضَّرَر به، بخلاف الرَّاوي فإنه ولو اتَّفق استرساله -
أيضاً - وَسْمَهُ بالكذب مانعٌ من قبول متجدداته.
[وأيضاً: فقبول توبته قد يشتهر عند من حمل عنه كذبه، فيبعثه على
التَّمسُّك بما رواه عنه](٤).
بل قال الذَّهبي: إن من عرف بالكذب على رسول الله وَ﴾(٤) لا تحصل
لنا ثقة بقوله: إني تبت، يعني: كما قيل بمثله في المعترف بالوضع (٥).
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٧٠/١).
(٢) الإرشاد (ص١١٥).
(٣) هذا جزء من حديث: رواه مسلم في باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة
طيبة، كتاب الزكاة (١٠٢/٧ - ١٠٤)، وفي باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا
إلى هدى أو ضلالة، كتاب العلم (٢٢٥/١٦ - ٢٢٦)، والنسائي: باب التحريض على
الصدقة، كتاب الزكاة (٧٥/٥ - ٧٧)، وابن ماجه: باب من سن سنة حسنة أو سيئة -
المقدمة - رقم (٢٠٣، ٢٠٧).
(٤) ما بين المعقوفين في الموضعين زيادة من (ح).
(٥) في حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك عوداً على بدء.

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٤٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
[وكما اتَّفق لزياد بن ميمون(١) حيث تاب بحضرة ابن مهدي وأبي داود
الطَّيالسي، وقال لهما: أرأيتما رجلاً يذنب فيتوب، أليس يتوب الله عليه؟ فقالا
له: نعم. ثم بلغهما بعد أنَّه يروي عمَّن اعترف لهما بكذبه في سماعه منه،
فأتياه فقال لهما: أتوب - أيضاً -، ثم بلغهما - أيضاً - التَّحديث عنه فتركاه.
أخرجها مسلم في مقدَّمة صحيحه(٢)](٣).
العاشر:
في إنكار الأصل تحديث الفرع بالتكذيب أو غيره.
٣٠٤
(ومن روى) من الثِّقات (عن) شيخ (ثقة) أيضاً حديثاً (فكذبه) المروي عنه
صريحاً، كقوله: كذب علي (فقد تعارضا) في قولهما كالبينتين إذا تكاذبتا فإنّهما
يتعارضان؛ إذ الشَّيخ قطع بكذب الرَّاوي، والرَّاوي قطع بالنَّقل، ولكلٍّ منهما
جهةُ ترجيحِ، أمّا الرّاوي فلكونه مثبتاً (٤)، وأمَّا الشَّيخ فلكونه نفى ما يتعلَّق به
في أمرٍ يقرب من المحصور غالباً .
٣٠٥
(ولكن كذبه) أي: الرَّاوي (لا تثبتن) بنون التَّأكيد الخفيفة من أثبت (بقول
شيخه) هذا، بحيث يكون جرحاً، فإنَّ الجرح كذلك لا يثبت بغير مرجِّح.
وأيضاً: (فقد كذبه الآخر) أي: كذب الراوي الشيخ بالتصريح إن فرض
أنَّه قال: كذب، بل سمعته منه، أو بما يقوم مقام التَّصريح، وهو جزمه بكون
الشَّيخ حدَّثه به؛ لأنَّ ذلك قد يستلزم تكذيبه في دعواه أنَّه كذب عليه، ولیس
قبول قول أحدهما بأولى من الآخر.
وأيضاً: فكما قال التَّاجِ السُّبكي: عدالة كلُّ واحدٍ منهما متيقنة، وكذبه
مشكوك فيه، واليقين لا يرفع بالشّكِّ فتساقطا(٥)، كرجل قال لامرأته: إن كان
(١) هو: زياد بن ميمون الثقفي الفاكهي، أبو عمار البصري، قال ابن معين: ليس يسوي
قليلاً ولا كثيراً، وقال البخاري: تركوه، وقال أبو زرعة: واهي الحديث. ((ميزان
الاعتدال)) (٩٤/٢)، و((الكشف الحثيث)) (ص ١٨٧).
(٢) مقدمة ((صحيح مسلم)) (١١٣/١)، و((الجرح والتعديل)) (٥٤٤/٢/١).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٤) والمثبت مقدم على النافي، كما تقرر في علم الأصول.
(٥) ((جمع الجوامع)) للسبكي (١٦٤/٢ - ١٦٥) مع ((شرح المحلي)) و((حاشية العطار)).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٤٣
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
هذا الطَّائر غراباً فأنت طالق، وعكس الآخر، ولم يعرف الطَّائر، فإنَّه لا يمنع
واحد منهما من غشيان امرأته، مع أنَّ إحدى المرأتين طالق.
وهذا بخلاف الشَّاهد، فإنَّ الماوردي قال: إنَّ تكذيب الأصل جَرْجٌ
للفرع(١)، والفرق غلظ باب الشَّهادة وضيقه، وكأنه أراد في خصوص تلك
الشَّهادة ليوافق غيره.
(و) إذا تساقطا في مسألتنا فـ (اردد) أيها الواقف عليه (ما جحد) الشَّيخ
من المروي خاصَّة، لكذب واحد منهما، لا بعينه، ولكن لو حدَّث به الشَّيخ
نفسه أو ثقة غير الأول عنه، ولم ينكره عليه فهو مقبول.
كل هذا إذا صرَّح بالتكذيب، فإن جزم بالردِّ بدون تصريح، كقوله: ما
رويت هذا، أو ما حدثت به قط، أو أنا عالم أنني ما حدثتك أو لم أحدِّثك،
فقد سوى ابن الصَّلاح(٢) تبعاً للخطيب(٣) وغيره بينهما - أيضاً -.
وهو الذي مشى عليه شيخنا في ((توضيح النُّخبة))(٤)، لكنَّه قال في
((الفتح)): إنَّ الرَّاجح عندهم - أي: المحدثين - القبول، وتمسَّك بصنيع مسلم
حيث أخرج حديث عمرو بن دينار عن أبي معبد(٥) عن ابن عبّاس: ((ما كنّا
نعرف انقضاء صلاة رسول الله وَّل﴿ إلَّا بالتكبير)) (٦)، مع قول أبي معبد لعمرو:
لم أحدثك به (٦) .
فإِنَّه دلَّ على أنَّ مسلماً كان يرى صحَّةَ الحديث ولو أنكره راويه، إذا كان
(١) الذي في ((أدب القاضي)) له (٣٩٤/١ - ٣٩٥) إذا أسند الراوي حديثه عن رجل، فأنكر
ذلك الرجل الحديث، أو نسيه لم يقدح في صحة الرواية، ولا يجوز للمحدث أن
يرويه عن المستمع إن أنكره، ويجوز أن يرويه إن نسيه. اهـ. ومثله في: ((البحر
المحيط للزركشي)) (٣٢٥/٤) عنه.
(٢) في ((علوم الحديث)) (ص١٠٥).
(٣) في ((الكفاية)) (ص٢٢٠ - ٢٢١).
(٤) (ص١٣١ - ١٣٢).
(٥) هو: نافذ أبو معبد، مولى ابن عباس المكي، وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وابن
سعد، مات سنة أربع ومائة.
((الجرح والتعديل)) (٥٠٧/١/٤ - ٥٠٨)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٠٤/١٠).
