Indexed OCR Text

Pages 221-240

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٢١
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
والمذموم، ولذا قسمها العز ابن عبد السَّلام - كما سأشير إليه - إن شاء الله -
عند التّسميع بقراءة اللحان (١) - إلى الأحكام الخمسة(٢)، وهو واضح (٣).
ولكنّها خصت شرعاً بالمذموم مما هو خلاف المعروف عن النبي وَّل.
فالمبتدع: من اعتقد ذلك لا بمعاندةٍ، بل بنوعٍ شبهةٍ.
(والخُلْفُ) أي: الاختلاف واقعٌ بين الأئمَّة (في) قبول رواية (مبتدع)
معروف بالتَّحرز من الكذب، وبالتّثبت في الأخذ والأداء مع باقي شروط
القبول.
٢٩٤
(ما كُفِّرا) أي: لم يُكفّر ببدعته تكفيراً مقبولاً، كبدع الخوارج والرَّوافض
الَّذين لا يَغْلُون ذاك الغلوَ، وغير هؤلاء من الطَّوائف المخالفين لأصول السنَّة
خلافاً ظاهراً، لكنه مستند إلى تأويلٍ ظاهرٍ سائغ.
(قيل: يُردُّ مطلقاً) الداعية وغيره، لاتفاقهم على ردّ الفاسق بغير تأويل،
فيلحق به المتأوِّل، فليس ذلك بعذرٍ، بل هو فاسق بقوله وبتأويله [فيتضاعف(٤)
فسقُه، كما استوى الكافر المتأوّل والمعاند بغير تأويل.
قال غير واحد منهم ابن سيرين: إنَّ هذا العلم دين، فانظر عمَّن تأخذ
دينك(٥) ، بل روي مرفوعاً من حديث أنس وأبي هريرة(٦) .
وكذا روي عن ابن عمر أنَّه ◌َ لّ قال له: ((يا ابن عمر دينك دينك، إنَّما
هو لحمك ودمك، فانظر عمّن تأخذ، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن
(١) (١٤٦/٣).
(٢) ((قواعد الأحكام)) (١٧٢/٢ - ١٧٤)، و((الفروق)) للقرافي (٢٠٢/٤ - ٢٠٥)، و((شرح
النووي على مسلم)) (١٥٤/٦ - ١٥٥)، و((حاشية ابن عابدين)) (٥٦٠/١ - ٥٦١).
(٣) لكن العلامة الشاطبي لم يرتض هذا التقسيم؛ بل رده وقوض دعائمه في كتابه
((الاعتصام)» (١/ ١٥٠ - ١٥١).
ومن أوضح ما يرد به هذا التقسيم التناقض؛ إذ كيف يقال: بدعة ثم يقال: واجبة أو
مستحبة، والبدع كلها ضلالة كما ثبت في الحديث الصحيح.
(٤) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): فيضاعف.
(٥) ((مقدمة صحيح مسلم)) (٨٤/١)، وانظر ما تقدم (ص١٧٣).
(٦) ((الكامل)) لابن عدي (١٥٥/١. ١٥٦)، وانظر ما تقدم (ص١٧٣).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٢٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الَّذين مالوا)»(١). ولا يصحّ(٢).
وقال علي بن حرب(٣): من قدر أن لا يكتب الحديث إلَّا عن صاحب
سنَّة، فإنَّهم لا يكذبون، كلّ صاحب هوى يكذب ولا يبالي (٤).
وهذا القول - كما قاله الخطيب في ((الكفاية)) - مروي عن طائفة من
السَّلف، منهم مالك(٥)، وكذا نقله الحاكم عنه(٦)، ونصُّه في ((المدونة)) في غير
موضع يشهد له، وتبعه أصحابه(٧)، كذا جاء عن القاضي أبي بكر الباقلاني
وأتباعه(٨)، بل نقله الآمدي عن الأكثرين(٩)، وجزم به ابن الحاجب(١٠).
(واسْتُنْكِرا) أي: أَنكر هذا القولَ ابنُ الصَّلاح، فإنَّه قال: إنَّه بعيد مباعد
للشَّائع عن أئمّة الحديث، فإن كتبهم طافحةٌ بالرِّواية عن المبتدعة غير
الدّعاة (١١)، كما سيأتي آخر هذه المقالة(١٢).
وكذا قال شيخنا: إنّه بعيد، قال: وأكثر ما عُلِّل به أنَّ في الرواية عنه
ترويجاً لأمره وتنويهاً بذكره(١٣)، وعلى هذا فينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء
يشاركه فيه غیر مبتدع.
قلت: وإلى هذا التّفصيل مال ابن دقيق العيد، حيث قال: إن وافقه غيره
(١) ((الكامل)) لابن عدي (١٥٥/١)، و((الكفاية)) (ص١٩٥).
(٢) قال ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (١٢٤/١) بعد أن ذكر حديث ابن عمر وابن
عباس وأنس: ليس فيها يصح عن رسول الله وَلتر.
(٣) هو: علي بن حرب بن محمد بن علي بن حبان بن مازن، أبو الحسن الطائي
الموصلي، المتوفى سنة خمس وستين ومائتين.
((تاريخ بغداد)) (٤١٨/١١ - ٤٢٠)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٩٤/٧ - ٢٩٦).
(٥) ((الكفاية)) (ص١٩٤).
(٤) ((الكفاية)) (ص١٩٨).
(٦) (المدخل)) (ص٩٦) ضمن مجموعة الرسائل الكمالية رقم (٢).
(٧)
(شرح تنقيح الفصول)) للقرافي (ص٣٦٠).
(٨) انظر: المستصفى (١٦٠/٢).
(٩) الإحكام (٨٣/٢)، و((منتهى السول)) (٨٠/١).
(١٠) ((مختصر ابن الحاجب)) (٦٢/٢ - ٦٣) مع شرحه وحواشيه.
(١١) ((علوم الحديث)) (ص١٠٤).
(١٣) ((شرح النخبة)) (ص١٠٢).
(١٢) (ص٢٢٨ - ٢٣٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٢٣
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
فلا يلتفت إليه هو، إخماداً لبدعته وإطفاءً لناره(١)، يعني: لأنَّه كان يقال - كما
قال رافع بن أشرس -: من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه(٢).
وإن لم يوافقه أحدٌ، ولم يوجد ذلك الحديث إلَّا عنده مع ما وصفنا من
صدقه وتحرّزه عن الكذب واشتهاره بالتَّدُّن، وعدم تعلق ذلك الحدیث ببدعته،
فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة
إهانته وإطفاء بدعته (٣).
(وقيل): إنه لا يردّ المبتدع مطلقاً (بل إذا استحل الكذبا) في الرِّواية أو
الشَّهادة (نصرة) أي: لنصرة (مذهب له) أو لغيره ممن هو متابع له، كما كان
محرز أبو رجاء يفعل؛ حسبما حكاه عن نفسه بعد أن تاب من بدعته، فإنَّه كان
يضع الأحاديث يدخل بها النَّاس في القدر (٤).
٢٩٥
وكما حكى ابن لهيعة عن بعض الخوارج مِمَّن تاب أنَّهم كانوا إذا هووا
أمراً صيَّروه حديثاً(٥)، فمن لم يستحلَّ الكذب كان مقبولاً؛ لأنَّ اعتقاد حرمة
الكذب يمنع من الإقدام عليه، فیحصل صدقه.
