Indexed OCR Text

Pages 301-320

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٠١
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
أنْ تَرْوِيَها عني - أو نحو ذلك - فاستُجِيب دعاؤُه، ومات الشريفُ عن قُرْب(١).
لا سيما والمجلسُ إذا طال كان للشيطان فيه نصيب(٢)، كما قَدَّمته مع
شيء مما يلائمه في الباب قبلَه.
وينبغي أن يكونَ للشيخ علامةٌ يتنَبَّه بها الطالبُ للفراغ، كما جاء عن
الأعمش أنَّ إبراهيمَ النخعي كان إذا أرادَ أنْ يَقْطعَ الحديث مَسَّ أَنْفَه، فلا
يطمعُ أحدٌ أن يسألَه عن شيء.
وكان الحسنُ البصري يقول: ((اللهم لك الشكر))(٣).
ولا تستعمل ما قاله بعضُ الشعراء:
سَلِساً يَلْتَقِيكَ بِالرَّاحَتَيْنِ
أَغْنِتِ(٤) الشيخَ بالسؤالِ تَجِدْهُ
وإذا لَمْ تَصِحْ صِيَاحَ الثَّكَالَى رُحْتَ عنهُ وأَنْتَ صِفرُ اليَدَينِ (٥)
(ولا تكن) أيها الطالبُ (يمنعك التكبُّر، أو الحَيَا) - بالقصِر - (عن طلب)
لِمَا تفتقرُ إليه من الحديث والعلم، فقد قال مجاهدٌ - كما علَّقه البخاري نِّي
((صحيحه)) (٦) عنه -: ((لا ينال العلمَ مُسْتَحْي - بإسكان الحاء - ولا مُتَكَبِّر)).
وأراد بذلك تحريضَ المتعلمينَ علىَ تَركِ العَجز، والتكبّر، لما يُؤَثر كلٌّ
منهما من النقصٍ في التعلم.
٧١٧
ورُوِّينا في ((المجالسةِ)) للدِّينَوَرِي(٧) عن الحسن أَنَّه قال: ((مَنِ اسْتَتَرَ عن
(١) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٢٩/٢).
(٢) قاله الزهري. ((الجامع)) (١٢٨/٢).
(٣) أخرجها في ((المحدث الفاصل)) (٥٨٧) - ومن طريقه الخطيب في ((الجامع)) (٤١٥/١) - معزوةً
إلى محمد بن سيرين. وأَخْرَجًا أن الحسن كان يقول: (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
(٤) في (س) و(ح) و(م): (أغثث) بمعجمة ثم مثلثتين. والمُثبتُ من (الأزهرية)، و((الاقتراح)).
وقال في (حاشية س): (الإغثاث: الإلحاح) انتهى، وصوابه: (أعنتِ): بمهملة ثم نون ثم مثناة
فوقية من (العَنَت) وهو المشقة الشديدة. ((القاموس)): عنت. والمراد أَتْعِبِ الشيخَ وشُقَّ عليه بكثرة
الأسئلة، ويمكن أن يكون صوابه: (أَغْتِت) بمعجمة ثم مثناتين فوقيتين كما في ((المحدث الفاصل))
(٣٦١) من الغَتّ، وهو اتباع القولِ القولَ. انظر: ((معجم تهذيب اللغة)) و((اللسان)) وغيرهما .
(٥) أورد ابنُ دقيق في ((الاقتراح)) (٢٨٢) هذين البيتين: مَعْزُوَّةً لبعضٍ الشعراء، ولم يُسَمّه وعزاهما
في ((المحدث الفاصل)) لعبد الله بن المبارك يقولهما لمن رآه ساكتاً لم يسأله عن شيء، وقبلهما:
إنْ تَعلَّيتَ عن سؤالك عبدَ الله
(٦) في العلم: باب الحياء في العلم (٢٢٨/١).
ترجعْ إذنْ بخُفّيّ حُنين
(٧) الفقيه المحدث أبو بكر أحمدُ بن مروانَ المالكي مصنفُ كتاب ((المجالسة)) اختلف في =

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٠٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
طلب العلم بالحياءِ لَبِسَ الجهلَ سِرْبَالًا، فقَطّعوا سرابيلَ الحياء، فإنه مَنْ رَقَّ
وجهُه رَقَّ علمُه))(١) .
ولا ينافي ذلك كَوْنَ الحياءِ مِنَ الإيمان(٢)، لأنَّ ذاك هو الشرعيُّ الذي
يقعُ على وجهِ الإجلال والاحترام للأكابر، وهو محمودٌ. والذي هنا ليس
بشرعي، بل هو سَبَبٌ لتَرك أمرٍ شرعي، فهو مذموم.
ورُوِّينا عن عُمر بن الخطاب وابنِهِ ﴿ّ أنهما قالا: ((من رَقَّ وجهُه رق
علمُه))(٣). ويُفَسره قولُ بعضهم: ((مَن رقَّ وجهُه عند السؤال رقَّ علمُه عند
الرجال» (٤).
ومنه قولُ علي: ((قُرِنَتِ الهيبةُ بالخَيبة))(٥).
وعن الأصمعي قال: ((من لم يَحْتَمِلْ ذُلَّ التعليم ساعةً بَقِي في ذلِّ الجهلِ
أَبَداً)) (٦) .
أسندَه ابنُ السمعاني فيمن اسمه إبراهيم من ((ذَيله على تاريخ بغداد))(٧).
ونظمه شيخُنا فقال:
عَنِ الأصمعيْ جاءتْ إلينا مَقَالٌ تُجَدِّدُ بالإحسان في الناسِ ذِكْرَه
وإلَّا فَفِي ذُلِّ الجهالةِ دَهْرَه
مَتَى يحتَمِلِ ذُلَّ الثَّعلُّم ساعةً
(واجتَنِب) أيها الطالب (كَتْمَ السماع) الذي ظفرتَ به لشيخ معلوم، أو
سنة وفاته، فقيل: سنة ٢٩٣، وقيل: ٢٩٨، وقيل: ٣١٠، وقيل: بعد ٣٣٠. ((السير))
(٤٢٧/١٥)، و((لسان الميزان)) (٣٠٩/١)، و((حسن المحاضرة)) (٢٠٨/١).
(١) ((عيون الأخبار)) (١٢٣/٢) و((الجامع)) لابن عبد البر (٩١/١)، وقوله: (فإنَّ مَنْ رَقَّ
وجهُه رقَّ علمُه)، سيأتي من قولِ عُمر بن الخطاب
پئه .
(٢) كما أخرجه البخاري في ((الإيمان)): باب الحياءِ من الإيمان (٧٤/١) ومسلمٌ في
((الإيمان)): باب بيان عدد شعب الإيمان ... (٦٣/١) من حديث ابن عُمر.
(٣) أخرجه عن عمر: الدارمي في المقدمة (١٣٧/١)، والبيهقي في ((المدخل)) (٢٨١)،
وعن ابنهِ: الفَسَوِيُّ في ((المعرفة)) (١١٣/٣)، والخطيبُ في ((الفقيه والمتفقه)) (٢/
١٤٤)، والبيهقي في ((المدخل)) (٢٨٠).
(٤) ((الجامع)) لابن عبد البر (٩١/١).
(٥) ((عيون الأخبار)) (١٢٣/٢)، ومعناه: أي من هاب السؤال عما يشكل عليه خاب.
(٦) أخرجه البيهقي في ((المدخل)) (٢٧٨).
(٧) وأسنده ابن السمعاني أيضاً في ((أدب الإملاء)) (١٤٥) من طريق البيهقي.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٠٣
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
كتمَ شيخ اختصصتَ بمعرفته عمّن لم يطلعْ على ذلك من إخوانك الطلبةِ رجاءً
الانفرادِ به(١) عن أضرابك (فهو) أي الكتمُ (لؤمٌ) مِن فاعله يقعُ مِن جَهَلَة الطلبة
الوُضَعَاءِ كثيراً، ويُخاف على مُرتكبه عدمُ الانتفاع به، إذْ بركة الحديث إفادتُه،
ويِنَشْرِه يَنْمِي ويَعُمُّ نفعُه.
قال مالك: (بَرَكُ الحديث إفادةُ الناسِ بعضِهم بعضاً»(٢). وقال ابنُ
المبارك: ((أولُ منفعةِ الحديثِ أنْ يُفيدَ بعضُكم بعضاً)(٣).
وعن الثوري أنه قال: ((يا معشرَ الشباب تعجّلُوا بركةَ هذا العلم، فإنكم
لا تَدْرُون لعلكم لا تبلُغون ما تَأُمُلُون(٤) منه، لِيُفِدْ بعضكم بعضاً))(٥) .
ومعلومٌ أنَّ الدينَ النصيحةُ. بل يُروَى - كما عند الخطيب في ((جامعه))،
وأبي نُعَيم في ((رياضة المتعلِّمِين)) - عن ابن عباس مرفوعاً: ((يا إخواني
تَنَاصَحُوا في العلم، ولا يَكْتُمْ بعضُكم بعضاً، فإنَّ خيانةَ الرجل في علمه
كخيانته في ماله، والله سائلُكم عنه)). وهو عند أبي نُعَيم في ((الحِلْية)) بلفظ:
((فإنَّ خيانةً في العلم أشدُّ من خيانةٍ في المال)»(٦).
