Indexed OCR Text

Pages 401-420

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٠١
الثالث: الإجازة
الربيع(١)، وحكي عن أبي يوسف - أيضاً(٢) -، وإليه ذهب الشيخان(٣).
ولكن شيخنا متوقف في كون البخاري كان [يراها] (٤) فإنه قال: إنّه لم
يذكر - يعني: في العلم(٥) من ((صحيحه)) (٦) - الإجازة المجردة عن المناولة أو
المكاتبة، ولا الوجادة، ولا الوصيَّة، ولا الإعلام المجرَّدات عن الإجازة،
وكأنَّه لا يرى بشيء منها. انتهى (٧).
وقد يغمض الاحتجاج لصِحّتها، ويقال: الغرض من القراءة الإفهام،
والفهم حاصل بالإجازة المفهمة، وهذا مأخوذ من كلام ابن الصَّلاح، فإنَّه
قال: وفي الاحتجاج لذلك غموض (٨)، أي: من جهة التَّحديث والإخبار
بالتفاصيل.
ويتَّجه أن نقول: إذا جاز له أن يروي عنه مروياته يعني: المُعَيَّنة أو
المعلومة، فقد أخبره بها جملة، فهو كما لو أخبره بها تفصيلاً، وإخباره له بها
لا يتوقَّف على التَّصريح نطقاً، يعني: في كلِّ حديثٍ حديث كالقراءة، وإنَّما
الغرض حصول الإفهام والفهم؛ وذلك يحصل بالإجازة المفهمة (٩).
وارتضاه كلّ من بعده، لكن قد بحث فيه بعض المتأخِّرين، وقال: إنَّه
قياس مجرد عن العلَّة، فلا يكون صحيحاً، وأيضاً: فمنع الإلحاق متجه،
والفرق ناهض؛ إذ لا يلزم من الجواز في المفصل الجواز في المجمل، لجواز
خصوصية في المفصل، ولو عكس لجاز(٩).
(١) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٤ - ١٣٥)، وانظر ما تقدم (ص٣٩٤).
(٢) ((التحرير)) لابن الهمام (ص ٣٤٠)، و((فواتح الرحموت)) (١٦٥/٢).
(٣) (الكفاية)) (ص ٤٥٠).
(٤) كذا في (ح)، (س)، وفي (م): يرى بها.
(٥) في حاشية (س): أي في باب العلم.
(٦) ((صحيح البخاري)) (١/ ١٥٣).
(٧) ((فتح الباري)) (١٥٦/١).
(٨) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص ١٣٥ - ١٣٦).
(٩) وضح الدكتور نور الدين عتر في كتابه ((منهج النقد في علوم الحديث)) (ص٢١٥ -
٢١٦) الاستدلال لصحة الإجازة، فقال: إن العلماء اعتمدوا على الإجازة بعد ما دون
الحديث، وكتب في الصحف، وجمع في التصانيف، ونقلت تلك التصانيف والصحف
عن أصحابها بالسند الموثوق الذي ينتهي بقراءة النسخة على المؤلف، أو مقابلتها

الثالث: الإجازة
٤٠٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وفيه نظر، فابن الصَّلاح لم يجرد القياس عن العلَّة؛ بل صرَّح بأنَّ الإفهام
يعني الإعلام بأنَّ هذا مرويُّه هو المقصود بالقراءة؛ وذلك حاصل بالإجازة
المفهمة .
على أنَّ هذا الباحث قد ذكر في الرَّدِّ على الدَّبَّاس ومن وافقه ما لعله
انتزعه من ابن الصَّلاح، فإنّه قال: والحقّ أنّ الرّاوي بها إذا أخبر بأنَّ الذي
يسوقه من جملة تفاصيل ما تعلقت به الإجازة، وأنّه فرد من أفراد تلك الجملة
التي وقع الإخبار بها، وأنّه قد [أجيز](١) به على هذه الكيفية، لا من جهة تعينه
وتشخصه، فلا نزاع أنّ هذا ليس من الكذب في شيء، وعليه يتنزل الجواز.
انتھی.
والإفصاح في الإخبار بكونه إجازة بعد اشتهار معناها كاف.
وكذا يستدل لها بقوله وَلجر: ((بلِّغوا عنِّي ... )) الحديث(٢)، فقد استدل به
البلقيني(٣)، كما سيأتي(٤)، للإجازة العامة، فيكون هنا أولى.
ثم إن ما تقدم(٥) عن الشّافعي حمله الخطيب(٦) والبيهقي(٧) على الكراهة،
ويتأيد بتصريح الرّبيع بالجواز(٨)، بل صرَّح الشَّافعي بإجازتها لمن بلغ سبع
سنين، كما تقدم في مسألة سماع الصَّغير (٩)، ويأتي في النَّوع السَّابع أيضاً(١٠) .
بنسخته، فأصبح من العسير على العالم كلما أتاه طالب من طلاب الحديث أن يقرأ
=
عليه الكتاب، فلجؤوا إلى الإجازة، فالإجازة فيها إخبار على سبيل الإجمال بهذا
الكتاب، أو الكتب أنها من روايته، فتنزل منزلة إخباره بكل الكتاب، نظراً لوجود
النسخ، فإن دولة الوراقين قد قامت بنشر الكتب بمثل ما تفعله المطابع الآن، ولهذا لا
يجوز لمن حمل بالإجازة أن يروي بها إلا بعد أن يصحح نسخته على نسخة المؤلف،
أو على نسخة صحيحة مقابلة على نسخة المؤلف، أو نحو ذلك مما نسخ وصحح على
النسخ المقابلة المصححة. اهـ.
(١) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): أخبر.
(٢) هذا جزء من حديث: ((حدثوا عن بني إسرائيل)) الذي تقدم تخريجه (٢٢٩/١).
(٤) (ص٤١٠).
في ((محاسن الاصطلاح)) (ص٢٦٨).
(٣)
(٥) (ص٣٩٤).
(٦) في ((الكفاية)) (ص٤٥٥).
في ((مناقب الشافعي)» (٣٥/٢).
.. (٧)
(٨) انظر طلبه الإجازة من الشافعي فيما تقدم (ص٨٢٩).
(٩) (ص٣١٥).
(١٠) (ص ٤٣٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٠٣
الثالث: الإجازة
ولما قال له الحسين الكرابيسي: أتأذن لي أن أقرأ عليك الكتب؟ قال
له: خذ كتب الزعفراني(١) فانتسخها، فقد أجزتها لك(٢)، ولعل توقفه مع الربيع
ليكون تحمله للكتاب على هيئة واحدة.
وكذا حمل الخطيب قول مالك: ((لا أراها)) على الكراهة - أيضاً - لما
ثبت عنه من التَّصريح بصحّة الرّواية بأحاديث الإجازة(٣).
وقد قال أبو الحسن ابن المفضل الحافظ: إنَّه نُقِلَ عنهما - أعني: مالكاً
والشَّافعي - أقوال متعارضة بظاهرها، والصَّحيح تأويلها والجمع بينها، وأنَّ
مذهبهما القول بصحّتها. انتهى.
وحينئذٍ فالكراهة إما لخشية الاسترواح بها، بحيث يترك السَّماع، وكذا
الرحلة بسببه، كما صرَّح به شعبة ومن وافقه(٤).
