Indexed OCR Text

Pages 1-20

يَكْلِسْلَة ◌َبْشُورَانَ مُكتَة ◌َارِ المنهاج للنشر والتوزيع بالرَّاض ١
بِشَرَح الفِيَّةِ الْحَدِيثِ
تأليف الحَافِظِ المُؤرّخ
◌َشِسُ الدِّينِ أبِ الخَيرْمحمّدٍ بَنْ عَبدالرحمن السّخَويّ الشَافِيعىّ
المتوفى سنة ٩٠٢ رحمه الله
درَاسَة وَتحقيق
د.عبد الكريم بن عَبد الله بن عَبدالرحمن الحُضِيْ
د.ُحُمّد بن عَبد الله بن فهيدِآل فهِيَدُ
المَجَلّد الثّاني
مَكتبة زاز المنھچ
للنشر والتوزيع بالرّيَاضِ

بسم اللهالرحمن الرَّحِيمُ

قَ الْمُغْ
بِسَرَحَ الِفِيَّةِ الْحَدِيثِ

مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، ١٤٢٦ هـ
ح
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
السخاوي، أبو الخير محمد بن عبد الرحمن
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. / عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرّحمن
الخضير؛ محمد بن عبد الله بن فهيد آل فهيد .- الرياض، ١٤٢٦ هـ
٥ مج .. - (سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج؛ ١)
ردمك: ٨ - ٠ - ٩٦٥٧ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٤ - ٢ - ٩٦٥٧ - ٩٩٦٠ (ج٢)
١ - السخاوي، محمد بن عبد الرحمن ٢ - علوم الحديث أ - الخضير؛
عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرّحمن (محقق) - آل فهيد؛ محمد بن عبد الله بن
فهيد (محقق) ب- العنوان ج - السلسلة
جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنتَج بالرّاجِ
الطبعة الأولى
١٤٢٦ هـ
حقوق الطبع محفوظة ١٤٢٦٥هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
مكتبة دار المِهَاج
للنشْرِ وَالتَوزيْع
الممَلكَة العَرَبيَّة السّعُوديَة . الرّيَاضِ
المركز الرئيسِى - طريق الملك فهد - شمات الجَوَازَاتْ
هاتفٌ ٤٠٦٥٥٥٣ - فاكس ٤٠٨٣٦٩٨ - صربِّ ٥١٩٢٩ الرياض ١١٥٥٣
الفروع: طهق خالد بن الوليد (إِنكاسْ سَابَقَاً) ت ٢٣٢٢٠٩٥
طريقيّ الأمير سعد بن عَبْدُ الرّحمُ (تخرج ١٥) ت ٤٤٥٦٢٢٩
المدينة النبوية-طهق سلطانة ت ٤/٨٤٦٧٩٩٩.
مكّة المكرهَة - الشاميّة. ت ٢/٥٧٣٠٩٨٠.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الشَّاذ
الشّاذ
لما كان تعارضُ الوصلِ والإرسالِ مفتقراً لبيان الحكم فيما يُقابل الراجحَ
منهما، ناسبَ بعد التَّدليس المقدّم مناسبتهُ ذكر الشَّاذ ثم المنكر.
والشَّاذ لغةً: المنفرد عن الجمهور، يقال: شذّ يشُذّ - بضم الشين
المعجمة وكسرها - شذوذاً، إذا انفرد (١).
(وذو الشُّذوذ) يعني: والشَّاذ اصطلاحاً (ما يخالف) الرّاوي (الثقة فيه) ١٦١
بالزيادة أو النقص، في السَّند أو في المتن (الملا) بالهمز، وسهَّل تخفيفاً، أي:
الجماعة الثقات من النَّاس، بحيث لا يمكن الجمع بينهما .
(فالشَّافعي) بهذا التعريف (حقَّقه)(٢)، وكذا حكاه أبو يعلى الخليلي(٣) عن
جماعةٍ من أهل الحجاز(٤)، وغيره عن المحقّقين؛ لأن العدد الكثير أولى
بالحفظ من الواحدِ(٥)، وهو مُشعِرٌ بأنَّ مخالفته للواحد الأحفظِ [كافية](٦) في
الشذوذ.
وفي كلام ابن الصَّلاح ما يشير إليه، حيث قال: فإن كان مخالفاً لما
(١) انظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (٢٧١/١١)، و((القاموس المحيط)) مادة (شذ).
(٢) انظر: ((آداب الشافعي ومناقبه)) لابن أبي حاتم (ص٢٣٣)، و((معرفة علوم الحديث))
للحاكم (ص١١٩)، و((الكفاية)) للخطيب البغدادي (ص٢٢٣)، وعلوم الحديث لابن
الصلاح (ص٦٨).
(٣) هو: القاضي العلامة الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي القزويني،
المتوفى سنة ست وأربعين وأربعمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (١١٢٣/٣ - ١١٢٥)، و((شذرات الذهب)) (٢٧٤/٣).
(٤) ((الإرشاد)) لأبي يعلى الخليلي (١٧٦/١).
(٥) كما تقدم (٢٦/١، ٣٠٨/١) نقله عن الإمام الشافعي.
(٦) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): كاف.