(ونسبا) هذا القول فيما نقله الخطيب في ((الكفاية))(٦) (للشَّافعي) وَُّ (إذ ٢٩٦
يقول) أي: لقوله: (أَقْبَلُ من غير خطَّابية) بالمعجمة ثم المهملة المشددة طائفة
من الرّافضة، شرحت شيئاً من حالهم في الموضوع(٧)، (ما نقلوا) لأنّهم يَرَوْن
الشَّهادة بالزُّور لموافقيهم، ونصَّ عليه في ((الأم))(٨)، و((المختصر))(٩) قال:
لأنّهم يرون شهادة أحدهم لصاحبه إذا سمعه يقول: لي على فلان كذا فيصدقه
بيمينه أو غيرها، ويشهد له اعتماداً على أنه لا يكذب.
(١) ((الاقتراح)) (ص٣٣٦).
(٣) ((الاقتراح)) (ص٣٣٦ - ٣٣٧).
(٢) ((الكفاية)) (ص ١٩٠).
(٤) انظر ما تقدم (ص١٠٩).
(٥) انظر ما تقدم (٢٥٦/١)، وفي حاشية (س): وحينئذٍ فقول أبي داود ليس في أهل
الأهواء أصح حديثاً من الخوارج ليس على إطلاقه، كما أفاده شيخنا.
(٦) (ص ١٩٤ - ١٩٥)، وعلوم الحديث لابن الصلاح (ص١٠٣)، و((شرح النووي على
مسلم)) (١٦٠/٧)، و((الطرق الحكمية)) لابن القيم (ص١٧٣).
(٧) (ص١٠٨).
((الأم)) للإمام الشافعي (٢٠٦/٦) من غير تسمية لهذه الفرقة.
(٨)
((مختصر المزني)) (٨/ ٣١٠) مع ((الأم)) من غير تسمية أيضاً.
(٩)

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٢٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
ونحوه قول بعضهم عنهم: كان إذا جاء الرَّجل للواحد منهم فزعم أنَّ له
على فلان كذا، وأقسم بحقِّ الإمام على ذلك يشهد له بمجرد قوله وقسمه.
بل قال الشَّافعي فيما رواه البيهقي في ((المدخل)) والخطيب في ((الكفاية)):
ما في أهل الأهواء قوم أشهد بالزّور من الرَّافضة(١)، فإما أن يكون أطلق الكلَّ
وأراد البعض، أو أطلق في اللَّفِظِ الأوَّل البعض، لكونهم أسوأ كذباً، وأراد
الكلَّ.
وكذا قال أبو يوسف القاضي: أجيز شهادةَ أصحابِ الأهواء - أهل
الصِّدق منهم - إلّا الخطابية والقدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشَّيءَ حتَّى
يكون. رواه الخطيب في الكفاية(٢).
على أنّ بعضهم ادّعى أن الخطابية لا يشهدون بالزّور، فإنّهم لا يجوِّزون
الكذب، بل من كَذَب عندهم فهو مجروحٌ مقدوحٌ فيه، خارجٌ عن درجة
الاعتبار رواية وشهادة، فإنَّه خرج بذلك عن مذهبهم، فإذا سمع بعضهم بعضاً
قال شيئاً عرف أنَّه ممن لا يجوز الكذب، فاعتمد قوله لذلك، وشهد بشهادته،
فلا يكون شهد بالزور لمعرفته أنَّه مُحقٌّ.
ونازعه البلقيني بأنَّ ما بنى عليه شهادته أصلٌ باطل، فوجب ردُّ شهادته،
لاعتماده أصلاً باطلاً، وإن زعم أنَّه حقّ(٣)، وتبعه ابن جماعة.
ومن هنا نشأ الاختلاف فيما لو شهد خطَّابي وذكر في شهادته ما يقطع
احتمال الاعتماد فيها على قول المدَّعي، بأن قال: سمعت فلاناً يُقرّ بكذا
لفلان، أو رأيته أقرضه في القبول والردّ.
وعن الربيع سمعت الشّافعي يقول: كان إبراهيم بن أبي يحيى قدرياً. قيل
للربيع: فما حمل الشّافعي على أن روى عنه؟ قال: كان يقول: لأن يَخِرَّ
إبراهيم من بُعْدٍ، أحبُّ إليه من أن يكذب، وكان ثقةً في الحديث (٤).
ولذا قيل - كما قاله الخليلي في ((الإرشاد)) -: إنّ الشَّافعي كان يقول:
(١) ((الكفاية)) (ص٢٠٢)، وانظر ما تقدم (ص١٠٩).
(٢) (ص٢٠٢).
(٤) ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٥٣٣/١).
(٣) ((محاسن الاصطلاح)) (ص٢٢٩).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٢٥
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
[- ثنا}(١) الثّقة في حديثه، المتَّهم في دينه(٢).
قال الخطيب: وحكي - أيضاً - أنَّ هذا مذهب ابن أبي ليلى(٣)، وسفيان
الفوري(٤)، ونحوه عن أبي حنيفة(٥)، بل حكاه الحاكم في ((المدخل)) عن أكثر
أئمّة الحديث(٦)، وقال الفخر الرّازي في ((المحصول)): إنّه الحقّ(٧)، ورجّحه
ابن دقيق العيد (٨) .
وقيل: يقبل مطلقاً؛ سواء الدّاعية وغيره - كما سيأتي(٩) - لأنّ تديُّنه
وصدق لهجته يحجزه عن الكذب(١٠).
وخصَّه بعضُهم بما إذا كان المروي يشتمل على ما تُردّ به بدعته، لبعده
حينئذٍ عن التُّهمة جزماً .
وكذا خصَّه بعضهم بالبدعة الصُّغرى، كالتَّشيّع؛ سواء الغلاة فيه وغيرهم،
فإنّه كثر في التَّابعين وأتباعهم، فلو رَدَّ حديثهم لذهب جملة من الآثار النَّبويَّة،
وفي ذلك مفسدة بينة.
أمّا البدعة الكبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحطّ على الشَّيخين أبي
بكر وعمر ظّها فلا، ولا كرامة؛ لا سيّما ولست أستحضر الآن من هذا الضّرب
رجلاً صادقاً ولا مأموناً؛ بل الكذب شعارهم، والنّفاق والتَّقِيَّة دِثارُهم (١١)،
فكيف يُقبل من هذا حالُه، حاشا وكلا، قاله الذّهبي(١٢).
(١) کذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(٢) ((الإرشاد)) للخليلي (٣٠٨/١).
(٣) أخبار القضاة لوكيع (١٣٣/٣)، وابن أبي ليلى هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، الأنصاري الكوفي، القاضي، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائة. ((وفيات
الأعيان)) (١٧٩/٤ - ١٨١)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٠١/٩).
(٤) ((الكفاية)) (ص١٩٥).
(٦) ((المدخل)) (ص٩٦) ضمن المجموعة الكمالية رقم (٢).
(٧) ((المحصول)) (٥٦٧/١/٢).
(٩) (ص٢٣١ - ٢٣٢).
(٥) المصدر السابق (ص٢٠٢).
(٨) ((الاقتراح)) (ص٣٣٣).
(١٠) ((الكفاية)) (ص١٩٥)، واختاره أبو الحسين البصري المعتزلي في ((المعتمد)) (٦١٨/٢).
