Indexed OCR Text
Pages 1-20
يَسْلِلةُ مَنْسُورَارَ مُكتَة ◌َارِالمنهاج للنشر والتوزيع بالرَّاض ١ فَةُ الْعُلُ 2 بِشَرَحُ الفِيَّةِ الْحَدِيَّةِ تأليف الحَافِظِ المؤرّخ يَشِسُ الدِّينِ أبِ الخَيَرْ محمّدِ بْن عَبدالرَّحْمن السّخَويّ الشَافِيعّ المتوفى سنة ٩٠٢ رحمه الله درَاسَة وَتحقيق د. عبد الكريم بن عَبد له بن عبد الرحمن الخُضِرْ د.مُحُمّد بن عَبد آلِهِبْنُ فهَيِّدِآل فهِيَدُ المَجَلّد الرّابع مَكتبة دارِ المنهج لِلنشرَ والتوزيع بالرّيَاضِ بِسْرِالله ◌ِالرَّحِ الرَّحِيمُ قَعُ الْمُعَبْ بِشَرَحُ الفِيَّةِ الْحَدِيْنِ 93838 ح مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، ١٤٢٦ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر السخاوي، أبو الخير محمد بن عبد الرحمن فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. / عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرّحمن الخضير؛ محمد بن عبد الله بن فهيد آل فهيد . - الرياض، ١٤٢٦ هـ ٥ مج ..- (سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج؛ ١) ردمك: ٨ - ٠ - ٩٦٥٧ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٠ - ٤ - ٩٦٥٧ - ٩٩٦٠ (ج٤) ١ - السخاوي، محمد بن عبد الرحمن ٢ - علوم الحديث أ - الخضير؛ عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرّحمن (محقق) - آل فهيد؛ محمد بن عبد الله بن فهيد (محقق) ب- العنوان ج - السلسلة ١٤٢٦/٤١١٢ دیوي ٢٣٠ جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنتاج بالرّاجين الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ حقوق الطبع محفوظة (١٤٢٦٥هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. مكتبة دار المِحَاج للنشْر وَالتَوزيْع المملڪَة العَرَبيَّة السّعُوديَة . الرّيَاضِ المركز الرئيسي - طَريق الملك فهد - شماك الجُوَازَاتُ هاتف ٤٠٦٥٥٥٣ - فاكس ٤٠٨٣٦٩٨ - صربِّ ٥١٩٢٩ الرياض ١١٥٥٣ الفروع: طريق خالد بن الوليد (إِنكَاسْ سَابَقًاً) ت ٢٣٢٢٠٩٥ طريّ الأمير سعد بن عَبْدُ الرّحمنُ (مخرج ١٥) ت ٤٤٥٦٢٢٩ المدينة النبوية -طبق سلطانة ت ٤/٨٤٦٧٩٩٩. مكّة المكهَّة - الشامية - ت ٠٢/٥٧٣٠٩٨٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ (مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ)(١) هذا حينَ الشروع في الرجال، وطبقاتِ العلماءِ، وما يتصلُ بذلك. ومعرفةُ الصحابةِ فنٌّ جليلٌ، وفائدتُه: التمييزُ للمرسَل، والحكمُ لهم بالعدالة، وغير ذلك. ولأئمتنا فيه تصانيفُ كثيرةٌ كعلي بن المَديني في كتابه: ((معرفة مَن نَزَل مِن الصحابة سائرَ البُلدان))، وهو في خمسة أجزاء - فيما ذكره الخطيب(٢) - يعني لَطِيفَةً. وكالبخاري، وقال شيخُنا: إنَّه أولُ مَن صنف فيها فيما أعلم(٣) وكالترمذي (٤)، ومُطَيَّن(٥)، وأبي بكر بنِ أبي داودَ، وعَبْدَانَ(٦)، وأبي عليّ ابنِ السَّكَنِ في ((الحُرُوف))(٧)، وأبي حَفص ابنِ شاهِين، وأبي منصور البَاوَرْدِي(٨)، وأبي حاتم ابنِ حِبّان(٩)، وأبي العباس الدَّغُولي(١٠)، (١) وهو النوعُ التاسعُ والثلاثونَ من كتاب ابن الصلاح. (٢) في ((الجامع)) (٣٠٢/٢). (٣) ((الإصابة)) (١/ ٢). (٤) اسمُ كتابِه: (تسميةُ أصحاب رسول الله وَله)، وقد طبع بمطابع دار الجنان ببيروت سنة ١٤٠٦، بتحقيق الشيخ عماد الدين أحمد حيدر. (٥) على وَزن (مُعَظّم) - على الصواب - لَقَبٌّ للحافظِ أبي جعفر محمدٍ بن عبد الله الحَضْرمي، مات سنة ٢٩٧، ((تذكرة الحفاظ)) (٦٦٢/٢). (٦) لقبٌ للحافظ أبي محمدٍ عبدِ الله بنِ محمد بنِ عيسى المَرْوَزِي الشافعي، مات سنة ٢٩٣، ((السير)) (١٣/١٤)، و((الرسالة المستطرفة)) (١٢٦). (٧) هو اسمُ كتابِ ابنِ السَّكّن سعيدِ بنِ عثمان البغدادي. ((الرسالة المستطرفة)) (١٢٧). (٨) بتقديم الواوٍ على الراءِ. قال في ((الأنساب)) (٦٣/٢): (هذه النسبة إلى بلدةٍ بنواحي خراسانَ، يقال لها: أَبِيْوَرْدُ، وتخفّف، ويقال: با وَرْد). وأبو منصور هو محمد بن سعد. ((الرسالة المستطرفة)) (١٢٨). (٩) ذكره الخطيب باسم ((كتاب الصحابة)) وقال: إنَّه في خمسة أجزاء ((الجامع)) (٣٠٢/٢). (١٠) الإمامُ الحافظُ محمد بن عبد الرحمن السَّرْخَسي. واسم كتابه: ((فضائل الصحابة)). ((السير)) (١٤/ ٥٥٧). ومضى (٣٤٤/٣) ضَبْطُ نِسْبَته مع ترجمته. ٦ مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وأبي نُعَيم (١)، وأبي عبد الله ابن مَنْدَه(٢)، والذيل عليه لأبي موسى المديني(٣). وكأبي عُمرَ ابنِ عبد البر في ((الاستيعاب)) وهو - كما قال النَّوَوِي -: ((من أحسنِها، وأكثرِها فوائدَ، لولا ما شانَه بذكر ما شجر بين الصحابة، وحكايته عن الإخباريِّين الغالبِ عليهم الإكثارُ والتَخْلِيطُ)) (٤). والذيلِ عليه لجماعةٍ كأبي إسحاق ابنِ الأَمِين(٥)، وأبي بكر ابنٍ فَتْحُونَ(٦)، وهما متعاصرانٍ، وثانيهما أحسنُهما. واختصر محمدُ بنُ يعقوبَ بنِ محمدِ بن أحمدَ الخَليليُّ ((الاستيعاب)) وسمَّاه: ((أعلام الإصابة في أعلام الصحابة))(٧). في آخرين يكثر حصرُهم كأبي الحَسن محمدِ بن صالح الطَبَري، وأَبَوَي القاسم: البَغَوِي(٨)، والعُثْمَاني(٩)، وأبي [الحسين](١٠) ابنِ قانِعٍ في ((معاجِمِهم))، وكذا الطَّبَراني في ((مُعجمه الكبيرِ)) خاصةً. (١) سَمَّى الذهبيُّ كتابَه باسم ((فضائل الصحابة)). ((السير)) (٤٥٦/١٧) وسمّاه بروكلمان باسم: ((كتاب معرفة الصحابة))، ثم ذكر نُسَخاً له (٢٢٧/٦). وقد طبع أوله بهذا الاسم بتحقيق د.