(١) في (س): بها. من الناسخ.
(٢) أخرجه ابن عدي في مقدمة ((الكامل)) (١٠٣/١)، ومن طريق البيهقي في ((المدخل)) (٣٥١).
(٣) («الحلية)) (١٦٦/٨)، والجامع)) (١٥٠/٢).
(٤) في (م) و((الجامع)) (٢/ ١٥٠): (تُؤمِّلون). وهما بمعنى.
(٥) ((الجامع)) (١٥٠/٢).
(٦) أخرجه أبو نُعَيم في ((الحلية)) (٢٠/٩) كما قال السخاوي، وفي سنده: يحيى بن سعيد
الحِمصي العطار قال فيه ابنُ حبان في ((المجروحين)) (١٢٣/٣): ((كان ممن يروي
الموضوعاتِ عن الأَثْبَات والمُعضِلاتِ عن الثقاتِ، لا يجوز الاحتجاج به .. ))، ثم
نقلَ عن يحيى بن مَعين أنه قال: ((ليس بشيء)). وقال ابنُ عدي في ((الكامل)) (٧]
٢٦٥١): ((وهو بَيّن الضعف)) ونقل قبل ذلك عن السَّعدي قولَه فيه: ((منكر الحديث))،
ونقل الذهبي في («الميزان)) (٣٧٩/٤) توثيقَه عن ابنِ مُصَفَّى، وتَجْوِيزَ حديثهِ عن أبي
داود، ثم الأقوالَ في تضعيفه ومنها قولُ ابنِ خُزيمة: ((لا يحتج به)).
وأخرجه أيضاً الخطيبُ في ((تاريخ بغداد)) (٣٥٧/٦، ٣٨٩) من طريق عبد القدوس بن
حَبيب الكَلَاعِي عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً. وأخرجه أيضاً في ((الجامع)) (١/
١٤٩، ١٥٠) من طريق عبد القدوس الكَلاعي ومن طريق أبي سعد البقّال كلاهما عن
عكرمة به، فأما عبد القدوس فيقولُ فيه النسائي في ((الضعفاء والمتروكين)) (١٦٤):
((متروك الحديث)). وقال ابن حبان في ((المجروحين)) (١٣١/٢): ((كان يضع الحديث =

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٠٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ولهذا قال الخطيب: ((والذي نستحبه إفادةُ الحديث لمن لم يسمعْه،
والدلالةُ على الشيوخ، والتنبيه على رواياتهم، فإنَّ أقلَّ ما في ذلك النصحُ
للطالب، والحفظُ للمطلوب مع ما يُكْتَسب به من جزيل الأجر، وجميل
الذكر))(١) .
وأَغرَبَ ابنُ مَسْدِي فحكى عن ابنِ المُفَضَّل أنه كان يختار سَماعَ العالي
لنفسه. وأن أبا الربيع بنَ سالم(٢) كتب إلى السِّلَفِي يطلب منه أنْ يستجيزَ له
بقايا ممّن يروي عن أصحاب الخطيب، فكتب إليه بانقراضِهم قبل الستمائة.
وليس كذلك، فآخرُهم كان في سنة ثلاثَ عشرة وستمائة. قال: وهكذا
رأيتُ نُبَلَاءَ أصحابه بـ((مصر)) و((إسكندرية)) يَغَارُون على هذا أشدَّ الغَيْرة، ما خلا
الأسعدَ بنَ مُقَرِّب(٣)، فإنَّه كان مُفيداً.
على الثقات، لا يحل كتابةُ حديثه ولا الرواية عنه))، وقال ابن عدي في ((الكامل)) (٥٪
=
١٩٨١): ((ولعبد القدوس عن عكرمة عن ابن عباس غيرُ حديثٍ منكر ... له أحاديثُ
غيرُ محفوظة، وهو مُنكَر الحديث إسناداً ومتناً)).
وأما أبو سعد البقال وَاسْمُه سعيدُ بنُ المَرْزُبَان، فقال فيه النسائي في ((الضعفاء
والمتروكين)) (١٢٧): ((ضعيف))، وقال ابنُ حبان في ((المجروحين)) (٣١٧/١): ((كثيرٌ
الوَهَم، فاحش الغلَطَ، ضعَّفه يحيى بنُ معين))، وقال ابن عدي في ((الكامل)) (٣/
١٢٢٢): ((وهو في جُملة ضعفاء الكوفة الذين يُجمع حديثهم ولا يترك)). وقال الذهبي
في («الميزان)) (١٥٨/٢): «تركه الفَلَّاس، وقال ابنُ معين: لا يكتب حديثُهُ، وقال أبو
زرعة: صدوق مدلِّسٌ، وقال البخاري: منكر الحديث)).
فالحديث ضعيف جداً، وقد أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢٣١/١) وقال:
((تفرد به عبد القدوس .. ))، وقد مر آنفاً أنه رواه معه أيضاً أبو سعد البقال. والله أعلم.
تنبيه: البقَّال: بالموحدة وبعدها قاف. وجاء في المطبوع من ((الضعفاء والمتروكين))
للنسائي: النفال. بنون ثم فاء. وهو تصحيف.
ومسألة نَشْرِ العلمِ وعدم كتمانه معلومةٌ أدلَّتُها من الكتاب والسنة.
(١) ((الجامع)) (١٤٥/٢).
(٢) هو الإمام الحافظ سُلَيمانُ بنُ موسى بن سالم بن حسان الحميري الكلاعي من أهل
الأندلس (٥٦٥ - ٦٣٤هـ). ((التكملة لوفيات النقلة)) (٤٦١/٣)، و((التذكرة)) (٤/
١٤١٧)، و((السير)) (١٣٤/٢٣).
(٣) هو محدث الإسكندرية أسعدُ الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن مُقرِّب الكندي مات
سنة ٦٤٣، ((السير)) (٢١٥/٢٣)، و((الشذرات)) (٢٢٠/٥).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٠٥
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
وعندي في هذا توقّف كبير(١)، وقد أشرتُ لرد ما نَسَبَه ابنُ مَسْدِي إليهما
أيضاً مما يشبه هذا في ((كتابة التسميع))(٢).
وكذا اجتنبْ منعَ عَارِيَّة الجُزْء، أو الكتابِ المسموع للقراءة فيه، أو
السماع والكتابة منه، لا سيما حيث لم تتعدَّدْ نُسَخُه، فإنها تتأكد لقوله وَله:
((مَنْ كتمَ عِلماً يعلمه أُلْجِمَ بِلِجَامٍ من نار))(٣)، فهو شاملٌ لهذا.
وهذه العارية: غيرُ الماضيةِ في («كتابة (٤) التسميع))، فتلك مضى الكلام
فيها(٥)، مع الحكاية عن كلٍّ من إسحاقَ بن راهويه وابن الصلاح أنه قال: ((قد
رأينا أقواماً مَنَعوا هذا السماعَ، فوالله ما أفلحوا ولا أنجحوا))(٦)، ونحوُه قولُ
من تأخر عنه أيضاً: ((ولقد شاهَدْنا جماعةً كانوا يستَأْثِرون بالسماع، ويُخْفون
الشيوخَ، ويمنعون الأَجْزاءَ والكتبَ عن الطلبة فحرمهم الله قصدَهم، وذهبوا
ولم ينتفِعوا بشيء)).
وكذا أقولُ: وكيف لا، وقد قال وكيعٌ: ((أول بركة الحديث إعارةُ
الكُتُب))(٧)، اللهم إلَّا أنْ يكتمَ عمّن لم يَرَهُ أَهلاً، أو يكونَ ممّن لا يقبلُ
الصوابَ إِذا أُرشد إليه، ونحو ذلك، كما فعله السلف الصالح (٨).
(١) لمكانة الإمام السِّلَفِي من الصدق والأمانة.
(٢) (ص٩٣ - ٩٤).
(٣) أخرجه أبو داود في العلم: باب كَرَاهِيةِ مَنْع العلم (٦٧/٤)، والترمذي في العلم: باب
ما جاء في كِتْمان العلم (٢٩/٥)، وابن ماجه في المقدمة: باب مَنْ سئل عن علم
فكتمه (٩٦/١)، وأحمد (٢٦٣/٢، ٣٠٥، ٣٤٤، ٣٥٣)، كلهم من طريق علي بن
الحَكم عن عطاء بن أبي رَبَاح عن أبي هريرة بنحوه، وقال الترمذي: ((حديث حسن)).
وأخرجه الحاكم (١٠١/١) لكن قال: ((عن علي بن الحكم عن رجل عن عطاء ... ))
وكان قد أخرجه قبل ذلك من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن أبي هريرة، وقال: ((هذا
الإسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي.
وأخرجه الحاكم (١٠٢/١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وقال: ((هذا إسنادٌ
صحيح من حديث المصريين على شرط الشيخين وليس له علة»، ووافقه الذهبي.
