Indexed OCR Text

Pages 41-60

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤١
الصحيح
بل سئل ابن معين: أيهما أحبُّ إليك في إبراهيم، الأعمش أو منصور؟
فقال: منصور (١)، ووافقه غيرُه على ذلك، [فقال أبو حاتم(٢)، وقد سئل
عنهما؟ الأعمشُ حافظ يخلِّطُ ويدلِّسُ، ومنصور أتقن، لا يخلط ولا
يدلس] (٣)(٤).
لكن قال وَكيع(٥): إنَّ الأعمشَ أحفظُ لإسناد إبراهيم من منصور (٦).
وفي المسألة أقوال أُخَر، أوردتُ منها في النكت مما لم يذكر هنا ما
يزاحم عشرين قولاً(٧)، والاعتناءُ بتَبُّعها يفيد أحد أمرين:
إمَّا ترجيحُ ما عورض منها بذلك على غيره [كما أن فائدة الصحيح قطعاً
أو ظناً ذلك](٨)، أو تُمَكِّنُ الناظر المتقن فيها من ترجيح بعضها على بعض
[ولو] (٨) بالنظر لترجيح القائلين إن تهيأ (٩).
وقد أفردَ الناظمُ في الأحكام كتاباً لطيفاً(١٠) جمعه من تراجم ستة عشر
قيل فيها: إنَّها أصَحُّ الأسانيد، إما مطلقاً أو مقيداً، وهي ما عدا الثالثة مما
ذکر هنا .
(١) تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي (ص٥٧)، و((الجرح والتعديل)) (١٧٨/١/٤ - ١٧٩).
(٢) هو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران أبو حاتم الحنظلي الرازي، أحد
الأئمة الحفاظ، المتوفى سنة سبع وسبعين ومائتين.
((العبر)) للذهبي (٥٨/٢).
(٣) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٤) ((الجرح والتعديل)) (١٧٩/١/٤).
(٥) هو: وكيع بن الجراح بن مليح الرُّؤَاسي أبو سفيان الكوفي، حافظ عابد.
مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومائة.
((تقريب التهذيب)) (ص٣٦٩)، و((خلاصة تذهيب تهذيب الكمال)) (ص٣٥٦).
(٦) ((سنن الترمذي)): باب ما جاء في صيام العشر من أبواب الصوم عقب حديث رقم
(٧٥٦).
(٧) وذكر ابن حجر في نكته (٢٥٠/١ - ٢٥٦) خمس عشرة ترجمة.
(٨) ما بين المعقوفات زيادة من (ح).
(٩) وإلا فيرجع إلى القرائن التي تحف أحد الحديثين، فيقدم بها على الآخر.
أفاده الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٢٦١/١).
(١٠) أسماه ((تقريب الأسانيد)). طبع مفرداً وطبع مع شرحه المسمى ((طرح التثريب)) لكل من
المصنف وابنه الولي أبي زرعة.

الصحيح
٤٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
ومالك عن أبي الزناد(١) عن الأعرج (٢)، ومَعْمَر(٣) عن همَّام(٤)،
والزهري عن سعيد بن المسيب، ويحيى بن أبي كثير(٥) عن أبي سلمة (٦)، كل
من الأربعة عن أبي هريرة.
وعبدُ الرحمن بن القاسم(٧)، وعبيدُ الله بن(٨) عمر، مما رواه يحيى(٩) بن
(١) هو: عبد الله بن ذكوان أبو عبد الرحمن المدني، الثقة الفقيه، المتوفى سنة اثنتين
وثلاثين ومائة.
(سير أعلام النبلاء)) (٤٤٥/٥ - ٤٥١)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٠٣/٥).
(٢) هو: عبد الرحمن بن هرمز أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم.
مات سنة سبع عشرة ومائة.
طبقات ابن سعد (٢٨٣/٥)، و(«تذكرة الحفاظ)) (١ / ٩٧).
(٣) هو: معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت
فاضل. مات سنة أربع وخمسين ومائة.
((التاريخ الكبير)) (٣٧٨/١/٤ - ٣٧٩)، و ((سير أعلام النبلاء)) (٥/٧ - ١٨).
(٤) هو: همَّام بن منبه بن كامل الصنعاني، أبو عتبة، أخو وهب، ثقة، مات سنة اثنتين
وثلاثین ومائة.
((الجرح والتعديل)) (١٠٧/٢/٤)، و((تهذيب التهذيب)) (١١ /٦٧).
(٥) هو: يحيى بن أبي كثير الطائي، مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت. مات سنة اثنتين
وثلاثين ومائة.
((تهذيب الكمال)) (٥٠٤/٣١)، و((تقريب التهذيب)) (ص٣٧٨).
(٦) هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، أحد الأعلام، قيل: اسمه
عبد الله، وقيل: إسماعيل. مات سنة أربع وتسعين.
(تقريب التهذيب)) (ص٤٩٠)، و((خلاصة تذهيب تهذيب الكمال)) (ص ٣٨٠).
(٧) هو: عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التّيْمي، أبو محمد
المدني، ثقة جليل. مات سنة ست وعشرين ومائة.
((تذكرة الحفاظ)) (١٢٦/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٥٤/٦ - ٢٥٥).
(٨) هو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني، أبو
عثمان، ثقة ثبت، مات سنة سبع وأربعين ومائة.
((الجرح والتعديل)) (٣٢٦/٢/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٨/٧).
(٩) هو: يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت، مات
سنة أربع وأربعين ومائة.
((تهذيب الكمال)) (٣٤٦/٣١)، والخلاصة (ص٣٦٤).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٣
الصحيح
سعيد عنه، كلٌّ منهما عن القاسم(١)، والزهري عن عروة(٢)، كلٌّ منهما عن
عائشة .
ومالك عن الزهري عن أنس.
والحسين بن واقد(٣) عن عبد الله بن بريدة(٤) عن أبيه.
وابن عيينة(٥) عن عمرو بن دينار(٦) عن جابر.
والليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب (٧) عن أبي الخير(٨) عن عقبة بن عامر.
والزهري عن سالم عن أبيه عن جده عمر.
(١) هو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أبو محمد التَّيْمي المدني، أحد الفقهاء
السبعة. مات سنة ست، وقيل: سبع، وقيل: ثمان ومائة.
(«حلية الأولياء)) (١٨٣/٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٩٦/١).
(٢) هو: عروة بن الزبير بن العوام الإمام، عالم المدينة، أحد الفقهاء السبعة، مات سنة
ثلاث، وقيل: أربع، وقيل: خمس وتسعين.
((سير أعلام النبلاء)) (٤٢١/٤ - ٤٣٧)، و(«البداية والنهاية)) (١٠١/٩).
(٣) هو: الحسين بن واقد المَرْوَزي أبو عبد الله، قاضي مرو، وثقه ابن معين والنسائي
وغيرهما. مات سنة تسع وخمسين ومائة.
مقدمة ((طرح التثريب)) (٤٢/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٧٣/٣ - ٣٧٤).
(٤) هو: عبد الله بن بريدة بن الحُصَيب الأسلمي المروزي، أبو سهل، قاضي مرو، ثقة،
مات سنة خمس، وقيل: خمس عشرة ومائة.
