Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب قراءة القرآن
سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانية الله وصفاته ليس
موجوداً في [تبت يدا أبي لهب] [وما كان] مثلها وهذا هو الحق، وقال بذلك
إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين [وهو اختيار القاضي أبي بكر
بن العربي وابن الحصار لحديث أبي سعيد بن المعلى خرجه البخاري. قال:
کنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله گی﴾ فلم أجبه، فقلت يا رسول الله إني
كنت أصلي فقال: ((ألم يقل الله استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم)) ثم قال:
(لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد)) ثم أخذ
بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم السور في
القرآن؟ قال: ((الحمد لله رب العالمين وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي
أوتيته)) وحديث أبي بن كعب رَّهُ قال: قال رسول الله وَّة: ((ما أنزل الله في
التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن وهي السبع المثاني وهي مقسومة بيني وبين
عبدي ولعبدي ما سأل)) (١)] والله أعلم.
قوله: قال بلى، فتلا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾، في معنى الرب أربعة
أقوال حكاها الماوردي وغيره، المالك والسيد والمدبر والمربي الأولان من
صفات الذات والأخيران من صفات الأفعال، فإن وصف الله تعالى برب لأنه
مالك أو سید فهو من صفات الذات، وإن وصف به لأنه مدبر خلقه ومربیھم فهو
من صفات فعله، ومتى دخلت الألف واللام فقيل الرب اختص بالله تعالى، وإن
حذفتا جاز إطلاقه على غيره فقيل: رب المال ورب الدار ونحو ذلك والعالمين
(١) تفسير القرطبى (١٠٩/١- ١١٠)، والتذكار (ص ٤١ - ٤٢).

١٤٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
جمع عالم وليس للعالم واحد من لفظه، وقد اختلف العلماء من أهل اللغة
والمتكلمين والمفسرين في حقيقته، قال الأكثرون: على أنه جميع المخلوقات
وإنما جمع باعتبار أنواعه، وقال جماعة هم الملائكة والجن والإنس، قيل:
والشياطين أيضً، وقيل: بنو آدم خاصة قاله الحسين بن الفضل و[أبو] معاذ
النحوي، وقيل: العالم الدنيا وما فيها [والصحيح] الأول، ثم قيل: هو مشتق من
العلامة لأن كل مخلوق علامة على وجود صانعه، وقيل: من العلم فيختص
بالعقلاء(١) قاله في شرح الإلمام (٢) أ.هـ، وتقدم الكلام على أفضل.
٢٢٤٠ - وَعَن أبي هُرَيْرَة رََّهُ قَالَ سَمِعت رَسُول اللهِ وَِّهِ يَقُول قَالَ الله
تَعَالَى قسمت الصَّلَاة بيني وَبَيْن عَبدِي نِصْفَيْنِ ولعبدي مَا سَأَلَ.
وَفِي رِوَايَة فنصفها لِي وَنِصْفِهَا لعبدي فَإِذا قَالَ العَبْدِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
اُلْعَلَمِينَ ﴾﴾ قَالَ الله حمدني عَبدِي فَإِذا قَالَ ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ قَالَ أثنى
عَلَيّ عَبدِي فَإِذا قَالَ ﴿ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾ قَالَ مجدني عَبدِي فَإِذا قَالَ ﴿إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴾ قَالَ هَذَا بيني وَبَيْن عَبدِي ولعبدي مَا سَأَلَ فَإِذا قَالَ
﴿أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾﴾ قَالَ هَذَا لعبدي ولعبدي مَا سَأَلَ رَوَاهُ مُسلم(٣).
(١) النكت والعيون (٥٤/١-٥٥)، والتفسير البسيط (٤٨٩/١-٤٩٢)، وتفسير القرطبى
(١٣٨/١-١٣٩)، وتحرير ألفاظ التنبيه (ص ٦٤)، وشرح النووي على مسلم (٥٨/٦).
(٢) سبق وقد أشرنا إلى أن الكتاب لم يطبع بكامله.
(٣) مسلم (٣٩٤).

