Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
كتاب الذكر والدعاء
مجملة وهي الهداية للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن وهداية مفصلة
وهي هداية إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمنا والإسلام وإعانته على فعل
ذلك وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلا ونهارا ولهذا أمر الله عباده أن يقروؤا في
كل ركعة من صلاتهم قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾﴾(١) وكان
النبي وَلّ يقول في دعائه بالليل ((اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك
تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) ولهذا يشمت العاطس فيقال يرحمك
الله فيقول يهديكم الله كما جاءت السنة وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق
ظنا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يدعى له بالهداية وخالفهم جمهور العلماء
ابتاعا للسنة في ذلك، وقد أمر النبي وَل عليا زَّهُ أن يسأل الله السداد
والهدى وعلم الحسن أن يقول في قنوت الوتر اللهم اهدني فيمن هديت قاله
ابن رجب الحنبلي (٢).
قوله ◌َّية: ((قال الله تعالى: ومن استغفرني وهو يعلم أني ذو قدرة على أن
أغفر له غفرت له)) الحديث، وفي الصحيح عن النبي وَّل قال: ((والله لله أرحم
بعباده من الوالدة بولدها)»(٣) وكان بعض أصحاب ذي النون يطوف ينادي أه
من وجد قلبي فدخل يوما بعض السكك فوجد صبيا يبكي وأمه تضربه ثم
أخرجته من الداروأغلقت الباب دونه فجعل الصبي يتلفت يمينا وشمالا لا
(١) سورة الفاتحة، الآية: ٦.
(٢) جامع العلوم والحكم (٣٩/٢).
(٣) أخرجه: البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤)

٥٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
يدري أين يذهب ولا أين يقصد فرجع إلى باب الدار فجعل يبكي ويقول: يا
أماه من يَفْتَحُ لي الباب إذا أغلقت عني بابَك؟ ومن يُدنيني من نفسه إذا
طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أنْ غضبت عليَّ؟ فرحمته أمُّه، فقامت،
فنظرت من خلل الباب، فوجدت ولدها تجري الدموعُ على خديه متمعکا في
التراب، ففتحت البابَ، وأخذته حتى وضعته في حجرها، وجعلت تُقُبِّله،
وتقول: يا قُرَّة عيني، ويا عزيز نفسي، أنتَ الذيحملتني على نفسك، وأنتَ الذي
تعرَّضت لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتني لم تلقَ مني مكروهاً، فتواجد الفتى، ثم
قام، فصاح، وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدتُ قلبي. أ.هـ قاله ابن رجب(١).
قوله وَالّ: ((قال الله تعالى: ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم
ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أشقى رجل واحد منكم ما نقص ذلك
من سلطاني مثل جناح بعوضة)) الحديث، وفي الحديث الآخر سيأتي في الدعاء
((على قلب أتقى رجل)) وتقديره على تقوى أتقى أو على أتقى أحوال قلب
رجل، قال الطوفي: ومعناه أن تقوى العالم بأجمعه لا تزيد في ملك الله تعالى
شيئا وكذلك فجورهم لا ينقص من ملكه شيئًا لأن ملك الله تعالى مرتبط
بقدرته وإرادته وهما دائمان لا انقطاع لهما فكذا ما ارتبط بهما (٢) [٢٦٣ / أ]
وإنما عائد التقوى والفجور على أهلهما نفعا وضرا كما قال الشاعر(٣):
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٤)
(٢) كتاب التعيين في شرح الأربعين (ص ١٩٠)
(٣) قائل هذا البيت هو توبة بن الحمير، وهو من قصيدة له مطلعها: نأتك بليلى دارها لا
=

٥٤٣
كتاب الذكر والدعاء
وقد زعمت ليلى بأنني فاجر لنفسي تقاها أو عليها فجورها أ.هـ
وقال ابن رجب: هو إشارة إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق، ولو كانوا
كلهم بررة أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه
بمعصية العاصين، ولو كان الجن والإنس كلهم عصاة فجرة قلوبهم على
قلب أفجر رجل منهم، فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال
المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه من
الوجوه على أي وجه كان
قوله وَله: ((قال الله تعالى: ولو أن أولكم وآخركم)) إلى قوله ((سألوني حتى
تنتهي مسألة كل واحد منهم فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي))
الحديث، والمراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه وتعالى كما ملكه وأن ملكه
وخزائنه لا تنفذ ولا تنقص بالعطاء ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن
والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حث للخلق على السؤال
وإنزال حوائجهم به سبحانه وتعالى قاله ابن رجب(١).
=
تزورها ... وشطت نواها واستمر مريرها. الشاهد في قوله: أو عليها؛ حيث استشهد به
على أن أو ترد بمعنى الواو، أي: تكون لمطلق الجمع، وقيل: إنه لا حجة فيه؛ لأن أو فيه
للإبهام؛ لأنه قد علم ما حاله أتقی أو فجور.
انظر: الدرر اللوامع على همع الهوامع الشنقيطي ٢/ ١٨١، الأمالي الشجرية ٣١٧/٢،
الأزهية للهروي ص ١١٩، شرح شواهد المغني ١٩٤/١، مغني اللبيب، ١/ ٦٢، نزهة
الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر ص ١٠٩.
(١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٥٠)