((سير أعلام النبلاء)) (٥٠/٥ - ٥٢)، و(«تذكرة الحفاظ)) (١٠٢/١).
(٥) هو: سفيان بن عيينة بن ميمون أبو محمد الهلالي الكوفي الحافظ، المتوفى سنة ثمان
وتسعين ومائة.
(تذكرة الحفاظ)) (٢٦٢/١ - ٢٦٥).
(٦) هو: عمرو بن دينار المكي، مولى بني جُمَح، أبو محمد الأثرم، أحد أعلام التابعين.
مات سنة ست وعشرين ومائة.
((تهذيب الكمال)) (٥/٢٢)، و((العقد الثمين)) (٣٧٤/٦ - ٣٧٦).
(٧) هو: يزيد بن أبي حبيب سُوَيد الأزدي مولاهم أبو رجاء، عالم أهل مصر، ثقة كثير
الحديث. مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٥١٣/٧)، ومقدمة ((طرح التثريب)) (١٢٧/١).
(٨) هو: مرثد بن عبد الله اليزني أبو الخير المصري، مفتي أهل مصر. توفي سنة تسعين.
((التاريخ الكبير)) (٤١٦/١/٤)، و ((سير أعلام النبلاء)) (٢٨٤/٤ - ٢٨٥).

الصحیح
٤٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وحينئذ: فهو (١) من أصَحِّ الصحيح.
(و) على كل حال (لُمْ) كما زاده المصنف(٢) - بضم اللام - أي: اعذل
واعتب (من عمَّمه) أي: الذي عَمَّمَ الحكمَ بالأصحية لسند معين؛ لأنه حصر في
باب واسع جدّاً، شديدِ الانتشار، والحاكمُ فيه على خطر من الخطأ والانتقاض.
كما قيل بمثله في قولهم: ليس في الرواة من اسمه كذا، سوى فلان؛ بل
إن كان ولا بد فتقيد كل ترجمة بصحابيها(٣)، أو بالبلد التي منها أصحاب تلك
الترجمة(٤)، فهو أقلُّ انتشاراً، وأقربُ إلى الحصر، كما قيل في أفضل
التابعين(٥)، وأصحِّ الكتب(٦)، وأحاديثِ الباب، فيقولون: أصحُّ أحاديث باب
كذا أو مسألة كذا حديث كذا(٧).
(١) أي: الكتاب المذكور المسمى ((تقريب الأسانيد)). انظر: مقدمته مع شرحه المسمى
((طرح التثريب)) (١٦/١ - ٢٢).
(٢) يعني: على ((علوم الحديث)) لابن الصلاح.
(٣) من ذلك قول الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص٥٥): أصح أسانيد الصديق:
إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر، وأصح أسانيد عمر:
الزهري عن سالم عن أبيه عن جده.
وأصح أسانيد أبي هريرة: الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.
وأصح أسانيد أنس: مالك بن أنس عن الزهري عن أنس.
(٤) من ذلك قول الحاكم - أيضاً - في المعرفة (ص ٥٥ - ٥٦):
أصح أسانيد المكيين: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر.
وأصح أسانيد اليمانيين: معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة.
وأثبت أسانيد المصريين: الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن
عقبة بن عامر الجهني.
وأثبت إسناد الشاميين: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن حسَّان بن عطية عن الصحابة.
وفي ثقات ابن شاهين (ص٢٧) قال أحمد بن صالح المصري: إسماعيل بن أبي حكيم
عن عبيدة بن سفيان، هذا من أثبت أسانيد أهل المدينة، قال الحافظ ابن حجر في
نكته على ابن الصلاح (٢٥٥/١): يعني عن أبي هريرة
(٥) ستأتي مسألة ((المفاضلة بين التابعين)) (١٠١/٤ - ١٠٢).
(٦) سيأتي قريباً الكلام على أصح كتب الحديث.
(٧) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٣٤٧/١ - ٣٤٨): لا يحفظ عن أحد من أئمة
الحديث أنه قال: حديث كذا أصح الأحاديث على الإطلاق؛ لأنه لا يلزم من كون=

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٤٥
الصحيح
واعلم أَنَّهم كما تكلَّمُوا في أصح أسانيد فلان، مشوا في أوهى أسانيد
فلان - أيضاً -(١)، وفائدتُه ترجيحُ بعض الأسانيد على بعض، وتمييزُ ما يصلح
للاعتبار منها، مما لا يَصْلُحُ، ولكن هذا المختصر يضيق عن بسطِ ذلك
وتتماته، فليراجَعْ أصلُه بعد تحريره - إن شاء الله تعالى _ (٢).
الإسناد أصح من غيره أن يكون المتن المروي به أصح من المتن المروي بالإسناد
=
المرجوح، لاحتمال انتفاء العلة عن الثاني ووجودها في الأول، أو كثرة المتابعات
وتوافرها على الثاني دون الأول، فلأجل هذا: ما خاض الأئمة إلا في الحكم على
الإسناد خاصة، وليس الخوض فيه يمتنع؛ لأن الرواة قد ضبطوا، وعرفت أحوالهم،
وتفاريق مراتبهم، فأمكن الاطلاع على الترجيح بينهم. اهـ.
(١) قال الحاكم في المعرفة (ص٥٦ - ٥٨):
أوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمر عن جابر الجُعفي عن الحارث الأعور عن علي.
وأوهى أسانيد الصديق: صدقة بن موسى الدقيقي عن فرقد السبخي عن مرة الطيب عن
أبي بكر.
وأوهى أسانيد العمريين: محمد بن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن
عمر عن أبيه عن جده.
وأوهى أسانيد أبي هريرة: السَّرِي بن إسماعيل عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة.
وأوهى أسانيد عائشة: نسخة عند البصريين عن الحارث بن شبل عن أم النعمان
الكندية عن عائشة.
وأوهى أسانيد عبد الله بن مسعود: شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله.
وأوهى أسانيد أنس: داود بن المحبر بن قحذم عن أبيه عن أبان بن أبي عياش عن أنس.
ثم ذكر بعد ذلك أوهى أسانيد المكيين واليمانيين والمصريين والشاميين والخراسانيين.
فلیرجع إليه .
(٢) انظر: الكلام على أصح الأسانيد في:
١ - ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص٥٣ - ٥٦).
٢ - ((الكفاية في علم الرواية)) للخطيب البغدادي (ص ٥٦٢ - ٥٦٤).
٣ - ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٢).
٤ - ((الاقتراح)) لابن دقيق العيد (ص١٥٨ - ١٦٢).
٥ - ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير (ص٢٢ - ٢٣).
٦ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) للعراقي (١٥/١ - ٣٨).
٧ - ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٢٤٧/١ - ٢٦٦).
٨ - ((تدريب الراوي)) للسيوطي (ص ٣٠ - ٣٩).
٩ - ((توضيح الأفكار)) للصنعاني (٢٨/١ - ٣٧).

أَصَحُ كُتبِ الحديث
٤٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
:
أَصَحُ كُتبٍ الحديث
٢٢
ومناسبته لما قبله ظاهرة (١).