الشَّاذ
٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان ما انفرد به شاذاً مردوداً (١).
ولذا قال شيخنا: فإن خولف ــ أي: الرّاوي - بأرجحَ منه، لمزيدٍ ضبطٍ،
أو كثرة عددٍ، أو غيرٍ ذلك من وجوه التَّرجيحات، فالرَّاجح يقال له:
المحفوظ، ومقابلهُ وهو المرجوح يقال له: الشّاذ(٢).
ومن هنا يتبيّن أنّه لا يحكم في تعارض الوصل والرّفع مع الإرسال
والوقف بشيءٍ معيَّنٍ، بل إن كان من أرسل أو وقف من الثقات أرجح قُدِّم
وكذا بالعكس.
مثال الشُّذوذ في السَّند: ما رواه التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه من طريق
ابن عيينة عن عَمْرو بن دينار عن عَوْسَجة(٣) عن ابن عباس أن رجلًا توفى على،
عهد رسول الله وَيه ولم يدع وارثاً إلا مولى هو أعتقه ... الحديث(٤)
فإنّ حمّاد بن زيد رواه عن عمرو مرسلًا بدون ابن عباس، لكن قد تابع
ابن عيينة على وصله ابن جُريج(٥) وغيره، ولذا قال أبو حاتم: المحفوظ
حديث ابن عيينة (٦)، هذا مع كون حماد من أهل العدالة والضَّبط، ولكنه رجَّح
رواية من هم أكثر عدداً منه.
(١) ((علوم الحديث)) (ص ٧٠).
(٢) ((نخبة الفكر)» (ص ٥٠) مع شرحها .
(٣) هو: عوسجة المكي، مولى ابن عباس، قال البخاري: لم يصح حديثه، وقال أبو
حاتم والنسائي: ليس بمشهور، ووثقه أبو زرعة وابن حبان.
((الكامل)) لابن عدي (٢٠٢٠/٥)، و((تهذيب التهذيب)) (١٦٥/٨).
(٤) رواه أبو داود: باب في ميراث ذوي الأرحام، كتاب الفرائض رقم (٢٩٠٥)،
والترمذي: باب في ميراث المولى الأسفل من أبواب الفرائض رقم (٢١٠٧)، وقال:
هذا حديث حسن، وابن ماجه: باب من لا وارث له، كتاب الفرائض رقم (٢٧٤١)،
والنسائي في ((سننه الكبرى)) (١٣٢/٦ ح٦٣٧٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٧/٤)،
والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٤٢/٦).
(٥) متابعة ابن جريج: رواها الإمام أحمد في ((المسند)) (٣٥٨/١)، والحاكم في
((المستدرك)) (٣٤٦/٤).
(٦) ((علل الحديث)) لابن أبي حاتم (٥٢/٢).
وهذا الحديث قال فيه البخاري: لم يصح، كما في ((الضعفاء)) للعقيلي (٤١٣/٣)،
وضعفه - أيضاً - الألباني في ((إرواء الغليل)) (١١٤/٦). لكن الشيخ أحمد شاكر صحح
إسناده في تعليقه على ((المسند)» (٢٨٤/٣).
=

٧
الشَّاذ
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ومثاله في المتن: زيادة يوم عرفة في حديث: ((أيام التَّشريقَ أيَّام أكلٍ
وشُرْبٍ))(١). فإن الحديث بجميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى بن عُلَيّ بنَ
رباح(٢) عن أبيه(٣) عن عقبة بن عامر(٤)، كما أشار إليه ابن عبد البر.
قال الأثرم: والأحاديث إذا كَثُرتْ كانت أثبتَ من الواحد الشَّاذ، وقد
يَهِمُ الحافظ أحياناً، على أنه قد صحَّح حديث موسى هذا ابنُ خزيمة(٥)، وابنُ
حِبَّان(٦)، والحاكم(٧) وقال: إنه على شرط مسلم، وقال التِّرمذي: إنَّه حسن
صحيح (٨)، وكأن ذلك لأنَّها زيادة ثقةٍ غيرُ منافية، لإمكان حملها على حاضري
عرفة.
وبما تقرَّر: علم أنَّ الشَّافعي قيد التفرد بقَيْدَيْن: الثِّقة، والمخالفة،
(والحاكم) صاحب المستدرك والمعرفة (الخلاف) للغير (فيه) أي: في الشاذ (ما
اشترط) بل هو عنده ما انفرد به ثقة من الثِّقات، وليس له أصلٌ بمتابع لذلك
الثقة(٩)، فاقتصر على قيد الثقة وحده، وبين ما يُؤخذ منه أنَّه يغاير المعلل، من
١٦٢
= قلت: وهذا من تساهل الشيخ أحمد، عفا الله عنا وعنه.
(١) الحديث: رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٧٥/٥)، ومسلم: باب تحريم صوم أيام
التشريق، كتاب الصيام (١٧/٨)، والنسائي في ((سننه الكبرى)) (٢٢٢/٤ ح ٤١٦٨) عن
نبيشة الهذلي.
(٢) هو: موسى بن علي - بالتصغير - ابن رباح - بموحدة - اللخمي، أبو عبد الرحمن
البصري، صدوق ربما أخطأ، مات سنة ثلاث وستين ومائة.
(تقريب التهذيب)) (ص٣٥٢)، والخلاصة (ص٣٣٦).
(٣) هو: علي بن رباح بن قصير اللخمي، أبو عبد الله البصري، ثقة من صغار الثالثة،
مات سنة بضع عشرة ومائة.
((تهذيب الكمال)) (٤٢٦/٢٠)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٤٥).
(٤) رواه أبو داود: باب صيام أيام التشريق، كتاب الصوم رقم (٢٤١٩)، والترمذي: باب
ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق من أبواب الصوم رقم (٧٧٣).
(٥) ((صحيح ابن خزيمة)) (٣١٠/٣ - ٣١٢).
(٦) ((موارد الظمآن من زوائد ابن حبان)) (ص٢٣٨).
(٧) ((المستدرك على الصحيحين)) (٤٣٤/١).
(٨) ((سنن الترمذي)) بعد الحديث المخرج آنفاً حاشية رقم (٤).
(٩) ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص١١٩).