(٦) ((صحيح مسلم)): باب الذكر بعد الصلاة، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٨٣/٥ - ٨٤).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٤٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
النَّاقل عنه عدلاً، وكذا صحَّح الحديثَ البخاريُّ(١) وغيره، وكأنَّهم حملوا
الشَّيخَ في ذلك على النِّسيان، كالصّيغ التي بعدها .
يؤيده قول الشّافعي تَُّ في هذا الحديث بعينه: كأنَّه نسي بعد أن
حدثه(٢).
بل قال قتادة حين حدَّث عن كثير بن أبي كثير(٣) عن أبي سلمة عن أبي
هريرة بشيء، وقال كثير: ما حدَّثتُ بهذا قطّ: إنَّه نسي(٤).
لكن إلحاق هذه الألفاظ بالصُورة الأولى [أظهر](٥)، ولعلَّ تصحيحَ هذا
الحديثِ بخصوصه لمرجِّح اقتضاه، تحسيناً للظنِّ بالشَّيْخين؛ لا سيَّما وقد قيل -
كما أشار إليه الفخر الرازي -: إنَّ الرَّدَّ إنَّما هو عند التَّسَاوي، فلو رجح
أحدهما عمل به (٦) .
قال شيخنا: وهذا الحديث من أمثلته، هذا مع أنَّ شيخنا قد حكى عن
الجمهور من الفقهاء في هذه الصُّورة القبول، وعن بعض الحنفية ورواية عن
أحمد الرَّدّ قياساً على الشاهد(٧) .
وبالجملة فَظَاهِرُ صنيع شيخنا اتِّفاق المُحَدِّثين على الرَّدِّ في صورة
التَّصريح بالكذب، وقصر الخلاف على هذه (٨).
وفيه نظر، فالخلاف موجود، فمن متوقّف، ومن قائل بالقَبول مطلقاً،
(١) ((صحيح البخاري)): باب الذكر بعد الصلاة، كتاب الأذان (٣٢٤/٢ - ٣٢٥).
(٢) ((الأم)) (١٢٦/١).
(٣) هو: كثير بن أبي كثير البصري، مولى عبد الرحمن بن سمرة، تابعي، وثقه العجلي
وابن حبان، وزعم ابن حزم أنه مجهول، وتعقبه ابن القطان، وذكره ابن الجوزي في
الصحابة.
((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص٣٩٦)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٢٧/٨).
(٤) ((سنن أبي داود)): باب في أمرك بيدك، كتاب الطلاق، رقم (٢٢٠٤)، والنسائي: باب
أمرك بيدك، كتاب الطلاق (١٤٧/٦)، والترمذي: باب ما جاء في أمرك بيدك من
أبواب الطلاق، رقم (١١٧٨)، و((الكفاية)) (ص٢٢٠).
(٥) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): الأظهر.
(٦) ((المحصول)) (٦٠٤/١/٢ - ٦٠٥).
(٨) المرجع السابق.
(٧) ((فتح الباري)) (٣٢٦/٢).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٤٥
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
وهو اختيار ابن السّبكي(١)، تبعاً لأبي المظفّر ابن السَّمعاني(٢)، وقال به أبو
الحسين ابن القطّان(٣)، وإن كان الآمدي والهندي (٤) حكيا الاتفاق على الرَّدِّ
من غير تفصيل(٥).
وهو مما يساعد ظاهر صنيع شيخنا في الصُّورة الأولى، وينازع في
الثَّانية، ويجاب بأن الاتفاق في الأولى، والخلاف في الثّانية بالنَّظر للمحدِّثين
خاصة.
وأما لو أنكر الشَّيخ المروي بالفعل كأن عمل بخلاف الخبر فقد تقدَّم في
الفصل السَّادس قريباً(٦) أنَّه لا يقدح في الخبر، ولا في راويه، وكذا إذا ترك
العمل به.
وهل يسوغ عمل الرَّاوي نفسه به حيث لم نقبله منه؟ الظَّاهر نعم، إذا كان
أهلاً قياساً على ما سيأتي في سادس أنواع التحمل فيما إذا أعلم الشيخ الطالب
بأن هذا مرويه، ولكن منعه من روايته عنه، إذ لا فرق(٧).
هذا كلُّه إذا لم يذكر الشَّيخ أنَّ المروي ليس من حديثه أصلاً، فإن صرَّح
بذلك فلا حتَّى لو رواه هو ثانياً لا يقبل منه؛ بل ذاك مقتضٍ لجرحه، وفيه
نظر .
ثُمَّ إنَّ ما تقدَّم فيما يردُّه الشّيخ بالصَّريح، أو ما يقوم مقامه كما شرح (و) ٣٠٦
أمَّا (إن يرده بـ) قوله: (لا أذكر) هذا، أو لا أعرف أنّ حدّثته به، (أو) نحوهما
من الألفاظ التي فيها (ما يقتضي نسيانه) كيغلب على ظنِّ أنَّني ما حدَّثته بهذا،
(١) في ((جمع الجوامع)) (١٦٤/٢ - ١٦٥) مع ((شرح المحلي)) و((حاشية العطار)).
(٢) في ((القواطع)) (٣٥٧/٢).
(٣) البحر المحيط (٣٢٧/٤).
(٤) هو: محمد بن عبد الرحيم بن محمد، صفي الدين الهندي الأرموي، الأصولي
المتكلم، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة خمس عشرة وسبعمائة. ((طبقات الشافعية))
للسبكي (١٦٢/٩ - ١٦٤)، و((الدرر الكامنة)) (١٣٢/٤).
(٥) ((الإحكام)) للآمدي (١٠٦/٢)، و((نهاية الوصول)) للهندي (٢٩٢٧/٧).
(٦) (ص١٩٧ - ١٩٨).
(٧) (ص٥١٤).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٤٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
أو لا أعرف أنَّه من حديثي، والرّاوي جازم به (فقد رأوا) أي: الجمهور من
٣٠٧ المحدِّثين قَبوله و(الحكم ـ) الرَّاوي (الذاكر) كما هو (عند المعظم) من الفقهاء
والمتكلِّمين، وصحَّحه غير واحد، منهم الخطيب(١) وابن الصَّلاح(٢)
وشيخنا(٣).
بل حكى فيه اتِّفاق المحدِّثين؛ لأنَّ الفرض أنَّ الرَّاوي ثقة جزماً، فلا
يطعن فيه بالاحتمال (٤)؛ إذ المروي عنه غير جازم بالنفي؛ بل جزم الرَّاوي عنه
وشكه هو قرينة لنسيانه.
(وحكي الإسقاط) في المروي وعدم القبول (عن بعضهم) - بكسر الميم -
أي: بعض العلماء، وهم قوم من الحنفية، كما قال ابن الصَّلاح(٥)، ونسبه
النَّووي في ((شرح مسلم)) للكرخي منهم (٦)؛ بل حكاه ابن الصَّبَّاغ في ((العدة))
عن أصحاب أبي حنيفة(٧).
لكن في التَّعميم نظر، إلا أن يريد المتأخرين منهم؛ لا سيَّمَا وسيأتي في
المسألة الثّانية من صفة رواية الحديث وأدائه عن أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن
أنَّه إذا وَجَد سماعَه في كتابه وهو غيرُ ذاكرٍ لسماعه يجوز له روايته(٨).