٥٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
قوله تعالى: ((وذلك أني جواد ماجد واحد)) الجواد رواه البيهقي وغيره في
الأسماء الحسنى(١) ومعناه الواسع العطاء، وقيل: التفضيل بالنعم قبل
استحقاقها المتكفل للأمم بإدرار رزقها وجمعه جود وأجواد وأجاويد
والجود سعة العطاء وكثرته والله تعالى يوصف بالجود، وفي الترمذي من
حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ◌َّر: ((أن الله جود يحب الجود كريم
يحب الكرم» (٢)، وفي الأثر المشهور عن الفضيل بن عياض أن الله تعالى
يقول كل ليلة: ((أنا الجواد ومني الجود أنا الكريم ومني الكرم))(٣) فالله
سبحانه وتعالى أجود الأجودين وجوده يتضاعف في أوقات خاصة كشهر
رمضان وفيه أنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَتِى فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾(٤)
الآية.
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧)، وفي إسناده شهر بن حوشب وهو
صدوق كثير الأوهام كما قال الحافظ في التقريب (ت ٢٨٤٦) وقد صح الحديث من
رواية أبي ذر عند مسلم (٢٥٧٧) وغيره.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٧٩٩) وقال: حديث غريب وخالد بن إلياس يضعف ويقال ابن إياس
قلت: قال البخاري: فيه منكر الحديث ليس بشيء وقال النسائي: متروك وقال: مرة ليس
بثقة ولا يكتب حديثه. وأورده ابن حبان في المجروحين (٢٩٦) في ترجمة خالد بن
إلياس. وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٩٩/١): في إسناده مقال. وأورده ابن
الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧١٢) وقال لا يصح. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع
(١٦١٦).
(٣) أخرجه: أبو نعيم في الحلية ٨ / ٩٢ - ٩٣.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٦.

٥٤٥
كتاب الذكر والدعاء
قوله تعالى ((عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول
له كن فيكون» لأن ملکه عز وجل بين الكاف والنون إذا أراد شيئا قال له كن
فيكون، وفي بعض الأثر ((عطائي كلام ورضائي كلام)) أو كما قال إشارة إلى
کن فیکون.
قوله: وفي إسناده شهر بن حوشب [هو أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو
الجعد، شهر بن حوشب الأشعري الشامي. أصله من دمشق، وقيل: من
حمص، سكن البصرة. وهو تابعي مشهورروى عن أسماء بنت يزيد، وعن
نفر من الصحابة، منهم ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وأبو هريرة روى
عنه قتادة، ومعاوية بن قرة، وأبان بن صالح، وسماك بن حرب ومات سنة
مائة، أو قبلها بسنة، وقيل: غير ذلك، قال أحمد بن حنبل: ما أحسن حديثه،
ووثقه، وهو شامي من أهل حمص، وأظنه قال: هو کندي، وروی عن اسماء
بنت يزيد أحاديث حسانا وقال أحمد بن حنبل: عبد الحميد بن بهرام أحاديثه
مقاربة هي أحاديث شهر كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن، وإنما هي
سبعون حديثا، وهي طوال فيها حروف ينبغي أن تضبط ولكن يقطعونها،
وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد بن حنبل: ليس به بأس وقال عثمان بن
سعيد الدارمي: بلغني أن أحمد بن حنبل كان يثني على شهر بن حوشب
وقال الترمذي : قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام
عن شهر بن حوشب، وقال الترمذي أيضا، عن البخاري: شهر حسن
الحدیث. وقوی أمره، وقال: إنما تكلم فيه ابن عون، ثم روى عن هلال بن