(٤) في (س): كتاب.
(٥) (ص٩٨) وهي إعارة الجزء للشخص الذي أُثبت سماعُه فيه.
(٦) ((علوم الحديث)) (٢٢٤).
(٨) انظر: ((الجامع)) (١٣٩/٢) وما بعدها.
(٧) ((الجامع)) (٢٤٠/١).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٠٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وقد قال الخطيب: ((مَنْ أَذَّاه - لجهله - فَرْطُ النِّيْه والإعجاب، إلى
المُحَاماة عن الخطأ والمُمَاراة في الصواب، فهو بذلك الوصفِ مذمومٌ ومأثوم،
ومحتجرُ الفائدةِ عنه غيرُ مُؤَنَّبٍ ولا مَلُومٍ)»(١) .
وساق عن الخليل بن أحمدَ أنه قال لأبي عُبيدة مَعْمَرٍ بن المُثَنى: ((لا
تَرُدنَّ على مُعْجَبٍ خَطَأَ فَيستفيدَ منك عِلْماً، ويتَّخَذَك به عَدُوًّا))(٢) .
وقد قيل - فيما يُروَى عن النبيِ نَّهِ: ((إنَّ مِن القول عِيالاً))(٣) -: هو
عَرْضُكَ كَلَامَكَ وحديثَكَ على مَنْ ليس مِنْ شأنِهِ ولا يُرِيده(٤).
وإذا أفادك أحدٌ من رُفَقائك، ونحوِهم شيئاً فَاعْزُ ذلك إليه، ولا تُؤْهِم
الناسَ أنَّه مِن قِبَلِ نفسك، فقد قال أبو عُبَيد القاسمُ بن سلَّم - فيما رُوِّيناه فيَ
((المدخل) للبيهقي، و((الجامع للخطيب)): ((إنَّ مِن شُكر العلم أن تجلسَ مع
الرجل فَتُذَاكِرَه بشيءٍ لا تَعْرِفُه، فيذكرَه لك. ثم ترويه وتقولُ: إنَّه والله ما كان
عندي في هذا شيءٌ حتى سمعتُ فلاناً يقولُ فيه كذا وكذا فتعلمتُه. فإذا فعلتَ
ذلك فقد شكرتَ العِلمَ))(٥) .
وسأل إنسانٌ يونُسَ بنَ عبد الأعلى عن معنى قولِ النبيِ نَّهِ: ((أَقِرُّوا الطيرَ
على مَكِنَاتِها)) (٦)، فقال: ((إنَّ اللهَ يحب الحقَّ، إن الشافعي كان صاحبَ ذا.
(١) ((الجامع)) (١٥٤/٢).
(٢) ((الجامع)) (١٥٤/٢).
(٣) أخرجه أبو داود في الأدب: باب ما جاء في الشِّعر (٢٧٨/٥) من حديث بُرَيدةَ بنِ
الحُصَيب ◌َظُه، وفي سنده: عبد الله بن ثابت النحوي قال فيه الذهبي في ((الميزان))
(٣٩٩/٢): ((شيخ في عصر ابن المبارك، لا يعرف. تفرد عنه أبو تُمَيلَة))، وقال
الحافظ في ((التقريب)) (٤٠٥/١): مجهول.
(٤) هذا هو نصّ تفسير التابعي الكبير الجليل صَعْصَعَة بن صُوحان - بمهملتين أولاهما
مضمومة - أخرجه عنه أبو داود عند روايته لحديث بُريدةَ الآنِف.
وجاء في حاشية (س - ١٩٩/أ) ما نصه: ((قال في ((النهاية)): ((هو عَرضُك حديثَك
وكلامَكَ على من لا يريده وليس من شأنه. يقال: عِلتُ الضالَّةَ أَعِيل عَيْلًا إذا لمْ تَدْرِ
أيَّ جِهَةٍ تَبْغِيها. كأنَّه لم يهدِ لمَن يطلبُ كلامَه فَعَرَضَهُ على مَن لا يُريده))اهـ.
وهو بحروفه في ((النهاية)) (٣٣١/٣).
(٥) ((الجامع)) (١٥٤/٢)، و((المدخل)) للبيهقي (٣٩٦).
(٦) أخرجه أبو داود في الأضاحي: باب في العَقِيقة (٢٥٧/٣)، وأحمد (٣٨١/٦) قال =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٠٧
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
سمعتُه يقولُ في تفسيره: يقال ... ))، وذكره(١).
ولا ينافي ذلك رغبةَ مَنْ شاءَ اللهُ من العلماء في مجرَّد الإرشادِ بالعلم من
غيرِ ملاحظةٍ لِعَزْوِهِ إليهم، كالشافعي حيث قال: ((وَدِدْتُ أنَّ الناسَ تعلَّموا هذا
العلمَ، ولا يُنْسَب إليّ منه شيء))(٢).
٧١٨
(واكتبْ) - حيث لزمتَ تركَ التكبّر - بالسند عمّن لقيتَه (ما تستفيدُ) أي
الذي تحصلُ لك به الفائدةُ من الحديث ونحوِه (عالياً) كان سَنَدُه (أو نازلاً) عن
شيخك، أو رفيقك، أو مَنْ دونَك في الرواية أو الدراية، أو السنٍ، أو فيها
جميعاً، فالفائدة ضالّةُ المؤمن حيثما وجدها الْتَّقَطّها .
بل قال وكيع وسفيانُ: ((إنَّه لا يَنْبُل المحدثُ حتى يَكتبَ عمن هو فوقَه،
ومثله، ودونه))(٣)، وكان ابنُ المبارك يكتبُ عمّن دونه فيقالُ له، فيقول: ((لعلَّ
الكلمةَ التي فيها نَجَاتِي لم تقعْ لي [بعدُ] (٤)).
وهكذا كانت سيرةُ السلف الصالح، فكم من كبيرٍ رَوى عن صغير كما
سيأتي في بابه(٥) .
= أحمد: حدثنا سفيان: حدثنا عُبيد الله بن أبي يزيدَ عن أبيه عن سِبَاع بن ثابت: سمعت
من أم كُرْز الكَعْبِية ... قالت: سمعت النبي ◌َّ ... )) الحديثَ. وفي أوله زيادة،
ورواه أبو داود عن مُسَدّد عن سفيان به وفي آخره زيادة. والحديث صحيح.
ومَكِنَاتها: بفتح الميم وكسر الكاف وفتحها، وبعدها نون، ومثناة فوقية، وسيأتي معناها
قريباً إن شاء الله .
(١) جاء في ((معالم السنن)) (٢٨٥/٤): قال الشافعي: كانت العربُ تُولَعُ بالعِيَافَةِ، وَزَجْرِ الطَيْرِ
فكان العربيُّ إذا خرجَ من بيته غادياً في بعض حاجته نظر هل يرى طيراً يطير فَيَزْجُرَ سُنُوحَه
أو بَرُوحَه، فإذا لم يَرَ ذلك عَمَدَ إلى الطيرِ الواقع على الشجر فحرَّكه لِيَطِيرَ، ثم ينظرَ أيَّ جهةٍ
يأخذُ فَيَزْجُرَه. فقال لهم النبيُّ وَّهِ: ((أَقِرُّوا الطَّيرَ على أَمْكِنَتِها لا تُطِيرُوها ولا تَزْجُرُوها)).
هذا وقد تكلّم أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (٢٨٠/١ - ٢٨٢) على هذه الكلمةِ
والخلافِ في معناها. ولخّصه ابنُ الجوزي في ((غريب الحديث)) (٣٦٩/٢).
(٢) ((الحلية)) (١١٨/٩)، و((السير)) (٢٩/١٠).
(٣) ((الجامع)) (٢١٦/٢) عن وكيع، و(٢١٨/٢) عن سفيان.
(٤) كلمة [بعد] ساقطة من (س) وأثر ابن المبارك هذا في ((الجامع)) (٢٢٠/٢)، و((شرف
أصحاب الحديث)) (٦٨).
(٥) وهو نوع ((رواية الأكابر عن الأصاغر)) (ص١٢٤/٤).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٠٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وأوردتُ في ترجمة شيخنا من روايته عن جَمْع من رُفَقائه، بل وتلامذته
جُملةً(١) .
وفي ((صحيح مسلم)) عن ابن عباس قال: ((كنتُ أُقْرِئُ رجالاً من
المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف)) (٢). وكذا كان حَكِيم بنُ حِزَام يقرأُ على
معاذٍ بن جَبَل، فقيل له: أتقرأ على هذا الغلام الخَزْرَجيّ، فقال: ((إنما أهلكَنَا
التكبر)).
والأصلُ في هذا: قراءتُه وَلَّ ـ مع عظيم منزلته - على أُبَيّ بن كعب(٣).