ويتأيد بقول إلكيا الطّبري: إنّه لا يُعرف لهم في مسألتنا بخصوصها كلامٌ، إلَّا
إن أُخِذ من ردِّهم حديث: ((إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل))(٩).
(١) ((الكفاية)) (ص٢٢١).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص ١٠٥).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٢٦/٢).
(٤) المرجع السابق.
(٥) في ((علوم الحديث)) (ص ١٠٥).
(٦) ((شرح النووي على مسلم)) (٨٤/٥)، و((الإحكام)) للآمدي (١٠٦/٢).
(٧) انظر: ((أصول السرخسي)) (٣/٢)، و((كشف الأسرار)) (٦/٣)، و((تيسير التحرير))
(١٠٧/٣)، و((شرح الكوكب المنير)) (٥٣٧/٢ - ٥٤١).
(٨) (١٠٩/٣).
(٩) رواه أحمد (٤٧/٦)، والدارمي (١٣٧/٢)، وأبو داود: باب في الولي في النكاح، كتاب
النكاح رقم (٢٠٨٣)، والترمذي: باب ما جاء لا نكاح إلا بولي من أبواب النكاح رقم
(١١٠٢)، وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه: باب لا نكاح إلا بولي، كتاب النكاح رقم
(١٨٧٩)، والحاكم (١٦٨/٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي (١٠٥/٧).
وصححه ابن الجوزي وابن عبد الهادي كما في ((إرواء الغليل)) (٢٤٦/٦).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢٤٧
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
الّذي ذكره ابن الصَّلاح [في](١) أمثلة من حدَّث ونسي(٢).
وذكر الرَّافعي في الأقضية أنَّ القاضي ابن كج (٣) حكاه وجهاً عن بعض
الأصحاب (٤)، ونقله شارح اللّمع(٥) عن اختيار القاضي أبي حامد
المروروذي(٦)، وأنَّه قاسه على الشَّاهد(٧).
وتوجيه هذا القول أنَّ الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث، بحيث إذا
أثبت الأصل الحديث ثبتت رواية الفرع، فكذلك ينبغي أن يكون فرعاً عليه
وتبعاً له في النفي.
ولكن هذا متعقَّب، فإنَّ عدالة الفرع تقتضي صدقَه، وعدم علم الأصل لا
ينافيه، فالمُثْبِت الجازم مقدَّم على النَّافي، خصوصاً الشَّاك.
قال شيخنا: وأمَّا قياس ذلك بالشَّهادة - يعني: على الشَّهادة إذا ظهر
توقف الأصل - ففاسد، لأنَّ شهادةَ الفرع لا تسمع مع القدرة على شهادة
الأصل، بخلاف الرِّواية فافترقا(٨).
على أنَّ بعض المتأخِّرين - كما حكاه البلقيني - قد أجرى في الشَّهادة
على الشَّهادة الوجهين فيما لم ينكر الحاكم حكمه، بل توقّف، والأوفق هناك
(١) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): من. (٢) ((علوم الحديث)) (ص ١٠٥ - ١٠٦).
(٣) هو: يوسف بن أحمد بن كج القاضي الإمام، أحد أركان المذهب الشافعي، أبو
القاسم الدينوري، المتوفى سنة خمس وأربعمائة.
(«البداية والنهاية)) (٣٥٥/١١)، و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٣٤٠/٢).
(٤) نقله الزركشي في ((البحر المحيط)) (٣٢٤/٤).
(٥) ((شراح اللمع)) كثيرون، منهم: مؤلفه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والضياء أبو عمرو
عثمان بن عيسى الماراني الكردي، المتوفى سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وأبو محمد
عبد الله بن أحمد البغدادي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. انظر: ((كشف الظنون))
(٢/ ١٥٦٢) وقد رجعت إلى شرح المصنف فلم أجد فيه ما ذكر الشارح، فلعله غيره.
(٦) هو: أحمد بن عامر، الفقيه الشافعي، عالم البصرة، صاحب التصانيف، المتوفى سنة
اثنتين وستين وثلاثمائة.
((العبر)) (٣٢٦/٢)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (١٢/٣ - ١٣).
(٧) نقله الزركشي في ((البحر المحيط)) (٣٢٤/٤).
(٨) (شرح النخبة)) (ص١٣٢).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٤٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
لقول الأكثرين قول الشَّهادة بحكمه فاستويا(١).
وفي المسألة قولٌ آخر وهو: إن كان الشَّيخ رأيه يميل إلى غلبة النِّسيان،
أو كان ذلك عادته في محفوظاته قُبِل الذّاكر الحافظ، وإن كان رأيُه يميل إلى
جهله أصلاً بذلك الخبر رُدَّ، فقلَّمَا ينسى الإنسان شيئاً حفظه نسياناً لا يتذكَّره
بالتَّذكير، والأمور تبنى على الظّاهر، لا على النَّادر، قاله ابن الأثير(٢)، وأبو
زيد الدبوسي(٣).
وقد صنَّف الدارقطني(٤)، ثمّ الخطيب(٥) من حدَّث ونسي(٦)، وفيه ما
يدلّ على تقوية المذهب الأول الصَّحيح، لكون كثير منهم حدَّث بأحاديث ثمَّ
لمَّا عُرضتْ عليه لم يتذكّرها، لكن لاعتمادهم على الرّواة عنهم صاروا يروونها
عن الّذي رواها عنهم عن أنفسهم.
ولذلك أمثلة كثيرة (كقصة) حديث (الشَّاهد واليمين) الذي لفظه: ((أنَّ
٣٠٨
النبي ◌َّ قضى باليمين مع الشاهد))(٧) .
(إذا نسيه سهيل) بن أبي صالح (الَّذي أخذ) أي: حمل (عنه) عن أبيه عن
٣٠٩
(١) ((محاسن الاصطلاح)) (ص٢٣٣).
(٢) ((جامع الأصول)) (٨٩/١)، و((البحر المحيط)) للزركشي (٣٢٤/٤) نقلاً عن ((شرح مسند
الشافعي)) لابن الأثير.
(٣) تقويم الأدلة للدبوسي (ص٢٠٢). وأبو زيد هو: عبيد الله، ويقال: عبد الله بن عمر بن
عيسى الدبوسي، من كبار الفقهاء الحنفية، ممن يضرب به المثل، مات سنة ثلاثين
وأربعمائة.
(تاج التراجم)) (ص٣٦)، و((الجواهر المضية)) (٣١٩/٢ - ٤٩٩ - ٥٠٠).
(٤) ذكره الحافظ ابن حجر في ((شرح النخبة)) (ص١٣٢)، والسيوطي في ((تدريب الراوي))
(ص٢٢٥).
(٥) انظر: ((الكفاية)) (ص٥٤٣)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٠٦).
(٦) وللسيوطي كتاب مختصر من كتاب الخطيب أسماه: ((تذكرة المؤتسي فيمن حدث
ونسي))، طبعته الدار السلفية بالكويت سنة ١٤٠٤ هـ بتحقيق صبحي السامرائي.