وقد رده أبو الحسين ابن فارس بأنَّا لم نقل باقتصار الطَّالب عليها؛
بحيث لا يسعى ولا يرحل، بل نقول بها لمن له عذر من قصور نفقة، أو بُعد
مسافة، أو صعوبة مسلك. وأصحاب الحديث - يعني: من قال بها - لا زالوا
يتجشَّمُون المصاعب، ويركبون الأهوال في الارتحال، أخذاً بما حثَّ عليه وَيه
ولم يقعدهم اعتمادها عن ذلك، وكلام السِّلفي الماضي(٥) يساعده.
ونحوه قول بعض المتأخّرين: إنها ملازمة في مقام المنع، لبقاء الرحلة
من جهة تحصيل المقام الَّذي هو أعلى من الإجازة في التَّحَمُّل، نعم قد زاد
الركون الآن إليها، وكاد أن لا يؤخذ بالسَّماع، ونحوه الكثير من الأصول
المعول عليها، لعدم تمييز السَّامع من المجاز، أو للخوف من النِّسبة للتَّعجيز،
حیث لم یکن للرواية قد حاز.
بل قد توسَّع في الإذن لمن لم يتأهَّل بالإفتاء والتَّدريس، واستدرج
للخوض في ذلك الإبهام والتّلبيس، وكثر المتَّسِمون بالفقه والحديث وغيرهما
(١) هو: الحسن بن محمد بن الصباح البغدادي، أبو علي الزعفراني، الفقيه الشافعي،
المتوفى سنة ستين ومائتين.
(«تاريخ بغداد)» (٤٠٧/٧)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (١١٤/٢ - ١١٧).
(٢) ((الكفاية)) (ص ٤٦٤).
(٤) انظر ما تقدم (ص ٣٩٥).
(٣) المصدر السابق (ص٤٥٥).
(٥) (ص٣٩٨).

الثالث: الإجازة
٤٠٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
من العلوم من ضعفاء الأحلام والفهوم، فالله يحسن العاقبة(١).
وإمَّا لتضمُّنها حملَ العلم لمن ليس من أهله، ولا عُرف بخدمته وَحَمْلِهِ،
كما دلَّ عليه امتناع مالك من إجازة من هذه صفته، وقوله: يحب أحدهم أن
يدعى قساً ولما يخدم الكنيسة(٢)، يعني بذلك كما قال الخطيب: أنَّ الرجل
يحبّ أن يكون فقيهَ بلده، ومحدّثَ مصره، من غير أن يقاسي عناء الطَّلب،
ومشقة الرّحلة، اتكالاً على الإجازة، كمن أحبَّ من رذال النَّصارى أن يكون
قساً، ومرتبته لا ينالها الواحد منهم إلا بعد استدراج طويل وتعب شديد.
(٣)
انتھی(٣).
وقد عبَّر بعضُهم عن هذا المعنى بقوله: أتحب أن تتزبب قبل أن
تتحصرم(٤)؟ .
ونحوه قول مالك - أيضاً -: يريد أخذ العلم الكثير في الوقت اليسير، أو
نحو ذلك(٥)، وكل هذا موافق لمشترط التَّأهل حين الإجازة، كما ستأتي
المسألة في النَّوع السَّابع(٦)، وفي لفظ الإجازة وشرطها(٧).
وما حكاه أبو نصر عمَّن لم يسمِّه(٨)، لا ينهض دليلاً على البطلان؛ بل
هو عين النِّزاع، وكذا ما قاله الدَّباس وابن حزم(٩) ليس بمرضيٍّ لما علم من
ردِّه ممَّا تقدم.
(١) رحم الله هذا القائل، كيف لو رأى أهل زماننا وفيهم من يدعي العلم بلا شبهة.
(٢) ((الكفاية)) (ص٤٥٥)، و((الإلماع)) (ص٩٥).
(٣) («الكفاية)) (ص٤٥٥).
(٤) هذا مثل يضرب لمن أراد شيئاً قبل أوانه، وفي أساس البلاغة مادة (زبب): تزبب
حصرماً، وفي ((نهج البلاغة)) (٤/٢٠) - مع شرحه - مما ينسب لأمير المؤمنين علي بن
أبي طالب رُه: لقد طرت شكيراً، وهدرت سقباً، فهو في معنى ما ذكر، ففي شرحه
لابن أبي الحديد: الشكير أول ما ينبت من ريش الطائر قبل أن يقوى ويستحصف،
والسقب الصغير من الإبل، قال: وهذا مثل قولهم: قد زبب قبل أن يحصرم، ومن
أمثال العامة: يقرأ بالشواذ وما حفظ بعد جزء المفصل. اهـ.
(٥) تقدم (ص٣٩٤). نقلاً عن الكفاية والإلماع.
(٦) (ص٤٣٦) وما بعدها.
(٨) يعني الذي تقدم (ص٣٩٦).
(٧) (ص٤٥٦) وما بعدها .
(٩) انظر ما تقدم (ص٣٩٧).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٤٠٥
الثالث: الإجازة
وأيضاً: فلم يقل أحد بصحّة الرِّواية بها قبل ثبوت الخبر عن المجيز،
ولا بدون شروط الرِّواية، بل قيد إمام الحرمين - كما تقدم(١) - الصِّحَّة بتحقُّق
الحديث في الأصل، وهو اختيار الغزالي في ((المستصفى))(٢)، وكذا قيد
البرقاني الصِّحَّةَ بمن كانت له نسخة منقولة من الأصل، أو مقابلة به(٣).
وإطلاق الحربي المنع - كما قال الخطيب - محمولٌ على من لم يكن
كذلك، لقول الجلاب راوي ما تقدم (٤) عنه: قلت له: سمعت كتاب الكلبي،
وقد تقطع عليّ، والذي هو عنده يريد الخروج، فهل ترى أن أستجيزه؟ أو
أسأله أن يكتبَ به إلي؟ قال: الإجازة ليست بشيء، سَلْه أن يكتب به إليك(٥).
و(كذا) المعتمد (وجوب العمل) والاحتجاج بالمروي (بها) من يسوغ له
ذلك عند الجمهور، لأنَّه خبرٌ متَّصلُ الرّواية، فوجب العمل به كالسَّماع، إلَّا
لمانع آخر.
(وقيل) - وهو قول أهل الظَّاهر(٦) ومن تابعهم -: (لا) يجب العمل به
(كحكم) الحديث (المرسل).
قال ابن الصَّلاح: وهذا باطلٌ؛ لأنَّه ليس في الإجازة ما يقدح في اتّصال
المنقول بها، ولا في الثقة به، بخلاف المرسل، فلا إخبار فيه ألبتة (٧)، وسبقه
الخطيب فقال: كيف يكون من تعرف عينه وأمانته وعدالته بمنزلة من لا نعرفه،
قال: وهذا واضحٌ لا شبهة فيه(٨) .
تتمة :
هل يلتحق بذلك الإجازة بالقراءات؟
الظّاهر: نعم. ولكن قد منعه أبو العلاء الهمذاني(٩) الآتي في النَّوع
(١) (ص٣٩٨).
(٣) ((الكفاية)) (ص٤٧٩).
(٢) (١٦٥/١).
(٤) (ص٣٩٦).
(٥) ((الكفاية)) (ص٤٧٨ - ٤٧٩).
(٦) المصدر السابق (ص٤٤٦).
(٧) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٦). (٨) ((الكفاية)) (ص٤٥٦).
(٩) هو: الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل الإمام الحافظ، أبو
العلاء الهمذاني العطار، المتوفى سنة تسع وستين وخمسمائة.
((معرفة القراء الكبار)) (٤٣٤/٢ - ٤٣٦)، و((غاية النهاية)) (٢٠٤/١ - ٢٠٦).