وقالوا: إنما قَرَأَ عليه مع كونه لم يستذكرْ منه بَذَلك العَرْضِ شيئاً لِيَتَواضعَ الناسُ
ولا يَسْتَنكف الكبيرُ أن يأخذَ العلمَ عمّن هو دونه، مع ما فيه من ترغيبِ الصغير
في الازدياد إذا رأى الكبيرَ يأخذُ(٤) عنه، كما يُحكَى أنَّ بعضَهم سَمِعَ صَبِيًّا في
مجلسٍ بعض العلماء يذكرُ شيئاً، فطلبَ القلمَ وكتبَه عنه. فلما فارقَه قال: ((والله
إني لأعلمُ به منه، ولكنْ أردتُ أنْ أُذِيقَه حلاوةَ رئاسةِ العلمِ لِيَبْعثَه على
الاستكثار)).
ووقف القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري(٥) على جزء من
((حديث أبي الفضل الخُزَاعي)) (٦) فيه حكاياتٌ مليحة مما قرأَه أبو سعد
السمعاني أحدُ تلامذته بـ((الكوفة)) على الشريفِ عُمَر بن إبراهيم الحسني(٧)
(١) سمّاه السخاويُّ رحمه الله تعالى: ((الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر))
وقد مضی نِگرُه في ((مصنفاته)).
(٢) أخرجه البخاري في ((الحدود)): باب رجم الحبلى من الزنا إذا أَحْصَنَتْ (١٤٤/١٢)
بلفظه، وفي ((الاعتصام)) (٣٠٣/١٣) بنحوه.
ولم أجد عند مسلم اللفظَ المذكورَ وإنْ كان قد أخرج أصلَ حديثٍ ابن عباس في
((الحدود)): باب رجم الثّيّب في الزنا (١٣١٧/٣).
(٣) أخرجها البخاري في ((مناقب الأنصار)): باب مناقب أبي بن كعب (٧/ ١٢٧)، ومواطنَ أُخَرَ.
(٤) في (م): أن يأخذ. من الناسخ.
(٥) المتوفى سنة ٥٣٥، له ترجمة في: ((السير)) (٢٣/٢٠).
(٦) هو محمدُ بن جعفر بن عبد الكريم المتوفى سنة ٤٠٨، له ترجمة في: ((تاريخ بغداد)»
(١٥٧/٢)، و(«الميزان)) (٥٠١/٣)، و((اللسان)) (١٠٧/٥). ولم يكن ثقةً.
(٧) المتوفى سنة ٥٣٩، له ترجمة في ((السير)) (١٤٥/٢٠)، وفيها ذِكرُ الإجازة الآتية.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٠٩
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
بإجازته من محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي(١) فكتبه بخطه، ثم أَمَره
بإسماعه له. فقال له: كيف هذا يا سيدي وأنا أَفتخرُ بالسماع منك؟! فقال له:
ذاك بحاله. قال أبو سعد: فقرأتُه وسمعه القاضي مني مع جماعة، وأمر بكتابة
اسمه فَفَعلوا، وكتب هو بخطه أوَّل الجزء: ((ثنا أبو سعد))(٢).
ولا تأنفْ من تحديثك عمّن دونك، فقد رُوِّينا في ((الوصية)) لأبي
القاسم ابن منده من طريق خارجةَ بنِ مصعب أنه قال: ((من سمع حديثَ من
هو دونه فلم يَرْوِه فهو مُرَائي))، لا سيما وقد فعله غيرُ واحد.
وفي ((رواية الأكابر عن الأصاغر))، و((الآباء عن الأبناء)) و((الأقران)) لذلك
أمثلة كثيرة.
وتوسَّط جماعةٌ فَرَوَوْا عمّن دونهم مع تَغْطِيتهم بنوعٍ من التدليس، بحيث
لا يُمَيِّهم إلا الحاذق.
ولتكن الفائدةُ قصدَك (لا كثرةَ الشيوخ) حالَ كونها (صِيتاً عاطلاً) من الفائدة
بحيث تكون كمن حَكى عنه الخطيبُ أنه كان يقول: «ضَيِّع ورقةً ولا تُضيعنَّ
شيخاً)(٣)، وهي الطريقةُ التي سلكها جُلُّ أصحابنا من طلبة شيخنا فضلاً عمّن
دونهم، فإنهم اعتَنوا بالتكثير من الشيوخ بحيث يقول الواحدُ منهم: ((أخذتُ عن
ستمائة - أو نحوِ ذلك -)) دون التكثير من المَسمُوع، حتى إنَّه يُفَوِّتُ بعضَ الكُتُبِ
السِّتة أصولِ الإسلام فضلاً عن غيرها. هذا مع تصريح شيخنا بأنَّ عكسَه
أَوْلى(٤). وقد قال أبو الوليد(٥): ((كتبتُ عن قيس بن الربيع ستةَ آلاف حديث،
هي أحبُّ إليَّ من ستة آلاف دينار))(٦). وإليه يُشير قولُ ابنِ الصلاح: ((وليس
بموفَّق من ضَيَّع شيئاً من وقته في الاستكثار لمجرّد الكثرة، وصِيتِها)»(٧). على
(١) المتوفى سنة ٤٤٥، له ترجمة في ((السير)) (٦٣٦/١٧)، وفيها ذِكرُ الإجازة المشار إليها .
(٢) ((السير)) (٢٧/٢٠).
(٣) ((الجامع)) (٢٢٤/٢)، وقد حكاه عن بعض أصحابه، ولم يسمِّه.
(٤) ((النزهة)): (١٤٤) ولفظه: ((ويكون اعتناؤُه بتكثير المسموع أولى من اعتنائه بتكثير الشيوخ)).
(٥) الطيالسي هشام بن عبد الملك.
(٦) (تاريخ بغداد)) (٤٥٨/١٢). في ترجمة قيس بن الربيع الأسدي.
(٧) ((علوم الحديث)) (٢٢٥).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣١٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
احتمال كلامه أيضاً غيرَ هذا، اللهم إلّا أن يكونَ قصدُ المحدث تكثيرَ طرق
الحديث وجمعَ أطرافه فيكثرَ شيوخُه لذلك فهذا لا بأس به.
ومن هنا وُصف بالإكثار من الشيوخ خلقٌ من الحُفاظ كالثوري(١)، وابنٍ
المبارك(٢)، وأبي داود الطَّيَالسي(٣)، ويونسَ بنِ محمد المؤدب(٤)، ومحمدٍ بنِ
يونس الكُدَيمِي(٥)، والبخاري(٦)، وأبي عبد الله ابن منده(٧). وكالقاسم بن داود
البغدادي قال: ((كتبت عن ستة آلاف شيخ))(٨).
وممن زادت شيوخه على ألف - سوى هؤلاء - أبو زُرْعَة الرازي،
ويعقوبُ بن سفيانَ، والطبراني، وابنُ عَدي، وابنُ حِبّان، والوليدُ بن بكر(٩)،
وأبو الفِتْيان(١٠)، وأبو صالح المُؤَذن(١١). وأبو سعد السمّان(١٢) كان له ثلاثة
آلاف شيخ وستمائة(١٣).
(١) جاء في ((الجامع)) (٢٢١/٢) عن أحمدَ بن صالح: (وأحصينا له شبيهاً بستمائة شيخ).
(٢)
ألف منهم))، وسيذكره السخاوي قريباً.
جاء في ((تذكرة الحفاظ)) (٢٧٦/١) عنه قال: ((حَمَلْتُ عن أربعة آلاف شيخ فرويت عن
(٣) جاء عنه في ((الجامع)) (٢٢١/٢): (أدركت ألفَ شيخ، كتبتُ عنهم).
(٤) في (س): المؤذن. من الناسخ. وقد جاء عنه في ((الجامع)) (٢٢١/٢): (كتبت عن
ألف شيخ وشيخ، وستينَ امرأة).
جاء عنه في ((الجامع)) (٢٢٢/٢): (كتبت بالبصرة عن ألف ومائة وستة وثمانين رجلاً).
(٥)
في ((تذكرة الحفاظ)» (٥٥٥/٢) عنه: (كتبت عن أكثر من ألف رجل).
(٦)
(٧)
جاء عنه في ((الجامع)) (٢٢٢/٢): (كتبت عن ألف شيخ).
(٨)
((الجامع)) (٢٢٢/٢)، و(«تاريخ بغداد)) (٤٤٠/١٢).
(٩) في (ح): بكير. من الناسخ. وهو الوليد بن بكر بن مخلد الأندلسي، الحافظ، جاء
في ((تذكرة الحفاظ)) (١٠٨١/٤): أنه لَقِيَ في رحلته أَزْيَد من ألف شيخ. مات سنة
٣٩٢.
(١٠) جمع فتى. وهو الحافظُ عُمر بن عبد الكريم الدِّهِسْتَاني ((الإكمال)) (٩٩/٧).
وقد جاء في ((تذكرة الحفاظ)) (١٢٣٨/٤) أنه سمع من ثلاثة آلاف شيخ وستمائة شيخ.
(١١) الحافظ أحمد بن عبد الملك النيسابوري مات سنة ٤٧٠ خرَّجَ ألفَ حديث عن ألف
شيخ له. ((تذكرة الحفاظ)) (١١٦٢/٣).
(١٢) الحافظ الكبير إسماعيل بن علي الرازي المعتربي. مات سنة ٤٤٣. ((تذكرة الحفاظ))
(١١٢١/٣).