(١١) الشعار: ما يلي شعر الجسد من اللباس، والدثار: ما فوق الشعار من الثياب. انظر:
((القاموس المحيط)) مادة (شعر)، و(دثر).
(١٢) في ((ميزان الاعتدال)) (٥/١ - ٦).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٢٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
قال: والشّيعي [و](١) الغالي في زمن السَّلف وعُرْفِهم: من تكلّم في
عثمان والزّبير وطلحة وطائفة ممن حارب علياً فتعرَّض لسبِّهم، والغالي في
زماننا وعُرفنا: هو الذي كَفَّر هؤلاء السَّادة، وتبرَّأ من الشّيخين - أيضاً - فهذا
ضالٌّ مفتر(٢) .
ونحوه قول شيخنا في أبان بن تغلب (٣) من ((تهذيبه)): التَّشيُّع في عرف
المتقدِّمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان، وأنَّ عليّاً كان مصيباً في حروبه،
وأنَّ مخالفَه مخطئ، مع تقديم الشَّيْخين وتفضيلِهما، وربما اعتقد بعضُهم أنَّ
علياً [رظُه](٤) أفضلُ الخلق بعد رسول الله وََّ، فإذا كان مُعْتَقِدُ ذلك وَرِعاً دَيِّناً
صَادقاً مجتهداً، فلا تُردّ روايته بهذا؛ لا سيّما إن كان غيرَ داعية، وأمَّا التشيع
في عُرف المتأخّرين فهو الرفض المحض، فلا تقبل رواية الرافضي الغالي، ولا
(٥)
کرامة(٥) .
(والأكثرون) من العلماء (ورآه) ابن الصَّلاح(٦) (الأعدلا) والأولى من
الأقوال (ردوا دعاتهم فقط).
٢٩٧
قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: لم رويت عن أبي معاوية الضَّرير(٧) .
وكان مرجئاً - ولم ترو عن شبابة بن سوار - وكان قدرياً -؟ قال: لأنَّ أبا
معاوية لم يكن يدعو إلى الإرجاء، وشبابة كان يدعو إلى القدر (٨).
(١) كذا في الأصول وليست في ((الميزان)).
(٢) ((ميزان الاعتدال)) (٦/١).
(٣) هو: أبان بن تغلب الكوفي القاري، أبو سعد، أحد الأئمة، تكلم فيه للتشيع، مات
سنة أربعين ومائة .
(تقريب التهذيب)) (ص١٨)، والخلاصة (ص١٣).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٥) (تهذيب التهذيب)) (٩٤/١)، وفي حاشية (م): ثم بلغ كذلك نفع الله به.
(٦) في ((علوم الحديث)) (ص١٠٤).
(٧) هو: محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير، الكوفي، الحافظ، ثقة ثبت، وكان مرجئاً،
مات سنة خمس وتسعين ومائة.
(«الكاشف)) (٣٧/٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٩٥).
(٨) الكامل لابن عدي (٤٦/٤) الطبعة الثالثة لدار الفكر، وذكره الذهبي في («الميزان)) (٢٦٠/٢)
من رواية أحمد بن أبي يحيى عن الإمام أحمد، وذكر الحافظ ابن حجر=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٢٧
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
وحكى الخطيب هذا القول، لكن عن كثيرين(١)، وتردد ابن الصَّلاح في
عزوه بين الكثير أو الأكثر(٢)، نعم حكاه بعضهم عن الشَّافعية كلِّهم(٣).
٢٩٨
بل (ونقلا فيه ابن حبان اتفاقاً) حيث قال في ترجمة جعفر بن سليمان
الضَّبعي (٤) من ثقاته: ليس بين أهل الحديث من أئمّتنا خلاف أنّ الصّدوق
المتقن إذا كانت فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها أنّ الاحتجاج بأخباره جائز،
فإذا دعا إليها سقط الاحتجاج بأخباره(٥) .
وليس صريحاً في الاتفاق، لا مطلقاً ولا بخصوص الشَّافعية، ولكن الَّذي
اقتصر ابن الصَّلاح عليه في العزو له الشّقّ الثّاني، فقال: قال ابن حبّان:
الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أئمَّتنا قاطبةً، لا أعلم بينهم فيه
اختلافاً (٦)
.
على أنَّه محتمل - أيضاً - لإرادة الشَّافعية أو مطلقاً، وعلى الثَّاني
فالمحكيُّ عن مالك(٧) وغيره يخدش فيه، على أنَّ القاضي عبد الوهّاب في
((الملخص)) فهم من قول مالك: لا تأخذ الحديث عن صاحب هوى يدعو إلى
هواه(٨)، التفصيل(٩)، ونازعه القاضي عياض، وأن المعروف عنه الرَدُّ
مطلقاً (١٠)، يعني: كما تقدم(١١)، وإن كانت العبارة محتملة.
في ((التهذيب)) (٣٠١/٤) الإمام أحمد ممن روى عن شبابة، فلعل الإمام أحمد روى
=
عنه بعد رجوعه عن القول بالإرجاء، فقد نقل الذهبي عن أبي زرعة أن شبابة رجع عن
القول بالإرجاء.
(١) ((الكفاية)) (ص١٩٥).
(٢) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٠٣). (٣) ((الخلاصة)) للطيبي (ص ٩٥).
(٤) هو: جعفر بن سليمان الضبعي - بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة - أبو سليمان
البصري، صدوق زاهد، لكنه يتشيع، مات سنة ثمان وسبعين ومائة. ((تقريب التهذيب))
(ص٥٥ - ٥٦)، والخلاصة (ص٥٤).
(٥) ((الثقات)) لابن حبان (١٤٠/٦ - ١٤١).
(٦) ((علوم الحديث)) (ص١٠٤).
(٧) الذي تقدم (ص٢٢٢).
(٨) ((الكفاية)) (ص١٨٩)، و((شرح السنة)) للبغوي (٣١٨/١).
(٩) نقله الزركشي في ((البحر المحيط)) (٢٧١/٤).
(١٠) إكمال المعلم (١٢٥/١).
(١١) (ص٢٢٢ - ٢٢٣).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٢٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وبالجملة فقد قال شيخنا: إن ابن حَبّان أغربَ في حكاية الاتِّفاق(١).
ولكن يُشترط مع هذين - أعني: كونُه صدوقاً غيرَ داعية - أن لا يكون
الحديث الّذي يحدِّث به مما يَعضُدُ بدعتَه ويشدُّها ويزيِّنُهَا، فإنَّا لا نَأمن حينئذٍ
عليه غلبةَ الهوى، أفاده شيخُنا، وإليه يُومئ كلامُ ابن دقيق العيد الماضي(٢).
بل قال شيخنا: إنّه قد نصّ على هذا القيد في المسألة الحافظ أبو
إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ النّسائي، فقال في مقدّمة كتابه في
الجرح والتّعديل: ومنهم زائٌ عن الحقِّ، صدوقُ اللَّهجة، قد جَرَى في النَّاسِ
حديثُه، لكنَّه مخذولٌ في بدعته، مأمونٌ في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حِيلَة إلَّا
أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرف، وليس بمنكر، إذا لم تَقْوَ به بِدعتُهُمْ(٣)،
فَيُتَّهَمُون بذلك(٤) .