١٤٣
كتاب قراءة القرآن
قَوْله قسمت الصَّلَاة يَعْنِي الْقِرَاءَة بِدَلِيلِ تَفْسِيرُه بِهَا وَقد تسمى الْقِرَاءَة
صَلَاة لكَونِهَا جُزْءا من أَجْزَائِهَا وَالله أعلم.
قوله: وعن أبي هريرة نظّمته، تقدم الكلام عليه.
قوله وَلّ: ((قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي
ما سأل)» وفي رواية ((فنصفها لي ونصفها لعبدي)) الحديث، قال الحافظ: قوله
((قسمت الصلاة)) يعني القراءة بدليل تفسيره بها، وقد تسمى القراءة صلاة
لكونها جزء منأجزائها، أ.هـ، وقال غيره: أراد بالصلاة القراءة لكونها جزءا من
أجزائها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾(١) أي: بقراءتك والمراد
بالصلاة قراءة الفاتحة، ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة، قال العلماء:
والمراد قسمتها من جهة المعنى لأن الأول تحميد الله تعالى وتمجيده وثناء
عليه وتفويض إليه والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار والمراد أنها
مقسومة للعبادة والمسألة فالعبادة حق الرب والمسألة حق العبد، وليس
المراد كلماتها على السواء، وقال الخطابي رحمه الله(٢): حقيقة التقسيم في
قوله: ((نصفين)) راجعة إلى المعنى لا إلى الألفاظ المتأثرة لأن السورة من
جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها دعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴾، وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة ونصفها سفر
يريد به أيام السنة مدة للسفر ومدة للإقامة [٢١٧/ ب] لا على سبيل التعديل
(١) سورة الإسراء، الآية: ١١٠.
(٢) معالم السنن (١/ ٢٠٣).

١٤٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
والتسوية بينهما حتى لا يزيد أحدهما على الآخر، ثم التنصيف لا يلزك منه
التساوي كما سمي الوضوء شطر الإيمان والفرائض نصف العلم، ويؤيده أن
النصف باعتبار الحروف والكلمات غير معتبرة، وقال الإمام شهاب الدين
التوربشتي(١): الأظهر أن التنصيف ينصرف إلى آيات السورة لأن الفاتحة
سبع آيات فثلاث منها ثناء وثلاث منها مسألة والآية المتوسطة بين آيات
الثناء وآيات المسألة نصفها ثناء ونصفها دعاء، وهذا التأويل إنما يستقيم
على مذهب من لم يجعل التسمية آية من الفاتحة وهو بين واضح والحديث
يحكم على من خالفه، وروي أبو عبد الله الحاكم في صحيحه هذا الحديث
بإسناده عن أبي هريرة وذكر فيه: «فإذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم قال
الله: ذكرني عبدي)) وهذا يؤيد مذهب من جعل التسمية من الفاتحة، وأجاب
من جعل البسملة آية من الفاتحة بأجوبة: أحدها: أن التنصيف عائد إلى
جملة الصلاة لا إلى الفاتحة هذا حقيقة اللفظ، والثاني: أن التنصيف عائد إلى
ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، والثالث: معناه فإذا انتهى العبد في
قراءته إلى الحمد لله رب العالمين، والله أعلم.
قوله وَ له: ((فإذا قال العبد ﴿الْخَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾، قال الله:
حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾، قال: أثنى عليّ عبدي)) لم
يذكر البسملة فاحتج بهذا الحديث من لا يرى البسملة منها، فقال: لو كانت
(١) الميسر (٢٣٩/١).

١٤٥
كتاب قراءة القرآن
منها لذكرها(١).
قوله وَالّ: «فإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾، قال: مجدني عبدي))؛ اعلم
أن قوله: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾ أن الله تعالى منفرد بالملك ذلك اليوم
[وبجزاء] العباد وبحاسبهم، والدين الحساب، وقيل: الجزاء ولا دعوى
لأحد ذلك اليوم ولا حقيقة ولا مجازا، وأما في الدنيا فلبعض العباد ذلك
مجازي، ويدعى بعضهم دعوى باطلة وكل هذا منقطع في ذلك اليوم هذا
معناه وإلا فالله سبحانه وتعالى هو المالك، والمالك على الحقيقة في الدارين
وما فيهما ومن فيهما وكل من سواه مربوب له عبد مسخر، ثم في هذا
الاعتراف من التعظيم والتمجيد وتفويض الأمر ما لا يخفى(٢).
قوله: ((مجدني عبدي))، ومعنى ((مجدني)) شرفني وعظمني ونزهني عما لا
(٣)
ينبغي (٣).
قوله: ((وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴾، قال: هذا بيني وبين
عبدي ولعبدي ما سأل)) معناه أن عبدي توجه إليّ بالعبادة وسألني العون
(١) شرح النووي على مسلم (١٠٣/٤) وذكر النووي جوابا على ذلك فقال: وأجاب
أصحابنا وغيرهم ممن يقول إن البسملة آية من الفاتحة بأجوبة أحدها أن التنصيف عائد
إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة هذا حقيقة اللفظ والثاني أن التنصيف عائد إلى ما يختص
بالفاتحة من الآيات الكاملة والثالث معناه فإذا انتهى العبد في قراءته إلى الحمد لله رب
العالمين.
(٢) شرح النووي على مسلم (٤/ ١٠٤).
(٣) النهاية (٢٩٨/٤).