الشَّاذ
٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
حيث إنّ ذاك وقف على علَّته الدَّالة على جهة الوهم فيه من إدخال حديثٍ في
حديثٍ، أو وصلٍ مرسلٍ، أو نحو ذلك كما سيأتي(١)؛ والشاذ لم يُوقف له على
علة، أي: معينة.
وهذا يُشعِر باشتراك هذا مع ذاك في كونه ينقدح في نفس النَّاقد أنه غلط،
وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجَّة على دعواه، وأنَّه من أغمض الأنواع
وأدقِّها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب، والحفظ الواسع، والمعرفة
التَّامة بمراتب الرواة، والملكة القويّة بالأسانيد والمتون، وهو كذلك، بل الشاذ
- كما نسب لشيخنا - أدقُّ من المعلل بكثير.
ثم إنَّ الحاكمَ لم ينفرد بهذا التَّعْرِيف، بل قال النَّووي في ((شرح
المهذّب)): إنه مذهب جماعات من أهل الحديث، قال: وهذا ضعيف(٢).
(وللخليلي) نسبةٌ لجده الأعلى، لأنَّه الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن
أحمد بن إبراهيم بن الخليل القزويني، وهو قول ثالث فيه (مفرد الرَّاوي فقط)
ثقةً كان أو غيرَ ثقة، خالف أو لم يخالف، فما انفرد به الثّقة يتوقف فيه ولا
يحتج به، ولكن يصلح أن يكون شاهداً، وما انفرد به غير الثقة فمتروك(٣).
والحاصل - كما قال شيخُنا - من كلامهم أنّ الخليليَّ يسوي بين الشاذ
والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشَّاذ الصَّحيحُ وغيرُ الصَّحيح،
فكلامه أعمّ، وأخصّ منه كلام الحاكم، لأنَّه يخرج تفرد غير الثِّقة، ويلزم على
قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ(٤).
بل اعتمد ذلك في صنيعه، حيث ذكر في أمثلة الشَّاذ حديثاً أخرجه
البخاري في (صحيحه)) من الوجه الذي حكم عليه بالشُّذوذ(٥).
(١) (ص٥٠).
(٢) ((المجموع شرح المهذب)) (٥٩/١).
(٣) ((الإرشاد) للخليلي (١٧٦/١)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٦٩).
(٤) في حاشية (س): وهو ما لا يكون فرداً.
(٥) والمثال الذي أورده في المعرفة (ص١٢١ - ١٢٢) عن ثمامة عن أنس قال: كان
قيس بن سعد من النبي * بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، يعني: ينظر في
أموره ... قال أبو عبد الله: وهذا الحديث شاذ بمرة، فإن رواته ثقات، وليس له أصل
عن أنس، ولا عن غيره من الصحابة بإسناد آخر.
=

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٩
الشَّاذْ
وأخص منه كلام الشَّافعي لتقييده بالمخالفة مع كونه يَلزم عليه ما يلزم
على قول الحاكم، لكن الشَّافعي صرَّح بأنّه مرجوح، وأنّ الرّواية الراجحة
أولى، وهل يلزم من ذلك عدم الحكم عليه بالصّحة؟ محلُّ تَوَقُّف، أشير إليه
في الكلام على الصَّحيح، وأنَّه يقدح في الاحتجاج لا في التَّسمية(١).
ويستأنس لذلك بالمثال الذي أورده الحاكم، مع كونه في الصَّحيح، فإنه
موافق على صحته، إلا أنه يسميه شاذّاً، ولا مشاخّة في التسمية(٢).
(و) لكن (رد) ابن الصَّلاح (ما قالا) أي: الحاكم، والخليلي (بفرد ١٦٣
الثقة)(٣) المخرج في كتب الصَّحيح، المشترط فيه نفي الشُّذوذ، لكون العدد
غير شرط فيه على المعتمد، بل الصحة تجامع الغرابة.
وأمثلة ذلك فيها كثيرة، (ك) حديث: (((النهي عن بيع الولا)) بالقصر
للضرورة (والهبة) (٤)، فإنه لم يَصحَّ إلَّا من رواية عبد الله بن دينار عن ابن
عمر، حتى قال مسلم عقبه: الناس كلهم في هذا الحديث عيال عليه (٥).
وحديث ابن عيينة المخرج في الصَّحيحين عن عمرو بن دينار عن أبي
العباس الشّاعر(٦) عن عبد الله بن عمر في حصار الطَّائف (٧)، تَفَرَّد به ابن عيينة
وهو في ((صحيح البخاري)): باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام
=
الذي فوقه، كتاب الأحكام (١٣٣/١٣).
(١) انظر: (٢٨/٨)، و((النكت على ابن الصلاح)) (٦٥٢/٢ - ٦٥٤).
(٢) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٦٧٠/٢ - ٦٧١).
(٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٦٩).
(٤) أخرجه البخاري: باب بيع الولاء وهبته، كتاب العتق (١٦٧/٥)، ومسلم: باب النهي
عن بيع الولاء وهبته، كتاب العتق (١٤٨/١٠)، وأبو داود: باب في بيع الولاء، كتاب
الفرائض رقم (٢٩١٩)، والترمذي: باب ما جاء في كراهية بيع الولاء وهبته من أبواب
البيوع رقم (١٢٣٦)، والنسائي: باب بيع الولاء، كتاب البيوع (٧/ ٣٠٦)، وابن
ماجه: باب النهي عن بيع الولاء وعن هبته، كتاب الفرائض رقم (٢٧٤٧، ٢٧٤٨).
(٥) ((صحيح مسلم)) بعد الحديث المخرج آنفاً .
(٦) هو: السائب بن فروخ، أبو العباس المكي الشاعر الأعمى، وثقه أحمد ومسلم
والنسائي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: ثقة من الثالثة.
(تهذيب التهذيب)) (٤٤٩/٣ - ٤٥٠)، و((تقريب التهذيب)) (ص١١٦).
(٧) رواه البخاري: باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، كتاب المغازي (٤٤/٨)، =

