Indexed OCR Text
Pages 121-140
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٢١ في ذكر أشهر تلاميذ السخاوي جمال الدين أبو المحاسن الحلبي الشافعي، المعروف بابن الخشاب سبط ابن الوردي، المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة(١). ٤١ - يونس بن إدريس بن يوسف، شرف الدين الحلبي ثم الدمشقي الشافعي الهمداني، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة(٢). (١) الضوء اللامع (٣٠٤/١٠)، والكواكب السائرة (٣١٥/١). (٢) الكواكب السائرة (٣٢٠/١)، وشذرات الذهب (١٢٨/٨). في وفاة السخاوي ١٢٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الفصل العاشر في وفاته ومكانها اتفقت المصادر التي وقفنا عليها على سنة وفاته، وأنه مات في سنة اثنتين وتسعمائة(١)، إلا ما حكاه النجم الغزي في الكواكب السائرة من أنه رأى بخط بعض أهل العلم أن السخاوي توفي سنة خمس وتسعين وثمانمائة، قال: وهو خطأ بلا شك، فإني رأيت بخط السخاوي على كتاب ((توالي التأنيس بمعالي ابن إدريس)) الشافعي للحافظ ابن حجر أنه قرئ عليه في مجالس آخرها يوم الأربعاء ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة تسعمائة(٢). وكانت وفاته في شهر شعبان من العام المذكور، كما في نظم العقيان(٣)، والنور السافر(٤)، والبدر الطالع(٥)، في عصر يوم الأحد (٦)، السادس عشر(٧). أو الثامن والعشرين(٨) على خلاف في ذلك. وكانت وفاته في المدينة المنورة حال مجاورته الأخيرة فيها (٩)، وذكر ابن طولون في مفاكهة الخلان أنه توفي بمكة(١٠). (١) نظم العقيان (ص١٥٣)، والكواكب السائرة (٥٤/١)، وشذرات الذهب (١٥/٨)، والبدر الطالع (١٨٦/٢)، وفهرس الفهارس والأثبات (٩٩١/٢) وغيرها. (٢) الكواكب السائرة (٥٤/١). (٣) (ص١٥٣). (٤) (ص١٦). (٥) (١٨٦/٢). (٦) النور السافر (ص١٦)، والبدر الطالع (١٨٦/٢). (٧) قاله الشوكاني في البدر الطالع (١٨٦/٢). (٨) قاله العيدروسي في النور السافر (ص١٦). (٩) نظم العقيان (ص١٥٣)، والنور السافر (ص١٦)، والكواكب السائرة (٥٤/١) نقلاً عن النعيمي، والبدر الطالع (١٨٦/٢). (١٠) مفاكهة الخلان (١٧٨/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٢٣ في وفاة السخاوي وصُلي عليه بعد صلاة الصبح من يوم الاثنين بالروضة الشريفة، ودفن بالبقيع بجوار الإمام مالك(١)، وصُلي عليه صلاة الغائب بدمشق في شهر ذي القعدة(٢) . رحم الله العلامة السخاوي رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء لقاء ما خَلَّفَه من ثروة علمية محرّرة محققة، وتجاوز عنا وعنه جميع الزلات. (١) النور السافر (ص١٦). (٢) مفاكهة الخلان (١٧٨/١)، والكواكب السائرة (٥٤/١). - ١٢٥ الباب الثالث التعريف بألفية العراقي وفيه تسعة فصول: الفصل الأول: النظم في (مصطلح الحديث)، وأشهر الألفيات فيه. الفصل الثاني: تسمية ألفية العراقي، ونسبتها إليه. الفصل الثالث: عَدَدُ أبياتها، وتاريخُ نظمها . الفصل الرابع: مصادرها . الفصل الخامس: المقارنة بينها وبين أصلها . الفصل السادس: المقارنة بينها وبين نظم الخُوَتِّي. الفصل السابع: المقارنة بينها وبين ألفية السيوطي. الفصل الثامن: عناية العلماء بها شرحاً وتعليقاً . الفصل التاسع: طبعاتها ونسخها المخطوطة. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٢٧ النَّظمُ في مُصْطلح الحديث ... إلخ الفصل الأول النَّظمُ في (مُصْطلح الحديث) وأشهرُ الألفياتِ فيه حَظِيَ فنُّ مصطلح الحديث - كغيرِهِ من فُنونِ العلمِ - بالنَّظْم فيه مِن عدَدٍ وافرٍ من العلماء قديماً وحديثاً، فنَظَمُوا فيه عِدَّةَ منظوماتٍ مُتَّفاوتةِ الطُول والقِصَر ما بين ستةَ عَشَرَ بيتاً وأكثرَ مِنْ خمسمائة وألفٍ بيتٍ. ومن تلك المنظوماتِ ما يلي: ١ - (نَظْمُ علوم الحديث)، للقاضي العلامة شهاب الدين أبي عبدِ الله محمدِ بنِ أحمدَ بنِ خَليل الخُوَيِّي(١) الشافعي الدمشقي (٦٢٦ - ٦٩٣هـ)، وهذه المنظومة تزيدُ على خمسمائة وألف بيت، اختصر فيها كتابَ ابن الصلاح. وهي مخطوطة في دار الكتب المصرية رقم: ٢٥٦. ٢ - (المنظومةُ الغَرَامية)، للإمام الحافظِ الزاهدِ شهابِ الدين أبي العباس أحمدَ بنِ فَرَح(٢) بنِ أحمدَ اللحْمِيِّ، الإشبيليِّ الشافعيِّ (٦٢٥ - ٦٩٩هـ). وهي قصيدةٌ غَزَلِيّةٌ في ألقاب الحديث ضَمَّنها ابنُ فَرَح أنواعَ الحديثِ مُوَرِّياً عنها في عشرين بيتاً. وسُمِّيتْ بـ(الغرامية) لقولِ ابنِ فَرَح في مطلعِها: (غَرَامِي صحيحٌ والرّجَا فِيكَ مُعْضَلُ وحُزْنِي ودَمْعي مُرْسَلٌ ومُسَلْسَلُ) وقد طُبعت أكثرَ من مرّة، منها طبعةُ عام ١٣٧٨ بمطبعة الاستقامة (١) بضمِّ الخاءِ المُعجمةِ وفَتْح الواوٍ وتثقيلِ المُثَنَّة التحتيةِ ثم ياء النَسَب. (التبصير - ١/ ٣٧٦) وهي نسبةٌ إلى (خُوَي) مصغر، بلدٍ من أعمال (أَذْربيجان). (معجم البلدان - ٢/ ٤٠٨). وللخُوَيِّ هذا ترجمةٌ في (العبر - ٣٨٠/٣) و(فوات الوفيات - ٣١٣/٣). (٢) بالفَاءِ والراءِ المفتوحتَين، وآخره مهملة. (المشتبه مع التبصير - ١٠٧٢/١)، ولابن فَرَحِ ترجمةٌ في (العبر - ٣٩٤/٣)، و(الشذرات - ٤٤٣/٥). النَّظمُ في مُصْطلح الحدیث ... إلخ ١٢٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث بالقاهرة ضمنَ كتابٍ بعنوان: (مجموع المتون الكبير - ٩٥). وآخرها طبعةُ (دار البصائر) بدمشقَ الطبعةَ الثالثةَ عام ١٤٠٥ مع شَرْحِها للشيخ بدر الدين الحَسَني. ٣ - (المنظومةُ البَيْقونية)، لعمرَ بنِ محمد بن فَتّوحِ البَيْقُونيِّ الدمشقيِّ الشافعيِّ في أربعةٍ وثلاثينَ بيتاً، ذَكَر فيها أنواعَ علوم الحديث. وطُبعت أكثرَ من مرّة، منها طَبْعُها ضِمنَ كتابٍ (مجموع المتون الكبير - ٩٧) المتقدم. ٤ - (الهِدَايةُ إلى علوم الدِرَاية)، للشيخ الإمامِ محمدِ بنِ محمدِ بنِ محمدِ بنِ الجَزَرِيِّ المُتَوفى سنةَ ٨٣٣، أَلَّفها سنةً وفاتِهِ،َ وتبلغُ سبعين وثلاثمائةٍ بيتٍ. (كشف الظنون - ٢٠٢٨/٢). وقد شرَحَها السخاويُّ ◌َُّهُ(١). ٥ - (منظومةُ الصَبَّان)، للعلامة أبي العِرفان محمدِ بنِ عليٍّ المصريِّ الحنفيِّ المعروفِ بالصبّان، المتوفى سنة ١٢٠٦، في ستةَ عَشَرَ بيتاً. وطُبعت أكثرَ من مرَّة، منها طبعُها ضمنَ الكتابِ المذكور آنفاً (ص٩٩). وأما الألفياتُ - وهي المنظوماتُ التي تبلغُ أبياتُها ألفاً - فَمِن أشهرِها في مصطلح الحديث