١٤٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
عليها فعبادته متقبلة، والعون مني له عليها حتى يوقعها على وجهها، فالعبادة
وصف العبد والعون من الله تعالى للعبد، فلذلك قال: ((هذا بيني وبين
عبدي))(١).
قوله: ((فإذا قال: ﴿أَهْدِنَا﴾)) هو سؤال رغبة من العبد لربه تعالى في
الهداية، وقد أمر الله تعالى كل مكلف أن يسأله الهداية إلى الصراط
المستقيم، وهذا السؤال ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون السؤال
واقعا لمن ليس بمهتد بعد فيامرهم بسؤال الهداية إلى الصراط المستقيم
الذي هو الإيمان كما أمرهم بالتوحيد فإنه لا خلاف أن الكفار مخاطبون
بالإيمان؛ والسؤال الثاني: أن يكون هذا السؤال واقعا من المؤمنين الذين هم
مهتدون ويكون معنى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾﴾ أي: ثبتنا عليه فإن الله
تعالى قد يهب الهداية العبد ما شاء من عمره ثم يسلبها منه إذا شاء [ينبغي أن
يدعى هنا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن
لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾﴾(٢)]؛ والسؤال الثالث: أن يكون هذا
السؤال أيضاً من الأنبياء المهتدين المعصومين من وقوع الضلال بهم أبداً،
ويكون معنى ﴿آُهْدِنَا﴾ أي: زدنا هدى فإن هدى الله تعالى لا نهاية له،
فالسؤال الأول الهداية ممن ليس بمهتد هو سؤال دخول فيها كما يقول
القائل للواقف امش أي تلبس [٢١٨/ أ] بالمشي، والسؤال الثاني الذي هو
(١) قاله الاقليشى كما في تفسير ابن عجيبة (٦٠/١).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٨.

١٤٧
كتاب قراءة القرآن
طلب الاستدامة هو كقولك للماشي امش أي تماد على مشيك، والسؤال
الثالث الذي طلب استزادة هو كقولنا للماشي امش أي زد في المشي وحث
سيرك وهدايته تعالى لا نهاية لها ﴿وَالَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَى﴾(١) ﴿وَيَزِيدُ
اللَّهُ الَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ هُدَىُ﴾(٢).
قوله: ((﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ))) والصراط هو الطريق وأما الصراط
المستقيم فقد ذكر الزجاج بسنده عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول
الله ◌َّيّة يقول: ((الصراط المستقيم كتاب الله تعالى))، وعن ابن مسعود مثله؛
وعن النبي ◌َّل هو الإسلام، وقاله جماعة من الصحابة، واختار الطبري
القول والعمل الموافق للحق وهذا شامل لأن الصراط المستقيم هو صراط
الله الذي دعا إليه عباده وهو امتثال أوامره واجتناب نواهيه والله أعلم.
فائدة تتعلق بالفاتحة: قال صاحب الهدى: وكانت قراءته وسائل مداً يقف
عند كل آیة ویمد بها صوته، روینا في کتاب الشمائل للترمذي عن عائشة
ـَ ا لِلَّكَا
قالت: كان النبي ◌َّ يقرأ الحمد لله رب العالمين ثم يقف ثم يقول الرحمن
الرحيم يمد بها صوته (٣) ثم يقرأ قراءة مفسرة يقف عند كل آية ويمد بها
(١) سورة محمد، الآية: ١٧.
(٢) سورة مريم، الآية: ٧٦.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٠٠١)، والترمذي في السنن (٢٩٢٧) والشمائل (٣١٥) و(٣١٧) عن
أم سلمة. وصححه الألباني في الإرواء (٣٤٣)، المشكاة (٢٢٠٥)، صفة الصلاة، مختصر
الشمائل (٢٧٠).