محمد راضي سنة ١٤٠٨ هـ. (٢) هو: محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ محمدِ بن مَنْدَه، الحافظُ الجَوَّالُ، المتوفى سنة ٣٩٥. واسم كتابه (معرفة الصحابة))، قال ابنُ عساكر: له فيه أَوْهَامٌ كثيرة، ((تذكرة الحفاظ)) (١٠٣٣/٣). (٣) ما يراه السخاويُّ من أنَّ كتابَ أبي موسى ذيلٌ على كتاب ابنٍ مَنْده هو ما يراه العراقيُّ كما في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢/٣) والأَبْنَاسيُّ في ((الشذا الفيَّاح)) لوحة (٩١/ب) وقال الذهبي في «التذكرة)» (١٣٣٥/٤) والصَفَدي في ((الوافي)) (٢٤٧/٢): إنَّ ذَيلٌ على كتاب أبي نُعَیم. (٤) ((التقريب)) (٢٠٧/٢)، وهو كلام ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٦٢). (٥) هو إبراهيمُ بنُ يحيى بن إبراهيمَ القُرْطبي، مؤرخٌ، مات سنة ٥٤٤، واسم كتابه: (الإعلام بالخِيَرةِ الأعلام من أصحاب النبي عليّا). ((الأعلام)) (٧٤/١). (٦) هو الحافظُ محمدُ بنُ خَلَف بنِ سليمانَ المُرْسِي. مات سنة ٥٢٠، واسم كتابه: ((الاستلحاق على الاستيعاب في معرفة الأصحاب))، ((معجم المؤلفين)) (٢٨٤/٩). (٧) كذا سماه بروكلمان وذكر نُسخاً له (٢٦١/٦). (٨) هو الحافظُ المسند عبدُ الله بن محمد البَغَوي المعروفُ بابْنِ بنتِ مَنِيع والمتوفى سنة ٣١٣. من مؤلفاتِه: ((معجم الصحابة الكبير)) و(المعجم الصغير))، ((السير)) (١٤ /٤٤٢). وَ((هدية العارفين)) (٤٤٤/١). (٩) هو: عُمرُ بنُ علي بن يوسفَ العثماني واسم كتابه: ((أَنْوَارُ أُولِي الألباب في اختصار كتاب الاستيعاب)). ((تاريخ الأدب العربي)) (٢٦١/٦). (١٠) في النسخ: (أبي الحسن) مكبر، والتصويب من مصادر ترجمته، وهو عبد الباقي بن قانع بن = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٧ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ وكان منهم على رأس القرن السابع: العزُّ أبو الحَسن عليُّ بنُ محمدٍ الجَزَري، ابنُ الأَثِير - أخو أبي السعاداتِ صاحبِ ((النهاية)) في الغريب - في كتابٍ حافلٍ سَمَّاهُ: ((أَسَدَ الغَابَةِ))(١)، جَمَعَ فيه بين عِدَّةٍ من الكُتب السابقة(٢) ولكنَّه مع ضُبطه وتحقيقِه لأشياءَ حسنةٍ لم يَسْتَوعبْ، ولمْ يُهَذب، ومع ذلك فعليه المعوّلُ لِمَن جاءَ بعدَه، حتى إنَّ كُلَّ من النَّوَوي والكَاشْغَرِي(٣) اختَصَرِه. واقتصر الذهبي على تَجْرِيده، وزادَ عليه الناظم عِدَّةَ أسماء. ولأبي أحمدَ العسكري فيها كتابٌ رَّبه على القبائلِ (٤)، ولأبي القاسم عبدِ الصمد بن سعيد الحمصي: ((الذي نزَلَ مِنْهُم حِمْصَ)) خاصةً، ولمحمدٍ بن الرَّبيع الجِيزي: ((الذي نَزَلَ مِصْرَ))، ولأبي محمدٍ ابن الجارُود: ((الآحادُ منهم))، وللحافظِ عبدِ الغني بن عبدِ الواحد المقدِسي: «الإصابةُ لأوْهامِ حصلتْ في معرفةِ الصحابةِ لأبي نُعَيم))، في جُزْءٍ كبير. ولخليفةَ بنِ خَيّاط، ومحمدِ بنِ سَعْد، ويعقوبَ بنِ سفيانَ، وأبي بكر ابنِ أبي خَيْئَمَة، وغيرِهم، في كتبٍ لم يَخصُّوها بهم، بل بضمٌّ مَنْ بعدَهم إليهم. وقد انتدَب شيخُنا لجَمْع ما تفرّق من ذلك، وانتَصب لدَفْع المُغْلَق منه على السالِكِ، معَ تحقيقٍ لِغَوامِضَ، وتَوْفيقٍ بين ما هو بحَسب الظاهرِ كالمُتَنَاقِض، وزياداتٍ جمَّة، وتَتِمَّاتٍ مُهِمَّة، في كتابٍ سمَّاه: ((الإصابة))، جَعَلَ كلَّ حرف منه - غالباً - على أربعة أقسام: = مرزوق البغدادي. مات سنة ٣٥١ ((تاريخ بغداد)) (٨٨/١١)، و((السير)) (٥٢٦/١٥). (١) اسمُ الكتاب كاملاً: ((أَسَدُ الغَابةِ في مَعْرِفة الصحابة)). والذي أَسْمَعُه في نُطْقِ أَوَّلِ اسمه: (أُسد) بضم الهمزة وإسكان المهملة، وكذا رأيتُه مَشْكُولاً في طبعتَيْنِ مُخْتَلِفَتَينِ له. والذي يظهرُ لي أنَّ صِحَّةَ ضَبْطِ اسمِه: (أَسَد) بفتح أوله وثانيه ويكونُ عَلَماً ووَضْفاً لكتابه، وهو مُفْرَدٌّ وليس جَمْعاً، والله أعلم. هذا وكانت وفاة العزِّ ابنِ الأثير سنةَ ٦٣٠. (٢) وهي - كما ذَكَر في مقدمتِهِ - كُتُبُ ابنِ مَنْدَه، وأبي نُعَيمِ الأصبهاني، وابنِ عبد البَر، وأبي موسى المَدِيني. كما أنَّه أضاف إليها ما شَذَّ عنها مَّنْ كُتُبٍ غيرهم. (٣) هو: أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي الكاشغري المذكور - مع ضبط نسبته - (٤٢٠/٣). من مؤلفاته: تاج السعادة، ومختصر أسد الغابة. ((معجم المؤلفين)) (١١/ ٢٥٠). (٤) ذكر هذا الكتابَ مؤلّفُه في كتابه ((تصحيفات المحدثين)) (٤٢٦/٢) باسم ((كتاب القبائل فيمن روى عن النبي ◌َّ﴾)). . مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث الأول فيمَن وردت رِوَايتُه، أو ذِكْرُه من طريقٍ صحيحةٍ أو حسنةٍ، أو ضعيفةٍ، أو منقطعةٍ. الثاني: مَنْ له رُؤيةٌ فقط. الثالث: مَنْ أَدركَ الجاهليةَ والإسلامَ، ولم يَرِدْ في خَبرِ أنّه اجتمع ◌َله. بالنبي الرابع: مَنْ ذُكِر في كُتب مُصَنَّفِي الصحابة، ومُخَرِّجي المسانيد غَلَطاً مع بيان ذلك