(و) قد (رووا) أي: الأئمَّة النقّاد كالبخاريِّ ومسلم أحاديثَ (عن) جماعة
(أهل بدع) بسكون الدّال (في الصّحيح) على وجه الاحتجاج [بهم](٥)؛ لأنَّهم
(ما دعوا) إلى بدعهم، وما استمالوا النَّاس إليها.
منهم: خالد بن مخلد(٦)، وعبيد الله بن موسى العبسي(٧)، وهما ممّن
اتّهم بالغلو في التّشيع، وعبد الرّزاق بن همام(٨)، وعمرو بن دينار(٩)، وهما
بمجرَّد التشيع.
(١) ((شرح النخبة)) (ص١٠٣).
(٢) (ص٢٢٢ - ٢٢٣).
(٣)
((شرح النخبة)) (ص١٠٣ - ١٠٤).
(٤) ((أحوال الرجال)) الجوزجاني (ص٣٢).
(٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (س).
(٦) هو: خالد بن مخلد القطواني، أبو الهيثم الكوفي البجلي، مولاهم، وثقه عثمان بن
أبي شيبة والعجلي، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين.
(تاريخ الثقات)) للعجلي (ص١٤١)، و((تهذيب التهذيب)) (١١٦/٣ - ١١٨).
وانظر: طبقات ابن سعد (٤٠٦/٦)، وسؤالات الآجري (ص١٠٣)، و((الكفاية))
(ص٢٠١).
(٧) انظر: (سؤالات الآجري)) (ص ١٥٠)، و((الكفاية)) (ص٢٠١).
(٨) انظر: ((الكامل)) لابن عدي (١٩٤٨/٥)، و((الكفاية)) (ص٢٠٨).
(٩) ((الكفاية)) (ص٢٠١) لكن قال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (٢٦٠/٣): ما قيل عنه من
التشيع باطل.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٢٩
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
وسعيد بن أبي عروبة(١)، وسلام بن مسكين(٢)، وعبد الله بن أبي نجيح
المكي(٣)، وعبد الوارث بن سعيد(٤)، وهشام الدَّستوائي(٥)، وهم ممَّن رُمي بالقَدَر.
وعلقمة بن مرثد(٦)، وعمرو بن مُرّةَ (٧)، ومحمَّد بن خازم أبو معاوية
الضَّرير(٨)، ومِسْعَر بن كِدَام(٩)، وهم مِمَّن رُمِي بالإرجاء.
(١) هو: سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري، مولاهم، أبو النضر، البصري، ثقة حافظ،
لكنه كثير التدليس، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومائة. طبقات ابن سعد
(٢٧٣/٧ - ٢٧٤)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٢٤).
وانظر: الكفاية (ص٢٠١)، و((هدي الساري)) (ص ٤٠٥ - ٤٠٦).
(٢) هو: سلام بن مسكين أبو روح الأزدي، من أعبد أهل زمانه، قال الإمام أحمد: ثقة
كثير الحديث، مات سنة سبع وستين ومائة.
((العلل ومعرفة الرجال)) (١٧٩/١)، و((الكاشف)) (٤١٤/١).
وانظر: ((سؤالات الآجري)) (ص٣١٠)، و((الكفاية)) (ص٢٠١).
(٣) هو: عبد الله بن أبي نجيح الثقفي، مولاهم، أبو يسار المكي، وثقه الإمام أحمد،
مات سنة إحدى وثلاثين ومائة.
الجمع بين رجال الصحيحين (٢٦١/١ - ٢٦٢)، والخلاصة (ص١٨٣).
وانظر: ((الجرح والتعديل)) (٢٠٣/٢/٢)، و((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص٢٨١)،
و ((الكفاية)) (ص٢٠١).
(٤) انظر: ((تاريخ عثمان بن سعيد عن ابن معين)) (ص٥٤)، و((الكفاية)) (ص٢٠١) لكن نقل
البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١١٨/٢/٣)، عن ابنه عبد الصمد بن عبد الوارث: أنه
حلف إنه لمكذوب على أبيه، وأنه ما سمعه قط، يعني: القدر.
(٥) انظر: طبقات ابن سعد (٢٧٩/٧)، و((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص٤٥٨)، و((الكفاية))
(ص٢٠١).
(٦) هو: علقمة بن مرثد الحضرمي، أبو الحارث الكوفي، وثقه أحمد والنسائي وابن حبان
ويعقوب بن سفيان، توفي في آخر ولاية خالد القسري على العراق. ((المعرفة
والتاريخ)) (١٩٨/٣)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٧٨/٧).
(٧) هو: عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق الجملي المرادي، أبو عبد الله الكوفي
الأعمى، وثقه ابن معين وابن نمير، مات سنة ثمان عشرة ومائة.
((تهذيب التهذيب)) (١٠٢/٨ - ١٠٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٦٢).
وانظر: ((الجرح والتعديل)) (٢٥٨/١/٣)، و («ميزان الاعتدال)) (٢٨٨/٣).
(٨) انظر: طبقات ابن سعد (٣٩٢/٦)، و((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص٤٠٣)، و((تاريخ
بغداد» (٢٤٧/٥).
(٩) هو: مسعر بن كدام - بكسر أوله - ابن ظهيرة بن عبيدة الهلالي الرؤاسي، أبو سلمة=

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٣٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وكالبخاري وحده لعكرمة مولى ابن عبّاس، وهو مِمَّن نُسِب إلى
الإباضية(١)، من آراء الخوارج(٢).
وكمسلم وحده لأبي حسّان الأعرج (٣)، ويقال: إنَّه كان يرى رأي
الخوارج (٤).
وكذا أخرجا لجماعة في المتابعات، كداود بن الحصين(٥)، وكان متَّهَماً
برأي الخوارج(٦).
والبخاري وحده فيها لجماعة، كسيف بن سليمان(٧)، وشِبْل بن عَبَّاد(٨)،
الكوفي، أحد الأعلام، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة.
=
(تقريب التهذيب)) (ص٣٣٤)، والخلاصة (ص ٣٢٠).
وانظر: ((الثقات)) لابن حبان (٥٠٧/٧ - ٥٠٨)، و((ميزان الاعتدال)) (٩٩/٤).
(١) هم: أتباع عبد الله بن إباض، الذي خرج في أيام مروان بن محمد، ويرون أن
مخالفهم كافر وليس بمشرك.
انظر: ((مقالات الإسلاميين)) للأشعري (ص١٠٢ - ١١١)، و((الملل والنحل))
للشهرستاني (١٣٤/١ - ١٣٥).
(٢) قال الإمام أبو الحسن الأشعري في المقالات (ص١٠٩): ويدعون - يعني: الإباضية -
من السلف جابر بن زيد، وعكرمة، ومجاهد، وعمرو بن دينار. وانظر: ((هدي
الساري)) (ص٤٢٥ - ٤٣٠).
(٣) هو: أبو حسان الأعرج، ويقال: الأحرد، بصري، اسمه: مسلم بن عبد الله، وثقه ابن
معين والعجلي وابن سعد، قتل سنة ثلاثين ومائة.
((الاستغناء)) لابن عبد البر (٥٨٢/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٧٢/١٢).
(٤) انظر: ((سؤالات الآجري)) (ص٣٣٣)، وتهذيب التهذيب)) (٧٢/١٢).
(٥) هو: داود بن الحصين الأموي، مولاهم، أبو سليمان المدني، ثقة إلا في عكرمة،
مات سنة خمس وثلاثين ومائة.