(أولُ من صنَّف في الصحيح) السابقِ تعريفه(٢) كتاباً مختصاً به، الإمامُ
(محمدٌ) هو: ابن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، كما صرَّح به أبو علي ابن
السّكَن(٣)، ومَسْلَمة بن قاسم(٤)، وغيرهما.
و((موطأ مالك)) وإن كان سابقاً فمصنفه لم يتقيَّدْ بما اجتمع فيه الشروطُ
السابقة(٥)؛ لإدخاله فيه المرسلَ والمنقطعَ ونحوهما (٦)، على سبيل الاحتجاج،
بخلاف ما يقع في ((البخاري)) من ذلك.
وقولُ الشافعي رَّتُهُ: ما على ظهر الأرض كتاب في العلم بعدَ كتاب الله،
أصحُّ من كتاب مالك(٧)، كانَ قبلَ وجوده(٨).
(١) لما عرَّف الصحيح وذكر أصح الأسانيد، ناسب أن يذكر بعد ذلك أصح الكتب.
(٢) (ص٢٢).
(٣) هو: الإمام الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السَّكَن المصري البزاز،
المتوفى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (٩٣٧/٣ - ٩٣٨)، و((تهذيب تاريخ ابن عساكر)) (١٥٦/٦).
(٤) هو: المحدث الرحَّال مَسْلَمة بن القاسم بن إبراهيم أبو القاسم الأندلسي القرطبي،
المتوفى سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة.
((سير أعلام النبلاء)) (١١٠/١٦)، و((لسان الميزان)) (٣٥/٦ - ٣٦).
(٥) في تعريف الصحيح (ص٢٢ - ٢٥).
(٦) أجيب عن هذا: بأن ابن عبد البر وصلها في ((التمهيد)) جميعها. ذكر ذلك في ((التمهيد))
(٩/١). وقيل: سوى أربعة أحاديث من البلاغات لم يصل أسانيدها، لكن ابن
الصلاح وصلها في جزء خاص، طبع بتحقيق عبد الله بن الصديق الغماري سنة ١٤٠٠.
(٧) ((آداب الشافعي ومناقبه)) (ص١٩٦)، و((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٥٠٧/١).
(٨) قاله ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (ص١٤).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٧
أَصَحُ كُتبِ الحديث
(و) لتَقَدُّم البخاري في الفن، ومزيدِ استقصائه (خُصَّ) ما أسنده في
صحيحه دون التعاليق والتراجم وأقوال الصحابة والتابعين (بالترجيح) [على
سائِرِ الصحاح](١).
(ومسلمٌ بعدُ) بضم الدال، أي: بعدَ البخاري وضعاً ورتبة، وحذف ٢٣
المضاف إليه، ونوى معناه للعلم به، هذا ما ذهب إليه الجمهورُ من أهل
الإتقانِ والحِذْقِ والخَوْضِ على الأسرار.
(وبعضُ) أهل (الغرب) حسبَما حكاه القاضي(٢) عياض عمن لم يسمه من
شيوخ أبي مروان الطُبْني (٣) - بضم المهملة ثم موحدة ساكنة على المشهور،
بعدها نون، مدينة بالمغرب من عمل إفريقية - مما وجد التصريح به عن أبي
محمد ابن حزم منهم، (مع) الحافظ (أبي علي) الحسين بن علي بن يزيد
النيسابوري (٤)، أحد شيوخ صاحب ((المستدرك)) أبي عبد الله الحاكم، فيما نقله
عنه أبو عبد الله ابن منده الحافظ.
(فضَّلُوا ذا) أي: صحيحَ مسلم، ولكن (لو نفع) هذا القول، لقُبل من
قائله، لكنه لم ينفع لضعفه، ومخالفة الجمهور، بل وعدم صراحة مقالهم في
المراد.
أما المغاربةُ: فإنَّ ابنَ حزم علَّلَ ذلك كما نقله أبو محمد القاسمُ
(١) ما بين المعقوفين ليس في (م). وفي حاشية (س): (وسيأتي في شرح قوله: ومن عليها
أطلق الصحيحا ... إلخ، ترتيب بقية السنن والمسانيد في الأصحية).
(٢) في ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) (١/ ٨٠)، وعياض: هو ابن موسى بن عياض
اليَخْصُبِي، القاضي أبو الفضل، الفقيه المالكي، المتوفى سنة أربع وأربعين
وخمسمائة .
(بغية الملتمس)) للضبي (ص٤٣٧)، و((شجرة النور الزكية)) (ص ١٤٠ - ١٤١).
(٣) هو: عبد الملك بن زيادة الله بن علي التميمي الطبني، أبو مروان، المتوفى سنة سبع
وخمسين وأربعمائة .
((الذخيرة)) لابن بسام (٥٢/٢/١ - ٥٨)، و((نفح الطيب)) (٢٥٢/٣ - ٢٥٤).
(٤) الحافظ الإمام الثبت الناقد، المتوفى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
((تاريخ بغداد)) (٧١/٨ - ٧٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٩٠٢/٣ - ٩٠٥).

أَصَُّ كُتبِ الحديث
٤٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
التجيبي(١) عنه: بأنَّه ليس فيه بعد الخطبة [يعني: غالباً](٢) إلا الحديثُ
السَّرْد (٣)، وهو غير راجع إلى الأصحية، ويجوز أن يكونَ تفضيلُ من لم يُسَم
- أيضاً - لذلك.
وقريب منه قول مَسْلَمةَ بنِ قاسم: لم يَضعْ أحدٌ مثله(٤)، [يعني: فإنه يبدأ
بالمُجْمَل وبالمُشْكِل وبالمنسوخ وبالمُعَنْعَن وبالمُبْهم وبالمُهْمَل، ثم يردف
بالمُبَيِّن والمُفَسِّر والناسخ والمُصَرِّح والمُعَيِّن والمنسوب في أشباه هذا](٥).
ولكون ابنِ الصلاح لم يقفْ على كلام ابن حزم، تردَّدَ في جهة التفضيل،
وقال ما معناه: إن كان المرادُ أن كتابَ مسلم يترجح بأنه لم يمازجه غير
الصحيح - يعني بخلاف البخاري، فإنه أودعَ تراجم أبوابه كثيراً من موقوفات
الصحابة والتابعين، وغير ذلك - فهذا لا بأسَ به، لكن لا يلزم منه المدَّعى، أو
أنَّ الأرجحية من حيثية الصحة فمردود على قائله(٦).
وأما المنقول عن أبي علي فلفظه كما رويناه من طريق ابن منده المذكور
عنه: ما تحتَ أديم السماء كتابٌ أصح من كتاب مسلم(٧)، وهو - كما أشار
إليه شيخُنا - مُحْتَمِلٌ للمدَّعى، أو لنفي الأصحية خاصة دون المساواة (٨). فقد
(١) هو: القاسم بن يوسف بن محمد بن علي التجيبي السبتي، علم الدين، المتوفى سنة
ثلاثین وسبعمائة.
((الدرر الكامنة)) (٣٢٤/٣ - ٣٢٥)، ((فهرس الفهارس والأثبات)) (٢٦٤/١ - ٢٦٥)،
واسمه فيه أبو القاسم.