الثالث: الإجازة
٤٠٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الثالث قريباً (١)، وأحد أئمة القُرَّاء والحديث، وبالغ حيث قال: إنَّه كبيرةٌ من
الكبائر.
وكأنه حيث لم يكن الشَّيخ أهلاً؛ لأنَّ فيها أشياءً لا تحكمها إلَّا
المشافهة، وإلّا فما المانع منه على سبيل المتابعة إذا كان قد أحكم القرآن
وصحَّحه؟ كما فعله أبو العلاء نفسه، حيث يذكر سنده بالتِّلاوة ثم يردفه
بالإجازة، إما للعلو، أو للمتابعة والاستشهاد.
بل ((شوق العروس)) لأبي معشر الطَّبري(٢) شيخ مكّة مشحونٌ بقوله: كتب
إليَّ أبو عليٍّ الأهوازي(٣)، وقد أقرأ بمضمونه، ورواه الخلق عنه من غير نكير.
وأبلغ منه رواية الكمال الضَّرير(٤) شيخ القراء بالدِّيار المصريّة
[القرات](٥) بكتاب ((المستنير)) لأبي طاهر ابن سوار(٦) عن الحافظ السِّلَفي
بالإجازة العامَّة، وتلقَّه النَّاس خَلَفاً عن سَلَفٍ. أفاده ابن الجزري(٧).
(و) النوع (الثان) - بحذف الياء - من أنواع الإجازة المجردة عن المناولة
(أن يعين) المحدِّث الطَّالب (المجاز له دون) الكتاب (المجاز) به.
٤٥٠
(١) (ص٤٠٨).
(٢) هو: عبد الكريم بن عبد الصمد بن محمد، أبو معشر الطبري، المقرئ، القطان،
مقرئ أهل مكة، المتوفى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
(العقد الثمين)) (٤٧٥/٥ - ٤٧٦)، و((طبقات المفسرين)) للداودي (٣٣٢/١).
(٣) هو: الحسن بن علي بن إبراهيم بن يزداد بن هرمز المقرئ، الأستاذ المحدث،
المتوفى سنة ست وأربعين وأربعمائة.
(معرفة القراء الكبار)) (٣٢٢/١ - ٣٢٥)، و((لسان الميزان)) (٢٣٧/٢ - ٢٤٠).
(٤) هو: أبو الحسن علي بن شجاع بن سالم بن علي الهاشمي، العباسي، البصري،
الشافعي، شيخ القراء، المتوفى سنة إحدى وستين وستمائة.
((العبر)) (٢٦٦/٥)، و((ذيل مرآة الزمان)) (٢٢٠/٢).
(٥) كذا في الأصول، ولم يتضح لي المراد بها. وهو في النسخة الأخرى هكذا (القرآآت)
كما في نسخة علي حسن.
(٦) هو: أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن سوار البغدادي، أحد الحذاق، المتوفى
سنة ست وتسعين وأربعمائة.
((المنتظم)) (١٣٥/٩)، و((غاية النهاية)) (٨٦/١).
(٧) ((غاية النهاية في طبقات القراء)) (٥٤٥/١)، وفي حاشية (م): ثم بلغ كذلك نفع الله به.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٠٧
الثالث: الإجازة
كأن يقول - إما بخطِّه ولفظه، أو بأحدهما -: أجزتُ لك، أو لكم جميعَ
مسموعاتي، أو مروياتي، وما أشبه ذلك.
(وهو) أي: هذا النوع (أيضاً قبله جمهورهم) أي: العلماء من المحدِّثين ٤٥١
والفقهاء والتُّظّار سلفاً وخلفاً (رواية) به (وعملا) بالمروي به بشرطه الآتي في
شرط الإجازة(١).
(و) لكن (الخُلْف) في كل من جواز الرِّواية ووجوب العمل (أقوى فيه)
أي: في هذا النوع (مما قد خلا) في الذي قبله، بل لم يحك أحد الإجماع
فيه، لأنَّه لم ينصَّ له في الإجازة على شيء بعينه، ولا أحاله على تراجم كتب
بعينها من أصوله، ولا من الفروع المقروءة عليه، وإنَّما أحاله على أمرٍ عام،
وهو في تصحيح ما روى النَّاس عنه على خطر؛ لا سيَّما إذا كان كل منهما في
بلدٍ .
وحينئذٍ فيجب ــ كما قال الخطيب - على هذا الطَّالب التفخُّص عن أصول
الرَّاوي من جهة العدول الأثبات، فما صحَّ عنده من ذلك جاز له أن يحدِّث به.
ويكون مثال ما ذكرناه قول الرَّجل لآخر: وكلتك في جميع ما صحَّ عندك
أنَّه ملك لي أن تنظر فيه على وجه الوكالة المفوضة، فإنَّ هذا ونحوه عند
الفقهاء من أهل المدينة صحيح(٢)، ومتى صحَّ عنده ملك للموكل، كان له
التَّصرف فيه، فكذلك هذه الإجازة المُطْلَقة متى صحَّ عنده شيء من حديثه جاز
له أن يحدِّث به (٣).
(و) النَّوع (الثّالث) من أنواع الإجازة: (التَّعميم في المجاز له) سواء عَيَّن ٤٥٢
المجاز به أو أطلق.
كأن يقول - إمَّا بخطِّه ولفظه، أو بأحدهما -: أجزتُ للمسلمين أو لكلِّ
أحدٍ، أو لمن أدرك زماني، أو نحو ذلك الكتاب الفلاني أو مروباتي.
(١) (ص٤٥٧) وما بعدها.
(٢) التعميم في التوكيل لا يصح عند الحنابلة والحنفية والشافعية، ويصح عند الإمام مالك
وابن أبي ليلى. انظر: ((بداية المجتهد)) لابن رشد (٣٣٤/٢)، و((المغني)) لابن قدامة
(٢١١/٥ - ٢١٢).
(٣) ((الكفاية)) للخطيب البغدادي (ص ٤٧٧).

الثالث: الإجازة
٤٠٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
(وقد) تكلّم في هذا النَّوع المتأخِّرون ممَّن جَوَّز أصل الإجازة، واختلفوا
فیه :
٤٥٣
فـ (مال) أي ذهب (إلى الجواز مطلقاً) - سواء الموجود حين الإجازة أو
بعدها، وقبل وفاة المجيز، قيد بوصفٍ حاصِر كأهل الإقليم الفلاني، أو من
دخل بلد كذا، أو من وقف على خَطّي، أو من ملك نسخة من تصنيفي هذا،
أو نحو ذلك، أو لم يُقَيِّدْ كأهل لا إله إلا الله - الحافظ أبو بكر (الخطيب) فإنه
اختار فيما إذا أجاز لجماعة المسلمين الصِّحَّة.
متمسكاً بأحد القولين للشّافعية في الوقف على المجهول، ومن لا يحصى
كبني تميم وقريش(١)، الذي جنح إلى كونه أظهرَ القولين عنده.
وهو الأصحُّ قياساً على الفقراء والمساكين(٢)، إذ كلُّ من جاز عليه
الوقف إذا أحصي وجب أن يجوز عليه وإن لم يخُصَّ، كما قرَّر ذلك في مصنفه
في الإجازة للمجهول والمعدوم(٣).
وممَّن صَحّح الوقف كذلك المالكية (٤)، وأبو يوسف ومحمَّد بن الحسن،
وقالوا: ومن حاز الوقف منهم فهو أحقّ به(٥) .
وكذا جَوَّز هذا النَّوعَ جماعةٌ (و) مال إليه الحافظ أبو عبد الله (ابن منده)
فإنه أجاز لمن قال: لا إله إلا الله(٦).