١٤٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
صوته، قال صاحب الهدى: فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال آمين (١) والله
اعلم.
تنبيه: قال الله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَاطَ اٌلْمُسْتَقِيمَ ﴾﴾، افترض الله على
عباده أن من يسألوه في كل صلاة الهداية إلى صراط الذين أنعمت عليهم
وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَبِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ
التَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَ وَحَسُنَ أَوْلَبِكَ رَفِيقًا﴾ (٢)(٣)
انتھی.
٢٢٤١ - وَعَنِ ابْن عَبَّاس ◌َََّّا قَالَ بَيْنَمَا جِبْرَائِيلَ قَاعِد عِنْدِ النَِّ ◌َّ
سمع نقيضا من فَوْقه فَرفع رأسه فَقَالَ هَذَا بَاب من السَّمَاء فتح لم يفتح قطّ
إِلَّا الْيَوْمِ فَنزل مِنْهُ ملك فَقَالَ هَذَا ملك نزل إِلَى الأَرْض لم ينزل قطّ إِلَّ الْيَوْم
فَسلم وَقَالَ أبشر بنورين أُوتِيتُهُمَا لم يؤتهما نَبِي قبلك فَاتِحَة الْكتاب وخواتيم
سُورَة الْبَقَرَة لن تقْرَأْ بِحرف مِنْهُمَا إِلَّا أَعْطيته رَوَاهُ مُسلمٍ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم
وَقَالَ صَحِيح على شَرطهمَا (٤).
النقيض بِالْمُعْجَمَةِ هُوَ الصَّوْتِ.
قوله: وعن ابن عباس رَُّّهَا، تقدم الكلام عليه.
(١) زاد المعاد (١٢٠٠).
(٢) سورة النساء، الآية: ٦٩.
(٣) تفسير القرطبى (١٤٩/١).
(٤) مسلم (٨٠٦)، والحاكم (٥٥٨/١).

١٤٩
كتاب قراءة القرآن
قوله: بينما جبرائيل،عَلَلم قاعد عند النبي وَخلال، تقدم الكلام على جبريل
عالإسلام في كتاب الجمعة.
قوله: سمع نقيضا من فوقه؛ قال الحافظ: النقيض هو الصوت أ.هـ، وقال
غيره: النقيض هو بالقاف والضاد المعجمة أي صوتا كصوت الباب إذا فتح،
وقال في النهاية (١): النقيض الصوت ونقيض المحامل صوتها، ونقيض
السقف تحریك خشبه.
[وقوله] أبشر [بنورين] إلى أن قال ((فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة))
سيأتي الكلام على هذا الحديث في فضل سورة البقرة وآل عمران [سماهما
(نورين)؛ لأن كلا منهما يكون لقارئه يوم القيامة نورا يسعى بين يديه، أو لأنه
يرشده ويهديه بالتأمل فيه والتفكر في معانيه إلى الطريق القويم].
٢٢٤٢ - وَعَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَعِ رَ أَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ قَالَ أَعْطَيْت مَكَان
التَّوْرَاة السَّبع وَأعْطيت مَكَان الزبُور المئين وَأَعْطيت مَكَان الْإِنْجِيل المثاني
وفضلت بالمفصل رَوَاهُ أَحْمد وَفِي إِسْنَاده عمرَان الْقِطَّان(٢).
قوله: وعن واثلة بن الأسقع زَّوَّة [هو أبو شداد، ويقال: أبو الأسقع،
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٠٧)
(٢) أحمد (١٦٩٨٢)، والطبراني في الكبير (١٨٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢٤٨٤)،
والطيالسي (١٠١٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٤٦)، رواه أحمد وفيه عمران
القطان، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات، وصححه
الألباني في صحيح الجامع (١٠٥٩).

١٥٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو الخطاب، وقيل: أبو قرصافة، بكسر القاف،
واثلة بن الأسقع بن عبد العزى بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن
ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكنانى الليثى، وقيل: إنه واثلة بن عبد الله
بن الأسقع، قیل: أسلم والنبی گیژ یتجهز إلى تبوك، وشهدها معه، وشهد
فتح دمشق وحمص، وقيل: إنه خدم النبى وُّ ثلاث سنين، وكان من أهل
الصفة، روى له عن رسول الله ( مثلقول ستة وخمسون حديثا، روى له البخارى
حدیثا ومسلم آخر، سكن الشام فسكن دمشق، ثم استوطن بیت جبرين،
وهی بلدة بقر بيت المقدس، ودخل البصرة، و کان له بها دار. روى عنه عبد
الواحد بن عبد الله البصرى، بالصاد المهملة، وشداد بن عبد الله بن عامر
اليحصبى، وأبو إدريس الخولاني، ومكحول، وأبو المليح، ويونس بن
ميسرة، وخلق سواهم، توفى بدمشق سنة ست أو خمس وثمانين، وهو ابن
ثمانوتسعين سنة، قاله أبو مسهر. وقال سعيد بن خالد: توفى سنة ثلاث
وثمانين، وهو ابن مائة وخمس سنين، والصحيح الأول(١)].
قوله مشرقة: ((مكان التوراة السبع)) [وهي: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة
والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة على أن تحسب التوبة والأنفال بسورة
واحدة].
قوله: وفي إسناده عمران القطان [هو عمران بن داود القطان: قال عباس
عن يحيى ليس بشيء وضعفه أبو داود والنسائي، وقال ابن عدي هو ممن
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ١٤١ - ١٤٢ ترجمة ٦٦٢).