(٧) رواه أبو داود: باب القضاء باليمين والشاهد، كتاب الأقضية رقم (٣٦١٠)،
والترمذي: باب ما جاء في اليمين مع الشاهد، أبواب الأحكام، رقم (١٣٤٣)،
وقال: حسن غريب، وابن ماجه: باب القضاء بالشاهد واليمين، كتاب الأحكام رقم
(٢٣٦٨).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٤٩
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
أبي هريرة (فكان) سهيل (بعد) بضم الدال على البناء (عن ربيعة) هو: ابن أبي
عبد الرحمن(١) (عن نفسه يرويه) فيقول: أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أنَّني
حدَّثته إياه، ولا أحفظه.
قال عبد العزيز الدَّراوردي(٢): وقد كان أصابت سهيلاً علَّةٌ أذهبتْ بعض
عقله، ونسي بعض حديثه، فكان يحدث به عمن سمعه منه(٣) .
وفائدته سوى ما تضمَّنه من شدّة الوثوق بالرَّاوي عنه - مما لم يذكره ابن
الصَّلاح - الإعلام بالمروي، وكونه (لن يُضِيعه) بضم أوله من أضاع، إذ بتركه
لروايته يَضيع .
ومن ظريف ما اتَّفق في المعنى أنَّ أبا القاسم ابن عساكر، وهو أستاذ
زمانه حفظاً وإتقاناً وورعاً حدَّث، قال: سمعت سعيد بن المبارك الدَّمَّان (٤)
ببغداد يقول: رأيت في النوم شخصاً أعرفه ينشد صاحباً له:
أيها الماطل دَيْنِي
أَمَلِيٍّ وتماطل
علل القلب فإني
قانع منك بباطل
وحدَّث ابن عساكر بهذا صاحبه الحافظ أبا سعد ابن السَّمعاني، قال أبو
سعد: فرأيت ابن الدَّهان فعرضت ذلك عليه فقال: ما أعرفه.
قال أبو سعد: ابن عساكر من أكمل من رأيت، جمع له الحفظ والمعرفة
والإتقان، ولعلَّ ابنَ الدَّهان نسي، ثم كان ابن الدّهان [بعد ذلك](6) يرويه عن
(١) هو: ربيعة بن أبي عبد الرحمن - فروخ - الإمام، أبو عثمان التيمي، المدني، الفقيه،
المعروف بربيعة الرأي، المتوفى سنة ست وثلاثين ومائة.
(تاريخ بغداد)» (٤٢٠/٨ - ٤٢٧)، وتذكرة الحفاظ (١٥٧/١ - ١٥٨).
(٢) هو: عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي، أبو محمد المدني، وثقه مالك وابن
معين وابن سعد والعجلي، مات سنة سبع وثمانين ومائة. ((تهذيب التهذيب)) (٣٥٣/٦
- ٣٥٥)، والخلاصة (ص٢٠٤).
(٣) ((سنن أبي داود)) بعد رواية الحديث المخرج آنفاً، و((الكفاية)) (ص٥٤٢ - ٥٤٣).
(٤) هو: أبو محمد سعيد بن المبارك بن الدهان البغدادي النحوي، صاحب التصانيف،
المتوفى سنة تسع وستين وخمسمائة. ((معجم الأدباء)) (٢١٩/١١ - ٢٢٣)، و((نكت
الهمیان)) (ص١٥٨).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).

معرفة صفة من تُقبل روایته ... إلخ
٢٥٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
أبي سعد عن ابن عساكر عن نفسه (١).
قال الخطيب في ((الكفاية)): ولأجل أنَّ النِّسيان غير مأمون على الإنسان،
بحيث يؤدِّي إلى جحود ما روي عنه، وتكذيب الرَّاوي له، [كره من كره من
العلماء التَّحديث عن الأحياء(٢)، منهم الشَّعبي، فإنَّه قال لابن عون: لا
تحدِّثني عن الأحياء(٣)، ومعمر فإنَّه قال لعبد الرزاق: إن قدرت أن لا تحدِّث
عن حي فافعل(٤) .
٣١٠
(والشَّافعي) بالإسكان (نهى ابن عبد الحكم) هو محمَّد بن عبد الله(٥)
(يروي) أي: عن الرِّواية (عن الحي) وهو كما [أشار إليه الخطيب قريباً](٦)
دون ابن الصَّلاح (لـ) أجل (خوف التُّهم) إذا جزم الشَّيخ بالنَّفي، وذلك فيما
رويناه في مناقبه والمدخل، كلاهما للبيهقي من طريق أبي سعيد الجصَّاص،
عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: سمعت من الشَّافعي حكاية
فحكيتها عنه، فَنُمِيَتْ إليه فأنكرها، قال: فاغتم أبي(٧) لذلك غمًّا شديداً، وكنّا
نُجِلُّه.
فقلت له: يا أبه أنا أذكِّره لعله يتذكَّر، فمضيت إليه، فقلت له: يا أبا
عبد الله، أليس تذكر يوم كذا وكذا في الإملاء؟ فوقفته على الكلمة فذكرها، ثم
(١) انظر: ((وفيات الأعيان)) (٣٨٤/٢ - ٣٨٥)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (٤٩/٢).
(٢) هذه الجملة في جميع طبعات ((الكفاية)) التي بين يدي عنوان، بلفظ: (ذكر من كره من
العلماء التحديث عن الأحياء). انظر: طبعتي الهند الأولى سنة ١٣٥٧ (ص١٣٩)،
والثانية سنة ١٣٩٠ (ص١٨٥)، والطبعة المصرية (ص٢٢٢)، وطبعة دار الكتاب العربي
سنة ١٤٠٥ (ص ١٧٠). وما في ((فتح المغيث)) هو الأجود في نظري؛ لأن أول العبارة
(لأجل) علة للكراهة. ثم طبع الكتاب بتحقيق إبراهيم الدمياطي سنة ١٤٢٣ هـ مراعياً
في هذا الموضع ما ذكرناه ونبهنا عليه (٤١٦/١).
(٣) ((الكفاية)) (ص٢٢٢).
(٤) المرجع السابق (ص٢٢٢ - ٢٢٣).
(٥) الإمام الحافظ، فقيه عصره، أبو عبد الله المصري، المتوفى سنة ثمان وستين ومائتين.
(«تذكرة الحفاظ)) (٥٤٦/٢ - ٥٤٨).
(٦) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): ترى الإشارة إليه للخطيب.
(٧) هو: عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري، أبو محمد، الفقيه المالكي، وثقه أبو
زرعة، وقال ابن حجر: صدوق، مات سنة أربع عشرة ومائتين، ((تقريب التهذيب))
(ص١٧٩)، والخلاصة (ص١٧٢ - ١٧٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحدیث
٢٥١
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
قال لي: يا محمَّد لا تحدّث عن الحي، فإنَّ الحي لا يؤمن عليه أن ينسى(١).
لكن [قد](٢) قيد بعض المتأخّرين الكراهة بما إذا كان له طريق آخر سوى
طريق الحي، أما إذا لم يكن له سواها وحدثت واقعة فلا معنى للكراهة، لما
في الإمساك من كتم العلم (٣)، وقد يموت الرّاوي قبل موت المروي عنه فيضيع
العلم إن لم یحدِّث به غيره.
وهو حسن؛ إذ المصلحة محقَّقة والمفسدة مظنونة، كما قدَّمناه في قول
المبتدع فيما لم نره من حديث غيره، من أنَّ مصلحة تحصيل ذاك المروي
مقدَّمة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته(٤) .
وكذا يحسن تقييد مسألتنا بما إذا كانا في بلدٍ واحدٍ، أمَّا [إذا]٥) كانا في
بلدين فلا، لاحتمال أن يكون الحامل له على الإنكار النَّفاسة مع قلَّتها بين
المتقدِّمین.
وقد حدَّث عمرو بن دينار عن الزُّهريِّ بشيء، وسئل الزُّهري عنه؟ فأنكره،
وبلغ ذلك عمراً فاجتمع بالزّهريِّ، فقال له: يا أبا بكر، أليس قد حدَّثتني بكذا؟
فقال: ما حدَّثتك، ثم قال: والله ما حدَّثت به وأنا حي إلا أنكرته حتى توضع
أنت في السجن، وقد أوردت القصّة في السَّادس من المسلسلات(٦).
وروى البخاري في الأحكام(٧)، عن حمَّاد بن حُميد(٨) عن عبيد الله بن
(١) ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٣٨/٢، ٢١٦)، و((الكفاية)) (ص٢٢٢).
(٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٣) المتوعد فاعله بقوله وَج: ((من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم
القيامة)). رواه أبو داود: باب كراهية منع العلم، كتاب العلم، رقم (٣٦٥٨)،
والترمذي: باب ما جاء في كتمان العلم من أبواب العلم، رقم (٢٦٥١)، وحسنه، وابن
ماجه: باب من سئل عن علم فكتمه - المقدمة - رقم (٢٦١) عن أبي هريرة. وله شاهد
من حديث عبد الله بن عمرو، أخرجه الحاكم (١/ ١٠٢) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٥) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أن.
(٤) انظر ما تقدم (ص٢٢٣).
(٦) في حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك، وغيره سماعاً. كتبه مؤلفه.
(٧) هو في الاعتصام من ((صحيح البخاري)): باب من رأى ترك النكير من النبي وَلخير حجة،
لا من غير الرسول (٣٢٣/١٣) لا في الأحكام كما قال السخاوي، ولم يذكره المزي
في ((تحفة الأشراف)) (٣٥٩/٢ - ٣٦٠) إلا في هذا الموضع من ((صحيح البخاري)).
(٨) هو: حماد بن حميد الخراساني، روى عنه البخاري حديثاً واحداً، ولا يعرف إلا به، =

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٥٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
معاذ(١) حديثاً [ووجد] (٢) في بعض النسخ وصفه بصاحب لنا، وأن عبيد الله
كان في الأحياء حينئذٍ(٣).
الحادي عشر: في الأخذ على التحديث.
٣١١
(ومن روى) الحديث (بأجرة) أو نحوها كالجعالة (لم يقبل إسحاق) بن
إبراهيم الحنظلي، عرف بابن راهويه (و) أبو حاتم (الرازي وابن حنبل) هو:
أحمد، في آخرین.
أما إسحاق فإنه حين سئل عن المحدث يحدث [بالأجر](٤)؟ قال: لا
يكتب عنه، وكذا قال أبو حاتم حين سئل عمن يأخذ على الحديث، وأما
أحمد، فإنه قيل له: أيكتب عمن يبيع الحديث؟ فقال: لا ولا كرامة(٥).
فأطلق أبو حاتم جواب الأخذ الشامل للإجارة والجعالة والهبة والهدية،
وهو ظاهر في الجعالة، لوجود العلة فيها - أيضاً - وإن كانت الإجارة أفحش.
وقد قال سليمان بن حرب: لم يبق أمر من أمر السماء إلا الحديث
والقضاء، وقد فسدا جميعاً، القضاة يرشون حتى يولوا، والمحدِّثون يأخذون
على حديث رسول الله وَّ الدَّراهم(٥).
(وهو) أي: أخذ الأجرة (شبيه أجرة) معلِّم (القرآن) ونحوه كالتدريس،
يعني: في الجواز، إلّا أنَّ هناك العادة جارية بالأخذ فيه (يخرم) أي: وهو هنا
في العرف ينقص (من مروءة الإنسان) الفاعل له، لكونه شاع بين أهله التخلّق
بعلو الهمم، وطهارة الشِّيم، وتنزيه العرض عن مدِّ العين إلى شيء من العرض.
٣١٢
وقال ابن حجر: مقبول من الثانية عشرة. ((تهذيب التهذيب)) (٦/٣ - ٧)، و((تقريب
التهذيب)) (ص٨٢).
(١) هو: عبيد الله بن معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، أبو عمرو البصري، ثقة
حافظ، مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. ((تقريب التهذيب)) (ص٢٢٧)، والخلاصة
(ص٢١٤).
(٢) كذا في (ح)، (م) وفي (س): ووقع.
(٣) ((تهذيب الكمال)) للمزي (٢٣٣/٧)، و((فتح الباري)) (٣٢٤/١٣).
(٤) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): بالأجرة.
(٥) ((الكفاية)) (ص٢٤١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٥٣
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
قال الخطيب: وإنما منعوا من ذلك تنزيهاً للرَّاوي عن سوء الظَّنِّ به، فإن
بعض من كان يأخذ الأجرة على الرواية عثر على تزيده وادعائه ما لم يسمع،
لأجل ما كان يعطى، ومن هنا بالغ شعبة فيما حكي عنه، وقال: لا تكتبوا عن
الفقراء شيئاً، فإنَّهم يكذبون(١) .
ولذا امتنع من الأخذ من امتنع، بل تورَّع الكثير منهم عن قَبُول الهديَّة
والهبة، فقال سعيد بن عامر: لمَّا جلس الحسن البصري للحديث أهدي له
فردَّه، وقال: إنَّ من جلس هذا المجلس فليس له عند الله خلاق(٢)، يعني إن
أخذ.
وكذا لم يكن النَّووي يقبل ممن له به علقة من إقراء أو انتفاع ما(٣)، قال
ابن العظَّار(٤): للخروج من حديث إهداء القوس(٥)، يعني: الوارد [في] (٦)
الزجر عن أخذه ممَّن علَّمه القرآن.
قال: وربَّما أنَّه كان يرى نشر العلم متعيناً عليه، مع قناعة نفسه وصبرها،
قال: والأمور المتعينة لا يجوز أخذ الجزاء عليها، كالقرض الجارِّ إلى منفعة،
(١) ((الكفاية)) (ص٢٤١).
(٢) المصدر السابق (ص ٢٤٠).
(٣) انظر: ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١٤٧٣/٤) و((ترجمة النووي)) للسخاوي (ص٣٧).
(٤) هو: علي بن إبراهيم بن داود، علاء الدين أبو الحسن بن العطار، الإمام المحدث،
الفقيه الشافعي، المتوفى سنة أربع وعشرين وسبعمائة. طبقات ابن قاضي شهبة
(٣٥٥/٢)، و((الدرر الكامنة)) (٧٣/٣ - ٧٤).
(٥) حديث إهداء القوس: أخرجه أبو داود: باب في كسب المعلم، كتاب البيوع، رقم
(٣٤١٦)، وابن ماجه: باب الأجر على تعليم القرآن كتاب التجارات رقم (٢١٥٧)،
والحاكم في ((المستدرك)) (٤١/٢) عن عبادة بن الصامت، قال: علمت ناساً من أهل
الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال وأرمي عنها
في سبيل الله رَ، لآتين رسول الله وسلّ فلأسألنه، فأتيته، فقلت: يا رسول الله رجل
أهدى إلي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عنها في
سبيل الله؟ قال: ((إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها)). وصحح الحاكم
إسناده، لكن تعقبه الذهبي بأن في إسناده مغيرة بن زياد، تركه ابن حبان. انظر:
((المجروحين)) (٣١١/٢ - ٣١٢) وفي إسناده أيضاً: الأسود بن ثعلبة، وهو مجهول،
كما في ((تقريب التهذيب)) (ص٣٦).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (م).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٥٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
فإنه حرام باتفاق العلماء(١). انتهى(٢).
وقال جعفر بن يحيى البرمكي(٣): ما رأينا في القراء مثل عيسى بن
يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي، عرضت عليه مائة ألف، فقال: لا والله لا
يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمناً، ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إليَّ،
فأما على الحديث فلا، ولا شربة ماء، ولا أهليلجة (٤).
وهذا بمعناه وأزيد عند أبي الفرج النَّهرواني(٥) في ((الجليس الصَّالح))
قال: دخل الرَّشيد الكوفة، ومعه ابناه الأمين(٦) والمأمون(٧) فسمعا من
عبد الله بن إدريس وعيسى بن يونس، فأمر لهما بمال جزيل فلم يقبلا، وقال له
عيسى: لا ولا أهليلجة، ولا شربة ماء على حديث رسول الله وَلّة، ولو ملأت
لي هذا المسجد إلى السَّقف ذهباً (٨).
(١) إذا اشترطت المنفعة، أما إذا كانت المنفعة بدون شرط فهي جائزة. انظر: ((الإجماع))
لابن المنذر (ص٩٤ - ٩٥)، و((المحلى)) لابن حزم (٧٧/٨ - ٧٨)، و((المغني)) لابن
قدامة (٣٦٠/٤ - ٣٦٢).
(٢) نقله السخاوي في ((ترجمة النووي)) (ص٣٧).
(٣) هو: جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، أبو الفضل البرمكي، الوزير ابن الوزير، قتل
سنة سبع وثمانين ومائة.
(«تاريخ بغداد)) (١٥٢/٧ - ١٦٠)، و(«البداية والنهاية)) (١٩٤/١٠).
(٤) الأهليلجة واحدة الأهليلج، وهو ثمر ينفع من الخوانيق، ويحفظ العقل، ويزيل
الصداع، وهو أنواع كثيرة. انظر: تذكرة داود الأنطاكي في الطب (٥٧/١ - ٥٨)،
والمعتمد في الأدوية (ص٥٣٦ - ٥٣٩)، و((القاموس المحيط)) مادة (هلج).
(٥) هو: المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد، الحافظ القاضي، أبو الفرج النهرواني،
المتوفى سنة تسعين وثلاثمائة.
((المنتظم)) (٢١٣/٧ - ٢١٤)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٠١٠/٣ - ١٠١١).
(٦) هو: محمد بن هارون الرشيد، أبو عبد الله الأمين، ولي الخلافة بعد أبيه، مات سنة
ثمان وتسعين ومائة قتيلاً.
((الإنباء في تاريخ الخلفاء)) لابن العمراني (ص٨٩ - ٩٥)، و((تاريخ الخلفاء)» للسيوطي
(ص٢٩٧ - ٣٠٦).
(٧) هو: عبد الله بن هارون الرشيد، أبو العباس المأمون، ولي الخلافة بعد مقتل أخيه
الأمين، ومات سنة ثمان عشرة ومائتين.
((الإنباء)) (ص٩٦ - ١٠٣)، و((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي (ص٣٠٦ - ٣٣٣).
(٨) الجليس الصالح (٢١٥/١).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٥٥
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
وقال جرير بن عبد الحميد: مَرَّ بنا حمزة الزَّيات(١) فاستسقى، فدخلت
البيت فجئته بالماء، فلمَّا أردت أن أناوله نظر إليَّ، فقال: أنت هو؟ قلت:
نعم. فقال: أليس تحضرنا في وقت القراءة؟ قلت: نعم. فردّه وأبى أن يشرب
ومضى(٢).
وأهدى أصحاب الحديث للأوزاعي شيئاً، فلما اجتمعوا قال لهم: أنتم
بالخيار، إن شئتم قبلته ولم أحدِّثكم، أو رددته وحدَّثتكم، فاختاروا الرَّدَّ
وحذَّثهم(٣).
ونحوه عن حمّاد بن سلمة كما للخطيب في الكفاية (٤).
وقال هبة الله بن المبارك السقطي(٥): كان أبو الغنائم محمَّد بن عليّ بن
عليّ بن الحسن بن الدّجاجي البغدادي(٦) ذا وجاهة وتقدم وحال واسعة،
وعهدي به وقد أخنى (٧) عليه الزمان بصروفه، وقد قصدته في جماعة مثرين
لنسمع منه وهو مريض، فدخلنا عليه، وهو على بارية (٨) وعليه جبة قد أكلت
النار أكثرها، وليس عنده ما يساوي درهماً، فحمل على نفسه حتَّى قرأنا عليه
بحسب شرهنا، ثمّ قمنا وقد تحمّل المشقّة في إكرامنا .
(١) هو حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل، الإمام الحبر، أبو عمارة الكوفي، التيمي،
مولاهم، أحد القراء السبعة، المتوفى سنة ست وخمسين ومائة. ((معرفة القراء الكبار))
(٩٣/١ - ٩٩)، و((غاية النهاية)) (٢٦١/١ - ٢٦٣).
(٢) ((تاريخ الإسلام)) للذهبي)) (١٧٤/٦ - ١٧٥)، و((معرفة القراء الكبار)) (ص٩٦).
(٣) ((سير أعلام النبلاء)) (١٣٢/٧) بنحو هذه القصة.
(٤) (ص٢٤٠).
(٥) أبو البركات، المحدث الرحال، الفقيه الحنبلي، تكلم فيه ابن ناصر وغيره، وأثنى عليه
السلفي، مات سنة تسع وخمسمائة.
((ذيل طبقات الحنابلة)) (١١٤/١)، و((شذرات الذهب)) (٢٦/٤).
(٦) الشيخ الأمين المعمر، محتسب بغداد، المتوفى سنة ثلاث وستين وأربعمائة. ((العبر))
(٢٥٤/٣ - ٢٥٥)، و((الوافي بالوفيات)) للصفدي (١٣٦/٤ - ١٣٧).
(٧) قال الزمخشري في ((أساس البلاغة)) مادة (خنى): أخنى عليهم الدهر: بلغ منهم
بشدائده وأهلکھم.
(٨) البارية: الحصير الخشن. انظر: ((المصباح المنير)) مادة (برى).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٥٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
فلمَّا خرجنا قلت: هل مع سادتنا ما نصرفه [إلى](١) الشَّيخ، فمالوا إلى
ذلك، فاجتمع له نحو خمسة مثاقيل، فدعوت ابنته وأعطيتها، ووقفت لأرى
تسليمها إليه .