وتحقيقِه مما لم يُسبَق إلى غالبِه، وهذا القسمُ هو المقصودُ بالذاتِ منه (١). وقد وقعَ التنبيهُ فيه على عجائبَ يُستغْرَب وقوعُ مثلِها. وماتَ قبل عَمَلٍ ((المُبْهَمَاتِ))، وأرجو عَمَلَها. إذا عُلِم هذا، ففي هذا البابِ عَشْرُ(٢) مَسَائِلَ: الأولى: في تعريفِ الصحابي - وفيه لأبي عبدِ الله ابنِ رُشَيدٍ : ((إيضَاحُ المذاهب فيمَن أُطلق عليه اسمُ الصاحب))(٣) - وهو لغةً: يقعُ على مَنْ صَحِبَ أَقَلَّ ما يُطلق عليه اسمُ صُحبةٍ فَضْلاً عَمَّن طالتْ صحبتُه، وكثرت مجالستُه. وفي الاصطلاح: ٧٨٦ (رَائِي النبيّ) ◌َّهِ - اسمُ فاعلٍ مِنْ: رَأَى - حَال كونِه (مُسلِماً) عاقلاً: (ذُو صحبةٍ) على الأصحّ. كما ذهبَ إليه الجمهورُ من المُحَدِّثين والأصوليين، وغيرِهم اكتفاءً بمجرَّد الرؤيةِ ولو لحظةً وإنْ لم يقعْ معها مجالسةٌ، ولا مُمَاشاةٌ، ولا مُكَالَمَةٌ: لِشَرَفِ منزلةِ النبيّ وََّ، فإنّه - كما صرَّح به بعضُهم -: إذا رآه مسلمٌ، أو رَأى مسلماً لحظةً طُبِعَ قلبُه على الاستقامة(٤)، لأنَّه بإسلامه متهيٌ للقبول، فإذا قابَلَ ذلك النورَ العظيمَ أشرفَ عليه فظهرَ أثرُه في قلبِه وعلى جَوَارِحه. وممَّن نصّ على الاكتفاءِ بها أحمدُ، فإنّه قال: ((مَنْ صَحِبَه سنةً أو شهراً، أو يوماً، أو ساعةً، أو رآه فهو من أصحابه))(٥) (١) انظر مقدمةَ ((الإصابة في تَمْيِيز الصحابة)) (٤/١ -٦). (٢) في النسخ: عشرة. خطأ . (٣) بهذا الاسم ذكرَه ابنُ حَجَر في («الدُرر)) (٢٣٠/٤) والصفديُّ في ((الوافي)) (٢٨٥/٤). (٤) في هذا نظَر؛ حيث قد ارتدّ بعضُ مَنْ رآه صلى الله عليه وآله وسلم مسلماً. (٥) ((الكفاية)) (٥١). وابنُ الجوزي في ((مناقبه)) (٢١٠). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٩ مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ وكذا قال ابنُ المَدِيني: ((مَنْ صَحِبَ النبيَّ نََّ، أو رآه ولو ساعةً مِنْ نَهَارٍ فهو من أصحابِ النبيّ وَليّ))(١). وتبعَهما تلميذُهما البخاريُّ فقال: ((مَنْ صَحِبَ النبيَّ وَّرِ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه))(٢). قيل: ويَرِدُ على ذلك: توقُّفُ معرفةِ الشيءٍ على نفسه، فيدُورُ، لأنّ ((صَحبَ)) تتوقّفُ على ((الصحابي))، وبالعكس. لكنْ يمكنُ أنْ يقالَ: مُرَادُهم بـ((صَحِبَ)): الصحبةُ اللُّغَويةُ. وبـ((الصحابيِّ)) المعنى الاصطلاحيُّ . على أنَّ القاضيَ أبا بكر ابنَ الطيِّب البَاقِلَانِيَّ(٣) قال: ((لا خِلَافَ بين أهلِ اللُّغَةِ أنَّ الصحابيَّ مُشتقٌّ من الصُّحْبَةِ (٤)، جارٍ على كلِّ مَنْ صَحِبَ غيرَه قليلاً، أو كثيراً. يقال: صَحِبُهُ شهراً، أو يوماً، أو ساعةً)). قال: ((وهذا يُوجب في حُكم اللغةِ إجراءَ هذا على مَن صَحِب النبيَّ ◌َ﴿ ولو ساعةً. هذا هو الأصل))(٥). قال: ((ومَع هذا فقد تقرَّر للأمةِ عُرْفٌ في أنهم لا يستَعمِلونه إلَّا فيمَن كثُرت صحبتُه ... ))(٦)، وذَكَرَ المذهبَ الثاني. وكذا قال صاحبُهُ الخطيبُ(٧) أيضاً: ((لا خلاف بين أهلِ اللغة أنَّ الصحبةَ (١) أخرجه عنه أبو القاسم ابن منده في ((المستخرج)). قاله الحافظُ في ((الفتح)) (٥/٧). (٢) (صحيح البخاري)) - فضائل أصحاب النبي وَ ل ه ـ ترجمة الباب الأول (٣/٧). (٣) الإمام العلّامة أوحدُ المتكلِّمين، مقدَّمُ الأصوليين، محمدُ بنُ الطيِّب بنِ محمدِ المالكي البصريّ ثم البَغْدادي، مات سنة ٤٠٣. ((تاريخ بغداد)) (٣٧٩/٥)، و ((السير)» (١٧/ ١٩٠). (٤) زاد في ((الكفاية)) (٥١): (وأنَّه ليس بمشَتقٍّ منْ قَدْر منها مَخْصُوص). (٥) زاد في ((الكفاية)) (في اشتقاق الاسم). (٦) ((الكفاية)) (٥١) بأطولَ ممّا هنا. وتَتِمَّتُه: ( .... واتَّصَل لِقاؤُه. ولا يُجْرُونَ ذلك على مَنْ لَقِي المَرءَ ساعةً ومَشَى معه خُطاً، وسَمِع منه حديثاً. فوجبَ لذلك أن لا يَجْرِيَ هذا الاسمُ فِي عُرفِ الاسْتِعْمَال إلَّا على مَنْ هذه حالُه. وِمَع هذا فإنَّ خَبرَ الثقةِ الأمينِ عنه مقبولٌ ومعمولٌ به وإنْ لم تَظُلْ صُحبتُه ولا سَمِع منه إلَّا حديثاً واحداً). (٧) لا أدري كيفَ جعلَ المصنفُ الخطيبَ صاحباً لأبي بكر البَاقِلَاني، وقد وُلِدَ = مَعْرِفَةُ الصَّحَابَة ١٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث التي اشتُقَّ منها الصحابيُّ لا تُحدُّ بزمنٍ، بل تقولُ: صَحِبتُه سنةً، وصحبتُه ساعةً)). ولذا قال النَّوَويُّ في ((مقدمة شرح مسلم)) - عَقِبَ كلام القاضي أَبِي(١) بكر -: ((وبه يُستَدلُّ على ترجيح مذهبِ المُحَدِّثين، فإنّ هذا الإمامَ قد نقلَ عن أهلِ اللغة: أنّ الاسمَ يتناولُ:َ صُحْبَةَ ساعةٍ. وأكثرُ أهل الحديثِ قد نَقَلُوا الاستعمالَ في الشرع والعُرفِ على وَفْقِ اللغة، فوجبَ المصيرُ إليه))(٢). قلتُ: إلَّا أنّ الإسلامَ لا يُشتَرَط في اللغة، والكفارُ لا يدخلون في اسم الصُّحْبة بالاتفاق وإنْ رَأَوْهُ وَّهِ. وقال ابنُ الجَوزي: ((الصحبةُ تُطلق ويرادُ مطلَقُها - وهو المرادُ في التعريف - وتأكيدُها بحيثُ يَشتَهِر به، وهي المُشْتَمِلَةُ على المُخَالَطَة والمُعَاشَرَةِ. فإذا قلتَ: فلانٌ صاحبُ فلانٍ. لمْ ينصرفْ - يعني عُرْفاً - إلَّا لِلْمُؤَّدةِ، کخادم فلان)»(٣). وقال الآمِدِيُّ: ((الأَشْبَهُ أنّ الصحابيَّ مَنْ رَآه)»(٤). وحكاه عن أحمدَ، وأكثرِ أصحابِنا. واختارَه ابنُ الحاجب أيضاً (٥)، لأنّ الصحبةَ تعمُّ القليلَ والكثير، فلو حلفَ أن لا يَصحَبَه حَنِثَ بلحظَةِ . ويشملُ الصحابيُّ: الأحرارَ، والمواليَ، والذكورَ، والإناثَ، لأنّ المرادَ به الجنسُ. الخطيبُ تَخْفُ سنة ٣٩٢، ومات البَاقِلَّاني - كما مضى قريباً - سنة ٤٠٣. ثم إنَّ النصَّ = المتقدمَ عن الباقِلَاني أوردَه الخطيبُ في ((الكفاية)) عن محمد بن عُبَيدِ الله المَالكي عنه. ومن حيثُ المذهبُ الفقهيُّ فالخطيبُ شافعيٍّ، والباقلاني مالكيٌّ. (١) في (س): وأبي. من الناسخ. (٢) (شرح النووي)) (٣٦/١). (٣) (تَلْقيحُ فُهُومِ أهلِ الأَثَرِ)) (١٠١) ولفظُه أَشملُ ممّا هنا، حيث قال - بعد أنْ ذكر بعضَ الأقوالِ في تَعريفِ الصحابي -: (وفَضْلُ الخطابِ في هذا البابِ أنّ الصحبةَ إذا أُطلقت فهي في المتعارَف تنقسم إلى قسمين: أحدهما أنْ يكونَ الصاحبُ مُعَاشِراً مخالِطاً كثيرَ الصحبة، فيقال: هذا صاحبُ فلان، كما يقال: خادمُه. لمن تكرَّرَتْ خدمتُه، لا لِمَن خَدَمَه يوماً أو ساعة. والثاني: أنْ يكونَ صاحباً في مُجَالَسَةٍ أو مُمَاشاة ولو ساعةً. فحقيقةُ الصحبةِ موجودة في حقه وإن لم يشتهر بها . (٤) الإحكام (٢/ ٩٢). (٥) ((مُنْتَهى السُول والأمل)) (٨١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١١ مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ ثم إنّ التعبيرَ في التعريفِ بالرُؤية هو في الغالب. وإلّ فالضريرُ الذي حضر النبيَّ نَّهِ - كابنِ أُمّ مكتوم، وغيرِه - مَعْدودٌ في الصحابة بلا تردُّدٍ، ولذا عَبَّرِ غيرُ واحدٍ باللقاءِ بَدَلَ الرُؤيةِ(١). وإنْ قيلَ: إِنَّها تكون من الرائي بنفسه، وكذا بغيرِهِ، لكنْ مَجَازاً، وكأنّه لَحَظَ شُمولَها بالقوة، أو بالفِعْل، وهو حَسَنٌّ. وأمَّا الصغيرُ غيرُ المُمَيِّزِ كعبدِ الله بن الحارث بن نَوْفل، وعبدِ الله بن أبي طلحةَ الأنصاريّ، وغيرِهما ممّن حنَّكه النبيُّ ◌َِّ ودعا له، ومحمدِ بنِ أبي بكر الصديق المولودِ قبل الوفاةِ النبوية بثلاثة أشهر وأيام فهو وإنْ لمْ تصحَّ نسبةُ الرؤيةِ إليه صَدَقَ أنَّ النبيَّ وَ رآه، ويكونُ صحابيّاً من هذه الحيثيةِ خاصّةً. وعليه مَشَى غيرُ واحدٍ ممّن صنّفَ في الصحابةِ خلافاً لِلسَّفَاقُسِي، شارحِ ((البخاري))(٢)، فإنّه قال في حديثٍ عبد الله بن ثَعْلَبَة بن صُعَير - وكان النبيُّ ◌َه قد مسح وجهَهِ عامَ الفتح(٣) - ما نصُّه: ((إنْ كان عبدُ الله هذا عَقَل ذلك، أو عَقَلَ عنه كلمةً كانتْ له صُحْبَةٌ، وإلَّا كانت له فَضِيلة، وهو في الطبقةِ الأُولى من التابعين)) (٤). وإليه ذهب العَلَائي حيثُ قال في بعضِهم: ((لا صُحبةً له، بل ولا رُؤيةَ، وحديثُه مرسلٌ))(٥). وهو وإنْ سُلِّم الحُكمُ لحديثِهم بالإرسال فإنّهم من حيثُ الروايةُ أتباعٌ، فهو فيما نفاه مخالفٌ للجمهور، وقد قال شيخُنا في ((الفتح)): (١) وهو اختيارُ الحافظِ حيثُ قال في مقدمة ((الإصابة)) (٧/١): (وأصحُّ ما وَقَفتُ عليه من ذلك أنَّ الصحابيَّ: مَنْ لقيَ النبيَّ بَ ◌َّ مؤمناً به، ومات على الإسلام). (٢) يعرفُ بابن التِّين. قال في ((هدية العارفين)) (٦٣٥/١): (عبدُ الواحدِ بنُ التِّينِ السَّفَاقُسِي، المغربيُّ المحدثُ المالكيُّ، له شرحُ ((الجامع الصحيح)) للبخاري في مجلدت. ولم يَذكر سنةً وفاته. (٣) أخرجه البخاري في ((المغازي)): باب: وقال الليث (٢٢/٨) معلَّقاً مَجْزُوماً به، ثم وَصلَه في ((الدعوات)): باب الدعاء للصبيان بالبَرَكة (١٥١/١١). (٤) ذكره عنه الزَرْكشي في ((البحر المحيط)) (١٩٣/٦). (٥) جاء مِثْلُ هذا في مواطنَ عِدَّةٍ من كتابه ((جامع التحصيل)) منها ما جاء في (ص٢٥٣) في ترجمة عبدِ الله بن الحارث بن نَوْفل بن الحارث المتقدم: (وُلِدَ على عهد النبي ◌َّ، فأُتِيَ به فحنَّكَه، ودعا له. ذكره ابنُ عبد البَرّ في الصحابة كذلك. ولا صحبةً له، بل ولا رؤية أيضاً، وحديثُه مرسلٌ قطعاً). ١٢ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَة فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ((إنّ أحاديثَ هذا الضربِ مَرَاسيلُ))، قال: ((والخلافُ الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاقَ الإسفرائيني - ومَنْ وافقه على ردِّ المراسيلِ مطلقاً حتى مراسيل الصحابة - لا يَجْري في أحاديثِ هؤلاء، لأنّ أحاديثَهم من قَبِيل مَرَاسيلٍ كبار التابعين، لا من قَبيل مراسيلِ الصحابةِ الذين سَمِعوا من النبيِ وَ﴿)). قال: ((هذا مِمّا يُلْغَزُ به فيقال: صحَابيُّ حديثُه مرسلٌ لا يقبَلُه من يقبلُ مراسيلَ الصحابة)) انتهى(١). وقد سبق في ((المُرْسل)) الإشارةُ إلى هذا. ولأجل اختيار عدِّ غيرِ المُمَيِّزِين في الصحابة كان في بيتِ الصِّدِّيق أربعةٌ من الصحابة في نَسَق، وَهُمْ: محمدُ بنُ عبدِ الرحمن بنِ أبي بكر بن أبي قُحَافَةَ، كما سيأتي - مع ما يلائمه - في ((روايةِ الآباءِ عن الأبناء))(٢) إنْ شاء الله تعالى. وكذا يدخلُ فيهم مَن رآه وآمنَ به من الجنِّ لأنّه بِّهِ بُعث إليهم قطعاً، وهم مكلَّفون، فيهم العُصَاةُ والطائِعُون. ولذا قال ابنُ حزم في ((الأقضية)) من ((المُحَلَّى)): ((قد أَعلَمَنَا اللهُ أنَّ نَفَراً من الجنِّ آمنوا، وسَمِعوا القرآنَ من النبيِنَّ فهُم صحابةٌ فُضَلاءُ))(٣)، وحينئذٍ يتعيَّن ذِكرُ مَنْ عُرف منهم في الصحابة. ولا الْتفاتَ لإنكار ابنِ الأثير على أبي موسى المَدِيني تخريجَه في الصحابة لبعضٍ مَن عَرفَه منهم، فإنّه لمْ يستَنِدْ فيه إلى حجة(٤). وهل يدخلُ من رآه ميتاً قبل أنْ يُدْفَن؟ - كما وقع لأبي ذُؤَيب الهُذَلي الشاعر إنْ صحَّ - قال العزُّ ابنُ جماعة: ((لا، على المشهور))(٥). وقال شيخُنا: («إنه محلُّ نَظَر، والراجحُ عدمُ الدخولِ، وإلَّا لَعُدَّ مَنِ اتفق أنْ يَرَى جَسَدَه المكرَمَ وهو في قَبْرِهِ المعظّم، ولو في هذه الأعصارِ، وكذلك مَنْ كُشِفَ له عنه من الأَوْلِياءِ فرآه كذلك على طريقِ الكَرَامَةِ (٦)، إذْ حُجَّةُ مَنْ أثبتَ الصحبةَ لِمَن (١) من ((الفتح)) (٤/٧). (٢) (ص١٥٢). (٣) ((المحلى)): (٥١٤/١٠). (٤) قاله الحافظُ في ((الفتح)) (٤/٧) وقبلَه العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٢٩٥). وانظر انتقادَ ابنِ الأثير لأبي موسى في ترجمة: عَمْرِو بنِ جابر الجِنِّي في ((أَسَد الغابة)) (٢٠٢/٣)، حيثُ قال: (أَوْرَدْنَاه اقتداءً بالحافظ أبي موسى ... وبالجُملَة فتركُه أَوْلِى، وإنما ذَكَرناه لأننا شرَظْنا أننا لا نُخِل بترجمة). (٥) يظهر أنه في كتابه: ((المنهج السوي في شرح المنهل الروي)). (٦) وهل ثَبَتَ ذلك الكَشْفُ بدليلٍ مُعْتَبَر فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٣ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَة رآه قبلَ دفنه أنه مُستَمِرُّ الحياة، وهذه الحياةُ ليستْ دنيويةً وإنما هي أُخروية لا تتعلقُ بها أحكامُ الدنيا، فإنّ الشُّهداءَ أحياءٌ ومع ذلك فإنّ الأحكامَ المتعلقة بهم بعد القَتل جاريةٌ على سَنَن غيرِهم من الموتى))، انتهى(١). وسبقه شيخُه المؤلِّفُ فمال أيضاً إلى المَنْع، فإنه قال في ((التقييد)): ((الظاهرُ اشتراطُ الرؤيةِ وهو حَيٍّ))(٢)، لكنَّه علَّله بما هو غيرُ مَرْضِيٍّ حيث قال: ((فإنه قد انقطعتِ النُّبوةُ بوفاته وَلِّ))(٣). ولذا لمّا أشارَ ابنُ جماعةَ إلى حكايتِه - مع إبهام قائِلِه ـ توقّف فيه، وقال: ((إنَّه محلُّ بَحْثٍ وتأمّل))(٤). بل أضربَ المؤلفُ نفسُه في ((شرحه)»(٥) عن التعليلِ به مُقْتَصِراً على الحُكْم فقط، وكأنَّه رجوعٌ منه عنه. وقال العَلَائي: ((إنّه لا يَبْعُدُ أنْ يُعطَى حُكْمَ الصُّحبةِ لشرف ما حصل له من رؤيته وَ﴿ قَبلَ دَفْنه، وصلاتِه عليه)). قال: ((وهو أقربُ مِنْ عَدِّ المُعَاصِرِ الذي لم يَرَه أَضْلاً فيهم، أو الصغيرِ الذي وُلِدَ في حياته)) (٦). وكذا قال البدرُ الزَّرْكَشي: ((ظاهرُ كلام ابنِ عبدِ البر: نَعَمْ، لأنه أَثْبَتَ الصُّحبةَ لِمَن أسلمَ في حياته وإنْ لمْ يَرَه))(٧)، يعني فيكونُ مَنْ رآه قبلَ الدفن أَوْلى. (١) من ((الفتح)) (٤/٧). (٢) ((التقييد والإيضاح)) (٢٩٥). (٣) عقد القاضي أبو بكر البَاقِلَّانِي فَضْلاً في كتابه: ((الإنصاف)) (٩٥) بعنوان: (مسألةٌ في ثبوتِ نبوة الأنبياءِ قبل المَوْت وبعدَه، والدليلُ على ذلك)، وممّا جاء فيه: (ويجب أنْ يُعلَمَ أنَّ نُبُوّاتِ الأنبياءِ صلوات الله وسلامه عليهم لا تبطُلُ ولا تَنْخَرِم بخروجِهم عن الدنيا، وانتقالِهم إلى دار الآخرة، بل حكمُهم في حالِ خروجهم من الدنيا كَحُكْمِھم في حالة نَوْمهم ... وقد غَلِطَ مَن نَسَبَ إلى مذهبِ المُحَقيين من الموحِّدِين إبطالَ نُبُوَّة الأنبياءِ لّ بخروجهم من دار الدنيا، وليس ذلك بصحيح، لأنّ مذهبَ المحقّقين: أنّ الرسولَ ما استَحَق شَرَفَ الرسالةِ بتأديةِ الرسالة، وإنَّما صار رسولاً واسْتَحَق الرسالةَ والنبوةَ بقول مُرْسِلِهِ - وهو الله تعالى -: أنَت رَسُولي ونَبِيِّي). انتهى. هذا وإنْ كان مرادُ العراقيِّ انقطاعَ الوَحْيِ وصِحَّةِ الخطابِ بوفاتِهِ وََّ، فهو أمرٌ ظاهرٌ. والله أعلمُ. (٤) يظهر أنه في كتابه ((المنهج السَوِيّ)) الذي مضت الإشارةُ إليه. (٥) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٥/٣). (٧) ((البحر المحيط)) (١٩٦/٦). (٦) ((كتاب تحقيق منيف الرتبة)) (٥٠). مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ ١٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وجَزَمَ البُلْقِينِيُّ بأنّه يُعَدُّ صحابياً، لحصولِ شَرَف الرؤية له، وإنْ فاته السماعُ. قال: ((وقد ذَكَرَه(١) في الصحابةِ الذهبيُّ في ((التجريد))(٢). وما جنح إليه شيخُنا مِن ترجيحِ عَدَمِ دخولِهِ(٣) قد سَبَقَه إليه الزَّرْكَشي فقال: ((الظاهرُ أنَّه غيرُ صحابيٍّ))، انتهى (٤). وعلى هذا فُيُزادُ في التعريف: ((قبلَ انتقالِهِ مِنَ الدُّنْيا))(٥). كذا لا يَدخُل مَن رآه في المنامِ كما جَزَمَ به الْبُلْقِيني (٦)، ثم شيخُنا (٧)، وإِنْ كان قد رآه حقًّا، فذلك فيما يرجِعُ إلى الأمور المعنويةِ لا الأحكام الدُّنْيوية، حتى لا يجبُ عليه أنْ يعملَ بما أَمَرَه به في تلك الحالةِ. بل جَزم البُلْقيني(٦) بعدم دخول مَن رآه ليلةَ الإسراءِ - يعني من الأنبياء والملائكةِ لَّلُ - ممَّن لم يَبْرُزْ إلى عالم الدنيا. وبهذا القيدِ دَخَلَ فيهم عيسى ابنُ مريمَ عظلّا. ولذا ذكرَه الذهبيُّ في ((تَجْرِيده))(٨) وتبعَه شيخُنا (٩)، ووجّهه باختصاصِه عن غيرِهِ من الأنبياءِ بكونه رُفِع على أحدِ القولَين حيًّا (١٠)، ويكونِهِ يَنْزِل إلى الأرض، فيقتلُ الدَّجَّالَ، ويحكمُ بشريعةِ محمدٍ وٌَ، فبهذه الثلاث(١١) يدخلُ في تعريف الصحابة. وجَعَلَ بعضُهم دخولَ الملائكةِ فيهم مَبْنيًّا على أنَّه: هل كَانَ مبعوثاً إليهم أم لا؟ وعلى الثاني مَشَى الحَلِيمِي(١٢)، وأقرَّه البيهقيُّ في ((الشُعَب))(١٣). بل (١) يعني أبا ذُؤَيب الهذليَّ. (٣) يعني دخولَ مَن رَأَى النبيَّ ◌َّهِ مَيْناً . (٢) (١٦٤/١) وسمّاه: خُوَيلِدَ بنَ الحارث. (٤) من ((البحر المُحيط)) (١٩٧/٦). (٥) في ظني أنه لا داعيَ لهذا القيدِ، لِمَا هو معروفٌ من أنَّه إذا قيل: رأى فلانٌ فلاناً. فُهِمَ منه رؤيتُه حيًّا. وإذا أرادَ رُؤيته بعدَ وفاتِه فإنَّه يُقَيِّدها بذلك، ولا يُطلِقُ. والله أعلم. (٦) في ((المحاسن)) (٤٢٣). (٧) في ((الفتح)) (٥/٧). (٨) ((تَجْريدُ الصحابة)) (٤٣٢/١). (٩) في ((الإصابة)) (٥١/٣). (١٠) جاء في حاشية (س) تعليقاً على ذلك قولُه: (هذا خطأُ منه حيثُ جَعل في رَفْعِه حيًّا خلافاً. وإنْ أرادَ الخلافَ من الكفّار فلا عبرةَ به) انتهى مع عدم وضوح كلمةٍ فيه. (١١) في حاشية (س): (وهي رؤيتُهُ وََّ، ورفعُه حيًّا، وبُروزُه للدنيا). (١٢) في ((المنهاج له)) (٢٤٦/١). (١٣) ((الجامع لشُعَب الإيمان له)) (٨٣/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٥ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ نقل الفَخْرُ الرَازِي في ((أَسْرَار التنزيلِ)) الإجماعَ عليه(١). وحكاه هو، والبرهان النَّسفي(٢) في ((تفسيرَيْهما))(٣)، ونُوزِعًا في ذلك. ورجَّح التقيُّ السُبْكِي مُقَابِلَهُ محتجًا بما يَطولُ شَرْحُه(٤). قال شيخُنا: ((وفي صِحَّةٍ بناءِ دُخُولِهم في الصحابة على هذا الأصلِ نَظَرٌ لا يَخفى)»(٥). وما قاله ظاهرٌ، لكنَّه خالفَه في ((الفتح)) حيث مشَى على البناءِ المشارِ إليه(٦). وهل يدخُل مَن رآه مِنْ مُؤْمِنِي أهلِ الكتاب قبلَ البعثةِ الشريفة؟ كزيدٍ بن عَمْرو بنِ نُفَيل الذي قال فيه النبيُّ وَّه: ((إنه يُبْعَث أمةً وَحْدَه))(٧)؟. الظاهر: لا، وبه جزم شيخُنا في مقدمة ((الإصابة)) (٨)، وزاد في التعريف الماضي: ((به)) ليخرجَه، فإنَّه ممن لقيه مؤمناً بغيره. (١) حكاه الحافظ في ((الإصابة)) (٧/١) عن الفَخْرِ الرَّازِي في ((أسرار التنزيل)). (٢) المُفَسِّر الأصولي محمدُ بن محمد. مات سنة ٦٨٧، ((الشذرات)) (٣٨٧/٥)، و ((الأعلام)» (٢٦٠/٧). (٣) يعني ((مفاتيح الغيب)) للرازي، و((الواضح في مختصر مفاتيح الغيب)) للنسفي. ((هدية العارِفين)) (١٣٦/٢). (٤) ووافقه السيوطي على اختياره في الحبائك (٢١١). (٥) ((الإصابة)) (٨/١). ووجهُه أنَّ التعريفَ المختارَ للصحابي ليس فيه اشتراطُ بَعْثِ النبيِّ إلیه. (٦) لفظُه في ((الفتح)) (٤/٧): (وأمَّا الملائكةُ فيتوقَّف عدُّهم فيهم على ثُبُوتِ بِعِثَتِه إليهم، فإنّ فيه خلافاً بين الأصوليين حتى نقلَ بعضُهم الإجماعَ على ثُبوته، وعكس بعضُهم) اهـ. هذا ويظهرُ لي عدم دخولِ الملائكةِ في مسمَّى الصحابي، وذلك لإطباق المترجمين للصحابة على عدم ذكرهم فيهم، ولاشتراطهم في تعريف الصحابي أن يلقاه وي ** مؤمناً به، وذلك الإيمان لا يكفي فيه مجرد التصديق بأنه نبي حق، بل لا بد معه من العمل بشريعته. والله أعلم. (٧) أخرجه النَّسائي. قاله الحافظُ في ((الفتح)) (١٤٥/٧) من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماءَ، وفي ((تحفة الأشراف)) (٢٤٩/١١): أنَّ النسائيَّ أخرجَ حديثَ أسماءَ عن الحُسَين بن منصور بن جعفر عن أبي أسامة به. وأخرجه أيضاً الطيالسيُّ في ((مسنده)) عن سعيد بن زيد نَُّه (ص٣٢)، وسندُ النسائيِّ صحيحٌ. (٨) (١/ ٧). مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ١٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث على أنَّ لقائلِ ادِّعاءَ الاستِغناءِ عن التَقْييدِ به بإطلاق وَصْفِ النُّبُوَّة، إذِ المُطلَق يُحمل على الكامِل. هذا مع أنَّ شيخَنا قد ترجم له في ((إصابته)) (١) تبعاً للبَغَوي، وابن منده، وغيرِهما - وترجَم ابنُ الأَثِير للقاسم ابنِ النبي ◌َِّ(٢) - بل وللطاهِرِ(٣) وعبدِ الله - أَخَوَيه - في القسم الثاني من ((الإصابة)»(٤). ومقْتَضاه: أنْ تكونَ لهم رؤيةٌ، لكنَّه ذَكَرَ أخاهم ((الطيبَ)) في ((الثالث)) منها(٥)، وفيه نَظَرٌ، خصوصاً وقد جَزَمَ هشامُ ابنُ الكلبي بأنّ عبدَ الله، والطاهرَ، والطيبَ واحدٌ اسمُه عبدُ الله. والطاهرَ والطيبَ: لقبان. ثم هل يُشتَرط في كونه مؤمناً به أنْ تقعَ رؤيتُه له بعد البعثة فيؤمنَ به حين يراه؟ أو بعد ذلك؟ أو يكفي كونُه مؤمناً به أنَّه سيبعث، كما في بَحِيراءَ(٦) الراهبِ، وغيرِهِ ممّن مات قبل أن يدعوَ النبيُّ وَّ إلى الإسلام؟ قال شيخُنا: ((إنَّه محلُّ احتمال))(٧)، وذَكَر ((بَحِيراءَ)» في القسم الرابع من ((الإصابة)) (٨)، لكونِه كان قبلَ البعثةِ، وأمَّا وَرَقَةُ فَذَكره في ((القسم الأول))(٩) لكونه كان بعدَها قبلَ الدَّعوةِ، مع أنّه أيضاً لمْ يَجْزِمْ بِصُحبته بل قال: ((وفي إثباتِها له نَظَر))(١٠) . على أنَّ((شَرْحَ النُّخْبَةِ)) ظاهرُه: اختصاصُ التوقُّفِ بِمَن لم يدركِ البعثةَ، فإنّه قال: ((وقولُه: ((به)) هل يُخرِجُ مَن لَقِيَه مؤمناً بأنه سيُبَعث، ولم يُدركِ البعثةَ؟ فيه نظر))(١١). وخَرج بقوله: ((مُسْلِماً)) مَنْ رآه بعدَها لكن حالَ كونِه كافراً، سواءٌ أسلمَ (١) (٥٦٩/١) في القسم الأول من حرف الزاي، ثم ذكره في القسم الرابع. (٣) يعني: بل ترجمَ شيخُنا للطاهرِ إلخ. (٢) ((أَسَد الغابة)) (٧٧/٤). (٤) أمَّا الطاهرُ ففي (٢٣٦/٢). وأما عبدُ الله ففي (٥٧/٣). (٥) (٢٣٧/٢). (٦) قال في (تاج العروس)) بحر: ( ... وبَحِيراءُ الراهبُ كأمِيرٍ ممدوداً ... وأمَّا تصغيرُه فَغَلَظُ کما صرَّحوا به) انتهى. وجاء في (ح) بضمّة على الباء الموحدة وهو غَلَط. (٧) ((الإصابة)) (٧/١). (٩) ((الإصابة)) (٦٣٣/٣). (١١) ((النزهة)) (٥٦). (٨) (١٧٦/١). (١٠) (المصدر السابق - ٣ /٦٣٤). فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ١٧ مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ بعد ذلك في حياته. أم بعدَها إذا لمْ يَرَهُ بعدُ، وعُدُّوا مِن جُملة المخضرمين، ومَراسِيلُهم يَطرقُها احتمالُ أن تكونَ مسموعةً لهم من النبي ◌ِِّ حِينَ رؤيتهم له. على أنَّ أحمدَ خرَّج في ((مسنده))(١) حديثَ رَسولِ قَيْصَرَ، مع كونِه إنَّما رأى النبيَّ وَّهِ في حالِ كَفُره. وكذا ترجمَ ابنُ فَتْحُونَ في ((ذيله)) لعبد الله بن صَيّاد إنْ لم يكن هو الدجالَ، وقال: ((إنّ الطبريَّ - وغيرَه - ترجَم له هكذا (٢)، وهو إنَّما أسلمَ بعدَهُ وََّ(٣). نعم، قال شيخُنا: ((ينبغي أنْ يُعَدَّ مَنْ كان مؤمناً به زَمَن الإسراءِ - إنْ ثبت أنه وَ ◌ّ كُشِفَ له في ليلته عن جميعٍ مَن في الأرض فرآه - في الصحابة وإنْ لم يَلْقَه، لحصولِ الرؤيةِ من جانبه ◌َِّ(٤)). ويَرِدُ على التعريفِ مَن رآه مؤمناً به، ثمّ ارتدّ بعد ذلك، ولم يَعُدْ إلى الإسلام فإنه ليس بصحابيٍّ اتِّفاقاً، كعُبَيدِ الله بنِ جَحْش، ومِقْيَسِ بنِ صُبَابَة، وابنِ خَطَلَ، وحينئذٍ فيُزَادُ فيه: ((ومات على ذلك))(٥). على أنَّ بعضَهم انتزعَ مِن قول الأشعري: ((إنَّ مَن مات مرتدًّا تبيَّن أنّه لمْ يَزَلْ كافراً، لأنَّ الاعتبارَ بالخاتمة))(٦) صِحَّةَ إخرَاجِه؛ فإنَّه يَصِحُّ أنْ يقالَ: لم يَرَهُ مؤمناً. لكنْ في هذا الانتزاع نَظَرٌ، وإنْ تضمّنَ مخالفةَ شيخِنا المَحَلِّي (٧) المؤلِّفَ في التَّقْييد بموته مؤمناً(٨) موافقةَ الانتزاع، لأنه حينَ رؤيتِه كان مؤمناً (١) (٤ / ٧٤) . (٢) ذكر ذلك العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٦/٣). (٣) لكن يشهد لعدم صحبته ذكر ابن حجر له في القسم الرابع من حرف العين من كتابه، الإصابة (١٣٣/٣). (٤) ((النزهة)) (٥٧)، والظاهر: عدم ثبوت ذلك الكشف. (٥) ذكر ذلك الحافظ في الفتح (٧/ ٤) واشترطه في النخبة والنزهة (٥٥). (٦) عَزَاه للأشعريِّ: العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٢٩٢). (٧) الجَلَال محمدُ بنُ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ. إمامٌ مُتَفَنِّنٌ، مات سنة ٨٦٤. ((الضوء اللامع» (٣٩/٧). (٨) قيّده المؤلفُ العراقيُّ بذلك في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣/٣)، و((التقييد والإيضاح)) (٢٩٢). مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ ١٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث في الظاهر، وعليه مدارُّ الحكم الشرعي فيسمَّى صحابيًّا، وحينئذٍ فلا بُدَّ من القيدِ المذكورِ . وما وقع لأحمدَ في ((مسنده)) مِن ذِكْر حديث ربيعةً بنٍ أُميَّة بنِ خَلَف الجُمَحِي(١) - وهو ممّن أسلمَ في ((الفتح))، وشَهد مع النبيِّ لَّهَ حَجَّةَ الوَدَاعِ، وحدّث عنه بعد موتِهِ، ثم لَحِقَه الخذلانُ، فلحقَ في خلافةِ عُمرَ بالروم، وتنصَّر بسبب شيءٍ أَغضبَه - يُمْكِنُ توجيهُهُ بعدمِ الوقوفِ على قِصَّة ارْتِدَادِهِ. وقد قال شيخُنا ما نصُه: ((وإخراجُ حديثٍ مثل هذا - يعني مُطْلقاً - في ((المسانيدِ)) وغيرِها مُشكلٌ. ولعلَّ مَن أخرجه لم يقف على قصة ارتداده))(٢). فلو ارتدَّ، ثم عاد إلى الإسلام لَكِنْ لمْ يَرَهُ ثانياً بعد عَوْدِهِ فالصحيحُ أنه معدودٌ في الصحابةِ، لإطباقِ المُحَدِّثين على عدِّ الأَشْعَثِ بنِ قَيْس، ونَحْوِهِ - كقُرَّةَ بنِ هُبَيرة - ممّن وقع له ذلك فيهم، وإخراجِ أحادِيثِهم في ((المسانيدِ)) وغيرها . وَزَوَّجَ أبو بكرِ الصديقُ أُخْتَه للأشعثِ. وقيل: لا، إذِ الظاهرُ أنّ ذلك يَقطَع الصُّحْبةَ وفَضْلها، فالرِدّةُ تُحْبُطُ العملَ عند عامّة العلماء كأبي حنيفةَ، بل نَصَّ عليه الشافعيُّ في ((الأم))(٣)، وإنْ حكى الرافعيُّ عنه تقييدَه باتّصالِها بالمَوت (٤). وقيَّد بعضُهم كونَه حينَ الرُّؤيةِ بالغاً عاقلاً. حكاه الواقدي عن أهل العلم فقال: ((رأيتُ أهلَ العلم يقولون: كلُّ مَنْ رَأَى رسول الله وَّهَ، وقد أدرك الحُلُمَ فأسلمَ، وعَقَلَ أمرَ الدِّينِ، وَرَضِيَهُ فهُو عندنا ممّن صَحِبَ النبيَّ وَّهِ ولو ساعةً (١) ليس لربيعة بن أمية حديث في ((مسند أحمد)). (٢) ((الفتح)) (٤/٧). وقد ترجم لربيعةَ هذا في الصحابةِ جماعة منهم: البَغَوي، وابنُ شاهين، وابنُ السَّكَن، والبَاوَرْدِيُّ، والطَّبَرانِي، وابنُ منده، وأبو نُعَيم. ذَكَر ذلك الحافظُ ابنُ حجر في «الإصابة)) (١/ ٥٣٠) في ترجمةِ ربيعةً في القسمِ الرابع من حَرْف الراء . (٣) (١/ ٧٠). (٤) جاء في حاشية (س) تعليقاً على هذا ما يلي: (ولذا كان الصحيحُ أنه لا يُعيد الحجَّ مَنْ حَجَّ قَبْل ارْتِدَادِهِ). وما عزاه للرافعيِّ قاله العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤/٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٩ مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ من نهار))(١). والتقييدُ بالبُلُوغ - كما قال المؤلِّفُ - شاءٌّ(٢)، وهو يُخْرج نحوَ محمودٍ بن الرَّبِيع، الذي عَقَل عن النبيِِّ مَجَّةً(٣)، وهو ابنُ خَمْس سنين مع عَدِّهم إيّاه في الصَّحَابة. ولم يَتَعَقَّبْ تَقْيِيدَه بالعقل، وهو كذلك في المجنون المُطْبِقِ سواءٌ البالغُ السابقُ إسلامُه دونَ رؤيتِهِ، أو الصغيرُ المحكومُ بإسلامه تبعاً لأَبَويه. ولذا زِدْتُه. وكأنَّ عدمَ التصريحِ به لفَقْده. نَعَم، المُتقطّعُ لا مانعَ من اتصافِهِ بها إذا رآهُ في حالٍ إفَاقَتِهِ، لِإِجْرَاءِ الأحكام عليه حينئذٍ، ووَصِفِهِ بالعدالة إذا لم يُؤَثِّرِ الخَلَلُ في إفَاقَتِهِ. وبعضُهم كونَه مُمَيِّزاً، كما تقدّم. (وقيل): إنّه لا يَكفي في كونِه صحابيًّا مُجَرَّدُ الرُؤيةِ، بل لا يكون صحابيًّا إلّا (إِنْ طالت) صُحبتُه للنبيّ وَّةِ، وكثُرتْ مجالَستُه معه على طريق التَّبع له، والأَخْذِ عنه. وبه جزم ابنُ الصَّاغْ في ((العُدَّة)) فقال: ((الصحابيُّ هو الذيَ لَقِيَ النبيَّ وَُّ، وأقامَ معه، واتَّبَعه، دونَ مَن وَفَد عليه خاصةً، وانْصَرَفَ مِن غيرِ مُصاحبةٍ ولا متابَعةٍ (٤). وقال أبو الحُسَين في ((المُعْتَمَدِ)): ((هو مَن طالتْ مجالستُه له على طريق التَّبَع له، والأَخْذِ عنه، أمَّا مَن طالتْ بدون قَصْدِ الاتِّبَاعِ، أو لمْ تَطُل كالوافِدين (٥) فلا)) (٥). وقال إِلْكِيَا الطَبَرِي(٦): ((هو مَن ظهرتْ صحبتُه لرسولِ اللهِ وَ ل صحبةً (١) ((الكفاية)) (٥٠). (٢) في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٩/٣). (٣) أخرجه البخاري في ((العلم)): باب متى يَصِحّ سَمَاعُ الصغير (١٧٢/١) عن محمودٍ. (٤) ذَكَره عنه أيضاً العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٧/٣). (٥) ((المُعْتَمَد في أصول الفقه (١٧٢/٢) لشيخ المعتزلة أبي الحُسَين محمدِ بنِ علي البصري. مات سنة ٤٣٦ ((تاريخ بغداد)) (١٠٠/٣)، و((السير)) (٥٨٧/١٧). (٦) إلْكِيًا: بكسر الكاف، وفتح المثناة التحتية، وهو في اللغة العجمية: الكَبِيرُ القَدْرِ المقدّمُ بين الناس. ((الوفيات)) (٢٨٩/٣). وهو أبو الحَسَن عليُّ بنُ محمدِ بنِ علي الهَرّاسِي فقيه شافعي. مات سنة ٥٠٤. ((السير)) (٣٥٠/١٩). مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ ٢٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث القَرِين قَرِينَهُ حتى يُعدَّ مِن أحزابِهِ، وخَدَمِهِ المُتَّصِلِينَ به))(١). قال صاحبُ (الواضح)) (٢): ((وهذا قولُ شيوخِ المُعْتَزِلة))(٣). وقال ابنُ فُورك: ((هو مَنْ أَكثرَ مجالستَه واختصَّ به، ولذلك لم يُعَدَّ الوافِدُون من الصحابة)»(٤) في آخرِين من الأصوليين، بل حكاه أبو المظفَّرُ السَّمْعاني عنهم، وادَّعى أنَّ اسمَ الصحابي يقعُ على ذلك من حيثُ اللغةُ والظاهرُ، وأنّ المُحَدثين توسّعوا في إطلاق اسم الصُّحبة على مَن رآه رؤيةً لِشَرَف مَنزلَتِهِ وَلِّ حيث أَعْطَوْا لكلِّ مَن رآه حُكْمَ الصُّحبةِ، ولهذا يُوصَفُ مَن أطالَ مجالسةَ أهلِ العلم بأنَّه مِن أصحابِه)) (٥). وما حكاه عن الأصوليين إنّما هو طريقةٌ لبعضِهم، وجمهورُهم على الأوّلِ . وكذا دعواهُ ذلك لغةً يردُّه حكايةُ القاضي أبي بكر البَاقِلَّاني عنهم بدون اختلافٍ، لكنَّه(٦) قال: ((وَمَعَ هذا - يعني إيجابَ حُكْم اللَّغَةِ إجرَاءَ الصُّحْبة على مَنْ صِحِب النبيَّ وَّ﴿ ولو ساعةً - فقد تقرّر للأئمةِ عُرَفٌ في أنَّهم لا يستعملونَه إلَّا فيمَن كثُرت صحبتُه، واتَّصلَ لِقاؤُه، ولا يُجْرُون ذلك على من لَقِيَ المرءَ ساعةً، ومشَى معه خُطاً، وسَمِعَ منه حَديثاً، فوجبَ لذلك أنْ لا يَجْرِي(٧) في عُرفِ الاستِعمَال إلا على (٨) مَن هذا حالُه))، انتهى(٩). (١) ذكره عنه الزركشيُّ في ((البحر المحيط)) (١٩٢/٦). (٢) أي ((الواضح في أصول الفقه))، وصاحبُه هو: أبو الوَفَاء عليُّ بنُ عَقِيل. عُرِفَ بابنٍ عَقِيل، شيخُ الحَنَابلة في وقته. مات سنة ٥١٣. ((طبقات الحنابلة)) (٢٥٩/٢)، و((السير)) (١٩/ ٤٤٣). (٣) ذكره عنه أيضاً الزركشيُّ في ((البحر المحيط)) (١٩٢/٦). (٤) ذكره عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) (١٩١/٦). (٥) في حاشية (س): أي المُجَالَسِ. وكلامُ السمعاني في ((قَوَاطِعِ الأدلّة)) (٤٨٨/٢). (٦) أي الباقلاني. (٧) مضت الإشارة (٤٦٨/٣) إلى أنَّه قَدْ سَقَطَ من نُسخة (م) من قوله: (ظن) هناك إلى قولهِ هنا: (يجري). (٨) في (ح): من على. من الناسخ. (٩) ((الكفاية)) (٥١). وقد مضى كلامُ البَاقِلَّاني (ص٩) من هذا الجزء.