الشَّاذ
١٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
عن عمرو، وعمرو عن أبي العبّاس، وأبو العبّاس عن ابن عمر.
١٦٤
(و) كذا ردّه(١) بِ(قول مسلم) هو: ابن الحَجَّاج في الأيمان والنُّذور من
صحيحه: (روى الزهري) نحو (تسعين) بتقديم المثناة (٢) (فرداً) لا يشاركه أحد
في روايتها (كلها) إسنادها (قوي)(٣).
هذا مع إمكان الجواب عن الحاكم بما أشعر به اقتصاره على جهةٍ واحدةٍ
في المغايرة بينه وبين المعلّل من كون الشَّاذ - أيضاً - ينقدح في نفس النَّاقد أنه
غلط، حيث يقال: ما في الصَّحيح من الأفراد مُنتفٍ عنه ذلك.
وأمَّا الخليلي فليس في كلامه ما ينافي ذلك - أيضاً -؛ لا سيّما وليس هو
ممن يشترط العدد في الصحيح.
١٦٥
(و) بعد أن رد ابن الصلاح كلامهما (اختار) ما استخرجه من صنيع
الأئمة (فيما لم يخالف) الثِّقة فيه غيره، وإنما أتى بشيء انفرد به (أن من يقرب
من ضبط) تامٍ (ففرده حسن) (٤).
ومنه حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة(٥) عن أبيه عن عائشة قالت:
((كان رسول الله وَّ إذا خرج من الخلاء قال: غُفْرَانك))(٦). فقد قال الترمذي
ومسلم: باب غزوة الطائف، كتاب الجهاد والسير (١٢٢/١٢ - ١٢٣).
(١) يعني: ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص ٧٠).
(٢) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٦٧٢/٢): اختلفت النسخ في العدد، والأكثر
بتقديم التاء على السين. والله أعلم.
(٣) ((صحيح مسلم)) (١١ /١٠٧) بشرح النووي.
(٤) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٧١).
(٥) هو: يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي، وثقه العجلي وابن حبان،
وقال ابن حجر: مقبول من السادسة.
((الثقات)) لابن حبان (٦٣٨/٧)، و((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص٤٨٥)، و((تقريب
التهذيب» (ص٣٨٨).
(٦) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٥١/٢)، والإمام أحمد في ((المسند)) (١٥٥/٦)،
وأبو داود: باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء، كتاب الطهارة رقم (٣٠)،
والترمذي: باب ما يقول إذا خرج من الخلاء من أبواب الطهارة رقم (٧)، والنسائي
في ((عمل اليوم والليلة)) (ص١٧٢)، وابن ماجه: باب ما يقول إذا خرج من الخلاء،
كتاب الطهارة وسننها رقم (٣٠٠)، وابن خزيمة (٤٨/١)، وابن حبان (٥١٠/٢)، =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١
الشَّاذ
عقب تخريجه: حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف عن
أبي بردة، قال: ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة(١).
١٦٦
(أو بلغ الضَّبط) التام (فصحح) فَرْدَهُ، وقد تقدم مثاله (٢) (أو بَعُد عنه) بأن
لم يكن ضابطاً أصلاً، (ذَ) غَرْدُهُ (مما شذ فاطرحه ورد) ما وقع لك منه، وأمثلته
كثيرة .
وحينئذ فالشَّاذ المردود - كما قاله ابن الصَّلاح - قسمان:
أحدهما: الحديث الفرد المخالف، وهو الذي عَرَّفه الشَّافعي.
وثانيهما: الفرد الذي ليس في راويه من الثِّقة والضّبط ما يقع جابراً لما
يُوجب التَّفرد والشُّذوذ من النكارة والضَّعف. انتهى (٣).
وتسمية ما انفرد به غير الثقة شاذاً كتسمية ما كان في رواته ضعيفٌ أو
سيء الحفظ، أو غير ذلك من الأمور الظّاهرة معللاً، وذلك فيهما مناف
لغموضهما، فالأليق في حد الشَّاذ ما عرَّفه به الشَّافعي، ولذا اقتصر شيخنا في
شرح النُّخبة عليه (٤)، كما أنَّ الأليق في الحسن ما اقتصر عليه التِّرمذي(٥).
والحاكم (١٥٨/١)، والبيهقي (١/ ٩٧).
=
(١) ((سنن الترمذي)) بعد الحديث المخرج قريباً.
(٢) (ص٩) من هذا الجزء.
(٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص ٧٠ - ٧١).
(٤) ((شرح النخبة)) (ص٥٠).
(٥) انظر ما تقدم في (١١٩/١).
ملحوظة :
انظر بحث الشاذ في:
١ - ((معرفة علوم الحديث))، للحاكم (ص١١٩).
٢ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٦٨ - ٧١).
٣ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (١٩٢/١ - ١٩٦).
٤ - ((النكت على ابن الصلاح))، لابن حجر (٦٥٢/٢ - ٦٧٣).
٥ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص١٤٦ - ١٥٠).
٦ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٣٧٧/١ - ٣٨٧).

المنكر
١٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
المنكر
١٦٧
(والمنكر) الحديث (الفرد) وهو الَّذي لا يعرف متنه من غير جهةِ راويه،
فلا متابع له فيه، بل ولا شاهد (كذا) الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون
(البرديجي أطلق(١) والصّواب في التخريج) يعني: المرويّ كذلك (إجراء تفصيل
لدى) أي: عند (الشّذوذ مر(٢)) بحيث يكون - أيضاً - على قِسْمَيْن (فهو) أي:
المنكر (بمعناه) أي: الشَّاذ (كذا الشيخ) ابن الصَّلاح (ذكر) من غير تمييزٍ
بینھما(٣)
١٦٨
وأما جمع الذّهبي بينهما في حكمه على بعض الأحاديث فيحتمل أن
يكون لعدم الفرق بينهما، ويحتمل غيره.
وقد حقَّق شيخنا التَّمييز بجهة اختلافهما في مراتب الرّواة، فَالصَّدُوق إذا
تفرَّد بما لا مُتابعَ له فيه ولا شاهدَ، ولم يكن عنده من الضَّبط ما يشترط في
المقبول، فهذا أحد قِسْمَي الشَّاذ، فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان أشد
في شذوذه، وربما سَمَّاه بعضُهم منكراً، وإن بلغ تلك الرتبة في الضَّبطِ، لكنه
خالف من هو أرجح منه في الثقة والضَّبط، فهذا القسم الثاني من الشَّاذ، وهو
المعتمد - كما قدمنا (٤) - في تسميته.
وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ، أو المُضَعَّف في
بعض مشايخه خاصَّةً، أو نحوهم - ممن لا يحكم لحديثهم بالقبول بغير عاضدٍ
يعضده - بما لا متابع له ولا شاهد، فهذا أحد قِسْمَي المنكر، وهو الذي يوجد
(١) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٧١ - ٧٢)، و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٤٥٠/١).
(٢) (ص٩) وما بعدها.
(٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٧٢).
(٤) (ص١١).