١٥١
كتاب قراءة القرآن
يكتب حديثه وحدث عنه عفان ووثقه ومشاه أحمد واحتج به ابن خزيمة
وابن حبان والحاكم وغيرهما].
خاتمة: اختلف في وقت نزول فاتحة الكتاب فقيل إنها أول ما نزل من
القرآن وقرأها وَّيه على ورقة بن نوفل، وقيل: نزلت مرتين، قال ابن عطية:
ظن بعض العلماء أن جبريل ،ثلثلما لم ينزل بسورة الحمد، لما روى مسلم عن
ابن عباس قال: «بينما جبريل قاعد عند النبي ◌ُّر سمع نقيضا من فوقه، فقال:
هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، وفي آخره: أبشر بنورين
أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة))، قال ابن
عطية: وليس كما ظنه، فإن هذا الحديث يدل على أن جبريل،فَليسَلهما تقدم
[٢١٨/ ب] الملك إلى النبي وَّ معلما به وبما ينزل معه، والصواب أن
جبريل نزل بتلاوتها بمكة والملك الآخر نزل بثوابها بالمدينة(١) أ.هـ قاله في
شرح الإلمام(٢).
(١) تفسير القرطبى (١١٦/١).
(٢) سبق وقد أشرنا إلى أن الكتاب لم يطبع بكامله.

١٥٢
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
الترغيب في قراءة سورة البقرة وآل عمران
وما جاء فيمن قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها
٢٢٤٣ - عَن أبي هُرَيْرَة رَّانَّهُ أَنْ رَسُول اللهِ وَِّهِ قَالَ لَا تَجْعَلُوا بُيُوتِكُمْ
مَقَابِرٍ إِن الشَّيْطَان يفر من الْبَيْتِ الَّذِي تَقْرَأْ فِيهِ سُورَةِ الْبَقَرَة رَوَاهُ مُسلم
وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ(١).
قوله: عن أبي هريرة نظمته، تقدم الكلام عليه.
قوله وَليلة: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر)) أي: اجعلوا لبيوتكم حصة من ذكركم
وتلاوتكم وصلاتكم لئلا تكون كالمقابر التي تورط أهلها في مهاوي الفناء
فقصرت مقدرتهم عن العمل.
قوله وَيّ: ((إن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)) هكذا
رواه بعض رواة مسلم ((يفر)) وضبطه الجمهور ((ينفر)) وكلاهما صحيح وإذا
كان هذا شان البيت فما ظنك بالقارئ قاله في حدائق الأولياء(٢)، وفي
الحديث جواز ان يقال سورة البقرة (٣) وسيأتي الكلام على ذلك في هذا الباب
وفيه أيضا دليل على الحث على قراءة سورة البقرة.
(١) مسلم (٧٨٠)، والترمذي (٢٨٧٧)، والنسائي (٨٠١٥)، وأحمد (٧٨٢١)، وابن حبان
(٧٨٣).
(٢) حدائق الأولياء (٨٩/٢).
(٣) إحكام الأحكام (٢/ ٩٤).

١٥٣
كتاب قراءة القرآن
٢٢٤٤ - وَعَن معقل بن يسَار زَّوَهُ أَن رَسُولِ الله ◌ِِّ قَالَ الْبَقَرَة سَنَامِ الْقُرْآن
وذروته نزل مَعَ كل آيَةٍ مِنْهَا ثَمَانُون ملكا واستخرجت ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَىُّ
اُلْقَيُّومُ﴾ (١) من تَحت الْعَرْش فوصلت بهَا أَو فوصلت بِسُورَة الْبَقَرَة وَيس قلب
الْقُرْآن لا يقْرؤهَا رجل يُرِيد الله وَالدَّارِ الْآخِرَةِ إِلَّا غفر لَهُ رَوَاهُ أَحْمد عَن رجل عَن
معقل(٢) وروى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهمِنْهُ ذکر یس (٣).
قوله: وعن معقل بن يسار زَّانَّهُ [هو أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار، وأبو
على معقل بن يسار بن معبر بن حراق بن لأى بن كعب بن عبيد بن ثور بن
هذمة بن لاطم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن
نزار بن معد بن عدنان المزنى البصرى، ومعبر بضم الميم، وفتح العين
المهملة، وكسر الموحدة المشددة، وقيل: معير بكسر الميم، وإسكان العين،
وفتح المثناة تحت، وحراق بضم الحاء المهملة، وقيل: حسان بدل حراق،
ويقال لأولاد عثمان وأوس ابنى عمرو: بنو مزينة، نسبوا إلى أمهم مزينة بنت
كلب بن وبرة، وكان معقل هذا من مشهورى الصحابة، شهد بيعة الرضوان،
ونزل البصرة، وبها توفى فى آخر خلافة معاوية، وقيل: توفى أیام یزید. روى له
عن رسول الله وَ ل أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخارى
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٢) أحمد (٢٠٣٠٠)، والنسائي (١٠٩١٤)، والطبراني في الكبير (٥١١)، وقال الهيثمي في
مجمع الزوائد (٦/ ٣١١)، رواه أحمد وفيه رجل لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) أبو داود (٣١٢١)، والنسائي (١٠٩١٣)، وابن ماجه (١٤٤٨)، وأحمد (٢٠٣٠١)، وابن
حبان (٣٠٠٢)، وقال الألباني في إسناده جهالة كما يأتي.

