Indexed OCR Text
Pages 61-80
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٦١ المقابَلَةُ وما أُلْحِقَ بها من المسائل يَزيغ، والقلمَ يطغى))(١): بل واختاره ـ من المتأخرين - ابنُ أبي الدم فقال: ((لا يجوز أن يَرْوِيَ عن شيخه شيئاً سمعه عليه من كتاب لا يَعلم هل هو كلُّ الذي سمعه أو بعضُه؟ وهل هو على وجهه أو لا؟))(٢). ٥٨١ (وجوّز الأستاذُ) أبو إسحاقَ الإِسْفَرَايِني(٣) (أن يروي) المحدث (من) فَرِع (غَير مقابَلٍ) بل (و) نُسبَ الجوازُ - أيضاً - (للخطيب) كما في ((كفايته))(٤) لكنْ (إِنْ بَيَّن) عند الرواية أَنَّه لَمْ يُعَارض، (و) كان (النَّسخُ) لذاك الفرعِ (من أصل) - بالنقل - مُعْتَمدٍ. وسبقه أبو بكر الإسماعيلي(٥) إلى اشتراط أولهما فقال: ((إنه لا بد أن يُبَيِّن أنَّه لم يُعَارِض، لما عسى يقع من زلة أو سقوط))(٦). ٥٨٢ وإليه ذهب أبو بكر البَرْقَاني(٧) شيخُ الخطيب، كما حكاه عنه فقال: ((إنَّه روى لنا أحاديثَ كثيرةً قال فيها: أخبرنا فلانٌ ولم أُعارِض بالأصل))(٨). (وليُزَد) وهو شرطٌ ثالث (صحة نَقْلِ ناسخ) لذاك الفرعِ، بحيثُ لا يكونُ سقيمَ النقلِ كثيرَ السقْطِ (فالشيخُ) ابنُ الصلاح (قد شَرَطه) (٩). ٥٨٣ (١) ((الإلماع)) (١٥٩). (٢) لابن أبي الدم كتابٌ اسمُه: ((تَدْقيقُ العنايةِ في تحقيق الرواية))، ويظهر أن هذا الكلامَ فيه. وابنُ أبي الدم هذا هو العلامة القاضي شهاب الدين إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم الحموي الشافعي. مات سنة ٦٤٢، ((السير)) (١٢٥/٢٣)، و((الأعلام)) (٤٢/١)، ومقدمة محقق كتابه (أدب القضاء)). (٣) الإمام الأوحد إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الأصولي الشافعي. مات سنة ٤١٨، («الأنساب)) (٢٣٧/١)، و((السير» (٢٥٣/١٧). والإسْفَرَايِنِي والإسْفَرَايِيني كلاهما نسبةٌ إلى (إِسْفَرَابِين) بنواحي (نيسابور). وقد نسيت المصدر الذي قرأت هذا فيه. (٤) (ص٢٣٩). (٥) الإمام الحافظُ الحجة الفقيه أحمد بن إبراهيم إسماعيل الجرجاني صاحب ((المُسْتَخْرَج على الصحيح)). مات سنة ٣٧١، ((الأنساب)) (٢٤٩/١)، و((السير)) (٢٩٢/١٦). (٦) أخرجه الخطيب عنه في ((كفايته)) (٢٣٩). (٧) الحافظُ الفقيهُ أحمدُ بنُ محمد الخَوَارِزْمِي. مات سنة ٤٢٥. ((تاريخ بغداد)» (٣٧٣/٤)، و ((السير)) (١٧ / ٤٦٤). (٨) ((الكفاية)) (٢٣٩). (٩) في ((علوم الحديث)) (١٧١). ٦٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث المقابَلَةُ وما أُلْحِقَ بها من المسائل كلُّ ذلك مع ملاحظةٍ براعةِ القارئ، أو الشيخ، أو بعضٍ السامعين، لأنَّ بمجموعه يخرجُ من العُهدة، ولا يُتْهَم عند ظهورِ الأمر بخلاف ما رُوي. لا سيما بعد اصطلاح ((الاستجازة)) التي بها يَنْجَبِر ما لعله يتفقُ مِن خَلَل، وكونٍ الملحوظ أيضاً - كما أُشيرَ إليه قُبيلَ مراتب التعديل - بقاءَ سلسلة الإِسناد خاصة، بخلاف المتقدمين، وإنْ مَنَع ابنُ أبي الدم - من المتأخرين - ذلك، كما تقدم. (ثم اعتَبِرْ) أيها الطالبُ (ما ذُكِرًا) من الشروط (في أصلِ الأَصْلِ) - بالنقل -، و(لا تكن) لقلة مبالاتك بما يتضمن عدمُ الضبط والإتقان (مُهَوّرا) كمن يكتفي بمجرَّدِ الاطلاع على سماع شيخِه بذاك الكتاب، ويقرؤه من أَيِّ نُسخةٍ اتفقتْ، بدون مبالاة. فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٦٣ تخريجُ الساقطِ (تخريجُ الساقطِ) أي كيفيةُ التخريج له، وما أُلحق به من التخريج للحواشي ونحوِها، و کیفیةُ كتابةٍ ذلك. والأصل في هذا الباب قولُ زيد بن ثابت - في نزول قوله تعالى: ﴿غيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾(١) بعدَ نزول: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، كما في [(«مسند أحمد))(٢) و] (سنن أبي داود)) -: «فألحقتُها. والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى مُلْحَقِهَا عند صَدْعِ في كَتِفٍ))(٣). (ويُكتب الساقطُ) - غَلَطاً - من أصل الكتاب (وهو) - أي المكتوب - في ٥٨٤ اصطلاح المحدِّثين والكُتَّاب: (اللَّحَقُ) بفتح اللام والمُهملة. وقد أَنْشَدَ المُبَرِّد: كَأَنَّهُ - بين أَسْطُرٍ - لَحَقُ (٤) مشتق من الإلحاق (حاشيةً) أي في حاشية الكتاب، أو بين سطوره إن (١) سورة النساء: الآية ٩٥. (٢) ما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م). (٣) أخرجه سعيد بن منصور في ((سُنَّنه)): باب ما جاء في فضل المجاهدين على القاعدين (٢/ ١٢٩)، وأبو داود في ((الجهاد)»: بابٌ في الرخصة في القعود من العذر (٢٤/٣) من طريق سعيدٍ بن منصور، وأحمدُ (١٩٠/٥ - ١٩١) بأسانيد رجالُها ثقات سوى عبد الرحمن بن أبي الزناد فإنه - كما في ((التقريب)) (٤٧٩/١) - صدوق تغير حفظُه لَمَّا قَدِمَ بغدادَ. (٤) عَجزُ بيتٍ أَوْرده المُبَرّد في ((الكامل)) (٥٤١/٢) وصدره: عُورٌ، وحُولٌ، وثالثٌ لَهُمُ وعزاه لعبدِ الله بن محمد بن أبي عُيَينة قاله يهجو ثلاثةَ أشخاص أحدهم أعورُ، والثاني أحولُ، والثالث قصير. وقد جاء الشطرُ المذكور في ((لسان العرب))، و(تاج العروس)) مادة (لحق) منسوباً لابن عُيَينة. تخريجُ الساقطِ ٦٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٥٨٥ كانت متسعةً، لكنه في الحاشية أولى، لسلامته مِن تَغْليس ما يُقرأ، لا سيما إنْ كانتِ السطورُ ضيقةً متلاصقةً، وليكنِ الساقطُ في جميع السطر - إنْ لم يتكرر - (إلى) جهة (اليمين) من جانِبَي الورقة، لشرفه (يُلْحَق، ما لم يكن) الساقطُ (آخرَ سطر) فإنه يُلحق إلى جهة اليسار، للأمن حينئذٍ من نقصٍ فيه بَعْدَه، وليكونَ متصلاً بالأصل، وإنْ أَلْحَق غيرُ واحد من العلماء(١) هذا أيضاً لجهة اليمين فاليسار أَوْلى (٢). فإِنْ تكرر أَلحقَ الثاني لجهة اليسار أيضاً، لأنهما لو جُمعا في جهةٍ واحدة وقع الاشتباه، وإن أُلحق الأولُ في اليسار، والثاني في اليمين تقابل طرفا التخريجتَين، وصار يُتوهّم - بذلك - الضربُ على ما بينهما، لكونه أحدَ طُرق الضَّرْبِ - كما سيأتي قريباً - (٣) اللهم إلا أنْ يقال: يُبعِد التوهّمَ رؤيةٌ اللَّحَقِ مكتوباً بالجانبين مُقابلَ التخريجتَين. (وليكن) الساقطُ في السطر من الجانبَين - إن لم يَزِدْ على سطر - ملاصقاً الأصل الكتاب صاعداً (لِفَوْقُ) - بضم القاف - إلى أعلى الورقةِ، لا نازلاً إلى أسفلها، لاحتمال وقوع سَقْطٍ آخرَ فيه أو بعدَه، فلا يجدُ له مُقَابِلَهُ موضعاً لو كتب الأول إلى أسفل. (و) إن زاد على سطر فلتكن (السطورُ أعلى) الطُرَّة المقابل لمحلّه نازلاً بها إلى أسفل بحيث تنتهي سطورُه إلى أصل الكتاب إن كان اللَّحَقُ في جهة اليمين، وإن كان في جهة الشمال ابتدأ سطورَه من جانب أصل الكتاب بحيثُ تنتهي سطورُه إلى جهة طرفِ الورقة. هذا فيما يُكتب صاعداً. فإن كان اللَّحَق نازلاً حيث كان في السقط الثاني، أو خالف في الأول انعكس الحالُ. ثم إن اتفق انْتهاءُ الهامِش قبلَ فراغ السَّقْطِ استعان بأعلى الورقة، أو بأسفلها حسبما يكون اللَّحَقُ من كلا الجهتين (ف) هذا الاصطلاحُ قد (حَسُنَ) ممن يفعلُه. (١) منهم عياض في ((الإلماع)) (١٦٤). (٢) بينما يرى القاضي عياضُ أنه لا وَجْهَ إلا تخريجهُ لليمين يرى ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٧٣) أنه لا وَجْهَ إلا تخريجُه للشمال. والسخاوي هنا يرى أن اليسارَ أَوْلی. (٣) (ص٧٦). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٦٥ تخريجُ الساقطِ كل هذا إنِ اتسعَ المحلُّ، لعدم(١) لَحَقٍ قبله في السطر نفسه، أو قريبٍ منه، وكذا إن كان الهامشُ من الجهتين عريضاً - كما هو صنيعُ أكثرِ المتقدمين - أو قريباً منه، ولم يَضِقَ أحدُهما مع ذلك بالحَبْكِ. فإن لم يكن كذلك تحرّی فيما يزول معه الإلباسُ، ولا يُظْلِم به القرطاسُ، مع الحرص على عدم إيصال الكتابة بطرفِ الورقة، بل يَدَعُ ما يحتمل الحَكَّ مراراً، فقد تعطّل بسبب إغفال ذلك الکثیرُ. (وخرّجن للسَّقط) أي للساقط الذي كَتَبْتَه، أو ستكتبه مما هو ثابت في ٥٨٦ أصل الكتاب. (من حيث سَقَطَ) خَطّاً صاعداً إلى تحتِ السطر الذي فوقَه، يكونُ (مُنْعَطِفاً له) أي لجهة السقْط من الحاشية يسيراً ليكونَ إشارةً إليه. (وقيل) لا تكفي الإشارةُ بالانعطاف بل (صِلْ) بين الخط وأولِ اللَّحَق (بخطٍ) يمتدُّ بينهما(٢). وهذا - وإنْ قال الرَّامَهُرْمُزِيُّ: إنَّه أجودُ لما فيه مِنْ مَزِيدِ البيان فهو - كما قال ابنُ الصلاح(٣): غَيْرُ مَرْضِيٍّ. بل قال عياض: ((إنه تَسْخِيم للكتاب وتَسْوِيدٌ له، وإن رأيتُه في بعض الأصول، لا سيما إنْ كثر التخريج))(٤)، قال: ((والأَوَّلُ أحسنُ، وعليه استمر العملُ عندنا))(٥)، ولذا اختاره ابنُ الصلاح (٦). نعم إنْ لم يكن ما يقابِلُ النقصَ خالياً، واضْطُرَّ لكتابته بموقع آخرَ: مَدَّ حينئذٍ الخطَّ إلى أول اللَّحَق، كما فعله غيرُ واحدٍ ممن يُعتمد، وذلك كما قال المصنف: ((جيد حسن))(٧). ولكن لا يتعين، بل يقوم مقامه: أن يكتب قِبَالَهُ - إن اتسع المحلُّ -: يتلوه كذا في الموضع الفلاني، أو نحوَ ذلك من رمزٍ وغيرِه مما یزول به اللبسُ. (وبعده) أي بعد انتهاء الساقِط - ولو كلمةً - (اكتب) - إشارةً إلى انتهائه، ٥٨٧ (١) في (س) و(ح): بعدم. من الناسخ. (٢) وهذا قولُ الرَّامَهُرْمُزِيّ في ((المحدث الفاصل)) (٦٠٦). (٣) في ((علوم الحديث)) (١٧٢). (٤) ((الإلماع)) (١٦٤). (٥) ((الإلماع)) (١٦٢). (٧) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٤١/٢). (٦) ((علوم الحديث)) (١٧١). تخريجُ الساقطِ ٦٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث وثبوتِه في الأصل -: (صحَّ) صغيرة - كما صرح به بعضُ المتأخرين - مقتصراً عليها (أو زِد) معها - كما حكاه عياض (١) عن بعضِهم - (رَجَعَا)، أو لا تكتب واحدةً منهما، بل اكتب: انتهى اللَّحَقُ. كما حكاه عياض - أيضاً - عن بعضهم، وفيهما تطويل(٢). أو اقتَصِر على: ((رَجَعَ)) كما أفاده شيخُنا. (أو كرَّر الكِلْمَةَ) - بسكون اللام - التي (لم تسقطْ) من أصل الكتاب، وهي تاليةٌ للمُلحَق بأن تكتبَها بالهامش أيضاً (معا. و) هذا وإنْ حكاه عياض(٣) عن اختيار بعض أهل الصَّنْعَة من المغاربة - وقال الرَّامَهُرْمُزِيُّ: ((إنَّه أَجْودُ))(٤) - قال ابنُ الصلاح: ((إنه ليس بمَرضي(٥)). وقال عياض - وتبعه ابنُ دقيق العيد -: ((إنه ليس بحَسَن))(٦)، (وفيه لَبْس) فربّ كلمةٍ تجيء في الكلام مرتين بل ثلاثاً لمعنّی صحيح، فإذا كررنا الكَلِمةَ لم نأمنْ أنْ تُوافقَ ما لا يمتنع تكريرُه إما جزماً - فتكوّنَ زيادةً موجّهة - أو احتمالاً فتوجبَ ارْتياباً وزيادةَ إشكالٍ. قال(٧): ((والصوابُ: التصحيح)). ٥٨٨ لكنْ قد نُسب لشيخنا: ((إنَّ ((صَحَ)) - أيضاً - ربما انتظم الكلامُ بعدها بها، فيُظن أنها من الكتاب)) انتهى. ولكنه نادرٌ بالنسبة للذي قبله، ويمكن أن يقالَ: يُبعده فيهما معاً الإحاطةُ بسلوك المُقَابَلِ لَه دائماً فيما يَحسُن معه الإثباتُ وما لا يَحسُن. وعلى كل حال: فالأحسنُ الرمزُ بما لا يُقرأ، كأنْ لا يُجوِّدَ (٨) ((الحاءَ)) من ((صحَّ)) - كما هو صنيعُ كثيرين - وكأَنَّ لهذه العلة استَحب بعضُهم - كما تقدم(٩) - تصغيرها . (١) ((الإلماع)). (١٦٢). (٢) جاء في حاشية (س) ما نصه: ((ومنهم من يكتبُ مع ((صح)): ((أصل)) وهو في المتأخرين)). (٤) (المحدث الفاصل)) (٦٠٧). (٣) في ((الإلماع)) (١٦٢). (٥) ((علوم الحديث)) (١٧٢). (٦) («الإلماع)) (١٦٣)، و((الاقتراح)) (٢٩٩). (٧) أي القاضي عياض، ((الإلماع)) (١٦٣). (٨) كذا في النسخ. وجاء في حاشية (ح): (يحوق) يعني بالحاء المهملة وآخره قاف ومعناه: لا يُظهر استدارةَ حرف الحاء من: ((صح)) لأن من معاني التحويق: الاستدارةَ. كما في ((القاموس)). وهو المقصود من التجويد هنا. والله أعلم. (٩) (آنفاً). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٦٧ تخريجُ الساقطِ (ول) ما يكونُ من (غير الأصل) مما يُكتب في حاشيةِ الكتاب من شرحٍ، أو فائدةٍ، أو تنبيهٍ على غلطٍ، أو اختلافِ روايةٍ أو نُسخةٍ، أو نحو ذلك (خَرِّجَ) له (بِوَسْط) بإسكان المهملة (كِلْمٍ) بسكون اللام (المَحَلّ) التي تُشْرَحُ أو يُنَبَّهُ على ما فيها، لا بين الكلمتين، ليفترقَ بذلك عن الأول(١). ٥٨٩ (و) لكن (لعياض (٢): لا تُخرِّجْ) بل (ضَبِّبٍ) على تلك الكلمةِ (أو صحِّحَنْ) بنون التأكيد الخفيفة، أي اكتبْ: ((صحَّ)) عليها (لِخوفٍ) دخول (لَيْس) فيه حيث يُظَن أنه من الأصل، لكون ذاك هو المختصَ بالتخريج له. (و) قد (أُبِي) أي مُنِعَ ما ذهب إليه عياض، لأنّ كلَّ من الضبّةِ، والتصحيحِ اصطُلِح به لغير ذلك - كما سيأتي قريباً - فخوفُ اللَّبْس أيضاً حاصلٌ، بل هوَ فيه أقرب، لافتراقٍ صورتَي التخريج في الأول(٣)، واختصاصِ الساقط بقَدْرٍ زائدٍ وهو الإشارة في آخره بما يدل على أنه من الأصل(٤). بل ربما أُشير للحاشية أيضاً بـ(حاء)) مهملة ممدودةٍ، وللنُّسخةِ بـ((خاء) معجمةٍ إن لم يُرمَزْ لها . ولذا قال ابنُ الصلاح: ((إن التخريجَ أَوْلَى وأدلُّ))، قال: ((وفي نفس هذا التخريج ما يمنع الإلباسَ))(٥). وهو حسن. وقرأت بخط شيخنا: ((محلُّ قول عياض إذا لم يكن هناك علامةٌ تُمَيِّزُه، كلون الحُمرة، أو دقةِ القلم)) انتهى. ولْيُلاحِظُ في الحواشي ونحوِها عدمَ الكتابة بين السطور، وتركَ ما يحتمل الحكّ من جوانب الورقة، ونحوَ ذلك مما قرّرناه. ولا يضجرْ من الإصلاح، والتحقيقِ له، وقد أنشد الشريفُ أبو عليّ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي موسى الهاشمي لأحمدَ بنِ حنبل (٦): (١) يعني أنَّ التخريجَ للساقط غيرُ التخريج لشرح كلمةٍ أو تنبيهٍ على غلط، فَخَطُ الأول يخرُج بين الكلمتين اللتين بينهما سَقَط الساقطُ، وخطّ الثاني يقع على الكلمة التي من أجلها خرَّج المُخَرَّجَ في الحاشية. انظر: ((علوم الحديث)) (١٧٤). (٢) في ((الإلماع)) (١٦٤). (٣) على ما مضى إيضاحُه في التعليق قريباً. (٤) وهو كتابةُ: (صح) أو ((انتهى اللحق)) أو نحوهما مما تقدم قريباً. (٥) ((علوم الحديث)) (١٧٤). (٦) أخرجها القاضي عياضٌ في ((الإلماع)) (١٦٥)، وذكرها كذلك العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٣٨/٢). تخريجُ الساقطِ ٦٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث يَضجرُ من خمسةٍ يُقَاسِبِها مَنْ طَلبَ العلمَ والحديثَ فلا وعند نَشْرِ الحديثِ يُفْنِيها دراهمٌ للعلوم يَجْمعُها وكثرةُ اللَّحْقِ في حواشيها يُضجِرُه الضربُ في دفاتِرِهِ يَغسلُ أثوابَه وبِزَّتَه مِنْ أَثَرِ الحِبْر ليس يُنْقِيها واللّحْق في النّظم: بإسكان الحاء، وكأنه خفّفها لضرورة الشعر. وقال غيره(١): مُحْكمُ النَقْلِ مُتقَنُ التَقْبيدِ خيرُ ما يَقْتَنِي اللبيبُ كتابٌ فَصَحَّ التبييضُ بالتَّسْوِيدِ خَظَّهُ عارفٌ نبيلٌ، وعاناه لا، ولا عابَهُ لَحَاقُ المَزيدِ لم يَخُنْه إِتقانُ نَقْطٍ وشَكْلٍ طُرَرٌ صُفِّفَتْ بِبِيضِ الخُدُود فكأنَّ التخريجَ في طُرَّتَيْهُ ويُناديك نَصُهِ مِن بعيد فَيُنَاچِیك شخصُه من قریبٍ واخْتَبِرْهُ تَجِدْه أُنْسَ المُرِيد فاصحَبَنْه تَجِدْه خیرَ جَلِیسٍ ولا تَكتبِ الحواشيَ في كتابٍ لا تَملكه إلا بإذن مالكه. وأما الإصلاح فيه فجوَّزه بعضُهم بدونه في الحديث قياساً على القرآن. (١) هو القاضي عياض، كما في ((الإلماع)) (١٦٥). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٦٩ التصحيح والتمريض، وهو التضبيب التصحيح والتمريض، وهو التضبيب (التصحيحُ) وهو كتابة: ((صح)) (والتمريضُ) وهو التضبيب. (وكتبوا) أي مَن شاء الله من المحدثين - أهلِ التقييد - ومن تأْسَّى بهم: ٥٩٠ (صحَّ)(١) تامةً كبيرة، أو صغيرةً - وهو أحسنُ - (على) أي فوق (المُعَرَّض) من حرفٍ فأكثرَ (للشك)، أو لخلافٍ فيه لأجل تكريرِهِ، أو غيرِهِ (إِنْ نَقْلاً) أي روايةً (ومعنَّى ارتُضِي) المُصحَّحُ عليه إشارةً بها إلى أنه لم يغفُلْ عنه، وأنه قد ضُبِط وصحَّ على ذلك الوجهِ، لئلا يُبادِرَ الواقفُ - ممن لم يتأملْ - إلى تَخْطِئَته. وقال ياقوتُ الرومي، ثم الحَمَوِي، الكاتبُ(٢): ((بل إشارةٌ إلى أنه كان شاكّاً فيه، فَبَحَثَ فيه إلى أنْ صَحّ، فَخَشي أنْ يُعاودَه الشكُّ، فكتبها ليزولَ عنه الشك فيما بعد))(٣). ثم إنَّ كونَها تُكتبُ على