فلمَّا دخلت وأعطته لطم حُرَّ وجهِه، ونادى: وافضيحتاه، آخذ على
حديث رسول الله وَ ﴿ عوضاً، لا والله، ونهض حافياً فنادى: بحرمة ما بيننا إلَّا
رجعت، فعدت إليه فبكىٍ، وقال: تفضحني مع أصحاب الحديث، الموت
أهون من ذلك، فأعدت الذَّهب إلى جماعة، فلم يقبلوه، وتصدَّقوا به(٢).
ومرض أبو الفتح الكروخي(٣) راوي التّرمزي، فأرسل إليه بعض من كان
يحضر مجلسه شيئاً من الذَّهب فما قبله، وقال: بعد السَّبعين واقتراب الأجل
آخذ على حديث رسول اللهوسلّم شيئاً، وردّه مع الاحتياج إليه(٤).
٣١٣
(لكن) الحافظ الحجّة الثَّبت شيخ البخاري (أبو نعيم) هو: (الفضل) بن
دكين قد (أخذ) العوض على التَّحديث، بحيث كان إذا لم يكن معهم دراهم
صَحاح بل مكسرة أخذ صرفها(٥).
(و) كذا أخذ (غيره) كعفان (٦) أحد الحفّاظ الأثبات من شيوخ البخاري -
أيضاً -، فقد قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله - يعني: الإمام أحمد -
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): على.
(٢) انظر: ((المنتظم)) (٢٧١/٨)، و((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٣/١٨ - ٢٦٤).
(٣) هو: عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل بن أبي القاسم، البزار، من أهل هراة،
مشهور بالخير والصلاح، مات سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ((ذيل تاريخ بغداد)) لابن
النجار (٨١/١)، و((مرآة الجنان)) (٢٨٨/٣).
(٤) ((ذيل تاريخ بغداد)) (٨٤/١)، و(التقييد)) لابن نقطة (١١٦/٢)، و((العقد الثمين))
(٥٠٢/٥).
(٥) ((الكفاية)) (ص٢٤٣)، و((الصحاح)) - بالفتح - بمعنى: الصحيح، يقال: درهم صحيح
وصحاح، ويجوز أن يكون بالضم كطوال في طويل، ومنهم من يرويه بالكسر، ولا
وجه له. انظر: ((تاج العروس)) مادة (صحح).
(٦) هو: عفان بن مسلم بن عبد الله الصفار، أبو عثمان البصري، مولى عزرة بن ثابت،
المتوفى سنة تسع عشرة، وقيل: عشرين ومائتين. (تهذيب التهذيب)) (٢٣٠/٧ -
٢٣٤)، والخلاصة (ص٢٢٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٥٧
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
يقول: شيخان كان النَّاس يتكلَّمون فيهما ويذكرونهما، وكنّا نلقى من النَّاس في
أمرهما ما الله به عليم، قاما لله [تعالى](١) بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد
مثل ما قاما به: عَفَّان وأبو نعيم، يعني: بقيامهما عدم الإجابة في المحنة،
وبكلام النَّاس من أجل أنَّهما كانا يأخذان على التَّحديث(٢).
ووصف أحمد - مع هذا - عمَّان بالتثبت(٣)، وقيل له: من تابع عمَّان على
كذا؟ فقال: وعفَّان يحتاج إلى أن يتابعه أحد (٤)؟! وأبا نعيم بالحجَّة الثَّبْت(٥)،
وقال مرة: إنَّه يزاحم به ابنُ عيينة (٦)، وهو على قلَّة روايته أثبت من وكيع(٧)،
إلى غير ذلك من الرِّوايات عنه(٨)؛ بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله(٩).
فيمكن الجمع بين هذا وإطلاقهما كما مضى أوَّلاً عدم الكتابة(١٠)، بأنَّ
[ذاك] (١١) في حقٌّ من لم يبلغ هذه المرتبة في الثِّقة والتَّبُّت.
أو الأخذ مختلفٌ في الموضعين، كما يُشعِر به السّؤال لأحمد هناك(١٢)،
ومضايقة البغوي (١٣) الَّتي كانت سبباً لامتناع النَّسائي من الرِّواية عنه، كما
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٢) (تاريخ بغداد)) (٣٤٨/١٢ - ٣٤٩)، و((سير أعلام النبلاء)) (١٤٩/١٠)، و((تهذيب
التهذيب)» (٢٧٤/٨ - ٢٧٥).
(٣) حيث قال: عفان وحبان وبهز هؤلاء المتثبتون. انظر: ((تاريخ بغداد)) (٢٧٣/١٢)،
و((تهذيب التهذيب)) (٢٣٢/٧).
(٤) («تاريخ بغداد)) (٢٧٤/١٢)، و(«تهذيب التهذيب)) (٢٣٣/٧).
((تاريخ بغداد)) (٣٥٣/١٢).
(٥)
(٧) المصدر السابق.
(٦) المصدر السابق (٣٥٢/١٢).
(٨) في ((العلل ومعرفة الرجال)) للإمام أحمد (٢٤١/١): أخطأ وكيع، وأصاب أبو نعيم.
وانظر: ((تاريخ بغداد)) (١٢/ ٣٥٢)، لكن أسند الخطيب عنه في تاريخه عن زياد بن
أيوب أنه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو نعيم أقل حفظاً من وكيع.
(٩) ((الجرح والتعديل)) (٦٢/٢/٣).
(١٠) (ص٢٥٢).
(١١) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): ذلك.
(١٢) حيث عير الآخذ على التحديث ببيع الحديث.
(١٣) هو: علي بن عبد العزيز البغوي الحافظ، المجاور بمكة، أبو الحسن، وثقه الدارقطني
والذهبي وغيرهما، مات سنة سبع وثمانين ومائتين. ((ميزان الاعتدال)) (١٤٣/٣)،
و((العقد الثمين)) (١٨٥/٦ - ١٨٦).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٥٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
سيأتي قريباً(١)، وعلى هذا يُحمل قولُ محمَّد بن عبد الملك بن أيمن (٢): لم
يكونوا يعيبون مثل هذا، إنَّما العيب عندهم الكذب.
وممَّن كان يأخذ ممن احتجَّ به الشَّيخان يعقوب بن إبراهيم بن كثير
الدّورقي الحافظ المتقن، صاحب المسند (٣)، فقد روى النَّسائي في ((سننه)) عنه
حديث يحيى بن عتيق (٤) عن محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه: ((لا يبولَنَّ
أحدُكم في الماء الدَّائم ... الحديث))(٥). وقال عقبه: إنَّه لم يكن يحدِّث به إلَّا
بدينار(٦).
وممَّن أخذ عنه البخاري هشام بن عمَّار، فقال ابن عدي: سمعت
قسطنطين (٧) يقول: حضرت مجلسه، فقال له المستملي (٨): مَنْ ذكرتَ؟
(١) (ص٢٥٩ - ٢٦٠).
(٢) هو: محمد بن عبد الملك بن فرج أبو عبد الله القرطبي، المحدث الأندلسي، المتوفى
سنة ثلاثین وثلاثمائة.
((جذوة المقتبس)) للحميدي (ص٦٣)، و((نفح الطيب)) للمقري (٦/٣ - ٧).
(٣) أبو يوسف العبدي، محدث العراق، المتوفى سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
((تاريخ بغداد)) (٢٧٨/١٤ - ٢٧٩)، و((تذكرة الحفاظ)) (٥٠٥/٢ - ٥٠٧).