(١٣) علَّق على ذلك الذهبيُّ في ((التذكرة)) بقوله: ((هذا العددُ لشيوخه لا أعتقد وجودَه، ولا =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣١١
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
وابنُ عساكر، وابنُ السمعاني، وابنُ النجَّار، وابنُ الحاجب(١)،
والدِّمياطي، والقطبُ الحلبي.
والبِرْزَالِي فشيوخُه ثلاثةُ آلاف شيخ، منها ألفٌ بالإجازة.
وعتيقُ بن عبد الرحمن العُمَري المصري(٢) ذُكِر أنَّ شيوخَه نَيَّفوا عن الألف.
والفخرُ عثمان التَّوْزَري(٣) بلغتْ شيوخُه نحوَ الألف.
والذهبيُّ، وابنُ رافع(٤)، والعزُّ أبو عُمَر ابنُ جماعة(٥)، ومَن لا يُحصى كثرةً.
وكم في جمعِ طُرق الحديثِ من فائدةٍ أشرتُ لجملةٍ منها في الباب
قبلَه(٦).
= يمكن)). قلتُ: لعله يريد أبا سعد السمان خاصة، لأسباب يعرفُها.
وأما تعميمُ ذلك على كل أحدٍ ففيه نظر، لما اشتَهر أنّ بعض الحفاظ زادت شيوخهم على
ذلك، وقد نقل الذهبي نفسُه في ((التذكرة)) (١٣١٦/٤)، و ((السير)) (٤٦٢/٢٠) في ترجمة أبي
سعد بن السمعاني قولَ ابنِ النجار: ((سمعت من يذكر أن عددَ شيوخ أبي سعد سبعةُ آلاف.
قال - (ابن النجار) -: وهذا شيءٌ لم يبلغْه أحد)). وسكتَ الذهبيّ على ذلك. والله أعلم.
(١) جاء في حاشية (س) ما لفظه: (ليس هو الأصولي الشهير، بل هو آخَر اسمه عُمر
البصري كما سيأتي في المُسَمَّيْن قريباً). انتهى.
قلت: أمَّا نَفْيَهُ أنْ يكونَ المُرادُ به ابنَ الحاجبِ الأصوليَّ الشهيرَ، فيشهَدُ له أنَّه لم
يُذكرْ في ترجمته - فيما اطلعتُ عليه - أنَّ شيوخَهَ زادوا على الألف.
وأمَّا قولُه: (إنه عُمر البصري) فسيأتي (ص٣١٥) ما فيه وهو مذكور مع الجِعَابي
والدار قطني. والذي يظهرُ لي أنَّ السخاويَّ يعني بابن الحاجبِ هنا: الحافظَ مُفيدَ
الطلبة أبا الفتح عِزَّ الدين عُمَرِ بنَ محمد الأَمِينيَّ الدمشقيَّ صاحبَ ((المعجم الكبير))
الذي ترجم فيه لشيوخه، فبلغ بهم ثمانين ومائة وألف شيخ، مات سنة ٦٣٠هـ.
وقد ذكره هنا مع ابن النجار والدمياطي، وله ترجمة في ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٥٥/٤)
و((السير)) (٢٢/ ٣٧٠)، والله أعلم.
(٢) مات سنة ٧٢٢ ((الدرر الكامنة)) (٤٣٤/٢).
(٣) هو عثمان بن محمد بن عثمان. مات سنة ٧١٣ ((الدرر الكامنة)) (٤٤٩/٢).
(٤) السَلَّامي صاحب ((الوفيات)). مات سنة ٧٧٤.
(٥) الإمام الحافظ عبد العزيز ابن الإمام الحافظ بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة.
مات سنة ٧٦٧ ((الوفيات))٣٠٥/٢)، و((ذيل تذكرة الحفاظ)) (٤١).
(٦) (ص٢٤٩).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣١٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ولذا قال أبو حاتم الرازي: ((لو لم نكتبٍ الحديثَ من ستين وجهاً ما
عَقَلْناه)). وعن ابن معين مثلُه لكن بلفظ: ((ثلاثين)) (١) .
وقال غيرُهما: ((البابُ إذا لم تُجمعْ طرقُه لا يوقفُ على صِحة الحديث
ولا على سَقَمِه))(٢) .
وقال ابن دقيق العيد في ثالث أحاديث ((العُمْدة)) من (شرحها)): ((إذا
اجتمعتْ طرقُ الحديث يُستَدل ببعضها على بعض، ويجمعُ بين ما يمكن جمعُه
ويظهرُ به المرادُ)) (٣)، إلى غير ذلك مما أسلفتُ شيئاً منه في أواخر ((المعلل))(٤).
٧١٩
(ومَنْ يَقُلْ) كأبي حاتم الرازي(٥)، وكذا ابنُ معين فيما قرأتُه بخط السِّلَفي
في جزء له في ((شرط القراءة على الشيوخ)) (٦): (إذا كتبتَ قَمِّشٍ)(٧) أي اجمعْ
من ههنا ومن ههنا، ومنه قول مالك في يحيى بن سعيد(٨): ((قمّاش)). ولذا قال
ابن حزم: ((معناه أنه يجمع القِمَاشَ)) وهو الكُنَاسة. أي يروي عمّن لا قَدْرَ له
٧٢٠ ولا يستحق. (ثم إذا رويتَه ففتّش فليس) هو (من ذا) أي من الاستكثار العاطل.
ولم يبيّن ما المرادُ به، وهو محتمل لأن يكونَ أرادَ ما رواه السِّلَفي في ((جزئه)»
المشار إليه قريباً عن ابن صاعد قال: ((قال لي إبراهيم بن أُوْرمَة الأصبهاني(٩):
اكتبْ عن كل إنسان، فإذا حدّثتَ فأنتَ بالخيار)). ولذا قال ابنُ المبارك:
(١) ((المجروحين)) (٣٣/١)، و((الجامع)) (٢١٢/٢). وجاء في ((السير)) (٨٤/١١) عنه (لو
لم نكتب الحديث خمسينَ مرةً ما عرفناه)).
(٢) جاء في ((الجامع)) (٢١٢/٢) عن علي بن المديني: ((البابُ إذا لم تُجمع طرقُه لم يتبينْ
خَطَؤُه)). وجاء فيه أيضاً عن الإمام أحمدَ: ((الحديثُ إذا لم تَجْمعْ طَرقَه لم تَفْهَمِه،
والحديثُ يُفَسر بعضُه بعضاً)).
(٣) ((إحكام الأحكام)) لابن دقيق العيد (١٦/١).
(٤) (٦٤/٢).
(٥) ((الجامع)) (٢٢٠/٢).
(٦) عزا هذا الكتابَ للسلفي أيضاً الذهبيُّ في ((السير)) (٢١/٢١)، وقال الدكتور حسن
عبد الحميد صالح في كتابه: ((الحافظ أبو طاهر السلفي)) (١٩٤): ((مفقود)). ولكنه وُجد
- بحمد الله - ويُحَقَّقه: الدكتور عبد اللطيف الجيلاني. على ما ذكره الشيخ العربي الفرياطي.
(٧) نصُ كلمة ابن معين: (إذا كتبتَ فَقَمِّش، وإذا حدَّثتَ ففتِّش) أخرجها عنه الذهبي في
((السير)) (٨٥/١١).
(٨) الأنصاري.
(٩) الإمام الحافظ. مات سنة ٢٦٦. ((تاريخ بغداد)) (٤٢/٦)، و((السير)) (١٤٥/١٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣١٣
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
((حَملتُ عن أربعة آلاف، ورويتُ عن ألف))(١).
وصرَّح شيخنا في بعض من تحمل عنه من شيوخه بأنه لا يستبيحُ الأداءَ
عنه. وإليه أشار الشارح(٢) بقوله: ((وكأنَّه أرادَ: اكتب الفائدةَ ممن سمعتَها،
ولا تؤخرْ ذلك حتى تنظرَ فيمن حدَّثك أهو أهلٌ أنْ يُؤخذَ عنه أم لا؟ فربّما
فات ذلك بموت الشيخ أو سَفَره، أو سَفَرِك، فإذا كان وقتُ الرواية عنه، أو
وقتُ العمل بالمَرْوِي ففتّش حينئذ))(٣).
قال: ((وقد ترجَم عليه الخطيب: ((باب من قال: يُكْتَبُ عن كل أحد))(٤).
((ويحتمل أن يكونَ أرادَ استيعابَ الكتابِ المسموع، وتَرْكَ انتخابه، أو
استيعابَ ما عند الشيخ وقتَ التحمل، فإذا كان وقتُ الروايةِ، أو العملِ نَظَر
فيه وتأَمّله))(٥).
ووقع في كلام ابنِ مهدي ما يُشير إلى الاحتمالَين، فإنه قال: ((ولا يكون
إماماً من حدَّثَ عن كل مَنْ رَأى، ولا بكل ما سمع))(٦).