٥٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
أبي زينب عنه قال ابن عون تركوه، وقال شبابة عن شعبة لقيت شهرا فلم
أعتد به وقال ابن عدي شهر ممن لا يعتد بحديثه ولا یتدین بحديثه، وقال أبو
حاتم: ليس بدون أبي الزبير ولا يحتج به، وقال النسائي وغيره ليس بالقوي،
وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: شهر ثقة طعن فيه بعضهم،
ووثقه ابن معين وأحمد بن حنبل والعجلي والفسوي، وروى له مسلم
مقرونا واحتج به غيره واحد(١)].
قوله: وإبراهيم بن طهمان [إبراهيم بن طهمان بن شعبة الخراساني، أبو
سعید الهروي ولد بهراة، وسكن نيسابور، وقدم بغداد، وحدث بها، ثم سكن
مكة حتى مات بها وثقه أحمد وأبو حاتم وقال عثمان بن سعيد الدارمي: كان
ثقة في الحدیث، لم يزل الأئمة یشتهون حديثه، ويرغبون فيه ويوثقونه، وقال
أبو داود: ثقة وكان من أهل سرخس، فخرج يريد الحج فقدم نيسابور،
فوجدهم على قول جهم، فقال: الإقامة على هؤلاء أفضل من الحج. فنقلهم
من قول جهم إلى الإرجاء، وقال صالح بن محمد الحافظ: ثقة حسن
الحديث، يميل شيئا إلى الإرجاء في الإيمان، حبب الله حديثه إلى الناس،
جيد الرواية، وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرواية،
كثير السماع، ما كان بخراسان أكثر حديثا منه، وهو ثقة، وقال أبو الصلت
عبد السلام بن صالح الهروي: سمعت سفيان ابن عيينة يقول: ما قدم علينا
خراساني أفضل من أبي رجاء عبد الله بن واقد الهروي. قلت له: فإبراهيم بن
(١) جامع الأصول (٥٠٩/١٢)، وتهذيب الكمال (١٢ / الترجمة ٢٧٨١).

٥٤٧
كتاب الذكر والدعاء
طهمان؟ قال: كان ذاك مرجئا، قال أبو الصلت: لم يكن إرجاؤهم هذا
المذهب الخبيث أن الإيمان قول بلا عمل. وأن ترك العمل لا يضر بالإيمان،
بل كان إرجاؤهم أنهم يرجون لأهل الكبائر الغفران، ردا على الخوارج
وغيرهم الذين يكفرون الناس بالذنوب. وكانوا يرجئون ولا يكفرون
بالذنوب، ونحن كذلك، سمعت وكيع بن الجراح يقول: سمعت سفيان
الثوري يقول في آخر أمره: نحن نرجو لجميع أهل الكبائر الذین یدینون دیننا،
ويصلون صلاتنا وإن عملوا أي عمل. وكان شديدا على الجهمية مات
إبراهيم بن طهمان سنة ثمان وستين ومئة بمكة (١)].
٢٤٩٩ - وَعَن أنس رَظِلَّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله وَّهِ يَقُول قَالَ الله يَا ابْن
آدم إِنَّك مَا دعوتني ورجوتني غفرت لَك على مَا كَانَ مِنْك وَلَا أَبَالِي يَا ابْن آدم
لَو بلغت ذنوبك عنان السَّمَاء ثمَّ استغفرتني غفرت لَك وَلَا أُبَالِي يَا ابْن آدم
إِنَّك لَو أتيتني بقراب الأَرْض ◌َخَطَايَا ثمَّ لقيتني لا تشرك بِي شَيْئًا لأتيتك
بقرابها مغْفرَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب (٢).
الْعَنَانِ بِفَتْحِ الْعِينِ الْمُهْمِلَة هُوَ السَّحَاب.
وقراب الأَرْض بِضَم الْقَاف مَا يُقَارب ملأها.
قوله: وعن أنس بن مالك زقوته، تقدم الكلام عليه.
قوله {َّي: ((يقول الله تعالى يا ابن آدم)) فآدم قيل هو أعجمي لا اشتقاق له
(١) تهذيب الكمال (٢ / ترجمة ١٨٦).
(٢) الترمذي (٣٥٤٠)، وقال: حديث حسن وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٣٣٨).

٥٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقيل عربي من أديم الأرض لأنه خلق منه وهو لا ينصرف للعلمية ووزن
الفعل إذ وزنه أفعل مثل أحمد(١).
قوله وَيليه: ((قال الله تعالى: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما
كان منك)) أي: مدة دعائك يعني على كثرة ذنوبك وخطاياك ولا يتعاظمني
ذلك ولا استكثره، وفي الصحيح عن النبي وَ ﴾ قال: ((إذا دعا أحدكم فليعظم
الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء))(٢). فذنوب العبد وإن عظمت فإن عفو الله
ومغفرته أعظم منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته. أ.هـ(٣)،
وأما معنى الحديث فالدعاء سؤال النفع والصلاح والرجاء تأميل الخير وهو
اعتقاد قرب وقوعه لأن الدعاء مخ العبادة والرجاء [٢٦٣/ ب] يتضمن
حسن الظن بالله تعالى، والله تعالى يقول ((أنا عند ظن عبدي بي)) (٤) وعند
ذلك تتوجه رجمة الله عز وجل إلى العبد وإذا توجهت لا يتعاظمها شيء
لأنها وسعت كل شيء.
قوله تعالى: ((ولا أبالي)) كأنه من البال فإذا قال القائل لا أبالي كأنه قال: لا
يشتغل بالي بهذا الأمر او شبيه بذلك.
قوله وقالله: (يقول الله تعالى: يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء)) عنان
(١) التعيين في شرح الأربعين (ص ٣٣٤).
(٢) مسلم (٢٦٧٩)
(٣) جامع العلوم والحكم (٤٠٦/٢)
(٤) البخاري (٧٥٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة، به.