(ثم) الحافظ الثقة (أبو العلاء) الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن
محمَّد بن سهل الهمذاني العظَّار جَوَّزه(٧) (أيضاً بعده)، أي: بعد ابن منده
حسبما نسبه إليه، بل وإلى غيره الحافظ أبو بكر الحازمي، إذ سأله أبو عبد الله
(١) كالوقف على جميع الناس. انظر: ((نهاية المحتاج)) للرملي (٣٦٦/٥).
(٢) في حاشية (س): ثم بلغ كذلك نفع الله به. كتبه مؤلفه.
(٣) انظر: ((الإجازة للمعدوم والمجهول)) (ص ٨٠)، و((الإلماع)) (ص٩٩).
(٤) انظر: ((قوانين الأحكام الفقهية)) لابن جزي (ص ٤٠٠).
(٥) ((الإلماع)) للقاضي عياض (ص ١٠٠ - ١٠١)، و((شرح فتح القدير)) لابن الهمام (٧١/٥ -٧٢).
(٦) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٧).
(٧) المصدر السابق.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٠٩
الثالث: الإجازة
مُحمَّد بن سعيد الدبيئي عن الرِّواية بها، فإنَّه قال له: لم أَرَ في اصطلاح
المتقدِّمين من ذلك شيئاً، غير أن نفراً من المتأخِّرين استعملوا هذه الألفاظ،
ولم يروا بها بأساً، ورأوا أنَّ التَّخصيصَ والتَّعميمَ في هذا سواء، وقالوا: متى
عُدِمِ السَّماع الذي هو مُضَّامٍ للشَّهادة فلا معنى للَّعيين.
قال: ومن أدركت من الحفّاظ نحو أبي العلاء - يعني: العّار - وغيره
كانوا يميلون إلى الجواز(١)، وفيما كتب إلينا الحافظ أبو طاهر السِّلفي من
الإسكندرية في بعض مكاتباته أجاز لأهل بلدان عدّة منها: بغداد، وواسط،
وهمذان(٢)، وأصبهان، وزنجان(٣). انتهى.
وأجاز أبو محمد عبد الله بن سعيد السيبجابي(٤) أحد الجلة من شيوخ
الأندلس(٥) لكل من دخل قرطبة من طلبة العلم، ووافقه على ذلك جماعة،
منهم صاحبه أبو عبد الله ابن عتاب. حكاه عنهما عياض (٦).
وقال غيره: إنَّ أولهما أجاز صحيح مسلم لكل من أراد حمله عنه من جميع
المسلمين، وكان سمعه من السِّجزي بمكّة، ثم قال عياض: وإلى صحّة الإجازة
العامة للمسلمين من وجد منهم ومن لم يوجد ذهب غير واحد من مشايخ الحديث(٧).
(١) انظر: ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٧).
(٢) همذان - بالتحريك والذال المعجمة وآخره نون -: أكبر مدينة بالجبال، وكانت أربعة
فراسخ في مثلها. انظر: «معجم البلدان)» (٤١٠/٥ - ٤١٧).
(٣) زنجان - بفتح الزاي ـ: بلد كبير مشهور، من نواحي الجبال، بين أذربيجان وبينها،
قريبة من أبهر وقزوين. انظر: ((معجم البلدان)) (١٥٢/٣ - ١٥٣)، و((معجم ما
استعجم)) (٢/ ٧٠٣) وفيه: بكسر أوله.
(٤) كذا في الأصول، وفي ((الإلماع)): الشنتجالي، وهو منسوب إلى شنتجالة، كما في
((معجم البلدان)) (٣٦٧/٣). وهو عبد الله بن سعيد بن لباج الأموي أبو عمر، رحل
إلى المشرق وجاور نحو ٣٠ سنة بمكة ثم رجع إلى الأندلس وتوفى سنة ٤٣٦هـ. انظر:
اقتباس الأنوار للرشاطي (ص٥٨) (٣٥) (العربي).
(٥) توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة. مترجم في ((الصلة)) لابن بشكوال (٢٧١/١ -
٢٧٣)، و((الديباج المذهب)) (٤٣٨/١).
(٦) في ((الإلماع)) (ص٩٩).
(٧) ((الإلماع)) (ص٩٩) وهذا النص في ((الإلماع)) قبل الذي قبله، فالعطف بـ ((ثم)) التي
تقتضي الترتيب غیر وجيه.

٤٥٤
الثالث: الإجازة
٤١٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(و) كذا (جاز) التَّعميم في الإجازة (للموجود) حين صدورها خاصَّة
(عند) القاضي أبي الطَّب طاهر (الطّبري) فيما نقله عنه صاحبه الخطيب في
تصنيفه المشار إليه.
فإنه قال: وسألته عن هذه المسألة؟ فقال لي: يجوز أن يجيز لمن كان
موجوداً حين إجازته من غير أن يُعلِّقَ ذلك بشرطِ أو جهالةٍ، سواء كانت
الإجازة بلفظ خاصِّ: كأجزتُ لفلان وفلان، أم عامٌّ: كأجزتُ لبني هاشم وبني
تميم(١) ومثله إذا قال: أجزتُ لجماعة المسلمين، فإنَّ الحكم عند القاضي أبي
الطّيب في ذلك سواء، إذا كانت الإجازة لموجود. انتهى(٢).
ومن الأدلَّة لذلك سوى ما تقدَّم قولُهُ وَِّ: (بلِّغوا عنِّي ... الحديثَ))(٣).
وقد قَوَّى الاستدلال به البلقينيّ، ومنع الاستدلالَ بما رواه ابن سعد في
((الطبقات)) من حديث أبي رافع أنَّ عمر ◌َبه لما احتضر قال: من أدرك وفاتي
من سَبْي العرب فهو حُرٍّ من مال الله(٤)، بأنَّ العتقَ النَّافذَ لا يحتاج إلى ضبطٍ
وتحديثٍ وعملٍ بخلاف الإجازة ففيها ذلك(٥).
ووجَّهه بعضُهم باشتراكهما في أنَّ كلَّا منهما يستدعي تعيين المحل
وتشخيصه ضرورة أنَّ الراوي بالإجازة لا يجوز أن يكون مآله الوحدة النَّوعية،
بل مآله الوحدة الشّخصية، وكذلك ما ينفذ فيه العتق ويصحّ فيه، وليس بشيء.
وعلى كلِّ حالٍ فقد قال الحازمي: إنَّ التَّوسُّع بها في هذا الشَّأن غير
محمود، فمهما أمكن العدول عنه إلى غير هذا الاصطلاح، أو تهيأ تأكيده
بمتابع له سماعاً أو إجازة خاصة، كان ذلك أحرى.
بل الذي اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور - كما وجده المنذري بخطه -
مَنْعَ الرِّواية بها، وعدم التَّعريج عليها، قال: والإتقان تركها .
وذهب الماوردي - كما حكاه عياض - إلى المنع - أيضاً - في المجهول
(١) في حاشية (ح): ثم بلغ كذلك نفع الله به. كتبه مؤلفه.
(٢) ((الإجازة)) للمعدوم والمجهول (ص ٨٠)، و((الإلماع)) (ص٩٨).
(٣) هذا جزء من حديث: ((حدثوا عن بني إسرائيل)) الذي تقدم تخريجه (٢٢٩/١).
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٣٥٩/٣).
(٥ (محاسن الاصطلاح)) (ص٢٦٨).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٤١١
الثالث: الإجازة
كله من المسلمين أو طلبة العلم من وجد منهم ومن لم يوجد(١).