ويشهدُ للثاني: النهيُ عن الانتخابِ لقول ابنِ الصلاح(٧): (والكتابَ) - أو
الجُزءَ - بالنصب (تَمِّم) أيها الطالبُ (سَمَاعَه) وكتابتَه، و(لَا تَنْتَخِبْه تَنْدَم) فإنّك
قد تحتاجُ بعد ذلك إلى روايةِ شيء منه فلا تَجِدْه فيما انتخبتَه منه. وقد قَال ابنُ
المبارك: ((ما انتخبتُ على عالِم قطُ إلَّا نَدِمتُ))(٨)، وفي لفظ عنه: ((ما جاءَ مِنْ
مُنْتِقِي خَيرٌ قط))(٩) .
وعن ابن معين قال: ((سيندَم المنتخبُ في الحديث حيث لا ينفعُه
(١) ((تذكرة الحفاظ)) (٢٧٦/١).
(٢) أي الحافظ العراقي شارح الألفية.
(٣) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٣٢/٢).
(٤) هذا الباب عند الخطيب في ((الجامع)) (٢٢٠/٢).
(٥) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٣٣/٢).
(٧) في ((علوم الحديث)) (٢٢٥).
(٦) ((الحلية)) (٤/٩).
(٨) ((الجامع)) (١٥٦/٢).
(٩) ((الجامع)) (١٨٧/٢). ولفظه: (مَا جاءَ مِن مُنْتَقِي - يعني مُنْتَقِيَ الحديثَ - خيرٌ قط).
وجاء في (الأزهرية)، و((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٣٢/٢): (مِن مُنْتَقٍ) بحذف الياء.
وهو الأكثر.

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣١٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الندم)) (١). وفي لفظ عنه: ((صاحبُ الانتخاب يندَم، وصاحب النَّسْخ(٢) لا
یندم)) .
وقال المَجْدُ الصَّرَخْكي(٣) - من الحنفية -: ((ما قَرْمَظْنَا نَدِمْنَا، وما انتَخَبْنَا
نَدِمِنَا، وما لم نُقَابِل نَدِمْنَا))، وقد أشرت إليه في ((المقابلة))(٤).
وقال أبو الزِّنَاد: ((كنا نكتب الحلال والحرامَ، وكان الزهري يكتُب كلَّ ما
سمع، فلما احتيج إليه علمتُ أنَّه أعلمُ الناس))(٥) .
ولم يقنع الإمامُ أحمدُ بانتخاب كُتُبٍ غُنْدَرٍ كما فعلَ ابنُ المَدِيني وغيرُه.
بل قال: ((ما أَعلمُ أحداً نَسَخَ كُتُبَه غَيرَنا)).
٧٢١
(و) لكنْ (إِنْ يَضِقْ حالٌ) كما أشار إليه الخطيبُ(٦) (عن استيعابه) أي
الكتابِ، أو الجزءِ لِعُسْر الشيخ، أو لكونِه، أو الطالبٍ وَارداً غَيرَ مُقِيم، فلا
يتسعُ الوقتُ له، أو لضيقِ يَدِ الطالب، ونحو ذلك. وكذا إنِ اتَّسعَ مسموعُه
بحيث تكونُ كتابةُ الكتب أو الأجزاءِ كاملةً كالتكرار، واتَّفْقَ شيءٌ مِنْها (العارفٍ)
أي بجودةِ الانتخاب: اجتَهَدَ و(أجادَ في انتخابِه) بنفسه، فقد كان الناسُ على
ذلك. (أو) اتفُقَ ذلك لمن (قَصُرَ) عن معرفة الانتخابِ (استعانَ) في انتخاب
ما لَه فيه غَرَضٌ (ذا)(٧) أي صاحبَ (حِفْظٍ) ومعرفة (فقد كان من الحفاظِ مَن
لَه) أي للانتخاب لرفاقه المُتَميِّزین - فضلاً عن القاصرين - (يُعَدُّ) أي يُهَيَّأُ له،
٧٢٢
(١) ((علوم الحديث)) (٢٢٥).
(٢) كذا في النُسخ، ومثله في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٣٢/٢). وهو الصوابُ.
وجاء في ((الجامع)) (١٨٧/٢): المشج. وفسره المحقق بـ(المختلط).
(٣) كذا في النُّسخ. ومثلُه في ((هدية العارفين)) (٨٤/٢) لكن بإبدال الصاد المهملة سيناً
مهملة، وقال: مجد الأئمة أبو بكر محمد بن عبد الله بن فاعل. مات سنة ٥١٨. ولكن
في ((الأنساب)) (٧/ ٧٠): السُرْخَكَتي بالمهملة، وبعد الكاف مثناة فوقية - ومثله في
(اللباب)) - وقال: نسبة إلى (سُرْخَكَت - بضم السين المهملة، وسكون الراء، والخاء
المعجمة والكاف المفتوحتين، وهي بليدة بغرجستان سمرقند).
(٤) (ص٥٥)، وتقدم فيه شرحُ معناه تعليقاً.
((الجامع)) (١٨٨/٢)، و((تاريخ مدينة دمشق)) ترجمة الزهري المفردة منه (٥٨).
(٥)
(٦) في ((الجامع)) (١٥٥/٢).
(٧) (ذا) مفعولٌ لـ(استعان). تقول: استعانه، واستعان به.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣١٥
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
بحيث يُوجَّه إليه ويَتَصدَّى لفعله كأبي زُرعة الرازي، والنسائي، وإبراهيمَ بنِ
أُوْرْمَة، وعُبيدِ العجل(١)، والجِعَابي(٢)، وعُمَر بنِ جعفر البَصري(٣)، وابنٍ
المُظَفر (٤)، والدارقطني، وابنٍ أبي الفَوَارس(٥)، واللّالَكَائي(٦)، فإنهم كانوا
ينتخبون على الشيوخ، والطلبةُ تسمعُ وتكتبُ بانتخابهم. واقتفى مَنْ بعدهم
أثرَهم في ذلك إلى الناظم وتلامذته، كَوَلَدِهِ، والصلاحِ الأَقْفَهْسي(٧)،
وشيخِنا، ثم طلبتِه كالجمالِ ابن موسى، ومستمليه، وصاحِبنا النجم الهاشمي،
وتوسَّعَا في ذلك إلى حدّ لم أرتضه منهما، وإن كنتُ سلكتُه،َ والأعمالُ
بالنيات.
وإلا فمتى لم يكن عارفاً وتولى ذلك بنفسه أخلَّ. كما وقع لابن مَعين في
ابتداء أمرِهِ مما حكاه عن نفسه قال: ((دفع إليّ ابنُ وهب ـ عن معاويةً بن
صالح - خمسمائةَ، أو ستمائةَ حديث، فانتقيْتُ شِرَارها، لكوني لم يكن لي بها
حينئذٍ معرفة)»(٨).
(١) هو الحافظ: الحسين بن محمد بن حاتم. مات سنة ٢٩٤. ((تاريخ بغداد)) (٩٣/٨)،
و ((السير)) (١٤ / ٩٠).
(٢) الحافظ الكبير أبو بكر محمد بن عمر البغدادي ابنُ الجِعَابِي. مات سنة ٣٥٥. ((تاريخ بغداد))
(٢٦/٣)، و((السير)) (٨٨/١٦). وقد سَقَطَ عند الكثيرِين كما سيأتي - تعليقاً - (ص٤/ ٨٧).
(٣) في النسخ: (بن الحاجب) بدل (بن جعفر)، وهو خطأ صوابه: (عمر بن جعفر البصري)،
وهو الإمام المحدث أبو حفص. قال الذهبي: (حَمَلَ الناسُ بانتخابه كثيراً). مات سنة
٣٥٧. ((تاريخ بغداد)) (٢٤٤/١١)، و((السير)) (١٧٢/١٦). وقد ذكر الخطيب في ((الجامع))
(٢/ ١٥٧) جماعةً من شيوخ شيوخِه ممّن كانوا ينتخبون للطلبة فذكر منهم: (عُمرَ البصري).
وأما عمر بن الحاجب فدمشقيٌ تقدمت ترجمته (ص٣١١) وهو متأخر عن هؤلاء.
(٤) الحافظُ محدّثُ العراقِ أبو الحُسَين محمد بن المظفر بن موسى البغدادي. مات سنة
٣٧٩. ((تاريخ بغداد)) (٢٦٢/٣)، و((السير)) (٤١٨/١٦).
(٥) الإمامُ الحافظ أبو الفتح محمد بن أحمد البغدادي. مات سنة ٤١٢. ((تاريخ بغداد)»
(٣٥٢/١)، و ((السير)) (٢٢٣/١٧).
(٦) الإمامُ الحافظ أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري مات سنة ٤١٨. ((تاريخ بغداد)»
(٧٠/١٤)، و((السير)) (٤١٩/١٧).
(٧) الإمامُ الحافظُ صلاحُ الدين وغَرسُ الدين خليلُ بن محمد بن محمد. مات سنة ٨٢٠
((لحظ الألحاظ)) (٢٦٨).