٥٤٩
كتاب الذكر والدعاء
السماء قيل هو السحاب كذا قاله المنذري، وقيل: ما عد لك أي ظهر إذا رفعت
رأسك ومعنى ((لو بلغت ذنوبك عنان السماء)) أي: ملأت الأرض والفضاء حتى
ارتفعت إلى السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي وذلك أن الله عز وجل
كريم والاستغفار استقالة والكريم يقيل العثرة ويغفر الذلة، قال حاتم الطائي:
وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ إِدِّخَارَه وَأَعْرِضُ عَنْ قَوْلِ الَِّئِيمِ تَكَرُّمَا(١)
في التنزيل إن الله يغفر الذنوب جميعا وهذا الحديث على عمومه لأن
الذنب إما شرك فيغفر بالاستغفار منه وهو الإيمان أو دونه فيغفر بالاستغفار
منه وهو سؤال المغفرة وحقيقةُ لفظِ الاستغفارِ: اللَّهمَّ اغفر لي، ويقوم مقامه:
أستغفر الله؛ لأنه خبر في معنى الطّلب(٢).
قوله وَّير: ((يقول الله تعالى: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا
ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة)) الحديث معناه أن الإيمان
شرط في غفران الذنوب التي هي دون الشرك لأن الإيمان أصل يبني عليه
قبول الطاعات وغفران المعاصي، أما مع الشرك فلا أصل يبني عليه ذلك
قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءً مَّنثُورًا
﴾(٣)(٤) انتهى قاله الطوفى.
(٣)(٤)
٢٣
(١) ديوان شعر حاتم بن عبد الله الطائي وأخباره ص ٢٣٨ ورواية الديوان هكذا. وأغفِرُ عَورَاءَ
الكريمِ اصطِنَاعَهُ ... وأصفَحُ عن شتم اللئيم تكرمًا
(٢) التعيين (ص ٣٣٥).
(٣) سورة الفرقان، الآية: ٢٣.
(٤) التعيين (ص ٣٣٦).

٥٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
فقد تضمن حديث أنس المذكور أن الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة:
أحدها الدعاء مع الرجاء فإن الدعاء مأمور به وموعود عليه بالإجابة كما قال
الله تعالى ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(١) ومن أعظم شرائطه
حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى؛ السبب الثاني للمغفرة: الاستغفار
ولو عظمت الذنوب وبلغت في الكثرة عنان السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر
منها كما تقدم والاستغفار طلب المغفرة والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع
سترها وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار فتارة يؤمر به كقوله تعالى:
﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢) ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ
غَفَّارًا﴾(٣) ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَعًا حَسَنًا﴾(٤)
وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾(٥) وتارة يذكر أن
الله يغفر لم استغفره كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾(٦)
الآية، وتارة يفرد الاستغفار ويرتب عليه المغفرة كما ذكر في الحديث وهو
حديث أنس وما أشبهه فقد قيل: أريد به الاستغفار المقرن بالتوبة، وقيل: إن
نصوص الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيد بما ذكر في آل عمران من عدم
(١) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٢) سورة المزمل، الآية: ٢٠.
(٣) سورة نوح، الآية: ١٠.
(٤) سورة هود، الآية: ٣.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٧.
(٦) سورة النساء، الآية: ١١٠.