الحرف هو الأشهرُ الأحسن، وإلّا فلو كُتبت عنده بالحاشية - مثلاً - لا بِجانبه - لئلا يلتبسَ - كفى. لقول ابنِ الصلاح: ((كتابةُ (صحَّ)): على الكلام أو عنده))(٤) كما أنَّ كتابتها على المكرَّر من المعرَّض هو الأشهر أيضاً. وإلّا فقد قال ابنُ دقيق العيد: ((رأيت بعضَهم إذا تكررت كلماتٌ أو كلمةٌ يكتبُ عَدَدَها في الحاشية بحروف الجُمَّل(٥)). (١) وجاء في ((تذكرة السامع والمتكلم)) (١٨٢) أنه يكتب: (ح). وأشار محقق الكتاب في الهامش إلى أنه في نسخة أخرى: (صح). وهو الأقرب. (٢) الأديب المؤرخ، صاحب ((معجم البلدان)) وغيره. مات سنة ٦٢٦. ((التكملة)) (٣/ ٢٤٩)، و ((السير)) (٣١٢/٢٢). (٣) ((معجم الأدباء)) (٦/٢). (٤) ((علوم الحديث)) (١٧٤) حيث قال مُعرِّفاً ((التصحيح)): ((أما التصحيح فهو كتابة .. )) إلخ. (٥) ((الاقتراح)) (٢٨٦). وجُمَّل ـ كسكر -، وحروف الجمّل هنا المراد به: حساب الجمّل، قال في ((لسان العرب)» أواخر مادة (جمل): ((وحساب الجُمّل - بتشديد الميم - الحروف المقطعة على أبجد. قال ابن دُرَيد: ولا أَحسِبُه عربياً)). وقد يخفف. وجاء في ((المعجم الوسيط)) مادة (جمل): ((وحساب الجمّل: ضرب من الحساب يجعل فيه لكل حرف من = ٥٩١ التصحيح والتمريض، وهو التضبيب ٧٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث (و) كذا (مَرَّضُوا فَضَبَّبُوا) ما مَرَّضُوه حيث جعلوا (صاداً) مهملةً مختصرةً من ((صح))، - ويجوز أن تكونَ معجمةً، من ((ضبة)) - (تُمَدّ) بدون تجويف للمدّ، بل هكذا ((ص) (فوق الذي صحّ) من حرفٍ فأكثرَ (وُرُوداً) أي من جهة الوُرُودِ في الرواية، (و) لكن (فَسَدَ) من جهة المعنى، بأن يكونَ غيرَ جائزٍ من حيثُ العربيةُ، أو شاذّاً عند جمهور أهلِها، أو مصحَّفاً، أو ناقصاً لكلمةٍ فَأكثرَ، أو مقدَّماً أو مؤخّراً، أو أشباه ذلك، من غير خَلْطِ للإشارة بالمُمَرَّض لئلا يلتبسَ بخط الضَّرْب الآتي لا سيما عند صِغَر فتحتها، إشارةً بنصف ((صحَّ)) إلى أنَّ الصِحَّةَ لم تكمُل في ذاك المحلِّ مع صِحَّة نَقْلِه وروايتِه كذلك، وتنبيهاً به لمن يَنظرْ فيه على أنه مُتَتَبِّتٌ في نقله غيرُ غافل. وإنما اختص التمريضُ بهذه الصورة - فيما يظهر - لعدم تحتّم الخطأ في المُعَلَّم عليه. بل لعل غيرَه - كما قال ابن الصلاح(١) - ممن يقفُ عليه يُخرِّجُ له وجهاً صحيحاً. يعني ويتَّجِه المعنى، كما وقع لابن مالكٍ في كثير من روايات ((الصحيح))(٢). أو يظهرُ له هو بَعْدُ في توجيه صِحته: ما لم يظهرْ له الآن، فيسهلُ عليه حينئذٍ تكميلُها: ((صح)) التي هي علامةُ المُعَرَّض للشك. ووجدتُ في كلام ياقوت ما يشهد له، فإنه قال: ((الضبّةُ - وهي بعض: ((صح)) - تُكتب على شيء فيه شك ليُبحثَ فيه، فإذا تحرَّر له أتمّها بـ((الحاء)) فتصير: (صح))، ولو جعل لها علامةً غيرَها لتكلَّف الكَشْطَ لها، وكَتْبَ ((صَحَ)) مكانها))(٣) انتهى. وكونُ الضبّة ليستْ للجزم بالخطأ: مما يَتأيَّد به الصوابُ، من سَدِّ بابٍ الإصلاح خوفاً من ظهور توجيهِ ما ◌ُنَّ خَطَؤُه. وقد تجاسر بعضُهم، وأكثرُهم من متأخري المحدثين - كما أفاده عياض - كأبي الوليد هشام بنِ أحمدَ الوَقَّشِي (٤) - أحدٍ أكابر العلماءِ، وأهلِ اللغة - فكان الحروف الأبجدية عدد من الواحد إلى الألف على ترتيب خاص)). = (١) في ((علوم الحديث)) (١٧٥). (٢) فقد صنف كتاباً سمَّاه: ((شواهدُ التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح))، وراجع - مثالاً على ذلك - التعليق في (ص٢٣). (٣) ((معجم الأدباء)) (٦/٢). (٤) نسبة إلى (وَقَّش) - بفتح الواو، وتشديد القاف، وبالشين المعجمة - مدينة بالأندلس من أعمال (طليطلة). ((معجم البلدان)) (٣٨١/٥). مات أبو الوليد سنة ٤٨٨. ويُعرف بالكِنَاني أيضاً. ((السير)) (١٩/ ١٣٤). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٧١ التصحيح والتمريض، وهو التضبيب - كما قال تلميذُه عياض(١) : - إذا مرَّ به شيء لم يتَّجِهْ له وجهُه أصلحه بما يَظُن، اعتماداً على وُثُوقه بعلمه في العربية واللغة وغيرِهما، ثم يظهرُ أنّ الصوابَ ما كان في الكتاب وتبيَّن وجهُه، وأن ما غَيَّره إليه خطأً فاسد. كما سيأتي في ((إصلاح اللحن والخطأ))(٢). وإن كان ما وقع في الرواية خطأً مَحْضاً عند كلِّ واقفٍ عليه كتب فوقَه: ((كذا)» صغيرةً - كما قاله ابنُ الجَزَري، وتَبِعِه غيرُه(٣) - وبيَّن الصوابَ بالهامش كما سيأتي في: ((إصلاح اللحن))(٤). واستُعيرَ اسمُ الضَبّة لما ذكرناه، إما من ((ضَبة القَدَح)) التي تُجعل لما يكون به من كَسْر أو خَلَل. أشار إليه ابنُ الصلاح(٥). ولا يَخدِش فيه بأنَّ ((ضبة القَدَح)) للجَبْر، وهي هنا ليست جابرةً، فالتشبيه: في كونها جُعلت في الموضعين على ما فيه خَلَل . وإما من ((ضبة الباب)) لكون الحَرف مقفلاً لا يتَّجه لقراءةٍ، كما أن الضبة يُقْفَل بها. أشار إليه أبو القاسم إبراهيمُ بن محمد بن زكريا القُرَشي الزهري الأندلسي النحوي اللغوي، عُرف بـ((ابن الإفْلِيلي))(٦) - بكسر الهمزة، وفاء - نسبةً إلى ((إِقْلِيل)) - قرية بـ(رأس عين)) من أرض الجزيرة - لكون سَلَفِه نزلوها، يروي عن الأَصيلي(٧) وغيرِهِ، وعنه: أبو مروان الطُبْنِي(٨)، مات في ذي القعدة سنة إحدى وأربعين (١) انظر: ((الإلماع)) (١٨٦)، وراجع ((مشارق الأنوار)) (٤/١). (٢) (ص١٥٩). (٣) كالبدر ابن جماعة في ((تذكرة السامع والمتكلم)) (١٨٢). (٤) (ص١٥٩). (٥) في ((علوم الحديث)) (١٧٥)، واستبعده العراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٤٤/٢)، وفي ((التقييد والإيضاح)) (٢١٤)، وردّ هذا السخاويُ بقوله الآتي: ((ولا يخدش فيه ... )) إلخ. (٦) أخرج ذلك عنه عياضٌ في ((الإلماع)) (١٦٨ - ١٦٩)، وذكره ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٧٥)، وغیرُه. (٧) الإمام الحافظ عالم الأندلس أبو محمد عبد الله بن إبراهيم. نشأ بـ(أَصِيلا)، وروى ((صحيحَ البخاري)) عن أبي زيد المَرْوَزِي الفقيه عن الفَرَبْرِي. مات سنة ٣٩٢. ((جذوة المقتبس)) (٢٥٧)، و((السير)) (٥٦٠/١٦). (٨) بضم المهملة وسكون الموحدة وبعدها نون نسبة إلى (طُبْنَةَ) مدينةٍ بالمغرب. 