١٥٤
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
بحدیث، ومسلم بحدیثین. روى عنه عمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدى،
والحسن البصرى، قال أحمد بن عبد الله العجلى: ليس فى الصحابة من يكنى
أبا على غير معقل بن يسار هذا، وهذا الذى قال مردود، فقد سبق أن طلق بن
على كنيته أبو على. وذكر الحاكم أبو أحمد وغيره أن قيس بن عاصم كنيته
أبو على، وقيل: أبو قبيصة، وكان لمعقل دار بالبصرة، وإلیه ینسب نهر معقل
الذى فى البصرة، وإليه أيضا ينسب التمر المعقلى الذى بالبصرة، وروينا فى
صحيح مسلم، عن معقل بن يسار هذا، قال: لقد رأيتنى يوم الشجرة والنبى
و١005 يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشر
مائة، ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر(١)].
قوله وَجقر: ((البقرة سنام القرآن وذروته نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا))
سنام كل شيء أعلاه مأخوذ من سنام البعير.
تتمة: سورة البقرة فسطاط القرآن وسنامه ولبابه تعلمها عمر بفقهها وما
تحتوي عليه في اثنى عشر سنة وابنه عبد الله في ثمانين سنة، قال ابن
العربي(٢): فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر أخذها بركة
وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة وهم السحرة لمجيئهم بالباطل إذا قرئت
في بيت لم تدخله مردة الشياطين ثلاثة أيام، أ.هـ.
(١) تهذيب الأسماء واللغات (١٠٦/٢ ترجمة ٥٩٣).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (١٥/١).

١٥٥
كتاب قراءة القرآن
قوله وَّهُ: ((واستخرجت ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾(١) من تحت
العرش فوصلت بها)) سيأتي الكلام على آية الكرسي في باب مفرد إن شاء الله
تعالی.
٢٢٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس ◌َا قَالَ بَيْنَمَا جِبْرَائِيل ◌َُّ قَاعِد عِنْدِ النَّبِي ◌َِّيّ
سمع نقيضا من فَوْقه فَرفع رأسه فَقَالَ هَذَا بَاب من السَّمَاء فتح لم يفتح قطّ إِلَا
الْيَوْمِ فَنزل مِنْهُ ملك فَقَالَ هَذَا ملك نزل إِلَى الأَرْض لم ينزل قطّ إِلَّا الْيَوْم فَسلم
وَقَالَ أبشر بنورين أُوتِيتُهُمَا لم يؤتهما نَبِي قبلك فَاتِحَة الْكتاب وخواتيم سُورَة
الْبَقَرَة لن تَقْرَأْ بِحرف ◌ِمِنْهُمَا إِلَّا أَعْطِيتِهِ رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَتقدم(٢).
قوله: وعن ابن عباس ◌َقُّهَا، تقدم الكلام على ابن عباس.
قوله: فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال:
((أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة
البقرة)) الحديث، فهذا الحديث يدل على أنها مدنية وأن جبريل لم ينزل بها
وليس كذلك بل نزل بها جبريل عَ لَلما نزل بتلاوتها بمكة ونزل الملك بفضلها
وثوابها بالمدينة فتتفق الآثار وقد قيل إنها مكية مدنية نزل بها جبريل ◌َالبَام
مرتين حكاه الثعلبي وغيره وما ذكرناه أولى (٣)، وأنزلت بالمدينة قال
القرطبي وهو قول مجاهد وأبي هريرة وعطاء بن يسار والزهري، وقيل:
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٢) مسلم (٨٠٦)، والحاكم (٥٥٨/١).
(٣) التذكار (ص ١٧٢).