المنكر
١٣
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
إطلاق المنكر عليه لكثير من المحدِّثين كأحمد والنَّسائي(١).
وإن خولف مع ذلك فهو القسم الثَّاني، وهو المعتمد على رأي الأكثرين
في تسميته، فبان بهذا فصل المنكر من الشَّاذ، وأن كلاًّ منهما قسمان يجتمعان
في مطلق التَّفرد أو مع قيد المخالفة (٢)، ويفترقان في أنَّ الشَّاذَّ راويه ثقةٌ أو
صدوقٌ غير ضابط، والمنكر راويه ضعيفٌ بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك.
وكذا فرق في ((شرح النخبة)) بينهما، لكن مقتصراً في كلٌّ منهما على قسم
المخالفة، فقال في الشّاذ: إنه ما رواه المقبول مخالفاً لمن هو أولى منه، وفي
المنكر: إنه ما رواه الضَّعيف مخالفاً، والمقابل للمنكر هو المعروف، وللشَّاذ
- كما تقدم(٣) - هو المحفوظ، قال: وقد غفل من سوى بينهما (٤).
زاد في غيره (٥): وقد ذكر مسلم في مقدمة ((صحيحه)) ما نصه: وعلامة
المنكر في حديث المحدِّث إذا ما عُرِضتْ روايتُه للحديث على روايةٍ غيره من
أهل الحفظ والرِّضى خالفتْ روايتُه روايتَهم، أو لم تَكَدْ توافقها، فإن كان
الأغلبُ من حديثه كذلك كان مهجورَ الحديث غيرَ مقبوله ولا مستعمَلَه(٦).
قال شيخنا: فالرُّواة الموصوفون بهذا هم المتروكون، قال: فعلى هذا
رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة، وهو المختار (٧).
ولكل من قسمي المنكر أمثلة كثيرة:
(نحو ((كلوا البلح بالتمر ... الخبر))). وتمامه: «فإنَّ ابن آدم إذا أكله ١٦٩
غضب الشَّيطان، وقال: عاش ابن آدم حَتَّى أكل الجديد بالخلق)) (٨).
-
(١) في ((هدي الساري)) لابن حجر (ص٣٩٢): أحمد وغيره يطلقون المناكير على الأفراد
المطلقة .
(٢) ((النكت على ابن الصلاح)) (٦٧٤/٢ - ٦٧٥).
(٣) (ص٦).
(٤) (شرح النخبة)) (ص ٥٠ - ٥٣).
(٥) يعني ابن حجر في غير ((شرح النخبة)).
(٦) ((صحيح مسلم)) (١ / ٥٦ - ٥٧).
(٧) ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٦٧٥/٢).
(٨) رواه النسائي في: ((السنن الكبرى)) (٢٥٠/٦ ح ٦٦٩٠)، وابن ماجه: باب أكل البلح
بالتمر، كتاب الأطعمة رقم (٣٣٣٠)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٢١/٤)، وابن عدي
في ((الكامل)) (٢٦٩٨/٧).

المنكر
١٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
فقد صرَّح النَّسائي بأنَّه منكر (١)، وتبعه ابن الصَّلاح(٢)، وهو منطبق على
أحد قسمَيْهِ، فإن أبا زكير وهو يحيى بن محمد بن قيس البصري(٣) راويه عن
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة المنفرد به، كما قال الدَّارقطني وابن عدي(٤)
وغيرهما، وكذا قال العقيلي: لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به(٥).
ونحوه قول الحاكم: هو من أفراد البصريين عن المدنيين(٦)، إذْ لم يروه
غيره ممن ضُعِّف لخطئه، وهو في عداد من ينجبر، ولذا قال السَّاجي(٧): إنّه
صدوقٌ بهم، وفي حديثه لين(٨).
ونحوه قول ابن حبَّان: إنه يقلب الأسانيدَ، ويَرفع المراسيلَ من غير
تَعمُّد، فلا يحتجُّ به(٩)، وقول الخليلي فيه: إنَّه شيخ صالح(١٠)، فإنَّما أراد
صلاحيته في دينه، جرياً على عادتهم في إطلاق الصَّلاحية حيث يريدون بها
الديانة، أمَّا حيث أريد في الحديث فيقيدونها(١١)، ويتأيد بباقي كلامه فإنَّه قال:
غير أنَّه لم يبلغ رتبة من يحتمل تفرده(١٠) .
وقول أبي حاتم: يكتب حديثه(١٢)، أي: في المتَّابعات والشَّواهد، [وكذا
يحتمل إرادة الخليلي ذلك بالصَّلاحية](١٣). ولذا خرَّج له مسلم موضعاً واحداً
متابعة .
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائي بعد رواية الحديث.
(٢) في ((علوم الحديث)) (ص٧٤).
(٣) المؤدب، ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال ابن حجر: صدوق
يخطئ كثيراً، من الثامنة.
((ميزان الاعتدال)) (٤٠٥/٤)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٧٩).
(٥) ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (٤٢٧/٤).
(٤) ((الكامل)) لابن عدي (٢٦٩٨/٧).
(٦) ((معرفة علوم الحديث)) (ص١٠١).
(٧) هو: الإمام الحافظ أبو يحيى زكريا بن يحيى بن عبد الرحمن البصري الساجي،
محدث البصرة، المتوفى سنة سبع وثلاثمائة.
(تذكرة الحفاظ)) (٧٠٩/٢ - ٧١٠).
(٨) نقله ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٢٧٥/١١).
(٩) ((المجروحين)) لابن حبان (٨٥/٣).
(١٠) ((الإرشاد)) للخليلي (١٧٣/١).
(١١) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٦٨٠/٢).
(١٢) ((الجرح والتعديل)) (١٨٤/٢/٤).
(١٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).