(تقريب التهذيب)) (ص٩٥)، والخلاصة (ص٩٣).
(٦) انظر: ((الثقات)) لابن حبان (٢٨٤/٦)، و((هدي الساري)) (ص٤٠١).
(٧) هو: سيف بن سليمان، أو ابن أبي سليمان المخزومي المكي، ثقة ثبت، رمي بالقدر،
مات سنة خمسين ومائة.
((الكامل)) لابن عدي (١٢٧٣/٣ - ١٢٧٥)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٤٢).
وانظر: ((يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) (١٠٠/٣).
(٨) هو: شبل بن عباد المكي القاري، وثقه أحمد وابن معين وأبو داود، والدارقطني،
وابن حبان، مات سنة ثمان وأربعين ومائة.
=

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
مكسسيـ
٢٣١
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
مع أنَّهما كانا ممَّن يرى القدر، في آخرين عندهما اجتماعاً وانفراداً في الأصول
والمتابعات يطول سردُهم.
بل في ترجمة محمَّد بن يعقوب بن الأخرم من ((تاريخ نيسابور)) للحاكم
من قوله: إن كتاب مسلم ملآن من الشّيعة(١)، مع ما اشتهر من قبول
الصّحابة
أخبار الخوارج وشهاداتهم، ومن جرى مجراهم من الفُسَّاق
بالتأويل .
ثم استمرار عمل التّابعين والخالفين، فصار ذلك - كما قال الخطيب -
كالإجماع منهم، وهو أكبر الحجج في هذا الباب، وبه يقوى الظنّ في مُقاربة
الصَّواب(٢)، وربما تَبرَّأ بعضهم ممَّا نسب إليه، أو لم يثبت عنه، أو رجع
و تاب.
فإن قيل: [قد](٣) خرَّج البخاري لعمران بن حِظَّان السَّدوسي الشَّاعر (٤)،
الَّذي قال فيه أبو العبَّاس المبرد(٥): إنّه كان رأس القُعَّد من الصفرية(٦) وفقيههم
وخطيبهم وشاعرهم(٧)، مع كونه كان داعيةً إلى مذهبه، فقد مدح عبد الرّحمن بن
ملجم (٨) قاتلَ عَلِيٍّ؛ وذلك من أكبر الدَّعوة إلى البدعة.
= ((تهذيب التهذيب)) (٣٠٥/٤ - ٣٠٦)، والخلاصة (ص١٣٨).
وانظر: ((هدي الساري)) (ص٤٠٩) نقلاً عن أبي داود.
(١) انظر: ((الكفاية)) (ص٢٠٨).
(٣) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): فقد.
(٢) المصدر السابق (ص٢٠١).
(٤) هو: عمران بن حطان السدوسي البصري الخارجي، أبو سماك، المتوفى سنة أربع
وثمانين.
((ميزان الاعتدال)) (٢٣٥/٣ - ٢٣٦)، و((خزانة الأدب)) للبغدادي)) (٤٣٦/٢ - ٤٤١).
(٥) هو: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر، أبو العباس الأزدي البصري، النحوي اللغوي،
الإمام، المتوفى سنة خمس، وقيل: ست وثمانين ومائتين.
(«معجم الأدباء)) (١١١/١٩ - ١٢٢)، و((وفيات الأعيان)) (٣١٣/٤ - ٣٢٢).
(٦) ((الصفرية)): طائفة من الخوارج ينسبون إلى زياد بن الأصفر، وهم أقرب فرق الخوارج
إلى الحق، حيث استدلوا - بالإضافة إلى القرآن - بالحديث. ((الفرق بين الفرق))
(ص٩٠ - ٩١)، و(«تاريخ الفرق الإسلامية)) (ص٢٨٢).
(٧) ((الكامل)) للمبرد (٨٩٥/٣).
(٨) هو: عبد الرحمن بن ملجم المرادي الحميري الخارجي، كان عابداً قانتاً لله، لكنه=

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٣٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وأيضاً: فالقَعَدِيَّة قوم من الخوارج كانوا يقولون بقولهم، ولا يرون
الخروج، بل يدعون إلى آرائهم، ويزيِّنون مع ذلك الخروج ويحسِّنونه(١).
وكذا لعبد الحميد بن عبد الرَّحمن الحِمَّاني(٢) مع قول أبي داود فيه: إنَّه
كان داعية إلى الإرجاء(٣) .
فقد أجيب عن التَّخريج لأولهما بأجوبة:
أحدها: أنَّه إنَّما خرج له ما حمل عنه قبل ابتداعه(٤).
ثانيها: أنه رجع في آخر عمره عن هذا الرّأي(٥)، وكذا أجيب بهذا عن
تخريج الشَّيخين معاً لشبابة بن سوَّار، مع كونه داعية(٦).
ثالثها : - وهو المعتمد المعوَّل عليه ــ أنَّه لم يخرج له سوى حديثٍ
واحدٍ، مع كونه في المتابعات، ولا يضرُّ فيها التَّخريج لمثله(٧) .
ختم له بشرِّ فقتل أمير المؤمنين علي له متقرباً إلى الله بدمه، فقطعت يداه ورجلاه
=
ولسانه، وسملت عيناه، ثم أحرق سنة أربعين.
((لسان الميزان)) (٤٣٩/٣ - ٤٤٠)، و((النجوم الزاهرة)) (١٢٠/١).
(١) انظر: ((مقالات الإسلاميين)) (ص٨٧)، و(تاج العروس)) مادة (قعد).
(٢) أبو يحيى الكوفي، الملقب بشمين، وثقه ابن معين، وضعفه أحمد وابن سعد، وقال
ابن حجر: صدوق يخطئ، رمي بالإرجاء، مات سنة اثنتين ومائتين. ((المعرفة
والتاريخ)) (٨٢/٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٩٧)، والخلاصة (ص١٨٨).
(٣) في ((سؤالات الآجري)) (ص١٧٧): الحماني مرجئ، وليس فيه أنه كان داعية إليه.
وانظر: ((هدي الساري)) (ص٤١٦).
(٤) لكن رد هذا الجواب الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) (ص٤٣٣) بأن يحيى بن
أبي كثير إنما سمع منه باليمامة في حال هروبه من الحجاج، وكان الحجاج يطلبه ليقتله
لرأيه رأي الخوارج.
(٥) حكاه أبو زكريا الموصلي في ((تاريخ الموصل)) عن غيره. انظر: ((هدي الساري))
(ص٤٣٣) قال ابن حجر: إن صح ذلك كان عذراً جيداً.
(٦) ((هدي الساري)) (ص٤٠٩).
(٧) انظر: ((فتح الباري)) (٢٩٠/١٠)، و((هدي الساري)) (ص٤٣٣).
وحديثه في البخاري: باب لبس الحرير للرجال (٢٨٥/١٠) وله حديث آخر في
البخاري - أيضاً - باب نقض الصور، كتاب اللباس (٣٨٥/١٠).
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح)) (٢٩٠/١٠): إنما أخرج ه البخاري على قاعدته في
تخريج أحاديث المبتدع، إذا كان صادق اللهجة متديناً. لكن البدر العيني رد هذا=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٣٣
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
وأجاب شيخنا عن التَّخريج لثانيهما: بأنَّ البخاري لم يخرِّج له سوى
حديثٍ واحدٍ (١)، قد رواه مسلم من غير طريق الحمَّاني(٢)، فبان أنَّه لم يخرِّجْ
إلَّا ما له أصل (٣).