ما يلي: ١ - (أَلِفِيَّةُ ابنِ لِيُون النُّجِيبِيّ)، لأبي عثمانَ سعدِ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ الْتُجِيبي المتوفى سنة ٧٥٠. ٢ - (أَلِفِيةُ الحافظ العراقي)، موضوعُ الكلام الآن. ٣ - (أَلْفِيَّةُ الْبَرْشَنْسِي)(٢)، لشمسِ الدين أبي عبدِ الله محمدِ بنِ عبدِ الرحمن بنِ عبدِ الخالق البَرْشَنْسِيِّ الشافعيِّ القاهريِّ، المتوفى سنة ٨٠٨. ٤ - أَلْفِيَّة الحديثِ للإمام الشهيرِ جَلَالِ الدين عبد الرحمن بنِ أبي بكر السُيُوطِيِّ الشافعيِّ، المتوفّى سنة ٩١١، وستأتي مقارَنَتُها بأَلْفيةِ العراقي إن شاء الله. (١) بفَتح المُوحّدة وسكونِ الراءِ وفَتْح الشينِ المُعجمةِ ثم نونٍ وسينٍ مهملة. (إنباء الغُمر . ٣٤١/٥)، وذَكَرَ أنَّ له منظومةً في عُلَوم الحديث. وذكرَ السّخاويُّ (٤١٢/٣) أنَّها أَلْفِيّةٌ . (٢) انظر (ص ١٠٩) رقم: (١٠٦). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٢٩ تَسْمِيةُ أَلِفِيَّةِ العراقي، ونسبتُها إليه الفصل الثاني تَسْمِيةُ (أَلِفِيَّةِ العراقي)، ونسبتُها إليه لمْ يضعْ لها مؤلِّفُها - فيما يظهر لنا - اسماً عَلَماً عليها، ومِن هنا تعدَّدَتْ ألفاظُ تسميتِها، وتأثَّرَتْ بالسَجْعِ في عناوينِ الكُتُبِ الشارحةِ لها . فالسخاويُّ سمَّاها ((ألفيةَ الحديث)) في عُنوان شَرْحِهِ لها: (فتحُ المُغيثِ بشرحَ ألفيَّةِ الحديث). والشيخان قُطبُ الدين الخَيْضَرِيُّ، وزكريا الأنصاريُّ أَسْمَيَاها: أَلْفيةَ العراقيّ، في عُنْوَانَيْ شَرْحِهِما لها، فالأولُ سمَّى شرحَه: (صُعُود المَرَاقي إلى ألفيَّة العِراقي)، والثاني سَمَّاه: (فَتْحُ الباقي بشرْح ألفيَّة العراقي). وسُمِّيتْ بـ (التَبْصِرة والتذكرة) كما هو على غِلَافِ الشَرْحِ المطبوعِ لنَاظِمِها، وكما هو في مُقَدمةِ (فتح الباقي - ٢/١). وذكر الكَتَّانِيُّ في (الرسالة المستطرفة - ٢١٥) أنَّها تُسَمَّى: (نَظْمَ الدُرَر في علم الأثر). فالسخاوي أَضَافها لِفَنِّها، والخيْضَريُّ والأنصاريُّ أضافاها لمؤلِّفها، والتسميةُ الثالثةُ أُخِذَت من قَول ناظِمِها في البيتِ الخامسِ منها: نَظَمْتُهَا تَبْصِرَةً لِلْمُبْتَدِي تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي وَالْمُسْنِدِ ومن حيث نسبتها إلى مؤلفها فلم نجد خلافاً في نسبة هذه الألفية لغير مؤلفها، وهو الحافظ العراقي، والسببُ في ذلك أنَّ مؤلفَها تَخْتُهُ نصَّ على اسمه في مقدمتها بقوله : يقولُ راجي ربِّه المقتدر عبدُ الرحيم بنُ الحسينِ الأثري فنسبتها إليه قطعيَّة لا تحتَمِلُ أيَّ شك أو وهم. تَسْمِيةُ أَلِفِيَّةِ العراقي، ونسبتُها إليه ١٣٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث تنبيه : من العجيب ما وقع في فهرس المخطوطات العربية ببغداد من قولهم: ألفية العراقي في المصطلح - التبصرة والتذكرة - أوله: عبدُ الرحيم بن الحسين المُذنِبُ يقول راجي من إليه المھرَب وللصَّلاة والسلام أهدي(١) أحمدُ ربي بأتمِّ الحَمِدِ : وهذا خطأ محض، فإن افتتاحية ألفية الحديث ما تقدم قريباً، وأما الافتتاحية المذكورة فهي افتتاحية ألفية السيرة للناظم نفسه (٢). (١) فهرس المخطوطات العربية ببغداد (١٩١/١). (٢) انظر: مقدمة ألفية السيرة (ص٣) مع شرح المناوي، وانظر: فهرس المخطوطات العربية ببغداد (١/ ٣٧٠). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٣١ عَدَدُ أَبْياتِها، وتاريخُ نَظْمها الفصل الثالث عَدَدُ أَبْياتِها، وتاريخُ نَظْمها يبلغُ عددُ أبْياتها أَلْفَ بيتٍ وبيتَين حَسْبَ التعداد لها مِن خلال شَرْح مصنِّفِها لها في كتابِهِ: (شرحُ التبصرة والتذكرة)، حيث تضمَّن الجُزءُ الأولُ منه خمسةً وعشرين وثلاثمائةٍ بيتٍ، وتضمَّن الثاني ستين وأربعَمائةِ بيتٍ، على حين تضمَّن الثالثُ سبعةَ عَشَر ومائتَي بيتٍ. وإذا كان لفظُ (الأَلْفِية) مَنْسُوباً إلى الأَلْفِ من العَدَد، كما جاء في (تاج العروس - مادة ألف - ٤٦/٦) حيثُ قال: (وهذا أَلْفِيٍّ: منسوبٌ إلى الأَلْف من العَدد)، نقول إذا كان الأمرُ كذلك فزيادةُ البيتَين على الألفِ لا تُعارِضُ كَوْنَها (ألفيةً)، لأنَّ هذه الزيادةَ قليلٌ، والعَرَبُ قد تُلْغِي الكَسْرَ. واللهُ أعلم. وهي مِن بَحْر الرَّجَز المكوَّنِ ميزانه مِنْ تكريرٍ (مُسْتَفْعِلُن) ستَّ مرَّات ويتضح هذا بذكرٍ مطلَعِها وهو: (يَقُولُ رَاجِي رَبِّهِ المُقْتَدِرِ عَبْدُ الرَّحِيمِ بنُ الحُسَينِ الأَثَرِي) وقد فرغَ منها ناظِمُها في (طَيْبَةَ الطَّيَِّةِ) يومَ الخميس ثالثَ جُمادَى الآخرةِ سنةَ ثمانٍ وستين وسبعمائة(١). (١) قاله نَاظِمُها في (شرح التبصرة والتذكرة - ٢٨٠/٣). مَصَادِرُها ١٣٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الفصل الرابع مَصَادِرُها نَظَم الحافظُ العراقيّ (أَلْفِيَّته) اختصاراً لكتابٍ (علوم الحديث) للإمام أبي عَمرِو عُثمانَ بنِ عبدِ الرحمن الشَهْرَزُورِي المشهورِ بابنِ الصلاح، ونَصَّ على ذلك بقولهِ في البيتِ السادسِ منها : وَزِدْتُهَا عِلْماً تَرَاهُ مَوْضِعَهْ لَخَّصْتُ فِيها ((ابْنَ الصَّلَاحِ)) أَجْمَعَهْ فهُو نَذْتُ مع تَلْخيصه لكتابِ ابن الصلاح زادَ عليه بعضَ المسائلِ والأقوالِ والتعقّباتِ . وكلُّ ذلك يحتاجُ إلى الرُجوع إلى كثيرٍ من المَصَادر والمراجع، وهذا ما حَصل فِعْلاً، ولكونِ النَّظْمِ ومُرَاعاةِ الاختصارِ يتعذَّر معه التصريحُ باسمٍ كُلِّ كتابٍ ومؤلِّفِهِ، فإنَّه حيناً يَذْكرُ اسْمَ الكتاب، وأحياناً أُخرى يذكرُ اسمَ المؤلّف، وأكثرَ الأحيانِ لا يُصَرِّح بها وسيجد القارئُ ضمن حواشي الكتاب ما يوضح ما ذكرناه. : فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٣٣ المقارنَةُ بينَ الأَلفِية وأَصلِها الفصل الخامس المقارنَةُ بينَ الأَلفِية وأَصلِها عرفتَ مما سبق أن الحافظَ العراقيَّ لَخَّص ألفيته من علوم الحديث لابن الصلاح(١)، وإذا كان الأمرُ كذلك فالغالبُ على المختصرات أن يُحتذى فيها حذوَ الأصل. وبالنظرة السريعة بين عناوينِ الكتابين نجدُ بينهما تشابهاً إلى حدٍّ كبيرٍ، وبينهما اختلافٌ طفيفٌ يمكن تلخيصُه فيما يأتي: أ - بلغت العناوين في الألفية ثلاثة ومائة عنوان غير مصدَّرة بنوع ولا قسم ولا باب ولا غيرها، وبلغت العناوينُ في علوم الحديث خمسة وستين