المنكر
١٥
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
بل توسَّع ابنُ الجوزي فأدخله في ((الموضوعات))(١)، وكأنَّ الحامل له
على ذلك نكارة معناه(٢) - أيضاً - ورِكَّة لفظه، وأورده الحاكم في ((مستدركه))
لكنه لم يتعرض له بِصِحَّة ولا غيرها(٣).
(و) نحو (مالك) حيث (سمى ابن عثمان) الذي النّاسُ كلُّهم على أنَّه
عَمْرو (٤) - بفتح أوله ـ (عمر) بضمه، ولم يثبت عنه خلافه(٥). وذلك لما روى
حديثه عن أسامة بن زيد مرفوعاً: ((لَا يَرِثُ الكافرُ المُسْلِمَ)) (٦)، عن الزهري عن
علي بن حسين عنه، ولم يتابعه - كما قال النَّسائي - أحد على ذلك(٧)، بل
حكم مسلم وغيره عليه بالوهم فيه (٨)، وكان مالك يشير بيده لدار عُمر، فكأنَّه
علم أنَّهم يخالفونه(٩).
(١) (٢٦/٣).
(٢) نكارة معناه لأنه لا ينطبق على محاسن الشريعة؛ لأن الشيطان لا يغضب من مجرد
حياة ابن آدم؛ بل من حياته مسلماً مطيعاً لله تعالى. انظر: ((فتح الباقي)) (١٩٨/١)،
و((فيض القدير)) (٤٤/٥).
(٣) ((المستدرك)) (١٢١/٤).
(٤) هو: عمرو بن عثمان بن عفان الأموي، أبو عثمان، وثقه ابن سعد والعجلي، وذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن حجر: ثقة من الثالثة.
((تهذيب التهذيب)) (٧٨/٨ - ٧٩)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٦١).
(٥) انظر: ((الموطأ)): باب ميراث أهل الملل، كتاب الفرائض (٥١٩/٢)، و((سنن
الترمذي)» (٢٨٤/٦)، و((التمهيد)) لابن عبد البر (١٦٠/٩ - ١٦٢).
(٦) الحديث: رواه البخاري: باب لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، كتاب
الفرائض (٥٠/١٢)، ومسلم: كتاب الفرائض (٥١/١١ - ٥٢)، وأبو داود: باب هل
يرث المسلم الكافر؟ كتاب الفرائض رقم (٢٩٠٩)، والترمذي: باب ما جاء في
إيطال الميراث بين المسلم والكافر من أبواب الفرائض رقم (٢١٠٨)، وابن ماجه:
باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك، كتاب الفرائض رقم (٢٧٢٩)، وأحمد
(٢٠٠/٢، ٢٠٨).
(٧) ((السنن الكبرى)): كتاب الفرائض (١٢٣/٦). وانظر: ((تهذيب التهذيب)) (٤٨١/٧ -
٤٨٢).
(٨) نقله ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص٧٣) عن التمييز للإمام مسلم، ولم أقف عليه
في المطبوع منه.
(٩) ((السنن الكبرى)) للنسائي (١٢٣/٦)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٨٢/٧).

المنکر
١٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ويدلُّ لذلك ما رواه أبو الفضل السُّليماني(١) من حديث إبراهيم بن المنذر
الحزامي(٢)، سمعت معن بن عيسى(٣) يقول: قلتُ لمالك: إن النَّاس يقولون:
إنّك تُخطئ في أسامي الرِّجال، تقول: عبد الله الصّنابحي، وإنما هو أبو
عبد الله(٤)، وتقول: عُمر بن عثمان، وإنما هو عَمرو، وتقول: عمر بن
الحكم، وإنما هو معاوية(٥)؟ فقال مالك: هكذا حفظنا، وهكذا وقع في
كتابي، ونحن نُخطئ، ومن يَسْلَم من الخطأ؟! [ونحو الجملة الأخيرة قوله: كل
أحد يؤخذ من قوله ويرد، إلا صاحب هذا القبر(٦)](٧).
(قلت: فماذا) يترتب على تَفَرُّدِ مالكٍ من بين الثّقات باسم هذا الرّاوي،
مَع كونٍ كلٌّ منهما ثقة؛ إذ لا يلزم مما يكون كذلك نكارة المتن ولا شذوذه؛
بل المتن على كلِّ حال صحيح، إلّا أن يقال: إنَّ تمثيل ابن الصّلاح(٨) به
المنكر السَّند خاصَّة، فالنكارة تقعُ في كلٍّ منهما.
١٧٠
(١) هو: المحدث الحافظ أحمد بن علي بن عمرو البيكندي البخاري، أبو الفضل،
المتوفى سنة أربع وأربعمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (١٠٣٦/٣)، وطبقات السبكي (٤١/٤ - ٤٢).
(٢) هو: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر الأسدي الحزامي، أبو إسحاق المدني،
المتوفى سنة ست وثلاثين ومائتين.
((تاريخ بغداد)) (١٧٩/٦ - ١٨١)، و((تهذيب الكمال)) (٢٠٧/٢ - ٢١١).
(٣) هو: معن بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعي، مولاهم، القزاز، أبو يحيى المدني،
أحد أئمة الحديث، المتوفى سنة ثمان وتسعين ومائة.
(ترتيب المدارك)) (٣٦٧/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٥٢/١٠ - ٢٥٣).
(٤) هو: عبد الرحمن بن عسيلة بن عسل المرادي، أبو عبد الله الصنابحي، تابعي ثقة،
توفي ما بين السبعين إلى الثمانين.
التاريخ الأوسط (٢٩٧/١ - ٢٩٩)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٢٩/٦). وانظر: ((الموطأ))
للإمام مالك (٢١٩/١)، و((التمهيد)) (١/٤ -٤).
(٥) في ((السنن الكبرى)) للنسائي: عمر بن الحكم، كذا يقول مالك (٢٤٥/١٠ ح ١١٤٠١).
(٦) في ((المقاصد الحسنة)) للشارح (ص٣٢١ - ٣٢٢): هو من قول مالك كثّفُ، بل في
الطبراني من حديث ابن عباس رفعه: ((ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع)). وأورده
الغزالي في ((الإحياء)) بلفظ: ما من أحد إلا يؤخذ من علمه ويترك إلا رسول الله والدول
ومعناه صحيح. اهـ.
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٨) في ((علوم الحديث)) (ص٧٣ - ٧٤).