(و) كذا (الشَّيخ) ابن الصَّلاح (للإبطال) - أيضاً - (مال) حيث قال: ولم
نر ولم نسمع عن أحد ممَّن يقتدى به أنَّه استعمل هذه الإجازة فروى بها، ولا
عن الشرذمة [المستأخرة](٢) الَّذين سوَّغوها، والإجازة في أصلها ضعيفة،
وتزداد بهذا التَّوسُّع والاسترسال ضعفاً كثيراً، لا ينبغي احتماله(٣).
وعلى هذا (فاحذر) أيها الطَّالب استعمالها رواية وعملاً، وقد أنصف ابن
الصَّلاح في قصره النفي على رؤيته وسماعه، لأنَّه قد استعملها جماعاتٌ ممَّن
تقدَّمه من الأئمّة المقتدَى بهم، كالحافظ أبي الفتح نصر بن إبراهيم المَقْدِسي
الفقيه(٤)، فقد قال أبو القاسم هبة الله بن المحسن المَقْدسي الفقيه فيما سمعه
منه السِّلفي كما في ((معجم السفر)) له أنَّه سأله الإجازة فقال: قد أجزتُ لك
ولكلٍّ من وقع بيده جزءٌ من رواياتي، فاختار الرِّوايةَ عَنِّي(٥).
وكالحافظ أبي محمَّد الكتاني (٦)، فإن صاحبه أبا محمَّد ابن الأكفاني(٧)
دخل عليه في مرضه فقال له: أنا أشهدكم أني قد أجزت لكلِّ من هو مولود
الآن في الإسلام، يشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله. وروى عنه
(١) ((الإلماع)) (ص٩٩) وقد تقدم في (ص٣٩٤) النقل عنه منعه العمل بالإجازة بجميع
صورها .
(٢) كذا في (س)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح، وفي (ح)، (م): المتأخرة.
(٣) (علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٧).
(٤) هو: نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود المقدسي، الفقيه الشافعي، أبو
الفتح، المتوفى سنة تسعين وأربعمائة.
((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٢٥/٢/١ -١٢٦)، و((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي
(٣٥١/٥ - ٣٥٣).
(٥) ((معجم السفر)) للسلفي (ص٤٠٦).
(٦) هو: الإمام المحدث المتقن أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن محمد بن علي التميمي
الدمشقي الصوفي، المتوفى سنة ست وستين وأربعمائة.
((المنتظم)) (٢٨٨/٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (١١٧٠/٣ - ١١٧١).
(٧) هو: هبة الله بن أحمد بن محمد الأنصاري الدمشقي الحافظ، المتوفى سنة أربع
وعشرين وخمسمائة.
((العبر)) (٦٣/٤)، و((شذرات الذهب)) (٧٣/٤).

الثالث: الإجازة
٤١٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
بهذه الإجازة محفوظ بن صَصْرى التغلبی
.
(١)
وكالحافظ السِّلَفي حيث حدث بها عن ابن خيرون(٢) فيما قاله ابن دحية
وغيره، وهو وإن استفيد من كلام الحازمي(٣) الَّذِي صنيع ابن الصَّلاح(٤) مُشْعِرٌ
باقتفائه، فلعله لم يستحضره، بل عزا تجويزها والرِّواية بها - أيضاً - لغير واحدٍ
من الحفّاظ الحافظ عبد الغني بن سعيد.
وحدَّث بها - أيضاً - الحافظ أبو بكر محمَّد بن خير الإشبيلي المالكي في
(برنامجه)) الشَّهير(٥)، وابن أبي المعمر في [كتاب](٦) ((علوم الحديث)) عن
السِّلفي، وكذا أبو العلاء العظّار المذكور عن أبي بكر الشِّيروي (٧) فيما أفاده
الرَّافعي (٨).
بل حدَّث بها الرافعي نفسُه في (تاريخ قزوين)) عن السِّلفي، وقال: إنَّه
أجاز لمن أدرك حياته في سنة سبع وستين وخمسمائة (٩).
ولما ترجم الوزير بن بنيمان بن علي السُّلَمي (١٠) القزويني في تاريخه،
قال: إنَّه شيخ مستور معمر، ذكر أنَّه كان ابنَ خمس أو ستِّ حين كانت الزَّلزلة
بقزوين (١١) في رمضان سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، فتناولته إجازة الشِّيرَوي
(١) انظر: ((فهرست ابن خير)) (ص٤٥٥)، و((تذكرة الحفاظ)) (١١٧١/٣).
(٢) هو: الحافظ العالم الناقد أبو الفضل أحمد بن الحسن بن أحمد بن خيرون البغدادي،
المتوفى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
(تذكرة الحفاظ)) (١٢٠٧/٤ - ١٢٠٩)، و((ميزان الاعتدال)) (٩٢/١).
(٣) الذي تقدم قريباً (ص٤٠٨ - ٤٠٩).
(٤) في ((علوم الحديث)) (ص ١٣٧).
(٥) انظر روايته لكتاب ((البيان والتحصيل)) لابن رشد بالإجازة العامة في ((فهرسته))
(ص٢٤٣).
(٦) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): كتابه.
(٧) هو: عبد الغفار بن محمد بن حسين بن علي بن شيرويه النيسابوري، أبو بكر
الشيروي، المتوفى سنة عشر وخمسمائة.
(التحبير في المعجم الكبير)) للسمعاني (٤٦٤/١)، و((العبر)) (٢٠/٤).
(٨)(٩) ((التدوين في أخبار قزوين)) (٢٢٥/٢).
(١٠) كذا في الأصول، وفي ((التدوين)): المعلمي.
(١١) قزوين - بالفتح ثم السكون -: مدينة مشهورة بينها وبين الري سبعة وعشرون فرسخاً،
افتتحها البراء بن عازب سنة أربع وعشرين.
=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤١٣
الثالث: الإجازة
العامَّة؛ لأنَّه مات سنة عشر، فقرأت عليه سنة ستمائة أحاديث مُخرَّجةً من
مسموعات الشّيروي. انتهى(١) .
وحدَّث بها أبو الخطّاب ابن دحية في تصانيفه عن أبي الوقت(٢)
والسِّلَفي(٣)، واستعملها خلق بعد ابن الصَّلاح كأبي الحسن الشَّيباني القَفْطي(٤)
حدَّث في ((تاريخ النُّحاة)) بها عن السِّلفي(٥)، وأبي القاسم ابن الطَّيْلسان(٦)
حدث بها عن أبي جعفر وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمَّد بن
مضاء التجيبي (٧) .
والحافظ الدِّمياطي حدَّث بها عن المؤيَّد الُوسي(٨)، وغيره (٩)،
= ((معجم البلدان)) (٣٤٢/٤ - ٣٤٤)، و((معجم ما استعجم)) (١٠٧٢/٣).
(١) ((التدوين في أخبار قزوين)) (١٩٧/٤ - ١٩٨).
(٢) هو: مسند الدنيا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، ثم الهروي
الماليني، المتوفى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.
((المنتظم)) (١٨٢/١٠ - ١٨٣)، و((العبر)) (١٥١/٤ - ١٥٢).
(٣) أداء ما وجب، لابن دحية (ص١٥٣).
(٤) هو: علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد جمال الدين القفطي، الوزير المتوفى
سنة ست وأربعين وستمائة.
«معجم الأدباء)) (١٧٥/١٥ - ٢٠٤)، و((الطالع السعيد)» للأدفوي (ص٤٣٦).
انظر: ((إنباه الرواة)) للقفطي (١٨٨/١).