٥٥١
كتاب الذكر والدعاء
الإصرار فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد؛
السبب الثالث: من أسباب المغفرة التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد
المغفرة ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾(١) فمن جاء مع
التوحيد بقُراب الأرض -وهو ملؤها أو ما يُقارب ملأها- خطايا،لقيه الله
بقُرابها مغفرة، لكنَّ هذا مع مشيئة الله -عز وجل-، فإنْ شاء غَفَرَ له، وإنْ شاء
أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أنْ لا يُخلَّد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل
الجنَّة أ.هـ، قاله الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي والله أعلم (٢).
تتمة: وعن بعض العباد أنه كان يطوف ليلة يسأل ربه في الطواف أن
يعصمه عن معصيته ثم غلبته عيناه فقام فسمع قائلا يقول: انت تسألني
العصمة [٢٦٤ / أ] وكل عبادي يسألوني بعصمة فإذا عصمتهم، فعلى من
أجود بمغفرته وعفوي وعلى من أتوب وأين كرمي وعفوي ومغفرتي وفضلي
ويا ابن آدم إذا أمنت بي ولم تشرك بي شيئا أقمت حملة العرش ومن حوله
يسبحون بحمدي ويستغفرون لك وأنت على فراشك، أ.هـ(٣).
قوله: رواه الترمذي، الترمذي: يجوز فيه ضم التاء والميم، وفتحهما،
وكسرهما ذكره الطوفي في شرحه على الأربعين النووية والله تعالى أعلم (٤).
(١) سورة النساء، الآية: ٤٨.
(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤١٧)
(٣) إحياء علوم الدين (٤ /١٥٢) وهو قول إبراهيم بن أدهم رحمة الله
(٤) التعيين (ص ٣٣٦).

٥٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
٢٥٠٠ - وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَهُ عَنِ النَِّي ◌َِّ قَالَ قَالَ إِبْلِيس
وَعَزَّتَك لَا أَبْرَح أغوي عِبَادكِ مَا دَامَت أَزْوَاحهم فِي أَجْسَادهم فَقَالَ وَعِزَّتِي
وَجَلَالِي لَا أَزَالِ أَغفر لَهُم مَا استغفروني رَوَاهُ أَحْمَد وَالْحَاكِم من طَرِيق دراج
وَقَالَ الْحَاكِمِ صَحِيحِ الْإِسْنَادِ (١).
قوله: وعن أبي سعيد الخدري رَقَّهُ، هو: سعد بن مالك بن سنان
الخدري بخاء معجمة مضمومة بعدها دال مهملة ساكنة نسبة إلى خدرم اسم
قبيلة من الأنصار وإنما ضبطت هذا اللفظ على ظهوره لأن بعض مشايخنا
الفضلاء أخبرني أنه تنازع هو وولده، وکان أيضًا فاضلا، في الخدري هل هو
بدال مهملة أو معجمة وأنهما سألا عن ذلك الشيخَ تقي الدين ابن دقيق العيد
رحمه الله فأخبرهما أنها بدال مهملة قاله الطوفي. (٢)
قال العلماء قوله وَاللّ: ((قال إبليس وعزتك لا أبرح أغوي عبادك))
الحديث، تقدم الكلام على إبليس، قال العلماء: والمشهور أن جميع الجن
من ذرية إبليس، وقال القاضي عياض (٣) والأكثر أنه أبو الجن كما أن آدم أبو
البشر وبذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة لأن الملائكة لا يتناسلون
(١) أحمد (١١٢٣٧)، والحاكم (٢٦١/٤)، وأبو يعلى (١٣٩٩)، وقال الهيثمي في مجمع
الزوائد (٢٠٧/١٠)، رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي أحمد
رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى، وحسنه الألباني في صحيح الجامع
(١٦٥٠).
(٢) التعيين (ص ٢٣٤).
(٣) الشفا (٢ / ١٧٧).

٥٥٣
كتاب الذكر والدعاء
لأنهم ليس فيهم إناث وقيل الجن جنس وإبليس واحد منهم فمن كفر من
الجن يقال له شيطان(١) واختلف العلماء في أنه من الملائكة من طائفة يقال
لهم الجن أم ليس من الملائكة والصحيح أنه من الملائكة قاله ابن عباس
وابن مسعود وقتادة وابن جريج والزجاج وابن الأنباري: كان إبليس من
الملائكة، وكان اسمه عَزَازِيل فلما عصى الله تعالى لعنه الله وجعله شيطانًا
مريدًا، وسماه إبليس(٢)، وعن الحسن قال: قال إبليس سولت لأمة محمد
(١) حياة الحيوان (٣٠٠/١).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١٠٧/١)، وقال ابن جرير- رحمه الله -: حدثني موسى بن
هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في خبر ذكره، عن أبي
مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من
أصحاب النبي ◌َّر: ((جعل إبليس على ملك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة
يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن؛ لأنهم خزان الجنة. وكان إبليس مع ملكه خازنا)).
جامع البيان (٥٠٣/١). الإسناد من طريق السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس،
ضعيف؛ لضعف أبي صالح باذان، وللانقطاع حيث أنه لم يسمع من ابن عباس. جاء عند
أبي الشيخ في العظمة (١٦٧٦/٥) (١١١٨) من طريق أبي بسطام، عن الضحاك قال:
(اختلف ابن عباس وابن مسعود-،-في إبليس-لعنه الله تعالى- فقال أحدهما: كان سبطا
من الملائكة يقال لهم: الجن) وهو ضعيف، أبو بسطام يحيى بن عبد الرحمن التميمي،
قال أبو حاتم: ليس بالقوي. ميزان الاعتدال (٦٨/٦)، فتح الباب في الكنى والألقاب
لابن منده (ص ١٦٩)، والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس
قال القرطبي في تفسير سورة (البقرة)): إن كونه من الملائكة هو قول الجمهور: ابن عباس،
وابن مسعود، وابن جريج، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبي
الحسن، ورجحه الطبري، وهو ظاهر قوله ((إلا إبليس)) اهـ وما يذكره المفسرون عن

٥٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
المعاصي فقطعوا ظهري بالاستغفار فسولت لهم ذنوبا لا يتغفرون منها يعني
الأهواء(١) والله أعلم، وقال وهيب ابن الورد، بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن
زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له: أنصحك فقال له لا أريد ذلك، ولكن
أخبرني عن بني آدم فقال: هم عندنا ثلاثة أصناف: صنف منهم هم أشد
الأصناف عندنا نقبل علی أحدهم حتی نفتنه عن دینه، ونتمکن منه ففزع إلى
الاستغفار والتوبة، فيفسد علينا كل شيء نصيبه منه، ثم نعود إليه فيعود فلا
نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا، فنحن معه في عناء، وصنف منهم
في أيدينا كالكرة في أيدي صبيانكم نتلقفهم كيف شئنا قد كفونا مؤنة أنفسهم،
وصنف منهم مثلك هم معصومون لا نقدر منهم على شيء.
قاله في حياة الحيوان(٢)، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد أينام إبليس قالوا: لو
نام لوجدنا راحة (٣) فلا خلاص للمؤمن من شره إلا بتقوى الله قال في الإحياء(٤)
قبيل باب بيان دواء الصبر: من غفل عن الله تعالى ولو في لحظة فليس له في تلك
اللحظة قرين إلا الشيطان ولذلك قال تعالى: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ
=
جماعة من السلف كابن عباس وغيره: من أنه كان من أشراف الملائكة، ومن خزان
الجنة، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا، وأنه كان اسمه عزازيل كله من الإسرائيليات التي
لا معول عليها. انظر: تهذيب الأسماء واللغات (١٠٧/١)
(١) أخرجه هناد في الزهد (٩٢٨)
(٢) حياة الحيوان (١ / ٤١٠)
(٣) أخرجه أحمد في الزهد (١٥٠٦)
(٤) إحياء علوم الدين (٤/ ٧٤-٧٥)

٥٥٥
كتاب الذكر والدعاء
نُقَيِّضْ لَهُو شَيْطَنَا فَهُوَ لَّهُ قَرِينٌ ﴾﴾(١) وقال ◌َله: إن الله يبغض الشاب
الفارغ (٢) لأن الشاب إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه
كان ظاهره فارغا ولم يبق قلبه فارغا بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرخ ثم
تزدوج أفراخه أيضا وتبيض مرة أخرى وتفرخ وهكذا يتوالد نسل الشيطان
توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأن طبعه من النار وإذا وجد الحلفاء
اليابسة كثر توالده فلا يزال تتوالد النار من النار ولا تنقطع البتة بل تسري شيئا
فشيئا على الاتصال فالشهوة في نفس الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار
وكما لا تبقى النار إذا لم يبق لها قوت وهو الحطب فلا يبقى للشيطان مجال إذا
لم تكن شهوة فإذن إذا تأملت علمت أن أعدى عدوك شهوتك وهي صفة
نفسك ولذلك قال الحسين بن منصور الحلاج (٣) جين كان يصلب وقد سئل
(١) سورة الزخرف، الآية: ٣٦.
(٢) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (٧٣/٤ - بحاشية الإحياء-): غريب، لم أجده.
وقال ابن السبكي في طبقات الشافعية (٣٥٩/٦): لم أجد له إسنادًا.
(٣) الحسين بن منصور الحلاج. المقتول على الزندقة. ما روى ولله الحمد شيئا من العلم
وكانت له بداية جيدة وتأله وتصوف ثم انسلخ من الدين وتعلم السحر وأراهم المخاريق.
أباح العلماء دمه فقتل سنة ٣٠٩. انتهى. وهذه الترجمة مجملة وأخبار الحلاج كثيرة
والناس مختلفون فیه وأكثرهم على أنه زنديق ضال.
له ترجمة في: البداية والنهاية لابن كثير ١٣٢/١١، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي
١١٢/٨، العبر ١٣٨/٢، الفهرست لابن النديم ١٩٠، لسان الميزان للذهبي ٣١٤/٢،
مرآة الجنان اليافعي ٢٥٣/٢، المنتظم لابن الجوزي ٦/ ١٦٠، النجوم الزاهرة لابن
تغري بردي ٣/ ٢٠٢، وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٤٠٥.