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٣) برنامج التجيبي (ص٩٣)، على أن ((صحيح مسلم)) قد اشتمل على غير الحديث - إلا
أنه نادر جداً - فقد روى في المواقيت (١١٣/٥) عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: لا
يستطاع العلم براحة الجسم.
(٤) ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٨٠/١) نقلا عن تاريخ مسلمة.
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٦) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٥)، ((البداية والنهاية)) لابن كثير (٣٣/١١)،
((تهذيب التهذيب)) (١٢٧/١٠).
(٧) ((تاريخ بغداد)) (١٠١/١٣)، و((شرح النووي على مسلم)) (١٤/١)، و((برنامج التجيبي))
(ص٩٣)، و((تذكرة الحفاظ)) (٥٨٩/٢).
(٨) ((شرح نخبة الفكر)) (ص٣٦).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٩
أَصَحُّ كُتبِ الحديث
قال ابنُ القَطَّاعِ(١) في ((شرح ديوان المتنبي(٢)): ذهبَ من لا يعرف معاني
الكلام إلى أن مِثْل قوله وَ له: ((ما أَقَلَّت الغبراء، ولا أظلَّت الخضراء أصدقَ
لَهْجة من أبي ذر))(٣)، مقتضاه أن يكون أبو ذر أصدقَ العالم أجمع.
قال: وليس المعنى كذلك، وإنما نفى أن يكون أحد أعلى رتبة في
الصدق منه، ولم ينف أن يكون في الناس مثله في الصدق، ولو أراد ما ذهبوا
إليه لقال: أبو ذر أصدقُ من كل من أقلَّت.
والحاصلُ: أنَّ قولَ القائل: فلان أعلمُ أهل البلد بفن كذا، ليس كقوله:
ما في البلد أعلم من فلان بفن كذا؛ لأنَّه في الأول أثبت له الأعلمية، وفي
الثاني: نفى أن يكون في البلد أحد أعلمَ منه، فيجوزُ أن يكونَ فيها من يساويه
فيه (٤).
(١) هو: علي بن جعفر بن علي السعدي الصَّقَلِّي، المعروف بابن القطّاعِ، اللغوي،
النحوي، الكاتب، المتوفى سنة خمس عشرة وخمسمائة.
((إنباه الرواة)) للقفطي (٢٣٦/٢ - ٢٤٩)، و((وفيات الأعيان)) (٣٢٢/٣ - ٣٢٤).
(٢) هو: أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي أبو الطيب الشاعر،
المتوفى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.
(«البداية والنهاية)) (٢٥٦/١١ - ٢٥٩)، و((حسن المحاضرة)) (٥٦٠/١).
(٣) الحديث: أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٦٣/٢)، والترمذي في ((مناقب أبي ذر من
أبواب المناقب)) رقم (٣٨٠٣) وحسنه، وابن ماجه في المقدمة برقم (١٥٦)، وفي
أسانيدهم عثمان بن عمير أبو اليقظان، وهو ضعيف، كما في التقريب (ص٢٣٥)،
وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٢/٣) كلهم عن عبد الله بن عمرو.
وأخرجه الترمذي في الباب المذكور برقم (٣٨٠٤)، وأحمد في ((المسند)) (٤٤٢/٦)،
والحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٢/٣)، وقال: صحيح على شرط مسلم عن أبي ذر
نفسه .
وأخرجه أحمد في ((المسند)) (١٩٧/٥)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٢/٣) عن أبي
الدرداء.
وقال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (١٢٩/٧): أخرجه أبو داود بسند جيد، ولم
أقف عليه في ((سنن أبي داود)).
وللحديث طرق كثيرة يرتقي بها إلى درجة الحسن، وقد حسَّنه السيوطي في ((الجامع
الصغير)) (٤٢٣/٥)، والشيخ ناصر الدين الألباني في تخريج المشكاة (٢٨٠/٣).
(٤) ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٢٨٤/١). قال الصنعاني في=

اُصُ كُتبٍ الحدیث
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
قال(١): وإذا كان لفظُ أبي علي محتملاً لكل من الأمرين، لم يحسن أن
ينسب إليه الجزم بالأصحية، يعني: كما فعل جماعة منهم: النووي في شرح
مسلم وغيره، حيث قال: وقال أبو علي: كتاب مسلم أصح(٢).
وقد سبقه(٣) كل من شيخيه المؤلف والعز ابن جماعة (٤) إلى الإرشاد
لذلك(٥). بل لعدم صراحة مثل ذلك، قال الإمام أحمد: ما تروي عن أثبت من
هشام الدَّسْتَوائي(٦)، أما مثله فعسى(٧) .
ويتأيد كلُّ هذا بحكاية التساوي قولاً ثالثاً في المسألة؛ بل فيها رابع وهو
الوقف.
إذا عُلِمَ هذا فدليلُ الجمهور إجمالي وتفصيلي :
أما الإجمالي: فاتفاقُهم على أنَّ البخاريَّ كان أعلمَ بالفن من
مسلم، وأنَّه تلميذه وخريجه(٨)، حتى قال الدارقطنيُّ: لولا البخاريُّ
((توضيح الأفكار)) (٤٨/١): لا يعزب عنك أن هذا التأويل الذي ذكره الحافظ خروج
=
عن محل النزاع، فإن الدعوى بأن البخاري أصح الكتابين، وهذا التأويل أفاد أنهما
مثلان، فما أتى التأويل إلا بخلاف المدّعى ... إلخ.
(١) يعني: الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٢٨٤/١).
(٣) يعني: ابن حجر.
(٢) شرح النووي على مسلم (١/ ١٤).
(٤) هو: محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة، المتوفى سنة
تسع عشرة وثمانمائة.
((إنباء الغمر)) لابن حجر (٧/ ٢٤٠ - ٢٤٣)، و((الضوء اللامع)) (١٧١/٧ - ١٧٤).
(٥) قال الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٢٨٥/١): على أني رأيت في كلام الحافظ أبي
سعيد العلائي ما يدل على أن أبا علي النيسابوري ما رأى ((صحيح البخاري))، وفي
ذلك بُعْدٌ عندي . اهـ.
وفي ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (٥٨٩/٢): لعل أبا علي ما وصل إليه ((صحيح
البخاري)).
(٦) هو: هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر أبو بكر البصري الدَّسْتَوائي، ثقة ثبت، رمي بالقدر،
مات سنة أربع وخمسين ومائة.
((تقريب التهذيب)) (ص٣٦٤)، والخلاصة (ص٣٥١ - ٣٥٢).
(٧) ((الجرح والتعديل))، لابن أبي حاتم (٦٠/٣/٤).
(٨) في حاشية (س): ومع كون مسلم تلميذه لم يرو عنه في ((صحيحه)) شيئاً، نعم قال في
كتابه في ((الكنى)): أبو البختري قال الدارمي وابن إسماعيل: اسمه سعيد بن فيروز . =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٥١
أَصَحُّ كُتبٍ الحديث
[لما] (١) راح مسلم ولا جاء(٢).