(٥) هو: الإمام الحافظ محدث الأندلس القاسم بن محمد بن أحمد بن محمد الأنصاري
الأوسي، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وستمائة.
((الذيل والتكملة)) للمراكشي (٥٥٧/٢/٥ - ٥٦٦)، و((نيل الابتهاج)) للتنبكتي
(ص٢٢١ - ٢٢٢).
(٦) هو: أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سعيد اللخمي القرطبي، المتوفى سنة اثنتين
وتسعین وخمسمائة.
((الذيل والتكملة)) للمراكشي (٢١٢/١/١ -٢٢٣)، و((الإعلام بمن حل مراكش
وأغمات من الأعلام)) (٢/ ٩٢ - ٩٩).
(٧) هو: الشيخ الأجل المسند أبو الحسن المؤيد بن محمد بن علي الطوسي، النيسابوري،
القزاز، المتوفى سنة سبع عشرة وستمائة.
(٨) ((التكملة لوفيات النقلة)) للمنذري (٢٦/٣)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان
(٣٤٥/٥ - ٣٤٦).
(٩) ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٣١/٣).

الثالث: الإجازة
٤١٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وعبد الباري الصَّعِيدي(١)، حدَّث بها عن الصَّفْراوي(٢) بمشيخته، وأبي جعفر بن
الزبير(٣)، والتقي ابن دقيق العيد، والعِمَاد ابن كثير حيث حدَّث بها عن
الدمياطي عن المؤيد عامة عن عامة.
والزَّين العراقي المصنّف حدَّث في ((الأربعين العشاريات)) له عن أبي
محمَّد عبد الرَّحمن بن مكِّي بن إسماعيل الزّهري العوفي(٤)، عن سبط
السِّلفي(٥) إذناً عاماً (٦).
وولده الوليّ العراقي حدَّث عن اثنين من شيوخه ممن دخل في عموم
إجازة النووي، وهو - أعني النَّووي ◌َّتُهُ - ممَّن صحَّح جوازها في زيادات
((الروضة)) في الطَّرف الثَّاني في مستند قضاء القاضي من الباب الثاني من جامع
آداب القضاء، بعد أن ذكر أن من صورها أن يقول: أجزتُ لكلِّ أحدٍ أن
یرْوِي.
قال: وبه قطع القاضي أبو الطَّيِّب الطَّبري (٧) وصاحبه الخطيب
البغدادي (٨)، وغيرهما من أصحابنا، وغيرهم من الحفّاظ، ونقل الحافظ أبو بكر
(١) هو: عبد الباري بن عبد الرحمن بن عبد الكريم الصعيدي، المقرئ، المتوفى سنة ...
وخمسين وستمائة.
((غاية النهاية)) في طبقات القراء لابن الجزري (٣٥٦/١).
(٢) هو: عبد الرحمن بن عبد المجيد بن إسماعيل الإسكندراني المالكي، الفقيه المقرئ،
جمال الدين أبو القاسم، المتوفى سنة ست وثلاثين وستمائة.
(حسن المحاضرة)) للسيوطي (٤٥٦/١)، و((شذرات الذهب)) (١٨٠/٥).
(٣) هو: أحمد بن إبراهيم بن الزبير، أبو جعفر الأندلسي، العلامة الحافظ، المتوفى سنة
سبع أو ثمان وسبعمائة.
((الدرر الكامنة)) (٨٩/١ - ٩١)، و((المنهل الصافي)) (١٩٧/١ - ٢٠١).
(٤) الإسكندراني، وجيه الدين، أعجوبة الزمان، المتوفى سنة سبع وخمسين وسبعمائة.
(«الدرر الكامنة)» (٤٥٧/٢).
(٥) هو: جمال الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي بن عبد الرحمن الطرابلسي،
المغربي ثم الإسكندراني، المتوفى سنة إحدى وخمسين وستمائة.
((العبر)) (٢٠٨/٥)، و((النجوم الزاهرة)) (٣١/٧).
(٦) ((الدرر الكامنة)) (٤٥٧/٢).
(٨) انظر ما تقدم (ص٤٠٨).
(٧) انظر ما تقدم (ص٤١٠).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤١٥
الثالث: الإجازة
الحازمي المتأخِّر من أصحابنا - يعني: كما تقدَّم(١) - أنَّ الذين أدركهم من
الحقَّاظ كانوا يميلون إلى جوازها(٢).
وصحَّحه - أيضاً - في غير (الرَّوضة) من تصانيفه(٣)، وكذا رجَّح جوازَها
أبو عمرو ابن الحاجب(٤)، والعزّ ابن جماعة، وقال: إنَّه - أي جواز الرِّواية
ووجوب العمل بالمروي بها - الحق.
وعمل بها النَّووي، فإنَّه قال - كما قرأته بخطّه - في آخر بعض تصانيفه:
وأجزت روايته لجميع المسلمين، وأجازها أبو الفضل أحمد بن الحسن بن
خيرون الباقلاني البغدادي(٥)، وأبو الوليد ابن رُشْد المالكي(٦) وغيرهما.
وأجاز لمن أدرك حياته أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء
الماضي(٧)، وأبو الحسين عبيد الله بن أبي الربيع القرشي، والقطب محمَّد بن
أحمد بن علي القسطلاني، وأبو الحجّاج المزي الحافظ، وكتب بذلك خطه في
آخر بعض تصانيفه، والفخر ابن البخاري(٨)، وأبو المعالي الأبرقوهي(٩)،
(١) (ص٤٠٨ - ٤٠٩).
(٢) ((روضة الطالبين)) للنووي (١٥٨/١١).
(٣) انظر: ((التقريب)) (ص٢٦٣) مع التدريب.
(٤) في ((مختصره)) (٦٩/٢) مع شرحه وحواشيه.
(٥) ((فهرست ابن خير)) (ص٤٥٤)، وانظر ما تقدم (ص٤١٢).
(٦) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن رشد، أبو الوليد القرطبي المالكي، المتوفى سنة
عشرين وخمسمائة.
((الصلة)) لابن بشكوال (٥٧٦/٢ - ٥٧٧)، و((الديباج المذهب)) (٢٤٨/٢).
وانظر إجازته العامة لابن خير في ((فهرسته)) (ص٢٠٠، ٢٤٣، ٢٦٦).
(٧) قريباً (ص٤١٣).
(٨) هو: أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد السعدي، المقدسي
الصالحي، الحنبلي، مسند الدنيا، المتوفى سنة تسعين وستمائة.
((العبر)) (٣٦٨/٥ - ٣٦٩)، و((الذيل على طبقات الحنابلة)) (٣٢٥/٢ - ٣٢٩).
(٩) هو: شهاب الدين أحمد بن إسحاق بن محمد بن المؤيد الهمذاني، الأبرقوهي، مسند
مصر، المتوفى سنة إحدى وسبعمائة.
((العقد الثمين)) (١٥/٣ - ١٧)، و((المنهل الصافى)) (٢١٨/١ - ٢١٩).

الثالث: الإجازة
٤١٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وخلق من المُسندين كالحجَّار، وزينب ابنة الكمال(١). حَتَّى إنَّه لكثرة من
جوزها أفردهم الحافظ أبو جعفر محمَّد بن الحسين بن أبي البدر البغدادي
الكاتب في تصنيف رتبهم فيه على حروف المعجم.
وكذا جمعهم أبو رُشيد ابن الغزال الحافظ(٢) في كتاب سمَّاه: ((الجمع
المبارك))، أفاده أبو العلاء الفرضي (٣)، وذكر منهم: حيدر بن أبي بكر بن حيدر
القزويني (٤).