(٤) هو: يحيى بن عتيق الطفاوي البصري، ثقة من السادسة.
(تقريب التهذيب)) (ص٣٧٧)، والخلاصة (ص٣٦٦).
(٥) سنن النسائي: باب الماء الدائم، كتاب الطهارة (٤٩/١).
ورواه البخاري: باب البول في الماء الدائم، كتاب الوضوء (٣٤٦/١)، ومسلم: باب
النهي عن البول في الماء الراكد، كتاب الطهارة (١٨٧/٣)، وأبو داود: باب البول في
الماء الراكد، كتاب الطهارة رقم (٦٩، ٧٠)، والترمذي: باب ما جاء في كراهية
البول في الماء الراكد من أبواب الطهارة رقم (٦٨)، وابن ماجه: باب النهي عن البول
في الماء الراكد، كتاب الطهارة رقم (٣٤٤).
(٦) ((سنن النسائي)) (٤٩/١)، و((الكفاية)) (ص١٥٦).
(٧) ابن عبد الله الرومي مولى المعتمد على الله أمير المؤمنين. (تهذيب الكمال
٢٤٩/٣٠).
(٨) المستملي: هو الذي يسمع الناس قراءة الشيخ عند إسماعهم الحديث، إذا كثر الجمع
وعسر عليهم سماع صوت الشيخ أو القارئ عليه. انظر ما سيأتي (٢٥١/٣) وما
بعدها. وعلوم الحديث لابن الصلاح (ص٢١٨ - ٢١٩).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٥٩
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
فقال: [ثنا] (١) بعض مشايخنا ثم نعس، فقال لهم المستملي: لا تنتفعون به،
فجمعوا له شيئاً فأعطوه، فكان بعد ذلك يُملي عليهم (٢).
بل قال الإسماعيلي عن عبد الله بن محمَّد بن سيار(٣): إنَّ هشاماً كان
يأخذ على كلِّ ورقتين درهماً ويشارط(٤)، ولذلك قال ابن وَارَة: عزمت زماناً
أن أُمسك عن حديث هشام، لأنَّه كان يبيع الحديث(٥)، وقال صالح بن
محمَّد (٦): إنَّه كان لا يحدِّث ما لم يأخذ (٧).
ومنهم علي بن عبد العزيز البغوي نزيل مكة وأحد الحفّاظ المكثرين مع
علو الإسناد، فإنَّه كان يطلب على التَّحديث(٨).
في آخرين سوى هؤلاء مِمَّن أخذ (ترخصاً) أي: سلوكاً للرخصة فيه،
للفقر والحاجة، فقد قال علي بن خشرم: سمعت أبا نعيم الفضل [بن دكين](٩)
يقول: يلومونني على الأخذ وفي بيتي ثلاثة عشر نفساً وما فيه رغيف (١٠).
ورآه بشر بن عبد الواحد في المنام بعد موته فسأله: ما فعل بك ربك في
ذلك؟ فقال: نظر القاضي في أمري فوجدني ذا عيال فعفا عنّي(١١).
وكذا كان البغوي يعتذر بأنَّه محتاج، وإذا عاتبوه على الأخذ حين يقرأ
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(٢) ((سير أعلام النبلاء)) (٤٢٦/١١)، و(تهذيب التهذيب)) (٥٣/١١) نقلاً عن ابن عدي،
ولم أجد ترجمة هشام في ((الكامل)) المطبوع.
(٣) الفرهياني، ويقال: الفرهاذاني، أبو محمد، الإمام الثقة، أحد علماء العجم، المتوفى
سنة نيف وثلاثمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (٧١٦/٢ - ٧١٧)، و((سير أعلام النبلاء)) (١٤٦/١٤).
(٤) ((ميزان الاعتدال)) (٣٠٣/٤)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٢٧/١١).
(٥) ((سير أعلام النبلاء)) (٤٢٦/١١)، و((تهذيب التهذيب)) (٥٣/١١).
(٦) هو: صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب الأسدي، مولاهم البغدادي، جزرة، العلامة
الحافظ الثبت، شيخ ما وراء النهر، المتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
((العبر)) (٩٧/٢)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص.٢٨١ - ٢٨٢).
(٧) ((ميزان الاعتدال)) (٣٠٢/٤)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٢٦/١١).
(٩) ما بين المعقوفين زيادة من (س).
(٨) ((الكفاية)) (ص٢٤٤).
(١٠) ((سير أعلام النبلاء)) (١٥٢/١٠).
(١١) المرجع السابق.

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٦٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
كتب أبي عبيد على الحاج إذا قدم عليه مكّة يقول: يا قوم أنا بين الأخشبين(١)
إذا خرج الحاج نادى أبو قبيس قعيقعان: من بقي؟ فيقول: بقي المجاورون،
فيقول: أطبق (٢).
لكن قد قبحه النَّسائي ثلاثاً، ولم يرو عنه شيئاً، لا لكذبه، بل لأنَّه
اجتمع قوم للقراءة عليه فبروه بما سهل عليهم، وفيهم غريب فقير فأعفوه
لذلك، فأبى، إلا أن يدفع كما دفعوا، أو يخرج عنهم، فاعتذر الغريب بأنَّه
ليس معه إلَّا قَصْعة، فأمره بإحضارها، فلما أحضرها حدَّثهم(٣).
ونحوه أنَّ أبا بكر الأنصاري المعروف بقاضي المرستان (٤) شَمَّ من أبي
الحسن سعد الخير الأنصاري (٥) رائحةً طيِّبةً فسأله عنها؟ فقال: هي عودٌ،
فقال: ذا عودٌ طيِّبٌ، فحمل إليه نزراً قليلاً، ودفعه لجارية الشَّيخ، فاستحيت
من إعلامه به لقَّته.
وجاء سعد الخير على عادته فاستخبر من الشَّيخ عن وصول العود؟ وقال
له: لا. وطلب الجارية فاعتذرت بقلَّته، وأحضرت [ذلك](٦)، فأخذه الشَّيخ
بيده، وقال لسعد الخير: أهو هذا؟ قال: نعم. فرمى به إليه، وقال: لا حاجة
لنا فيه.
ثمَّ طلب منه سعد الخير أن يُسمع ولده ((جزء الأنصاري))، فحلف أن لا
(١) الأخشبان: هما الجبلان المطيفان بمكة، وهما: أبو قبيس والأحمر، وهو جبل مشرف
وجهه على قعيقعان، والأخشب: كل جبل خشن غليظ الحجارة. انظر: ((النهاية)) لابن
الأثير مادة (خشب).
(٢) ((الكفاية)) (ص٢٤٤).
(٣) المصدر السابق، و((العقد الثمين)) للفاسي (١٨٥/٦ - ١٨٦).
(٤) هو: محمد بن عبد الباقي بن محمد البغدادي الحنبلي، البزاز، مسند العراق، المتوفى
سنة خمس وثلاثين وخمسمائة.
(العبر)) (٩٦/٤ - ٩٧)، والذيل على طبقات الحنابلة (١٩٢/١ - ١٩٨).
(٥) هو: أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري، الأندلسي، البلنسي،
المحدث، المتوفى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.
((نفح الطيب)) (٣٨٨/٣ - ٣٨٩)، و((شذرات الذهب)) (١٢٨/٤).
(٦) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): بذلك.