هذا كله في البدع غير المكفِّرة، أمَّا المكفِّرة، وفي بعضها ما لا شكَّ في
التَّكفير به، كمنكري العلم بالمعدوم، القائلين: ما يعلم الأشياء حتَّى يخلقها،
أو بالجزئيات (٤)، والمُجَسِّمين تجسيماً صريحاً(٥)، والقائلين بحلول الإلهية في
علي أو غيره(٦).
وفي بعضها ما اختلف فيه، كالقول بِخَلْق القرآن (٧)، والنَّافين
= الكلام في ((عمدة القاري)) (١٣/٢٢) بقوله: ومن أين كان له صدق اللهجة وقد أفحش
في الكذب في مدحه ابن ملجم اللعين؟ والمتدين كيف يفرح بقتل مثل علي بن
أبي طالب ظُه حتى يمدح قاتله؟.
(١) في باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، كتاب فضائل القرآن (٩/ ٩٢).
(٢) من طريق داود بن رشيد عن يحيى بن سعيد عن طلحة عن أبي بردة عن أبي موسى في
باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٦/ ٨٠).
(٣) ((هدي الساري)) (ص٤١٦).
(٤) زعمت الفلاسفة أن الله تعالى لا يعلم الجزئيات من حيث كونها جزئيات زمانية،
يلحقها التغيير، وقالوا: لأن تغير المعلوم يستلزم تغير العلم، وذلك يستلزم تغير الذات
وهو محال على الله تعالى. انظر هذا المذهب الفاسد والرد عليه في: لوامع الأنوار
البهية للسفاريني (١٥٩/١).
(٥) هم الذين زعموا أن الله - تعالى عما يقولون علواً كبيراً - جسم له حد ونهاية،
وهم اثنتا عشرة فرقة. انظر: ((مقالات الإسلاميين)) لأبي الحسن الأشعري
(ص٢٠٧ - ٢١٦)، و((الملل والنحل)) الشهرستاني (١٠٨/١ - ١١٣)، و((الفرق بين
الفرق)) (ص٢١٥ - ٢٣٠).
(٦) الحلولية: هم الذين زعموا أن روح الإله حلت في أحد من خلقه، وهم فرق عشر،
فالسبئية زعموا أن روح الإله حلت في علي، والشريعية والنميرية زعموا أنها حلت في
خمسة، هم: النبي، وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين. انظر: ((الفرق بين الفرق))
(ص ٢٥٤ - ٢٦٦).
(٧) القائلون بخلق القرآن هم: الجهمية والمعتزلة، وقد كفرهم أكثر من خمسمائة عالم،
قال ابن القيم في ((نونيته)) الشهيرة (ص٣٧):
عشر من العلماء في البلدان
ولقد تقلد كفرهم خمسون في
وانظر الكلام في هذه المسألة في: ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص١١٧ - ١٢٩).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٣٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
للرؤية(١)، فلم يتعرَّض ابن الصَّلاح للتنصيص على حكاية خلاف فيها(٢).
وكذا أطلق القاضي عبد الوهاب في ((الملخص))، وابن برهان في
((الأوسط)) عدم القبول، وقال: لا خلاف فيه، نعم. حكى الخطيب في
((الكفاية)) عن جماعةٍ من أهل النَّقل والمتكلِّمين أنَّ أخبارَ أهل الأهواء كلَّها
مقبولة، وإن كانوا كفاراً أو فسَّاقاً بالتّأويل(٣).
وقال صاحب المحصول: الحقُّ أنَّه إن اعتقد حرمة الكذب قَبِلْنا روايته؛
لأن اعتقاده - كما قدّمت - يمنعه من الكذب، وإلَّا فلا (٤).
قال شيخنا: والتَّحقيق أنَّه لا يردّ كلُّ مكفِّر ببدعة؛ لأنَّ كل طائفة تدَّعي
أنَّ مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفِّرها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم
تكفير جميع الطوائف.
فالمعتمد أنَّ الَّذي تردُّ روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشَّرع معلوماً من
الدِّين بالضّرورة - أي: نفياً وإثباتاً - فأمَّا من لم يكن بهذه الصِّفة، وانضمَّ إلى
ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله أصلاً(٥).
وقال أيضاً: والّذي يظهر أنَّ الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفرُ
صريحَ قوله، وكذا من كان لازمَ قوله، وعرضٍ عليه فالتزمه، أمَّا من لم يلتزمه
وناضل عنه فإنّه لا يكون كافراً، ولو كان اللَّازِم كفراً (٦)، وينبغي حمله على
غير القطعي ليوافق كلامه الأوَّل.
وسبقه ابن دقيق العيد، فقال: الَّذي تقرر عندنا أنه لا تعتبر المذاهب في
الرِّواية؛ إذ لا نكفِّر أحداً من أهل القبلة إلَّا بإنكار قطعي من الشَّريعة، فإذا
اعتبرنا ذلك، وانضمَّ إليه الورع والتَّقوى، فقد حصل معتمد الرِّواية، وهذا
مذهب الشَّافعي، حيث يقبل شهادة أهل الأهواء.
(١) ((النافون للرؤية)): هم الفرقتان المذكورتان في التعليقة السابقة، وانظر الكلام في هذه المسألة
في: ((الإبانة)» للإمام الأشعري (ص٨٩)، و((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص١٤٢ -١٥٢).
(٢) بل نص على البدع التي لا يكفر بها. انظر: ((علوم الحديث)) (ص١٠٣).
(٣) ((الكفاية)) (ص١٩٥).
(٥) ((شرح النخبة)) (ص١٠١).
(٤) ((المحصول)) (٥٦٧/١/٢ - ٥٦٨).
(٦) لما تقرر عند أهل العلم من أن لازم المذهب ليس بمذهب.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٣٥
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
قال: وأعراض المسلمين حفرةٌ من حُفَر النّار، وقف على شفيرها طائفتان
من النّاس: المحدِّثون والحگام(١).
فأشار بذلك إلى أنَّهم من أهل القبلة فنقبل روايتهم، كما نرثهم ونورثهم،
ونُجرِي عليهم أحكام الإسلام.
وممَّن صرَّح بذلك النَّووي، فقال في الشَّهادات من ((الروضة)): جمهور
الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا يكفِّرون أحداً من أهل القبلة (٢).
وقال في شروط الأئمَّة منها: ولم يزل السَّلف والخلف على الصَّلاة
خلف المعتزلة وغيرهم، ومناكحتهم، وإجراء أحكام الإسلام عليهم (٣).
وقد قال الشَّافعي في ((الأم)): ذهب النَّاس في تأويل القرآن والأحاديث
إلى أمور تباينوا فيها تبايناً شديداً، واستحلَّ بعضهم من بعض بما تطول
حكايته، وكان ذلك متقادماً، منه ما كان في عهد السَّلف وإلى اليوم، فلم نعلم
من سلف الأئمَّة من يقتدى به، ولا من بعدهم من التَّابعين ردَّ شهادةَ أحد
بتأويل [وإن خطأه] (٤) وضَلَّله ورآه [استحل](٤) ما حرَّم الله عليه، فلا [تُردُّ
شهادةً](٤) أحدٍ بشيء من [التّأويل] (٤) كان له وجه يحتمل، وإن بلغ فيه
استحلال المال والدّم. انتهى (٥).