نوعاً. والسَّبَبُ في ذلك أنَّ ابنَ الصلاح يدمجُ بعضَ الأنواع في بعض، والحافظُ العراقيُّ يفصِلُ بعضَها عن بعض في الغالب، وإليك الأمثلة على ذلك: ١ - فَصَل مراتبَ التعديل ومراتب الجرح، وأدرجهما ابن الصلاح في النوع الثالث والعشرين(٢). ٢ - فصلَ الثالثَ وما بعده من أقسام التَّحَمُّل، وأدرجها ابنُ الصلاح في النوع الرابع والعشرين(٣). ٣ - فصل المقابلة وتخريج الساقط والتصحيح والتمريض - وهو التضبيب - والكَشْط والمحو والضَّرب والعمل في اختلاف الروايات، والإشارة بالرمز، وكتابة التسميع. وأدرجها ابنُ الصلاح في النوع الخامس والعشرين (٤). (١) (ص١٣٢). (٢) انظر: الألفية (ص٣٢٨)، وعلوم الحديث (ص١١٠ - ١١٤). (٣) انظر: الألفية (ص٣٣٤ - ٣٤١)، وعلوم الحديث (ص١١٨ - ١٦٠). (٤) انظر: الألفية (ص٣٤٣ - ٣٤٥)، وعلوم الحديث (ص١٦٨ - ١٨٥). المقارنَةُ بينَ الأَلْفِية وأَصلِها ١٣٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤ - فصلَ الروايةَ من الأصل والرواية بالمعنى، والاقتصار على بعض الحديث والتسميع بقراءة اللحّان والمصحِّف وإصلاح اللَّحن والخطأ، واختلاف ألفاظ الشيوخ، والزيادة في نسب الشيخ، والزيادة من النسخ التي إسنادها واحد، وتقديم المتن على السند، وقول الشيخ: مثله أو نحوه، وإبدال الرسول بالنبي وعكسه، والسماع على نوع من الوهن أو عن رجلين، وأدرجها ابن الصلاح في النوع السادس والعشرين(١). وقد يجمع بين ما فَصَله ابنُ الصلاح في أكثرَ من نوع، وإليك الأمثلة على ذلك. ١ - المنقطع والمعضل(٢). ٢ - المشهور والعزيز والغريب(٣). ٣ - المرسل الخفي والمزيدُ في متصل الأسانيد (٤). ٤ - رواية الآباء عن الأبناء وعكسه(٥). ٥ - الأسماء والكنى، وكنى المعروفين بالأسماء(٦). قد يُفَرِّقُ ابنُ الصلاح الكلامَ على النوع الواحد في أكثرَ من موضع كالمعلَّق مثلاً، فقد تكلَّم عن حكمه في نوع الصحيح، وعن حقيقته بعد المعضل، وجَمَعَ العراقي الكلامَ عليه في موضع واحد فأجادَ وأحسن(٧). الترتيب يكاد يكون متطابقاً، فلم يخالف العراقيُّ ترتيبَ الأصل إلَّا في تقديم المرفوع على المسند والمتصل، لِعلَّةٍ أشار إليها السخاويُّ وهي تمحض المرفوع في شريف الإضافة (٨). (١) انظر: الألفية (ص٣٤٦ - ٣٥٠)، وعلوم الحديث (ص١٩٠ - ٢١٢). (٢) انظر: الألفية (ص٣١٥)، وعلوم الحديث (ص٥١، ٥٤). (٣) انظر: الألفية (ص٣٥٤)، وعلوم الحديث (ص٢٣٨، ٢٤٣). (٤) انظر: الألفية (ص٣٥٦)، وعلوم الحديث (ص٢٥٩، ٢٦٠). (٥) انظر: الألفية (ص٣٦٠)، وعلوم الحديث (ص٢٨١ - ٢٨٣). (٦) انظر: الألفية (ص٣٦٢)، وعلوم الحديث (ص٢٩٦، ٣٠٣). (٧) انظر: الألفية (ص٣١٠)، وعلوم الحديث (ص٢٠ - ٢٣)، (ص٦١ - ٦٤). (٨) فتح المغيث (١٧٨/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٣٥ المقارنَةُ بينَ الأَلفِية وأَصلِها هذا وطبيعة التلخيص تقتضي أن يَحْذِفَ الملخّصُ من الأصل ما يراه غير مهم، إذ إنَّ من معاني التلخيص: التقريب والاختصار(١)، لذا نجدُ الحافظَ العراقيَّ قد حَذَفَ من الأصل كثيراً من أمثلته وتعاليله(٢). وإليك أمثلة لما حذفه: ١ - في النوع الأول: الصحيح. حذف محترزاتِ تعريفِ الحديث