ولكن قد يقال: لا يلزم من ذلك أرجحيةُ المُصَنَّف، كما أنه لا يستلزم
المرجوحية، ويجاب: بأنَّه الأصل؛ ومن ثَمَّ اتجه تعلُّق الأولية بالمقصود،
وقول النووي: [إن](٣) كتاب البخاري أكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة
وغامضة (٤).
وأما التفصيلي: فالإسنادُ الصحيح مداره على الاتصال، وعدالة الرواة،
وكتاب البخاري أعدلُ رواة، وأشدُّ اتصالاً .
وبيانه: أنَّ الذين انفردَ البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة
وخمسة وثلاثون رجلاً(٥)، المتكلَّمُ فيه بالضَّعف منهم نحو من ثمانين، والذين
انفرد مسلم بإخراج حديثهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلاً (٦)، المتكلّم
فيه منهم مائة وستون رجلاً على الضّعف من كتاب البخاري، ولا شك أنَّ
التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلاً أولى من التخريج عمن تكلم فيه، ولو كان
. (V)
ذلك غیر [شدید]
انتهى. وابن إسماعيل هذا هو البخاري، فإنه ذكره في تاريخه، قال شيخنا: وهذا من
=
النوادر من مسلم الذي ذكره.
وفي حاشية (م): ومن النوادر قول مسلم في ((الكنى)): أبو البختري، قال الدارمي وابن
إسماعيل: اسمه سعيد بن فيروز، انتهى. فابن إسماعيل هذا هو: البخاري، فإنه ذكر
ذلك في تاريخه.
(٢) ((تاريخ بغداد)) (١٠٢/١٣).
(١) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ما.
(٣) ما بين المعقوفتين ليس في (ح).
(٤) شرح مسلم للنووي (١٤/١)، وفي حاشية (م): تم بلغ كذلك عوداً على بدء وغيره
سماعاً. كتبه مؤلفه.
(٥) كذا في جميع النسخ، و((النكت)) (٢٨٦/١)، وفي ((هدي الساري)) (ص١١): أربعمائة
ويضع وثلاثون، وفي شرح النووي على مسلم (١٦/١) نقلاً عن الحاكم أربعمائة
وأربعة وثلاثون شيخاً .
(٦) كذا في جميع النسخ، و((النكت)) (٢٨٧/١)، و((هدي الساري)) (ص١١)، والذي في
شرحٍ النووي على مسلم (١٦/١) نقلاً عن الحاكم - أيضاً -: ستمائة وخمسة وعشرون
شيخاً .
(٧) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): و((النكت)) (٢٨٧/١): سديد - بالسين المهملة -.

اُصَُ كُتبٍ الحدیث
٥٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وأيضاً: فالَّذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يُكثر من تخريج
أحاديثهم بخلاف مسلم، والذين انفردَ بهم البخاري ممن تُكُلُّمَ فيه أكثرهم من
شيوخه الذين لقيهم وخَبَرهم، وخَبَرَ حديثهم، بخلاف مسلم، فأكثرُ من ينفرد به
ممن تكلم فيه من المتقدمين، ولا شك أنَّ المرءَ أعرفُ بحديث شيوخه من
حديث غيرهم ممن تقدَّم، وأكثرُ هؤلاء الذين تُكلِّمَ فيهم من المتقدمين يُخرج
البخاري أحاديثهم - غالباً - في الاستشهادات ونحوها بخلاف مسلم (١) .
وأما ما يتعلَّقُ بالاتصال: فمسلم كان مذهبه - بل نقل فيه الإجماع في
أول صحيحه(٢) - أنَّ الإسنادَ المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المُعَنْعِنُ
والمعَنْعَنُ عنه، [وأمكن اجتماعُهما](٣)، والبخاري لا يجعله على الاتصال حتى
يثبت اجتماعَهما ولو مرة واحدة(٤).
ولذا قال النووي: وهذا المذهبُ يُرَجِّحُ كتابَ البخاري، قال: وإن كُنَّا
لا نِحكمُ على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب، لكونه يجمعُ طرقاً كثيرة
يتعذَّرُ معها وجودُ هذا الحكم الذي جوزه، انتهى(٥). وذلك في الغالب، وما
عداه فجلالته تنبو عن مشي ما لم يتصل عليه.
وما ذكره بعضُهم من المرجِّحات لكتاب مسلم سوى ما سلَف(٦) عن ابن
حزم فهو - مع كونه كما مر (٧) غير مستلزم للأصحية - معارض بوجود مثله أو
(١) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٢٨٦/١ - ٢٨٨).
(٢) (١٣٠/١) مع شرح النووي.
(٣) كذا في (ح)، وفي (س)، (م): (وإن لم يثبت اجتماعهما).
(٤) انظر: ((النكت)) لابن حجر (٢٨٨/١ - ٢٨٩)، ولكن قال الصنعاني في ((توضيح
الأفكار)) (٤٢/١): لا يخفى أن هذه الوجوه أو أكثرها لا تدل على المدعى، وهو
أصحية البخاري؛ بل غايتها تدل على صحته، ثم إنه لا يخفى - أيضاً - أن الشيخين
اتفقا في أكثر الرواة، وتفرد البخاري بإخراج أحاديث جماعة، وانفرد مسلم
بجماعة ... فما اتفقا على إخراج حديثه فهما فيه سواء، لا فضل لأحدهما على
الآخر ... وما انفرد البخاري بإخراج حديثهم فهذا القسم ينبغي أن يقال: إنه أصح
مما انفرد به مسلم ... وحينئذٍ فيتعين أن يقال؛ الأحاديث التي انفرد بإخراجها
البخاري أصح من التي انفرد بإخراجها مسلم ... إلخ.
(٥) شرح النووي على مسلم (١/ ١٤).
(٧) (ص٤٦ - ٤٧).
(٦) (ص٤٦ - ٤٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٥٣
أَصَحُ كُتبِ الحديث
أحسن منه من نمطه في البخاري [كالاستنباط الثمرة العظمى، وربما ألم بتفسير
الغريب وإيضاح مختلف الحديث، وبيان الخلاف والإلزام بالتناقض وغيرها](١)
مما لا نطيل بإيضاحه هنا .
وقد قال الحافظُ الفقيه الإمامُ النَّظَّار أبو بكر الإسماعيلي(٢): إنه - أي:
مسلماً - رامَ ما رامَ البخاري، إلا أنَّه لم يضايق نفسه مضايقته، وروى عن
جماعة لم يتعرض البخاري للرواية عنهم، قال: وكلٌّ قَصَد الخيرَ، وما هو
الصوابُ عنده، غير أن أحداً منهم لم يبلغ من التشديد مبلغ أبي عبد الله، ولا
تسبب إلى استنباطه المعاني واستخراج لطائف فقه الحديث وتراجم الأبواب
الدالة على ما له وصلة بالحديث المروي فيه تسببه، ولله الفضل يختصُّ به من
يشاء(٣).
وبالجملة فكتاباهما أصَحُّ كتب الحديث (و) لكنهما (لم يُعمَّاه) أي: لم ٢٤
يستوعبا [كل الصحيحَ في كتابيهما، بل لو قيل: إنَّهما لم يستوعبا شروطَهما
لكان موجهاً] (٤).
وقد صرَّح كل منهما بعدم الاستيعاب، فقال البخاري فيما رويناه من
طريق إبراهيم بن معقل(٥) عنه: ما أدخلتُ في كتابي الجامعِ إلا ما صَحَّ،
وتركتُ من الصِّحاح خشيةَ أن يطولَ الكتاب(٦).
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٢) هو: الإمام الحافظ الثبت، شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل
الإسماعيلي الجرجاني الشافعي، المتوفى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة.
((تاريخ جرجان)) للسهمي (ص ٨٥ - ٩٦)، و(«تذكرة الحفاظ)) (٩٤٧/٣).
(٣) (نكت الزركشي على ابن الصلاح)) (١٦٦/١)، و((هدي الساري)) لابن حجر (ص١١)
نقلاً عن المدخل للإسماعيلي بأطول مما هنا .
(٤) كذا في (س)، وفي (ح). (م): في كتابيهما كل صحيح على شرطهما فضلاً عن
مطلقه .
(٥) هو: الحافظ الفقيه إبراهيم بن معقل بن الحجاج أبو إسحاق النسفي القاضي، المتوفى
سنة خمس وتسعين ومائتين.
((سير أعلام النبلاء)) (٤٩٣/١٣)، و((العبر)) (١٠٠/٢ - ١٠١).
(٦) ((تاريخ بغداد)) (٨/٢ -٩)، و((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي (ص٤٩).

اُصَحُ كُتبٍ الحدیث
٥٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وقال مسلم: إنَّما أخرجتُ هذا الكتابَ وقلت: هو صحاح، ولم أقل:
إن ما لم أخرجه من الحديث فيه ضعيف (١).
وحينئذ: فإلزامُ الدارقطني لهما في جزء(٢) أفرده بالتصنيف بأحاديث
رجال من الصحابة رويت عنهم من وجوه صحاح تركاها مع كونها على
شرطهما، وكذا قول ابن حبان: ينبغي أن يناقش البخاري ومسلم في تركهما
إخراج أحاديث هي من شرطهما (٣)، ليس بلازم.
ولذلك قال الحاكم أبو عبد الله: ولم يَحكُما ولا واحد منهما أنه لم
يصح من الحديث غير ما خرجه، قال: وقد نبغَ في عصرنا هذا جماعةٌ من
المبتدعة يشمَتون برواة الآثار بأنَّ جميعَ ما يصحُّ عندكم من الحديث لا يبلغ
عشرة آلاف حديث(٤) .
ونحوه ما ذكره السِّلَفي(٥) في معجم السفر: أن بعضهم رأى في المنام أبا
داود صاحب السنن في آخرين مجتمعين، وأنَّ أحدهم قال: كل حديث لم يروه
البخاري فاقلِبْ عنه رأس دابتك(٦).
ومن ثم صرَّح بعضُ المغاربة(٧) بتفضيل كتاب النسائي على صحيح
البخاري(٨)، وقال: إنَّ من شرطِ الصحة فقد جعل لمن لم يستكمل في الإدراك
(١) شرح النووي على مسلم (٢٦/١)، و((سير أعلام النبلاء)) (٥٧١/٣).
(٢) أسماه ((الإلزامات)) وقد طبع محققاً ومعه كتاب التتبع للدارقطني أيضاً، كلاهما بتحقيق
الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، وقد سمى تحقيقه تأليفاً، عفا الله عنا وعنه.
(٣) ((شروط الأئمة الخمسة)) (ص٤٧).
(٤) ((مقدمة المستدرك على الصحيحين)) للحاكم (٢/١).
(٥) هو: العلامة الحافظ أحمد بن محمد بن أحمد الأصبهاني أبو طاهر عماد الدين
السلفي، المتوفى سنة ست وسبعين وخمسمائة.
((مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (٣٦١/٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٢٩٨/٤ - ١٣٠٤).
(٦) ((معجم السفر)) للسلفي (ص٢٢٣، ٢٢٤).
(٧) هو: يونس بن عبد الله القاضي، المعروف بابن الصفار.
(٨) انظر: ((برنامج التجيبي)) (ص١١٦)، وممن فضله - أيضاً - الشيخ عبد الرحيم المكي،
كما في فهرست ابن خير (ص١١٧)، و((برنامج التجيبي)) (ص١١٦).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٥٥
أَصَحُّ كُتبٍ الحديث
سبباً إلى الطعن على ما لم يدخل، [وجعل للجدال موضعاً فيما أدخل](١).
وهو قولٌ شاذ لا يعوَّلُ عليه حكماً وتعليلاً، [وإن بلغني عن المجد
البرماوي(٢) اعتماده](٣).
والحقُّ أنَّهما لم يلتزما حصرَ الصحيح فيما أودعاه كتابيهما (ولكن قلَّ ما)
أي: الذي(٤) (عند) الحافظ أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني
النيسابوري (ابن الاخرم)(٥) شيخ الحاكم - وهو بمعجمة ثم مهملة وميم مدغمة
في ميم - (منه) أي: من الصحيح (قد فاتهما، ورُدّ) من ابن الصلاح بقوله:
ولقائل أن يقول: ليس ذلك بالقليل، فإنه يصفو من مستدرك الحاكم عليهما
صحيح كثير (٦) .
٢٥
(لكن قال) الشيخُ محيي الدين أبو زكريا (يحيى) النووي (البر) لما اجتمع
فيه من الزهد والورع وأصناف البر ما فاق فيه، بحيث قال بعضهم: إنه كان
سالكاً منهاج الصحابة، لا يعلم في عصره من سلكه غيره(٧)، في كتابه
(الإرشاد)» بعد قوله: والصحيحُ قولُ غير ابن الأخرم: إنه فاتهما كثير، ويدل
عليه المشاهدة، قلت: والصواب قول من قال: (لم يفت) الكتب (الخمسة)
أصولُ الإسلام، وهي الصحيحان والسنن الثلاثة (إلا النزر) (٨) يعني القليل.
(١) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): (ولم يبرهن بما لعله يندفع به الجدال فيما أدخل).
(٢) هو: أبو محمد إسماعيل بن أبي الحسن بن علي بن عيسى البرماوي، ثم القاهري
الشافعي، المتوفى سنة أربع وثلاثين وثمانمائة.
((الضوء اللامع)) (٢٩٥/٢ - ٢٩٨)، و((حسن المحاضرة)) (٤٤٠/١).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٤) في حاشية (س): (قضية أن ما هنا موصولة هو غلط، إذ هي كافة لا موصولة) كذا.
(٥) المتوفى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (٨٦٤/٣ - ٨٦٦)، و((مرآة الجنان)) (٣٣٦/٢).
(٦) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٦).
(٧) توفي النووي سنة سبع وسبعين وستمائة. ترجمه السخاوي في رسالة مستقلة وهو مترجم
في ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٧٠/٤ - ١٤٧٤)، و((البداية والنهاية)) (٢٧٨/١٣ - ٢٧٩).
(٨) الإرشاد للنووي (ص٦٠)، و((التقريب)) له (ص٤٧) مع ((التدريب)).