١٥٦
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
نزلت بمكة، قال ابن عباس وقتادة وأبو العالية وهو أصح لقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ
ءَاتَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِىِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ ﴾﴾(١)، والحجر مكية بإجماع
ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة وما حفظ أنه كان في الإسلام صلاة
قط بغير الحمد لله رب العالمين ذكره في التذكار(٢).
٢٢٤٦ - وَعَن أبي أَمَامَة الْبَاهِلِيّ ◌َهُ قَالَ سَمِعت رَسُول اللهِ وَّهِ يَقُول
اقرؤوا الْقُرْآن فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة شَفِيعًا لاصحابه اقرؤوا الزهراوين الْبَقَرَة
وَسورَة آل عمرَان فَإِنَّهُمَا يأتيان يَوْمِ الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو غيايتان أَو
كَأَنَّهُمَا فرقان من طير صواف تحاجان عَن أصحابهما اقرؤوا سُورَة الْبَقَرَة فَإِن
أخذها بركة وتركها حسرة وَلَا تستطيعها البطلة قَالَ مُعَاوِيَة بن سَلام بَلغنِي أَن
البطلة السَّحَرَةِ رَوَاهُ مُسلم(٣).
الغيايتان مثنى غياية بغين مُعْجمَة وياءين مثناتين تَحت وَهِي كل شَيْء أظل
الإِنْسَان فَوق رأسه كالسحابة والغاشية وَنَحْوهما
وفرقان أَي قطعتان.
قوله: وعن أبي أمامة الباهلي نظمته، تقدم الكلام عليه.
قوله : ((اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران)) الحديث،
الزهراوين أي المنيرتين كما سمي القرآن نورا وهو كله راجع إلى البيان قاله
(١) سورة الحجر، الآية: ٨٧.
(٢) التذكار (ص ١٧١).
(٣) مسلم (٨٠٤).

١٥٧
كتاب قراءة القرآن
عياض(١)، قالوا: سميتا الزهراوين لنورهما وهدايتهما وعظيم أجرهما (٢)،
والزهراوين واحدتهما زهراء مأخوذ من الزهر والزهرة وهي البياض [النير]
وهو أحسن الألوان(٣)، وفيه تنبيه على أن مكان السورتين مما عداهما من
سور القرآن مكان القمرين من سائر النجوم(٤) ونصب البقرة وآل عمران على
البدل من الزهراوين أو عطف البيان لهما. [٢١٩ / أ] [وفي تسمية البقرة وآل
عمران بالزهراوين ثلاثة أقوال: الأول أنهما النيرتان مأخوذ من الزهر
والزهرة، فأما لهدايتهما قارئهما بما يزهران من أنوارهما أي من معانيهما
وإما لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة وهو القول الثاني.
الثالث سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم كما ذكره أبو
داود وغيره عن أسماء بنت يزيد أن النبي وَّم قال: «اسم الله الأعظم في هاتين
الآيتين ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾﴾(6) والتي
في آل عمران: ﴿اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ اُلْحَىُّ الْقَيُّومُ ﴾﴾﴾(٦)))، أخرجه ابن ماجه
أيضًا في التفسير والغمام: السحاب الملتف، وهو الغياية إذا كانت قريبا من
الرأس، وهي الظلة أيضا. والمعنى: إن قارئهما في ظل ثوابهما، كما جاء
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (١٧٣/٣)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٣١٢).
(٢) شرح النووي على مسلم (٨٩/٦-٩٠).
(٣) النهاية (٣٢١/٢).
(٤) الميسر (٢/ ٤٩٢).
(٥) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.
(٦) سورة آل عمران، الآية: ٢.