11 التصحيح والتمريض، وهو التضبيب ٧٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وأربعمائة عن تسعين سنة (١). قال التِّبْريزي في «مختصره))(٢): ((ويجوز أنْ تكون إشارةً إلى صورة ((ضبة)) ليوافِقَ صورتُها معناها)). وقرأتُ بخط شيخنا ما حاصله: ((مقتضى تسميتها ضبةً: أن تكون ضَادُها معجمةً، ومقتضى تَتْميمِها بـ((حاء)) ((صح)): أن تكون مهملةً)). قال: (لكن لا يمتنع مع هذا أن تكون معجمةً)). ٥٩٢ (و) لم يَخُصُّوا الضبةَ بما تقدم، بل (ضَبَّبُوا) أيضاً (في) موضع (القطع والإرسال) ليشتركَ في معرفةِ محلِّ السَّقْط العارفُ وغيرُه، بل ربما يكون في بعض الأماكن لا يُذْركه العارفُ إلا بالنظر، فَيُكْفَى بما يَثِقِ به من ذلك مَؤونةَ التعبِ بالتفتيش (وبعضهم في الأَعْصُرِ الخَوَالي) حسبما وُجِد في الأصول القديمة (يكتب) أيضاً (صاداً، عند عطف الاسما) بعضها(٣) على بعض حيث يقال - مثلاً -: حدثنا فلان، وفلان، وفلان فـ(تُوهم) مَنْ لا خِبْرَةَ له كونَها (تَضْبیباً) وليست بضبة، بل كأنها - كما قال ابنُ الصلاح - (٤): ((علامةُ وَصْلٍ فيما بينها (٥)، أُثْبِتَتْ تأكيداً للعطف خوفاً من أن يَجْعَلَ غيرُ الخبير مكانَ ((الواو)): ((عن)). ٥٩٣ (كذاك إذْ) أي حيثُ (ما يَختصرُ التصحيحَ بعضٌ) من المحدثين، فيقتصرُ على ((الصاد)) (يُوهم) أيضاً كونَه تَضْبيباً بل هو أقرب إلى الإيهام(٦) مما قبله، (وإنَّما يَمِيزُهُ) - بفتح أوله - في الصورتين (مَنْ يَفْهم) فالفِظْنة والإتقانُ مِنْ خير ما أُوتِيه الإنسان. ٥٩٤ ((الأنساب)» (٢١٢/٨)، وذكر أنَّ هذا هو المحفوظ. وأبو مروان هذا: هو الأديب اللغوي = المحدث عبد الملك بن زيادة الله التميمي. مات بعد سنة ٤٥٠. ((جذوة المقتبس)» (٢٨٤). (١) له ترجمة في ((جذوة المقتبس)) (١٥١)، و((وفيات الأعيان)) (٥١/١). (٢) يعني ((مختصر علوم الحديث لابن الصلاح)) للإمام العلامة تاج الدين علي بن عبد الله الإردبيلي الشافعي. مات سنة ٧٤٦. ((الدرر الكامنة)) (٧٢/٣)، و((الشذرات)) (١٤٨/٦). (٤) في ((علوم الحديث)) (١٧٦). (٣) في (س): بعضاً. (٥) أي بين الأسماء المعطوفِ بعضِها على بعض. وجاء في النسخ: (بينهما): والمثبت: من ابن الصلاح. (٦) في (س) و(م) الإبهام. بالموحدة. من الناسخ. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٧٣ الكَشْطُ، والمَحْوُ، والضَّربُ (الكَشْطُ، والمَحْوُ، والضَّرِبُ) وغيرُها مما يُشار به لإبطال الزائد ونحوِهِ. ومناسبتُه لإلحاق الساقط ظاهرةٌ. ٥٩٥ (وما يزيد في الكتاب) أو يُكتَب على غير وجهه (يُبْعَد) عنه بأحد أمور مما سلكه الأئمة، إمّا (كَشْطاً) أي بالكشط، وهو بالكاف، والقاف: سلخُ القرطاس بالسكين ونحوها. تقول: كَشَطْتُ البَعِيرَ کَشْطاً: نزعت جلدَه. وكَشطتُ الجُلَّ(١) عن ظهر الفرس، والغطاءَ عن الشيء: إذا كشفتَه عنه. وقد يُعبّر عن الكَشْط بالبَشْر تارةً، وبالحكِّ أخرى، إشارةً إلى الرفق بالقرطاس. وإما (مَحْواً) أي بالمحو، وهو الإزالة بدون سَلْخ حيث أمكن، بأن تكون الكتابةُ في لوح، أو رَقِّ، أو ورق صقيلٍ جداً في حالٌ طَرَاوَةٍ المكتوب، وأَمْنِ نفوذِ الحِبر بحيث يَسْودُ القرطاس. قال ابن الصلاح: ((وتتنوّع طرق المحو))، يعني فتارة يكون بالإصبع، أو بِخِرقة. قال: ((ومن أَغْربها - مع أنه أَسلمُها - ما رُوي عن سَحْنُون - أحدٍ الأئمة من الفقهاء(٢) المالكية (٣) - أنه كان ربما كتب الشيء ثم لَعِقَه))، قال: ((وإلى هذا يُومئ ما رُوِّينا - يعني مما أسنده عياض(٤) - عن إبراهيمَ النَّخَعِي أنه كان يقول: من المروءة أن يُرَى في ثوب الرجل وشفتَيه مِداءٌ(٥))، يعني لدلالة ذلك على اشتغاله بالتحصيل. (١) الجل - بضم الجيم وفتحها - ما تُلْبَسُهُ الدابةُ لتُصَانَ به. ((القاموس - جلل)). (٢) في (س) و(م): فقهاء. (٣) الإمام العلامة فقيه المغرب أبو سعيد عبد السلام بن حبيب التنوخي. مات سنة ٢٤٠. ((ترتيب المدارك)) (٥٨٥/٢)، و((السير)) (٦٣/١٢). (٤) في الإلماع)) (١٧٣). وفيه أيضاً ما رُوِي عن سُحْنُون. (٥) ((علوم الحديث)) (١٧٩). الكَشْطُ، والمَحْوُ، والضَّربُ ٧٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث قال ابن العربي(١): ((وهكذا أخبرني أصحاب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أن ثيابَه كأنما أُمِطِرت مِدَاداً)). ولا يأنف من ذلك، فقد حكى الماوَرْدي في ((الأدب)): ((أن عبيد الله بنَ سليمانَ رأى على ثوبه أَثَرَ صُفْرةٍ فأخذ من مداد الدّواة وطَلَاه به، ثم قال: المِدَادَ بنا أحسنُ من الزَّعْفَران، وأنشد: إنما الزَّعفَرانُ عِظْر العذارى ومِدَادُ الدُّوِيِّ عِطْرُ الرجال(٢)) ونحوُه: أن بعضَ الفضلاء كان يأكل طعاماً فوقع منه على ثوبه، فكساه حِبْراً، وقال: ((هذا أَثَرُ عِلْم، وذاك أَثَرُ شَرَهٍ)(٣). وللأديب أبي الحسن الفَنْجُكِردي (٤): أَحبُّ إلينا من الغالِية مِدَادُ الفقيه على ثوبه فإن له همةً عالية ومن طَلَب الفقهَ ثم الحديثَ م بأرواحهم لم تكن غالية ولو تَشترِي الناسُ هذي العلو نجوٌ، وفي العُصُرِ الخالية(٥) رُواةُ الأحاديثِ في عصرنا وعن ابن المبارك قال: ((إذا كان يومُ القيامة وُزِنَ حِبْرُ العلماء، ودم الشهداء، فيرجُح حبرُ العلماء على دم الشهداء))(٦). بل يُروَى في حديث ضعيف (١) الإمام الحافظ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن الإشبيلي المالكي، مات سنة ٥٤٣. ((الصلة)) (٥٩٠/٢)، و((السير)) (١٩٧/٢٠). (٢) ((أدب الدنيا والدين)) (٧٢). وأورد الذهبيُّ هذا البيتَ في ((السير)) (٢٢٦/١٥) في ترجمة الوزير أبي علي بنِ مُقْلة المتوفى سنة ٣٢٨. في قصة مشابهة. و(الدُويّ) جمع دواة. (٣) جرى نحوُها في ((السير)) (٢٢٦/١٥) لأبي علي بن مُقْلة السابق. (٤) بفتح الفاء وسكون النون وضم الجيم - أو سكونها - وكسر الكاف، وسكون الراء ثم دال مهملة نسبة إلى (فَنْجُكِرد) قرية بنواحي نيسابور. ((الأنساب)) (٣٣٤/٩). (٥) ترجم السمعاني في ((الأنساب)) (٣٣٤/٩) لقائل هذه الأبيات فقال: ((أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الفنجكردي الأديب البارع، صاحب النظم والنثر الجاريين في سلك السَلاسَة))، وذكر أنه مات سنة ٥١٣. (٦) أصله حديث: ((مداد العلماء أفضل من دم الشهداء))، وهو حديث قال كثير من أهل العلم بوضعه. وللتوسع فيه تراجع: ((المقاصد الحسنة)) (٣٧٧)، و((الأسرار المرفوعة)) (٣١٢)، و((الفوائد المجموعة)) (٢٨٧). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٧٥ الكَشْطُ ، والمَحْوُ، والضَّربُ عند النميري، وغيره عن أنس رفعه: ((يحشِّر الله أصحابَ الحديث، وأهل العلم يوم القيامة، وحبرهم خَلُوقٌ(١) يفوح .. )) الحديث(٢). (و) إما (بضرب) على الزائد، وهو (أجودُ) من الأمرين المتقدمين. وقال الخطيب: ((إنه المستحب، لقول الرامهرمزي: قال أصحابنا: الحُّ تُهْمَة))(٣). يعني بإسكان الهاء في الأكثر - وقد تحرّك ــ من الاتهام بمعنى الظن، حيث يتردد الواقفُ عليه - والله أعلم -: أكان الكشطُ لكتابة شيء بَدَلَهُ، ثم لم يتيسر، أو لا؟ ولكن قد يزول الارتياب - حينئذٍ - بكتابة: ((صح)) في البياض، كما رأيتُ بعضَهم يفعله. نعم، وربما يثبت ما كُشط في رواية أخرى صحيحةٍ، فيشق على من رام الجمعَ بين الروايات عَوْدُ كتابته ثانياً، فإذا كان قد خطّ عليه أولاً اكتفى بعلامة الراوي الآخر عليه، كما رواه عياض عن أبي بحر سفيانَ بنِ العاص الأسدي حكايةً عن بعض شيوخه قال - أعني هذا المبهمَ -: ((وكان الشيوخ يكرهون حضورَ السكين مَجْلِس السماع حتى لا يُبْشَر شيء)» (٤). ولكن قد اختار ابنُ الجَزَري تفصيلاً نَشَأَ له عن هذا التعليلِ فقال: ((إن تحقق كونَه غلطاً سَبَقَ إليه القَلمُ فالكشط أَوْلى، لئلا يُوهِمَ بالضرب أن له أصلاً، وإلا فلا))(٥). على أنه لا انحصار لتعليل الأجودية فيما ذكر، فقد رأيتُ مَن قال: ((لما في الكشط من مزيد تعب يضيعُ به الوقتُ، وربما أفسد الورقة وما يَنفُذ إليه، بل ليس يخلو بعضُ الورق عن ذلك))، وما أحسن قولَ القائل: حِذْقُكَ في الكَشْطِ دليلٌ على أنك في الخطّ كثيرُ الغَلَط والمَحْوُ غالباً مُسَوِّدٌ للقرطاس. وأنكر أبو إسحاق الحبّال ــ الحافظ المصري - الحكَّ في الكتاب من وجهين: أحدهما: أنه يُضعف الكتابَ. والثاني أنه يُوهِم. فإذا ضُرب عليه يُفْهَم المكتوبُ ويسلَمُ صاحب الكتاب من التهمة. (١) أي طِيبٌ. ((النهاية)) (٧١/٢). (٢) ينظر ((القول البديع)) (١٨٩ - ١٩٠). (٣) انظر: ((الجامع)) (٢٧٨/١)، و((المحدث الفاصل)) (٦٠٦). (٤) ((الإلماع)) (١٧٠). (٥) ((تذكرة العلماء)) لابن الجزري (١٨/ ب). كما ذكره محققُ ((كتاب الإرشاد)» للنووي، (ص٣٤٤). الكَشْطُ، والمَحْوُ، والضَّربُ ٧٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ثم إن لكون الضرب علامةً بينةً في إلغاء المضروب عليه: رُوِّينا في ((الجامع)) للخطيب من طريق عبد الله بن المعتز أنه قال: ((من قرأ سطراً ضُرب عليه من كتاب فقد خان، لأن الخطّ يخزن ما تحته))(١). وإليه أشار الحافظ الْيَغْمُوري(٢) فقال: «قال بعض العلماء: قراءةُ السطرِ المضروبِ خيانةٌ». ٥٩٦ (وصله) أي الضربَ (بالحروف) المضروبِ عليها بحيث يكون مختَلِطاً بها حالَ كونه (خطاً) كما نقله عياضٌ عن أكثر الضابطين. قال: ((ويسمّى أيضاً - يعني عند المغاربة - الشَق)) (٣) انتهى. وهو مأخوذ من الشق: وهو الصدع في الإناء، زُجاجاً، أو غيرَه، لاشتراكهما في الصدع، لا سيما والحرف صار بالخط فوقه كأنه شقّ، أو من شق العصا وهو التفريق لكونه فرّق بين الزائد والثابت. قال المصنف: ((ويوجد في بعض النسخ من ((ابن الصلاح)): ((النَّشْق)) بزيادة نون مفتوحة في أوله، وسكون المعجمة، فإن لم يكن تصحيفاً وتغييراً من النساخ فكأنه مأخوذ من: ((نَشِقَ الظبيُّ في الحَبَالة - وهي التي يُصاد بها - أي عَلِق فيها، من جهة إبطال حركة الكلمة بالخط وإهمالها، حيث جُعلت في صورة وَثَاق يمنعها من التصرف))(٤) انتهى. ومنه: رجل نَشِقٌّ: إذا كان يدخل في أمور لا يكاد يَخلُص منها. ونحوُ ما نقله عياض(٥): قولُ الرامهر مزي(٦) - وتبعه الخطيب(٧) وغيرُهُ (٨) -: ((أجودُ الضرب أن لا يطمسَ الحرفَ المضروبَ عليه، بل يخط من فوقه خطاً جيداً بيّناً يدل على إبطاله، ولا يمنع قراءته)). يعني للأمن من الارتياب. (أو، لا) تَصِلْ خطّ الضرب بالمضروبِ عليه، بل اجعله أعلاه، كالأول أيضاً لكن منفصلاً عنه (مع عطفه) أي الخط من طَرَفَي المضروب عليه، بحيث (١) ((الجامع)) (٢٧٨/١). (٢) جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمود، ممن عُني بالحديث، وتعب وحصَّل، وكتب الكثير من الحديث والأدب. مات سنة ٦٧٣. ((فوات الوفيات)) (٣٣٨/٤). (٣) ((الإلماع)) (١٧١). (٤) ((التقييد والإيضاح)) (٢١٦). (٦) في ((المحدث الفاصل)) (٦٠٦). (٥) في ((الإلماع)) (١٧١). (٧) في ((الجامع)) (٢٧٨/١). (٨) كابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٧٧)، والنووي في ((تقريبه)) (٨٤/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٧٧ الكَشْطُ ، والمَحْوُ، والضَّربُ يكون كالنون المنقلبة(١). أشار إليه عياض عن بعضهم، وقال - وتبعه ابن الصلاح(٢) -: ((إن منهم من يستقبحُ هذا الضربَ بقِسمَيْه، ويراه تسويداً وتَغْليساً))(٣). ويقتصرُ على غيره مما سيأتي. (أو كتبَ) (٤) أي ويُبْعَد الزائد أيضاً بكَتْب: (لا) أو ((مِنْ)) في أوله (ثم: إلى) في آخره، وذلك - والله أعلم - فيما يجوِّزون: أنَّ نفْيَه أو إثباتَه غيرُ متفقٍ عليه في سائر الروايات. ولذا يُضاف إليه ببعض الأصول: الرمزُ لمن وقع عنده أو نُفِيَ عنه من الرواة. وقد يقتصر على الرمز، لكنْ حيث يكون الزائد كلمةً أو نحوَها. وقد قال ابن الصلاح ـ تبعاً لعياض -: ((إن مثلَ هذه العلامةِ تحسُنُ فيما ثَبَتَ في روايةٍ، وسقَط من أخرى))(٥). (أو نصفَ) أي يُبعَد الزائدُ - أيضاً - بتحويق نصف (دارةٍ) كالهلال(٦). حكاهما(٧) عياض عن بعضهم (٨)، واستقبَح غيرُه ثانيهما، كما حكاه ابن الصلاح(٩). (وإلا صِفْراً) أي يُبعَد بتحويق صفر - وهو دائرة منطبقة صغيرة (١٠) - حكاه عياض عن بعض الأشياخ المحسنين لِكَتْبِهِم. قال: ((سُميتْ بذلك لخلوٍ ما أشير إليه بها عن الصِّحة، كتسمية الحُسَّاب لها بذلك لخلوّ موضعها من عَدَد(٨)). ثم إذا أُشيرَ للزائد بواحد من: ((الصفر)) و((نصف الدائرة)) فليكن (في كل ٥٩٧ (١) بل - كما في ((التدريب)) (٨٥/٢)، و((فتح الباقي)) (١٤٨/٢) - هكذا: ٢٦. هذا وذكر البدرُ ابن جماعة في ((تذكرة السامع والمتكلم)) (١٨٥): أن منهم مَنْ يجعل مكانَ الخط نُقَطاً متتاليةً. وأضاف محقق الكتاب في الحاشية: أن بعضَ الكُتاب يجمع الخطّ والنُّقَطَ جميعاً عند الضرب على المكررات. (٢) في ((علوم الحديث)) (١٧٧). (٣) ((الإلماع)) (١٧١). (٤) منصوب بنزع الخافض. أي ويُزَال الزائدُ ... أو بِكَتْبٍ ... إلخ. قاله العراقيُّ في ((شرحه)) (١٤٨/٢). (٥) ((علوم الحديث)) (١٧٨)، و((الإلماع)) (١٧١). (٦) هكذا: ( ). (٧) أي الضرب والتحويق. (٨) («الإلماع)) (١٧١). (٩) بل حكى ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٧٧) - وقبله عياض في ((الإلماع)) (١٧١) - أن من الأشياخ من يستقبحُ الضربَ والتحويقَ. (١٠) هكذا: ٥° الكَشْطُ، والمَحْوُ، والضَّربُ ٧٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث جانب) بأصل الكتاب، إن اتسع المحلُّ ولم يلتبس بالدائرة التي تُجعلُ فصلاً بين الحديثين(١)، ونحوِ ذلك، وإلا فأعلى الزائد، كالعلامة قبلهما(٢). ٥٩٨ (وعَلِّم) أيها الطالبُ لما تُبْعِده بأحد ما تقدم (سطراً سطراً، إذا ما كثرت سُطورُهُ) أي الزائد بأن تُكررَ تلك العلامةَ في أول كل سطر وآخرِهِ، لما فيه من البيان والإيضاح (أو، لا) تُكَّرِّرْها، بل اكتف بها في طَرَفَي الزائد فقط. حكاه عیاض عن بعضهم(٣). ٥٩٩ (وإن حرفٌ) يعني كلمةً، أو غيرَها (أتى تكريرُه) غَلَطاً (فَأَبْق) - على وجه الاستحباب -: (ما) هو (أولُ سطر) سواء كان الأولُ من المكرر (٤)، أو الثاني(٥) (ثم) إن يكن أحدهما بأوله (٦) فأبق (ما) هو (آخرُ سطر) بحيث يكون المضروبُ عليه حينئذٍ هو الأولُ، مراعاةً لأوائل السطور ثم أواخرِها أن تُطْمَسَ وتُشَوَّهُ(٧). (ثم) إنْ كان التَّكرارُ لهما وَسَطَ السطر فَأَبْقِ (ما تقدّما) منهما، لأنه قد كُتب على الصوابِ، والثاني خطأً فهو أولى بالإبطال. (أو اسْتَجِدْ) أي أبق أجودَهما صورةً، وأدلَّهما على قراءته. وهذان (قولانٍ) أطلق الرَّامَهُرْمُزِيُّ (٨) وغيرُهُ(٩) حكايتَهما في أصل المسألة من غير مراعاةٍ لأوائل السطور. ٦٠٠ ومحلُّهما عند عياض(١٠): ما إذا كانا في وَسَطِ السطر كما بيناه. و(ما لم يُضَفْ) المكرَّرُ (أو يُوصَف او نحوَهما) - بالنقل - كالعظْف عليه، (١) وهي المتقدم ذكرها (ص٣٩) من هذا الجزء. (٢) يعني إن اتسع المحلُّ بأصل الكتاب لجعل الصفر أو التحويق بنصف الدائرة على جانبَي الكلام الزائد فَبِها، وإلا فتُجعلان فوقه كما في علامة الضرب المذكورة قبلهما. (٤) أي كانا في أول السطر. (٣) في ((الإلماع)) (١٧١). (٥) بأنْ كان أحدُهما في آخر سطر والثاني في أول السطر الذي يليه. (٦) وَهِمَ المؤلفُ كَثُ في هذا، والصواب: (ثم) إنْ كانا بآخره. (٧) الخلاصة: أنه إنْ تكرّر الحرفُ في أول سطرٍ مرتين فيُصربُ على الثاني مراعاةً لأوائل السطور عن التشويه، فإنْ كانا في آخر سطرً ضُرب على الأول منهما مراعاةً لأواخر السطور، فإنْ كان أحدهما في آخر سطر والثاني في