(٨) ((الجامع)) (١٥٦/٢).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣١٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وقد رأيتُ ما يدلّ على أنَّ شرطَ الانتخاب أن يقتصرَ على ما ليس عنده
وعندَ من ينتخبُ لهم، فذكر أبو أحمدَ ابنُ عدي عن أبي العباس ابنِ عُقْدَةٍ(١)
قال: (كنَّا نحضُر مع الحسين بن محمد - المعروفِ بِعُبَيدٍ، ويلقَّبُ أيضاً:
العِجْلَ - عند الشيوخ وهو شاب ينتخبُ لنا، فكان إذا أخذ الكتابَ كلمناه فلا
يجيبنا حتى يفرُغَ. فسألناه عن ذلك فقال: إنَّه إذا مرَّ حديثُ الصحابي أحتاجُ
أتفكّر في مُسند ذلك الصحابي هل الحديثُ فيه أم لا؟ فلو أجبتكم خشيتُ أن
أزلَّ فتقولون لي: لِمَ انتخبتَ(٢) هذا وقد حدَّثَنَا به فلان؟))(٣).
٧٢٣
(وَعَلَّموا) أي من انتَخَب من الأئمة (في الأصلِ) المنتَخَبِ منه ما انتخبوه
لأجلٍ تَيَسُّرِ معارضةِ ما كتبوه به، أو الإمساكِ الشيخ أصلَه بيده، أو للتحديث
منه، أو لكتابة فرعٍ آخرَ منه حيث فُقِدَ الأولُ.
واختلَف اختيارُهم في كيفيتِه لكونه لا حَجْرَ فيه، فعلَّموا (إمَّا خطًّا)
بالحُمرة، ثم منهم مَن يجعلُه عريضاً في الحاشية اليُسرى كالدارقطني، أو
صغيراً في أول إسنادِ الحديث كاللالَكَائي. (أو) عَلَّموا بصورة (همزتین) بِحِبْرٍ
في الحاشية اليُمنى كأبي الفَضْل علي بن الحسين (٤) الفَلَكِي، (أو بصادٍ) ممدودةٍ
بِحِبْرٍ في الحاشية أيضاً كأبي الحسن علي بن أحمد النُّعَيمِي(٥) (أو) بـ (طا)ء
مهملة ممدودة كذلك(٦)، كأبي محمد الخلال(٧)، أو بحاءين إحداهما إلى جنب
الأخرى كذلك كمحمد بن طَلحة النِّعَالِي(٨). أو بجيم في الحاشية اليُمنى
(١) الحافظُ الكبيرُ الشِيعي أحمدُ بن محمد بن سعيد الكوفي. مات سنة ٣٣٢. «تاريخ
بغداد)» (١٤/٥)، ((السير)) (٣٤٠/١٥).
(٢) في (ح): انتخب. من الناسخ.
(٣) أوردها الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٩٤/٨) من طريق ابن عدي.
(٤) في النسخ: بن الحسن. خطأ. والتصويب من ((الجامع)) (١٥٩/٢) ومصادر ترجمته
مثل: ((الأنساب)) (٣٣٠/٩)، و((السير)) (٥٠٢/١٧) وغيرهما. وقد مات سنة ٤٢٧.
(٥) الحافظ العلامة. مات سنة ٤٢٣ «تاريخ بغداد)» (٣٣١/١١)، و((السير)) (٤٤٥/١٧).
(٦) جاء في حاشية (س): (أي بحبر في الحاشية).
(٧) ((الجامع)) (١٥٨/٢)، وأبو محمد هذا هو الحافظ محدث العراق الحسن بن أبي طالب
محمد بن الحسن البغدادي. ((تاريخ بغداد)) (٤٢٥/٧)، و ((السير)) (٥٩٣/١٧).
(٨) الرافضي، مات سنة ٤١٣ ((تاريخ بغداد)) (٣٨٣/٥)، و((الأنساب)) (٤١/١٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣١٧
آدابُ طالب الحَدِيثِ
كالجَماعة(١) أو غيرِ ذلك(٢).
٧٢٤
(ولا تكن) أيها الطالبُ (مقتصراً أنْ تسمَعَا) الحديثَ ونحوَه (وكَتْبَهُ)
- بالنَّصب عَطْفاً على محلّ ((أن)) المصدرية على نَزْع الخافض - أي لا تقتصر
على سماع الحديث وكَتْبِهِ (من دون) [مَعْرفٍ و](٣) (فهم) لما في سنده ومتنه
[من العِلَلَ والأحكام](٣) (نَفَعَا) أي نافعٌ، [ليخرجَ - مع أنَّه من الزيادات -
الفهمُ من غير ملاحظة للقواعدِ والضوابط](٣) فتكونَ - كما قال ابنُ الصلاح : -
قد أتعبتَ نفسَك من غير أنْ تَظْفرَ بطائل، ولا تحصلُ بذلك في عِدَاد أهلٍ
الحديث الأمَاثِل، بل لم تزِد على أنْ صِرتَ من المتشبِّهين المنقوصين المتحلِّينَ
بما هم منه عاطِلون (٤).
وما أحسنَ قولَ غيرِه(٥) :
يجهلُ ما يَرْوِي وما یکتبُ
إنَّ الذي يَرْوِي ولكنَّه
تُسْقِي الأراضي وهي لا تَشْرَبُ
كصخرةٍ تَنْبُعُ أمواهُها
وقد قال أبو عاصم النَّبِيلُ: «الرئاسةُ في الحديث بلا دِرَاية رئاسةٌ
نَذْلَةٍ))(٦).
قال الخطيب: ((هي اجتماع الطلبةِ على الراوي للسماع عندَ عُلوٍّ سِنّه)) (٦)
يعني فإنَّ سنده لا يعلو، و[لا] تقع(٧) الحاجة إليه - غالباً - إلا حينَ تَقَدّمه في
السن)). قال: ((فإذا تميَّز الطالبُ بفهم الحديث ومعرفتِه تعجَّل بركةَ ذلك في
شَبِيْبَتِهِ))(٦). قال: ((ولو لم يكن في الاقتصار على سماع الحديث وتَخْلِيده
الصُّحفَ دون التمييز بمعرفة صحيحه من فاسدِه، والوقوف على اختلاف وجوهه،
والتصرفِ في أنواع علومه: إلَّا تلقيبُ المعتزلةِ القدريةِ مَنْ سَلَكَ تلك الطريقةَ
بالحَشَوِيّة - يعني بإسكان المعجمة، وفتحها، فالأوّلُ على أنهم من حَشْو الطلبةِ
فلا يُنتَفَعُ بهم. والثاني على أنهم كانوا يُحشَون في حاشية حَلْقة الحسن البصري -
(١) جاء في حاشية (س): أي: (الجمهور).
(٢) ذَكَرَ تلك العلاماتِ وأصحابَها الخطيبُ في ((الجامع)) (١٥٨/٢ - ١٥٩).
(٣) ما بين المعكوفين: ساقط من (س) و(م). (٤) ((علوم الحديث)) (٢٢٦).
(٥) هو أبو حيان، كما في ((نفح الطيب)) (٥٣٦/٢).
(٦) ((الجامع)) (١٨١/٢).
(٧) في (ح) و(م): وتقع. من الناسخ.

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣١٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
لوجب على الطالب الأَنَفَةُ لنفسه، ودَفعُ ذلك عنه، وعن أبناء جنسه)) انتهى (١).
ويُروَى - كما لأبي نُعَيم في ((تاريخ أصبهان)) - من حديث علي بن موسى
عن أبيه عن جده عن آبائه مرفوعاً: ((كونوا دُرَاةً، ولا تكونوا رُوَاةً. حديثٌ
تَعْرِفُون فِقْهَهُ خيرٌ من ألفٍ تَرْوُونه))(٢) .
وأخرجه أبو نُعَيم في ((الحلية)) عن ابن مسعود رَفَعَه أيضاً بلفظ: ((كونوا
للعلم رُعاةً))(٣). وكذا أخرجه غيرُه عن ابن عباس(٤).
ولله دَرُّ الأديبِ الفاضلِ فارس بن الحُسين حيث قال - فيما رُوِّيناه من
طريقه ۔:
ذَهَبَتْ بِمُدَّته الرِّوَايةٌ
يا طالبَ العلم الذي
ـةٍ بالروايةِ والدِّرَايةْ
كُنْ في الروايةِ ذا العنايـ
فالعلمُ ليسَ له نهايةٌ (٥)
وَارْوِ القليلَ وَرَاعِهِ
وقال الحافظ أبو القاسم ابنُ عساكر - فيما رُوِّيناه عنه -:
واجْهَدْ على تصحيحه في كُتْبِهِ
واظِبْ على جَمعِ الحديث وگَتْبِهِ
سَمِعوه من أشياخِهم تَسْعدْ بِهِ
واسمَعْه من أربابِه نقلاً كما
كيما تُمَيّز صِدقه من كَذْبِهِ
واعرفْ ثِقَاتِ رُوَاتِه مِن غَيرِهم
نَطَقَ النبيُّ لنا به عن ربِّهِ
فهو المُفَسِّر للكتابِ وإنَّما
(١) من ((الجامع)) (١٨٠/٢).
(٢) ((ذكر أخبار أصبهان)) (١٣٨/١).