٥٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عن التصوف ما هو فقال هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك.
وروي البيهقي في شرح الأسماء الحسنى [٢٦٤/ ب] في آخر باب قوله:
﴿مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾(١)، عن عمر بن زر قال: سمعت عمر
بن عبد العزيز يقول: لو أن أراد الله أن لا يعطي لم يخلق إبليس، وقد تبين
ذلك في آية من كتاب الله عز وجل وفصلها ، علمها من علمها وجهلها من
جهلها ﴿مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِنِينَ ﴾ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ﴾﴾(٢)(٣).
فائدة: قال بعضهم: كفر إبليس لأنه استنقص نبيا وهو آدم ◌َشَلم ومن
استنقص نبيا كفر، وفي الخبر أن الله يخرجه كل مائة ألف سنة ويخرج آدم من
الجنة ويأمره بالسجود له فيأبي ثم يرده الله إلى النار وكذلك أبد الآبدين.
قال النيسابوري قال بعضهم: وإنما استجاب الله دعاءه بإنظاره مكافأة له
بعبادته التي مضت ليعلم أنه لا يضيع أجر المحسنين، ويقال: إن إبليس قال
يارب إن عبادك يزعمون أنهم يبغضوني ويطيعوني ويزعمون أنهم يحبونك
ويعصونك فقال الله تعالى: (قد وهبت عصيانهم لمحبتهم إياي ووهبت
طاعتهم لك ببغضهم إياك) (٤).
(١) سورة الأنعام، الآية: ١١١.
(٢) سورة الصافات، الآية:
(٣) الأسماء والصفات (٣٢٧)
(٤) كشف الأسرار (لوحة ١٣).

٥٥٧
كتاب الذكر والدعاء
٢٥٠١ - وَرُوِيَ عَن أنس بن مَالك ◌َوَهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله وَيٍّ أَلا أدلكم
على دائكم ودوائكم أَلا إِن داءكم الذُّنُوب ودواءكم الاسْتِغْفَار رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ
(١) وَقَدْ رُوِيَ عَن قَتَادَة من قَوْله وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ (٢).
قوله: وعن أنس بن مالك قوته، تقدم الكلام علیه.
قوله وَّير: ((ألا أدلكم على دائكم ودوائكم ألا إن داءكم الذنوب ودواء كم
الاستغفار)) قال العلماء: الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقدة الإصرار
وينتشر معناه في القلب لا اللفظ باللسان فأما من قال بلسانه أستغفر الله وقلبه
مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار وصغيرة لاحقة
بالكبائ(٣) قال مكحول: ما رأيت أحدا أكثر استغفارا من أبي هريرة وكان
مكحول كثير الاستغفار(٤)، وقال يحيى بن معاذ: كم من مستغفر ممقوت
وساکت مرحوم(6)، أ.هـ.
٢٥٠٢ - وَعَن عبد الله بن عَبَّاسِ رَ لَّهَا قَالَ قَالَ رَسُول اللهِ وٍَّ من لزم
الاسْتِغْفَار جعل الله لَهُ من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من
حَيْثُ لَا يحْتَسِب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيّ كلهم
(١) البيهقي في شعب الإيمان (٧١٤٧).
(٢) البيهقي في شعب الإيمان (٤١٤٦).
(٣) التذكرة (ص ٢١٤) وتفسير القرطبى (٢١٠/٤).
(٤) أخرجه أحمد في الزهد (٢١١)
(٥) أخرجه الخطيب في الرقائق (٢٣)

٥٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
من رِوَايَة الحكم بن مُصعب وَقَالَ الْحَاكِمِ صَحِيحِ الْإِسْنَاد (١).
قوله: وعن عبد الله بن عباس ◌َقَالَّهما، تقدم الكلام عليهما.
قوله وقال: ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق
مخرجا)) الحديث، والمراد بالملازمة الإكثار منه بحيث يغلب عليه صفة
الاستغفار فالمراد بلزوم الاستغفار الإكثار منه في الليل والنهار وهذا هو
المشار إليه بقوله تعالى ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴾ يُرْسِلِ
السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴾﴾(٢) الآية، والغفار وغافر وغفور وهي من أمثلة
المبالغة المتجاوز عن خطاياهم وذنوبهم وأصل الغفران التغطية يقال غفر الله
لك ويغفر غفرا وغفرانا ومغفرة والمغفرة إلباس الله تعالى العفو للمذنبين اهـ
قاله في الديباجة(٣).
قوله من رواية الحكم بن مصعب [الحكم بن مصعب القرشي المخزومي
الدمشقي روى عن: محمد بن علي بن عبد الله بن عباس صويلح الحديث لم
يرو عنه غير الوليد بن مسلم فيما أعلم، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي
الضعفاء أيضا وقال يخطئ].
(١) أبو داود (١٥١٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٢٩٠)، وابن ماجه (٣٨١٩)،
والحاكم (٢٦٢/٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦٤٥)، وضعفه الألباني في ضعيف
الجامع (٥٨٢٩).
(٢) سورة نوح، الآيتان: ١٠ - ١١.
(٣) كتاب الديباجة في شرح سنن ابن ماجه لا يزال مخطوطًا كما سبق الاشارة الى هذا.