١٥٨
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
((الرجل في ظل صدقته))(١) وفيه جواز قول سورة آل عمران وسورة النساء
وسورة المائدة وشبهها ولا كراهة في ذلك وكرهه بعض المتقدمين وقال إنما
يقال السورة التي يذكر فيها آل عمران والصواب الأول وبه قال الجمهور لأن
المعنى معلوم(٢).
قوله ◌َله فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان
الحديث قال أبو عمرو: الغياية: كل شئ أظل الإنسان فوق رأسه مثل
السحابة والغبرة والظلمة ونحو ذلك ، والغيايتان مثنى غياية بغين معجمة
وياءين مثناتين تحت وهي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة
والغاشية ونحوهما قاله المنذری.
قوله ◌َله أو كأنما فرقان من طير صواف الفرقان بكسر الفاء وإسكان الراء
وفي الرواية الأخرى كأنهما حزقان من طير صواف والحزقان بكسر الحاء
المهملة وإسكان الزاي ومعناهما واحد وهما قطيعان وجماعتان يقال في
الواحد فرق وحزق وحزيقة أي جماعة (٣) وقوله: ((حزقان)) ذكره الحميدي
فقال: خرقان بالخاء المعجمة مع الراء المهملة، وقال: إن كان محفوظا
فالخرق ما انخرق من الشيء وبان منه، والصواب حزقان بالحاء المهملة
والزاي المعجمة. قال ابن قتيبة: الحزق والحزيق والحزيقة والحازقة:
(١) التذكار (ص ١٨٢ -١٨٣)، وتفسير القرطبى (٣/٤).
(٢) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٠).
(٣) شرح النووي على مسلم (٦/ ٩٠-٩١).

١٥٩
كتاب قراءة القرآن
الجماعة من الطير والناس (١) وقيل للجماعة حزقة، لانضمام بعضهم إلى
(٢)
بعض(٢).
وقوله: صواف جمع صافة يقول صففت القوم إذا أقمتهم في الحرب على
خط مستو، وصفت الإبل قوائمها فهي صافة وصواف قال الله تعالى:
﴿فَاذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَفٌَّ﴾(٣) أي قائمات. وقد صففن أيديهن
وأرجلهن. وطير صواف: يصففن أجنحتهن في الهواء ومنه قوله سبحانه
﴿﴿وَالظَّيْرُ صَّفَّتٍ﴾(٤)(٥).
وفيه (تحاجان عن صاحبهما) الأصل في المحاجة أن يطلب كل واحد من
المتخاصمين أن يرد صاحبه عن حجته ومحجته وأريد ها هنا مدافعة
السورتين عن صاحبهما والذب عنه. وذلك داخل في المعنى المراد من
المثل المضروب؛ لأنه إنما ضرب مثل السورتين مرة بغمامتين وكرة بغيايتين
وتارة بفرقين من طير لينبه على أنهما يظللان صاحبهما عن حر الموقف
وكرب يوم القيامة، وإنما بنى الأمر في بيان المراد على الأنواع الثلاثة ترتيبا
لطبقات أهل الإيمان وتمييزا بين درجاتهم، فإن العباد وإن تباعدت منازلهم
(١) كشف المشكل (٤/ ٢٠١-٢٠٢).
(٢) النهاية (٣٧٨/١).
(٣) سورة الحج، الآية: ٣٥.
(٤) سورة النور، الآية: ٤١.
(٥) الميسر (٢/ ٤٩٢).

١٦٠
فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب
في العبودية واختلفت أحوالهم في علوم المعارف لا يتعدون عن الأقسام
الثلاثة التي وقع عليها التنصيص في كتاب الله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ.
وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾(١) وهم المفتونون الذين خلطوا
عملا صالحا وآخر سيئا والأبرار والمقربون وإدخال (أو) في (غيايتان) و
(فرقان) إنما كان] [الوجه الأيمن في هذه اللوحة ممسوح]. [الوجه الأيسر]
[٢١٩/ ب] للتقسيم لا للتردد عن الرواة لاتساق الروايات فيه على منوال
واحد(٢)، وعلى هذا يحتمل أنه ضرب الأول لأدناهم منزلة وهو أدناهم منزلة
وهو أن يقرأهما ولا يعرف معناهما، والثاني: لمن وفق للجمع بين تلاوة
اللفظ ودراية المعنى والثالث لمن ضم إليهما تعليم المستفيدين وإرشاد
الطالبين وبيان حقائقهما ولطائفهما حتى صاروا من حضيض الجهالة إلى
درج العرفان واليقين ولا جرم يمثل له يوم القيامة مساعيه طيورا صواف
يحرسونه ويحاجون عنه بالدلالة على سعيه في الدين(٣)، ثم إن الضرب الثاني
أرفع وأنفع من الأول والثالث أفضل وأكمل من الثاني لأن قوله فرقان من
طير يدل على أن أصحابهما قد بلغ منزلة لم يبلغها غيره، ثم تظليل الطير إياه
من عجائب الأمور لأن تظليل الغمام قد كان لكثير من عباد الله تعالى فضلا
عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأما تظليل الطير بتصفيف أجنحتها فإنه
(١) سورة فاطر، الآية: ٣٢.
(٢) الميسر (٤٩٢/٢ - ٤٩٣).
(٣) تحفة الأبرار (٥٢٣/١-٥٢٤).