Indexed OCR Text
Pages 181-200
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٨١ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ وممَّن تكلّم في زاذان الحاكم أبو أحمد(١)، فقال: إنَّه ليس بالمتين عندهم(٢)، وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيراً(٣). لكن قد وثَّقه غيرُ واحد (٤)، وأخرج له مسلم(٥). وقال جرير بن عبد الحميد(٦): أتيت سماك بن حرب(٧) فرأيته يبول قائماً، فلم أسأله عن حرفٍ، قلت: قد خرف (٨). ولعله كان بحيث يرى النَّاسُ عورته. وقد عقد الخطيب في ((الكفاية)) لهذا باباً (٩)، وممَّا ذكر فيه ــ مما تبعه ابن الصَّلاحِ في إيراده - أنَّ مسلمَ بْن إبراهيم (١٠) سُئل عن حديث لصالح المري(١١)؟ فقال: ما تصنع بصالح؟ ذكروه يوماً عند حمَّاد بن سلمة فامتخط حمَّاد(١٢). = وقال: غريب، لكن قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (١١/٤): رواته ثقات، ثم أخرج الترمذي بعده حديث أبي هريرة: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)). (١) هو: الإمام الحافظ الجهبذ محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي، الحاكم الكبير، المتوفى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة. ((تذكرة الحفاظ)) (٩٧٦/٣ - ٩٧٨). (٢) ((الأسامي والكنى))، لأبي أحمد الحاكم (٢٤٦/٣/أ). (٣) ((الثقات)) لابن حبان (٢٦٥/٤). (٤) كابن معين. انظر: رواية الدقاق عنه (ص٦٤)، وابن سعد. انظر: ((الطبقات الكبرى)) له (١٧٩/٦). (٥) في ((صحيحه)) (١٢٦/١١، ١٦٥/١٣). (٦) هو: جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي، أبو عبد الله الرازي القاضي، ثقة، مات سنة ثمان وثمانين ومائة. «تهذيب الكمال» (٥٤٠/٤ - ٥٥١). (٧) هو: سماك ـ بكسر أوله وتخفيف الميم - ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي، البكري الكوفي، أبو المغيرة، صدوق مات سنة ثلاث وعشرين ومائة. ((تقريب التهذيب)) (ص ١٣٧). (٨) ((الكفاية)) (ص ١٨٢). (٩) انظر: ((الكفاية)) (ص١٨١ - ١٨٦). (١٠) هو: مسلم بن إبراهيم الأزدي الفراهيدي، مولاهم، أبو عمرو البصري، الحافظ، وثقه ابن معين وأبو حاتم، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين. ((تهذيب التهذيب)) (١٢١/١٠ - ١٢٣). (١١) هو: صالح بن بشير الزاهد، أبو بشر المري الواعظ البصري، المشهور، ضعفه ابن معين والدارقطني، وقال البخاري: منكر الحديث، مات سنة ثلاث وسبعين ومائة. («ميزان الاعتدال)) (٢٨٩/٢ - ٢٩٠). (١٢) ((الكفاية)) (ص ١٨٥)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٩٧). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٨٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وإدخالُ مثل هذا في هذا الباب غيرُ جيد، فصالحٌ ضعيفٌ عندهم(١)، ولذا حذفه المصنّف [وحينئذٍ فالبيان مزيل لهذا المحذور، ومظهر لكونه قادحاً أو غير قادح](٢)، بل قد بان في جميع ما ذكر عدم تحتم الجرح به. ٢٧١ (هذا) أي: القول بالتفصيل هو (الذي عليه) الأئمَّة (حفاظ الأثر) أي: الحديث، ونقَّاده (ك) البخاري ومسلم (شيخي الصَّحيح) اللَّذيْن كانا أوّل من صنَّف فيه(٣)، وغيرهما من الحفاظ [(مع أهل النظر)](٤) كالشَّافعي، فقد نص عليه(٥)، وقال ابن الصَّلاح: إنَّه ظاهر مقرر في الفقه وأصوله (٦)، وقال الخطيب: إنَّه الصَّواب عندنا(٧) . والقول الثَّاني: عكسه، فيشترط تفسير التَّعديل دون الجرح، لأنَّ أسبابَ العدالة يكثر التَّصَنُّعُ فيها، فيتسارع النَّاس إلى الثَّناء على الظَّاهر. هذا الإمام مالك مع شدَّة نقده وتحريِّه، قيل له في الرِّواية عن عبد الكريم بن أبي المُخارق(٨)؟ فقال: غرَّني بكثرة جلوسه في المسجد(٩)، يعني لما ورد من كونه بيتَ كلِّ تقيٍّ (١٠)، [وقوله : - إذا رأيتم الرَّجُلَ يعتاد (١) انظر: ((المجروحين)) لابن حبان (٣٦٧/١ - ٣٦٨). (٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٣) نقله عنهما الخطيب في ((الكفاية)) (ص١٧٩). (٤) ما بين المعقوفين غير واضح في (م). (٥) ((الأم)) (٢٠٥/٦)، و((الكفاية)) (ص١٧٨). (٦) ((علوم الحديث)) (ص٩٦). (٧) ((الكفاية)) (ص١٧٩). (٨) هو: عبد الكريم بن أبي المخارق ــ قيس - البصري المعلم، أبو أمية، قال النسائي والدارقطني: متروك، مات سنة سبع وعشرين ومائة. ((الكامل)) لابن عدي (١٩٧٦/٥)، و((ميزان الاعتدال)) (٦٤٦/٢ - ٦٤٧). (٩) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٦٠/١). (١٠) رواه الطبراني في ((الكبير والأوسط))، والبزار من حديث أبي الدرداء وقال: إسناده حسن، قال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٢/٢): ورجال البزار كلهم رجال الصحيح. وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٦/٦)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٥٤/٦ ح ٦١٤٣) من حديث سلمان الفارسي، وفي إسناده صالح المري، وهو ضعيف، كما في التقريب (ص١٤٨). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٨٣ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ المسجد فاشهدوا له بالإيمان(١))](٢). [ونحوه](٣) قول أحمد بن يونس(٤) لمن قال له: عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العُمَري(٥) ضعيف: إنَّما يُضعِّفه رافضي مُبغِضٌ لآبائه، لو رأيت لحيته وخضابه وهيئته لعرفت أنَّه ثقة(٦)، فاستدلَّ لثقته بما ليس بحجة؛ لأن حسن الهيئة يشترك فيها العدل وغيره (٧)، وهو ظاهر. وإن أمكن أن يقال: لعلَّه أراد أنَّ تَوَسُّمَه يقضي بعدالته، فضلاً عن دينه ومروءته وضبطه، لكن يندفع هذا في العمري بخصوصه بأنَّ الجمهور على ضعفه(٨)، وكثيراً ما يوجد مدح المرء [لأنك](٩) إذا رأيت سمته علمت أنه يخشى الله. [والثَّالث: أنَّه لا بدَّ من سببهما معاً، للمعنيين السَّابقين، فكما يجرح الجارح بما لا يقدح، كذلك يوثّق المعدل بما لا يقتضي العدالة] (١٠)، [كما بينا](١١). (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦٨/٣، ٧٦)، والدارمي (٢٢٢/١)، والترمذي: باب ما جاء في حرمة الصلاة من أبواب الإيمان، رقم (٢٦٢٠)، وقال: حسن غريب، وابن ماجه: باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة، كتاب المساجد رقم (٨٠٢)، وابن خزيمة (٣٧٩/٢)، وابن حبان (١٦٥/٣)، والحاكم (٢١٢/١ - ٢١٣) وصححه، لكن قال الذهبي في ((تلخيصه)): دراج كثير المناكير. (٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): مثل. (٤) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي، أبو عبد الله الكوفي، وثقه أبو حاتم والنسائي وغيرهما، مات سنة سبع وعشرين ومائتين. ((المعجم المشتمل)) لابن عساكر (ص٥١)، و((تهذيب الكمال)) (٣٧٥/١). (٥) أبو عبد الرحمن المدني، قال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة، في حديثه اضطراب، وضعفه النسائي، وقال ابن عدي: لا بأس به، وقال ابن حجر: ضعيف عابد، مات سنة إحدى وسبعين ومائة. ((تقريب التهذيب)) (ص١٨٢)، والخلاصة (ص١٧٥). (٦) ((المعرفة والتاريخ)) (٦٦٥/٢، ٣٧٩/٣). (٧) ((الكفاية)) (ص١٦٥). (٨) انظر: أقوال العلماء في تضعيفه في الميزان للذهبي (٤٦٥/٢). (٩) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): بأنك. (١٠) ما بين المعقوفين مقدم في (م) على قوله - فيما تقدم قريباً: ونحوه قول أحمد بن یونس. (١١) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٨٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث والرَّابع عكسه إذا صدر الجرح أو التَّعديل من عالمٍ بصيرٍ به، كما سيأتي قريباً(١)، مع الخدش في كونه قولاً مستقلاً. ٢٧٢ (فإن يقل) على القول الأوّل قد (قل) فيما يحكى عن الأئمَّة في الكتب المعول عليها في الرِّجال (بيان) سبب جرح (من جرح)، بل اقتصروا فيها - غالباً - على مجرَّد الحكم بأنَّ فلاناً ضعيف، أو ليس بشيء، أو نحو ذلك. و(كذا) قلَّ بيانهم لسبب ضعف الحديث (إذا قالوا) في كتب المتون ونحوها (لمتن): إنّه (لم يصح) بل اقتصروا - أيضاً - غالباً على مجرَّد الحكم بضعف هذا الحديث، أو عدم ثبوته، أو نحو ذلك (وأبهموا) بيان السَّبب في الموضعين، واشتراط البيان يفضي إلى تعطيل ذلك، وسدٍّ باب الجرح في الأغلب الأکثر. ٢٧٣ (فالشَّيخ) ابن الصلاح (قد أجابا) عن هذا السّؤال بـ (أن يجب الوقف) [من الواقف عليه كذلك](٢) عن الاحتجاج بالرَّاوي أو بالحديث (إذا استرابا) أي: لأجل حصول الريبة القوية بذلك ويستمر واقفاً (حتى يُبين) بضم أوله من أبان، أي: ظهر (بحثه) وفحصه عن حال ذاك الرَّاوي أو الحديث (قبوله) مطلقاً، أو في بعض حديثه، والثقة بعدالته، وعدم تأثير ما وقف عليه فيه من الجرح المجرَّد. ٢٧٤ (كمن) أي: كالَّذي من الرُّواة (أولو) أي: أصحاب (الصَّحيح) البخاري ومسلم وغيرهما (خرجوا) فيه (له) مع كونه مِمَّن مُسَّ من غيرهم بجرح مُبِهَمٍ، وقال: فافهم ذلك، فإنّه مَخْلَصُ حسن(٣). ٢٧٥ (ففي البخاري احتجاجاً عكرمة) أي: فعكرمة التابعي مولى ابن عباس مخرج له في صحيح البخاري (٤) على وجه الاحتجاج به، فضلاً عن المتابعات ونحوها، مع ما فيه من الكلام(٥)، لكونه له عنه أتمّ مخلص. (١) (ص١٨٦). (٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٩٨). (٤) لمعرفة ما أخرج ه البخاري. انظر: ((تحفة الأشراف)) للمزي (١٠٧/٥ - ١٨١). (٥) انظر: أقوال الأئمة في عكرمة في: ((ميزان الاعتدال)) (٩٣/٣ - ٩٧)، و(تهذيب التهذيب)» (٢٦٣/٧ - ٢٧٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٨٥ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ حَتَّى إِنَّ جماعةً صنَّفوا في الذبِّ عن عكرمة، كأبي جعفر بن جرير الطَّبري، ومحمَّد بن نصر المروزي، وأبي عبد الله ابن منده، وابن حبّان، وابن عبد البر(١)، وحقّق ذلك شيخُنا في مقدمته بما لا نطيل به (٢). (مع ابن مرزوق) عمرو الباهلي البصري(٣)، لكن متابعةً لا احتجاجاً(٤)، (وغير ترجمة) أي: راوٍ على وجه الاحتجاج وغيره ممَّن سبق من غيره التضعيف لهم، يعرف تعيينهم، والمخرج له منهم في الأصول ممَّن في المتابعات، مع الحجّة في التَّخريج لهم من المقدمة - أيضاً -(٥). (و) كذا (احتجَّ مسلم بمن قد ضعفا) من غيره (نحو سويد) هو ابن سعيد(٦)، وجماعةٍ غيرِه (إذ بجرح) مطلق (ما اكتفى) كلٌّ من البخاريّ ومسلم لتحقيقهما نفيه. ٢٧٦ بل أكثر من فَسَّر الجرح في سويد، ذكر أنَّه لَمَّا عمي ربَّما يُلَقَّن الشَّيء، وهذا وإن كان قادحاً، فإنّما يقدح فيما حدَّث به بعد العمى، لا فيما قبله. والظاهر أنَّ مسلماً عرف أنَّ ما خرجه عنه من صحيح حديثه، أو ممَّا لم ينفرد به طلباً للعلو، قال إبراهيم بن أبي طالب(٧) : . (١) انظر: ((النكت الوفية)) للبقاعي (ل ١٥٧/ أ). (٢) ((هدي الساري)) (ص٤٢٥ - ٤٢٦). (٣) هو: عمرو بن مرزوق الباهلي، أبو عثمان البصري، ثقة له أوهام، وقال الذهبي: ثقة فيه بعض الشيء، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. ((الكاشف)) (٣٤٢/٢)، و((تقريب التهذيب» (ص٢٦٢). (٤) خرج عنه البخاري في ((موضعين)) (١٠٦/٧، ١٩١/٢). (٥) ((هدي الساري)) (ص٣٨٤ - ٤٦٤) في ذكر من طعن فيهم من رواة الصحيح مع الجواب عنهم. (٦) هو: سويد بن سعيد بن سهل الهروي الأصل، ثم الحدثاني، ويقال له: الأنباري، أبو محمد، صدوق في نفسه، إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، مات سنة أربعين ومائتين. ((الكاشف)) (٤١١/١)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٤٠). (٧) هو: إبراهيم بن أبي طالب - محمد - بن نوح بن عبد الله، الإمام الحافظ، شيخ خراسان، أبو إسحاق، المتوفى سنة خمس وتسعين ومائتين. ((المنتظم)) (٧٦/٦ - ٧٧)، و((تذكرة الحفاظ)) (٦٣٨/٢ - ٦٣٩). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٨٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث قلت لمسلم: كيف استجزتَ الرِّوايةَ عن سويد في الصَّحيح؟ فقال: ومن أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة؟(١). وذلك أنَّ مسلماً لم يرو في ((صحيحه)) عن أحدٍ ممَّن سمع حفصاً سواه، وروى فيه عن واحد عن ابن وهب عن حفص، [وحينئذ فلا يكون هذا مما نحن فيه، لأنَّ نسخة حفص ثابتة عنده، لكن بنزول، فكان التَّخريج لسويد فيما عدا الأصول](٢) . ٢٧٧ ٢٧٨ (قلت: وقد قال) في أصل المسألة إمام الحرمين (أبو المعالي) الجويني في كتابه ((البرهان))(٣) (واختاره تلميذه) حُجَّة الإسلام، أبو حامد (الغزالي(٤) و) كذا الإمام فخر الدين (ابن الخطيب) الرّازي(٥): (الحق أن يحكم) مسكن الميم، أي: يقضى (بما أطلقه العالم) مسكن الميم - أيضاً - البصير (بأسبابهما) أي: الجرح والتَّعديل من غير بيانٍ لسبب واحد منهما . واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني، ونقله عن الجمهور، فقال: قال الجُمهور من أهل العلم: إذا جَرَّح من لا يعرف الجرح يجب الكشف عن ذلك، ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشَّأن، قال: والذي يقوى عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالماً، كما لا يجب استفسار المعدِّل عمَّا به صار عنده المُزَّى عدلاً (٦). ومَمَّن حكاه عن القاضي أبي بكر الغزالي في ((المستصفى)) (٧)، لكنه حكى عنه - أيضاً - في ((المنخول)) خلافه(٨)، وما ذكره عنه في ((المستصفى)) هو الذي حكاه صاحب المحصول(٩)، والآمدي(١٠)، وهو المعروف عن القاضي كما رواه الخطيب عنه في ((الكفاية)) بإسناده الصَّحيح(٦). (١) انظر: مقالة إبراهيم هذه في: ((ميزان الاعتدال)) (٢٥٠/٢)، وحفص: هو حفص بن ميسرة العقيلي، أبو عمر الصنعاني، سكن عسقلان، وثقه أحمد وابن معين، وقال أبو حاتم: صالح، وقال أبو زرعة: لا بأس به، مات سنة إحدى وثمانين ومائة. ((الجرح والتعديل)) (١٨٧/٢/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٤١٩/٢ - ٤٢٠). (٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٤) في ((المستصفى)) (١/ ١٦٢). (٥) في ((المحصول)) (٥٨٧/١/٢ - ٥٨٨). (٧) (١/ ١٦٢ - ١٦٣). (٩) فيه (١/٢/ ٥٨٧). (٣) (٦٢١/١ - ٦٢٢). (٦) ((الكفاية)) (ص١٧٨). (٨) ((المنخول)) (ص ٢٦٢). (١٠) في ((الإحكام)) (٨٦/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٨٧ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ واختاره الخطيب - أيضاً -؛ وذلك أنَّه بعد تقرير القول الأوَّل الذي صوَّبه، قال: على أنا نقول - أيضاً -: إن كان الذي يرجع إليه في الجرح عدلاً مرضياً في اعتقاده وأفعاله، عارفاً بصفة العدالة والجرح وأسبابهما عالماً باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك قُبِل قولُه فيمن جرحه مجملاً، ولا يُسأل عن سببه. انتهى(١). ويقرب منه اعتمادُ قول الفقيه الموافق بتنجيس الماء، دون مقبول الرِّواية غير الفقيه، فإنّه لا بُد من ذكره السَّبب، وبالجملة فهذا خلاف ما اختاره ابن الصَّلاح في كون الجرح المبهم لا يقبل(٢)، وهو عين القول الرابع المشار إليه أولا(٣). ولكن قد قال ابن جماعة: إنَّه ليس بقول مستقل، بل هو تحقيق لمحل النِّزاع وتحرير له، إذ من لا يكون عالماً بالأسباب لا يقبل منه جرح ولا تعديل، لا بإطلاق ولا بتقييد، فالحكم بالشّيء فرعٌ عن العلم التَّصوري به. وسبقه لنحوه التاج السّبكي، وقال: إنَّه لا تعديل وجرح إلَّا من العالم(٤)، وكذا قيد في ترجمة أحمد بن صالح(٥) القول باستفسار المجرح بما إذا كان الجرح في حقِّ من ثبتت عدالته (٦). وسبقه البيهقي فترجم: باب لا يقبل الجرح فيمن ثبتت عدالته إلَّا بأن يقف على ما يجرح به(٧) . وكذا قال ابن عبد البر: من صحَّت عدالتُه وثبتتْ في العلم إمامتُه، وبانت همَّتُه فيه وعنايتُه، لم يُلتفت فيه إلى قول أحد، إلَّا أن يأتي الجارح في جرحه ببينةٍ عادلةٍ يصحّ بها جرحُه على طريق الشَّهادات، والعمل بما فيها من (١) ((الكفاية)) (ص ١٦٧). (٢) ((علوم الحديث)) (ص٩٦). (٣) (ص١٨٤). (٤) ((جمع الجوامع)) للسبكي (١٩٤/٢) مع شرح المحلي وحاشية العطار. هو: أحمد بن صالح المصري، أبو جعفر الحافظ، المعروف بابن الطبري، أحد (٥) الأعلام، المتوفى سنة ثمان وأربعين ومائتين. (تهذيب الكمال)) (٣٤٠/١ - ٣٥٤)، و((تذكرة الحفاظ)) (٤٩٥/٢ - ٤٩٦). (٦) ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢١/٢). (٧) السنن الكبرى (١٢٤/١٠). ٠ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٨٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث المشاهدة لذلك بما يوجب قبوله. انتهى (١). وليس