وقال النَّووي مُشيراً لتعقُّب ابن الصَّلاح في كونه لم ير من استعملها
[حتى](٥) ولا من سوغها - حسبما تقدم(٦) -: إنَّ الظَّاهر من كلام مَن صحَّحها
جوازُ الرِّواية بها، وهذا مقتضى صحَّتها، وأيُّ فائدةٍ لها غَيرُ الرواية؟!
(٧)
انتھی
واستجاز بها خلقٌ لا يُخْصَون كثرةً، منهم: أبو الخطّاب ابن واجب (٨)،
فإنه سأل أبا جعفر ابن مضاء الإجازة العامّة في كلِّ ما يصحّ إسناده إليه، على
(١) هي: زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد المقدسية، المعروفة ببنت
الكمال، المتوفاة سنة أربعين وسبعمائة.
((ذيل العبر)) للذهبي (ص٢١٣)، و((الدرر الكامنة)) (٢٠٩/٢ - ٢١٠).
(٢) هو: محمد بن أبي بكر محمد بن عبد الله الأصبهاني، المحدث التاجر، المتوفى سنة
إحدى وثلاثين وستمائة.
(العبر)) (١٢٦/٥)، و((شذرات الذهب)) (١٤٦/٥).
(٣) هو: محمود بن أبي بكر، أبو العلاء الكلاباذي البخاري، شمس الدين الفرضي
الحنفي، المتوفى سنة سبعمائة.
(مرآة الجنان)) (٢٣٤/٤)، و(الفوائد البهية)) للكنوي (ص ٢١٠ - ٢١١).
(٤) هو: أبو النجيب حيدر بن أبي بكر القزويني، تفقه بقزوين وهمذان، وغيرهما، وله
فصاحة وقبول عند العوام.
(التدوين في أخبار قزوين))، للرافعي (٣٩١/٢).
(٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح).
(٦) قريباً (ص٤١١).
(٧) ((التقريب)) (ص٢٥٩) مع التدريب.
(٨) هو: أحمد بن أبي الحسن محمد بن عمر بن محمد بن واجب القيسي، الأندلسي،
المالكي، المتوفى سنة أربع عشرة وستمائة.
((الديباج المذهب)) (٢٢٦/١ - ٢٢٨)، و((الذيل والتكملة)) (٤٧٠/٢/١).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٤١٧
الثالث: الإجازة
اختلاف أنواعه لجميع من أراد الرِّواية عنه من طلبة العلم الموجودين حينئذٍ
فأسعفهم بها(١) .
وأبو الحسن محمد بن أبي الحسن الورَّاق، فإنَّه سأل أبا الوليد ابن رشد
الإجازة لكلِّ من أحب الحمل عنه من المسلمين، حيث كانوا من ضمَّته وإياه
حياة في عام الإجازة، فأجابه لذلك، كما حكاه ابن خير (٢) .
ودعا الحافظ الزكي المنذري النَّاس لأخذ ((البخاري)) عن أبي العباس ابن
تامتيت(٣) بالإجازة العامة، فأخذه عنه خلق كثيرون.
وسمع بها الحافظ المزي والبرزالي والذَّهبي وغيرهم على الركن
الطاوسي(٤) بإجازته العامة من أبي جعفر الصيدلاني(٥) وغيره.
وكذا لَمَّا قَدِم الصَّدْر أبو المجامع إبراهيم بن محمد بن المؤيد
الحموي(٦) بُعَيْدَ السَّبعمائة اجتمع عليه الحفّاظ والمحدِّثون، وسمعوا منه
بإجازته العامَّة من الصَّيدلاني - أيضاً -.
وقرأ الصَّلاح أبو سعيد العلائي الحافظ على الحجَّار بإجازته العامة من
(١) ((الذيل والتكملة)) للمراكشي (٢١٧/١/١)، و((الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من
الأعلام)) (٢ /٩٦).
(٢) في ((فهرسته)) (ص٤٥٣).
هو: أحمد بن محمد بن حسن بن علي بن تامتيت، المحدث المعمر، أبو العباس
(٣)
الفاسي، نزيل القاهرة، المتوفى سنة سبع وخمسين وستمائة. ((الوافي بالوفيات))
(٣٨٤/٧)، و((شذرات الذهب)) (٢٨٨/٥).
(٤) هو: العراقي بن محمد بن العراقي القزويني، ركن الدين، أبو الفضل الحنفي، المتوفى
سنة ستمائة .
((وفيات الأعيان)) (٢٥٨/٣ - ٢٥٩)، و(«البداية والنهاية)) (٤٠/١٣).
(٥) هو: محمد بن الحسن بن الحسين الأصبهاني، مسند أصبهان، المتوفى سنة ثمان
وستين وخمسمائة.
((سير أعلام النبلاء)) (٥٣٠/٢٠ - ٥٣١)، و((العبر)) (٢٠٤/٤).
(٦) الخراساني، صدر الدين، أبو المجامع بن سعد الدين الشافعي، الصوفي، المتوفى
سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة. ((تذكرة الحفاظ)) (١٥٠٥/٤ - ١٥٠٦)، و«الدرر
الكامنة)) (٦٩/١ - ٧٠)، وفيه: وفاته سنة ٦٢٢. وهو خطأ.

الثالث: الإجازة
٤١٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
داود بن معمر بن الفاخر (١)، والبرهان الحلبي على بعض رفقائه - في السَّفينة
بالقرب من جامع تنِيس(٢) الَّذِي خَرِب - بإجازته العامَّة من الحجَّار(٣).
والمحدِّثَ الرَّحَّالةُ أبو جعفر البسكري المدني على التقي محمَّد بن
صالح بن إسماعيل الكناني(٤) بإجازته العَامَّة من الدِّمْياطي.
والصَّلاح خليل الأقفهسي(٥) الحافظ وغيره على زينب ابنة محمَّد بن
عثمان(٦) بن العصيدة بإجازتها العامَّة من الفخر وزينب ابنة مكِّي ونحوهما.
وروى بها ابن الجزري عن الميدومي (٧) وغيره، بل حكى اتفاق من أدركه
من شيوخ الحديث والعلماء والحُفَّاظ حيث لم يتوقَّف أحدٌ منهم في الكتابة
على استدعاءاته المُتضمِّنة الاستجازة لأهل العصر.
وسمع شيخنا من الزَّين محمَّد بن أحمد بن سليمان الفيشي عُرف
بالمرجاني(٨)، بإجازته العامة من الدِّمياطي، ومن إسماعيل بن إبراهيم الزّبيدي
(١) أبو الفتوح القرشي الأصبهاني، المتوفى سنة أربع وعشرين وستمائة.
((التكملة)) لوفيات النقلة (٢٠٦/٣)، و((النجوم الزاهرة)) (٢٦٩/٦).
(٢) تنيس - بكسرتين وتشديد النون وياء ساكنة -: جزيرة في بحر مصر، قريبة من البر، بين
الفرما ودمياط.
((معجم البلدان)) (٥١/٢ - ٥٤)، و((الأنساب)) للسمعاني (٩٨/٣).
(٣) انظر: ((الضوء اللامع)) (١٤٠/١).
(٤) المدني، الشافعي المقرئ، الفقيه العالم العامل، المتوفى سنة خمس وثمانين وسبعمائة.
((إنباء الغمر)) (١٥١/٢)، و((التحفة اللطيفة)) للسخاوي (٥٨٣/٣ - ٥٨٥).