اُصَحُ كُتبِ الحدیث
٥٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وكأنَّه أراد بالقائل الحافظ أبا أحمد ابن الفرضي(١)، فإنه وصفَ مصنَّفَ
أبي علي بن السكن مع اشتماله على ما عدا الترمذي منها بأنه لم يبق عليه إلا
القليل.
٢٦
(وفيه) أي وفي تصويب النووي تَّتُهُ أيضاً (ما فيه) كناية عن ضعفه (لقول
الجعفي) مولاهم البخاري، حسبما حكاه ابنُ الصلاح كالمستظهر بظاهره للرد
على ابن الأخرم: (أحفظ منه) أي من الصحيح (عُشْرِ ألف ألف) حديث، أي:
مائة ألف كما هي عبارتُه، وبقية كلامه: ومائتي ألف حديث غير صحيح(٢)،
والخمسة فضلاً عن الصحيحين دون ذلك بكثير.
٢٧
(و) قد يجاب عنهما معاً بأن يقال - مما أشار إليه ابن الصلاح(٣) - (علَّه)
أي: علَّ البخاري، وهي لغة في لعل، ومنه:
لا [تهين](٤) الفقير علَّك أن تركع يوماً والدهرُ قد رَفَعه (٥)
(أراد) بلوغ العدد المذكور (بالتكرار لها وموقوف) يعني: بعدِّ المكرر
والموقوف، وكذا آثار الصحابة والتابعين وغيرهم وفتاويهم، مما كان السلف
يطلقون على كله حديثاً، وحينئذٍ يسهُل الخطبُ، فرُبَّ حديث له مائة طريق فأكثر.
وهذا حديث: ((الأعمال بالنيات))(٦) نقل - مع ما فيه (٧) - عن الحافظ أبي
(١) هو: عبيد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن مهران الإمام أبو أحمد بن أبي
مسلم البغدادي المقرئ الفرضي، المتوفى سنة ست وأربعمائة.
(«تاريخ بغداد)) (٣٨٠/١٠ - ٣٨٢)، و((معرفة القراء الكبار)) (٢٩٢/١ - ٢٩٤).
(٢) ((تاريخ بغداد)) (٢٥/٢)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٦).
(٣) في ((علوم الحديث)) (ص١٦).
(٤) كذا في (س)، (ح): و((خزانة الأدب)) (٥٨٨/٤)، و((شرح شواهد شروح الألفية))
للعيني (٣٣٤/٤)، والذي في (م): (لا تهن) بدون یاء.
(٥) هذا البيت من قصيدة للأضبط بن قريع كما في ((شرح شواهد شروح الألفية)) للعيني (٤/ ٣٣٤).
(٦) الحديث: رواه البخاري في أول ((صحيحه)) (٩/١)، ومسلم في باب قوله وَله: ((إنما
الأعمال بالنية))، من كتاب الجهاد (٥٣/١٣ - ٥٤)، وأبو داود في كتاب الطلاق - باب
فيما عني به الطلاق والنيات (٦٥١/١ - ٦٥٢)، والنسائي: باب النية في الوضوء،
كتاب الطهارة (٥٨/١ - ٥٩)، والترمذي في فضائل الجهاد: باب فيمن يقاتل رياء
وللدنيا رقم (١٦٤٧)، وابن ماجه: باب النية، من كتاب ((الزهد)) برقم (٤٢٢٧).
(٧) قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (١١/١): وأنا أستبعد صحة هذا، فقد تتبعت =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٥٧
أَصَحُ كُتبِ الحديث
إسماعيل الأنصاري الهروي(١)، أنَّه كَتَبه من حديث سبعمائة من أصحاب راويه
يحيى بن سعيد الأنصاري(٢).
وقال الإسماعيليُ عقب قول البخاري: وما تركتُ من الصحيح أكثر، ما
نصه: لو أخرجَ كلَّ حديث عنده لجمع في الباب الواحد حديثَ جماعة من
الصحابة، ولذكرَ طرق كل واحد منهم إذا صحت.
وقال الجوزقي(٣): إنه استخرجَ على أحاديث الصحيحين، فكانت عدَّتُه
خمسة وعشرين ألف طريق وأربعمائة وثمانين طريقاً (٤).
قال شيخُنا: إذا كان الشيخان مع ضيق شرطهما بلغَ جملة ما في كتابيهما
بالمكرر ذلك، فما لم يخرِّجاه من الطرق للمتون التي أخرجاها لعله يبلغ ذلك
- أيضاً - أو يزيد، وما لم يخرِّجاه من المتون من الصحيح الذي على شرطهما
لعله يبلغ ذلك - أيضاً - أو يقربُ منه، فإذا انضافَ ذلك إلى ما جاء عن
الصحابة والتابعين، بلغ العدة التي يحفظها البخاري، بل ربما زادت(٥).
وهذا الحملُ متعين، وإلا فلو عُدَّتْ أحاديثُ المسانيد والجوامع والسنن
والمعاجم والفوائد والأجزاء وغيرها مما هو بأيدينا صحيحها وغيره ما بلغت
ذلك، بدون تكرار، بل ولا نصفه. انتهى.
طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا فما
=
قدرت على تكميل المائة.
(١) هو: عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي الحنبلي أبو إسماعيل، المتوفى سنة
إحدى وثمانين وأربعمائة .
((طبقات الحنابلة)) (٢٤٧/٢ - ٢٤٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (١١٨٣/٣ - ١١٩١).
(٢) رواه الحافظ أبو موسى المديني عن بعض مشايخه مذاكرة عنه، كما في ((فتح الباري))
(١١/١).
(٣) هو: الحافظ الإمام الأوحد أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني،
المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.
((سير أعلام النبلاء)) (٤٩٣/١٦ - ٤٩٥)، و((الوافي بالوفيات)) (٣١٦/٣).
(٤) ذكر الحافظ ابن حجر في ((النكت)) (٢٩٧/١): أن مقالة الجوزقي هذه في كتابه
المسمى بالمتفق، وقد رجعت إلى الكتاب المذكور فلم أجدها فيه.
(٥) ((النكت على ابن الصلاح)) (٢٩٧/١ - ٢٩٨).
٦

أَصَحُّ كُتبِ الحديث
٥٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وبمقتضى ما تقرر ظهرَ أنَّ كلامَ البخاري لا ينافي مقالة ابن الأخرم،
فضلاً عن النووي، وإن كان ابنُ الصلاح استنتج من ظاهره مع قوله: (وفي)
صحيح (البخاري) من الأحاديث بدون تكرير (أربعة الآلاف) بزيادة أل
للضرورة.
٢٨
(والمكرَّرُ) منها (فوق ثلاثة ألوفاً) بالنصب على التمييز، أي ثلاثة آلاف
ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً كما (ذكروا) أي أبو محمد السرخسي(١) راوي
الصحيح ومن تبعه (٢)، أنَّ الذي لم يخرجه البخاري من الصحيح أكثر مما
خرَّجه(٣)، [وحينئذٍ فعدُّ النووي لأحاديث مسلم فائدة مستقلة] (٤).
على أنه قد أجيب - أيضاً - بغير هذا، فحملَ بعضُهم كلامَ ابن الأخرم
فيما فاتهما على الصحيح المجمع عليه، وحينئذٍ فلا يتعقب بالمستدرك، فقد
قال بعض الحفاظ(٥): إنه لم ير فيه على شرطهما إلا ثلاثة أحاديث(٦)، بل لم
يستثن غيره(٧) شيئاً.