المرادُ إقامةَ بينةٍ على جرحه؛ بل المعنى أنَّه يستند في جرحه لما يستند إليه الشَّاهد في شهادته، وهو المشاهدة ونحوها. وأوضح منه في المراد ما سبقه به محمَّد بن نصر المروزي، فإنّه قال: وكل رجل ثبتت عدالته لم يُقبل فيه تجريحُ أحدٍ، حتَّى يبين ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون غير جرحة(٢). ولذا كلِّه كان المختار عند شيخنا أنَّه إنْ خلا المجروحُ عن تعديلٍ قُبِلَ الجرح فيه مجملاً، غيرَ مبيَّنِ السَّبب، إذا صدر من عارف، قال: لأنَّه إذا لم يكن فيه تعديلٌ فهو في حيز المجهول، وإعمال قول المجرح أولى من إهماله، قال: ومال ابن الصَّلاح في مثل هذا إلى الثَّوقُّفِ. انتهى (٣). وقَيَّد بعضُ المتأخِّرين قبولَ الجرح المفسَّر فيمن عدل أيضاً بما إذا لم تكن هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها يحمل على الوقيعة، من تَعصُّب مذهبي، أو منافسةٍ دنيوية (٤)، وهو كذلك، كما سيأتي - إن شاء الله - [تعالى](٥) مع مزيد في معرفة الثّقات والضّعفاء(٦). الخامس: في تعارض الجرح والتعديل في راوٍ واحد. (وقدموا) أي: جمهور العلماء - أيضاً - (الجرح) على التَّعديل مطلقاً، استوى الطَّرفان في العدد أم لا، قال ابن الصَّلاح: إنَّه الصَّحيح(٧). ٢٧٩ (١) ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢/ ١٥٢). (٢) ((التمهيد)) لابن عبد البر (٣٣/٢ - ٣٤). (٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٩٨)، ((وشرح نخبة الفكر)) (ص١٥٥). (٤) ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (١٢/٢). (٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (س). (٦) (٤٣٥/٤، ٤٣٦) ط: السلفية. وفي حاشية (م): ثم بلغ كذلك، نفع الله به عوداً على بدء، كتبه مؤلفه . (٧) ((علوم الحديث)) (ص٩٩). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٨٩ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ وكذا صحَّحه الأصوليون، كالفخر (١)، والآمدي(٢)؛ بل حكى الخطيب اتّفاق أهل العلم عليه، إذا استوى العددان(٣)، وصنيع ابن الصَّلاح مُشعِرٌ بذلك(٤) . وعليه يحمل قول ابن عساكر(٥): أجمع أهل العلم على تقديم قول من جرح راوياً على قول من عدَّله، واقتضت حكايةُ الاتفاق في التَّساوي كون ذلك أولى فيما إذا زاد عدد الجارحين. قال الخطيب: والعلَّة في ذلك أنَّ الجارح مُخْبِرٌ عن أمر باطنيٍّ قد علمه، ويصدِّق المعدِّلَ، ويقول له: قد علمتُ من حاله الظّاهر ما علمتَه، وتفردتُ بعلم لم تعلمه من اختبار أمره، يعني: فمعه زيادة علم. قال: وإخبارُ المعدِّلِ عن العدالة الظّاهرة، لا ينفي صدقَ قول الجارح فيما أخبر به، فوجب لذلك أن يكون الجرح أولى من التعديل(٦). وغاية قول المعدِّل ــ كما قال العَضُد(٧) - إنَّه لم يعلم فسقاً، ولم يظنّه، فَظَنَّ عدالته، إذ العلم بالعدم لا يتصور، والجارح يقول: أنا علمتُ فسقَه، فلو حكمنا بعدم فسقه كان الجارح كاذباً، ولو حكمنا بفسقه كانا صادقين فيما أخبرا به، والجمع أولى ما أمكن، لأن تكذيب العدل خلاف الظَّاهر. (٨) انتهى(٨) . (١) يعني: الرازي في ((المحصول)) (٥٨٨/١/٢). (٢) في ((الإحكام)) (٢/ ٨٧). (٣) ((الكفاية)) (ص١٧٥). (٤) يفهم من قوله في علوم الحديث (ص٩٩): فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل: التعديل أولى، والصحيح الذي عليه الجمهور أن الجرح أولى. (٥) هو: الحافظ أبو القاسم علي بن أبي محمد - الحسن - بن هبة الله، المعروف بابن عساكر الدمشقي، الشافعي، محدث الشام، المتوفى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. ((وفيات الأعيان)) (٣٠٩/٣ - ٣١١)، و((معجم الأدباء)) (٧٣/١٣ - ٨٧). (٦) ((الكفاية)) (ص١٧٥). (٧) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، القاضي، عضد الدين الإيجي، الشافعي، الأصولي المتكلم اللغوي، المتوفى سنة ست وخمسين وسبعمائة. ((الدرر الكامنة)) (٤٢٩/٢ - ٤٣٠)، و((البدر الطالع)) (٣٢٦/١ - ٣٢٧). (٨) ((شرح العضد على مختصر ابن الحاجب)) (٦٦/٢). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٩٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وإلى ذلك أشار الخطيب بما حاصله أنَّ العمل بقول الجارح غير متضمِّن لتهمة المُزَكِّي، بخلاف مقابله، قال: ولأجل هذا وجب إذا شهد شاهدان على رجل بحقِّ، وشهد له آخران أنَّه قد خرج منه، أن يكون العمل بشهادة من شهد بالقضاء أولى؛ لأنَّ شاهدي القضاء يصدقان الآخرين، ويقولان علمنا خروجه من الحقّ الذي كان عليه، وأنتما لم تعلما ذلك، ولو قال شاهدا ثبوتِ الحقِّ: نشهد أنّه لم يخرج من الحقّ لكانت شهادة باطلة(١). لكن ينبغي تقييد الحكم بتقديم الجرح بما إذا فُسِّر، وما تقدم قريباً(٢) يساعده، وعليه يحمل قول من قدم التَّعديل، كالقاضي أبي الطيب الطبري وغيره، أما إذا تعارضا من غير تفسير، فالتّعديل كما قاله المِزِّي وغيره. وقال ابن دقيق العيد: إنّ الأقوى حينئذٍ أن يطلب التَّرجيح، لأنّ كلاً منهما ينفي قول الآخر(٣)، وتعليله يخدش فيه بما تقدم(٤). وكذا قَيَّده الفقهاء بما إذا أطلق التَّعديل، أما إذا قال المعدِّلُ: عرفت السَّبب الَّذي ذكره الجارح، لكنَّه تاب منه، وحسنت توبته، فإنّه يقدَّم المعدل، ما لم يكن في الكذب على النَّبِي وَ ر كما سيأتي في محله(٥). وكذا لو نفاه بطريق معتبر، كأن يقول المعدّل عند التَّجريح بقتله لفلان في يوم كذا: إنَّ فلاناً المشار إليه قد رأيته بعد هذا اليوم وهو حي، فإنَّه حينئذٍ يقع التَّعارض، لعدم إمكان الجمع، ويصار إلى التَّرجيح(٦)، ولذا قال ابن الحاجب: أمَّا عند إثبات معين ونفيه باليقين فالترجيح(٧). (وقيل: إن ظهر من عدل الأكثر) بالنصب حالاً، باعتقاد تنكيره، يعني: إن كان المعدلون أكثر عدداً (فهو) أي: التَّعديل (المعتبر) حكاه الخطيب عن طائفة (٨)، وصاحب المحصول(٩)؛ لأنَّ الكثرة تقوي الظنّ، والعمل بأقوى الظنّين واجب، كما في تعارض الحديثين. (١) ((الكفاية)) (ص١٧٦ - ١٧٧). (٣) ((الاقتراح)) (ص٣٣٧). (٢) (ص١٨٩). (٤) (ص١٨٩). (٥) (ص٢٣٥) وما بعدها. (٦) ((شرح العضد على مختصر ابن الحاجب)) (٦٦/٢). (٧) ((مختصر ابن الحاجب)) (٦٥/٢). (٩) ((المحصول)) (٥٨٨/١/٢ - ٥٨٩). (٨) («الكفاية)) (ص ١٧٧). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٩١ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ قال الخطيب: وهذا خطأ وبُعد مِمَّن توهمه، لأنَّ المعدِّلين وإن كثروا ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك، وقالوا: نشهد أن هذا لم يقع منه لخرجوا بذلك عن أن يكونوا أهلَ تعديل أو جرح؛ لأنَّها شهادة باطلة على نفي ما يصحّ، ويجوز وقوعه وإن لم يعلموه، فثبت ما ذكرناه(١)، وإن تقديم الجرح إنَّما هو لتضمنه زيادة خفيت على المعدِّل، وذلك موجود مع زيادة عدد المعدِّل ونقصه ومساواته، فلو جرحه واحد وعدله مائة قُدِّم الواحد لذلك(٢). وقيل: إنهما حينئذٍ يتعارضان، فلا يرجح أحدهما إلا بمرجح، حكاه ابن الحاجب، ووجهه أن مع المعدِّل زيادة قوة بالكثرة، ومع الجارح زيادة قوة بالاطلاع على الباطن، وبالجمع الممكن(٣). [وقيل: يُقَدَّم الأحفظ](٤). ثم إن كل ما تقدم فيما إذا صدر من قائِلَيْن، أما إذا كانا من قائل واحد، كما يتفق لابن معين وغيره من أئمّة النّقد، فهذا قد لا يكون تناقضاً، بل نسبياً في أحدهما(٥)، أو ناشئاً عن تغير اجتهاد، وحينئذٍ فلا ينضبط بأمر كلي، وإن قال بعض المتأخرين: إن الظاهر أن المعمول به المتأخر منهما إن علم، وإلّا وجب التّوقف(٦). السادس : في [تعديل المبهم](٧)، ومجرد الرِّواية عن المعيّن بدون تعديل، وغير ذلك. (١) («الكفاية)) (ص١٧٧). (٢) في (م) زيادة: وقيل: يقدم الأحفظ، وقد كتب في (س)، ثم طمس. (٣) مختصر المنتهى لابن الحاجب (٦٥/٢) مع شرحه وحواشيه. (٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٥) كأن يقول: فلان أضعف من فلان، مع تنصيصه على توثيقه في موضع آخر، أي: أنه أقل ثقة منه، وإن كان كل منهما ثقة، والعكس. ومثل هذا في المتون ما ينقل كثيراً عن الإمام البخاري من قوله: حديث فلان أصح حديث في هذا الباب، أي؛ أقواها وأقربها، ولا يعني أنه صحيح. انظر: ((بيان الوهم والإيهام)) لابن القطان (١٩١/٥ - ١٩٢). (٦) في حاشية (ح): ثم بلغ كذلك. (٧) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): التعديل لمن أبهم. معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٩٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٢٨٠ (ومبهم التَّعديل) أي: تعديل المبهم (ليس يكتفي به) الحافظ أبو بكر (الخطيب)(١) وعصريه أبو نصر ابن الصَّبَّغ(٢) (و) من قبلهما [(الفقيه)](٣) أبو بكر محمَّد بن عبد الله (الصيرفي)(٤) شارح الرسالة، وغيرهم من الشَّافعية، كالماوردي(6)، والروياني(٢)، سواء في ذلك المقلد وغيره. ٢٨١ (وقيل: يكفي) كما لو عينه، لأنَّه مأمون في الحالتين معاً، نقله ابن الصَّباغ - أيضاً - في ((العدة)) عن أبي حنيفة(٧)، وهو ماش على قول من يحتجّ بالمرسَل، من أجل أن المُرسِل لو لم يحتجّ بالمحذوف لما حَذفه، فكأنَّه عدَّله(٨)، بل هو في مسألتنا أولى بالقبول، لتصريحه فيها بالتَّعديل. ولكن الصَّحيح الأوَّلُ، لأنَّه لا يلزم من تعديله أن يكون عند غيره كذلك، فلعلَّه إذا سمَّاه يعرف بخلافها، وربما يكون قد انفرد بتوثيقه كما وقع للشَّافعي(٩) في إبراهيم بن أبي يحيى(١٠)، فقد قال النَّووي: إنَّه لم يوثقه غيره، وهو ضعيف باتِّفاق المحدِّثين(١١) . بل إضرابُ المحدِّث عن تسميته ريبةٌ تُوقِع تردُّداً في القلب، قال ابن أبي الدم: وهذا مأخوذ من شاهد الأصل إذا شهد عليه شاهدُ فرع، فلا بُدَّ من تسميته للحاكم المشهود عنده بالاتفاق عند الشَّافعي وأصحابه، فَإذا قال شاهد (١) ((الكفاية)) (ص٥٥٢). (٢) ((البحر المحيط)) للزركشي (٢٩١/٤). (٣) ما بين المعقوفين غير واضح في (م). (٤) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٢٩١/٤). (٥) في ((أدب القاضي)) (١/ ٤٠١). (٦) انظر: ((البحر المحيط)) (٢٩١/٤). (٧) انظر: ((أصول البزدوي)) (٦/٣) مع ((شرحه كشف الأسرار))، و((التقرير والتحبير)) (٢٩١/٢ - ٢٩٢). (٨) انظر ما تقدم (٢٤٧/١). (٩) في ((مسنده)) المطبوع في أواخر ((الأم)) (٣٦٤/٨). (١٠) هو: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني، أحد العلماء الضعفاء، المتوفى سنة أربع وثمانين ومائة. ((الضعفاء)) للعقيلي (٦٢/١ - ٦٤)، و((ميزان الاعتدال)) (٥٧/١ - ٦١). (١١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٠٤/١/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٩٣ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ الفرع: أشهدني شاهد أصل أشهد بعدالته وثقته أنَّه يشهد بكذا، لم يسمع ذلك وفاقاً حتَّى يعينه للحاكم، ثم الحاكم إن علم عدالةَ شاهد الأصل عمل بموجب الشَّهادة، وإن جهل حاله استزكاه. انتهى. وصورته (نحو أن يقالا: حدثني الثقة) (١) أو العدل من غير تسمية، (بل) صَرَّح الخطيب بأنَّه (لو قالا) أيضاً (جميع أشياخي) الّذين رويت عنهم (ثقات)، و(لو لم أسم) ثم روى عن واحد [منهم](٢) أبهم اسمه (لا يقبل) أيضاً (من قد أبهم) للعلة المذكورة(٣). ٢٨٢ هذا مع كونه في هذه الصّورة أعلى مما تقدَّم، فإنّه كما نقل عن المصنف إذا قال: حدَّثني الثّقة يحتمل أنَّه يروي عن ضعيف، يعني: عند غيره، وإذا قال: جميع أشياخي ثقات علم أنَّه لا يروي إلَّا عن ثقة، فهي أرفع بهذا الاعتبار. وفيه نظر؛ إذ احتمال الضَّعف عند غيره يطرقهما معاً؛ بل تمتاز الصُّورة الثّانية باحتمال الذّهول عن قاعدته، أو كونه لم يسلك ذلك إلَّا في آخر أمره، كما روي أنَّ ابن مهدي كان يتساهل أولاً في الرِّواية عن غير واحد، بحيث كان يروي عن جابر الجعفي، ثم شدَّد(٤) . نعم. جزم الخطيب بأنّ العالم إذا قال: كل من أروي لكم عنه وأسمِّيه فهو عدل رِضَّى، كان تعديلاً منه لكل من روى عنه وسمَّاه(٥)، يعني: بحيث يسوغ لنا إضافة تعديله له. قال: وقد يوجد فيهم الضّعيف، لخفاء حاله على القائل، قلت: أو لكون عمله بقوله هذا مما طرأ، كما قدمته. (وبعض من حقّق) - كما حكاه ابن الصَّلاح ولم يسمِّه(٦)، ولعلّه إمام الحرمين (٧) - فصل حيث (لم يرده) أي: التّعديل لمن أبهم إذا صدر (من عالم) ٢٨٣ (١) في (م): أو الضابط. (٣) ((الكفاية)) (ص١٥٤). (٥) ((الكفاية)) (ص١٥٤). (٧) في ((البرهان)) (٦٣٨/١). (٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح). (٤) المصدر السابق. (٦) ((علوم الحديث)) (ص١٠٠). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٩٤ فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث كمالك والشَّافعي ونحوهما من المجتهدين والمقلِّدين، (في حقّ من قلده) في مذهبه، فكثيراً ما يقع للأئمة ذلك. فحيث روى مالك عن الثِّقة عن بكير بن عبد الله بن الأشج(١)، فالثِّقة مخرمة (٢) ولده(٣). أو عن الثِّقة عن عمرو بن شعيب، فقيل: إنه عبد الله بن وهب، أو الزهري، أو ابن لهيعة (٤). أو عمَّن لا يُتَّهم من أهل العلم فهو اللَّيث، وجميع ما يقول: بلغني عن علي سمعه من عبد الله بن إدريس الأودي (٥). وحيث روى الشَّافعي عن الثِّقة عن ابن أبي ذئب (٦)، فهو ابن أبي فدیك(٧) . أو عن الثقة عن اللَّيث بن سعد، فهو يحيى بن حسَّان (٨). (١) هو: بكير بن عبد الله بن الأشج، مولى بني مخزوم، أبو عبد الله أو أبو يوسف، المدني، نزيل مصر، ثقة، مات سنة عشرين ومائة. ((تقريب التهذيب)) (ص٤٧ - ٤٨)، والخلاصة (ص٤٤). (٢) هو: مخرمة بن بكير بن الأشج، مولى بني مخزوم، ضعفه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس، مات سنة إحدى أو تسع وخمسين ومائة. ((الكاشف)) (١٢٧/٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٣١). (٣) انظر: ((التقصي)) لابن عبد البر (ص٢٤٤)، و((تعجيل المنفعة)) لابن حجر (ص٣٥٩). (٤) انظر: ((تجريد التمهيد)) - التقصي - (ص٢٤٢ - ٢٤٣). (٥) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٢٩٢/٤). (٦) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، مات سنة ثمان وخمسين ومائة. وقيل: سنة تسع وخمسین . ((تقريب التهذيب)) (ص٣٠٨)، والخلاصة (ص٢٨٧). (٧) هو: محمد بن إسماعيل بن أبي فديك الديلي، مولاهم، وثقه ابن معين وابن حبان، مات سنة مائتين. ((الكاشف)) (٢١/٣)، و((تهذيب التهذيب)) (٦١/٩). (٨) مناقب الإمام الشافعي للبيهقي (٣١٦/٢). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٩٥ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ أو عن الثقة عن الوليد بن كثير (١)، فهو أبو أسامة(٢). أو عن الثّقة عن الأوزاعي، فهو عمرو بن أبي سلمة(٣). أو عن الثّقة عن ابن جُريج، فهو مسلم بن خالد (٤). أو عن الثّقة عن صالح مولى التوأمة (٥)، فهو إبراهيم بن أبي يحيى (٦). أو عن الثّقة وذكر أحداً من العراقيين، فهو أحمد بن حنبل(٧)، وما روي عن عبد الله بن أحمد أنه قال: كل شيء في كتاب الشّافعي [أنا](٨) الثقة فهو [عن](٩) أبي (١٠)، يمكن أن يحمل على هذا. نعم. في مسند الشّافعي، وساقه البيهقي في مناقبه عن الرَّبيع أنَّ الشَّافعي إذا قال: أخبرني الثّقة فهو يحيى بن حسَّان، أو من لا أَّهم فهو إبراهيم بن أبي يحيى، أو بعض النَّاس فيريد به أهلَ العراق، أو بعضُ أصحابنا فأهل الحجاز(١١). (١) هو: الوليد بن كثير المخزومي، مولاهم، أبو محمد المدني، وثقه ابن معين وأبو داود وابن سعد، مات سنة إحدى وخمسين ومائة. ((يحيى بن معين وكتابه التاريخ)) (١٥٨/٣)، و((تهذيب التهذيب)) (١٤٨/١١). (٢) ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٣١٦/٢). (٣) هو: عمرو بن أبي سلمة التنيسي، أبو حفص الدمشقي، مولى بني هاشم، وثقه جماعة، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، مات سنة أربع عشرة ومائتين. ((الجرح والتعديل)) (٢٣٥/١/٣ - ٢٣٦)، و((الكاشف)) (٣٣٠/٢). (٤) هو: مسلم بن خالد المخزومي، مولاهم المكي، المعروف بالزنجي، فقيه صدوق، كثير الأوهام، مات سنة تسع وسبعين ومائة. ((تقريب التهذيب)) (ص٣٣٥)، والخلاصة (ص٣٢١). (٥) هو: صالح بن نبهان مولى التوأمة بنت أمية بن خلف، المديني، صدوق اختلط بأخرة. مات سنة خمس أو ست وعشرين ومائة. ((تهذيب التهذيب)) (٤٠٥/٤ - ٤٠٧)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٥٠). (٦) ((البحر المحيط)) للزركشي (٤/ ٢٩٢). (٧) ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٣١٥/٢). (٨) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أخبرنا. (٩) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (١٠) رواه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن أحمد كتابة. انظر: ((النكت الوفية)) للبقاعي (ل ١٦١/ب). (١١) ((مسند الشافعي)) (٣٦٤/٨)، و((مناقبه)) للبيهقي (٣١٥/٢ - ٣١٦). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٩٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وقال شيخنا: إنّه يوجد في كلام الشّافعي أخبرني الثِّقة عن يحيى بن أبي كثير، والشَّافعي لم يأخذ عن أحد ممّن أدرك يحيى، فيحمل على أنّه أراد (١) بسنده إلی یحیی . بخلاف من لم يقلد كابن إسحاق حيث يقول: أخبرني من لا أنَّهم عن مقسم (٢)، فذلك لا يكون حجة لغيره؛ لا سيما وقد فسر بالحسن بن عمارة (٣) المعروف بالضّعف(٤)، وكسيبويه(٥)، فإنّ أبا زيد(٦)، قال: إذا قال سيبويه: حدثني الثقة، فإنما يعنيني(٧) . وعلى هذا القول يدل كلام ابن الصّباغ في ((العدة)) فإنَّه قال: إنَّ الشَّافعي لم يورد ذلك احتجاجاً بالخبر على غيره، وإنّما ذكر لأصحابه قيام الحجّة عنده على الحكم، وقد عرف هو من روى عنه ذلك(٨) . لكن قد توقف شيخنا في هذا القول، وقال: إنَّه ليس [من](٩) المبحث، لأنّ المقلِّد يتبع إمامَه، ذَكَرَ دليله أم لا . (١) في ((تعجيل المنفعة)) (ص٣٥٩) لعله: ابنه عبد الله بن يحيى بن أبي كثير. (٢) هو: مقسم بن بجرة، ويقال: نجدة، أبو القاسم، وثقه أحمد بن صالح، والعجلي والدارقطني، مات سنة إحدى ومائة. ((الثقات)) لابن شاهين (ص٢٣٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٨٨/١٠ - ٢٨٩). (٣) هو: الحسن بن عمارة البجلي، مولاهم أبو محمد الكوفي، قاضي بغداد، متروك، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. (تقريب التهذيب)) (ص٧١)، والخلاصة (ص٦٨). (٤) ممن ضعفه ابن سعد في: ((الطبقات)) (٣٦٨/٦). (٥) هو: عمرو بن عثمان بن قنبر المعروف بسيبويه، مولى بني الحارث بن كعب، أبو بشر، إمام النحاة، صاحب الكتاب المشهور، المتوفى سنة ثمانين ومائة. البلغة في تاريخ أئمة اللغة (ص١٧٣ - ١٧٦)، و«بغية الوعاة)) (٢٢٩/٢ - ٢٣٠). (٦) هو: سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري، أبو زيد، صاحب النحو واللغة، المتوفى سنة أربع عشرة ومائتين. ((تاريخ بغداد)) (٧٧/٩ - ٨٠)، و((إنباه الرواة)) (٣٠/٢ - ٣٥). (٧) ((وفيات الأعيان)) (٤٦٥/٣)، و((إنباه الرواة)) (٣٥/٢). (٨) ((البحر المحيط)) للزركشي (٢٩٢/٤). (٩) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٩٧ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ تنبيه : أَلْحَق ابن السّبكي بحدثني الثّقة من مثل الشّافعي دون غيره: ((حدثني من لا أتَّهم))، في مطلق القبول، لا في المرتبة(١). وفرَّق بينهما الذَّهبي، وقال: إنَّ قولَ الشَّافعي: أخبرني من لا أنَّهم ليس بحجة، لأنَّ من أنزله من رتبة الثقة إلى أنه غير متّهم، فهو ليِّن عنده ولا بد، وضعيفٌ عند غيره، لأنه عندنا مجهول، ولا حجّة في مجهول. ونفي الشَّافعي التُّهمة عمَّن حدَّثه لا يستلزم نفيَ الضَّعف، فإنّ ابن لهيعة، ووالد علي بن المديني(٢)، وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي(٣)، وأمثالهم، ليسوا ممن نتهمهم على السنن، وهم ضعفاء لا نقبل حديثهم للاحتجاج به (٤). قال ابن السّبكي: وهو صحيح، إلَّا أن يكون قول الشَّافعي ذلك حين احتجاجه به، فإنّه هو والتوثيق حينئذٍ سواء في أصل الحجَّة، وإن كان مدلول اللَّفظ لا يزيد على ما ذكره الذَّهبي. ٢٨٤ (ولم يروا) أي: الجمهور كما هو قضية كلام ابن الصَّلاح(6) (فتياه) [أو](٦) فتواه (٧)، كما هي بخط الناظم، أي: العالم مجتهداً كان أو مقلداً (أو (١) ((جمع الجوامع)) للسبكي (١٧٧/٢) مع ((شرح المحلي)) و((حاشية العطار)). (٢) هو: عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم، أبو جعفر المدني، ضعيف، مات سنة ثمان وسبعين ومائة. ((ميزان الاعتدال)) (٤٠١/٢ - ٤٠٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٧٠). (٣) هو: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، قاضيها، ضعيف في حفظه، وكان رجلاً صالحاً، مات سنة ست وخمسين ومائة. ((ميزان الاعتدال)) (٥٦١/٢ - ٥٦٤)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٠٢). (٤) نقل السبكي في ((جمع الجوامع)) (١٧٧/٢) عن الذهبي نحوه مختصراً. (٥) في ((علوم الحديث)) (ص ١٠٠). (٦) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): أي. (٧) في ((شرح ابن عقيل)) على ((ألفية ابن مالك)) (٤٩٧/٢): تبدل الواو من الياء الواقعة لام اسم على وزن فعلى، نحو: تقوى، وأصله: تُقيا؛ لأنه من اتقيت ... ومثلها فتوى، بمعنى الفتيا. اهـ. وفي هذا يقول ابن مالك: ياء كتقوى غالباً جاذا البدل من لام فعلى اسما أتى الواو بدل وانظر: ((تهذيب اللغة)) (٣٢٩/٤)، وأساس البلاغة مادة (فتى). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ١٩٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث عمله) في الأقضية وغيرها (على وفاق المتن) أي: الحديث الوارد في ذلك المعنى، حيث لم يظهر أنَّ ذلك بمفرده مستنده (تصحيحاً له) أي: للمتن، ولا تعديلاً لراويه، لإمكان أن يكون لدليل آخر وافق ذلك المتن من متن غيره، أو إجماع أو قياس، أو يكون ذلك منه احتياطاً . أو لكونه ممن يرى العمل بالضَّعيف وتقديمه على القياس، كما تَقدَّم عن . *أحمد وأبي داود(١)، ويكون اقتصاره على هذا المتن إن ذكره، إمَّا لكونه أوضح في المراد، أو الأرجحيته على غيره، أو لغير ذلك. قال ابن الصَّلاح: وكذلك مخالفته للحديث ليست قدحاً منه في صحّته، ولا في راويه(٢). قال الخطيب: لأنّه قد يكون عَدَلَ عنه لمعارض أرجحَ عنده من نَسْخِ وغيره، مع اعتقاد صحَّته(٣). وبه قطع ابن كثير (٤). وممن صرَّح بأنّ العمل بخبر انفرد به راو لأجله، يعني: جزماً يكون تعديلاً له الخطيب وغيره، لأنه لم يعمل بخبره إلَّا وهو رِضَى عنده، فكان ذلك قائماً مقامَ التَّصريح بتعديله(٥) . ونحوه قول ابن الحاجب: إن حكم الحاكم المشترط العدالة بالشَّهادة تعديل باتفاق، وعمل العالم مثله(٦). ٢٨٥ (و) كذا (ليس تعديلاً) مطلقاً (على) القول (الصَّحيح) الَّذي قال به أكثر العلماء من المحدِّثين وغيرهم (رواية العدل) الحافظ الضَّابط - فضلاً عن غيره - عن الرَّاوي (على) وجه (التَّصريح) باسمه، لأنه يجوز أن يروي عَمَّن لا يعرف عدالته، بل وعن غير عدل، فلا يتضمَّن روايته عنه تعديله، ولا خبراً عن صدقه . كما إذا شهد شاهدُ فرع على شاهد أصلٍ، لا يكون مجرَّد أدائه الشَّهادة (١) (ص١٥٢ - ١٥٣). (٣) ((الكفاية)) (ص١٨٦). (٥) ((الكفاية)) (ص١٥٥). (٢) علوم الحديث)) (ص ١٠٠). (٤) (اختصار علوم الحديث)) (ص ٩٧). (٦) ((مختصر المنتهى)) (٢ /٦٦) مع شرحه وحواشيه. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٩٩ معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ على شهادته تعديلاً منه له بالاتفاق، وكذا إذا أشهد الحاكم على نفسه رجلًا بما ثبت عنده، لا يكون تعديلًا له على الأصحّ. وقد ترجم البيهقي في ((المدخل)) على هذه المسألة: لا نستدلُّ بمعرفة صدق من حَدَّثنا على صدق من فوقه(١). بل صَرَّح الخطيب بأنَّه لا يثبت للرَّاوي حكم العدالة بمجرَّد رواية اثنين مشهورين عنه(٢). والثَّاني: أنَّه تعديلٌ مطلقاً، [إذ الظّاهر أنَّه لا يروي إلَّا عن عدل، إذ لو علم فيه جرحاً لذكره، لئلا يكون غاشًّا في الدِّين، حكاه جماعةٌ منهم الخطيب(٣)] (٤). وإليه يشير قول ابن المنيِّر(٥) في ((الكفيل)): التعديل قسمان: صريحيٍّ وغير صريحيٍّ، فالصّريحي واضح، [والآخر] (٦) وهو الضِّمني، كرواية العدل وعمل العالم [انتهى] (٧). وردَّه [الخطيب](٨) بأنَّه قد لا يعلم عدالته ولا جرحه، كيف وقد وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنّهم غير مرضيين، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب (4). (١) هذه الترجمة مما فقد من كتاب ((المدخل)) للبيهقي. انظر: مقدمة المطبوع منه (ص٧٧). (٣) المصدر السابق (ص١٥٣، ١٥٤). (٢) ((الكفاية)) (ص١٥٠). (٤) ما بين المعقوفين مؤخر في (ح) عن قول ابن المنير الآتي. (٥) لعله: أحمد بن محمد بن منصور، المنعوت بناصر الدين، المعروف بابن المنير الإسكندري، الإمام البارع، الفقيه المالكي، المتوفى سنة ثلاث وثمانين وستمائة. انظر: ((الديباج المذهب)) (٢٤٣/١)، و((الوافي بالوفيات)) (١٢٨/٨). أو: أخوه زين الدين علي بن محمد بن منصور المعروف بابن المنير الإسكندري، المتوفى سنة خمس وتسعين وستمائة. انظر: ((شجرة النور الزكية)) (١٨٨/١)، و ((نيل الابتهاج)) (ص٢٠٣ - ٢٠٤). (٦) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): وغير الصريحي. (٧) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م). (٨) ما بين المعقوفين زيادة من (م)، وقد كتب في (س) ثم طمس. (٩) ((الكفاية)) (ص١٥٠). معرفة صفة من تُقبل روايته ... إلخ ٢٠٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وكذا خطأه الفقيه أبو بكر الصَّيرفي، وقال: لأنَّ الرِّواية تعريف - أي: مطلق تعريف - تزول جهالة العين بها بشرطه، والعدالة بالخبرة، والرِّواية لا تدلّ على الخبرة. وقد قال سفيان الثَّوري: إنِّي لأروي الحديث على ثلاثة أوجه: فللحجَّة من رجل، وللتوقُّف فيه من آخر، ولمحبَّة معرفةِ مذهبٍ من لا أعتدُّ بحديثه(١)، لكن قد عاب شعبةُ عليه ذلك [ونَّه أصحابَه عليه، كما سيأتي قريباً(٢)](٣). وقيل لأبي حاتم الرَّازي: أهل الحديث ربَّما رووا حديثاً لا أصل له، ولا يصحّ؟ فقال: علماؤهم يعرفون الصَّحيح من السَّقيم، فروايتُهم الحديث الواهي للمعرفة، ليتبيَّن لمن بعدهم أنَّهم ميزوا الآثار وحفظوها، قال البيهقي: فعلى هذا الوجه كانت رواية من روى من الأئمّة عن الضُّعفاء. والثَّالث: التَّفصيل، فإن علم أنَّه لا يروي إلَّا عن عدل كانت روايته عن الرَّاوي تعديلاً له، وإلَّا فلا، وهذا هو الصَّحيح عند الأصوليين، كالسَّيف الآمدي(٤)، وابن الحاجب(٥)، وغيرهما (٦). بل وذهب إليه جمع من المحدِّثين، وإليه ميل الشَّيخين وابن خزيمة في صحاحهم، والحاكم في مستدركه. ونحوه قول الشَّافعي تَّتُهُ فيما يتقوى به المرسل: أن يكون المرسل إذا سَمَّى من روى عنه لم يسمِّ مجهولاً، ولا مرغوباً عن الرِّواية عنه. انتهى(٧). وأما رواية غير العدل فلا يكون تعديلاً بالاتفاق. تتمة : ممَّن كان لا يروي إلَّا عن ثقة إلَّا في النَّادر الإمام أحمد، وبقي بن (١) ((الكامل)) لابن عدي (٩٥/١). (٢) (ص٢٠٢). (٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). (٤) في ((الأحكام)) (٨٩/٢). (٥) في ((مختصر المنتهى)) (٦٦/٢) مع شرحه وحواشيه. (٦) كالفخر الرازي. انظر: المحصول له (٥٨٩/١/٢ - ٥٩٠). (٧) ((الرسالة)) للإمام الشافعي (ص٤٦٣).