أول السطر الذي يليه ضُرب على الأول منهما لأنّ أولَ السطر أُوْلى بالمراعاة. (٨) في ((المحدث الفاصل)) (٦٠٧). (٩) كالخطيب في «جامعه» (٢٧٦/١). (١٠) في ((الإلماع)) (١٧٢) ومَنْ بَعْدَهُ كابن الصلاحِ وغيرِه. فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٧٩ الكَشْطُ، والمَحْوُ، والضَّربُ والخَبَرِ عنه (هـ) إن كان كذلك فـ(أَلَّفٍ) بَيْنَ المضافِ والمضاف إليه، وبينَ الصفة والموصوف، وبين المبتدأ والخبر، بأن تَضْرب على الحرف المتطرف من المتكرر دون المتوسط، ولا تفصلْ بالضرب بين ذلك مراعياً - بالفصل - الأوَّل والأجود (١)، إذ مراعاةُ المعاني المقرِّبةِ للفهم أَوْلى من ذلك. واستَحْسَنه ابنُ الصلاح(٢). ومما ینبّه عليه أمور: أحدها: إذا وقع في الكتاب تقديمٌ وتأخير فمنهم من يكتبُ أوَّلَ المتقدم كتابةً: يُؤَخَّر. وأوَّلَ المتأخر: يُقَدَّم. وآخرَه: ((إلى)). كلُّ ذلك بأصل الكتاب إن اتسع المحل، أو بالهامش. ومنهم: من يرمُز لذلك بصورة: ((م)) وهذا أحسنُ، إن لم یکن المحلُّ قابلاً لتوَهُّم أن الميمَ رَقْمٌ(٣) لكتاب: ((مسلم)). ثم إن محَلَّه في أكثرَ من كلمة؛ لكون شيخنا كان يرى في الكلمة الواحدة الضربَ عليها، وكتابتها في محَلِّها . ثانيها: إذا أَصلح شيئاً: نَشَرَه حتى يَجِفَّ، لئلا يُطَبِّقَه فينطمِسَ، فيفسُدَ المُصلَحُ وما يقابله. فإن أحبّ الإسراعَ ترَّبَه بِنُحَاتَةِ السَّاجِ(٤). ويتقي استعمالَ الرَّمْل إلا أنْ يُزِيلَ أثرَه بعد جفافه، فقد كان بعضُ الشيوخ يقول: ((إنه سَبَبٌ لِلأَرَضَة)). وكذا يتقي الترابَ كما صرح به الخطيب في ((الجامع))(٥)، وساق من طريق عبد الوهاب(٦) الحَجَبي قال: ((كنتُ في مجلس بعضِ المحدثين، وابنُ معين بجانبي، فكتبت صَفْحاً، ثم ذهبت لأُتَرِّبَه، فقال لي: لا تفعل، فإن (١) في النُّسَخ الثلاث: ((لأول ولا أجود)). وفي ((النسخة الأزهرية)): لا أول ولا أجود. والصواب عندي ما أثبتُّه لأن المكررَ إذا كان مضافاً أو مضافاً إليه أو صفة أو موصوفاً فيضرب على المتطرف منهما. ولا يُراعَى في هذه الحالة الأولُ، ولا الأجودُ صورة بل مراعاة المعاني المقرِّبة للفهم أولى. والله أعلم. (٢) في ((علوم الحديث)) (١٧٨). (٣) أي: عَلَامَة. (٤) في (تاج العروس)) مادة (نحت): ((والنُّحَاتة - بالضم -: ما نُحت من الخشب، والبُرَايةُ)). والمراد هنا: ما يَسقط من القِشْر عند نَحت الخشب. والله أعلم. (٥) (٢٧٨/١). (٦) كذا في النسخ ((من طريق عبد الوهاب)) ومثله عند السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (٤٣). والذي عند الخطيب في ((جامعه)) (٢٧٨/١): ((ابن ابن عبد الوهاب)). وجاء في ((أدب الإملاء)) (١٧٣ - ١٧٤) للسمعاني من طريق الخطيب: ابن عبد الوهاب)). وما بان لي - حتى الآن - وجهُ الصواب فيه. والله أعلم. الكَشْطُ، والمَحْوُ، والضَّربُ ٨٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الأَرَضَة تسرعُ إليه. قال: فقلت له: الحديثُ عن النبيِ نَّهِ: ((تَرِّبُوا الكتابَ، فإن الترابَ مباركٌ، وهو أنجح للحاجة))؟ قال: ذاك إسناد لا يَسْوَى فَلْساً(١). ونحوُه قول العُقيلي: ((لا يُحفَظ هذا الحديث بإسناد جيد)»(٢)، بل قال ابنُ حبان: ((إنه موضوع))(٣). قلت: وفيه نظر، فهو عند الترمذي في ((الاستئذان)) من ((جامعه)) من طريق حمزة النَّصِيبي عن أبي الزبير عن جابر رفعه: ((إذا كتب أحدكم كتاباً فليتربه فإنه أنجح للحاجة)). وقال عقبه: ((إنه منكر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه)). كذا قال: وقد رواه ابن ماجه في ((الأدب) من ((سُنَنه)) من طريق بقيّةَ بنِ الوليد عن أبي أحمدَ بنِ علي الكَلَاعي عن أبي الزبير، لكن بلفظ: (ترِّبُوا صُحُفَكم أَنْجَحَ لها، لأن الترابَ مبارك)). بل في الباب عن ابن عباس وأبي هريرة - وكلاهما عند ابن عدي في: ((كامله)) - لفظُ أولهما: ((ترِّبوا الكتاب، واسْحُوه - أي اقشُرُوه - من أسفله، فإنه أنجحُ للحاجة)). وعن هشام بن زياد أبي المقدام عن الحجاج بن يزيدَ عن أبيه رفَعَه: («تربوا الكتاب فإنه أنجح له))، إلى غيرها من الطرق الواهية. ويمكن - إن ثَبَتَ - حملُه على الرسائل التي لا تُقْصَدُ - غالباً - بالإبقاء. وقد قيل: إن مما يدفع الأَرَضَة كتابةَ: ((فارق مارق احبس حبساً، أو كبلج))(٤)، فالله أعلم. (١) أخرج هذه القصةَ الخطيبُ في ((جامعه)) (٢٧٨/١)، والسمعاني في ((أدب الإملاء)» (١٧٣). وأما حديث تَتْريب الكتاب فأخرجه الترمذي في ((الاستئذان)): باب ما جاء في تتريب الكتاب (٦٦/٥) عن جابر وقال: ((هذا حديث منكر)). وابن ماجه في ((الأدب)): باب تتريب الكتاب (٢/ ١٢٤٠) بنحوه عن جابر، وفي سنده أبو أحمد الدمشقي وهو مجهولٌ كما في ((المقاصد الحسنة)) (٤٣)، وأخرجه أيضاً غيرُهما أشارَ المؤلف إلى ذكر بعضهم، وأسانيدها - كما قال - واهية. وانظر: ((الكامل)) (٢٩٤/١، ٥٠٥/٢، ٢٢٧١/٦)، و((كنز العمال)) (٢٤٥/١٠)، و((فيض القدير)) (٤٣٢/١). (٢) ((الضعفاء الكبير)) (١/ ٢٩١) في ترجمةِ حَمزةَ النّصِيبِي بنحوه، وفيه (قربوا) بدلاً من (تربوا). وهو خطأ . (٣) ((المجروحين)) (١٣٤/١، ٢٠٢). (٤) في (الأزهرية): أو كجلج. وهو كلام غير مفهوم، وإيراد المؤلف لمثل هذا الكلام هَقْوة ما كان ينبغي أن تقعَ منه، إذِ الكلامُ المشروع ما كان مفهوماً وأَذِنَ فيه الشارعُ وهذا ليس كذلك. عفا الله عني وعنه وعن جميع المسلمين.