[كما أن بعضهم حملَ كلام النووي على أحاديث الأحكام خاصة](٨)،
قال شيخنا: والظاهر [أن ابن الأخرم](٩) إنما أراد مما عرفاه واطلعا عليه مما
(١) هو: عبد الله بن أحمد بن حمويه بن يوسف أبو محمد السرخسي، المحدث الثقة،
المتوفى سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
((العبر)) للذهبي (١٧/٣)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٠٠/٣).
(٢) وقد نظمها أبو عبد الله ابن عبد الحق فقال:
بخاري خمس ثم سبعون للعد
جمیع أحاديث الصحيح الذي روی الـ
إلى مائتين عد ذاك أولو الجد
وسبعة آلاف تضاف وما مضى
انظر: ((هدي الساري مقدمة فتح الباري)) (ص٤٦٥).
(٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٦).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٥) هو: الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي، كما في ((النكت على ابن الصلاح))
(٣١٣/١ - ٣١٤).
(٦) انظر: الأحاديث الثلاثة في: ((النكت على ابن الصلاح)) (٣١٣/١ - ٣١٤).
(٧) هو: أبو سعد الماليني، كما سيأتي قريباً (ص٦٢).
(٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٩) كذا في (ح)، والذي في (س)، (م): أنه.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٥٩
أُصَحُّ ◌ُتپٍ الحدیث
يبلغ شرطهما، لا بقيد كتابيهما كما فهمه ابنُ الصلاح(١). انتهى(٢).
ويتأَيَّدُ بعدم موافقة التاج التبريزي (٣) على التقييد بكتابيهما، كما أوضحتُ كلَّ
هذا في النكت، مع فوائد لا يسعها هذا المختصر، منها أنَّ المعتمدَ في العدة سبعة
آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثاً، بزيادة مائة واثنين وعشرين، كل ذلك سوى
المعلقات والمتابعات والموقوفات على الصحابة، والمقطوعات عن التابعين فمن
بعدهم (٤)، والخالصُ من ذلك بلا تكرير ألفا حديث وستمائة وحديثان، وإذا ضُمَّ له
المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر منه، وهي مائة وتسعة
وخمسون(٥)، صارَ مجموعُ الخالص ألفي حديث وسبعمائة وأحداً وستين حديثاً (٦).
(١) في ((علوم الحديث)) (ص١٦).
(٢) من ((النكت)) لابن حجر (٢٩٨/١).
(٣) هو: أبو الحسن علي بن عبد الله بن أبي الحسن الأردبيلي، تاج الدين الشافعي،
المتوفى سنة ست وأربعين وسبعمائة.
((الدرر الكامنة)) (١٤٣/٣ - ١٤٦)، و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٣٢١/١ - ٣٢٢).
(٤) انظر: ((هدي الساري مقدمة فتح الباري)) (ص٤٦٨).
(٥) كذا في ((هدي الساري)) (ص٤٧٧)، وفي (ص٤٦٩) منه، و((فتح الباري)) (٥٤٣/١٣)
أنها مائة وستون.
(٦) ((هدي الساري)) (ص٤٧٧)، وفي حاشية (س) ما نصه: ((ذكر شيخ الإسلام الحافظ
شهاب الدين ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري في شرح باب كفران العشير
(٨٤/١): أن البخاري يذهب إلى جواز تقطيع الحديث، إذا كان ما يفصله منه لا
يتعلق بما قبله، ولا بما بعده تعلقاً يفضي إلى فساد المعنى، فصنيعه كذلك يوهم من
لا يحفظ الحديث أن المختصر غير التام؛ لا سيما إذا كان ابتداء المختصر من أثناء
التام، كما وقع في هذا الحديث ... إلى أن قال: فمن أراد عدَّ الأحاديث يظن أن
مثل ذلك حديثان، أي مع أنه في الحقيقة حديث واحد فصله البخاري كعادته، قال:
وقد وقع في ذلك من حكى أن عدته بغير تكرار أربعة آلاف أو نحوها، كابن الصلاح
والشيخ محيي الدين النووي ومن بعدهما، وليس الأمر كذلك، بل عدته على التحرير
ألفا حديث وخمسمائة وثلاثة عشر حديثاً، كما فصل ذلك في مقدمة المقدمة. اهـ.
ملحوظة: انظر: بحث أصح كتب الحديث في:
١ - ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣ - ١٧).
٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) للعراقي (٣٩/١ - ٥١).
٣ - ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٢٧٦/١ - ٣٠٠).
٤ - ((تدريب الراوي)) للسيوطي (ص٣٩ - ٥١).
٥ - ((توضيح الأفكار)) للصنعاني (٣٧/١ - ٦٢).
٦ - ((منهج ذوي النظر)) للترمسي (ص١٨ - ٢٤).

الصحيحُ الزائد على الصحيحين
٦٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الصحيحُ الزائد على الصحيحين
[ أي مظانه، لا على جهة الحصر أيضاً عند ابن الصلاح(١) الذي ذكره
لها مع كونه لم يعقد لها باباً لمذهبه فضلاً عن غيره](٢).
٢٩
(وخذ) أيها الطالب بعدما تقرَّرَ لك أنَّ الشيخين لم يستوعباه (زيادة
الصحيح) المشتمل على شرطيهما وغيره مما حكم له بالصحة، (إذ) أي: حيث
(تنص صحته) من إمام معتمد كأبي داود والترمذي والنسائي والدارقطني
والخطابي والبيهقي وغيرهم من أصحاب الكتب الشهيرة فيها .
وكذا في غيرها إذا صحَّ الطريقُ إليهم، كما إذا وُجِدَ ذلك عن يحيى بن
سعيد القطان وابن معين وغيرهما، ممن لم يشتهر لهم تصنيف خلافاً لابن
الصلاح(٣) فيما عدا الكتب الشهيرة بناء على مذهبه من عدم إمكان التصحيح
في الأزمان المتأخرة(٤)، لاستلزامه الحكم على السند الموصل إليهم بالصحة.
وما وقع في كلام النووي(٥) تَّتُ من التقييد بالتصانيف تبعاً لابن الصلاح
كأنه للاكتفاء بما صححه بعد من الإمكان(٦).
ثم إنَّه لا انحصار لأخذ الزيادة فيما سبق، بل تؤخذ إما منه (أو من
مصنَّف) بفتح النون (يخص بجمعه) أي الصحيح بمقتضى ما عند مصنفه [مما
يشترك معهما اجتماعاً وانفراداً في كثير منه](٧).
٣٠
(نحو) صحيح أبي حاتم (ابن حبان) بكسر المهملة ثم موحدة، محمد
(١) في ((علوم الحديث)) (ص١٧).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٣) ((في علوم الحديث)) (ص١٧).
(٤) انظر: المرجع السابق (ص١٣) وسيأتي الكلام عن هذه المسألة (ص٧٨).
(٥) في ((التقريب)) (ص٥١) مع التدريب.
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٦) انظر: المرجع السابق (ص٧٩).