المنکر
١٧
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ويتأيَّد بأنّه ذكر في المعلَّل مثالًا لما يكون معلولَ السَّنَد مع صحّة متنه،
وهو إبدال يعلى بن عبيد(١) عمرو بن دينار بعبد الله بن دينار، كما سيأتي في
محله(٢) .
على أنَّ هُشيماً قد رواه عن الزُّهري، فخالف فيه مخالفةً أشدَّ ممَّا وقع
المالك، مع كونها في المتن؛ وذلك أنَّه رواه بلفظ: ((لا يتوارث أهلُ مِلَّتين))(٣).
ولذا حكم النَّسائي(٤) وغيره على هُشيم فيه بالخطأ، قال شيخنا: وأظنُّه
رواه من حفظه بلفظٍ ظَنَّ أنَّه يؤدِّي معنى ما سمع، فلم يُصبْ؛ لأنَّ اللَّفظ الَّذي
أتى به أعم من الذي سمعه، وقد كان سمع من الزهري، ولم يضبط عنه ما
سمع(٥)، فكان يحدِّث عنه من حفظه فيهم في المتن أو في الإسناد، وحينئذ فلو
مثَّل برواية هُشيم كان أسلم.
بل من أمثلته - كما للنَّاظم - (حديث نزعه) ◌َّ (خاتمه عند) دخول
(الخلا) بالقصر للضَّرورة (ووضعه) الذي رواه همام بن يحيى (١) عن ابن جريج
(١) هو: يعلى بن عبيد بن أبي أمية الأيادي الحنفي مولاهم، أبو يوسف الطنافسي
الكوفي، مات سنة تسع ومائتين.
((الثقات)) لابن حبان (٦٥٣/٧ - ٦٥٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٠٢/١١).
(٢) (ص٥٤، ٥٥).
(٣) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٢٤/٦ ح ٦٣٤٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢/
٢٤٠) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه أحمد (١٧٨/٢،
١٩٥)، وأبو داود: باب هل يرث المسلم الكافر، كتاب الفرائض رقم (٢٩١١)، وابن
ماجه: باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك، كتاب الفرائض رقم (٢٧٣١)،
والدار قطني (٧٥/٤ - ٧٦) بسند حسن.
وله شاهد أيضاً: عن جابر بن عبد الله، أخرجه الترمذي: باب لا يتوارث أهل ملتين
من أبواب الفرائض رقم (٢١٠٩)، والحاكم (٣٤٥/٤).
(٤) في ((سننه الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (٥٦/١).
(٥) ((النكت على ابن الصلاح)) (٦٧٦/٢).
(٦) هو: همام بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر البصري،
ثقة ربما غلط في الحديث، مات سنة أربع وستين ومائة.
طبقات ابن سعد (٢٨٢/٧)، و((تهذيب التهذيب)) (٦٧/١١ - ٧٠).

المنکر
١٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
عن الزهري عن أنس، كما أخرجه أصحاب السُّنن الأربعة(١)، فقد قال أبو
داود عقبه: إنه منكر(٢) .
قال: وإنما يُعرَف عن ابن جريج عن زياد بن سعد(٣) عن الزّهريّ عن
أنس (أنّ النبي ◌َ﴿ اتخذ خاتماً من وَرِق ثم ألقاه))(٤). قال: والوهم فيه من
همّام ولم يروه غيره(٥)، وكذا قال النسائي: إنه غير محفوظ(٦). انتهى(٧).
وهمام ثقة احتجَّ به أهل الصَّحيح، ولكنه خالف النَّاس، قاله الشَّارح(٨).
ولم يوافق أبو داود على الحكم عليه بالنَّكارة، فقد قال موسى بن
هارون: لا أدفع أن يكونا حديثين، ومال إليه ابن حبان فصحَّحهما معاً (٩)،
ويشهد له أنَّ ابنَ سعد أخرج بهذا السَّنَدِ أنّ أنساً نقش في خاتمه: محمَّد
رسول الله، قال: فكان إذا أراد الخلاء وضعه (١٠).
(١) رواه أبو داود: باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء، كتاب الطهارة
رقم (١٩)، والترمذي: باب ما جاء في لبس الخاتم في اليمين من أبواب اللباس رقم
(١٧٤٦)، والنسائي: باب نزع الخاتم عند دخول الخلاء، كتاب الزينة (١٧٨/٨)،
وابن ماجه: باب ذكر الله على الخلاء والخاتم، كتاب الطهارة رقم (٣٠٣).
(٢) ((سنن أبي داود)) عقب رواية الحديث المخرج آنفاً.
(٣) هو: زياد بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني أبو عبد الرحمن، سكن مكة، ثم تحول
إلى اليمن، وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والعجلي، من
السادسة.
((تهذيب التهذيب)) (٣٦٩/٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص١١٠).
(٤) رواية سعد هذه أشار إليها البخاري في باب خاتم الفضة، كتاب اللباس (٣١٨/١٠)،
ورواها مسلم في ((صحيحه)): باب تحريم خاتم الذهب على الرجال، كتاب اللباس
(١٤ / ٧٠).
(٥) ((سنن أبي داود)) بعد رواية الحديث آنف التخريج.
(٦) نقله المزي في ((تحفة الأشراف)) (٣٨٥/١) عن النسائي في ((السنن الصغرى))، ولم
أجده في الموضع الذي أحال عليه من النسخة المطبوعة (١٧٨/٨). وهو في السنن
الكبرى (٣٨٤/٨ ح ٩٤٧٠).
(٧) ((التقييد والإيضاح)) للعراقي (ص١٠٨).
((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٠٢/١).
(٨)
(٩) ((الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان)) (٢٦٠/٤ - ٢٦١) طبعة الرسالة.
(١٠) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٢٢/٧ -٢٣).