(٣) أورده في ((كنز العمال)) (٢٤٩/١٠) من حديث ابن مسعود وعزاه أيضاً لأبي نُعيم في
(الحلية))، ولم أَجِده في ((البغية في ترتيب أحاديث الحلية))، وأورده ابنُ عبد البر في
(الجامع)) (٧/٢) من غير ذكرٍ لسنده. هذا و(رعاة) بالراء في أوله ومنه ما رواه الخطيب
في ((الجامع) (٨٨/١) مرسلاً عن الحسن البصري. (هِمَّةُ العلماءِ الرِعايةُ، وهمةُ السُفَهاءِ
الروايةُ)، وأورَدَه كذلك السيوطيُّ في ((الجامع الصغير)) (٣٥٦/٦)، وعزاه لابن عساكر.
وقال المناوي: (همةُ العلماء الرعاية: أي التفهم والتدبّر والإتقان، وهمةُ السفهاء
الرواية: أي مُجرَّدُ التلقي عن المشايخ وحفظ ما يُلْقُوه بغير فهم معناه). وجاء في
((جامع ابن عبد البر))، و((كنز العمال)) المتقدمين: (وعاة) بالواو في أوله. من الناسخ.
(٤) ((فردوس الأخبار)) (٢٩١/٣).
(٥) جاءت هذه الأبيات منسوبةً لفارس بن الحسين في ((علوم الحديث)) (٢٢٦)، و((شرح
التبصرة والتذكرة)) (٢٣٧/٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣١٩
آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
مِنْ حُرْمه، مَعْ فَرْضِهِ مِنْ نَذْبِهِ
وتَفَهَّم الأخبارَ تعرفْ حِلَّه
سِيَرَ النبيّ المصطفى معْ صَحْبِهِ
وهو المبيِّنُ للعبادِ بشرحِه
وتتبّعِ العالي الصحيحَ فإنه
قُرْبٌ إلى الرحمن تُحْظَ بِقُرْبِهِ
أدّى إلى تحريفِه بل قَلْبِهِ
وتجنَّبِ التصحيفَ فيه فربّما
عن كَتْبِهِ، أو بِدْعَةٍ في قَلْبِهِ
واتركْ مَقَالةَ مَنْ لَحَاكَ بِجَهْلِهِ
ويُعَدَّ من أهلِ الحديث وحِزْبِهِ (١)
فَكَفَى المحدَّث رفعةً أن يُرْتَضَى
٧٢٥
(وَاقْرَأْ) أَيُّها الطالبُ عِندَ شُروعك في الطلب لهذا الشأنِ (كتاباً في) مَعْرفةِ
(عُلُومِ الأَثَرِ) تَعرفْ به آدابَ التحمّل، وكيفيةَ الأخْذ والطَّلَبِ، ومَن يُؤخذُ عنه،
وسائرَ مصطلح أهلِه - (ك) كتابٍ ((علوم الحديث)) للحافظ الكبيرِ أبي عَمروِ (ابنِ
الصلاح) الذي قال فيه مؤلفُه: ((إنَّه مَدخلٌ إلى هذا الشأنِ، مُفْصِحٌ عن أُصولَهَ
وفروعه، شارحٌ لمصنفات أهلِه ومقاصدِهم، ومُهِمّاتِهِم التي ينقصُ المحدثُ
بالجهل بها نقصاً فاحشاً))، قال: ((فهو إن شاء الله جديرٌ بأن تُقدَّمَ العنايةُ
به)»(٢). وعليه مُعَوَّلُ كلِّ مَن جاء بعده.
(أو كذا) النَّظْم (المُختَصَرِ)(٣) منه، الملخّصِ فيه مقاصدُه مع زيادةِ ما
يُستَعذَب، كما سَلَفَ في الخُطبة.
وعوِّلْ على شرحِه هذا(٤)، واعتَمِدْه، فلا ترى نَظِيرَه في الإتقان والجمع،
مع التلخيص والتحقيقِ، نَفَعَ الله به، وصرَفَ عنه من لم يَحفظُ معناه، ولَم
يَلحظْ مَغْزاه، من صالحٍ وطالح، وحاسد وناصح، وصبيّ جهولٍ، وغبيّ لم يَدْرِ
ما يقول - متفهِّماً لما يليق بخاطركَ منها ممن يكون ممارساً للفن، مطبوعاً فيه،
عاملاً به، وإلا تكنْ كخابِطِ عَشْوَاءَ رَكِبَ مَتْنَ عَمْياءَ.
وذلك واجبٌ، لكونه طريقاً إلى معرفة الصحيح والسقيم.
(١) أخرجها النووي في ((الترخيص بالقيام)) (٩٢) عن ابن عساكر بلفظها إلَّا أن فيها:
(فتفهم الأخبار). و(من لحاك لجهله).
(٢) ((علوم الحديث)) (٢٣٠).
(٣) أي ألفية الناظم. وقد نصَّ على ذلك في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٣٨/٢)، بقوله:
(وقولي: أو كذا المختصر. إشارة إلى هذه الأرجوزة).
(٤) أي شرح السخاوي هذا ((فتح المغيث)).

آدابُ طالبِ الحَدِيثِ
٣٢٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وإذا علمتَ كيفيةَ الطلب وما يلتحق بذلك فليكن أوَّل ما ينبغي أَنْ
تستعملَه شدةُ الحِرص على السماع، والمسارعةُ إليه، والملازمةُ للشيوخ.
وتبتدئُ بسماع الأُمَّهات من كُتب أهل الأَثَر، والأصول الجامعةِ للسنن - كما
قال الخطيب(١) - وهي على الأبوابِ، والمسانيدِ، والمُبَوّبةُ - وهي كثيرةٌ
مُتَفَاوِتَةٌ - أنفعُها بالنظر لسرعة استخراج الفائدة منها فَقَدِّمْها .
٧٢٦
(وبالصحيحَين) للبخاري ومسلم منها (ابدأَنْ) - [بنون التأكيد الخفيفة] (٢) -
وقَدِّم أوَّلَهما لشدة اعتنائه باستنباطِ الأَحكام التي هي المَقصِدُ الأعظمُ مع تَقَدُّمِهِ
ورُجْحانه - كما سبق في محله(٣) - إلّا إنْ دعتْ ضرورةٌ كأن يكون الراوي
لـ ((صحيح مسلم)) انْفرَد به، ويُخشَى فوتُه، ورُوَاةُ ((البخاري)) فيهم كَثرة، كما اتفق
في عصرنا للزَينَ عبدِ الرحمن الزَّرْكشي الحنبلي آخرِ مَن سمع ((صحيحَ مسلم)) على
البَيَاني (٤)، فإنَّه لو حصل التشاغلُ عنه بـ((صحيح البخاري)) - الذي استمر بعده في
الدرجة التي كان فيها في حياته أكثرَ من أربعين سنة - رُبَّما فات، ولا يوجد مثلُه.
(ثم) أَرْدِفْها بِكُتُب (السُّنَن) المُرَاعِي مُصَنِّفُوها فيها الاتصالَ غالباً. والمُقَدَّمُ
منها : كتابُ أبي داود لِكَثرةِ ما اشتمل عليه من أحاديثِ الأحكام، ثم كتابُ أبي
عبد الرحمن النسائي، لِتَتَمَرَّنَ في كيفية المشي في العلل، ثم كتاب أبي عيسى
الترمذي لاعتنائه بالإشارة لما في الباب من الأحاديث، وبيانِه لحُكم ما يُورِدُه من
صِحّة، وحُسن، وغيرِهما (و) يليها كتابُ السنن للحافظ الفقيهِ أبي بكر (البَيْهقي) فلا
تَحِدْ عنه، لاستيعابه لأكثرِ أحاديثِ الأحكام، بل لا نَعلمُ - كما قال ابنُ الصلاح(6) : -
(١) في ((الجامع)) (٢/ ١٨٢، ١٨٤).
(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (س).
(٣) في مبحث ((أصح كتب الحديث)) (١/ ٤٧).
(٤) هو محمد بن إبراهيم الأنصاري الخزرجي، يعرف بابن إمام الصخرة. مات سنة ٧٦٦
((الدرر الكامنة)) (٢٩٥/٣). وقال المصنف في ((الضوء اللامع)) (١٣٧/٤) في ترجمة
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الزركشي الحنبلي: (( .. وكان أبوه أسمعه في صغره
كثيراً، لكن لما مات حَصَلت لهم كائنةٌ فذهبت أَثْبَاتُه في جملةِ كُتُبه، ثم ظَفِرَ الشِهَاب
الكلوتاتي بسماعه ((صحيح مسلم)) سنة خمس وستينِ (وسبعمائة) في نُسخةٍ على سعيدِ
السُعَداء. على الشمس محمدٍ بن إبراهيمَ البَيَاني فَأَرْشَدَ الناسَ إليه حتى أخذه الجمُّ
الغفيرُ من الأعيان وغيرِهم، وأَلْحَقَ في ذلك الأحفادَ بالأجدادِ)».
(٥) في ((علوم الحديث)) (٢٢٧).