وقد قال عمر بن الخطّاب ◌َ﴿َله فيما رويناه عنه: لا تُظُنَنَّ بكلمةٍ خرجت
من فِي امرئٍ مسلمٍ [سوءاً](٦)، وأنت تجد لها [في الخير](٧) محملاً (٨).
التاسع: في توبة الكاذب:
(وللحميدي) صاحب الشَّافعي، وشيخ البخاري، أبي بكر عبد الله بن ٢٩٩
(١) ((الاقتراح)) (ص٣٣٣ - ٣٣٥).
(٣) المرجع السابق (٣٥٥/١).
(٢) ((روضة الطالبين)) (٢٣٩/١١).
(٤) ما بين المعقوفات مما قصه مجلد النسخة (ح) لأن هذه الجملة مما كتب بحاشيتها
إلحاقاً .
(٥) ((الأم)) (٢٠٥/٦).
(٦) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): سراً.
(٧) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٨) نسبه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٥٦٥/٧، ٥٦٦) للإمام أحمد في ((الزهد)» عن عمر،
والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن سعيد بن المسيب عن بعض أصحاب النبي ◌َّار مطولاً.

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٣٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٠٠
الزبير (والإمام أحمدا بأن من) أي: أنّ الذي (لكذب تعمدا أي: في الحديث)
النّبوي مطلقاً: الأحكام والفضائل وغيرهما، بأن وضع أو رَّب سنداً صحيحاً
لمتنٍ ضعيف، أو نحو ذلك، ولو مرَّة واحدة، وبان العمد بإقراره أو نحوه
بحيث انتفى أن يكون أخطأ أو نسي.
(لم نعد نقبله) أبداً في شيء مطلقاً (١): سواء المكذوب فيه وغيره، ولا
نكتب عنه شيئاً، ويتحثَّمُ جرحه دائماً (وإن يتب) وتحسن توبته، تغليظاً (٢) لما
ينشأ عن صنيعه من مفسدة عظيمة، وهي تصيير ذلك شرعاً .
نعم ــ توبته - كما صرَّح به الإمام أحمد(٣) - فيما بينه وبين الله [تعالى)](٤).
ويلتحق بالعمد من أخطأ وصمَّم بعد بيان ذلك له ممن يثق بعلمه مجرَّد
عناد، كما سيأتي في الفصل الثَّاني عشر (٥).
وأمَّا من كذب عليه [{َّه](٦) في فضائل الأعمال معتقداً أنَّ هذا لا يضرّ،
ثم عرف ضرره فتاب، فالظاهر - كما قال بعض المتأخرين -: قبول رواياته،
وكذا من كذب دفعاً لضرر يلحقه من عدوٍّ ورجع عنه.
ثم إنَّ أحمدَ والحميديَّ لم ينفردا بهذا الحكم، بل نقله كلٌّ من الخطيب
في الكفاية (٧) والحازمي في شروط الأئمة [الستة](٨) عن جماعة(٩)، والذَّهبي
عن رواية ابن معين وغيره، واعتمدوه.
(و) كذا للإمام أبي بكر (الصَّيرفي) شارح الرِّسالة، وأحد أصحاب
الوجوه في المذهب (مثله) حيث قال: كلُّ من أسقطنا خبره من أهل النَّقل
(١) ((الكفاية)) (ص ١٩٠، ١٩١).
في (م) زيادة: له، وقد كتبت في (س) ثم طمست.
(٢)
(٣)
انظر: ((الكفاية)) (ص ١٩٠).
(٥)
(ص٢٧٤).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٧)
((الكفاية)) (ص١٩٠ - ١٩٢).
(٨) كذا في الأصول، والصواب في تسمية الكتاب ((شروط الأئمة الخمسة))، أما شروط
الأئمة الستة فلابن طاهر، إذ هو أول من أضاف ابن ماجه إلى الخمسة. انظر ما تقدم
(١٥٦/١).
وانظر شروط الأئمة الخمسة (ص٤٠).
(٩) منهم: سفيان الثوري وابن المبارك ورافع بن أشرس وأبو نعيم.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٣٧
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
بِكَذبٍ وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبةٍ تظهر (١).
(وأطلق الكِذْب) بكسر الكاف وسكون المعجمة على إحدى اللغتين (٢)، ٣٠١
كما ترى، ولم يصرح بتقييده بالحديث النبوي.
ونحوه حكاية القاضي أبي الطّيب الطّبري عنه، فإنّه قال: إذا روى
المحدِّث خبراً ثم رجع عنه، وقال: كنت أخطأت فيه، وجب قبول قوله، لأنّ
الظّاهر من حال العدل الثّقة الصّدق في خبره، فوجب أن يقبل رجوعه عنه كما
تقبل روايته، وإن قال: كنت تعمّدتُ الكذب فيه فقد ذكر أبو بكر الصَّيرفي في
كتاب ((الأصول)) أنّه لا يعمل بذلك الخبر، ولا بغيره من روايته(٣).
وقال المصنف: إنَّ الظاهر أنَّ الصيرفي إنّما أراد الكذب في الحديث
النّبوي خاصَّة(٤)، يعني: فلا يشمل الكذب في غيره من حديث سائر النَّاس،
فإن ذلك كغيره من المُفَسِّقات تقبل رواية [التائب](6) منه، لا سيَّما وقوله - كما
[قال](٦) المصنف - ((من أهل النقل)) قرينة في التقييد(٧).
بل قال في موضع آخر: وليس يطعن على المحدِّث إلا أن يقول: تعمَّدت
الكذب، فهو كاذب في الأول - أي: في الخبر الذي رواه واعترف بالكذب
فيه - ولا قبل خبره بعد ذلك(٧)، أي: مؤاخذة له بإقراره، على ما قرّر في
الموضوع(٨).
(وزاد) أي: الصّيرفي على الإمام أحمد والحميدي (أن من ضعف نقلاً)
أي: من جهة نقله، يعني: لوهم وقلّة إتقان ونحوهما، وحكمنا بضعفه وإسقاط
خبره (لم يقو) أبداً (بعد أن) حكم بضعفه.
هكذا أطلق، ووزان ما تقدَّم عدم قبوله، ولو رجع إلى التَّحرِّي(٩)
(١) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٠٤)، و((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٣٤/١).
(٢) انظر: ((لسان العرب))، و((القاموس المحيط)) مادة (كذب).
(٣) نقله الخطيب في ((الكفاية)) (ص١٩١ - ١٩٢).
(٤) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٣٤/١).
(٥) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): الثابت.
(٦) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): قاله.
(٨) (ص١٣١).
(٧) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٣٣٤/١).
(٩) في حاشية (س): ثم بلغ نفعنا الله به كذلك والجماعة سماعاً. كتبه مؤلفه.

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٣٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
والإتقان، ولكن قد حمله الذّهبي على من يموت على ضعفه، وكأنَّه ليكون
موافقاً لغيره، وهو الظاهر.
ثم إنَّ في توجيه إرادة التّقييد بما تقدَّم نظراً؛ إذ أهل النَّقل هم أهل
الرِّوايات والأخبار كيفما كانت من غير اختصاص، وكذا الوصف بالمحدِّث
أعم من أن يكون يخبر عنه وَ ﴿ أو عن غيره(١)، بل يدل الإرادة التعميم تنكيره
الكذب.