المنكر
١٩
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
لا سِيَّما وهمَّام لم ينفرد به، بل تابعه عليه يحيى بن المتوكّل(١) عن ابن
جُرَيْج، وصحَّحه الحاكم على شرط الشَّيخين(٢)، [و](٣) لكنه متعقّب، فإنَّهما
لم يخرجا [لهمام](٤) عن ابن جُرَيْج، وإن أخرجا لكل منهما على انفراده،
وقول الترمذي: إنه حَسَنٌ صحيحٌ غريب(٥)، فيه نظر(٦).
وبالجملة: فقد قال شيخنا: إنّه لا علَّة له عندي إلَّا تدليس ابن جُرَيْج،
فإن وجد عنه التَّصريح بالسَّماع فلا مانعَ من الحكم بصحّته في نقدي.
انتھی(٧) .
وقد روى ابن عدي: ثنا محمَّد بن [سعد](٨) الحراني، ثنا عبد الله بن
محمَّد بن عَيشون، ثنا أبو قتادة(٩) عن ابن جُرَيْج عن ابن عقيل - يعني عبد الله بن
محمد بن عقيل(١٠) - عن عبد الله بن جعفر، قال: ((كان النبي وَلَّهُ يَلْبَس خاتمه
في يمينه))، أو قال: ((كان ينزع خاتمه إذا أراد الجنابة))(١١).
(١) هو: يحيى بن المتوكل الباهلي أبو بكر البصري، قال ابن معين: لا أعرفه، وقال ابن
حجر: صدوق يخطئ من التاسعة، مات بالمصيصة.
((تهذيب التهذيب)) (٢٧١/١١ - ٢٧٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٧٩).
(٢) ((المستدرك)) (١٨٧/١)، و((سنن البيهقي)) (٩٥/١).
(٣) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٤) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): لهما.
(٥) ((سنن الترمذي)) (٦٣/٦).
(٦) لأنه أجرى حكمه على ظاهر الإسناد. انظر: ((التقييد والإيضاح)) (ص١٠٨).
(٧) ((النكت على ابن الصلاح)) (٦٧٨/٢).
(٨) كذا في الأصول، وفي ((الكامل)) لابن عدي: ابن سعيد، ولعله: الحافظ أبو علي
محمد بن سعيد القشيري الحراني، نزيل الرقة ومؤرخها، المتوفى سنة أربع وثلاثين
وثلاثمائة.
((العبر)) للذهبي (٢٣٩/٢)، و((الوافي بالوفيات)) (٩٥/٣ - ٩٦).
(٩) هو: عبد الله بن واقد الحراني أبو قتادة، أصله من خراسان، ضعفه أبو زرعة
والدارقطني، مات سنة عشر ومائتين.
((الجرح والتعديل)) (١٩١/٢/٢ - ١٩٢)، و((ميزان الاعتدال)) (٥١٧/٢).
(١٠) هو: عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، ضعفه
ابن معين والنسائي، ووثقه ابن عبد البر، مات بعد الأربعين ومائة.
((تهذيب التهذيب)) (١٣/٦ - ١٥)، والخلاصة (ص ١٨٠).
(١١) ((الكامل)) لابن عدي (١٥١٠/٤).

المنکر
٢٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ولكن أبو قتادة وهو عبد الله بن واقد الحَرَّاني مع كونه صَدُوقاً كان
يخطئ، ولذا أطلق غيرُ واحدٍ تضعيفه، وقال البخاريّ: منكر الحديث
تركوه (١)، بل قال أحمد: أظنّه كان يدلس(٢)، وأورده شيخنا في المدلِّسين،
وقال: إنه متَّفق على ضعفه، ووصفه أحمد بالتّدليس. انتهى(٣). فروايته لا تُعِلّ
رواية همام [بل قد تشهد لها](٤) .
وعلى كلِّ حالٍ فالتّمثيل به للمنكر، وكذا بقول مالك إنّما هو على مذهب
ابن الصَّلاح، من عدم الفرق بينه وبين الشاذ(٥) .
(١) ((التاريخ الكبير)) (٢١٩/١/٣).
(٢) ((العلل ومعرفة الرجال)) (٢٣١/١).
(٣) ((تعريف أهل التقديس)) لابن حجر (ص١٤٣).
(٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٥) انظر ما تقدم (ص١٢). وفي حاشية (ح): ثم بلغ نفع الله به.
ملحوظة :
انظر بحث المنكر في:
١ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص٧١ - ٧٤).
٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٩٧/١ - ٢٠٢).
٣ - ((النكت على ابن الصلاح)) ٦٧٤/٢ - ٦٨٠).
٤ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص١٥١ - ١٥٣).
٥ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٣/٢ - ٧).