(٥) هو: خليل بن محمد بن محمد بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن، الحافظ غرس الدين
وصلاح الدين الشافعي المصري، المتوفى سنة عشرين وثمانمائة. (العقد الثمين))
(٣٢٩/٤ - ٣٣٩)، و((حسن المحاضرة)) (٣٦٣/١).
(٦) ابن عبد الرحمن الدمشقية، يعرف أبوها بابن العصيدة، توفي سنة تسع وتسعين
وسبعمائة .
((إنباء الغمر)) (٣٤٥/٣ - ٣٤٦)، و((شذرات الذهب)) (٣٥٨/٦).
(٧) هو: محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم الميدومي، صدر الدين، أبو الفتح،
المتوفى سنة أربع وخمسين وسبعمائة.
((السلوك)) للمقريزي (٩٠٦/٣/٢)، و((الدرر الكامنة)) (٢٧٤/٤).
(٨) بهاء الدين، صاحب جامع المزة، الشيخ الزاهد، المتوفى سنة تسع وخمسين
وسبعمائة. ((ذيل العبر)) للحسيني (ص٣٢٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤١٩
الثالث: الإجازة
الدَّاعية (١)، بإجازته العامَّة من البهاء أبي محمَّد ابن عساكر(٢).
والحافظ الجمال ابن موسى المراكشي (٣) وغيره من سليمان بن خالد
الخضري الإسكندري(٤) بها بإجازته العامة من الفخر ابن البخاري.
وصاحبنا النَّجم ابن فهد الهاشمي وغيره من أحمد بن محمد بن علي بن
إسماعيل الزَّاهدي الدِّمشقي(٥) بها بإجازته من زينب ابنة الكمال(٦).
في آخرين من المحدِّثين وغيرهم، غير أنَّه اغتفر في الطّلب ما لم يغتفر
في الأداء، بحيث إنَّ أهلَ الحديث يقولون: إذا كتبت فقمِّش(٧) - أي: جمِّع ما
وجدت - وإذا حدَّثت ففتش (٨)، أي: تثبت عند الرِّواية.
وعلى كل حال فقد قال الشَّارِح مع كونه كما قدمت(٩) ممَّن روى بها:
وفي النّفس من ذلك شيء، وأنا أتوقّف عن الرِّواية بها (١٠)، وقال في ((نكته)):
(١) يعني: لمقالة ابن عربي - وهي: القول بوحدة الوجود - بحيث كان يوالي عليها ويعادي
عليها، وبلغ في التعصب له إلى أن صار من لا يحصل نسخة من ((الفصوص)) تنقص
منزلته عنده، هلك سنة ست وثمانمائة. انظر: ((إنباء الغمر)) (١٦٢/٥ - ١٦٤)،
و ((الضوء اللامع)) (٢٨٢/٢ - ٢٨٤).
(٢) هو: القاسم بن علي بن الحسن بن هبة الله، المحدث الفاضل بهاء الدين ابن الحافظ
الكبير، الدمشقي، المتوفى سنة ستمائة.
((ذيل الروضتين)) (ص٤٧)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٣٦٧/٤ - ١٣٦٩).
(٣) هو: محمد بن موسى بن علي بن عبد الصمد، الجمال، أبو البركات، وأبو المحاسن
المراكشي الأصل، المكي، الشافعي، المتوفى سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة. ((لحظ
الألحاظ)) (ص٢٧٢)، و((الضوء اللامع)) (٥٦/١٠).
(٤) علم الدين أبو الربيع، المتوفى بعد سنة خمس عشرة وثمانمائة. ((الضوء اللامع))
(٢٦٢/٣).
(٥) الحفار، المعمر، العابد، شهاب الدين، المتوفى سنة تسع وثلاثين وثمانمائة. ((معجم
الشيوخ)) لابن فهد (ص٨٧ - ٨٨)، و((شذرات الذهب)) (٢٣٠/٧).
(٦) انظر: ((معجم الشيوخ)) لابن فهد (ص٨٧).
(٧) في ((القاموس)) مادة (قمش): تقمش أكل ما وجد وإن كان دوناً، وفي الصحاح مادة
(قمش): القمش جمع الشيء من ههنا وههنا، وكذلك التقميش.
(٨) قال ذلك الإمام يحيى بن معين كما نقله الذهبي بسنده عنه في ((سير أعلام النبلاء))
(٨٥/١١).
(٩) (ص٤١٤).
(١٠) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٦٦/٢).

الثالث: الإجازة
٤٢٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
والاحتياط تركُ الرِّواية بها(١) .
بل نقل شيخنا عدم الاعتداد بها عن متقني شيوخه، ولم يكن هو - أيضاً -
يَعتدُّ بها، حتى ولو كان فيها بعض خصوص، كأهل مصر، اقتناعاً بما عنده من
السَّماع والإجازة الخاصَّة، ولا يورد في تصانيفه بها شيئاً، ويرى هو وشيخه أنَّ
الرِّواية بإسنادٍ تتوالى فيه الأجايزُ، ولو كان جميعُه كذلك أولى من سَنَدٍ فيه
إجازة عامة (٢)، كما سيأتي في النَّوعِ التَّاسِع(٣).
وقال في ((توضيح النّخبة)) له: إنَّ القولَ بها توسُّعٌ غيرُ مَرضيٍّ، لأنَّ
الإجازة الخاصَّة المعينة مختلف في صحَّتها اختلافاً قوياً عند القدماء، وإن كان
العمل استقرَّ على اعتبارها عند المتأخِّرين، فهي دون السَّماع بالاتّفاق، فكيف
إذا حصل فيها الاسترسال المذكور؟ فإنَّها تزداد ضعفاً، لكنها في الجملة خير
من إيراد الحديث مُعْضَلاً(٤) .
قلت: والحجة للمبطلين أنَّها إضافة إلى مجهولٍ، فلا تصحُّ كالوكالة.
وبالجملة فلم تطب نفسي للأخذ بها، فضلاً عن الرِّواية؛ لا سيَّما وأكثر
من لقيناه ممَّن يدَّعِي الثَّعمير، أو يدَّعَى له فيه توقّف، حتّى إنَّ شخصاً من أعيانهم
له تقدُّم في علوم زعم أنَّه جاز المائة بثلاثين فأزيد، وازدحم عليه من لا تمییز له،
بل ومن له شهرة بينهم في هذا الشَّأن، ثم حَقَّقت لهم أنَّه نحو الثَّمانين فقط.
ونحوه ما اتَّفق أنَّ شخصاً كان يقال له إبراهيم بن حِجِّي الخليلي(٥) مَمَّن
توفي بعد الثلاثين وثمانمائة، اذَّعَى أنَّ مولده سنة خمس وعشرين، وقرأ عليه
بعضُ الطَّلبة بإجازته من الحجَّار ونحوه، مع طَعْنِ الحافظ التَّقي الفاسي عليه
في دَعْواه(٦) .
(١) ((التقييد والإيضاح)) (ص١٨٣).
(٢) قال ابن حجر في مقدمة فهرسته - المعجم المفهرس (ص٢٤): الإجازة الخاصة ولو
كان فيها نقص أولى من الرواية بالإجازة العامة، لأن فيها من الاسترسال ما لا يرضى.
(٤) ((شرح نخبة الفكر)) (ص ١٤٣).
(٣) (ص٤٥٠ - ٤٥١).
(٥) هو: إبراهيم بن حجي بن علي بن عيسى، الشريف المعمر، أبو إسحاق الحسني،
الطرابلسي الأصل، نزيل الخليل، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة. ((الضوء
اللامع» (٣٩/١ - ٤٠).
(٦) انظر: ((الضوء اللامع)) (٣٩/١).