٥٥٩
كتاب الذكر والدعاء
٢٥٠٤ - وَعَنِ الزبير زَّوَّهُ أَنْ رَسُول اللهِ وَيِّ قَالَ من أحب أَن تسرهُ
صَحِيفَته فليكثر فِيهَا من الاسْتِغْفَارِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِ لَا بَأْس بِهِ (١).
قوله: وعن الزبير زَقَّه هو أحد العشرة هو أبو عبد الله الزبير بضم الزاي
ابن العوام الأسدي القرشي المدني(٢) يلتقي مع رسول الله وَّ﴾ في قصي وأم
الزبير صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﴾﴾ أسلمت وهاجرت وقد
خرجت إلى المدينة أسلم الزبير قديما في أول الإسلام أسلم وهو ابن خمس
عشرة سنة وقيل ستة عشرة وقیل ابن ثنتي عشرة سنة وکان إسلامه بعد إيلام
أبي بكر الصديق زَّلَهُ بقليل، قيل كان رابعا أو خامسا وهو أحد العشرة
المشهود لهم بالجنة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن
أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح
وهاجر الزبير إلى الحبشة ثم إلى المدينة وآخر رسول الله وَ خلال بينه وبين عبد
الله بن مسعود حين آخي بين المهاجرين بمكة فلما قدم رسول الله وَله
المدينة وآخي بين المهاجرين والأنصار آخي بينه وبين سلمة بن سلامة بن
وقش وكان الزبير أول من سل سيفا في سبيل الله شهد بدرا وأحدا والخندق
والحديبية وخيبر وفتح مكة وحصار الطائف والمشاهد كلها مع رسول
(١) البيهقي في شعب الإيمان (٦٤٨)، والطبراني (٨٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
(٢٠٨/١٠)، رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، وحسنه الألباني في صحيح الجامع
(٥٩٥٥).
(٢) تهذيب الأسماء واللغات: ١٩٤/١ - ١٩٦، تهذيب الكمال: ٤٢٩.

٥٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
[٢٦٥ / أ] الله وَللر وشهد فتح مصر وكان أسمر ربعة معتدل اللحم خفيف
اللحية ومناقبه كثيرة مشهورة والله أعلم.
قوله وَالر: ((من أحب أن تسره صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار))
الاستغفار في حق الأنبياء يكون على سبيل الشكر وفي حق الأمة قد يكون عن
تقصير ووجه التقصير عدم القيام بشكر النعمة وقد يكون الاستغفار عن ذنب
فيكون واجبا والله أعلم(١).
وعن عائشة رُّالَِّهَا أن النبي وَّ كان يقول ((اللهم اجعلني من الذين إذا
أحسنوا استبشروا وإذا أساءوا استغفروا)) انفرد به ابن ماجه(٢)، وهذا
الحديث له قصة ذكرها الحافظ أبو نعيم في الحلية (٣) فرواه عن الزهري عن
عروة بن الزبير عن عائشة قالت: حدثني رسول الله وَّلين: ((إن أول ما خلق الله
تعالى العقل فقال له أقبل فأقل ثم قال أدبر فأدبر ثم قال: ما خلقت خلقا
أحسن منك بك آخذ وبك أعطي)) فذكر الحديث إلى أن قال ((وخيار أمتي
(١) قال البغوي رحمه الله: الاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوة على أحد الوجوه الثلاثة: إما لذنب
تقدم على النبوة أو لذنوب أمته وقرابته، أو لمباح جاء الشرع بتحريه فيتركه بالاستغفار،
فالاستغفار يكون معناه: السمع والطاعة لحكم الشرعمعالم التنزيل (٢٨٤/٢)
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٢٠) قال البوصيري (١٣٥/٤): هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان،
وهو ضعيف انظر التقريب (٤٧٣٤). والبيهقي في شعب الإيمان (٦٩٩٢)، والخطيب
(٢٣٣/٩)، وابن عساكر (٦٢/٤). وأخرجه أيضًا: إسحاق بن راهويه (١٣٣٦)، والطيالسي
(١٥٣٣)، وأبو يعلى (٤٤٧٢). وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١١٦٨).
(٣) حلية الأولياء (٣١٨/٧)