وكذا يستأنس له بقول ابن حزم في إحكامه: من أسقطنا حديثَه لم نَعُدْ
لقبوله أبداً، ومن احتججنا به لم نسقط روايته أبداً، فإنَّه ظاهر في التَّعميم،
ونحوه قول ابن حبَّان في آخَرِین.
بل كلام الحميدي المقرون مع أحمد أوَّل المسألة قد يشير لذلك، فإِنَّه
قال: فإن قال قائل: فما الذي لا يقبل به حديث الرَّجل أبداً؟
قلت: هو أن يحدث عن رجل أنَّه سمعه ولم يدركه، أو عن رجل أدركه
ثمَّ وجد عليه أنَّه لم يسمع منه، أو بأمر يتبين عليه في ذلك كذب، فلا يجوز
حديثه أبداً، لما أدرك عليه من الكذب فيما حدَّث به(٢).
وبذلك جزم ابن كثير فقال: التَّائب من الكذب في حديث النَّاس تقبل
روايته خلافاً للصير في(٣).
٣٠٢
قال الصَّيرفي: (وليس) الرَّاوي في ذلك (كالشَّاهد)(٤) يعني: فإنَّ الشَّاهدَ
تُقبل توبتُه بشرطها، وأيضاً: فالشَّاهد إذا حَدَثَ فسقُه بالكذب أو غيره لا تسقط
شهادته السَّالفة قبل ذلك، ولا ينقض الحكم بها .
٣٠٣
(و) الإمام (السمعاني أبو المظفر يرى في) الرّاوي [(الجاني بكذب في
خبر)](٥) نبوي (إسقاط ما له من الحديث قد تقدما)، وكذا وجوب نقض ما
(١) في حاشية (ح): ولعل الط .... في كلام الصير ... ولم أستطع استظهار ما قصه
المجلد.
(٢) ((الكفاية)) (ص١٩١).
(٣) ((اختصار علوم الحديث)) (ص١٠١).
(٤) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٠٤) نقلاً عن ((شرح الرسالة)) للصير في.
(٥) ما بين المعقوفين غير واضح في (م).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٣٩
معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
عمل به منها (١)، كما صرَّح الماوردي والرّوياني، وقالا: فإنَّ الحديث حجّة
لازمة لجميع المسلمين، وفي جميع الأمصار فكان حكمه أغلظ (٢)، يعني:
وتغليظ العقوبة فيه أشدُّ مبالغة في الزّجر عنه، عملاً بقوله بَلهو: ((إن كذباً عليَّ
ليس ككذب على أحد))(٣).
وقد قال عبد الرَّزاق: أنا معمر عن رجل عن سعيد بن جبير (٤) ((أنَّ رجلاً
كذب على النَّبِيِ ﴿ فبعث علياً والزبير [رض﴾](٥) فقال: اذهبا فإن أدركتماه
فاقتلاه))(٦).
ولهذا حكى إمام الحرمين عن أبيه أن من تعمَّد الكذب على النَّبي ◌َّ
يكفر (٧)، وإن لم يوافقه ولده وغيره من الأئمّة على ذلك.
والحُّ أنَّه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، ولكن لا كفر بها إلَّا إن
استحلَّه.
قال ابن الصَّلاح: وما ذكره ابن السَّمعاني يضاهي من حيث المعنى ما
قاله ابن الصَّيرفي(٨)، يعني: لكون رده لحديثه المستقبل إنّما هو لاحتمال
كذبه؛ وذلك جار في حديثه الماضي بعد العلم بكذبه، وقد افترقت الرِّواية
والشَّهادة في أشياء فتكون مسألتنا منها .
على أنَّه قد حكي عن مالك في شاهد الزُّور أنَّه لا تقبل له شهادة
بعدها(٩)، وعن أبي حنيفة [ظُه](١٠) في قاذف المحصن لا تقبل شهادته
(١) ((القواطع)) (٣٠٤/٢)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص ١٠٥).
(٢) (أدب القاضي)) للماوردي (٤٠٦/١).
(٣) رواه البخاري: باب ما يكره من النياحة على الميت، كتاب الجنائز (١٦٠/٣)، ومسلم
في المقدمة (١/ ٧٠)، عن المغيرة بن شعبة.
(٤) في (م) زيادة: قال.
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٦) ((مصنف عبد الرزاق)) (٢٦١/١١) مطولاً. وهو ضعيف للإرسال وجهالة الراوي عن
سعيد بن جبير. وانظر ما تقدم (ص٢٣٦).
(٧) انظر ما تقدم (ص١١٩).
(٨) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص ١٠٥).
(٩) ((المدونة)) (٥٣/١٣).
(١٠) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).

معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ
٢٤٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
أبداً (١)، فاستويا في الرَّدِّ لما [بعده](٢)، لكن المعتمد في الشَّهادة عندنا ما
(٣)
تقدَّم(٣) .
نعم. سَوَّى القاضي أبو بكر محمد بن المظفر بن بكران الحموي
الشامي(٤) من أصحابنا بينهما، حيث قال في الراوي: إنّه لا يقبل في المردود
خاصَّة، ويقبل في غيره (٥) .
بل نُسِب للدامغاني(٦) من الحنفية قبوله في المردود وغيره، [يعني: إذا
رواه بعد توبته](٧) وهو عجيب.
والأصحُّ الأوَّل، لكن قال النّوي رَّتُهُ في شرح مقدّمة مسلم: لم أر له -
أي: للقول في أصل المسألة - دليلاً، ويجوز أن يوجه لأنّ ذلك جعل تغليظاً
وزجراً بليغاً عن الكذب عليه وَّر لعظم مفسدته، فإنّه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم
القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشَّهادة، فإنَّ مفسدتهما قاصرة ليست عامة.
ثم قال: وهذا الّذي ذكره هؤلاء الأئمّة ضعيف مخالف للقواعد الشَّرعية،
والمختار القطع بصحّة توبته في هذا - أي: في الكذب عليه وَّه وقبول رواياته
بعدها، إذا صحّت توبته بشروطها المعروفة (٨) .
قال: فهذا هو الجاري على قواعد الشَّرع، وقد أجمعوا على صحّة رواية
من كان كافراً فأسلم.
(١) انظر: ((أحكام القرآن)) للجصاص (٢٧٣/٣)، و((شرح فتح القدير)) لابن الهمام (٢٩/٦).
(٣) (ص٢٣٨).
(٢) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): بعد.
(٤) الشافعي، قال الذهبي: كان من أزهد القضاة وأورعهم، ولد سنة أربعمائة، ومات سنة
ثمان وثمانين وأربعمائة.
((المنتظم)) (٩٤/٩)، و((العبر)) (٣٢٢/٣ - ٣٢٣).
(٥) نقله الزركشي في ((البحر المحيط)) (٢٨٤/٤).
(٦) لعله: محمد بن علي بن محمد بن الحسين، أبو عبد الله الدامغاني الإمام الكبير،
العلامة، الفقيه الحنفي، القاضي، المتوفى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة.
((الجواهر المضية)) (٩٦/٢ - ٩٧)، و((الفوائد البهية)) (ص١٨٢ - ١٨٣).
(٧) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٨) وهي الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود.
انظر: شرح النووي على مسلم (١/ ٧٠).