الصحيح(٣)، كما حذف تقسيمَه إلى صحيح متفق عليه ومختلف فيه وإلى مشهور وغريب (٤). ٢ - في النوع الثاني: الحسن. حذفَ التنبيهَ الرابع، وهو بيانُ أنَّ جامعَ الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن(٥)، كما حذف التنبيهَ التاسعَ الذي ذكر فيه ابنُ الصلاح أنَّ من العلماء من لا يفردُ نوعَ الحسن بل يجعله مندرجاً في أنواع الصحيح(٦). ٣ - في النوع الثالث: الضعيف. حذف من حَدِّ الضعيف جملةَ - صفات الحديث الصحيح(٧) - واقتصر على انتفاء شرط الحسن، لأنه يرى أن ذكر الصحيح لا يحتاج إليه، لأن ما قصر عن رتبة الحسن فهو عن رتبة الصحيح أقصر(٨). ٤ - في النوع الخامس - وهو الرابع عند ابن الصلاح - المسند: حذَفَ تمثيلَ ابن عبد البر للمسند المتصل، والمسند المنقطع(٩). ٥ - في النوع السادس - وهو الخامس عند ابن الصلاح - المتصل: حذف مثالَ المتصل المرفوع، والمتصل الموقوف(١٠). على أنَّ الحافظَ العراقي لم تقتصر وظيفتُه على الحذف، بل زاد على الأصل علماً يُرى مفرقاً في مواضعه، كما تقدَّمت الإشارة إليه من كلام العراقي نفسه(١١) . (١) تاج العروس مادة (لخص). (٣) علوم الحديث (ص١٠). (٥) علوم الحديث (ص٣٢). (٧) علوم الحديث (ص٣٧). (٩) علوم الحديث (ص٣٩). (١١) (ص ١٣٢). (٢) فتح المغيث (١٦/١). (٤) علوم الحديث (ص١١). (٦) علوم الحديث (ص٣٦). (٨) شرح التبصرة والتذكرة (١/ ١١٢). (١٠) علوم الحديث (ص٤٠). المقارنَةُ بينَ الألفِية وأَصلِها ١٣٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ويمكن تقسيمُ هذه الزياداتِ إلى ستة أقسام: الأول: زيادة فروع: ومثال ذلك: زيادته الفرعَ السادسَ مما له حكمُ الرفع، وهو ما أتى عن الصحابة مما لا مجال للرأي فيه (١)، والفرع السابعَ وهو ما رواه أهلُ البصرة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وكرَّرَ ابن سيرين قال، وحذف فاعل قال الثاني(٢). وزيادته المرتبة الأولى من مراتب التعديل(٣). الثاني : زيادة قول وترجيحه: ومثاله: نقله قول الرازي: أن قول الصحابي كُنَّا نرى من قبيل المرفوع ثم قال: وهو القويُ(٤). ونَقَلَ عن ابن رُشيد أن ما وجد في سنن أبي داود، ولم يصحح قد يبلغ الصحة عند أبي داود، وقال: وهو متجه (٥). الثالث: زيادة قول وردُّه: ومثاله: لما ذكر قولَ ابن الصلاحِ: أنَّ الوضع يعرفُ بإقرار الواضع، أو بما ينزل منزلته، نقل عن ابن دقيق العيد استشكاله القطع بالوضع بمجرد ذلك، إذ قد يكذب الواضع باعترافه، ثم قال: بلى نَردُّه وعنه نضرب(٦). الرابع: زيادةُ أقوال من غَير تعرُّضٍ لترجِيحِها أو رَدِّها: والأمثلة على ذلك كثيرة، منها : أ - نَقَلَ عن النووي قولَه: لم يفت الخمسة إلا النزر(٧). ب - نقل عنه - أيضاً - إمكانَ التصحيح في الأعصار المتأخرة(٨). جـ ـ نقل عن ابنِ سيِّد الناس: أن قولَ أبي داود يحكي قول مسلم جملة الصحيح لا توجدَ عند مالك والنبلاء، فاحتاج أن ينزل في الإسناد إلى يزيد بن أبي زياد (٩) . (١) الألفية (ص٣١٤). (٣) الألفية (ص٣٢٨). (٥) الألفية (ص٣١١). (٧) الألفية (ص٣٠٨). (٩) الألفية (ص٣١١). (٢) الألفية (ص٣١٥). (٤) الألفية (ص٣١٤). (٦) الألفية (ص٣٢٢). (٨) الألفية (ص٣٠٩). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٣٧ المقارنَةُ بينَ الأَلفِية وأَصلِها الخامس: زيادةُ كلمة للتوضيح: ومثال ذلك: زاد في حد الموضوع كلمةَ الكذب(١). السادس: تخطئةُ ابن الصلاح: ومثال ذلك: لما نقل عن ابن الصلاح قولَه: أنَّه وجَدَ في مسند يعقوب بن شيبة التفريقَ بين ((أن)) و((عن)) بناء على مثال ذكره يعقوبُ بالصيغتين، فاستدركَ عليه العراقي بقوله: ولم يصوب صوبَه، يعني أنَّ ابنَ الصلاح لم يعرِّجْ على مقصد يعقوب من التفريق بينهما(٢). وبهذه النماذج تتبيَّنُ قيمةُ زياداتِ الحافظ العراقي على الأصل، ويظهرُ صدقُ المقالة المشهورة: كم تَرَكَ الأَوَّلُ للآخرِ . (١) الألفية (ص٣٢٢). (٢) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص٥٨)، والألفية (ص٣١٦)، وانظر: توضيح المسألة في شرح المصنف (١٦٨/١ - ١٧١)، والكتاب المحقق (٢٩٥/١ - ٢٩٦). المقارنَةُ بينَ الألفيةِ ونَظْمِ الخُوَيِّي ١٣٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الفصل السادس المقارنَةُ بينَ الألفيةِ ونَظْمِ الخُوَبِّي قبل أن نبدأً بالموازنة بين الكتابين يَجْدُرُ بنا أن نلمِّح بترجمة موجزة للخوبي ناظمٍ علومٍ الحديث لابن الصلاح: هو: محمدُ بنُ أحمدَ بنِ خليل بن سعادةَ بنِ جعفر، شهابُ الدين أبو عبد الله الخُوبي(١) الشافعي، قاضي دمشق وابنُ قاضيها . وُلدَ في شوّال سنة ست وعشرين وستمائة بدمشق. ونشأ بها، وأَدْمَنَ الدرس والسهر منذ الصغر حتى تَمَيَّزَ على أقرانه، وبلغَّ عددُ شيوخه نحوَ ثلاثمائة شيخ، وبَرَعَ في كثير من الفنون، حتى قال الذهبي: كان من أعلم أهلٍ زمانه، وأكثرِهم تفنناً وأحسنهم تصنيفاً وأحلاهم مجالسة، وقال ابن كثير: كان من حسنات الزمان، وأكابر العلماء الأعلام، عفيفاً، نزيهاً بارعاً محباً للحديث وعلمه وعلمائه. اهـ. صنف كتباً كثيرة ودرَّس بمدارس متعددة، وولي القضاء بدمشق والقدس والقاهرة وحلب وغيرها . مات في يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين وستمائة عن سبع وسبعين سنة، ودُفِنَ بسفح جبل قاسيون(٢). (١) الخويي - بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وتشديد المثناة التحتية ثم ياء النسب - كما في تبصير المنتبه (٣٧٦/١)، وفي الأنس الجليل (٢/ ٤٦٦) - بتسكين الياء - نسبة إلى بلد من أعمال أذربيجان. انظر: معجم البلدان (٤٠٨/٢). وانظر (ص١٢٧). (٢) انظر ترجمته في: العبر (٣٧٩/٥)، والوافي بالوفيات (١٣٩/٢)، وفوات الوفيات (٣/ ٣١٤)، وطبقات الشافعية للإسنوي (٥٠١/١)، والبداية والنهاية (٣٣٧/١٣)، ومرآة = فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٣٩ المقارنَةُ بينَ الألفيةِ ونَظْمِ الخُوَتِي إذا عُلِمَ هذا فالمنظومتان - نظمُ الخُويي وألفية العراقي - تَتَّفِقان في أشياءَ، أهمُّها : ١ - أنَّهما نظمان مختصران من كتاب واحد وهو علومُ الحديث لابن الصلاح، قال الخُوَيِّي في مقدمة نظمه: وقد نَظَمْتُ لُبَّه مختصِراً لا مُسهبَ اللَّفِظِ ولا مُقتصِراً (١) وسبق قولُ العراقي: وزدتُّها عِلْماً تَرَاه موضِعَه(٢) لخَّصْتُ فيها ابنَ الصلاحِ أجمَعه ٢ - المنظومتان من بحر الرجز. ٣ - الحذفُ - وإن تفاوت - من الكتاب الأصل. ٤ - الترتيبُ يكادُ يكون متفقاً فليس بينهما خلاف يُذكر، إلَّا ما كانَ من تقديم العراقي للمرفوع على المسند والمتصل كما تقدَّم (٣)، وأخَّره الخُوبي تبعاً لابن الصلاح(٤) . أخَّر الخُويي الكلامَ على المقطوع بعدَ الفروع المتعلقة بالموقوف(٥)، وقدَّمه العراقي تبعاً لابن الصلاح(٦). وفرَّق الخُوبيُّ الكلام على المعلَّق تبعاً لابن الصلاح(٧)، وجَمَعَهُ العراقيُّ كما تقدم(٨) . ويختلفان في أشياء كثيرة جداً، من أَهَمِّها: ١ - تَتَّسِمُ ألفيةُ العراقي بالإيجاز، وهو أداءُ المقصود بأقلَّ من عبارة المتعارف(٩)، ويتَّسِمُ نظمُ الخوبي بالإطناب، الذي هو أداء المقصود بأكثر من المتعارف (٩)، وَهذا هو السر في قِلَّة أبياتِ الألفية، إذ لم تَزِدْ على الجنان (٢٢٢/٤)، وتتمة المختصر لابن الوردي (٣٤١/٢)، وطبقات الشافعية لابن = قاضي شهبة (٢٤٩/٢)، وبغية الوعاة (٢٤/١). (١) نظم الخوبي (ق ١/أ). (٣) (ص١٣٤). (٥) نظم الخوبي (ق ١٠/ب - ١١/أ). (٧) نظم الخويي (ق ٦/ ب - ٧/أ)، (ق ١٢ / أ). (٩) شرح عقود الجمان، للسيوطي (ص٦٠). (٨) (ص١٣٤). (٢) (ص١٣٢). (٤) نظم الخوبي (ق ١٠/أ). (٦) الألفية (ص٣١٤). المقارنَةُ بينَ الألفيةِ ونَظْمِ الخُوَقِي ١٤٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث الألف سوى بيتين، وزادَ نظمُ الخوبي على الألف أكثر من خمسمائة بيت. ٢ - اهتمَّ الحافظُ العراقيُّ بعزو الأقوال إلى أصحابها، وحَذَفَ الخوبي هذه النسبة، وأشار إلى ذلك في مقدمة نظمه، ولا تخفى قيمةُ العزو إلى قائله، حتى قال بعضُ العلماء: من بركة العلم إضافةُ القول إلى قائله(١). ٣ - سبقَ أن ذكرنا عدَدَ عناوين الألفية، وأنها بلغت ثلاثة ومائة عنوان غير مصدرة بنوع ولا قسم ولا باب ولا غيرها (٢)، وبلغتْ العناوينُ في نظم الخوبي خمسة وستين نوعاً تبعاً لابن الصلاح. ٤ - تَقَدَّم لنا أنَّ وظيفةَ الحافظ العراقي لم تقتصر على الحذف، بل زاد على الأصل فوائدَ كثيرة، وذكرنا أمثلة على ذلك(٣)، وأما الخويي فلم يزد في نظمه على علوم الحديث شيئاً . ٥ - أثبت الحافظ العراقي في ألفيته كثيراً من الأقوال والأمثلة التي حذفها الخوبي من الأصل، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، منها: أ - ذكر العراقي تعريفَ الترمذي وابنِ الجوزي للحديث الحسن، فقال: من الشُّذوذ مَعَ راو ما اتُّهِم وقال الترمذيُ مَا سلِمْ قلت وقد حسن بعض ما انفرد بِكذبٍ ولم يكن فرداً ورد فيه .. وقيل ما ضعف قريب محتمل (٤) واقتصَرَ الخوبي على تعريف الخطّابي من غير تسمية له، فقال: مميزاً ما جاء منه في السنن وإن تردْ معرفةَ المتن الحسَن ومن رووه لم يكن فيهم خَفا(٥) فقيل ما مخرجُه قد عُرفا ب - أثبت العراقي طريقة استخراج أقسام الضعيف، بحسب تَخلُّف الشروط تبعاً لابن الصلاح، فقال: ففاقدُ شرطِ قبولٍ قسمٌ وإن بسط بغي واثنتين قسمٌ غيره وضموا (١) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (٣/١). (٢) (ص١٣٣). (٣) (ص١٣٦ - ١٣٧). (٥) نظم الخوبي (ق ٧/ ب). (٤) الألفية (ص ٣١٠).